ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا» . فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر. فصمت رسول الله ﷺ حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، قال: «أين السائل؟» قال: أنا. ثم قال: «كيف قلت؟» قال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر، فقال رسول الله ﷺ : «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم إلا آكلة الخضر (١) أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكملت. وإن هذا المال خضرة حلوة (٢) من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو. وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» .
عباد الله هذا الحديث هو الحَكَمُ فيما يختلف فيه الناس من أمر المال- فالناس منهم من يمدح المال والثراء ويتمناه، ويسعى إليه جهده بالطرق الحلال. ومنهم من يتجاوز ذلك ويطلبه حتى بالطرق الحرام، ويستوعب عمره ووقته، ويصده عن طاعة مولاه، والسعي لرضاه. ومن الناس من يذم الثراء ولا يهتم به ويزهد فيه. ومن الناس من رضي بما قسم الله له من فقر أو غنى، وتخوف من زهرة الدنيا.
فهذا الحديث الشريف فيه تخوف النبي ﷺ على أمته من فتح الدنيا عليهم- خاف عليهم الافتتان بها، وفسر «بركات الأرض» بزهرة الدنيا- ومراده ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم وزروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما
стр. 212
خرج ويخرج من بركات الأرض وكنوزها، وهذا من أعظم معجزات نبينا ﷺ الدالة على أنه رسول الله ﷺ حقًا- فقد وقع ما أخبر به ﵊ من فتح زهرة الدنيا على أمته، وشبهها بالزهر في طيب رائحته، وحسن منظره، وقلة بقائه، وأن وراءه ثمرًا خيرًا منه وأبقى منه.
وقوله: «إن ما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم» من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والإنهماك عليها والمسرة فيها وذلك أن الدابة يروقها نبت الربيع فتأكله بأعينها، فربما هلكت حبطًا. والحبط انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء. وقوله: «أو يلم» أي يقارب القتل وهو المرض.
وقوله: «إلا آكلة الخضر» تمثيل بالإبل والبقرة الآكلة من العشب بقدر حاجتها، فهي لما أخذت حاجتها من المرعى تركته، وأعرضت عما يضرها من الشره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها انضاج ما أكلته وإخراجه. ثم إنها استفرغت بالبول والثلط (١) ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها.
وفي رواية لمسلم فقال: «أخير هو؟» وفيها دليل على أن المال ليس بخير على الإطلاق؛ بل منه خير، ومنه شر. فالمال في حق الأول خير، وفي حق الثاني شر.
فأول الحديث مثل للشَّرِهِ في جمع الدنيا الحريص على
تحصيلها يجمع الدنيا من غير حلها، ويحبسها أو يصرفها في غير
стр. 213
حقها، إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه إذا مات من غير توبة منه وإصلاح حال. وإما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته.
فالمقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته، ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفد ما عنده وخرجت فضلاته، فلا يوجب له هذا الأخذ ضررًا ولا مرضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له مدة حياته، ويعينه على التزود لآخرته، وهذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال ﷺ : «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع بذلك» وقال ﷺ : «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» رواه الترمذي. وروى أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسد فقرك» وقال الحسن ﵀: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وقال المسيح ﵇: «لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدًا، واعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلاً، ما سكنت قلب عبد في الدنيا إلا التاط قلبه منها بثلاثة: شغل
لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة مطلوبة؛ فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل
стр. 214
فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه، يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا» .
فأوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى، والتقوى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، والاعتبار بما ضرب الرسول من الأمثال لزهرة الحياة الدنيا، وأصحبوا الغنى بالشكر. والشكر: هو الاعتراف بالنعم باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وصرفها في طاعة مسديها. وأعظم الشكر أداء فرائض الإسلام وبعد ذلك نوافل الإسلام لمن قدر عليها أو بعضها. واعلموا أن الثروة أخطر من الفقر، ولذلك خافها النبي ﷺ على أمته ولم يخف عليهم من الفقر، واستعاذ من فتنتهما جميعًا. وقال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. واعتبروا بالبهيمة التي ضربها الرسول مثلاً في حسن تصرفها في معيشتها، ونفعها لنفسها، ودفعها الضرر عنها. هذا وهي ممن يسبح الله ويحمده ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسرَاء: ٤٤] .
اللهم اجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ [آل عِمرَان: ١٤] بارك الله ...
стр. 215
الخطبة الثانية
الحمد لله يزيد الشاكرين، ويثيب الصابرين. أحمده سبحانه وحمدي له من نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلق أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله من السلف الصالح من اختار المال للجهاد به وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابة، وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابة معه، وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. والفرقة الثالثة لم تختر شيئًا، بل كان اختيارها ما اختاره الله لها ولم خير نبينا ﷺ بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا رسولاً وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا رسولاً اختار ما اختاره الله فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار الله له.
وكان ﷺ يأخذ الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار وإنما طعامهم الأسودان التمر والماء، وكان صابرًا، ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة حتى فارق الدنيا. ثم لما فتح الله عليه الفتوح كان يمسك له ولأهله قوت سنة واحدة، وينفق ما عدا ذلك في سبيل الله، وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وكل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله ﷺ في أعلاها، وخصه بذروة سنامها
стр. 216
وليس الفقراء الصابرون بأحق به ﷺ من الأغنياء الشاكرين، بل أحق الناس به منهم أعلمهم بسنته وأتبعهم لها.
فارضوا عباد الله بما قسم الله لكم، واشكروا نعمة الله عليكم. ومن ابتلي بفقر فعليه أن يصبر، قال عمر ﵁: وجدنا خير عيشنا بالصبر. وروى الأعمش عن خيثمة، عن عبد الله «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة حتى إذا استيسرت له نظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملك: اصرفه عنه فيصرفه عنه» فطريق الفقر والتقليل طريق سلامة مع الصبر، وطريق الغنى والسعة طريق عطب في الغالب. إن أحسن الحديث ...
стр. 217
الذنوب
عقوباتها، وكيف الخلاص منها
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترف بالذنب والتقصير، سائل العفو والزلفى وحسن المآب يوم المصير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه خير بشير، وأشفق نذير. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، نعم الصحب له، ونعم القدوة لمن طلب الفوز والنجاة في يوم عسير.
أما بعد: فقد روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده، من حديث ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» ، وضرب لهن رسول الله ﷺ مثلاً «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم- يعني إعداد طعامهم- فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالبعرة حتى جمعوا سوادًا- يعني الحطب- وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها» .
عباد الله هذا نبينا ﷺ الصادق المصدوق الحريص على هداية أمته ونجاتهم يحذر الصحابة الذين هم خيار أمته صغائر الذنوب
стр. 218
ويبين لهم عواقبها الوخيمة، بل ويحذر جميع الأمة على ألسن الصحابة المأمورين بالتبليغ عنه ﷺ كما في هذا الحديث الجليل.
وفي أحاديث أخر بين عقوبات ذنوب بعينها، وذكر ما أطلعه الله عليه من عذاب أصحابها في قبورهم، أو ما يحصل لهم يوم بعثهم ونشورهم، أو بعد أن يستقر بهم القرار.
فمن ذلك: الأخذ من بيت المال بغير حق، ذكر الإمام أحمد من حديث أبي رافع ﵁، قال: مر رسول الله ﷺ بالبقيع- مقابر في المدينة- فقال: «أف لك أف لك» فظننت أنه يردني قال: «لا. ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيًا إلى آل فلان فَغَلَّ نمرة فدرع الآن مثلها من نار» . وروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عرج بي مررت على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» يعني: بالغيبة والبهت. ومن ذلك شرب المسكرات، ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل ما أسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال قال: عصارة أهل النار» و «المسكر» هو الخمر الكبرى، وبابه الخمر الصغرى، وهو التنباك (١) . ومن ذلك تصوير ذوات الأرواح بالرسم أو بالنحت أو بالفتغراف (٢) في الصحيحين عن ابن عمر ﵄، قال:
стр. 219
قال رسول الله ﷺ : «إن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم» . والراضي بالتصوير وناصب الصور في المجالس ونحوها كالفاعل في أصل الثواب والعقاب. ويستثنى من التصوير الفتغرافي ما يلزم به الإنسان من حفيظة نفوس ونحوها مع كراهته للتصوير.
ومن ذلك «المظالم» في المال، والعرض، وهي ظلمات يوم القيامة، وسبب لنقصان الحسنات، وتحمل السيئات، وسخط رب البريات- في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له عند أخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته فليتحللها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته فأعطيها هذا، وإلا أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار» وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» وفي المسند عن معاذ ﵁، قال: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت أو حرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدًا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برأت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرًا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية؛ فإن المعصية تحل سخط الله» .
وذكر النبي ﷺ عقوبات عاجلة لذنوب معينة- نسأل الله السلامة منها ومن كل ما يغضب الله- روى ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك ﵁ أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة. فقالت: إذا
стр. 220
استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا وإلا أهدمها عليهم. وروى ابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمر، قال: كنت عاشر عشرة من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: «يا معشر المهاجرين: خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا- والفاحشة الزنا واللواط- ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم» وفي معجم الطبراني عن ابن عباس: «ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضًا إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم» الحديث.
وللمعاصي من الآثار القيبحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. وقد ذكر بعض العلماء (١) من عقوباتها ستًا وأربعين عقوبة- منها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب ﷻ ، وتخرج العبد من دائرة الإيمان إلى دائرة اٍلإسلام، وتسبب الرعب والخوف في قلب العاصي، وتؤثر نقصان العقل
стр. 221
وفساده، وتمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وهي سبب لهوان العبد على الله وسقوطه من عينه، وتطفئ نار الغيرة والحياء، وتسلط الأعداء. قال بختنصر لدانيال: ما الذي سلطني على قومك؟ قال: عظم خطيئتك، وظلم قومي أنفسهم. ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت.
ومن عقوباتها أنها تجرٍّئ على العبد أهله وخدمه وجيرانه حتى الحيوان البهيم، قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي. وتجرؤ عليه نفسه فتستأسد عليه وتصعب عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له، بل تسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبى، وتباعد عنه الملك الموكل به الذي هو وليه وأنصح الخلق له، وتدني منه عدوه وأغش الخلق وأعظمهم ضررًا له وهو الشيطان؛ فإن العبد إذا عصى الله تباعد عنه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد بالكذبة الواحدة مسافة ميل من نتن ريحه كما جاء ذلك في بعض الآثار، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأفحش. وقال بعض السلف: إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظم ما رأت. وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان.
стр. 222
ومنها أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه- فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والتضرع والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه. وقد يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين قيل لأحدهم: قل لا إله إلا الله. فجعل يهذي بالغناء والعزف، ثم قضى ولم يقلها. وقيل لبعض لاعبي القمار والعشاق العشق المحرم، فأجابوا بالجواب السيئ الذي استولى على مشاعرهم ولم يقولوا لا إله إلا الله عند آخر نفس. فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه وكان أمره فرطًا.
وقد يتأخر تأثير الذنب فينسى ثم ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل، أو يكون ضرره في الدين. وإن أخر له في الآخرة فعذاب الآخرة أشد وأبقى. ذكر عبد الله بن أحمد عن ابن سيرين أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة. ونظر بعض العباد إلى صبي، فتأمل محاسنه، فأتي في منامه، وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة.
والمؤمن من لا يستصغر الذنب، قال بعض السلف ويروى مرفوعًا: «لا تنظروا في صغر الذنوب، ولكن انظروا على من اجترأتم» وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله. وذكر البخاري في
стр. 223
صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار» .
عباد الله!! قد يلم المسلم ببعض الذنوب الصغائر أو الكبائر ثم يمن الله عليه بالتوبة فيقلع عن الذنب ويندم على فعله ويعزم على ألا يعود إليه فينمحي عنه أثر الذنب حتى كأنه لم يذنب. وقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، كما حصل لآدم ﵇، وذلك بحسب قوة التوبة وكمالها.
فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على سلامة أنفسكم من صغائر الذنوب وكبائرها، ومن أذنب فليعجل التوبة ليعيش سعيدًا في هذه الحياة، ويفوز بالسلامة والحسنى بعد الممات، وتلك أحسن الغايات والأمنيات.
روى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه» . أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
стр. 224
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، من يعص الله ورسوله فقد غوى، ومن غوى فلن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا.
أما بعد: فيا عباد الله سأل رجل الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة قوم يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.
وقد وصف الله أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية الجد في العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن. ذكر الإمام أحمد: أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يمسك بلسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وأتى بطائر فأخذ يقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة إلا بما ضعيت من التسبيح. وقرأ عمر بن الخطاب ﵁ «سورة الطور» إلى أن بلغ قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] .
فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه. وقال لابنه
стр. 225
في سياق الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني. ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر لي ثلاثًا، ثم قضى. وقال له ابن عباس مُصِّر بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل، وفعل فقال: «وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر» .
فاتقوا الله عباد الله وسيروا إلى الله بين الخوف والرجاء ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسرَاء: ٥٧] (١) . إن أحسن الحديث ...
стр. 226
أبو بكر الصديق
أفضليته، وأحقيته بالخلافة الأولى (١)
الحمد لله الواحد القهار، يخلق ما يشاء ويختار، اختار محمدًا واختار له أصحابًا هم المهاجرون والأنصار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التّوبَة: ١٠٠] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «أصحابي كالنجوم» و «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به ووقروه، ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.
أما بعد: فإن خير الخلق محمد ﷺ ، وخير أمة محمد ﷺ
стр. 227
أصحابه، وخير أصحابه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين. هذا ترتيبهم في الفضل ودرجتهم في الخلافة.
وبيان فضائل كل الصحابة- يا عباد الله- وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق ودفع الطعن عنهم من الدين، خصوصًا إذا فشا الطعن فيهم من المبتدعين أو عباد القبور أو الملحدين، لأن الصحابة هم حملة رسالة الإسلام إلى الأمة، فالطعن فيهم طعن في الرسول، وسوء ظن بالمرسل تعالى وتقدس، قال الإمام مالك رحمه والله وغيره من أهل العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين. اهـ.
وقد قال الله تعالى في الثناء عليهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال الشعبي: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية. وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ فأخذ بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: لقد كنتُ أُرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. فقال أبيّ: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجُمْعَة: ٣] .
стр. 228
وفي سورة الحشر ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وفي سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] . فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو ﵎ لا يرضى إلا عمن علم أنه يموت على الإسلام والإحسان. فيا ويل من سبهم، أو أبغضهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم، أبا بكر ﵁؛ فقد نطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التّوبَة: ٤٠] دُعْيَ إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زل ولا كبا، وصبر من مُدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق حتى تخلل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ من كان قرين النبي في شبابه؟ من الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار. نهض يوم الردة بفهم واستيقاظ، وأبان من الكتاب معنىّ دق عن حديد الألحاظ، فالمحب يفرح بفضائله، والمبغض يغتاظ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفَتْح: ٢٩] فهو ثاني اثنين في الإسلام، وفي النفس، وفي الزهد، وفي الصحبة، وفي الخلافة، وفي العمر، وفي سبب الموت؛ لأن
стр. 229
الرسول ﷺ مات عن أثر السم وأبو بكر سم فمات. أسلم على يديه من العشرة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وكان عنده يوم أسلم أربعون ألف درهم فأنفقها أحوج ما كان الإسلام إليها، قال النبي ﷺ : «ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر» . كم وفى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته، وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جليلة وهي خلية من اللبس، يا عجبًا من يغطي ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارًا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول ﷺ : «ما نظر باثنين والله الثالث» فنزلت السكينة وزال القلق وارتفع خوف الحادث، فقام مؤذن النصر ينادي على منابر الأمصار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ حبه والله رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية، فهو خير الصحابة والقرابة، والحجة على ذلك قوية، قال ابن الحنفية مؤكدًا صحة إمامته: «والله ما أحببنا لهوانا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: رضيك رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاك لدنيانا» .
خلافته انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له، والنبي ﷺ أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضا بها، وأمر بطاعته وتفويض الأمر له، ودل الأمة وأرشدها إلى بيعته، قال ﷺ : «رأيت كأني على قليب أنزع منها، فأتى ابن أبي قحافة فنزع ذنوبًا أو ذنوبين» وقال ﷺ : «ادعي لي أباك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناس من بعدي. ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وقال ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وتقديمه في الصلاة، وقوله: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» .
стр. 230
وغير ذلك من الأحاديث. والقرآن قد دل على الخبر بوقوعها قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النُّور: ٥٥] وأمر بطاعته في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفَتْح: ١١٦] وأرشد الأمة إلى ذلك فقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧- ٢٠] .
فاتقوا الله عباد الله وانظروا إلى استخلاف النبي لأبي بكر في هذه الأحاديث وشواهدها من الآيات القرآنية، ثم وقوع البيعة من المؤمنين له عن طواعية واختيار، لا عن إكراه ولا بذل مال، وظهور مصداق قول رسول الله ﷺ : «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ثم هو قد زهد في الخلافة عرضها على عمر وأبي عبيدة فأبيا، ثم ما كان في خلافته من ثبات الناس على الدين، وانتشاره وقمع المرتدين، ثم إنه اكتفى بدرهمين يتقاضاهما كل يوم حين اشتغل بالخلافة عن التكسب لنفسه وعياله.
فهذا مسلك أهل السنة والجماعة في فضله، واعتباره الخليفة الأول بعد رسول الله ﷺ ، وهو المسلك السديد، والقول الرشيد، سأل هارون الرشيد مالك بن أنس ﵀: ما منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ فقال: أفي شك أنت يا أمير المؤمنين؟ منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته قبرا معه. فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك. اللهم ارض عن أبي بكر وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين.
стр. 231
أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
الخطبة الثانية
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه والحمد لله الذي أيد الإسلام بأبي بكر في حياة رسوله، وحفظه به بعد وفاته، فرضي الله عنه وأرضاه.
وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وفى بوعده؛ فاستخلف أبا بكر في الأرض ومكن له دينه ولصحبه، ودعا ﵁ الأعراب إلى قتال فارس والروم والمرتدين من بني حنيفة فاستجابوا لأمره. وهو الذي وصفه الله بأنه ﴿الْأَتْقَى﴾ فهذا ترشيح له من ربه للخلافة العظمى.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اصطفاه الله واجتباه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فيا عباد الله: لنستمع إلى عمر بن الخطاب ﵁ يصف لنا ليلة ويومًا من أيام أبي بكر ولياليه- روى الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران، قال: كان أبو موسى الأشعري إذا خطب بالبصرة يوم الجمعة وكان واليها صلى على النبي ﷺ ، ثم
стр. 232
ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له. فقام ضبة بن محصن العنزي، فقال: فأين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه- يعني أبا بكر ﵄ ثم قعد. فلما فعل ذلك مرارًا أمحكه أبو موسى فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁: أن ضبة يطعن علينا، ويفعل، فكتب عمر إلى ضبة أن يخرج إليه، فبعث به أبو موسى، فلما قدم ضبة المدينة على عمر ﵁، فقال الحاجب: ضبة العنزي بالباب. فأذن له، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا بضبة، ولا أهلاً. قال ضبة: أما المرحب فمن الله تعالى. وأما الأهل فلا أهل ولا مال. فيم استحللت إشخاصي من بصرى بلا ذنب أذنبت، ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين- إنه كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم ثنى يدعو لك، فغاضبني ذلك منه، وقلت: أين أنت من صاحبه تفضله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. قال فاندفع عمر ﵁ باكيًا، وهو يقول: أنت والله أوفق منه وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك؟ قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين؛ ثم اندفع باكيًا يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر- فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما «ليلته» فإن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة هاربًا من المشركين خرج ليلاً فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرة أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره. فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف هذا من فعلك» . فقال: يا رسول الله: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك.
стр. 233
فمضى رسول الله ﷺ على أطراف أصابعه حتى حفيت، فلما رأى أبو بكر ﵁ أنها حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار (١) فأنزله. ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فلما دخل وجد الصديق أجحار الأفاعي، فلما رأى أبو بكر ذلك ألقمه عقبه، فجعلن يلسعنه ويضربنه، وجعلت دموعه تتحادر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فأنزل الله سكينته وطمأنينته على أبي بكر. فهذه ليلته.
وأما «يومه» - فلما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب، فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي. وقال بعضهم: نزكي، ولا نصلي. فأتيته لا آلوه نصحًا، فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام؟! قبض رسول الله ﷺ وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. فكان والله رشيد الأمر. فهذا يومه. ثم كتب إلى أبي موسى يلومه (٢) .
وعن جابر ﵁ قال: قيل لعائشة ﵂: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر. فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر (٣) . إن أحسن الحديث.
стр. 234
عمر بن الخطاب
فضائله، وعز الإسلام به
الحمد لله الملك الوهاب، هو أعلم حيث يجعل رسالته ويختار لكل نبي حواريين وأصحاب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعز الإسلام بعمر بن الخطاب. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ومنهم أبو بكر وعمر، وكانا أولى الصحابة بالخلافة بعده، وحازا قصب السبق إلى قمم الفضائل، وقال النبي ﷺ : «لو كان نبي بعدي لكان عمر» .
أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم وإياي بتقوى الله تعالى وأداء حقه، وامتثال أمر نبيه ﷺ ، والتصديق بأخباره، ومعرفة فضائل أصحابه، والاجتهاد في الاقتداء بهم ومحبتهم فالمرء مع من أحب، وإن لم يلحق به.
وإن أجل أصحاب رسول الله ﷺ هو أبو بكر، وبعد أبي بكر في الفضل والخلافة عمر. ومعرفة فضائلهما من السنة، بل هي عند بعض العلماء، من الواجب. وقال بعض العلماء: إذ أردتم أن يطيب المجلس فأفيضوا في ذكر عمر.
стр. 235
عباد الله لقد دعا النبي ﷺ ربه أن يهدي عمر بن الخطاب ويعز الإسلام به فأجاب الله دعوته، ورأى الصحابة مصداق هذه الدعوة منذ أسلم عمر إلى أن استشهد ﵁؛ فعن نافع عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، وكان أحبهما إليه عمر» وعن صهيب بن سنان ﵁، قال: لما أسلم عمر رضوان الله عنه ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به. وقال ابن مسعود ﵁: ما زلنا أعز منذ أسلم عمر.
واسمعوا عباد الله الثناء العطر من رسول الله ﷺ على صاحبيه أبي بكر وعمر، وتقديره التام لهما، وأمره بالاقتداء بهما، والشهادة لهما أنهما من أهل الجنة، بل من سادات أهل الجنة وهو ﷺ لا ينطق عن الهوى عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: بينا رسول الله ﷺ وأنا معه في المسجد ليس معنا ثالث إذ أقبل أبو بكر وعمر كل واحد منهما آخذ بيد صاحبه، فقال: «يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة ممن مضى من الأولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما بذلك، فما أخبرت بهذا الحديث حتى ماتا» . وعن حذيفة ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فقال: «إني لست أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» أخرجه الترمذي.
والصحابة والتابعون يعرفون تلك المنزلة الرفيعة لهما رضي الله
стр. 236
عنهما، عن أبي حازم عن أبيه، قال: قيل لعلي بن الحسين رضوان الله عليهما: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه. وعن العتكي، قال: قال هارون الرشيد لمالك: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ قال كقرب قبرهما من قبره. قال: شفيتني يا مالك. وعن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رجل من قريش لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين سمعتك تقول في الخطبة آنفًا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، ثم أهملهما، ثم قال: هما حبيباي وعماك أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» قيل: يا أبا سعيد وما «أنعما» قال: أهل ذلك هما. وعن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : «أدخلت الجنة فرأيت فيها دارًا وقصرًا فسمعت فيه ضوضاء أو صوتًا فقلت، لمن هذا؟ فقيل: لعمر فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك؛ فبكى عمر» وقال يا رسول الله: أو يغار عليك وفي حديث أبي أمامة قال: «فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر فيها أحدًا أقل من الأغنياء والنساء. قيل: أما الأغنياء فهم ههنا بالباب يحاسبون ويحصون. وأما النساء فألهاهن
стр. 237
الأحمران الذهب والحرير، ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية، فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها، ثم أتي بأبي بكر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي فوضعوا فرجح أبو بكر، ثم أتى بعمر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي فوضعوا فرجح عمر» .
واسمعوا رحمكم الله إلى قصة استخلاف أبي بكر وبيعته له وهي تحكي النزاهة التامة من أبي بكر ومن عمر ومن الصحابة ﵃ أجمعين، ونصحهم لأنفسهم، وللإسلام، ولأمة الإسلام.
عن عاصم بن عدي قال: جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر، فكان آخر خطبة خطب بها، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبوها فبحب كل واحدة منهما تبغض الأخرى. وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور لا يخور لشيء منها حده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والطاعة، وهو عمر بن الخطاب. ثم نزل.
وسمع بعض الصحابة خبر استخلاف عمر فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك
عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني،
стр. 238
أبـ الله تخوفوني، خاب من تزود من أمركم بظلم. أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو ما عهد أبو بكر الصديق بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله وديني ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذاك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٢٧] » والسلام عليكم ورحمة الله. ثم أمر بالكتاب فختمه. ثم دعا أبو بكر ورفع يديه وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، فاجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم فهم عبادك. وبعث إلى عمر فقال: لا حاجة لي فيها. قال: ولكن لها بك حاجة، وقد رأيت رسول الله ﷺ وصحبته، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى إن كنا لنهدي إلى أهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإنما اتبعت أثر من كان قبلي.
هذه المبررات العظيمة لاستخلافه لعمر ﵄ وأرضاهما.
فالله الله عباد الله: أوصيكم بحب الصحابة عامة وحب صاحبيه خاصة، والإكثار من الترضي عنهما، ومعرفة فضائلهما، والاقتداء
بهما في فعل كل واجب واجتناب كل محرم، وما استطعتم من فعل
стр. 239
مندوب وترك مكروه؛ فمن عرف سيرتهما- ﵄ استقل ما عمل من خيرات، ومن كان من الخطائين كان إلى التوبة والإنابة والاستغفار والرجوع إلى الله من المسارعين بتوفيق الله، واتقوا الله لعلكم تفلحون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التّوبَة: ١٠٠] .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأبرأ إليه ممن أشرك به وكفر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نصر بالرعب من مسيرة شهر حتى أنه ليخافه ملك الروم (بني الأصفر) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.
أما بعد: فيا عباد الله: إن الخليفتين الراشدين ﵄ ورضي عن جميع الصحابة مع تلك الفتوحات العظيمة والفضائل الكثيرة كانا أزهد الناس في الدنيا، مقتديين بمثلهما الأعلى
محمد ﷺ ، خائفين من ربهم، راجيين أرفع ثواب لديه بعد النبيين- عن محمد بن قيس قال: دخل ناس على حفصة بنت عمر ﵄، فقالوا: إن أمير المؤمنين قد بدا علباء رقبته من الهزال، فلو كلمتيه أن يأكل طعامًا هو ألين من طعامه، ويلبس ثيابًا ألين من ثيابه، فقد رأينا إزاره مرقعًا برقع غير لون ثوبه. ويتخذ فراشًا ألين
стр. 240
من فراشه، فقد أوسع الله على المسلمين، فيكون ذلك أقوى على أمرهم. فبعثوا إليه حفصة، فذكرت ذلك له، فقال: أخبريني بألين فراش فرشتيه لرسول الله ﷺ قط؟ قالت: عباءة كنا نثنيها له باثنين، فلما غلظت عليه جعلتها بأربعة. قال: فأخبريني بأجود ثوب لبسه؟ قالت نمرة صبغناها له، فرآها إنسان فقال: اكسنيها يا رسول الله، فأعطاها إياه. قال عمر: ائتوني بمقناع من تمر (١) فأمرهم فنزعوا نواه ثم أكله كله. ثم قال: تروني لا أشتهي الطعام، إني لآكل السمن وعندي اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل البحت وعندي ملح، ولكن صاحبي سلكا طريقًا فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي.
وعن إسماعيل بن قيس قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا يلقاك عظماء الناس ووجوههم. فقال: لا أراكم ههنا. إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا جملي. وكان ﵁ ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: ابن الخطاب: هل لك على هذا صبر؟
وقال ﵁: ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا، ثم أكلوني فأخرجوني عذرة ولم أكُ بشرًا.
стр. 241
وجيء بتاج كسرى إلى عمر ﵁، فقال: إن الذين أدوا هذا لأمناء. فقال له علي ﵁: إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا.
وفضائله ﵁ كثيرة. منها: تعبده واجتهاده، وبكاؤه، وحذره من الابتداع في الدين، وإشارته بجمع القرآن، وهيبته في القلوب، وزهده، وتواضعه، ونزول القرآن بموافقته في مواضع، وفرار الشيطان منه (١) واهتمامه برعيته وملاحظته لهم، وغزواته، وفتوحاته، وحجاته، وعدله في رعيته، وقوله وفعله في بيت المال، وحذره من المظالم، وغير ذلك كثير.
عن علي ﵁ قال: رأيت عمر بن الخطاب على قتب يعدو فقلت: يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ فقال: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه. فقلت: لقد أذللت الخلفاء بعدك. فقال: يا أبا الحسن لا تلمني، فوالذي بعث محمدًا بالنبوة لو أن عناقًا ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة (٢) . فرضي الله عنه
стр. 242
وأرضاه، ورزقنا حبه وحب صاحبه، وفي الحديث «المرء مع من أحب» . إن أحسن الحديث كتاب الله ...
стр. 243
المبادرة إلى التوبة
وأقسام الناس فيها
الحمد لله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويزيد نعم المحسنين من فضله ويرفعهم درجات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده خزائن الأرض والسموات.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد إلا استغفر وتاب، وهو أقرب الخلق إلى الله منزلة ومآب. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد خرج الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أحد يموت إلا ندم» قالوا: وما ندامته؟ قال: «إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب» وقال الأوزاعي ﵀: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة. يومًا فيومًا وساعة فساعة، ولا تمر ساعة لم يذكر الله تعالى فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة، ويوم مع يوم، وليلة مع ليلة؟!
عباد الله: الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من
стр. 244
المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة أفاق من سكرته بشهوات الدنيا، فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل عملاً صالحًا فلا يجاب إلى ذلك، فتجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت. هذا حال الكثير من الناس. وقد حذر الله عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزُّمَر: ٥٤] قال ابن المبارك: احذر السكرة والحسرة، أن يفجأك الموت وأنت على الغرة، فلا يصف واصف قدر ما تلقى، ولا قدر ما ترى.
عباد الله- والناس في التوبة والعمل الصالح على أقسام. فمنهم من لا يوفق لتوبة نصوح؛ بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرًا عليها. وهذه حالة الأِشقياء، نعوذ بالله من حالهم.
وأقبح من ذلك من يسر له في أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه، ففي الحديث الصحيح: «إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» . وفي بعض رواياته «فيما يبدو للناس» يعني أن نيته بخلاف ذلك.
وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعلم صالح فيموت عليه، وهذه حالة من «يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
стр. 245
وأخرج البزار عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «إذا أراد الله بعبد خيرًا بعث إليه ملكًا من عامة الذين يموت فيه فيسدده وييسره، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه. وإذا أراد بعبده شرًا بعث إليه شيطانًا من عامة الذين يموت فيه، فأغواه، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه» وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «من تاب قبل موته عامًا تيب عليه، ومن تاب قبل موته شهرًا تيب عليه، حتى قال يومًا، حتى قال ساعة، حتى قال فواقًا. قال له إنسان: أرأيت إن كان مشركًا فأسلم؟ فقال: إني أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ » .
وفي المسند عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن الشطيان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» . وفي الحديث الصحيح: «أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . وقد دل القرآن على مثل هذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّساء: ١٧] وعمل السوء إذا أفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها. والمراد بالجهالة الأقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء؛ فإن كل من عصى الله
стр. 246
فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم. فمن كان عالمًا بالله وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه ويخشاه فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه. ومن آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره، وهذا جهل محض؛ فإنه تعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى، وثواب الآخرة، وعلو درجاتها، ولذة الطاعة؛ وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك وقد يعاجله الموت، فهو كجائع أكل طعامًا مسمومًا لدفع جوعه الحاضر ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب دواء.
وممن أفنى عمره في الغفلة والبطالة ما روى الواحدي في كتاب «قتلى القرآن» أن رجلاً من أشراف أهل البصرة كان منحدرًا إليها في سفينة، ومعه جارية له، فشرب يومًا وغنته جاريته بعود لها، وكان معهم في السفينة فقير صالح، فقال له: يا فتى: تحسن مثل هذا؟ قال: أحسن ما هو أحسن منه- وكان الفقير حسن الصوت- فاستفتح وقرأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧، ٧٨] فرمى الرجل ما بيده من الشراب في الماء، فقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٧] فوقعت في قلبه، فرمى ببقية الشراب في الماء وكسر العود.
ثم قال: يا فتى: هل ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ
стр. 247
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزُّمَر: ٥٣] فصاح صيحة عظيمة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات- ﵀.
وخرج أبو نعيم بسنده عن سعيد الجريري، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد: الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، حتى متى؟ قال: ما أعلم هذا إلا أخلاق المؤمنين.
وبقي هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها، وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل ليجدّ في التزود. ويتهيأ للرحيل بعمل صالح للقاء، ويكون خاتمة للعمل. قال ابن عباس لما نزلت على النبي ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النّصر: ١- ٣] . نعيت لرسول الله ﷺ نفسه، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة. وقالت أم سلمة: كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» . فذكرت ذلك له. فقال: «إني أمرت بذلك» ، وتلا هذه السورة، وكان من عادته أن يعتكف في كل عام في رمضان عشرًا، ويعرض القرآن على جبريل مرة؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين يوما وعرض القرآن مرتين، وكان يقول: «ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي» ثم حج حجة الوداع، وقال: «أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب» ثم أمر بالتمسك بكتاب الله، ثم توفي بعد وصوله إلى المدينة بيسير ﷺ .
إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة، والإحسان فكيف يكون حال المسيء؟ وفي الدعاء المأثور: «اللهم اجعل خير
стр. 248
عملي خواتمه، واجعل خير عمري آخره، وخير أيامي يوم لقاك» .
وكان السلف الصالح مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال يجددون التوبة والاستغفار، ويختمون أعمالهم بالاستغفار وكلمة التوحيد.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند موته: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت؛ ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحد النظر، فقالوا: إنك تنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين. فقال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قبض ﵀، وسمع تاليًا يتلوا: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القَصَص: ٨٣] .
فاتقوا الله عباد الله، والتوبة التوبة، قبل أن يصلنا من الموت النوبة، فيحصل المفرط على الندم والخيبة، والإنابة الإنابة، قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة قبل وقت الفاقة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] بارك الله ...
стр. 249
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ...
أما بعد: عباد الله مبادرة الإنسان بالتوبة في حال صحته قبل نزول المرض به هي أفضل أنواع التوبة، حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، ولذلك قرن الله التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن. فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء. والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت. خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النبي ﷺ خطب فقال في خطبته: «أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا» فأمر بالمباردة قبل الموت، وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته، بل كل نَفَس. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة. وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل. وقال بعض السلف: أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين. فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر؛ لأنه يُخْشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحُجرَات: ١١] تأخير التوبة في حال الشباب قبيح، ففي حال المشيب أقبح وأقبح. قال عمر بن هانئ: تقول التوبة للشاب: أهلاً ومرحبًا. وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان منك. فاختموا عباد الله أعمالكم اليومية بالتوبة والاستغفار، فإن كان العمل سيئًا كان كفارة له، وإن كان حسنًا كان كالطابع عليه (١) . إن أحسن الحديث ...
стр. 250
ميزان الناس
الحمد لله الذي أوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجا، وفاوت بين عباده في منازل العبودية من الإنابة والمحبة والخوف والرجاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أصبح قلبه بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته مبتهجًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد عباد الله: إذا أراد المسلم أن يُقَيِّمَ نفسه ويزنها، ويعرف خسرانها من ربحها، ويطمئن عليها في سيرها إلى ربها، فليعرضها على القرآن الكريم، قال ابن مسعود ﵁: لا يسأل أحدٌ عن نفسه غير القرآن. وهذه يا عباد الله آية منه، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] .
جعل سبحانه القائمين بهذا القرآن علمًا وعملاً ثلاثة أنواع: «ظالم لنفسه» وهو المفرط في بعض الواجبات، أو المرتكب لبعض المحرمات.
الثاني: «المقتصد» وهو المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات.