أيضًا: لاقتضائه أن لا تكون ليس في نحو قولنا ليس كل إنسان كاتبًا مفيدة لنفي كاتب، هذا إن حمل كلامه على ظاهره وإن تؤول بأن مراده أن التقديم يفيد سلب الحقوق المحمول عن كل فرد، والتأخير يفيد سلب لحقوقه لكل فرد اندفع هذا الاعتراض، لكن كان مصادرة ١ على المطلوب.
واعلم أن٢ المعتمد في المطلوب الحديث وشعر أبي النجم، وما نقلناه عن الشيخ عبد القاهر وغيره لبيان السبب وثبوت المطلوب لا يتوقف عليه. والاحتجاج بالخبر٣ من وجهين: أحدهما أن السؤال بأم عن أحد الأمرين لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم على الإبهام، فجوابه إما بالتعيين أو بنفي كل واحد منهما٤، وثانيهما ما روي أنه لما قال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، والإيجاب الجزئي نقيضه السلب الكلي، وبقول٥ أبي النجم ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر وهو أن الشاعر فصيح، والفصيح الشائع في مثل قوله نصب كل وليس فيه ما يكسر له وزنًا، وسياق كلامه أنه لم يأت بشيء مما ادعت.
стр. 282
عليه هذه المرأة، فلو كان النصب مفيدًا لذلك والرفع غير مفيد لم يعدل عن النصب إلى الرفع من غير ضرورة.
تنبيه:
ومما يجب التنبيه له في فصل التقديم أصل، وهو أن تقديم الشيء على الشيء ضربان: تقديم على نية التأخير وذلك في شيء أقر مع التقديم على حكمه الذي كان عليه كتقديم الخبر على المبتدأ، والمفعول على الفاعل كقولك قائم زيد وضرب عمرًا زيد فإن قائم وعمرًا لم يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا مسندًا ومرفوعًا بذلك وكون هذا مفعولًا ومنصوبًا من أجله.. وتقديم لا على نية التأخير ولكن أن ينقل الشيء عن حكم إلى حكم ويجعل له إعراب غير إعرابه كما في اسمين يحتمل كل منهما أن يجعل مبتدأ والآخر خبرًا له فيقدم تارة هذا على هذا، وأخرى هذا على هذا، كقولنا "زيد المنطلق" و"المنطلق زيد"، فإن المنطلق لم يقدم على أن يكون متروكًا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن ينقل عن كونه خبًرا إلى كونه مبتدأ، وكذا القول في تأخير زيد.
стр. 283
تأخير المسند إليه:
وأما تأخيره: فلاقتضاء المقام تقديم المسند١.
خروج المسند إليه على خلاف الظاهر:
هذا كله٢ مقتضى الظاهر:
стр. 284
وقد يخرج المسند إليه على خلافه١:
١- فيوضع المضمر موضع المظهر:
كقولهم ابتداء من غير جري ذكر لفظًا، أو قرينة حال: "نعم رجلًا زيد٢، وبئس رجلًا عمرو، مكان: "نعم الرجال"، و"بئس الرجل". على "٣" قول من لا يرى الأصل "زيد نعم رجلًا".
стр. 285
و"عمرو بئس رجلًا"، وقولهم: "هو زيد عالم" وهي عمرو١ شجاع، مكان: الشأن زيد عالم، والقصة عمرو شجاع.
ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه٢ فإن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقي منتظرًا لعقبى الكلام: كيف تكون، فيتمكن المسموع بعده في ذهنه فضل تمكن٣، وهو السر في التزام تقديم الشأن أو القصة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ، وقال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ ، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَار﴾ .
٢- وقد يعكس فيوضع المظهر موضع المضمر:
١- فإن كان المظهر اسم إشارة.
فذلك إما لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بحكم بديع٤ كقوله٥:
стр. 286
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
وإما للتهكم بالسامع، كما إذا كان فاقد البصر، أولم يكن ثم مشار إليه أصلًا.
وإما للنداء على كمال بلادته بأنه لا يدرك غير المحسوس بالبصر، أو على كمال فطانته بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره.
وإما لادعاء أنه كمل ظهوره حتى كأنه محسوس بالبصر. ومنه١ في غير باب المسند إليه قوله:
تعاللت كي أشجي وما بك علة ... تريدين قتلي، قد ظفرت بذلك٢
وإما لنحو ذلك..
стр. 287
ب- وإن كان المظهر غير اسم إشارة:
فالعدول إليه عن المضمر إما لزيادة التمكين١، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَد، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١-٢] ونظيره٣ من غيره٤ قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ٥] وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فأنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] ، وقول الشاعر٦:
إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... "والدرع محقبة والسيف مقروب"
بدل نعطكم إياه.
وإما لادخال الروع في ضمير السامع وتربية المهابة. وإما لتقوية المأمور، مثالهما قول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا. وعليه من غيره٧ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ .
стр. 288
وإما للاستعطاف كقوله:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... "مقرا بالذنوب وقد دعاكا"١
وإما لنحو ذلك.
стр. 289
٣- الالتفات:
قال السكاكي: "هذا١ غير مختص بالمسند إليه، ولا بهذا القدر٢، بل التكلم والخطاب والغيبة مطلقًا٣ ينقل كل واحد منها إلى الآخر٤، ويسمى هذا النقل التفاتًا٥ عند علماء المعاني،
стр. 290
كقول ربيعة بن مقروم١:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
فالتفت كما ترى، حيث لم يقل "وأخلفتني٢"، وقوله٣:
تذكرت -والذكرى تهيجك- زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
وحل بفلح فالأباتر أهلنا ... وشطت فحلت غمرة فمثقبا
فالتفت في البيتين٤.
والمشهور عند الجمهور٥ أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه٦ بطريق آخر منها٧.
стр. 291
وهذا١ أخص من تفسير السكاكي؛ لأنه أراد بالنقل٢ أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها٣، فكل التفات عندهم التفات عنده من غير عكس.
مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] ٤.
стр. 292
ومن التكلم إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿إنَّا أعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١-٢] ١.
ومن الخطاب إلى التكلم قول علقمة بن عبدة٢:
طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
ومن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] ٣.
ومن الغيبة إلى التكلم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٨] ٤.
стр. 293
ومن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤-٥] ١.
وقوله عبد الله بن٢ عمة:
ما٣ أن ترى السيد زيدًا في نفوسهم ... كما يراه بنو كوز ومرهوب
أن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب
وأما قول امرئ القيس٤:
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
فقال الزمخشري: فيه ثلاث التفاتات٥، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي٦؛ لأن على تفسيره في كل بيت التفاتة، لا يقال الالتفات
стр. 294
عنده١ من خلاف مقتضى الظاهر، فلا يكون في البيت الثالث التفات لوروده على مقتضى الظاهر؛ لأنا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى لما تقدم. وأما على المشهور٢ فلا التفات في البيت الأول٣، وفي الثاني التفاتة واحدة٤، فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان٥، فقيل هما في قوله جاءني، إحداهما باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من الغيبة في الثاني، وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتبس به وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق الخطاب حاصلًا ملتبسًا به فيكون الانتقال إلى التكلم في الثالث من الغيبة وحدها لا منها ومن الخطاب جميعًا فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة واحدة، وقيل احداهما في قوله وذلك؛ لأنه التفات من الغيبة٦ إلى الخطاب والثانية في قوله جاءني؛ لأنه التفات من الخطاب٧ إلى التكلم وهذا أقرب٨.
стр. 295
واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه على ما ذكر الزمخشري هو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية١ لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه٢ من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بلطائف: كما في سورة الفاتحة، فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيقي بالحمد عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لما هو فيه، بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الدال على اختصاصه بالحمد وإنه حقيق به، وجد من نفسه لا محالة محركًا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾ الدال على أنه مالك للعالمين لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته، قوى ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى قوله: ﴿الْرَحْمَنِ الْرَحِيْمِ﴾ الدال على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها، تضاعفت قوة المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام وهي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الْدِّيْنَ﴾ الدال على أنه مالك للأمر كل يوم الجزاء تناهت قوته وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات٣، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ
стр. 296
٩٢
جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] ، لم يقل "واستغفرت لهم"، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيمًا لشأن رسول الله
стр. 297
صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.
وذكر السكاكي لالتفاتات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها:
١- أحدهما أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه. فنبه في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه، وخاطبها١ بـ"تطاول ليلك" تسلية، أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقًا شديدًا ولم تتصبر فعل الملوك، فشك في أنها نفسه فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية، وفي الثاني على أنه صادق في التخزن خاطب أولًا، وفي الثالث على أنه يريد نفسه.
٢- أو نبه في الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرًا فما فطن معه لمقتضى الحال فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أموره الكبار: أمرًا ونهيا، وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئًا فلم يجد النفس معه فبنى الكلام على الغيبة. وفي الثالث على ما سبق.
٣- أو نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ولم تتبصر غاظة ذلك، فأقامها مقام المستحق للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب وسكت عنه الغضب بالعتاب الأول ولي عنها الوجه وهو يدمم قائلًا "وبات وباتت له"، وفي الثالث على سبق.
стр. 298
هذا كلامه١ ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف٢.
стр. 299
٤- الأسلوب الحكيم ١:
ومن خلاف المقتضى٢ ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب٣ بغير ما يترقب٤ بحمل كلامه على خلاف مراده٥ تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل٦بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهم له:
أما الأول فكقول القبعثري للحجاج لما قال له متوعدًا بالقيد: لأحملنك على الأدهم "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أن من كان على
стр. 300
صفته في السلطان وبسطه اليد فجدير أن يصفد لا أن يصفد١، وكذا قوله له لما قال له في الثانية "إنه حديد"، لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا، وعن سلوك هذه الطريفة في جواب بالمخاطب عبر من قال مفتخراً.
أنت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها:
هم الضيف جدي في قراهم وعجلي٢
وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة:
وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الْأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يتزايد قليلًا قليلًا حتي يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ ٣ وكقوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ، سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف٤.
стр. 301
٥- التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي:
ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، تنبيهًا على تحقق وقوعه. وأن ما هو للوقوع كالواقع، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْارْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْارْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّار﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَاف﴾ جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع١.. وعن حسان٢ أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء إليه يبكي. فقال له: يا بني مالك قال: لسعتي طوير٣ كأنه ملتف في بردي حبرة، فضمه إلى صدره، وقال: يا بني قد قلت الشعر٤.
ومثل التعبير عنه٥ باسم الفاعل كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾ ، وكذا اسم المفعول كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ
стр. 302
النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ١.
стр. 303
٦- القلب ١:
ومنه القلب٢، كقول العرب "عرضت الناقة على الحوض"٣.
стр. 304
ورده مطلقًا١ قوم، وقبله مطلقًا قوم منهم السكاكي٢، والحق أنه إن تضمن اعتبارًا لطيفًا قبل وإلا رد.. أما الأول٣ فكقول رؤبة:
"ومهمة مغيرة أرجاؤه" ... كأن لون أرضه سماؤه٤
أي كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه فعكس التشبيه للمبالغة، ونحوه قول أبي تمام يصف قلم الممدوح:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل٥
وأما الثاني٦ فكقول القطامي٧:
стр. 305
"فلما أن جرى سمن عليها" ... كما طينت بالفدن السباعا
وقول حسان:
"كأن سبيئة من بيت رأس" ... يكون مزاجها عسل وماء١
وقول عروة بن الورد:
فديت بنفسه نفسي ومالي ... "وما آلوك إلا ما أطيق"٢""
وقول الآخر٣:
"قفي قبل التفرق يا ضباعا" ... ولا يك موقف منك الوداعا
وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ليس واردًا على القلب، إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف. وكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ
стр. 306
بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ١.
فأصل الأول أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا أي إهلاكنا، وأصل الثاني ثم أراد الدنو من محمد ﷺ فتدلى فتعلق عليه في الهواء، ومعنى الثالث تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ماذا يرجعون فيقال أنه دخل عليها من
стр. 307
كوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة١.. وأما قول خداش:
"وتركب خيلا لا هوادة بينها" ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر٢
فقد ذكر له سوى القلب وجهان:
أحدهما: أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها.
والثاني: أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها تحقيرًا لشأنهم وأنهم ليسوا أهلا؛ لأن يطعنوا بهاكما يقال شقى الخز بجسم فلان إذا لم يكن أهلًا للبسه. وقيل في قول قطري بن الفجاءة:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام٣
أنه من باب القلب، على أن لم أصب بمعنى لم أجرح، أي قارح
стр. 308
البصرة جذع الأقدام، كما يقال "أقدام غر ورأي مجرب" وأجيب عنه بأن لم أصب بمعنى لم ألف أي لم ألف بهذه الصفة بل وجدت بخلافها جذع الأقدام قارح البصيرة على أن قوله: "جذع البصيرة قارح الأقدام" حال من الضمير المستتر في لم أصب فيكون متعلقًا بأقرب مذكور، ويؤيد هذا الوجه١ قوله قبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفًا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي
فإن الخضاب بما تحدر من دمه دليل على أنه جرح، وأيضًا فحوى كلامه أن مراده أن يدل على أنه جرح ولم يمت، إعلامًا أن الأقدام غير علة الحمام، وحثًّا على الشجاعة وبغض الفرار.
стр. 309
القول في أحوال المسند:
حذف المسند:
أما تركه١: فلنحو ما سبق في باب المسند إليه من تخييل العدول إلى أقوى الدليلين، ومن اختبار تنبه السامع عند قيام القرينة، أو مقدار تنبه، ومن الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر.
١- أما مع ضيق المقام كقوله:
"ومن يك أمسى بالمدينة رحله" ... فإني وقيار بها لغريب٢
стр. 310
أي وقيار كذلك، وكقوله١:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
أي نحن بما عندنا راضون٢.. وكقول أبي الطيب:
قالت وقد رأى إصفراري من به؟ ... وتنهدت، فأجبتها: المتنهد
أي المتنهد هو المطالب٣ به، دون المطالب به هو المتنهد، إن فسر بمن المطالب به؛ لأن مطلوب السائلة على هذا الحكم على شخص معين بأنه المطالب به ليتعين عندها، لا الحكم على المطالب به بالتعيين، وقيل معناه "من فعل به"، فيكون التقدير: فعل به المتنهد.
٢- وأما بدون الضيق، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] على وجه، أي والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، ويجوز أن يكون جملة واحدة، وتوحيد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فكانا في حكم مرضي واحد، كقولنا: إحسان زيد وإجماله تعشني وجبر مني، وكقولك "زيد منطلق وعمرو"، أي عمرو كذلك٤، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ، أي واللائي لم يحضن
стр. 311
مثلهن، وقولك: خرجت فإذا زيد١. وقولك لمن قال هل لك أحد، إن الناس ألب عليك: إن زيدًا وإن عمرًا، أي إن لي زيدًا وإن لي عمرًا، وعليه قوله٢: إن محلًّا وإن مرتحلًا. أي إن لنا محلًّا في الدنيا وإن لنا مرتحلًا عنها إلى الاخرة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] تقديره لو تملكون تملكون مكررًا لفائدة التوكيد، فأضمر "تملك" الأول إضمارًا على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فأنتم فاعل الفعل المضمر وتملكون تفسيره٣ قال الزمخشري: هذا ما يقتضيه علم الأعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن "أنتم تملكون" فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون
стр. 312
بالشح المتبالغ. ونحوه قول حاتم "لو ذات سوار لطمتني"، وقول المتلمس:
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... "جعلت لهم فوق العرانين ميسمًا١"
وذلك؛ لأن الفعل لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر، وكقوله تعالى: ﴿أفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرآاهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] ، أي كمن لم يزين له سوء عمله، المعنى أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما -الذين كفروا والذين آمنوا- كمن لم يزين له سوء عمله؟ ثم كأن رسول الله ﷺ لما قيل له ذلك قال: لا، فقيل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات﴾ ، وقيل المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف الجواب لدلالة: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات﴾ أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وأما قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ، [يوسف: ١٨] ، وقوله تعالى: ﴿سورة أنزلناها﴾ ، وقوله: ﴿وأاقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] فكل منها يحتمل الأمرين: حذف المسند إليه وحذف المسند، أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل، وهذه سورة أنزلناها أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وأمركم أو الذي يطلب منك طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين، الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة أي بأنها بالقول دون الفعل. أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
стр. 313
ومما يحتمل الوجهين١ قوله : ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ، قيل التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، ورد بأنه تقرير لثبوت آلهة؛ لأن النفي إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدأ، كما تقول: ليس أمراؤنا ثلاثة فإنك تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة دون أن تكون لكم أمراء، وذلك إشراك، مع أن قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِد﴾ يناقضه، والوجه أن "ثلاثة" صفة مبتدأ محذوف، أو يكون مبتدأ محذوفًا مميزه، لا خبر مبتدأ، والتقدير: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة، ثم حذف الخبر كما حذف الخبر من: ﴿لَا إِلَهَ إَلَّا الْلَّهُ﴾ ﴿وَمَا مِنْ إَلَهٍ إَلَّا اللهُ﴾ ، ثم حذف الموصوف أو المميز كما يحذفان في غير هذا الموضع، فيكون النهي عن إثبات الوجود لآلهة، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين مع أن ما بعده أعني قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِد﴾ ينفي ذلك، فيحصل: النهي عن الاشراك، والتوحيد من غير تناقض، ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال: ولا تقولوا لنا: آلهة ولا إلهان؛ لأنه كقولنا "ليس لنا آلهة ثلاثة ولا الهان"، وهذا صحيح. ولا يصلح أن يقال على التقدير الأول ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا اثنان؛ لأنه كقولنا: ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين وهذا فاسد، ويجوز أن يقدر ولا تقولوا الله المسيح وأمه٢ ثلاثة: أي لا تعبدوهما كما تعبدونه لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ، فيكون المعنى: ثلاثة مستوون في الصفة والرتبة، فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد الحاق اثنين بواحد في وصف وأنهما شبيهان له أن يقال "هم ثلاثة"، كما يقال إذا أريد الحاق واحد بآخر وجعله في معناه "هما اثنان".
стр. 314
واعلم أن الحذف لا بد له من قرينة كوقوع الكلام جوابًا عن سؤال:
١- أما محقق: كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] .
٢- وأما مقدار نحو:
لبيك يزيد ضارع لخصومه ... "ومختبط مما تطيح الطوائح١"
وقراءة من قرأ "يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ،٢ رِجَالٌ"، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإالَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٣] ، ببناء الفعل للمفعول. وفضل هذا التركيب على خلافه، أعني لبيك يزيد ضارع، ببناء٣ الفعل للفاعل ونصب يزيد من وجوه: أحدها أن
стр. 315
هذا التركيب١ يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين إجمالًا ثم تفصيلًا٢، والثاني أن نحو "زيد" فيه ركن الجملة٣ لا فضلة، الثالث أن أوله غير مطمع للسامع في ذكر الفاعل، فيكون عند ورود ذكره كمن تيسرت له غنيمة من حيث لا يحتسب، وخلافه بخلاف ذلك.
ومن ذلك الباب، أعني الحذف الذي قرينته وقوع الكلام جوابًا عن سؤال مقدر: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِن﴾ على وجه، فإن "لله شركاء" إن جعلا مفعولين لجعلوا، فالجن يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره الشيخ٤ عبد القاهر، من أن يكون منصوبًا بمحذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل من جعلوا لله شركاء؟ فقيل الجن، فيفيد الكلام إنكار الشرك مطلقًا فيدخل اتخاذ الشريك من غير الجن في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن، والثاني: ما ذكره الزمخشري، وهو أن ينتصب "الجن" بدلًا من شركاء فيفيد إنكار الشريك مطلقًا أيضًا كما مر، وإن جعل لله "لغوا" كان "شركاء الجن" مفعولين قدم ثانيهما على الأول، وفائدة التقديم استعظام أن يتخذ "لله" شريك: ملكًا كان أو جنيا أو غيرهما ولذلك قدم اسم "الله" على الشركاء، ولو لم يبين الكلام على التقديم وقيل: "وجعلوا الجن شركاء لله، لم يفد إلا إنكار جعل الجن شركاء، والله أعلم.
стр. 316
ومنه ارتفاع المخصوص في باب نعم وبئس على أحد القولين١.
стр. 317
ذكر المسند:
وأما ذكره: فإما لنحو ما مر في باب المسند إليه: من زيادة التقرير، والتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام١ وإما ليتعين كونه: اسمًا فيستفاد منه الثبوت٢، أو كونه فعلًا فيستفاد منه التجدد٣، أو كونه ظرفًا فيورث احتمال الثبوت والتجدد، وإما لنحو ذلك.
قال السكاكي: وإما للتعجب من المسند إليه بذكره، كما إذا قلت زيد يقاوم الأسد مع دلالة قرائن الأحوال، وفيه نظر٤: لحصول التعجب بدون الذكر إذا قامت القرينة.
стр. 318
إفراد المسند ١:
وأما إفراده: فلكونه غير سببي٢ مع عدم إفادة تقوي٣ الحكم، كقولك: زيد منطلق، وقام عمرو. والمراد بالسبببي نحو "زيد أبوه منطلق". قال السكاكي: وأما الحال المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليًّا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم، وأعني
стр. 319
بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكومًا به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه كقولك: أبو زيد منطلق، والكر من البر بستين١، وضرب أخو عمرو. ويشكرك بكر أن تعطه، وفي الدار خالد، إذ تقديره استقر أو حصل في الدار على أقوى الاحتمالين٢، لتمام الصلة بالظرف كقولك: الذي في الدار٣ أخوك ... وفيه نظر من وجهين.
أحدهما: أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرًا للمسند مطلقًا٤، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي، إذ فسر المسند السببي بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلي، ومثله بقولنا "زيد أبوه منطلق"، أو "انطلق"، "والبر الكر منه بستين"، فجعل كما ترى أمثلة السببي مقابلة لأمثلة الفعلي مع الاشتراك في أصل المعنى.
والثاني: أن الظرف الواقع خبرًا إذ كان مقدرًا بجملة كما اختاره كان قولنا: "الكر من البر بستين"، تقديره الكر من البر استقر بستين فيكون المسند جملة ويحصل تقوي الحكم كما مر، وكذا إذا كان "في الدار خالد" تقديره "استقر في الدار خالد" كان المسند جملة أيضًا، لكون استقر مسندًا إلى ضمير خالد لا إلى خالد٥ على الأصح لعدم اعتماد الظرف على شيء.
стр. 320
فعلية المسند واسميته:
وأما كونه فعلاً فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة١ على أخصر ما يمكن مع إفادة التجدد٢.
وأما كونه اسمًا: فلإفادة عدم التقييد والتجدد٣. ومن البين فيهما قول الشاعر٤:
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
وقوله٥:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم
إذا معنى الأول على انطلاق ثابت للدرهم مطلقًا من غير اعتبار تجدده وحدوثه، ومعنى الثاني على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك.