← Баляга

Баляга · id 7380

الإيضاح في علوم البلاغة

جلال الدين القزويني

Полный текст (638 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومنه ارتفاع المخصوص في باب نعم وبئس على أحد القولين١.

стр. 317

ذكر المسند: وأما ذكره: فإما لنحو ما مر في باب المسند إليه: من زيادة التقرير، والتعريض بغباوة السامع، والاستلذاذ، والتعظيم، والإهانة، وبسط الكلام١ وإما ليتعين كونه: اسمًا فيستفاد منه الثبوت٢، أو كونه فعلًا فيستفاد منه التجدد٣، أو كونه ظرفًا فيورث احتمال الثبوت والتجدد، وإما لنحو ذلك. قال السكاكي: وإما للتعجب من المسند إليه بذكره، كما إذا قلت زيد يقاوم الأسد مع دلالة قرائن الأحوال، وفيه نظر٤: لحصول التعجب بدون الذكر إذا قامت القرينة.

стр. 318

إفراد المسند ١: وأما إفراده: فلكونه غير سببي٢ مع عدم إفادة تقوي٣ الحكم، كقولك: زيد منطلق، وقام عمرو. والمراد بالسبببي نحو "زيد أبوه منطلق". قال السكاكي: وأما الحال المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليًّا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم، وأعني

стр. 319

بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكومًا به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه كقولك: أبو زيد منطلق، والكر من البر بستين١، وضرب أخو عمرو. ويشكرك بكر أن تعطه، وفي الدار خالد، إذ تقديره استقر أو حصل في الدار على أقوى الاحتمالين٢، لتمام الصلة بالظرف كقولك: الذي في الدار٣ أخوك ... وفيه نظر من وجهين. أحدهما: أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرًا للمسند مطلقًا٤، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي، إذ فسر المسند السببي بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلي، ومثله بقولنا "زيد أبوه منطلق"، أو "انطلق"، "والبر الكر منه بستين"، فجعل كما ترى أمثلة السببي مقابلة لأمثلة الفعلي مع الاشتراك في أصل المعنى. والثاني: أن الظرف الواقع خبرًا إذ كان مقدرًا بجملة كما اختاره كان قولنا: "الكر من البر بستين"، تقديره الكر من البر استقر بستين فيكون المسند جملة ويحصل تقوي الحكم كما مر، وكذا إذا كان "في الدار خالد" تقديره "استقر في الدار خالد" كان المسند جملة أيضًا، لكون استقر مسندًا إلى ضمير خالد لا إلى خالد٥ على الأصح لعدم اعتماد الظرف على شيء.

стр. 320

فعلية المسند واسميته: وأما كونه فعلاً فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة١ على أخصر ما يمكن مع إفادة التجدد٢. وأما كونه اسمًا: فلإفادة عدم التقييد والتجدد٣. ومن البين فيهما قول الشاعر٤: لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق وقوله٥: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم إذا معنى الأول على انطلاق ثابت للدرهم مطلقًا من غير اعتبار تجدده وحدوثه، ومعنى الثاني على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك.

стр. 321

تقييد الفعل وعدمه: وأما تقييد الفعل ١ بمفعول ٢ ونحوه: فلتربية الفائدة٣: كقولك: ضربت ضربًا شديدًا، وضربت زيدًا، وضربت يوم الجمعة، وضربت أمامك، وضربت تأديبًا، وضربت بالسوط، وجلست والسارية، وجاء زيد راكبًا، وطاب زيد نفسًا، وما ضرب إلا زيد، وما ضربت إلا زيدًا. والمقيد في نحو: كان زيد قائمًا هو قائمًا لا كان٤:

стр. 322

وأما ترك تقييده: فلمانع من تربية الفائدة١.

стр. 323

تقييد الفعل بالشرط: وأما تقييده بالشرط١: فلاعتبارات٢ لا تعرفه إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل وقد بين ذلك في علم النحو، ولكن لا بد من النظر ههنا في "أن" و"إذا" و"لو".

стр. 324

أن وإذا الشرطيتان: أما: أن، وإذا، فهما للشرط في الاستقبال١ لكنهما يفترقان في شيء، وهو أن الأصل في أن ألا يكون الشرط فيها مقطوعًا بوقوعه٢ كما تقول لصاحبك: "إن تكرمني أكرمك"، وأنت لا تقطع بأنه يكرمك، والأصل في إذا أن يكون الشرط فيها مقطوعًا بوقوعه٣، كما تقول إذا زالت الشمس آتيك، ولذلك كان الحكم النادر موقعًا؛ لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع إذا لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع نظرًا إلى اللفظ قال الله تعالى: ﴿فَإذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ، أتى في جانب الحسنة بلفظ إذا؛ لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به، ولذلك عرفت تعريف الجنس٤، وجوز السكاكي أن يكون تعريفها للعهد٥، وقال: وهذا أقضى لحق

стр. 325

البلاغة، وفيه نظر١، وأتى في جاذب السيئة بلفظ أن؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ولذلك نكرت. ومنه قوله تعالى: ﴿وإذَا أذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] ، أتى باذا في جانب الرحمة.. وأما تنكيرها فجعله السكاكي للنوعية نظرًا إلى لفظ الإذاقة، وجعله للتقليل نظرًا إلى لفظ الإذاقة كما قال أقرب. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُر﴾ بلفظ إذا مع الضر، فللنظر إلى لفظ المس وإلى تنكير الضر المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضر وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيض﴾ ، بعد قوله : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِه﴾ ، أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم، فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في مسه للمعرض المتكبر، ويكون لفظ إذا للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعًا به. قال الزمخشري: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطا بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة وقد سأله حاجة فلم يقضها ثم شفع له فيها فقضاها: ذممت ولم تجمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها

стр. 326

إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها١ فلو عكس لأصاب. وقد تستعمل٢ إن في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة: كالتجاهل لاستدعاء المقام٣ إياه. وكعدم جزم المخاطب٤ كقولك لمن يكذبك٥ فيما تخبر: إن صدقت فقل لي ماذا تفعل. وكتنزيله منزلة الجاهل٦ لعدم جريه على موجب العلم كما تقول لمن يؤذي أباه: إن كان أباك فلا تؤذه. وكالتوبيخ على الشرط وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلعه٧ عن أصله لا يصلح إلا لفرضه كما يفرض المحال لغرض، كقوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ فيمن قرأ أن بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض، وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف٨ به، ومجيء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ

стр. 327

مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ بأن يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطبين على المرتابين منهم فإنه كان فيهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْث ١﴾ . والتغليب٢ باب واسع يجري في فنون كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ١٨٨] ، أدخل شعيب ﵇ في لتعودن في ملتنا بحكم التغليب، إذ لم يكن شعيب في ملتهم أصلًا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ عدت الأنثى من الذكور بحكم التغليب وكقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ عد إبليس من الملائكة بحكم التغليب وكقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون﴾ بتاء الخطاب غلب جانب أنتم على جانب قوم، ومثله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ .

стр. 328

فيمن قرأ بالتاء وكذا قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] غلب المخاطبون في قوله لعلكم تتقون على الغائبين في اللفظ، والمعنى على إرادتهما جميعًا؛ لأن لعل متعلقة بخلقكم لا باعبدوا، وهذا من غوامض التغليب. وكقوله تعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجًا وَمِنَ الأانْعَامِ أزْوَاجًا يَذْرَؤكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] ، فإن الخطاب فيه شامل للعقلاء والأنعام، فغلب فيه المخاطبون على الغيب والعقلاء على الأنعام، وقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤكُمْ فِيهِ﴾ أي يبثكم ويكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجًا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل فجعل هذا التدبير كالمتبع والمعدن للبث والتكثير ولذلك قيل يذرؤكم فيه ولم يقل به كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ . واعلم أنه لما كانت هاتان الكلمتان١ لتعليق أمر٢ بغيره، أعي الجزاء بالشرط، في الاستقبال٣، امتنع في كل واحدة من جملتيهما الثبوت٤ وفي أفعالهما المضي، أعني أن يكون كلتا الجملتين أو إحداهما.

стр. 329

اسمية أو كلا الفعلين أو إحدهما ماضيًا١، ولا يخالف ذلك لفظًا٢ -نحو أن أكرمتني أكرمتك وإن أكرمتني أكرمك وإن تكرمني أكرمتك وإن تكرمني فأنت مكرم وإن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس- إلا لنكتة ما مثل إبراز غير الحاصل في صورة الحاصل: إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه كقولك إن اشترينا كذا حال انعقاد الأسباب في ذلك وإما لأن ما هو للوقوع كالواقع كقولك إن مت كان كذا وكذا كما سبق. وإما للتفاؤل، وإما لإظهار الرغبة في وقوعه نحو إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام، فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره إياه، فربما يخيل إليه حاصلًا. وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ٣. وقد يقوي هذا التخيل

стр. 330

عند الطالب حتى إذا وجد حكم الحس بخلاف حكمه غلطه تارة واستخرج له محملًا أخرى وعليه قول أبي العلاء المعري: ما سرت إلا وطيف منك يصحبني ... سري أمامي وتأوييا على أثرى١ يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بك انتقشت في خيالي فأعدك بين يدي مغلطًا للبصر بعلة الظلام إذا لم يدركك ليلًا أمامي، وأعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي نهارًا. وإما لنحو ذلك، قال السكاكي: أو للتعريض: كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، [البقرة: ١٤٥] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَات﴾ ، ونظيره في التعريض٢ قوله: ﴿وَمَا لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] ، المراد وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، والمنبه عليه ترجعون، وقوله تعالى: ﴿أأتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُون، إنِّي إذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٢٣-٢٤] ، إذ المراد أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئًا ولا ينقذونكم إنكم إذا لفي ضلال مبين، ولذلك قيل: ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُم﴾ دون بربي، واتبعه: ﴿فَاسْمَعُوْنِ﴾ . ووجه حسنه٣ تطلب أسماع المخاطبين الذين هم أعداء المسمع الحق.

стр. 331

على وجه لا يورثهم مزيد غضب وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله لكونه أدخل في أمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ ، فإن حق النسق من حيث الظاهر: "قل لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون"، وكذا ما قبله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . قال السكاكي ﵀: وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف، ومما يتصل بما ذكرناه أن الزمخشري قدر قوله تعالى: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون﴾ عطفًا على جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وألْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] ، وقال: "الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الأعراب فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعًا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارًا، وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم يذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه" هذا كلامه، وهو حسن دقيق، لكن في جعل: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون﴾ عطفًا على جواب الشرط نظر؛ لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارًا حاصلة وإن لم يظفروا بهم، فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة، فالأولى أن يجعل قوله: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون﴾ عطفًا على الجملة الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُون﴾ .

стр. 332

لو الشرطية: وأما لو١ فهي للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط٢ فيلزم انتفاء الجزاء٣ كانتفاء الإكرام في قولك: لو جئتني لأكرمتك،

стр. 333

ولذلك قيل هي لامتناع الشيء لامتناع غيره، ويلزم كون جملتيها فعليتين وكون الفعل ماضيًا، فدخولها على المضارع في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّم﴾ ، لقصد استمرار الفعل فيا مضى وقتًا فوقتا كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ، ودخولها عليه١ في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] ، لتنزيله منزلة الماضي لصدوره عمن لا خلاف في إخباره كما نزل "يود" منزلة "ود" في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا٢﴾ ، ويجوز أن يرد الغرض.

стр. 334

من لفظ ترى ويود إلى استحضار صورة رؤية المجرمين ناكسي الرؤوس قائلين لما يقولون وصرة رؤية الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات وصورة ودادة الكافرين لو أسلموا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] إذ قال فتثير سحابًا استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من آثارة السحاب مسخرًا بين السماء والأرض تبدو في الأول كأنها قطع قطن مندوف ثم تتضام متقابلة بين أطوار حتى يعدن ركامًا، وكقول تأبط شرًّا١: ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها: كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلي لي مكاني فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفي بمقصول يماني فأضربها بلادهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران إذ قال: فأضربها ليصور لقومه الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبًا من جراءته على كل هول وثباته عند كل شدة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ، دون كن فكان. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .

стр. 335

تنكير المسند: وأما تنكيره: فإما لإرادة عدم الحصر والعهد، كقولك: زيد كاتب وعمرو شاعر. وإما للتنبيه على ارتفاع شأنه أو انحطاطه١ على ما مر في المسند إليه كقوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِين﴾ ، أي هدى لا يكتنه كنهة.

стр. 336

تخصيص المسند وعدمه: وأما تخصيصه بالإضافة١ أو الوصف٢: فلتكون الفائدة أتم كما مر٣. وأما ترك تخصيصه بهما فظاهر مما سبق.

стр. 337

تعريف المسند: وأماتعريفه١ فلإفادة السامع: إما حكمًا على أمر معلوم له بطريق من طرق التعريف بأمر آخر معلوم له كذلك٢، وأما لازم حكم بين أمرين كذلك٣. تفسير هذا أنه قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف٤ ويكون السامع عالمًا باتصافه بإحداهما دون الأخرى٥، فإذا أردت أن تخبره بأنه متصف بالأخرى تعمد إلى

стр. 338

اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبًرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية، كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدًا وهو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنه أخوه، وأردت أن تعرفه أنه أخوه، فتقول: له زيد أخوك، سواء عرف أن له أخًا ولم يعرف أن زيدًا أخوه أو لم يعرف أن له أخًا أصلًا. وإن عرف أن له أخًا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت "أخوك زيد: أما إذالم يعرف أن له أخًا أصلًا فلا يقال ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلًا، فظهر الفرق بين قولنا: زيد أخوك وقولنا أخوك زيد، وكذا إذا عرف السامع إنسانًا يسمى زيدًا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنه كان من زيد أو غيره فأردت أن تعرفه أن زيدًا هو ذلك المنطلق فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت المنطلق١ زيد، وكذا إذا عرف السامع إنسانًا يسمى زيدًا بعينه واسمه، وهو يعرف معنى جنس المنطلق وأردت أن تعرفه أن زيدًا متصف به فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: المنطلق١ زيد، لا يقال: زيد دال على الذات فهو متعين للابتداء تقدم أو تأخر، والمنطلق دال على أمر نسبي فهو متعين للخبرية تقدم أن تأخر؛ لأنا نقول: المنطلق لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق وأنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون خبرًا وزيد لا يجعل خبرًا إلا بمعنى صاحب اسم زيد وأنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ.

стр. 339

ثم١ التعريف بلام الجنس قد لا يفيد قصر المعرف على ما حكم عليه به، كقول الخنساء٢: إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا وقد يفيد قصره: إما تحقيقًا٣ كقولك: زيد الأمير، إذالم يكن أمير سواه، وإما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه كقولك: "عمرو الشجاع" أي الكامل في الشجاعة٤ فتخرج الكلام في صورة توهم.

стр. 340

أن الشجاعة لم توجد إلا فيه لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال. ثم المقصور قد يكون نفس الجنس مطلقًا أي من غير اعتبار تقييده بشيء كما مر، وقد يكون الجنس باعتبار تقييده بظرف أو غيره، كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرًا"، فإن المقصور هو الوفاء في هذا الوقت لا الوفاء مطلقًا، وكقول الأعشى١: هو الواهب المائة المصطفاة ... أما مخاضًا وإما عشارًا فإنه قصر هبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، لاهبتها مطلقًا. ولا الهبة مطلقًا. وهذه الوجوه الثلاثة: أعني العهد، والجنس للقصر تحقيقًا، والجنس للقصر مبالغة، تمنع جواز العطف بالفاء ونحوها على ما حكم عليه بالمعرف، بخلاف المنكر فلا يقال: زيد المنطلق وعمرو، ولا زيد الأمير وعمرو، ولا زيد الشجاع وعمرو.

стр. 341

جملية المسند: وأما كونه جملة فإما لإرادة تقوي الحكم بنفس التراكيب كما سبق١، وإما لكونه سببًا٢ وقد تقدم بيان ذلك٣. وفعليتها لإفادة التجدد. واسميتها لإفادة الثبوت، فإن من شأن الفعلية أن تدل على التجدد، ومن شأن الاسمية أن تدل على الثبوت، وعليهما قول رب العزة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] ، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ ، إذ أصل

стр. 342

الأول نسلم عليك سلامًا وتقدير الثاني سلام عليكم، كأن إبراهيم ﵇ قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذًا بأدب الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَاحُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] . وقد ذكر له وجه آخر فيه دقة غير أنه بأصول الفلاسفة أشبه وهو أن التسليم دعاء للمسلم عليه بالسلامة من كل نقص ولهذا أطلق، وكمال الملائكة لا يتصور فيه التجديد؛ لأن حصوله بالفعل مقارن لوجودهم، فناسب أن يحيوا بما يدل على الثبوت دون التجدد، وكمال الإنسان متجدد؛ لأنه بالقوة وخروجه إلى الفعل بالتدرج فناسب أن يحيا بما يدل على التجدد دون الثبوت. وفيه نظر. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُون﴾ ، أي أحدثتم دعاءهم أم استمر صمتكم عنه فإنه كانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعائهم، ففيه لم يفترق الحال بين أحداثكم دعاءهم وما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِين﴾ أي أحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب، أي أحوال الصبا بعد مستمرة عليك، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾ ، في جواب: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ فلإخراج ذواتهم من جنس المؤمنين مبالغة في تكذيبهم، ولهذا أطلق قوله "مؤمنين" وأكد نفيه بالباء، ونحوه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ . وشرطيتها: لما مر١، وظرفيتها لاختصار الفعلية، إذ هي مقدرة بالفعل على الأصح٢.

стр. 343

تأخير المسند: وأما تأخيره: فلأن ذكر المسند إليه أهم كما سبق.

стр. 344

وإما للتنبيه من أول الأمر على أنه١ خبر لا نعت٢ كقوله٣: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] . وإما للتفاؤل٤. وإما للتشويق إلى ذكر المسند٥ إليه كقوله٦: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر. وقوله: وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان قال السكاكي ﵀: وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم يحسن ذلك الحسن.

стр. 345

تنبيه: كثير مما في الباب١ والذي قبله٢ غير مختص بالمسند إليه والمسند، كالذكر والحذف وغيرهما٣ مما تقدمت أمثلته، والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما٤ لا يخفى عليه اعتباره في غيرهما٥.

стр. 346

القول في متعلقات أحوال الفعل مدخل ... القول في متعلقات أحوال الفعل: حال الفعل مع المفعول١ كحاله مع الفاعل، فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عديته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما٢،

стр. 347

فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أريد الأخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعمل ممن وقع في نفسه أو على من وقع، فالعبارة عنه أن يقال كان ضرب أو وقع ضرب أو وجد أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد١. وإذا تقرر هذا فنقول: الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يذكر له مفعول فهو على ضربين: الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق أو نفيه عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي من غير اعتبار عمومه

стр. 348

وخصوصه ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه١، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار تعلقه بالمفعول، ولا يقدر أيضًا؛ لأن المقدر في حكم المذكور٢.

стр. 349

.........................................................................

стр. 350

...........................................................................

стр. 351

........................................................................

стр. 352

.........................................................................

стр. 353

وهذا الضرب قسمان: ١- لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقًا١ كناية٢ عن الفعل متعلف بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة٣.

стр. 354

٢- أو لا١.

стр. 355

الثاني: كقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، أي من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث.
следующие страницы →