الجهل فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبره، دالةٌ عليه، مرشدةٌ إليه، إذ يجده مكونًا من قَطرة ماءٍ: لحومًا منضده، وعظامًا مركبه، وأوصالاً متعددة، مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب جمعت بجلد متين، مشتملاً على ثلاثمائة وستين مفصلاً: ما بين كبير وصغير، وثخين، ودقيق، ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن، وشد هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقًا (أعصاب) للاتصال والانفصال، والقبض والبسط، والمد والضم، والصنائع والكتابة. وجعل فيه عشرة أبواب: فبابان للسمع وبابان للبصر، وبابان للشم، وبابان للطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.
عباد الله لننظر في هذه الأعضاء ومنافعها بالتفصيل. ابدأ: «بالرأس» : تأمل هذه القبة العظيمة التي ركبت على المنكبين، وما أودع فيها من العجائب، وما ركب فيها من الخزائن، وما أودع في تلك الخزائن من المنافع، وما اشتملت عليه من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع، ومن الرطوبات، والأعصاب، والطرق والمجاري، والدماغ، والمنافذ والقوى الباطنة: من الذكر، والفكر، والتخيل، وقوة الحفظ (١) .
وذلك من أعظم آيات الله وأدلته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك
стр. 107
والأمم في هذا المحل الصغير، والإنسان يحفظ كتبًا كثيرة، وعلومًا شتى متعددة، وصنائع مختلفة من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض.
ثم انزل إلى «العين» وتأمل عجائبها وشكلها وإيداع النور الباصر فيها، وتركيبها من عشر طبقات، ركبها سبحانه في أعلا مكان من الرأس بمنزلة طليعته والكاشف والرائد له، وجعل سبحانه موضع الإبصار في قدر العدسة، ثم أظهر في تلك العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر، وجعل داخل ماء العين مالحًا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعلها مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذار عنها، وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سببًا لاجتماع النور الذي به الإبصار، وأبلغ في الحسن والجمال. وخلق سبحانه لتحرك الحدقة ستة عضلات لو نقصت واحدة منها لاختل أمر العين. ومع ذلك فيستدل
بأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته.
ثم اعدل إلى «الأذنين» وهما رسولا القلب، وتأمل شقهما في جانبي الوجه، وخلقهما، وإيداعهما القوة السمعية، يدركان بها المعاني الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه، وإيداع الرطوبة فيهما، وجعلها مرة لتمتنع الهوام عن الدخول فيهما، وحوَّطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ، وجعل في الصدفتين تعريجات لتطول المسافة فتكسر حدة الصوت، ولئلا يفاجئهما الداخل إليهما من الدواب والحشرات.
стр. 108
ثم أنزل إلى «الأنف» وتأمل شكله وخلقه، وكيف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائمًا معتدلاً في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة، وفتح فيه بابين، وأودع فيهما حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها، ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها، ويعين أيضًا على تقطيع الحروف (١) . وجعله مصبًا للفضلات النازلة من الدماغ لتستريح منها، وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي. وأيضًا فإنه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد والرطب فيستغني بذلك عن فتح الفم (٢) والهواء الذي يستنشقه ينزل إلى المنخرين فينكسر برده فيهما، ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك، ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون، فإذا أخذت الرئة ما تحتاجه من الهواء عاد من الرئتين إلى الحلقوم، ثم إلى المنخرين.
ولم يضيع أحكم الحاكمين ذلك «النَّفَس» بل جعل إخراجه سببًا لحدوث الصوت، ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك باختلاف الصوت فيحدث الحرف، ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ونظيره فيحدث الكلمة، ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام الدال على أنواع المعاني.
стр. 109
ثم إنه سبحانه جعل «الحناجر» مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملامسة لتختلف الأصوات باختلافها، فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان. فميز سبحانه بين الأِشخاص بما يدركه السمع والبصر. فتأمل هذه الحكم الباهرة في اتصال النّفس إلى القلب لحفظ حياته، ثم عند الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببًا لهذه المنفعة العظيمة.
وأما «الفم» فمحل العجائب، وباب الطعام والشراب والنفس والكلام، ومَكَنُّ اللسان الناطق الذي هو آلة العلوم، وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه، وفيه منفعة الذوق والإدراك وتحريك الطعام (١) والدليل على اعتدال مزاج القلب وانحرافه، وعلى استقامته واعوجاجه، وعلى أحوال المعدة والأمعاء، وجعله سبحانه عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب ليسهل عليه القبض والبسط والحركة الكثيرة في أقاصي الفم وجوانبه.
وأما «الأسنان» فلما كان الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طحنه جعل الرب ﵎ آلة للتقطيع والتفصيل، وآلة الطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرأس ليسهل بها القطع. وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرءوس عريضة ليتأتى بها الطحن، ونظمها أحسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك، أنبتها سبحانه من نفس اللحم، وتخرج من خلاله كما ينبت الزرع في الأرض (٢) .
стр. 110
وزين «الوجه» أيضًا بما أنبت فيه من الشعور المختلفة الأشكال والمقادير. تأمل حال الشعر ومنبته. والغايةَ التي خلق من أجلها، وهي شيئان: أحدهما: عام وهو: تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة كشعر العانة والإبط والأنف؛ والآخر خاص وهو: إما للزينة، أو للوقاية ففي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض، ومنها الزينة والحسن. وفي شعر الحاجبين مع الحسن والجمال والزينة وقاية العين مما ينحدر من الرأس. ولو نقص عن هذا المقدار لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى العين وأضرَّ بها وحال بينها وبين ما تدركه. وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها التمييز بين الرجال والنساء. والنساء لما كنَّ محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى خلوهن عن اللحى، وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة، وزين الجبهة بالحاجبين وقوسهما وأحسن خطهما.
ثم انزل إلى «الصدر» ترى معدن العقل والعلم والحلم والرضا والغضب والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال والحب والإرادة والوقار والسكينة، والبر وسائر صفات الكمال، وأضدادها فتجد صدور العلِّية تعلو بالبر والخير والعلم والإحسان، وصدور السفلة تغلي بالفجور والشرور والإساءة والحسد والكبر.
وفي الصدر «القلب» الذي هو أشرف ما في الإنسان، وهو
قوام الحياة، وهو منبع الروح الحيواني والحرارة الغريزية، وهو محل
نظر الرب تعالى ومعرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة
стр. 111
إليه والرضا به وعنه. والعبوديةُ عليه أوَّلاً، وعلى رعيته وجنده تبعًا، فالجوارح أتباع القلب، والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات أو المعاصي إنما هي آثاره، فإن أظلم أظلمت الجوارح، وإن استنار استنارت؛ ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فسبحان مقلب القلوب، ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب، الذي يحول بين المرء وقلبه، ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه، مصرف القلوب كيف أراد؛ أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين، وكره انبعاث آخرين فثبطهم وقيل: اقعدوا مع القاعدين.
فاتقوا عباد الله وتفكروا في أنفسكم وما فيها من العبرة والدلالة على خالقكم وبارئكم، والزجر عن معصيته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣١- ٣٥] بارك الله.
стр. 112
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستيعنه.... إلخ.
أما بعد: فيا عباد الله: القلب يطلق على معنيين على العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وفي بطنه تجويف، وفي التجويف دم أسود. والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك هي حقيقة الإنسانية وهي «الروح» .
عباد الله وللملك لمة بالقلب، وللشيطان لمة فإذا ألم به الملك حدث من لمته والانفساح والانشراح والنور والرحمة والإخلاص والإنابة ومحبةُ الله وإيثارُه على ما سواه وقِصَرُ الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور. فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه؛ ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف، والسخط على المقدور، والشك في الحق، والحرص على الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب.
ثم من الناس من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى. ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى. والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه؛ فإذا كانت الجواذب صفات قوي سلطانه هناك، واستفحل أمره، ووجد موطئًا ومقرًا- فتأتي الأذكار والدعوات كحديث النفس لتدفع سلطان الشيطان. فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهير منها والاغتسال
стр. 113
بالتوبة النصوح بقي للشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمَّات من غير استقرار، وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك، فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨، ٩٩] .
عباد الله: وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنودُه أربعة فمن ضبطها وعدَّلها وأصلح مجاريها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه، وهي: الحرص، والشهوة، والغضب، والحسد. فمن كان حرصه إنما هو على ما ينفعه، وحسده منافسة في الخير: وغضبه لله على أعدائه، وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به: لم تضره هذه الأربعة؛ بل انتفع بها أعظم انتفاع (١) . إن أحسن الحديث ...
стр. 114
أطوار الإنسان
ودلالاتها على خالقه العظيم
الحمد لله الذي تعرف إلى خلقه بأنواع التعرفات، ونصب لهم الدلالات، وأوضح لهم الآيات البينات ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢- ١٤] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دعا عباده إلى التفكر في آياته ومخلوقاته، ليستدلوا بذلك على وحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتفكرين، وقدوة الذاكرين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله! ندب سبحانه ابن آدم في هذه الآيات إلى النظر والتفكر في نفسه في مبدأ خلقه، ووسطه، وآخره؛ إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على فاطره، وفيه من العجائب الدالة
стр. 115
على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه.
لينظر ابن آدم كيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى بأن قادهما بسلسلة المحبة والشهوة التي هي سبب تخليق الولد وتكوينه من نطفة. ولينظر بعين البصيرة إلى «النطفة» وهي قطرة ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ، ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب (١) منقادة لقدرته، مطيعة لمشيئته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها، إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجتمعها في مكان لا يناله هواء يفسده، ولا برد يجمده، ولا عارض يصل إليه، ولا آفة تتسلط عليه- فأقامت النطفة هناك برهة من الدهر.
ثم قلب سبحانه تلك النطفة البيضاء المشرقة «علقة» دمًا أحمر قد تغير لونها وشكلها وصفاتها، فأقامت كذلك مدة. ثم جعلها «مضغة» قطعة لحم بقدر ما يمضغها الماضغ مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها. ثم قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى «العظام» و «العروق» و «الأعصاب» ، ثم ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الانحلال. ثم كساها «لحمًا» ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظًا، وجعلها حاملة له مقيمة له.
وانظر كيف صورها فأحسن صورها، وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ، ومد اليدين والرجلين وبسطهما، وقسم رءوسهما بالأصابع.
стр. 116
ثم قسم الأصابع بالأنامل، ثم ركب فيها الأظفار، وركب الأعضاء الباطنة: من القلب، والمعدة، والأمعاء، والكبد، والمرارة، والطحال، والرئة، والمثانة، وغير ذلك كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه.
تأمل أعضاءك وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأة لها- «فاليدان» للعلاج (١) والبطش والأخذ والإعطاء والحماية والدفع. و «الرجلان» لحمل البدن والسعي والركوب، وانتصاب القامة. و «العينان» للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في السموات والأرض وآياتهما وعجائبهما. «الفم» للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك. و «الأنف» للتنفس وإخراج فضلات الدماغ وزينةً للوجه. و «اللسان» للبيان والترجمة والتبليغ عنك و «الأذنان» صاحبتا الأخبار تؤديا إليك (٢) .
وتأمل «الجهاز الهضمي» - تأمل أعضاء هضم غذائك وما أودع الله فيها من القوى التي تحيل أنواع الأطعمة من حنطة ولحم وفاكهة وماء وغيرها إلى دم يغذي أجزاء جسمك بما يناسب كل عضو وحاسة وإلا تحول إلى سم. «فالفم» مع كونه يقطِّع الغذاء ويخلطه يقوم بجزء من الهضم بما أودع فيه من اللعاب. و «المريء»
مع كونه منفذًا للمعدة يقوم بجزء من الهضم بما فيه من حركات وإفرازات لزجة ينزلق بها الغذاء إلى المعدة. و «المعدة» مع كونها خزانة حافظة للغذاء تتم عملية طحن الأطعمة وتبدأ بهضمها
стр. 117
واستحلابها، وتساعد بحموضتها القوية على تعقيم الأطعمة، وتنظم حركة عبورها إلى الأمعاء. و «الأمعاء» تتم هضم الطعام وتحليله إلى عناصره الأولية ويساعدها على ذلك عصارات الكبد والمعثكلة (البنكرياس) . ومن خلال جدران الأمعاء يجري امتصاص خلاصة المواد المهضومة ودفعها إلى الكبد، ثم التخلص من الثفل (الفضلات) . ثم «الكبد» يقوم بأكثر من خمسين وظيفة: من التخزين، والتأليف وتعديل السموم. ويساعد الكبد «الطحال» (١) و «الكليتان» (٢) .
فإذا تنقى الدم من تلك الفضلات وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الإصلاح اندفع من الكبد إلى «القلب» بواسطة الوريد الأجوف السفلي فيصب في الأذين الأيمن من القلب (٣) ، ومنه إلى البطين الأيمن من القلب، وهذا غليظ أزرق غير مصفى، فيضخه البطين الأيمن إلى «الرئتين»
فينبث في جرمهما، ويخالط الهواء النقي ويتصفى (٤) .
стр. 118
ثم يعود بواسطة الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر من القلب، ومنه إلى البطين الأيسر منه، فيضخه بواسطة الشريان (الأبهر) إلى العروق الضوارب (١) ؛ فيوصل -سبحانه- الغذاء بواسطتها إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له وإلى كل حاسة بحسبها- فيحيله إلى العظم عظمًا، وإلى اللحم لحمًا، وإلى العصب عصبًا، وإلى الشعر شعرًا، وهكذا ... ؛ فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله رزقًا ثانيًا. الرزق الأول خلق الغذاء، وهذا إيصاله إلى الأعضاء ... ، وكذلك أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] بارك الله....
стр. 119
الخطة الثانية
الحمد لله نحمده....
أما بعد: فيا أيها الإنسان أعد الآن النظر في نفسك مرة بعد مرة. من الذي دبرك بألطف التدبير وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك، ولا بصر يدركك، ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر. فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، حتى إذا كمل خلقك واستحكم وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمك فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فركضك الرحم ركضة من مكانك كأنه لم يضمك قط. ومن الذي صرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، ومن الذي رققه لك وصفاه وأطاب طعمه وحسن لونه وأحكم طبخه، ومن عطف عليك قلب الأم ووضع فيه الحنان العجيب والرحمة الباهرة (١) . حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك واحتجت إلى غذاء أصلب من غذائك وضع فيك آلة القطع والطحن، وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل المطاعم المختلفة زيد لك في تلك الآلات فمن الذي ساعدك بها ومكنك من ضروب الغذاء إلا أحكم
стр. 120
الحاكمين وأرحم الراحمين، فاشكره، واذكره، وأحسن عبادته وحده، على أن خلقك في أحسن تقويم، وتغذيتك بأصناف النعم، وأنت صغير وكبير (١) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] عباد الله إن أحسن الحديث.
стр. 121
الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى
الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له وهو الحكيم الخبير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له في كل مخلوق حكمة باهرة، وآية ظاهرة، وبرهان قاطع يدل على أنه رب كل شيء ومليكه، وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: هدى أمته هداية البيان والإرشاد، وأما هداية التوفيق والإلهام فإلى الملك العلام.
أما بعد: فيا عباد الله ذكر الله ﵎ عن فرعون أنه قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠] . أي أعطى لك شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره، وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلق له من الأعمال.
هذه الهداية شاملة للحيوان كله ناطقه وبهيمه. طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه، هداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه، وتقلبه وتصرفه بإرادته. وكذلك كل عضو له هداية تليق به- فهدى
стр. 122
الرجلين للمشي، واليدين للبطش والعمل، واللسان للكلام، والأذن للاستماع، والعين لكشف المرئيات، وكل عضو لما خلق له. وهدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد، وهدى الولد إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، وهداه إلى معرفة أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت، والقصد إلى ما ينفعه من المراعى دون ما يضره منه، وهدى الطير والوحش إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان. ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو. فتبارك الله رب العالمين.
وهدى «النحل» أن تتخذ من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها، وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها، ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء.
ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات «النبوة» و «المعاد» بأيسر نظر وأول ولهة، وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها عن كل شبهة، وأن من هدى هذه الحيوانات هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها لا يليق به أن يترك هذا النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته. وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل والشرع.
وهذا النمل من أهدى الحيوانات، وهدايتها من أعجب شيء؛ فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها
стр. 123
الطريق، فإذا ظفرت به حملته وساقته في طريق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان، فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت، فإن كان ينبت مع فلقه باثنين فلقته بأربعة، فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يومًا ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها، ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها. ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان ﵇ كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فجمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون، وبين لو أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم، ولذلك تبسم سليمان ضاحكًا من قولها، وإنه لموضع تعجب وتبسم. ومن عجب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق السموات على عرشه، كما رواه الإمام أحمد في «كتاب الزهد» من حديث أبي هريرة يرفعه قال: «خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون فإذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو مستلقية على ظهرها، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك، ورزقك، فإما أن تسقينا وترزقنا وأما أن تهلكنا. فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (١) .
стр. 124
وهذا «الهدهد» من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض لا يراه غيره. ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أنه قال لنبيه سليمان ﵇ وقد فقده وتوعده فلما جاء بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة، وخاطبة خطابًا هيجه على الإصغاء إليه والقبول منه، فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفًا مؤكدًا بأدلة التأكيد فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] ثم أخبر عن شأن تلك الملكة وأنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يؤتاه الملوك، ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها الذي تجلس عليه وأنه عرش عظيم، ثم أخبره بما يدعوه إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله وحده، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له، ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج ﴿الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض.
وهذا «الحمام» من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: أعقل الطير الحمام، وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب في لأزمان السابقة، ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة العبد، يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ثلاثة آلاف ميل فما دونها. وهداية الحيوان إلى مصالح معاشها كالبحر حدث ولا حرج.
стр. 125
ومن عجائب أمر «القرد» ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردًا وقردة زنيا فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا. فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم.
و «البقرة» يضرب ببلادتها المثل وقد أخبر النبي ﷺ : «أن رجلاً بينما هو يسوق بقرة إذ ركبها، فقالت: إني لم أخلق لهذا، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم. فقال النبي ﷺ : إني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم. ثم قال: بينما رجل يرعى غنمًا له إذ عدى الذئب على شاة منها فاستنقذها منه، فقال الذئب: هذه استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم. فقال رسول الله ﷺ : إني أومن بهاذ أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم» .
ومن هداية «الحمار» الذي هو من أبلد الحيوان أن الرجل يسير به ويأتي به إلى منزله من البعد في ليلة مظلمة فيعرف المنزل، فإذا خُلِّيَ جاء إليه، ويفرق بين الصوت الذي يستوقف به والصوت الذي يحث به على السير.
وهذا «الثعلب» إذا اشتد به الجوع انتفخ ورمي بنفسه في الصحراء كأنه جيفة فتتداوله الطير فلا يظهر حركة ولا نفسًا فلا تشك أنه ميت، حتى إذا نقر بمنقاره وثب عليها فضمها ضمة الموت.
وهذا «ابن عرس» و «القنفذ» إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصعتر النهري فأكلا منه كالترياق لذلك.
стр. 126
وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوان البهيم أمورًا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره (١) .
فتفكروا عباد الله في هداية هذه الحيوانات لما خلقت له واعرفوا عظمة باريها وتفهموا قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١- ٣] ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] . بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي سبحت الكائنات بحمده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مثل له من خلقه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل خلق الله خلقًا، وأرفعهم عنده منزلا. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال ابن عباس: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني. وقال ابن قتيبة: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك.
وقال سفيان بن عيينة: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم. فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو
стр. 127
الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعة ولغت فيه، فلذلك تجد في الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظة واحدة منها، وإن أخطأ رجل تراواه وحفظه. قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذا الحكم أن المراد المماثلة في الطبائع والأخلاق.
والله سبحانه جعل بعض الدواب كسوبًا محتالًا، وبعضها متوكلاً غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنة، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقًا مضمونًا وأمرًا مقطوعًا. وبعضها يدخر وبعضها لا كسب له. وبعض الذكورة يعول ولده، وبعضها لا يعرف ولده البتة. وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولده غيرها. وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه. وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئًا. وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمه من جنسه لم يدع أحدًا يدنو منه. وبعضها يحب الفساد ويكثر منه، وبعضها لا يفعله إلا في السنة مرة. وبعضها يقتصر على أنثاه، وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته. وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها، وبعضها لا ترد يد لامس. وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم، وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار. وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث، وبعضها يجمع بين الأمرين.
стр. 128
وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضها حقود لا ينسى الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة. وبعضها لا يغضب، وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى. وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة. وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضها الحسن والقبيح منه سواء. وبعضها يقبل التعليم بسرعة، وبعضها مع الطول، وبعضها لا يقبل ذلك بحال.
وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه، وعلى إتقان صنعته، وعجيب تدبيره، ولطيف حكمته، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته سبحانه، وما يعلم كل عاقل أنه لم يخلق عبثًا ولم يترك سدى (١) .
стр. 129
كيف لا يُحَبُّ الله
الأسباب الجالبة لمحبته، وعلامات صدقها
الحمد لله الذي نصب طاعته والخضوع له على صدق محبته دليلا، وفَضَّل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته، شاهد بوحدانيته، منقاد إليه لمحبته، مذعن له بطاعته، معترف بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، لا يبتغي سواه ربا، ولا يتخذ من دونه وليًا ولا وكيلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أحبهم إليه، وأكرمهم عليه. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع عباده المؤمنين عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس مرفوعًا: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة» .
والمحبة يا عباد الله تنشأ من الإحسان ومطالعة الآلاء والنعم؛ فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلاً عن أنواع أو أفراده. ويكفي
стр. 130
أن من بعض أنواعه نعمة النفَس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، له عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبيَاء: ٤٢] أي هو سبحانه المنعم عليهم بحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره.
هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه سبحانه. وفي بعض الآثار: «أنا الجواد، ومن أعظم مني جودًا وكرمًا، أبيت أكلأ عبادي في مضاجعهم وهم يبارزونني بالعظائم» وفي الترمذي، أن النبي ﷺ لما رأى السحاب قال: «هذه روايا الأرض يسقوها الله إلى قوم لا يذكرونه ولا يعبدونه» وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: «ابن آدم خيري إليك صاعد، كم أتحبب إليك بالنعت وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح» .
ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه خلق لهم ما في السموات والأرض وما في الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم
стр. 131
شرائعه، وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له، ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئًا لأتاه بقرابها مغفرة.
وشرع لهم الحج الذي يهدم ما كان قبله، فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به؛ وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقرابات هو الذي أمرهم بها، وخلقها لهم، وأعطاهم إياها، ورتب عليها جزاءها، فمنه السبب، ومنه الجزاء، ومنه التوفيق، ومنه العطاء أولاً وآخرًا.
أعطى عبده ماله وقال: تقرب بهذا إلى أقبله منك. فالعبد له، والمال له، والثواب منه؛ فهو المعطي أوَّلاً وآخرًا. فكيف لا يُحَبُّ من هذا شأنه، وكيف لا يستحيي العبد أن يصرف شيئًا من محبته إلى غيره. ومن أولى بالحمد والثناء والمحبة منه؟! ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟! فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
ويفرح بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذي ألهمه إياها، ووفقه لها، وأعانه عليها. وملأ سبحانه سمواته من ملائكته واستعملهم في الاستغفار لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم، ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته.
стр. 132
فانظروا إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم.
ومع هذا بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مُسِيئهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم أن يسأله قضاءها كل ليلة.
ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البُرُوج: ١٠] وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار وهو يدعوهم إلى التوبة.
فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته ؛ فإن نعمته على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها عَدَدَ الأنفاس واللحظات.
فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها، وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير؛ فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، ولا أحد أعظم إحسانًا منه ، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه ودال على كمال مبدعه، كما أن كل علم في الوجود فهو من آثار علمه، وكل قدرة فمن آثار
стр. 133
قدرته؛ ولا نسبة أصلاً بين كمالات العَالَم وكمال الله سبحانه (١) فيجب أن يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما. ومن لم يتحقق بمحبته علمًا وعملاً لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه؛ وليس ذلك إلا الله وحده؛ ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.
فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا الله بكل قلوبكم، فهذا شأن المؤمنين به. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥] . بارك الله لي ولكم ...
стр. 134
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكامل في صفاته وأسمائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأشدهم حبًا له وطلبًا لرضوانه. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين عرفوا أن الغاية من الخلق هي العبادة، والعبادة هي غاية المحبة والذل له سبحانه.
أما بعد: عباد الله: تظهر حقيقة المحبة في مواطن أربعة: أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل، فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به. الثاني: عند انتباه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم. الثالث: عند دخوله في الصلاة فإنها محك الأحوال، وميزان الإيمان بها يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإذا قام إلى الصلاة واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته وانفسح قلبه وانشرح واستراح دل على حقيقة المحبة. الرابع: عند الشدائد والأهوال؛ فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. والمحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة يصاب بها دونه؛ ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أُحد تنظر ما فعل رسول الله ﷺ مرت بأبيها وأخيها مقتولين فلم تقف عندهما، وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله؟ فقيل لها: ها هو ذا حي، فلما نظرت إليه قالت: ما أبالي إذا سلمت هلك من
стр. 135
هلك. وهكذا مصائب الموت وما بعده ومصائب القيامة إنما تسهل وتهون بالمحبة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله ﷺ ؛ فالمحبة أصل كل خير في الدنيا والآخرة؛ كما قال سحنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبي ﷺ قال: «المرء مع من أحب» فهم مع الله (١) اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا ومن الماء البارد على الظمأ. إن أحسن الحديث....
стр. 136
الطاعة حياة القلوب
علامة صحة القلب، ومرضه
الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله. البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله وجباله، ويرى تقلب قلب عبده ويشاهد اختلاف أحواله.
أحمده سبحانه هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله، إذا تاب إليه العبد فهو تعالى أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه؛ في الأرض المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطاع أوصاله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وأِهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة للسالكين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه (هَمَلاً) بل جعلهم موردًا للتكليف، ومَحَلاًّ للأمر والنهي، وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه
стр. 137
مجملاً ومفصلا؛ وقسمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل من الفريقين منزلا، وأعطاهم موارد العلم والعمل: من القلب والسمع والبصر. فمن استعمل ذلك في طاعته وسلك به طريق معرفته فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك. ومن استعمله في إراداته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزن حزنًا طويلا، ويقول ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٥٦] .
عباد الله: إن عبادة الله وشكره وذكره وأوامره وحقه الذي أوجبه على عباده وشرائعه التي شرعا لهم هي قرة العيون، ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبها شفاؤها، وسعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها؛ بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك. لكن لا يدرك هذه القرة وهذه اللذة وهذا النعيم إلا من كان قلبه صحيحًا فالقلب الصحيح هو الذي يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨، ٥٩] .
ومن علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه وسرور قلبه، قال ﷺ : «يا بلال أرحنا بالصلاة» وقال ﵊: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» .
ومنها أن يشح بوقته أن يذهب ضائعًا.
стр. 138
ومنها أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى ربه ويخبت إليه ويتعلق به.
ومنها أن يترحل عن الدنيا ويقرب من الآخرة حتى يصير من أهلها.
والقلب قد يمرض فتعتل صحته. ولمرضه علامات، وله علاج. فمرض القلب أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا، ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين؛ بل يصير معذبًا بنفس ما كان يراه منعمًا به: من جهة حسرة فوته، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم.
وللقلب مرضان: مرض الشهوة، ومرض الشبهة. والقرآن شفاء للنوعين ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل في الاعتقادات والآراء الفاسدة، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بشرط فهمه ومعرفة المراد منه.
وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب
القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرهب عما يضره فيصير القلب محبًا للرشد مبغضًا للغي فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية
стр. 139
الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي فلا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] .
وللقلب أمراض أخر: من الرياء، والكبر، والعجب، والحسد، والفخر، والخيلاء، وحب الرياسة، والعلو في الأرض. وهذا المرض مركب من مرض الشهوة والشبهة
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى- فتقواه هي وصية الله للأولين والآخرين وليكن نصب أعينكم دائمًا العناية بصحة وسلامه قلوبكم لتصلح إراداتها فتصلح أفعالها. وغذوها من الإيمان والقرآن بما يزكيها ويقويها ويفرحها وينشطها. واحرصوا دائمًا على حمايتها عما يضرها ويؤذيها فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وذلك بالإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات، وتنقيته من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات، لتكمل له السعادة في الحياة وبعد الوفاة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النُّور: ٢١] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
стр. 140
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ومن غوى فلن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩، ٧٠] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله طبيب القلوب العارف بأدوائها، الناصح المرشد لأتم صحتها وصلاحها، القائل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .
أما بعد: فقد صح عن حذيفة بن اليمان ﵁: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس فذلك قلب المنافق. عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي. وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما» . وقال عثمان بن عفان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته؛ بخلاف القلب الذي لم يطهره الله فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب
стр. 141
ما فيه من النجاسة، كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح.
فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على صحة وسلامة قلوبكم أكثر من حرصكم على صحة أجسامكم، فقد شخص لكم الداء والدواء، والحمية والغذاء، وقال طبيب القلوب والأبدان: «ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء» (١) إن أحسن الحديث ...
стр. 142
الشكر أجل المقامات،
ومن أجله خلق الخلق
الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشكره سبحانه على جزيل عطائه وإنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائم بحقوق ربه وحقوق خلقه، ومع ذلك قال: «لن يَدْخل أحدكم الجنة بأعماله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وإفضاله» ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كملت معرفتهم بربهم وبما يقرب من دار كرامته ورضوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا عباد الله: إن الشكر على النعم هو الغاية والهدف الذي من أجله خلق الله الخلق وأمرهم بما أمر؛ بل هو أجل المقامات وأعلاها، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النّحل: ٧٨] وأخبر سبحانه أنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته، فقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٧٢] وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ
стр. 143
مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١] فأخبر أنه ﴿أُمَّةً﴾ [البَقَرَة: ١٢٠] أي قدوة يؤتم به في الخير، وأنه ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة ١٢٠] والقانت هو المطيع المقيم على طاعته. والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه. ثم ختم له بهذه الصفات بأنه ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ فجعل الشكر غاية خليله.
والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها فيما يحب مسديها وموليها (١) روى الترمذي من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار ليلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له» . وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا في ماله» ، وروى الإمام أحمد بإسناده عن ثابت، قال: كان داود ﵇ قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمهم الله ﵎ في هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣] .
стр. 144
ومن الشكر أن تظهر على المرء آثار النعمة، فالله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه، فإن ذلك شكرها بلسان الحال، وفي صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «كلوا، واشربوا، وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» .
والشكر يكون على المحاب: من الأكل، والشرب، والكساء، والهداية، وغير ذلك، وقد بين النبي ﷺ مواطن الشكر ومناسباته، فمنها ما روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «دعا رجل من الأنصار من أهل قبا النبي ﷺ فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يُطعم ولا يُطْعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا. الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأٍ ولا مكفور ولا مستغنى عنه. الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. الحمد لله رب العالمين» وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء (الرضوان) في مقابلة شكره بالحمد. وقال ﵊: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال ولا ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت» وكان ﷺ : «إذا أخبر بأمر يسره خر ساجدًا لله » .
وعلى كل حاسة وجارحة شكر ما أعطيت من النعم قيل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا
стр. 145
أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًا لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥- ٧] قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت تشكر الله.
والرب تعالى يحمد على إعطاء هذه الحواس وهذه الجوارح من السمع والبصر واليدين والرجلين وإن قل ما في يد صاحبها من المال فهو غني بها. قال سلمان الفارسي ﵁: إن رجلاً بسط له من الدنيا فانتزع ما في يده فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية. وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما أعطيت به ما أَعْطَى الخلقُ لم أعطهم إياه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال: الرجل: لا. قال فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فذكره نعم الله عليه. فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة؟!
وقد يزوي الله بعض الدنيا عن عبده ويكون ذلك نعمة. قال