← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7373

موضوعات صالحة للخطب والوعظ

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (296 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما فيه من النجاسة، كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح. فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على صحة وسلامة قلوبكم أكثر من حرصكم على صحة أجسامكم، فقد شخص لكم الداء والدواء، والحمية والغذاء، وقال طبيب القلوب والأبدان: «ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء» (١) إن أحسن الحديث ...

стр. 142

الشكر أجل المقامات، ومن أجله خلق الخلق الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشكره سبحانه على جزيل عطائه وإنعامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائم بحقوق ربه وحقوق خلقه، ومع ذلك قال: «لن يَدْخل أحدكم الجنة بأعماله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وإفضاله» ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كملت معرفتهم بربهم وبما يقرب من دار كرامته ورضوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فيا عباد الله: إن الشكر على النعم هو الغاية والهدف الذي من أجله خلق الله الخلق وأمرهم بما أمر؛ بل هو أجل المقامات وأعلاها، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النّحل: ٧٨] وأخبر سبحانه أنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته، فقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٧٢] وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ

стр. 143

مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١] فأخبر أنه ﴿أُمَّةً﴾ [البَقَرَة: ١٢٠] أي قدوة يؤتم به في الخير، وأنه ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة ١٢٠] والقانت هو المطيع المقيم على طاعته. والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه. ثم ختم له بهذه الصفات بأنه ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ فجعل الشكر غاية خليله. والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها فيما يحب مسديها وموليها (١) روى الترمذي من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار ليلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له» . وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا في ماله» ، وروى الإمام أحمد بإسناده عن ثابت، قال: كان داود ﵇ قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم يكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمهم الله ﵎ في هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣] .

стр. 144

ومن الشكر أن تظهر على المرء آثار النعمة، فالله يحب من عبده أن يرى أثر نعمته عليه، فإن ذلك شكرها بلسان الحال، وفي صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «كلوا، واشربوا، وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» . والشكر يكون على المحاب: من الأكل، والشرب، والكساء، والهداية، وغير ذلك، وقد بين النبي ﷺ مواطن الشكر ومناسباته، فمنها ما روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «دعا رجل من الأنصار من أهل قبا النبي ﷺ فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يديه قال: الحمد لله الذي يُطعم ولا يُطْعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا. الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأٍ ولا مكفور ولا مستغنى عنه. الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا. الحمد لله رب العالمين» وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء (الرضوان) في مقابلة شكره بالحمد. وقال ﵊: «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ولا مال ولا ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت» وكان ﷺ : «إذا أخبر بأمر يسره خر ساجدًا لله » . وعلى كل حاسة وجارحة شكر ما أعطيت من النعم قيل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا

стр. 145

أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًا دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًا لله هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥- ٧] قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت تشكر الله. والرب تعالى يحمد على إعطاء هذه الحواس وهذه الجوارح من السمع والبصر واليدين والرجلين وإن قل ما في يد صاحبها من المال فهو غني بها. قال سلمان الفارسي ﵁: إن رجلاً بسط له من الدنيا فانتزع ما في يده فجعل يحمد الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بارية. وبسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب البارية: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما أعطيت به ما أَعْطَى الخلقُ لم أعطهم إياه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال: الرجل: لا. قال فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فذكره نعم الله عليه. فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة؟! وقد يزوي الله بعض الدنيا عن عبده ويكون ذلك نعمة. قال

стр. 146

أبو حازم: نعمة الله فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطى أقوامًا فهلكوا، وكل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية، وإذا رأيت الله يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره. وقال سفيان في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعرَاف: ١٨٢] قال يسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر. وحتى المصائب تكون نعمًا باعتبار قال شريح: ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: أن لا تكون كانت في دينه، وأن لا تكون أعظم مما كانت، وانها لابد كائنة فقد كانت. وقال عبد العزيز بن ابي ثابت: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه رأى ما شق علي منها. فقال: أتدري ماذا علي في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتي، ولا طرف لساني، ولا على طرف ذكرتي. فهانت علي قرحته؟ والرب تعالى يذكر عبده يوم القيامة بأنواع نعمه التي أنعم بها عليه قال حماد بن زيد، حدثنا ليث، عن أبي بردة، قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال لي: ألا تدخل بيتًا دخله النبي ﷺ ونطعمك سويقًا وتمرًا. ثم قال: إن الله إذا جمع الناس غدًا ذكرهم بما أنعم عليهم. فيقول العبد: ما آية ذلك؟ فيقول: آية ذلك أنك كنت في كربة كذا وكذا فدعوتني فكشفتها، وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتني فصبحتك. قال: يذكره حتى يذكر. فيقول آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطاب فزوجتك ورددتهم. يَقِفُ عَبْدَهُ بين يديه فيعدد عليه نعمه. فبكى، ثم بكى. ثم قال إني لأرجو الله أن لا يقعد الله عبدًا بين يديه فيعذبه.

стр. 147

ولو يتقصَّى ربنا في المحاسبة على النعم لنفدت الحسنات بأقل نعمة في البدن؛ فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم الله عليه، ولهذا في الحديث الصحيح «لن ينجي أحدًا منكم عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: أصبحنا مغرقين بالنعم، عاجزين عن الشكر، يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنا، ونتمقت إليه ونحن محتاجون. وروى الجريري عن معاذ بن جبل ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتى على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال: ابن آدم! هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: يا رسول الله دعوة دعوة أرجو بها الخير. فقال: إن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة» . فأوصيكم وإياي عباد الله بتقوى الله، والشكر عند النعماء. وليحذر المؤمن من نسبة النعم إلى غير الله، أو يظن أنها حصلت بمجرد الصدفة، أو يقول هذا بعملي وأنا محقوق به. قال أنس بن مالك ﵁: ما من عبد توكل بعبادة الله إلا عزم الله السموات والأرض تعبر رزقه فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفع عنه إليه، فإن العبدَ قبله أوجب عليه الشكر، وإن أباه وجد الغني الحميد فقراء يأخذون رزقه ويشكرونه له. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ

стр. 148

كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢- ٣٤] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ... الخطبة الثانية الحمد لله الذي وعد الشاكرين بالزيادة، فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . وأشهد أن لا إله إلا الله الولي الحميد. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «إذا أحب أحدكم أن يرى قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من تحته ولا ينظر إلى من فوقه» اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الشاكرين في السراء والضراء. أما بعد: عبد الله: لقد كان للسلف الصالح النصيب الأوفر من الشكر والتقدير للنعم، ومعرفة أنواعها كان الحسن البصري إذا ابتدأ حديثه يقول: الحمد لله، اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا، ورزقتنا، وهديتنا، وعلمتنا، وأنقذتنا، وفرجت عنا، لك الحمد بالإسلام، والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كَبَتَّ عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا؛ فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الشكر إذا رضيت.

стр. 149

وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن الحارث قال: أوحى الله إلى داود: «أحبني، وأحِب عبادي، وحببني إلى عبادي. قال: يا رب حبك، وحب عبادك. فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن» وثبت في المسند والترمذي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ: «إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» . فاقتدوا عباد الله بخيرة خلق الله من الأنبياء والصلحاء في الشكر عند النعماء والصبر عند البلاء، وتدبروا ما في كتاب الله من الأمر بالشكر والثناء على الشاكرين (١) . واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله ...

стр. 150

الصبر، وجوبه، وأنواعه، ونتائجه الحمد لله الصبور الشكور، شملت قدرته كل مخلوق، وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأقومهم بخشيته، وأنصحهم لأمته، وأصبرهم لحكمه، وأشكرهم لنعمه. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه عليه، كما وَحَّدَ الله وعَرَّف به ودعا إليه، وسلم تسليمًا كثيرًا. ورضي الله عن جميع أصحابه وأتباعه الحامدين لربهم على السراء والضراء، والشدة والرخاء. أما بعد: فيا عباد الله: إن الله ﵎ جعل الصبر آخية المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه الذي لا اعتماد له إلا عليها؛ فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة. «والصبر» يا عباد الله خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي

стр. 151

بها صلاح شأنها وقوام أمرها، قال النبي ﷺ : «وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» . وقال عمر بن الخطاب ﵁: وجدنا خير عيشنا بالصبر. و «النفس» مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. حفظ من خطب الحجاج أنه قال: اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرءًا جعل لنفسه خطامًا وزمامًا، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله؛ فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه. «والنفس لها قوتان» : قوة الإقدام، وقوة الإحجام. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره. ولإنسان في معترك الحياة بين جيشين: جيش الدين، وجيش الهوى فإما أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيرد جيش الهوى مفلولاً، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه المرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصّلَت: ٣٠] وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١] وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده. وإن كانت القوة والغلبة لداعي الهوى سقط منازعُه باعثُ الدين بالكلية، واستسلم البائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاءوا، ويكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز

стр. 152

الضعيف، أو يصير الشيطان وجنده من أعوانه. وهذه حال الفاجر القوي المتسلط، والمبتدع الداعية المتبوع، وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. وإنما صاروا إلى هذا لما أفلسوا من الصبر. أو يكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين فتارة له، وتارة عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا. وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث. فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة. و «الإنسان» لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال؛ فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه بغير اختياره، ونعمة يجب عليه شكر المنعم بها. فأما «الأمر» الذي يجب عليه امتثاله وتنفيذه فهو الطاعة، والعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية- أما في «الصلاة» فلما في طبع النفس من الكسل وإيثار الراحة، ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب، ورين الذنب، والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة، فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها، وإن فعلها مع ذلك كان متكلفًا غائب القلب ذاهلاً عنها طالبًا لفراقها. وأما «الزكاة» فلما في طبع النفس من الشح والبخل، وكذلك «الحج، والجهاد» للأمرين جميعًا. ويحتاج العبد ههنا إلى الصبر قبل الشروع فيها بتصحيح النية

стр. 153

والإخلاص وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على توفية العبادة حقها بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها، وعلى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها وأن لا يشتغل عنه بعبادته. ثم الصبر بعد الفراغ من العمل عن الإتيان بما يبطله، وأن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر والتعظم بها، وأن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية. وأما «النهي» الذي يجب عليه اجتنابه وتركه فهو المعاصي كلها. وأعظم ما يعين على تركها قطع المألوفات، ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة، وقطع العوائد الفاسدة. ومما يعين على الصبر إجلال الله ﵎ أن يعصى وهو يَرَى ويَسْمَع. ومنها إيثار محبة الله تعالى؛ فإن المحب لمن يحب مطيع. ومنها استحضار نعمته وإحسانه، فإن الكريم لا يقابل بإساءة من أحسن إليه. ومنها تذكر الغضب والانتقام؛ فإن الرب إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء. وكل هذه الأمور ونحوها مما يعين على ترك المعصية. وإما الصبر على «القدر» الذي يجري عليه بغير اختياره- فكالأمراض والفقر وموت الأقارب وغيرها، فيجب عليه أن لا يتسخطها. وهذه الثلاثة- الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والصبر على المصائب- هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمَان: ١٧] .

стр. 154

فالعزيمة الصادقة والهمة العالية والنخوة والمروءة الإنسانية، وإدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال، وإدراك ما في المحظور من الشر والضر والنقص، فمتى حصل له ذلك حصل له الصبر، وهانت عليه مَشاقُّهُ وَحَلَتْ له مَرَارته. وأما «النعمة» التي يجب عليه شكر المنعم بها عليه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة، هو محتاج إلى الصبر فيها بأن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، ولا تحمله على الأشر والبطر، والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله، وأن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع حرمها. وأن يصبر على أداء حق الله فيها لئلا يسلبها، وأن يصبر عن صرفها في الحرام، فلا يمكن نفسه من كل ما تريد منها. قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. وهناك صبر محرم كالصبر عن الطعام والشراب حتى يموت. فاتقوا الله عباد الله ولازموا الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والرضا بالمقدور، والشكر عند أسباب السرور، فقد ذم الله نوع الإنسان المتصف باليأس والكفر عند المصيبة، والفرح والفخر عند النعمة، ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هو: ٩- ١١] . بارك الله لي ولكم في القرآن ...

стр. 155

الخطبة الثانية الحمد لله العلي الكبير، السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبح له ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من بريته، وأعلاهم عنده منزلة، بلغ رسالة ربه، وصدع بأمره، وقام لله بالصبر والشكر حق القيام حتى بلغ رضاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى- وتقواه: فعل ما أمر، وترك ما حظر، والصبر على ما قدّر- واعلموا أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر؛ وأن الصبر أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، وقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب، أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بنصره فقال ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفَال: ٤٦] فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة، وخصهم بالهداية دون من سواهم ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٧] فاصبروا وصابروا. ومن لم يكن الصبر خُلُقًا له ومَلَكَةً فتكلَّفه واسْتَدْعاه وزَاوَلَه صار سجية له وطبيعة، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن يتصبر يصبره الله» كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار

стр. 156

والسكينة والثبات حتى تصير خلقًا له بمنزلة الطبائع (١) . وصلوا على خير هاد وبشير؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين، وبدأ بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزَاب: ٥٦] .

стр. 157

لا إلا إله الله أوَّلاً الحمد لله الذي خلق الجنة وجعل مفتاحها لا إله إلا الله. أحمده سبحانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: شهادة مخلص فيها، موقن بها. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جدد ما اندرس من معالمها، ومع ذلك قال له ربه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . فصدع بها ونادى، ووالى عليها وعادى، وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . دعا إلى هذه الكلمة عشر سنين ولم يدع قبلها إلى زكاة ولا صيام، ولا حج، وعمرة إلى بيت الله الحرام. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا من امتنع من قولها، أو صد عنها، أو نقضها. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، وجددوا إيمانكم في المساء والصباح بتأمل وتطبيق معنى لا إله إلا الله، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، ومن أجلها أرسلت الرسل إلى العباد ليعلموهم العمل بلا إله إلا الله، وهي الكلمة التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست

стр. 158

الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من تعلق بسببه، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر عن دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، «ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . عباد الله: إن روح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه بالمحبة والتعظيم والخوف والرجا وتوابع ذلك من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة- فلا يحب سواه المحبة المقتضية للذل والخضوع- بل كل ما كان يحب فإنما هو تبع لمحبته ووسيلة إلى محبته- ولا يخاف سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يحتسب إلا به، ولا يستعان في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ إلا إليه، ولا يركع إلا له، ولا ينحنى إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه- ويجتمع ذلك في عبارة واحدة وهي «أن لا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا هو سبحانه» . واعلموا عباد الله أن لا إله إلا الله لا تنفع قائلها إلا بعد معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، والسلامة مما يناقضها- لابد في شهادة لا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل واحد من هذه الثلاثة لم يكن الرجل مسلمًا- فإذا كان مسلمًا وعاملاً بالأركان ثم حدث منه قول أو فعل أو اعتقاد يناقض

стр. 159

ذلك لم ينفعه قول لا إله إلا الله- فمن صرف لغير الله شيئًا من العبادات بأن أشرك به أحدًا من المخلوقات فهو كافر ولو نطق ألف مرة بلا إله إلا الله. قيل للحسن البصري- ﵀ أن أناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال من قالها وأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب ابن منبه- ﵀ لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك. فالإسلام له نواقض عدها العلماء عشرة. فالشرك من نواقض الإسلام؛ فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد نقض الإسلام. ومن لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر بالإجماع. والإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به كفر بالإجماع. ومن اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر. ومن استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر وانتقض إسلامه. وكلها من أعظم ما يكون خطرًا وأكثره ما يكون وقوعًا. فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. عباد الله- ويخاف على المسلم أن يأتي بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر فيضيف إلى ذلك سيئات فتضم إلى هذا الشرك فيرجح جانب

стр. 160

السيئات؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين فيضعف قول لا إله إلا الله، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم وحلاوة، فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث ومخالطة أهل الباطل، وكره مخالطة أهل الحق- فمثل هذا إذا قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله. قال الحسن البصري- ﵀: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرًا قبل منه، ومن قال خيرًا وعمل شرًا لم يقبل منه. فالذي يدخل النار ممن يقولها: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئة أو سيئات رجحت على حسناتهم. فقد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة، وما يزن ذرة. وتواترت بأن كثيرًا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها. وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم- فهولاء كانوا يصلون ويسجدون لله. وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال: بالصدق واليقين والإخلاص وعدم الشك. فاحرص أيها المسلم أن تكون ممن يشهد أن لا إله إلا الله

стр. 161

حقيقة الشهادة، بحيث لا يبقى في قلبك شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله، فإن من مات على هذه الحالة فهو من أهل الجنة ولا يدخل النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . لكن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت. ومنهم من تكون مضطجعة. ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن. وفي الحديث الصحيح «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحاة يعني راحةٍ» ... يعني لا إله إلا الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦] .

стр. 162

الخطبة الثانية الحمد لله نحمده ونستعينه ... أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين قاموا بواجب لا إله إلا الله؛ فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووالى عليها وعادى رفعته إلى أعلى عليين منازل أَهل لا إله إلا الله. أخرج البخاري في صحيحه عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ ومعاذ بن جبل ﵁ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ» قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قالها ثلاثًا. قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرم الله تعالى عليه النار» . قال: يا رسول الله: أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتكلوا» اللهم اجعلنا ممن يقوم بأركان الإسلام، ولا تجعلنا ممن يكتفي في الإسلام بالأنساب، ونعوذ بك اللهم من الشرك ومن الإلحاد، ونسألك الاستقامة على التوحيد والطاعة والسداد (١) . إن أحسن الحديث ...

стр. 163

الصلاة وحِكَمُها وأسرارها وحِكَم الطهارة لها الحمد لله الذي أنعم على عباده بأعظم النعم وأجلها وأفضلها وأعلاها، ببعثه الرسل وإنزاله الكتب بأزكى الشرائع وأسناها، أحمده سبحانه وحمدي له من نعمه، وأسأله المزيد من عطائه وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له- أوامره سبحانه رحمة وإحسان وشفاء، وحياة للقلوب وغذاء، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والكساء، فلولا رحمته بالعلم والإيمان، وبيان الحرام والحلال، لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات، ويتسافدون تسافد الحيوانات، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتنعون من قبيح، ولا يهتدون إلى صواب. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنزل عليه شريعة مكملة للفطر والعقول، مرشدة إلى ما يحبه الله ويرضاه، ناهية عما يبغضه ويسخطه ويأباه، مستعملة لكل قوة وعضو وحركة في كماله الذي لا كمال له سواه، آمرة بمكارم الأخلاق ومعاليها، ناهية عن دنيئها وسفسافها، دالة على أن الذي جاء بها رسول صادق، وأن الذي شرعها أحكم الحاكمين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وجميع أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 164

أما بعد: فيا عباد الله: الشرائع ضرورية في مصالح الخلق، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة تقدر- فهي أسباب موصلة إلى سعادة الدارين، ورأس الأسباب الموصلة إلى صحة البدن وقوته واستفراغ أخلاطه، ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها- انظروا إلى الأمكنة والأزمنة التي خليت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها، وما دخل عليهم من الجهل والظلم، والكفر بالخالق، والإشراك بالمخلوق، واستحسان القبائح، وفساد العقائد والأعمال. عباد الله! قد جعل الحكيم العليم لكل قوة من القوى ولكل حاسة من الحواس ولكل عضو من الأعضاء كمالاً حسيًا وكمالاً معنويًا؛ فأعطاه كماله الحسي خَلْقًا وَقَدَرًا، وأعطاه كماله المعنوي شرعًا وأمرًا، فبلغ بذلك غاية السعادة والانتفاع بنفسه- ويكفي العاقل البصيرَ الحيَّ القلب فِكْرُهُ في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو «الصلاة» وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة، والمصالح الباطنة والظاهرة، والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى، التي لو اجتمع حكماء العالم واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة، وما في مقدماتها وشروطهما من الحكم العجيبة: من تطهير الأعضاء والثيات والمكان، وأخذ الزينة، واستقبال بيته الذي جعله إمامًا للناس، وتفريغ القلب لله، وإخلاص النية، وافتتاحها بكلمة (الله أكبر) الجامعة لمعاني العبودية، الدالة على أصول الثناء وفروعه، المخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه- فيقوم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كل شيء وأعظم من كل

стр. 165

شيء، في كبريائه السموات وما أظلت، والأرض وما أقلت، والعوالم كلها، عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، قاهر فوق عباده، ناظر إليهم، عالم بما تكن صدورهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، لا يخفى عليه خافية من أمرهم (١) . ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية (٢) . ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به: من حمده، وذكر ربوبيته للعالم، وإحسانه إليهم، ورحمته بهم، وتمجيده بالملك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه مَلِكٌ سواه حين يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ويَدِينُهم بأعمالهم. ثم أفرده بنوعي التوحيد: توحيد ربوبيته استعانة به، وتوحيد إلهيته عبودية له. ثم سؤال أفضل مسئول وأعلى مطلوب على الإطلاق- وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم، وجعله صراطًا موصلاً لمن سلكه إليه وإلى جنته، وأنه صراط من اختصهم بنعمته بأن عرفهم الحق وجعلهم متبعين له، دون صراط أمة الغضب الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه (٣) .

стр. 166

ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب، وشفاء الصدور، ونور البصائر، وحياة الأرواح- وهو كلام رب العالمين، فَيَحِلُّ به فيما شاء من روضات مونقات، وحدائق معجبات، زاهية أزهارها، مونقة ثمارها، قد ذللت قطوفها تذليلا، وسهلت لمتناولها تسهيلا- فهو يجتني من تلك الثمار خيرًا يؤمر به، وشرًا ينهى عنه، وحكمة، وموعظة، وتبصرة، وتذكرة، وعِبْرةً، وتقريرًا لحق، ودحضًا لباطل، وإزالة لشبهة، وجوابًا عن مسألة، وإيضاحًا لمشكل، وترغيبًا في أسباب فلاح وسعادة، وتحذيرًا من أسباب خسران وشقاوة، ودعوة إلى هدى، ورد عن ردى- فتنزل على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحل منها محل الأرواح لأبدانها. فأي نعيم وقرة عين ولذة قلب وابتهاج وسرور لا يحصل له في هذه المناجاة؟! والرب تعالى يسمع لكلامه جاريًا على لسان عبده، ويقول: حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي. ثم يعود إلى تكبير ربه فيجدد به عهدَ التذكرةِ كونَهُ أكبرَ من كل شيء بحق عبوديته وما ينبغي أن يعامل به. ثم يركع حانيًا له ظهره خضوعًا لعظمته، وتذللاً لعزته، واستكانة لجبروته، مسبحًا له بذكر اسمه العظيم- فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه وبسط ظهره، وربه فوقه يرى خضوعه وذله ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال النبي ﷺ : «أما الركوع فعظموا فيه الرب» .

стр. 167

ثم عاد إلى حاله من القيام حامدًا لربه، مثنيًا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمها- مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والمجد، معترفًا بعبوديته، شاهدًا بتوحيده، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه لا ينفع أصحاب الجدود والأموال والحظوظ جدودُهم عنده ولو عظمت. ثم يعود إلى تكبيره ويخر له ساجدًا على أشرف ما فيه وهو الوجه، فيعفره في التراب ذلاً بين يديه ومسكنة وانكسارًا، وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع حتى أطراف الأنامل ورءوس الأصابع. وندب له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفه، وأن لا يكون بعضه محمولاً على بعض، وأن يباشر التراب بجبهته، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلاً للخضوع والتذلل لمن له العز كله والعظمة كلها. وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك من حين خلق إلى أن يموت لما أدى حق ربه عليه. ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله هو، وينزهه عن مثل هذه الحال، وأن من هو فوق كل شيء وعال على كل شيء ينزه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو. ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه وانكساره كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال، فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العَلق: ١٩] وقال النبي ﷺ : «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» . ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال

стр. 168

الإنسان وهي هيئة القيام، ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار. وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه، وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته. ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة، كما شرع تكرار الأذكار والدعوات مرة بعد مرة، ليستعد بالأول لتكميل ما بعده، ويجبر بما بعده ما قبله؛ وليشبع القلب من هذا الغذاء، وليأخذ زاده ونصيبه من هذا الدواء، ليقاوم ما يعرض له من الأدواء. ثم لما أكمل صلاته شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه، ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علَّم الأمة هذا الخير ودلهم عليه، ثم شرع له أن يسأل حوائجه ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربه مقبلاً عليه. فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين في الصلاة. فاتقوا الله عباد الله وتفهموا دائمًا المقصود من الصلاة، وما شرع فيها من إحضار القلوب واستحضار معاني ومقاصد القراءة والأذكار والحركات.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] .

стр. 169

الخطبة الثانية الحمد لله الحكيم العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الغر المحجلين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله- وتأملوا كم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف لما ألقاه عز النفس من درن المخالفات- فهي منظفة للقلب والروح والبدن. وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور. وتأملوا كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل- فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأربعة هي أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها. ثم جعل في اليدين: وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي. ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى. ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجًا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره. وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره» فهذا من أجلِّ حكم الوضوء وفوائده. وهو سيما هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم. ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل

стр. 170

شعرة شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي ﷺ : «إن تحت كل شعرة جنابة» فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه. ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضأ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب. ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملاً جوارحه قد أسأمها في مراتع الشهوات والحظوظ- لما كان هذا طبعه وذاته- أمر أن يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتًا بعد وقت، لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه، وينقطع عنه بالكلية، وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه، وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فاحمدوه تعالى على ذلك ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النُّور: ٥٦] (١) . إن أحسن الحديث كتاب الله....

стр. 171

الصراط المستقيم والحاجة الماسة إلى سؤاله الحمد لله المحمود على ما قدره وقضاه، وأستعينه استعانة من يعلم أنه لا رب له غيره ولا إله له سواه، وأستهديه سبيل الذين أنعم عليهم ممن اختاره لقبول الحق وارتضاه، وأستغفره من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأتحملها عن الجاحدين، وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المرتضى، ورسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، القائل: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فسنتناول في هذه الخطبة تفسير ثلاث آيات هي قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفَاتِحَة: ٥- ٧] . عباد الله لما كانت الهداية إلى الصراط المستقيم أجلَّ

стр. 172

المطالب، ونيلُها أشرفَ المواهب، وحاجةُ العباد إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء، والكساء والدواء، أمرنا الله بل فرض علينا أن نسأله إياها في أفضل أحوالنا وهي «الصلاة» مرات متعددة في اليوم والليلة قائلين: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «والصراط المستقيم» هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. والهداية إليه هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام- وبعبارة أبسط: هي تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلاً وإجمالاً، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لأتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة؛ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم. وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه. وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة. فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ نبه سبحانه على الرفيق في هذا الطريق أنهم الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الطريق وحشةُ تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، فلا يكترثْ بمخالفة الناكبين عنه، فإنهم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثر عددًا. وتخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة يدل على أن النعمة التامة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وهي نعمة الإسلام والسنة وهي لأهل الإيمان.

стр. 173

وأما مطلق النعمة فيكون للمؤمن والكافر- كنعمة الصحة، والغنى، وبسط الجاه، وكثرة المال والولد، والزوجة الحسنة، وأمثال ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وهذه النعمة لما كانت استدراجًا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن نعمة وإنما كانت بلية، كما سماها الله في كتابه كذلك فقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفَجر: ١٥] . فالمنعم عليهم هم من عرف الحق واتبعه. و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم من عرفه واتبع هواه. قال الله تعالى في حق اليهود: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البَقَرَة: ٩٠] أي بغضب بعد غضب بسبب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد ﷺ ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضبًا على حدة- فتعطيلهم ما عطلوه من شرائع التوراة وتحريفهم وتبديلهم يستدعي غضبًا. وتكذيبهم الأنبياء يستدعي غضبًا آخر. وقتلهم إياهم يستدعي غضبًا آخر. وتكذيبهم المسيح وطلبهم قتله ورميهم أمه بالبهتان العظيم يستدعي غضبًا، وتكذيبهم النبي ﷺ يستدعي غضبًا، ومحاربتهم له ولأتباعه يقتضي غضبًا. وصدهم من أراد الدخول في دينه عنه يقتضي غضبًا- فهم الأمة الغضبية- أعاذنا الله من غضبه- فهي الأمة التي باءت بالغضب المتضاعف المتكرر، وكانوا أحق بهذا الوصف من النصارى. وقال تعالى في شأنهم:

стр. 174

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المَائدة: ٦٠] . فهذا غضب مشفوع باللعنة والمسخ، وهو أشد ما يكون من الغضب. ﴿الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى، وقد وصفوا بالضلال المتنوع في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المَائدة: ٧٧] فوصفهم بثلاث صفات. أحدها: أنهم قد ضلوا من قِبَلِهِم. والثاني: أنهم أضلوا أتباعهم. والثالث: أنهم ضلوا عن سواء السبيل- فأسلاف النصارى الذي نهي هؤلاء عن اتباعهم اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة: ضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه، وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع. فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به، وضلوا عن السبيل الموصلة إليه؛ فلا اهتدوا إلى المطلوب، ولا إلى الطريق الموصلة إليه، ودعوا أتباعهم إلى ذلك. فضلوا عن الحق، وعن طريقه، وأضلوا كثيرًا، فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين. فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة، ومن عدم إرادته والعمل به أخرى- فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غيره بعد معرفته، فلم يكن ضلالاً محضًا. وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه، فإذا بين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية، وبقوا مغضوبًا عليهم ضالين (١) .

стр. 175

عباد الله أما الذين أثنى الله عليهم في القرآن فهم الذين كانوا متمسكين بالتوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل، هم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] . وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عِمرَان: ١١٣] الآيات الثلاث. وليس المراد بهم المتمسك باليهودية والنصرانية بعد بعث النبي ﷺ ؛ فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عِمرَان: ٦٥] فهؤلاء من المغضوب عليهم والضالين. فتفهموا عباد الله معنى الصراط المستقيم- أنه الدين القويم-

стр. 176

واسألوه في كل وقت الهداية إليه؛ فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفها فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه، ثم إلى من يقدره على فعله، وأن يصرف عنه موانع الهداية؛ فيخرج عن طريق المغضوب عليهم الذي عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّساء: ٦٩] . بارك الله لي ولكم في القرآن. الخطبة الثانية الحمد لله الذي بعث محمدًا ﷺ بالدين القويم، وأمرنا أن نسأله كل يوم في صلاتنا أن يهدينا الصراط المستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، والله ذو الفضل العظيم. ويضل من يشاء بعد أن هداهم هداية البيان فلم يهتدوا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١١٥] . وأِشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المنعم عليهم والقائل: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» . اللهم صل وسلم على

стр. 177

عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اشتملت فاتحة الكتاب التي فرض علينا أن نقرأها في صلاتنا: على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد العباد إلى سؤال ربهم والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وحده، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون. روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم، فهل تضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة إلا كما تضارُّون في رؤية أحدهما» . إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتَتِّبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في

стр. 178

النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبِّرِ أهل الكتاب (١) فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار (٢) . ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨- ١٠٣] إن أحسن ...

стр. 179

الدعاء وأسباب إجابته، أو رده الحمد لله الذي شرع الدعاء ووعد بالإجابة، العالم بكل شيء، الرحيم بذاته- فلا يحتاج إلى وسائط يعرفونه بأحوال خلقه، أو يستعطفونه بالشفاعة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء؛ فالخضوع لغيره من أقبح الجهل وأسفه السفاهة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من دعا غيره فقد ظن بربه ظن السوء في ربوبيته وأسمائه وصفاته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وأكثر من دعائه وتضرعاته، فحضى بالنصر هو وأصحابه، وهكذا كانت طريقة عباد الله وأنبيائه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فقد قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافر: ٦٠] . عباد الله! من فضل الله وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ روى أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: «أربع

стр. 180

خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به. وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك» . وعلاوة على ذلك أنه يغضب إذا لم يُسأل- أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه» . ولأهمية الدعاء حصر النبي ﷺ العبادة في الدعاء- روى الإمام أحمد بسنده، عن النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافر: ٦٠] » وفي الحديث الآخر: «الدعاء مخ العبادة» يعني خالص العبادة ولبها. وكل ما فيه ثناء على الرب وتنزيه له، أو طلب حوائج الدنيا والآخرة منه تعالى فهو دعاء (١) . والإلحاح في الدعاء مما يحبه الله- ذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . وإذا دعا العبد فلا يستعجل ولا يستبطئ الإجابة- لا يتعب ويسأم ويدع الدعاء فيكون بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «لا يزال يستجاب للعبد
следующие страницы →