← Баляга

Баляга · id 7380

الإيضاح في علوم البلاغة

جلال الدين القزويني

Полный текст (638 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

جميعًا: وقولك: ما جاءني زيد لكن عمرو لمن اعتقد أن زيدًا جاءك دون عمرو. أو لصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر، نحو "جاءني زيد بل عمرو"، وما جاءني زيد بل عمرو١.

стр. 247

أو للشك فيه، أو التشكيك، نحو جاءني زيد أو عمرو، أو أما زيد وأما عمرو، أو أما زيد أو عمرو. أو للإبهام كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] . أو للإباحة أو التخيير، وهو أن يفيد ثبوت الحكم لأحد الشيئين أو الأشياء فحسب، مثلهما: قولك ليدخل الدار زيد أو عمرو، وأفرق بينهما واضح فإن الإباحة لا تمنع من الإتيان بهما أو بها جميعًا١.

стр. 248

تعقيب المسند إليه بضمير الفصل ١: وأما توسط الفصل بينه٢ وبين المسند فلتخصيصه به٣.

стр. 249

كقولك زيد هو المنطلق، أو هو أفضل من عمرو، أو خير منه، أو هو يذهب١.

стр. 250

تقديم المسند إليه: وأما تقديمه فلكون ذكره أهم١: أما؛ لأنه "٢" الأصل ولا مقتضى للعدول عنه٣. وأما ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقًا إليه،

стр. 251

كقوله١: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد٢ وهذا٣ أولى من جعله شاهدًا لكون المسند إليه موصولًا كما فعل السكاكي. وأما لتعجيل المسرة أو المساءة، لكونه صالحًا للتفاؤل أو التطير، نحو "سعد في دارك" و"السفاح في دار صديقك". وإما لايهام أنه لا يزول عن الخاطر٤ أو أنه يستلذ فهو إلى الذكر أقرب. وإما لنحو ذلك٥ ... قال السكاكي: وإما؛ لأن كونه متصفًا بالخبر يكون هو المطلوب لا نفس الخبر٦ كما إذا قيل لك: كيف.

стр. 252

الزاهد، فتقول: الزاهد يشرب ويطرب. وأما؛ لأنه يفيد زيادة تخصيص كقوله: متى تهزز "بني قطن" تجدهم ... سيوفًا في عواتقهم سيوف جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف والمراد هم خفوف. وفيه نظر: ١- لأن قوله: لا نفس الخبر يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر، وهو باطل؛ لأن نفس الخبر تصورًا لا تصديق والمطلوب بها إنما يكون تصديقًا، وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقًا فغير صحيح أيضًا لما سيأتي أن العبارة عن مثله لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه كقولك وقع القيام١. ٢- ثم في مطابقة الشاهد الذي أنشده٢ للتخصيص نظر لما سيأتي أن ذلك مشروط بكون الخبر فعليًّا٣. وقوله٤: والمراد هم خفوف تفسير للشيء بإعادة لفظه.

стр. 253

مذهب عبد القاهر في إفادة التقديم للتخصيص: قال عبد القاهر. وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي١، إن ولي حرف النفي٢، كقولك: "ما أنا قلت هذا"، أي لم أقله مع أنه مقول، فأفاد نفي الفعل عنك وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مفول وأنت تريد نفي كونك قائلًا له٣، ومنه قول الشاعر٤: وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا إذ المعنى أن هذا السقم الموجود والضرم الثابت ما أنا جالب لهما، فالقصد إلى نفي كونه فاعلًا لهما لا إلى نفيهما. ولهذا لا يقال٥ ما أنا قلت ولا أحد غيري. لمناقضة منطوق الثاني مفهوم الأول٦، بل يقال: ما قلت أنا ولا أحد غيري.

стр. 254

ولا يقال "ما أنا رأيت أحدًا من الناس"١، ولا "ما أنا ضربت إلا زيدًا"٢، بل يقال: ما رأيت- أو ما رأيت أنا أحدًا من الناس، وما ضربت أو ما ضربت أنا إلا زيدًا؛ لأن المنفي في الأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس وفي الثاني الضرب الواقع على كل واحد منهم سوى زيد، وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور هو ما نفي عن المذكور فيكون الأول مقتضيًا؛ لأن إنسانًا غير المتكلم قد رأى كل الناس، والثاني مقتضيًا؛ لأن إنسانًا غير المتكلم قد ضرب من عدا زيدًا منهم، وكلاهما محال، وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكي٣، وامتناع الثاني٤ بأن نقض النفي بألا يقتضي أن يكون القائل له قد ضرب زيدًا وإيلاء الضمير حرف النفي يقتضي أن لا يكون ضربه وذلك تناقض، وفيه نظر: لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف.

стр. 255

النفي يقتضي ذلك١ فإن قيل الاستثناء الذي فيه مفرغ، وذلك يقتضى أن لا يكون ضرب أحدًا من الناس وذلك يستلزم أن لا يكون ضرب زيدًا، قلنا: إن لزم ذلك فليس للتقديم لجريانه في غير صورة التقديم أيضًا كقولنا "ما ضربت إلا زيدًا". هذا إذا ولي المسند إليه حرف النفي ... وإلا٢: فإن كان"٣" معرفة كقولك "أنا فعلت" كان القصد إلى الفاعل وينقسم قسمين:

стр. 256

أحدهما: ما يفيد تخصيصه بالمسند، للرد على من زعم انفراد غيره به١ أو مشاركته فيه٢، كقولك "أنا كتبت في معنى فلان" و"أنا سعيت في حاجته"، ولذلك إذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول: أنا كتبت في معنى فلان لا غيري، ونحو ذلك، وفي الوجه الثاني: أنا كتبت في معنى فلان وحدي، فإن قلت: أنا فعلت كذا وحدي في قوة أنا فعلته لا غيري، فلم أختص كل منهما بوجه من التأكيد دون وجه؟ قلت: لأن جدوى التأكيد لما كانت إماطة شبهة خالجت قلب السامع، وكانت في الأول أن الفعل صدر من غيرك، وفي الثاني أنه صدر منك بشركة الغير، أكدت وأمطت الشبهة في الأول بقولك "لا غيري" وفي الثاني بقولك "وحدي"؛ لأنه محزه ولو عكست أحلت، ومن البين في ذلك المثل: "أتعلمني بضب أنا حرشته٣؟ ". وعليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] ، أي لا يعلمهم إلا نحن ولا يطلع على أسرارهم غيرنا لابطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم. الثاني٤: ما لا يفيد إلا تقوي الحكم وتقرره في ذهن السامع وتمكنه كقولك "هو يعطي الجزيل"، لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل، ولا أن تعرض بإنسان، ولكن تريد أن تقرر في ذهن السامع وتحقق أنه يفعل إعطاء الجزيل.

стр. 257

وسبب تقويه هو أن المبتدأ يستدعي أن يستند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه إلى نفسه. فينعقد، بينهما حكم، سواء كان خاليًا عن ضميره نحو "زيد غلامك" أو متضمنًا له نحو أنا عرفت، وأنت عرفت، وهو عرف، أو "زيد عرف" ثم إذا كان متضمنًا لضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيًا فيكتسي الحكم قوة١. ومما يد على أن التقديم يفيد التأكيد أن هذا الضرب من الكلام يجيء: وفيما اعترض فيه شك نحو أن تقول للرجل: كأنك لا تعلم بالذي تقول"، فتقول أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] ؛ لأن الكاذب لاسيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب فيمتنع أن يعترف بالعلم بأنه كاذب. وفيما اعترض فيه شك نحو أن تقول للرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان، فيقول: أنا أعلم. وفي تكذيب مدع، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] ، فإن قولهم: "آمنا دعوى منهم أنهم لم يخرجوا به للكفر كما دخلوا به. وفيما يقتضي الدليل أن لا يكون، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] . فإن مقتضى الدليل أن لا يكون ما يتخذ إلهًا مخلوقًا.

стр. 258

وفيها يستغرب كقولك: ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعيا باليسير؟. وفي الوعد والضمان كقولك للرجل: أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر؛ لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في إنجاز الوعد والوفاء بالضمان فهو من أحوج شيء إلى التأكيد. وفي المدح والافتخار؛ لأن من شأن المادح أن يمنع السامعين من الشك فيما يمدح به ويبعدهم عن الشبهة وكذلك المفتخر، أما المدح فكقول الحماسي١: هم يفرشون اللبد كل طمرة ... "وأجرد سباح يبذ المغاليا" وقول الحماسية٢: هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... "شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما" وقول الحماسي٣: هم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجه من الدماء سبائب وأما الافتخار فكقول طرفة: نحن في المشتأة ندعو الجفلى ... "لا ترى الآدب فينا ينتقر٤"

стр. 259

ومما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] ، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها. وكذا إذا كان الفعل منفيًّا١، كقولك "أنت لا تكذب" فإنه أشد لنفي الكذب عنه من قولك "لا تكذب"، وكذا من قولك "لا تكذب أنت"؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه لا الحكم، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالذِيْنَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرْكُوْنَ﴾ فإنه يفيد من التأكيد في نفي الاشراك عنهم ما لا يفيده قولنا والذين لا يشركون بربهم ولا قولنا والذين بربهم لا يشركون، وكذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُون﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 260

هذا كله إذا بني الفعل على معرف١.

стр. 261

.........................................................................

стр. 262

صفحة ٦٢ تسحب اسكانر.

стр. 263

...........................................................................

стр. 264

فإن بني على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس أو الواحد بالفعل، كقولك: رجل جاءني أي لا امرأة أو لا رجلان، وذلك؛ لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من الجنس. فيقع بها تارة إلى الجنس فقط كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آت ولم يدر جنسه أرجل هو أو امرأة، أو اعتقد أنه امرأة، وتارة إلى الوحدة فقط، كما إذا عرف أن قد آتاك من هو من جنس الرجال ولم يدر أرجل هو أم رجلان، أو اعتقد أنه رجلان.

стр. 265

مذهب السكاكي في إفادة التقديم للتخصيص: واشترك السكاكي في إفادة التقديم الاختصاص أمرين: أحدهما: أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرًا، على أن يكون فاعلًا في المعنى فقط كقولك "أنا قمت"، فإنه يجوز أن تقدر أن أصله قمت أنا على أن أنا تأكيد للفاعل الذي هو التاء في قمت فقدم أنا وجعل مبتدأ. وثانيهما: أن يقدر كونه كذلك١. فإن انتفى الثاني دون الأصل كالمثال المذكور٢ إذا أجري على الظاهر. وهو أن يقدر الكلام من الأصل مبنيًّا على المبتدأ والخبر،

стр. 266

ولم يقدر تقديم وتأخير، أو انتفى الأول بأن يكون المبتدأ اسمًا١ ظاهرًا. فإنه لا يفيد إلا تقوي الحكم. واستثني٢ المنكر كما في نحو رجل جاءني، إن قدر أصله جاءني رجل، لا على أن "رجل" فاعل جاءني بل على أنه بدل من الفاعل الذي هو الضمير المستتر في جاءني، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إن الذين ظلموا بدل من الواو في أسروا، وفرق بينه وبين المعرف بأنه لو لم يقدر ذلك فيه انتفي تخصيصه، إذ لا سبب لتخصيصه سواه، ولو انتفي تخصيصه لم يقع مبتدأ بخلاف المعرف لوجود شرط الابتداء فيه وهو التعريف. ثم قال: وشرطه أن لا يمنع من التخصيص مانع كقولنا: رجل جاءني، أي لا امرأة أو رجلان، دون قولهم: شر أهر ذا ناب، أما على التقدير الأول فلامتناع أن يراد المهر شر لا خير٤ وأما على

стр. 267

الثاني١ فلكونه نابيًا عن مكان استعماله٢، وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر، فالوجه٣ تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق٤. هذا كلامه٥، وهو مخالف لما ذكره الشيخ عبد القاهر: ١- لأن ظاهر كلام الشيخ فيما يلي حرف النفي، القطع بأنه يفيد التخصيص مضمرًا كان أو مظهرًا معرفًا أو منكرًا من غير شرط، لكنه لم يمثل إلا بالمضمر. وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيده إلا إذا كان مضمرًا، أو منكرًا بشرط تقدير التأخير في الأصل، فنحو: ما زيد قام، يفيد التخصيص على إطلاق قول الشيخ ولا يفيده على قول السكاكي ونحوه: "ما أنا قمت" يفيده على قول الشيخ مطلقًا وعلى قول السكاكي بشرط. ٢- وظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذالم يقع بعد النفي وخبره مثبت أو منفي قد يفيد الاختصاص مضمرًا كان أو مظهرًا لكنه لم يمثل.

стр. 268

إلا بالمضمر وكلام السكاكي صريح في أنه لا يفيد إلا المضمر فنحو زيد قام، قد يفيد الاختصاص على إطلاق قول الشيخ ولا يفيده عند السكاكي. ثم فيما احتج به١ لما ذهب إليه نظر: ١- إذ الفاعل وتأكيده٢ سواء في امتناع التقديم ما دام الفاعل فاعلًا والتأكيد تأكيدًا، فتجويز تقديم التأكيد دون الفاعل تحكم ظاهر٣. ٢- ثم لا نسلم انتفاء التخصيص في صورة المنكر٤ لولا تقدير أنه كان في الأصل مؤخرًا فقدم، جواز حصول التخصيص فيها بالتهويل.

стр. 269

كما ذكر١- وغير التهويل٢. ٣- ثم لا نسلم امتناع أن يراد: المهر شر لا خير٣، قال الشيخ عبد القاهر: إنما قدم شر؛ لأن المراد أن يعلم "أن" الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول "رجل جاءني" تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء أنه إنما صلح؛ لأنه بمعنى "ما أهر ذا ناب إلا شر" بيان لذلك، وهذا صريح في خلاف ما ذكره٤. ثم قال السكاكي: ويقرب من قببيل "هو عرف" في اعتبار تقوي٥ الحكم "زيد عارف". وإنما قلت "يقرب"، دون أن أقول "نظيره"؛ لأنه لمالم يتفاوت في التكلم والخطاب والغيبة في: "أنا عارف"، و"أنت عارف"، و"هو عارف" أشبه الخالي عن

стр. 270

الضمير. ولذلك لم يحكم على "عارف" بأنه جملة ولا عومل معاملتها في البناء١ حيث عرب في نحو: "رجل عارف"، "رجلًا عارفًا"، "رجل عارف"، وأتبعه في حكم الأفراد نحو "زيد عارف أبوه"، يعني أتبع "عارف" "عرف" في الأفراد إذا أسند إلى الظاهر: مفردًا كان أو مثنى أو مجموعًا٢. ثم قال: ومما يفيد التخصيص ما يحكيه -علت كلمته- عن قوم شعيب ﵇: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ، [هود: ٩١] ، أي العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت، لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال ﵇ في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] ، أي من نبي الله، ولو كان معناه ما عززت علينالم يكن مطابقًا.. وفيه نظر: لأن قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيْز﴾ من باب "أنا عارف"، لا من باب "أنا عرفت"٣، والتمسك بالجواب٤ ليس شيء، لجواز أن يكون

стр. 271

عليه السلام فهم كون رهطه أعز عليهم، من قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ . وقال الزمخشري١: دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام في الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل: "وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعز علينا".. وفيه نظر: لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذالم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر. فإن قيل: الكلام واقع فيه، وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّه﴾ قلنا: قال السكاكي معناه "من نبي الله" فهو على حذف المضاف، وأجود منه ما قاله الزمخشري: "وهو أن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨١] ، ويجوز أن يقال: لا شك أن همزة الاستفهام هنا ليست على بابها بل هي للإنكار للتوبيخ، فيكون معنى قوله: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّه﴾ إنكار أن يكون مانعهم من رجمه رهطه، لانتسابه إليهم، دون الله تعالي، مع انتسابه إليه أيضًا، أي أرهطي أعز عليكم من الله حتى كان امتناعكم من رجمي بسبب انتسابي إليهم بأنهم رهطي، ولم يكن بسبب انتسابي إلى الله تعالى بأني رسول، والله أعلم. موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه: ومما يرى تقديمه كالملازم٢ لفظ مثل إذا استعمل كناية من

стр. 272

غير تعريض١ كما في قولنا مثلك "لا يبخل" ونحوه، مما لا يراد بلفظ مثل غير ما أضيف إليه ولكن أريد من كان على الصفة التي هو عليها كان من مقتضى القياس وموجب العرف أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل٢، ولكون المعنى هذا قال الشاعر٣: ولم أقل مثلك أعني ... سواك يا فردا بلا مشبه وعليه قوله:

стр. 273

مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع من غربه١ وكذا قول القبعثري للحجاج لما توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم": مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب أي من كان على هذه الصفة من السلطان وبسطة اليد ولم يقصد أن يجعل أحدًا مثله٢: وكذلك حكم غير إذا سلك به هذا المسلك٣، فقيل "غيري يفعل ذاك" على معنى أني لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان.. وعليه قوله:٤. غير بأكثر هذا الناس ينخدع ... "إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا". فإنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد هناك فيصفه بأنه ينخدع بل أراد أنه ليس ممن ينخدع. وكذلك قول أبي تمام:

стр. 274

وغيري يأكل المعروف سحتًا ... وتشحب عنده بيض الأيادي١ فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قرف٢ به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم لا غير. واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفحت الكلام وحدتهما يقدمان أبدًا على الفعل إذا نحى بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى فيهما إذالم يقدما. والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم به كما سبق تقريره، وسيأتي٣ أن المطلوب بالكناية في قولنا "مثلك لا يبخل" و"غيرك لا يجود" هو الحكم وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمها أعون للمعنى الذي جلبًا لأجله.

стр. 275

موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه: قيل وقد يقدم؛ لأنه دال على العموم، كما تقول كل إنسان لم يقم١، فيقدم ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن٢

стр. 276

الموجبة المعدولة المهملة١ في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم عن جملة الأفراد دون كل واحد منها، فإذا سورت بـ"كل" وجب أن تكون لإفادة العموم لا لتأكيد نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لأن التأسيس خير من التأكيد. ولو لم تقدم فقلت: "لم يقم كل إنسان" كان نفيًا للقيام عن جملة الأفراد دون كل واحد منها؛ لأن السالبة المهملة٢ في قوة السالبة الكلية المقتضية سلب الحكم عن كل فرد لورود موضوعها٣ في سياق النفي٤. فإذا سورت٥ بكل وجب أن تكون لإفادة نفي

стр. 277

الحكم عن جملة الأفراد، لئلا يلزم تجريح التأكيد على التأسيس. وفيه نظر١: ١- لأن النفي عن جملة الأفراد في الصورة الأولى -أعني الموجبة المعدولة المهملة كقولنا إنسان لم يقم- وعن كل فرد في الصورة الثانية -أعني السالبة المهملة كقولنا لم يقم إنسان- إنما أفاده الإسناد إلى إنسان، فإذا أضيف كل إلى إنسان وحول الإسناد إليه، فأفاد في الصورة الأولى نفي الحكم عن جملة الأفراد وفي الثانية نفيه عن كل فرد منها، كان كل تأسيسًا لا تأكيدًا٣؛ لأن التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر٤ وما نحن فيه ليس كذلك.

стр. 278

٢- ولئن سلمنا أنه يسمى تأكيدًا "فقولنا لم يقم إنسان" إذا كان مفيدًا للنفي عن كل فرد كان مفيدًا للنفي عن جملة الأفراد لا محالة فيكون "كل" في "لم يقم كل إنسان" إذا جعل مفيدًا للنفي عن جملة الأفراد تأكيدًا لا تأسيسًا ١ كما قال في "كل إنسان لم يقم" فلا يلزم من جعله للنفي عن كل فرد ترجيح التأكيد على التأسيس٢. ٣- ثم جعله قولنا "لم يقم إنسان" سالبة مهملة في قوة سالبة كلية مع القول بعموم موضوعها لوروده نكرة في سياق النفي خطأ؛ لأن النكرة في سياق النفي إذا كانت للعموم كانت القضية التي جعلت هي موضوعًا لها سالبة كلية، فكيف تكون سالبة مهملة٣؟ ولو قال: لو لم يكن الكلام المشتمل على كلمة كل مفيدًا لخلاف ما يفيده الخالي عنها لم يكن في الاتيان بها فائدة، لثبت مطلوبه في الصورة الثانية دون الأولى، لجواز أن يقال فائدته فيها الدلالة على نفي الحكم عن جملة الأفراد بالمطابقة

стр. 279

واعلم أن ما ذكره هذا القائل١ -من كون كل في النفي مفيدة للعموم تارة وغير مفيدة للعموم أخرى- مشهور. وقد تعرض له الشيخ عبد القاهر٢ وغيره.. قال الشيخ "عبد القاهر": كلمة كل في النفي إن أدخلت في حيزه، بأن قدم عليها: لفظًا، كقول أبي الطيب: ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن" وقول الآخر: ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد٣. وقولنا "ما جاء القوم كلهم" وما جاء كل القوم، "ولم آخذ الدراهم كلها"، ولم آخذ كل الدراهم. أو تقديرًا، بأن قدمت٤ على الفعل المنفي وأعمل فيها؛ لأن العامل رتبته التقدم على المعمول كقولك كل الدراهم لم آخذ، توجه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام ثبوته لبعض أو تعلقه٥ ببعض.. وإن أخرجت٦ من حيزه بأن قدمت عليه لفظًا ولم تكن معمولة للفعل المنفي

стр. 280

توجه النفي إلى أصل الفعل وعم ما أضيف إليه١ كل كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله: "كل ذلك لم يكن"، أي لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان وقول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع ثم قال٢: وعلة ذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي، فأعرفه. هذا لفظه٣. وفيه نظر٤. وقيل٥ إنما كان التقديم مفيدًا للعموم دون التأخير؛ لأن صورة التقديم تفهم سلب "لحقوق" المحمول للموضوع وصورة التأخير تفهم سلب الحكم من غير تعرض للمحمول بسلب أو لثبات.. وفيه نظر

стр. 281

أيضًا: لاقتضائه أن لا تكون ليس في نحو قولنا ليس كل إنسان كاتبًا مفيدة لنفي كاتب، هذا إن حمل كلامه على ظاهره وإن تؤول بأن مراده أن التقديم يفيد سلب الحقوق المحمول عن كل فرد، والتأخير يفيد سلب لحقوقه لكل فرد اندفع هذا الاعتراض، لكن كان مصادرة ١ على المطلوب. واعلم أن٢ المعتمد في المطلوب الحديث وشعر أبي النجم، وما نقلناه عن الشيخ عبد القاهر وغيره لبيان السبب وثبوت المطلوب لا يتوقف عليه. والاحتجاج بالخبر٣ من وجهين: أحدهما أن السؤال بأم عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو بنفي كل واحد منهما٤، وثانيهما ما روي أنه لما قال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، والإيجاب الجزئي نقيضه السلب الكلي، وبقول٥ أبي النجم ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر وهو أن الشاعر فصيح، والفصيح الشائع في مثل قوله نصب كل وليس فيه ما يكسر له وزنًا، وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت.

стр. 282

عليه هذه المرأة، فلو كان النصب مفيدًا لذلك والرفع غير مفيد لم يعدل عن النصب إلى الرفع من غير ضرورة. تنبيه: ومما يجب التنبيه له في فصل التقديم أصل، وهو أن تقديم الشيء على الشيء ضربان: تقديم على نية التأخير وذلك في شيء أقر مع التقديم على حكمه الذي كان عليه كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل كقولك قائم زيد وضرب عمرًا زيد فإن قائم وعمرًا لم يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا مسندًا ومرفوعًا بذلك وكون هذا مفعولًا ومنصوبًا من أجله.. وتقديم لا على نية التأخير ولكن أن ينقل الشيء عن حكم إلى حكم ويجعل له إعراب غير إعرابه كما في اسمين يحتمل كل منهما أن يجعل مبتدأ والآخر خبرًا له فيقدم تارة هذا على هذا، وأخرى هذا على هذا، كقولنا "زيد المنطلق" و"المنطلق زيد"، فإن المنطلق لم يقدم على أن يكون متروكًا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن ينقل عن كونه خبًرا إلى كونه مبتدأ، وكذا القول في تأخير زيد.

стр. 283

تأخير المسند إليه: وأما تأخيره: فلاقتضاء المقام تقديم المسند١. خروج المسند إليه على خلاف الظاهر: هذا كله٢ مقتضى الظاهر:

стр. 284

وقد يخرج المسند إليه على خلافه١: ١- فيوضع المضمر موضع المظهر: كقولهم ابتداء من غير جري ذكر لفظًا، أو قرينة حال: "نعم رجلًا زيد٢، وبئس رجلًا عمرو، مكان: "نعم الرجال"، و"بئس الرجل". على "٣" قول من لا يرى الأصل "زيد نعم رجلًا".

стр. 285

و"عمرو بئس رجلًا"، وقولهم: "هو زيد عالم" وهي عمرو١ شجاع، مكان: الشأن زيد عالم، والقصة عمرو شجاع. ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه٢ فإن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقي منتظرًا لعقبى الكلام: كيف تكون، فيتمكن المسموع بعده في ذهنه فضل تمكن٣، وهو السر في التزام تقديم الشأن أو القصة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ، وقال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ ، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَار﴾ . ٢- وقد يعكس فيوضع المظهر موضع المضمر: ١- فإن كان المظهر اسم إشارة. فذلك إما لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بحكم بديع٤ كقوله٥:
следующие страницы →