تعريفه بالإشارة
...
وإن كان بالإشارة:
فإما لتمييزه أكمل تمييز١ لصحة إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة حسًّا، كقوله:
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... "من نسل شيبان بن الضال والسلم"٢
وقوله "أي الحطيئة":
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلينا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وقوله٣:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أومأ إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
стр. 212
وقوله١:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
وإما للقصد إلى أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وإما لبيان حاله٢ في القرب أو البعد أو التوسط، كقولك: هذا زيد وذاك عمرو وذاك بشر. وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير كقوله تعالى: ﴿وإذَا رآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إن يَتَّخِذُونَكَ إلَّا هُزُوًا أهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ ، [الأنبياء: ٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ ، [العنكبوت: ٦٤] ، وعليه من غير هذا الباب قوله تعالى: ﴿مَاذَا أرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ ؟، [البقرة: ٢٦] ، وقول عائشة ﵂ لعبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجبًا لابن عمرو هذا، وقول الشاعر٣:
стр. 213
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس؟
وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١-٢] ذهابًا إلى بعد درجته، ونحوه: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ التِيْ أُوْرِثْتُمُوْهَا﴾ ، ولذا قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه، لم تقل "فهذا" -وهو حاضر- رفعا لمنزلته في الحسن وتمهيدًا للعذر في الافتتان به. وقد يجعل١ ذريعة إلى التحقير كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا.
وإما للتنبيه -إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف- على أن ما يرد بعد اسم الإشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف، كقول حاتم الطائي٢:
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي علي الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعه إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما
стр. 214
فعدد له كما ترى خصالًا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدمًا، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من أن يعد الشبعة مغنمًا، وينمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله "فذلك" فأفاد أنه جدير بإنصافه بما ذكر بعده.
وكذا قوله تعالى: ﴿أولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥] ، أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح١.
وإما لاعتبار آخر مناسب٢.
стр. 215
تعريفه بالام
...
وإن كان باللام ١:
стр. 216
فإما للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك١، كما إذا قال لك قائل: جاءني رجل من قبيلة كذا، فتقول.. ما فعل الرجل؟، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ، أي وليس الذكر الذي طلبت٢ كالأنثى التي وهبت لها.
стр. 217
وإما لإرادة نفس الحقيقة١ كقولك: الرجل خير من المرأة، والدينار خير من الدرهم، ومنه قول أبي العلاء المعري:
والخل كا لماء: يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء، ويخفيها مع الكدر
وعليه من غير هذا الباب قوله تعالي: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَي﴾ ، أي جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس الذي هو الماء، روي أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.. ونحوه: ﴿أولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
والمعرف باللام٢ قد يأتي لواحد باعتبار عهديته في الذهن لمطابقته
стр. 218
الحقيقة كقولك: ادخل السوق وليس بينك وبين مخاطبك سوق معهود في الخارج١ وعليه قول الشاعر٢:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... "فمضيت ثمت قلت لا يعنيني"
وهذا يقرب في المعنى من النكرة٣، ولذلك يقدر يسبني وصفًا للئيم لا حالًا.
стр. 219
وقد يفيد الاستغراق، وذلك إذا امتنع حمله على غير الأفراد وعلى بعضها دون بعض كقوله تعالى: ﴿إن الْانْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١-٢] .
والاستغراق ضربان:
حقيقي١ كقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ أي كل غيب وشهادة.
стр. 220
وعرفي١ كقولنا "جمع الأمير الصاغة" إذا جمع صاغة بلده أو أطراف مملكته فحسب، لا صاغة الدنيا٢.
واستغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع٣، بدليل أنه لا يصدق "لا رجل في الدار" في نفس الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق "لا رجال في الدار٤".
ولا تنافي بين الاستغراق وإفراد اسم الجنس٥:
стр. 221
لأن الحرف إنما يدخل عليه مجردًا عن الدلالة على الواحدة والتعدد؛ ولأنه بمعنى كل الأفرادي لا كل المجموعي، أي معنى قولنا الرجل: "كل فرد من أفراد الرجال لا مجموع الرجال"١، ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع، وللمحافظة على التشاكل بين الصفة والموصوف أيضًا.
فالحاصل أن المراد باسم الجنس المعرف باللام:
إما نفس الحقيقة لا ما يصدق عليه من الأفراد وهو تعريف الجنس والحقيقة، ونحوه علم الجنس كأسامة.
وإما فرد معين وهو العهد الخارجي، ونحوه العلم الخاص كزبد.
وإما فرد غير معين وهو العهد الذهني ونحوه النكرة كرجل.
وإما كل الأفراد وهو الاستغراق، ونحوه لفظ كل مضافًا إلى النكرة كقولنا: كل رجل.
стр. 222
وقد شكك السكاكي على تعريف الحقيقة والاستغراق بما خرج الجواب عنه مما ذكرنا١:
ثم اختار٢-بناء على ما حكاه عن بعض أئمة أصول الفقه من كون اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير- أن المراد بتعريف الحقيقة تنزيلها منزلة المعهودة بوجه من الوجوه الخطابية، إما لكون الشيء حاضرًا في الذهن لكونه محتاجًا إليه على طريق التحقيق أو التهكم، أو لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم على أحد الطريقين٣، وإما؛ لأنه لا يغيب عن الحس على أحد الطريقين لو كان معهودًا.
وقال٤:
стр. 223
"الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا متعددة، لتحققها مع الوحدة تارة ومع التعدد أخرى، وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر، فكون الحكم استغراقًا أو غير استغراق إلى١ مقتضى المقام: فإذا كان خطابيًّا٢ مثل: "المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم" حمل المعرف باللام -مفردًا كان أو جمعًا- على الاستغراق، بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما ترجيح لأحد المتساويين، وإذا كان استدلاليًّا حمل على أقل ما يحتمل وهو الواحد في المفرد والثلاثة في الجمع٣.
تعريفه بالإضافة
...
وإن كان بالإضافة١:
فأما؛ لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخص منها كقوله٢:
стр. 228
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب، وجثماني بمكة موثق
وإما لإغنائها عن تفصيل متعذر أو مرجوح لجهة١، كقوله٢:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
وقوله٣:
قومي هم قتلوا "أميم" أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
وأما لتضمنها٤ لشأن المضاف إليه كقولك: "عبدي حضر" فتعظم شأنك، أو لشأن المضاف كقولك: "عبد الخليفة ركب"
стр. 229
فتعظم شأن العبد. أو لشأن غيرهما١ كقولك "عبد السلطان عند فلان"، فتعظم شأن فلان. أو تحقيرًا٢ نحو ولد الحجام حضر.
وإما لاعتبار آخر مناسب٣.
стр. 230
تنكير المسند إليه:
وأما تنكيره١: فللإفراد٢ كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى ... ﴾ أي: فرد من أشخاص الرجال.
أو للنوعية٣، كقوله تعالي: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾ ، أي نوع من الأغطيه غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات
стр. 231
الله١.
ومن تنكير غير المسند إليه للأفراد قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] ٢، وللنوعية قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ، أي نوع من الحياة مخصوص، وهو الحياة الزائدة، كأنه قيل "ولتجدنهم أحرص الناس -وإن عاشوا ما عاشوا- على أن يزدادوا إلى حياتهم في الماضي والحاضر حياة في المستقبل، فإن الإنسان لا يوصف بالحرص على شيء إلا إذا لم يكن ذلك الشيء موجودًا له حال وصفه بالحرص عليه، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاء﴾ يحتمل الأفراد والنوعية، أي خلق كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه٣.
أو للتعظيم والتهويل. أو للتحقير٤، أي ارتفاع شأنه أو انحطاطه إلى حد لا يمكن معه أن يعرف، كقول ابن أبي السمط٥:
فتى لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه ألا تضيء الكواكب
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
стр. 232
أي له حاجب أي حاجب، وليس له حاجب ما.
أو للتكثير كقولهم "أن له لابلا" و"أن له لغنما"١، يريدون الكثرة. وحمل الزمخشري التنكير في قوله تعالي: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ عليه٢.
أو للتقليل كقوله تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ، أي وشيء ما من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضا الله سبب كل سعادة وفلاح؛ ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم وإنما تهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطه تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت.
وقد جاء التعظيم والتكثير جميعًا٣، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] ، أي رسل ذوو عدد كثير وآيات عظام. وأعمار طويلة ونحو ذلك.
والسكاكي لم يفرق بين التعظيم والتكثير ولا بين التحقيير والتقليل. ثم جعل التنكير في قولهم "شر أهر ذا ناب" للتعظيم، وفي قوله تعالى:
стр. 233
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] . لخلافه١، وفي كليهما٢ نظرًا أما الأول فلما سيأتي٣، وأما الثاني فلأن خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة ومن نفس الكلمة؛ لأنها إما من قولهم "نفحت" الريح إذا هبت أي هبة، أي من قولهم "نفح الطيب" إذ فاح أي موحة كما يقال شمة، واستعماله بهذا المعنى٤ في الشر استعارة إذ أصله أن يستعمل في الخير، يقال "له نفحة طيبة" أي هبة من الخير٥..
وذهب٦ أيضًا إلى أن قول تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] بالإضافة، أما للتهويل أو لخلافه٧، والظاهر أنه لخلافة وإليه ميل الزمخشري، فإنه ذكر أن إبراهيم ﷺ لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق له لاصق به، ولكنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥] ، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
وأما التنكير في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ فيحتمل
стр. 234
النوعية والتعظيم، أي ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل للعلم بالاقتصاص، فإن الإنسان إذا هم بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود، فتسبب لحياة نفسين.
ومن تنكير غير المسند إليه للنوعية ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ ، أي وأرسلنا عليهم نوعًا من المطر عجيبًا، يعني الحجارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين ... ﴾ وللتحقير ١ ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا﴾ ٢.
стр. 235
وصف المسند إليه ١:
وأما وصفه: فلكون الوصف تفسيرًا له كاشفًا عن معناه كقولك "الجسم الطويل العريض العميق محتاج إلى فراغ يشغله ٢ ":
стр. 236
ونحوه في الكشف قول أوس١:
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
حكي أن "الأصمعي" سئل عن "الألمعي" فأنشده ولم يزد. وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩-٢١] ، قال الزمخشري: "الهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم: ناقة هلوع": سريعة السير، وعن أحمد بن يحيى "ثعلب"٢: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله تعالى.. انتهى كلام الزمخشري.
أو لكونه مخصصًا له٣ نحو "زيد التاجر عندنا":
стр. 237
أو لكونه مدحًا له كقولنا "جاء زيد العالم"، حيث يتعين١ فيه "زيد" قبل ذكر العالم. ونحوه من غيره٢ قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اْللهِ الرَحْمَنِ الْرَحِيْمِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ .
أو لكونه ذمًّا له، كقولنا: ذهب زيد الفاسق، حيث يتعين فيه زيد قبل ذكر الفاسق. ونحوه من غيره قوله تعالى: ﴿فَإِذَاقَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] .
أو لكونه تأكيدًا له كقولك أمس الدابر كان يومًا عظيمًا٣.
أو لكونه بيانًا له كقوله تعالى: ﴿لاتَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] ، قال الزمخشري: الاسم الحامل لمعنى الأفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص، إذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت
стр. 238
إنما هو إله ولم تؤكده بـ"واحد" لم يحسن وخيل أنك تثبت الألهية لا الوحدانية١.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] فقال السكاكي: شفع الدابة بـ"في الأرض" وطائرا بـ"يطير بجناحيه" لبيان أن القصد بهما إلى الجنسين، وقال الزمخشري: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة كأنه قيل: وما من دابة في جميع الأرضين السبع وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه٢.
واعلم: أن الجملة قد تقع صفة للنكرة، وشر طها أن تكون خبرية؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلم يستقم أن تكون إنشائية مثله. وقال السكاكي: لأنه يجب أن يكون المتكلم يعلم تحقق الوصف للموصوف؛ لأن الوصف إنما يؤتى "به" ليميز به الموصوف مما عداه، وتمييز المتكلم شيئًا من شيء بما لا يعرفه له محال، فما لا يكون عنده محققًا للموصوف يمتنع أن يجعله وصفًا له، بحكم عكس النقيض، ومضمون الجمل الطلبية كذلك٣؛ لأن الطلب يقتضي مطلوبًا غير متحقق، لامتناع طلب الحاصل، فيقع شيء منها صفة لشيء.
стр. 239
والتعليل الأول١ أعم؛ لأن الجملة الإنشائية قد لا تكون طلبية كقولنا: نعم الرجل زيد، وبئس الصاحب عمرو، وربما يقوم بكر، وكم غلام ملكت، وعسى أن يجيء سشر، وما أحسن خالدًا، وصيغ العقود نحو بعت واشتريت، فإن هذه كلها إنشائية وليس شيء منها بطلبي ولامتناع وقوع الإنشائية صفة أو خبرًا قيل في قوله:
حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط٢
تقديره جاءوا بمذق مقول عنده هذا القول، أي بمدق يحمل رائيه أن يقول لمن يريد وصفه له: هل رأيت الذئب قط، فهل مثله في اللون لإيراده في خيال الرائي لون الذئب لورقته. وفي مثل قولنا: زيد اضربه أولا تضربه تقديره مقول في حقه "اضربه أو لا تضربه".
стр. 240
توكيد المسند إليه:
وأما توكيده: فالتقرير١ كما سيأتي في "باب تقديم الفعل وتأخيره".
стр. 241
أو لدفع توهم التجوز١ أو السهو٢، كقولك: عرفت أنا، وعرفت أنت، وعرف زيد زيد، أو عدم الشمول٣ كقولك "عرفني الرجلان كلاهما أو الرجال كلهم".
стр. 242
السكاكي: ومنه "كل رجل عارف"، وكل إنسان حيوان.
وفيه نظر: لأن كلمة كل: تارة تقع تأسيسًا -وذلك إذا أفادت الشمول من أصله، حتى لولا مكانها لما عقل- وتارة تقع تأكيدًا وذلك إذالم تفده من أصله، بل تمنع أن يكون اللفظ المقتضى له مستعملًا في غيره- أما الأول فهو أن تكون مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون﴾ ، وأما الثاني فما عدا ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُم﴾ . وهي في قوله: كل رجل عارف وكل إنسان حيوان من الأول لا الثاني١؛ لأنها لو حذفت منهمالم يفهم الشمول أصلًا.
стр. 243
بيان المسند إليه ١:
وأما بيانه وتفسيره: فلا يضاحه باسم مختص به٢ كقولك: "قدم صديقك خالد".
стр. 244
الإبدال من المسند إليه:
وأما الإبدال منه: فلزيادة التقرير والإيضاح، نحو جاءني زيد أخوك، وجاء القوم أكثرهم، وسلب عمرو ثوبه، ومنه في غيره١ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦-٧] .
стр. 245
العطف على المسند إليه:
وأما العطف: فلتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو "جاء زيد وعمرو وخالد"١، أو لتفصيل المسند٢ مع اختصار، نحو "جاء زيد فعمرو" أو "ثم عمرو"، أو "جاء القوم حتى خالد"٣. ولابد في "حتى" من تدريج، كما ينبئ عنه قوله٤:
وكنت فتى من جند إبليس فارتمى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي
أو لرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب: كقولك "جاءني زيد لا عمرو٥، لمن اعتقد أن عمرًا جاءك دون زيد، أو أنهما جاءاك
стр. 246
جميعًا: وقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو لمن اعتقد أن زيدًا جاءك دون عمرو.
أو لصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر، نحو "جاءني زيد بل عمرو"، وما جاءني زيد بل عمرو١.
стр. 247
أو للشك فيه، أو التشكيك، نحو جاءني زيد أو عمرو، أو أما زيد وأما عمرو، أو أما زيد أو عمرو.
أو للإبهام كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
أو للإباحة أو التخيير، وهو أن يفيد ثبوت الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء فحسب، مثلهما: قولك ليدخل الدار زيد أو عمرو، وأفرق بينهما واضح فإن الإباحة لا تمنع من الإتيان بهما أو بها جميعًا١.
стр. 248
تعقيب المسند إليه بضمير الفصل ١:
وأما توسط الفصل بينه٢ وبين المسند فلتخصيصه به٣.
стр. 249
كقولك زيد هو المنطلق، أو هو أفضل من عمرو، أو خير منه، أو هو يذهب١.
стр. 250
تقديم المسند إليه:
وأما تقديمه فلكون ذكره أهم١:
أما؛ لأنه "٢" الأصل ولا مقتضى للعدول عنه٣.
وأما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقًا إليه،