← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7373

موضوعات صالحة للخطب والوعظ

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (296 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واسألوه في كل وقت الهداية إليه؛ فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفها فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه، ثم إلى من يقدره على فعله، وأن يصرف عنه موانع الهداية؛ فيخرج عن طريق المغضوب عليهم الذي عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّساء: ٦٩] . بارك الله لي ولكم في القرآن. الخطبة الثانية الحمد لله الذي بعث محمدًا ﷺ بالدين القويم، وأمرنا أن نسأله كل يوم في صلاتنا أن يهدينا الصراط المستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، والله ذو الفضل العظيم. ويضل من يشاء بعد أن هداهم هداية البيان فلم يهتدوا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التّوبَة: ١١٥] . وأِشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المنعم عليهم والقائل: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» . اللهم صل وسلم على

стр. 177

عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اشتملت فاتحة الكتاب التي فرض علينا أن نقرأها في صلاتنا: على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد العباد إلى سؤال ربهم والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وحده، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون. روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم، فهل تضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة إلا كما تضارُّون في رؤية أحدهما» . إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتَتِّبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في

стр. 178

النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبِّرِ أهل الكتاب (١) فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فأسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار (٢) . ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨- ١٠٣] إن أحسن ...

стр. 179

الدعاء وأسباب إجابته، أو رده الحمد لله الذي شرع الدعاء ووعد بالإجابة، العالم بكل شيء، الرحيم بذاته- فلا يحتاج إلى وسائط يعرفونه بأحوال خلقه، أو يستعطفونه بالشفاعة، القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء؛ فالخضوع لغيره من أقبح الجهل وأسفه السفاهة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من دعا غيره فقد ظن بربه ظن السوء في ربوبيته وأسمائه وصفاته. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وأكثر من دعائه وتضرعاته، فحضى بالنصر هو وأصحابه، وهكذا كانت طريقة عباد الله وأنبيائه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فقد قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافر: ٦٠] . عباد الله! من فضل الله وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ روى أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: «أربع

стр. 180

خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به. وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك» . وعلاوة على ذلك أنه يغضب إذا لم يُسأل- أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه» . ولأهمية الدعاء حصر النبي ﷺ العبادة في الدعاء- روى الإمام أحمد بسنده، عن النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غَافر: ٦٠] » وفي الحديث الآخر: «الدعاء مخ العبادة» يعني خالص العبادة ولبها. وكل ما فيه ثناء على الرب وتنزيه له، أو طلب حوائج الدنيا والآخرة منه تعالى فهو دعاء (١) . والإلحاح في الدعاء مما يحبه الله- ذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . وإذا دعا العبد فلا يستعجل ولا يستبطئ الإجابة- لا يتعب ويسأم ويدع الدعاء فيكون بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «لا يزال يستجاب للعبد

стр. 181

ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء» . وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب، وحصر همه على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة- وهي: الثلث الأخير من الليل، أو عند الأذان، أو بين الأذان والإقامة، أو أدبار الصلوات المكتوبات، أو عند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، أو آخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم- وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب وذلاً وتضرعًا ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على النبي، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في الدعاء، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. ومنها ما في السنن وصحيح أبي حاتم عن أنس ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا فقال: اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ : «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» . وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم،

стр. 182

لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم» . وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «المجابين في الدعاء» عن الحسن البصري، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يدعى أبا معقل، وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورعًا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك. قال: فما تريد إلا دمي؟ فشأنك والمال. قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات. قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني! يا مغيث أغثني! فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله. ثم أقبل إليه فقال: قم. فقال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم. فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك فسمعتُ لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعوة مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله. قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبًا كان او غير مكروب. وروى محمد بن إسحاق عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت

стр. 183

أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحمًا، ولا تكسر له عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل وهو سقيم» . وروى البيهقي في الشعب أن دانيال ﵇ ألقي في جب (١) وألقيت عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال. فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. وقصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد أنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه، فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد، فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت. والدعاء عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن. روى الحاكم في مستدركه من

стр. 184

حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض» ، وروى من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» وعن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . ومن ألهم الدعاء فقد أريد به الاستجابة- كان عمر ﵁ يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه (١) . فالدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المحبوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره: إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة واللهو وغلبتها عليها، كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب غافل لاه» وفي الحديث الآخر: «يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» . أما الذين يدعون الله ويدعون معه غيره، أو يذبحون لله

стр. 185

ولغيره، أو ينذرون لله ولغيره، أو يرجون أو يخافون معه غيره: فقد جاءوا بأعظم أسباب منع إجابة الدعاء وهو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر. وأما الذين منعهم الاستكبار عن عبادة الله ودعائه وطاعته فيسجازون بالجزاء الفظيع، وهو دخول جهنم صاغرين، ذليلين؛ حقيرين. روى الإمام أحمد بسنده عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار» أعاذنا الله وإياكم منها بمنه وكرمه. فاتقوا الله عباد الله وعليهم بالتقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته بعبادته ودعائه والبعد عن الإشراك به. أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٦] بارك الله ... الخطبة الثانية الحمد لله مجيب دعوة المضطر إذا دعاه، جابر المنكسر إذا لاذ بحماه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعبده، ولا أعبد معه سواه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بصر الخلق بأسباب السعادة والنجاة، وحذرهم من كل ما يسخط الرب ويأباه. اللهم

стр. 186

صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين صدقوا الله في القول والعمل- فكم منهم من دعا فاستجاب الله دعاه، وما ادخر لهم في الآخرة من النعيم لا يعلم عدده وقدره إلا الله. أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم وإياي بتقوى الله، والأخذ بأسباب إجابة الدعاء، والحذر من موجبات رده- قرأ بعض الصحابة سورة الفاتحة على لديغ فشفي في الحال، وما ذاك إلا لاكتمال أسباب إجابة الدعاء. مر إبراهيم بن أدهم الزاهد المعروف بسوق البصرة فاجتمع عليه الناس، فقالوا له: يا أبا إسحاق: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، وادعيتم أنكم تحبون رسول الله وتركتم سنته، وقرأتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها، وقلتم: إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، وقلتم: إن النار حق ولم تهربوا منها، وقلتم: إن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له، وإذا انتبهتم من النوم اشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم (١) . اهـ. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. إن أحسن الحديث ...

стр. 187

التفكر في القرآن، وثماره الحمد لله الذي أنزل الكتاب المبين- لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرا، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه، ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله المرسلين، وقيوم السموات والأرضين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله: التفكر والتدبر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وهو من أفضل أعمال القلب وأنفعها له، وهو يدعو إلى العمل، حتى قيل: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة» ، وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: التفكر في نعم الله من أفضل العبادة. وقال عبد الله بن المبارك لبعض أصحابه وقد رآه متفكرًا: أين بلغت؟ قال: الصراط. وقال بشر: لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه. وقال ابن عباس ﵄: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به. فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره إلى المحاب، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم

стр. 188

ورحبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور. فأصل كل طاعة إنما هو الفكر والتدبر. و «التدبر» هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها. و «الفكر» هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة- مثال ذلك إذا أحضر قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقترون به من الآفات وانقطاعه وزواله، ثم أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها ولذته ودوامه وفَضْلَهُ على نعيم الدنيا، وجزم بهذين العلمين أثمر له ذلك علمًا ثالثًا، وهو أن الآخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة. وكذلك إذا فكر في عواقب الأمور وتجاوز فكره مبادءها وضعها مواضعها وعلم مراتبها- فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة فتجاوز فكره لذَّته وفرح النفس به إلى سوء عاقبته وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة- من فكر في ذلك فلا يكاد يقدم عليه. وكذلك إذا ورد على قلبه واد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره إلى ما يترتب عليها من اللذات والخيرات والأفراح التي تغمر تلك الآلام استقبلها بنشاط وقوة وعزيمة. وكذلك فإذا فكر في منتهى ما يستعبده من الجاه والمال والصور ونظر إلى غاية ذلك بعين فكره استحيا من عقله ونفسه أن يكون عبدًا لذلك. وكذلك إذا فكر في آخر الأطعمة المفتخرة التي تفانت علهيا نفوس أشباه الأنعام وما يصير إليه أمرها عند خروجها

стр. 189

ارتفعت همته عن الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الذي إليه يتوجه وله يرضى، ويغضب ويسعى، ويكدح ويوالي ويعادي، كما جاء في المسند عن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟» قال يا رسول الله: اللحم واللبن. قال: «ثم يصير إلى ماذا؟» قال: إلى ما قد علمت. قال: «فإن الله ﵎ ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا» ، وفي المسند أيضًا عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قَزّحَه وَمَلَّحَهُ فانظروا إلى ما يصير» «وإن قزحه» أي وضع فيه الأبازير. وأنفع التفكر يا عباد الله التفكر في القرآن فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتفكر والتدبر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها- فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف وقد ثبت عن النبي ﷺ «أنه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المَائدة: ١١٨] » . وقال ابن مسعود ﵁: «لا تهذوا القرآن هذا الشعر

стр. 190

ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، لا يكن هم أحدكم آخر السورة» . وقال الحسن ﵀: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً. فالقرآن يدعو إلى أن يتفكر الإنسان في صفات نفسه ليتميز له المحبوب لربه منها من المكروه له، ويدعو إلى التفكر في صفات معبوده وأفعاله وأحكامه. عباد الله كما أن الفكر هو أصل كل طاعة فكذلك هو أصل كل معصية- فالمعصية إنما تحدث من جانب الفكرة- فإن الشيطان يصادف أرض القلب خالية فارغة فيبذر فيها حب الأفكار الردية، فيتولد منه الإرادات والعزوم، فيتولد منها العمل. فإذا صادف أرض القلب مشغولة ببذر الأفكار النافعة فيما خلق له وفيما أمر به وفيما هييء له وأعدَّ له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبذره موضعًا. والكبر يا عباد الله من أسباب منع التفكر، قال الحسن ﵀ في قول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعرَاف: ١٤٦] قال أمنعهم التفكر فيها. فاتقوا الله عباد الله وعليكم بالتدبر لكتاب الله والعمل به لتنالوا محبة الله والقرب منه والفوز برضاه يوم لقاه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ... الخطبة الثانية الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدًا.

стр. 191

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها السموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه أنزل عليه كتابه المبين، الفارق بين الهدى والضلال والشك واليقين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه. أما بعد: فيا عباد الله: ليس شيء أنفع للقلب في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر فيه على معاني آياته- فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقهما وأسبابهما، وغاياتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبِّت قواعد الإيمان في قلبه، وتُشَيِّد بنيانه، وتوطدَ أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذات ربه تعالى وأسماءه وصفاته، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وتفرقهم فيما يتفرقون فيه (١) . فعليكم عباد الله بتدبر كتابه فإنه أحسن الحديث وعليكم بسنة نبيكم وهديه فإن خير الهدي ...

стр. 192

وساوس الشيطان، وشروره، وما يعتصم به منها الحمد لله القائل في كتابه المبين: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٠] أحمده سبحانه، من أقبل عليه تلقاه، ومن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه إذا تاب مما أتاه، ومن أصر على العصيان وصالح عدوه وقاطع سيده ولاه ما تولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الأِشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» (١) صلى الله عليه وعلى آله وجميع أصحابه العارفين بمكائد أعدائهم، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . عباد الله قد جعل الله لكل إنسان عدوًا لدودًا، له دخول ونفوذ

стр. 193

إلى قلب ابن آدم وصدره، ذلك هو «الشيطان» أعاذنا الله منه يجري من ابن آدم مجرى الدم، قد وكل بالعبد من حين ولادته لا يفارقه إلى الممات: يوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله فيصوره له ويمنيه، ويشهيه فيصير «شهوة» . ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه فيصير «إرادة» ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي، وينسيه علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها، فتصير الإرادة «عزيمة» فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان مددًا لهم وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع عليه بألطف حيلة، وأتم مكيدة. قال عروة بن رويم: «إن المسيح ﵇ سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلي له، فإذا رأسه رأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا لم يذكر وضع رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه» . وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا. فقال النبي ﷺ «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا» ، أو قال: «شرًا» وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضى أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا

стр. 194

قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا سجد سجدتي السهو» . ولذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شره، والوسوسة أعظم شره. ومن شره: أنه لص سارق لأموال الناس، فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف. وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير إذنهم. ذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف: أن شيطانًا لقي شيطانًا فقال: مالي أراك نحيلاً؟ فقال: إني مع رجل إن أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه، وإن شرب ذكر اسم الله فلا أشرب معه، وإن دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار. فقال الآخر: لكني مع رجل إن أكل لم يسم الله فآكل أنا وهو جميعًا، وإن شرب لم يسم الله فأشرب معه، وإن دخل داره لم يسم الله فأدخل معه، وإن جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها. ومن شره أنه يدل على عورات الناس- فيأمر العبد بالمعصية، ثم يوسوس إلى الناس بما فعل، فيصبح الناس يتحدثون به. ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدًا تمنعه من اليقظة، كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا

стр. 195

طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» . ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال في أذنه» رواه البخاري. ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه، فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع، فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته. ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة، ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطه إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض، وقصد أن تَكون الدعوة له، وأن يعبد من دون الله، فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الشرك، ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض. ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله كيده عليه، وجعل النار على خليله بردًا وسلامًا. وتصدى للمسيح ﷺ حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد

стр. 196

الله كيده، وصان المسيح ورفعه إليه. وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا. واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض، ودعوى أنه ربهم الأعلى. وتصدى للنبي ﷺ وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا. وتفلت على النبي ﷺ بشهاب من نار يريد أن يرميه به في الصلاة فجعل النبي ﷺ يقول: «ألعنك بلعنة الله» وأعان اليهود على سحرهم للنبي ﷺ . ولا يمكن حصر أجناس شره فضلاً عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه. ولكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال واحدًا منها أو أكثر- الشر الأول: شر «الكفر، والشرك» ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وصيره من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليس ونوابه. فإن يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثاني من الشر، وهو «البدعة» وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي باب الكفر والشرك. فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه وداعيًا من دعاته. فإذا أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي «الكبائر» على اختلاف أنواعها، فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها، لا سيما إذا كان عالمًا متبوعًا لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا يشعر فإن ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا

стр. 197

لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ١٩] فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها. فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابع وهي «الصغائر» التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد منهم بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا» أو كما قال ﷺ : «ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحْسَنَ حالاً منه» . فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة نقله إلى «المرتبة الخامسة» وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي اضع عليه باشتغاله بها. فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به يعلم مقدر أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى «المرتبة السادسة» وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل. فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعين عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه، ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به، فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب. عباد الله: هذه إحدى صفات الشيطان الثلاث (الوسواس) . وقد وصفه الله بالخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض، وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله.

стр. 198

والذي يوسوس نوعان: إنس، وجن. فالجني: يوسوس في صدور الإنس. والإنس أيضًا يوسوس إلى الإنس؛ فلذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شر نوعي شياطين الإنس والجن. فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من عدو الله وعدوكم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١- ٣] بارك الله ... الخطبة الثانية الحمد لله أمر بشكره وذكره، أحمده سبحانه لا أحصي ثناء عليه بل هو تعالى كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من توكل عليه واستعاذ به كان في حفظه وحرزه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعانه على قرينه حتى استسلم له وذلك معجزة وعبرة. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وحزبه. أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى، فتقواه هي وصيته للأولين والآخرين، واعرفوا عدوكم من صديقكم في هذه الدار، واعلموا أن الله ﵎ الذي ابتلى الإنسان بهذا العدو الذي لا يفارقه طرفة عين، ولا يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه- ويقول لأعوانه من الجن والإنس: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم، لا يكون حظه الجنة وحظكم النار- أن الله قد أيد

стр. 199

عبده المؤمن بجند من الملائكة لا يفارقونه يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه، ويدعونه بكرامة الله، ويقولون: إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد. وأمده مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه وناصحة له، وبالإيمان مثبتًا له وناصرًا ومؤيدًا، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه، وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه الله السيئات ويدخله الجنات، وهو تعالى ناصر حزبه وجنده. وليس هذا التسليط من بغض الرب لعبده المؤمن، وإنما هو لرفع درجاته، وامتحان صدقه في إيمانه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣١] . عباد الله وقد جعل الله بفضله ومنه للعبد ما يعتصم به من الشيطان، ويستدفع به منه، وذلك عشرة أسباب (١) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. (٢) قراءة سورتي الفلق والناس (٣) قراءة آية الكرسي (٤) قراءة سورة البقرة (٥) قراءة خاتمة سورة البقرة (٦) قراءة أول سورة حَم المؤمن إلى قوله إليه المصير (٧) قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة (٨) كثرة ذكر الله فذكر الله يقمعه ويؤلمه ويؤذيه (٩) الوضوء والصلاة (١٠) إمساك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول مخالطة الناس (١) . (٢) . إن أحسن الحديث ...

стр. 200

غض البصر فوائده، ومضار إطلاقه الحمد لله الذي جعل القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد، وشرها أوعاها للشر والفساد، وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة المأوى. وحرم عليها أشياء لكن عوضها خيرًا مما حرم عليها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النُّور: ٣٠] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم» صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان. أما بعد: فيا عباد الله جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته. روى البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس ﵄ يوم النحر خلفه- وكان الفضل قد ناهز البلوغ، فطفق الفضل ينظر إلى امرأة وضيئة من خثعم كانت تسأل النبي ﷺ عن أمور دينها، فأخذ النبي بذقن الفضل فحول وجهه عن النظر إليها.

стр. 201

وفي رواية للترمذي: قال للرسول ﷺ : لويت عنق ابن عمك. قال ﵊: «رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة» ، وهذا منع وإنكار بالفعل، وتعليل لهذا الإنكار بخوف الفتنة عليهما لو أقرهما عليه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واللسان يزني وزناه النطق، والرجل تزني وزناها الخطى، واليد تزني وزناها البطش، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» . فبدأ بزنا العين لأنه أصل زنا اليد، والرجل، والقلب، والفرج. ونبه على زنا اللسان بالكلام على زنا الفم بالقُبل، وجعل الفرج مصدقًا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبًا له إن لم يحققه. وهذا الحديث من أبين الأِشياء على أن العين تعصي بالنظر، وإن ذلك زناها. ففيه رد على من أباح النظر مطلقًا. وثبت عنه ﷺ أنه قال: «يا علي: لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية» . فالنظر يؤثر في القلب فأمره بمداواته بصرف النظر لا بتكراره. وقال جرير بن عبد الله ﵄: «سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» رواه مسلم وأبو داود والترمذي. ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر، فما لم يتعمده القلب لا يعاقب عليه. فإذا نظر الثانية تعمدًا أثم، فأمره عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر. ففتنة النظر أصل كل فتنة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء» .

стр. 202

وفي مسند محمد بن إسحاق عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : «أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر» (١) . وفي المسند عنه ﷺ أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس (٢) فمن غض بصره عن محاسن امرأة أو أمرد لله أورث الله قلبه حلاوة العبادة إلى يوم القيامة» هذا معنى الحديث. وقال: «إياكم والجلوس على الطرقات» . قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا بد منها قال: «فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غضن البصر، وكف الأذى، ورد السلام» فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع. ومن آفاته أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى الإنسان ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه. وفي غض البصر عدة فوائد. أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرته. ومن فوائد غض البصر: أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر على عينيه ووجهه وجوارحه. ومنها: أنه يورث قوة القلب وشجاعته وثباته. وفي الأثر «الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله» . ومنها: أنه يورث القلب

стр. 203

سرورًا وفرصة وانشراحًا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر، وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه. ومنها أن غض البصر يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمن هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه عند غاية؛ لأن لذتها في الشيء الجديد. ومنها: أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب. ومنها: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة، فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويوقع في سكرة العشق، كما قال الله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحِجر: ٧٢] وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات. ولا سيما النظر إلى «المردان الحسان» فإن إطلاق النظر إليهم هو السم الناقع والداء العضال. روي عن الشعبي مرسلاً قال: قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة من مضى من النظر» . وقال سعيد بن المسيب: إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه. والله سبحانه إنما حكى هذا المرض- مرض العشق عن طائفتين من الناس وهم «قوم النساء» وقوم لوط فأخبر عن «عشق امرأة العزيز» ليوسف وما راودته وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه (١) .

стр. 204

والطائفة الثانية الذي حكى الله عنهم العشق هم «اللوطية» كما قال تعالى: ﴿جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُون﴾ [الحجر: ٦٧- ٦٩] فكل من الطائفتين عشق ما حرم عليه من الصور، ولم يبال بما في عشقه من الضرر. ودواء هذا الداء العضال- العشق المحرم- أن يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه، ويكثر التضرع واللجوء إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه. قال الله تعالى في قصة عشقها: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يُوسُف: ٢٤] فصرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور، فعشق الصور إنما يتمكن من القلب الفارغ. وفي الصحيح من حديث جابر: أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها. وقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه» ، وفي سنن ابن ماجه مرفوعًا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح» .

стр. 205

فأوصيكم وإياي عباد الله بمداومة الإعراض عما لا يحل من النظر، فقد علمتم ما في ذلك من الضرر، كما عرفتم ما في غض البصر من الفوائد دنيا وأخرى. واسألوا مقلب القلوب والأبصار الثبات على الدين، وتصريف القلوب إلى طاعة رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] . الخطبة الثانية الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر سبيلا، وصرَّف عليها القلوب كما يشاء، وصرفها أنواعًا وأقسامًا بين بريته، وفصلها تفصيلا قسمها بين محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب النيران، ومحب الصلبان، ومحب الأوطان، ومحب الإيمان، ومحب الألحان، ومحب القرآن، وفضل أهل محبته ومحبة كتابه على سائر المحبين تفضيلا، وهو الحكيم صاحب الفضل على من شاء والامتنان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يخلق ما يشاء ويختار. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وبكل معروف آمرًا، وعن كل منكر ناهيًا. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اتبعه داعيًا، وفي مرضاة ربه ومحابه ساعيًا. عباد الله: وجاء في تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج قوله ﷺ : «أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج» أخرجه الترمذي

стр. 206

عن أبي هريرة. وفي الصحيحين عنه ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» فبدأ ﷺ بالأكثر وقوعًا، ثم بالذي يليه. فالزنا أكثر وقوعًا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعًا من الردة نعوذ بالله منها. ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رءوسهم بين الناس. وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا وقتل النفس، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبيًا ليس منهم فورثهم وليس منهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد؛ ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، ومن خاصيته. أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان؛ ولهذا شرع فيه القتل على أبشع الوجوه وأفحشها وأصعبها. ولو بلغ الرجل أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» .

стр. 207

وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي ﷺ يقول: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» . وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه فلابد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبد الله بن مسعود ﵁: ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بإهلاكها. وخص سبحانه الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص أحدها: القتل فيه بأبشع القتلات، وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة. الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين. وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله لقوم لوط بالقذف بالحجارة، وذلك لاشتراك الزنا واللواط في الفحش، وفي كل منهما فساد يناقض حكمة الله في خلقه وأمره. فإن في «اللواط» من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد، ولأن يقتل المفعول به خير من أن يؤتى، فإنه يفسد فسادًا لا يرجى له

стр. 208

معه صلاح أبدًا، يذهب خيره كله، وتمتص الأرض الحياء من وجهه، فلا يستحيي بعد لا من الله ولا من الناس، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن. وعقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية، وجمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم: من عمى الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وجعل ديارهم وآثارهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين. وروى الترمذي والحاكم وابن ماجه عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط» وفي المسند والسنن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وإسناده على شرط البخاري. وحرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك. كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق ﵄: أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة. فجمع أبو بكر ﵁ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵁ فاستشارهم، فقال علي ﵁: إن هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما علمتم أرى أن تحرقوه بالنار، فأحرقوه بالنار.

стр. 209

وقال جماعة من الصحابة والتابعين: يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن. وقال بعض العلماء: إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار ﷻ عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت جهنم، فإذا قبضت روحه جعلت مع أرواح الزناة في تنور من النار. نعوذ بالله من النار، ومن أٍسباب الخزي والعار (١) . إن أحسن الحديث ...

стр. 210

زهرة الدنيا وانقسام الناس بالنسبة إليها الحمد لله الذي كتب الآثار والأعمال، وقسم المعايش والأموال، خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً وهو على كل شيء قدير. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التّغَابُن: ٢] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأقومهم بأمره، وأنصحهم لخلقه؛ لم يتركهم حتى أوقفهم على الجادة البيضاء، وحذرهم من المتاهة في البيداء، وضرب لهم الأمثال، وقسم الناس بالنسبة إلى الأموال، وكان مع الفقر أصبر الفقراء، ومع الغني أشكر الأغنياء. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أعلم الناس بسنة نبيهم وأتبعهم لها، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فخطب الناس، فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض. قيل:

стр. 211

ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا» . فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر. فصمت رسول الله ﷺ حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، قال: «أين السائل؟» قال: أنا. ثم قال: «كيف قلت؟» قال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر، فقال رسول الله ﷺ : «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم إلا آكلة الخضر (١) أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكملت. وإن هذا المال خضرة حلوة (٢) من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو. وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» . عباد الله هذا الحديث هو الحَكَمُ فيما يختلف فيه الناس من أمر المال- فالناس منهم من يمدح المال والثراء ويتمناه، ويسعى إليه جهده بالطرق الحلال. ومنهم من يتجاوز ذلك ويطلبه حتى بالطرق الحرام، ويستوعب عمره ووقته، ويصده عن طاعة مولاه، والسعي لرضاه. ومن الناس من يذم الثراء ولا يهتم به ويزهد فيه. ومن الناس من رضي بما قسم الله له من فقر أو غنى، وتخوف من زهرة الدنيا. فهذا الحديث الشريف فيه تخوف النبي ﷺ على أمته من فتح الدنيا عليهم- خاف عليهم الافتتان بها، وفسر «بركات الأرض» بزهرة الدنيا- ومراده ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم وزروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما

стр. 212

خرج ويخرج من بركات الأرض وكنوزها، وهذا من أعظم معجزات نبينا ﷺ الدالة على أنه رسول الله ﷺ حقًا- فقد وقع ما أخبر به ﵊ من فتح زهرة الدنيا على أمته، وشبهها بالزهر في طيب رائحته، وحسن منظره، وقلة بقائه، وأن وراءه ثمرًا خيرًا منه وأبقى منه. وقوله: «إن ما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم» من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والإنهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الدابة يروقها نبت الربيع فتأكله بأعينها، فربما هلكت حبطًا. والحبط انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء. وقوله: «أو يلم» أي يقارب القتل وهو المرض. وقوله: «إلا آكلة الخضر» تمثيل بالإبل والبقرة الآكلة من العشب بقدر حاجتها، فهي لما أخذت حاجتها من المرعى تركته، وأعرضت عما يضرها من الشره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته وإخراجه. ثم إنها استفرغت بالبول والثلط (١) ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها. وفي رواية لمسلم فقال: «أخير هو؟» وفيها دليل على أن المال ليس بخير على الإطلاق؛ بل منه خير، ومنه شر. فالمال في حق الأول خير، وفي حق الثاني شر. فأول الحديث مثل للشَّرِهِ في جمع الدنيا الحريص على تحصيلها يجمع الدنيا من غير حلها، ويحبسها أو يصرفها في غير

стр. 213

حقها، إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه إذا مات من غير توبة منه وإصلاح حال. وإما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته. فالمقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته، ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفد ما عنده وخرجت فضلاته، فلا يوجب له هذا الأخذ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له مدة حياته، ويعينه على التزود لآخرته، وهذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال ﷺ : «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع بذلك» وقال ﷺ : «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» رواه الترمذي. وروى أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسد فقرك» وقال الحسن ﵀: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وقال المسيح ﵇: «لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدًا، واعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلاً، ما سكنت قلب عبد في الدنيا إلا التاط قلبه منها بثلاثة: شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة مطلوبة؛ فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل

стр. 214

فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه، يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا» . فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، والتقوى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، والاعتبار بما ضرب الرسول من الأمثال لزهرة الحياة الدنيا، وأصحبوا الغنى بالشكر. والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها في طاعة مسديها. وأعظم الشكر أداء فرائض الإسلام وبعد ذلك نوافل الإسلام لمن قدر عليها أو بعضها. واعلموا أن الثروة أخطر من الفقر، ولذلك خافها النبي ﷺ على أمته ولم يخف عليهم من الفقر، واستعاذ من فتنتهما جميعًا. وقال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. واعتبروا بالبهيمة التي ضربها الرسول مثلاً في حسن تصرفها في معيشتها، ونفعها لنفسها، ودفعها الضرر عنها. هذا وهي ممن يسبح الله ويحمده ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسرَاء: ٤٤] . اللهم اجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ [آل عِمرَان: ١٤] بارك الله ...

стр. 215

الخطبة الثانية الحمد لله يزيد الشاكرين، ويثيب الصابرين. أحمده سبحانه وحمدي له من نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلق أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله من السلف الصالح من اختار المال للجهاد به وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابة معه، وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. والفرقة الثالثة لم تختر شيئًا، بل كان اختيارها ما اختاره الله لها ولم خير نبينا ﷺ بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا رسولاً وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا رسولاً اختار ما اختاره الله فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار الله له. وكان ﷺ يأخذ الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار وإنما طعامهم الأسودان التمر والماء، وكان صابرًا، ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة حتى فارق الدنيا. ثم لما فتح الله عليه الفتوح كان يمسك له ولأهله قوت سنة واحدة، وينفق ما عدا ذلك في سبيل الله، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وكل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله ﷺ في أعلاها، وخصه بذروة سنامها
следующие страницы →