وهذا الضرب قسمان:
١- لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقًا١ كناية٢ عن الفعل متعلف بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة٣.
стр. 354
٢- أو لا١.
стр. 355
الثاني: كقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، أي من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث.
стр. 356
قال السكاكي١: ثم إذا كان المقام خطابيًّا٢ لا استدلاليًّا، أفاد٢ العموم في أفراد الفعل، بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون مفرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تحكم، ثم جعل قولهم في المبالغة
стр. 357
"فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع" محتملًا لذلك ولتعميم المفعول كما سيأتي، وعده الشيخ عبد القاهر مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء من ذلك.
والأول١ كقول البحتري يمدح المعتز بالله ويعرض بالمستعين بالله:
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي٢
стр. 358
أي أن يكون ذو رؤية وذو سمع. يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من له بصر لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب استحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد، فحساده وأعداؤه يتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي يخفى استحقاقه للإمامة فيجدوا بذلك سبيلًا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى مطلق الرؤية
стр. 359
كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره، وكقول عمرو بن معد يكرب١:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت٢
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح أجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرته. وكقول طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب.
стр. 360
جزى لله عنا جعفرًا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
فإن الأصل لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية١، فإن قلت لا شك أن قوله "ألجأوا" أصله "ألجأونا" فلأي معنى حذف المفعول منه؟ قلت
стр. 361
الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛ لأن حكمه حكم ما عطف عليه وهو قوله خلطونا١.
الضرب الثاني: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول٢ فيجب
стр. 362
تقديره بحسب القرائن ١:
حذف المفعول:
ثم حذفه من اللفظ:
١- إما للبيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة٢ إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة. كقولك: لو شئت جئت أو لم أجئ، أي لو شئت المجيء أو عدم المجيء، فإنك متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقت المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئًا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ذلك الشيء. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك﴾ ، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْه﴾ وقول طرفة:
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد٣
стр. 363
وقال البحتري:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقة وزروده١
وقوله:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرمًا ولم تهدم مآثر خالد٢
فإن كان في تعليق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه لو شئت أن أرد على الأمير رددت وإن شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته، وعليه قول الشاعر٣:
ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب بن عباد:
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرًا٤
فليس منه٥؛ لأنه لم يرد أن يقول فلو شئت أن أبكي تفكرًا
стр. 364
بكيت تفكرًا، ولكنه أراد أن يقول أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، وحتى لو شئت البكاء فمريت جفوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي وفي الثاني غير الحقيقي١، فالثاني لا يصلح؛ لأن يكون تفسيرًا للأول.
٢- وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد كقول البحتري:
وكم ذدت٢ عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
إذ لو قال حززن اللحم لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم
стр. 365
ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم.
٣- وأما؛ لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل١ على صريح لفظه٢، إظهارًا لكمال العناية بوقوعه٣ عليه كقول البحتري أيضًا في مدح المعتز بالله:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا٤
أي قد طلبنا لك مثلًا في السؤدد والمجد والمكارم، فحذف المثل إذ كان غرضه أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل. ولأجل هذا المعنى بعينه عكس ذو الرمة في قوله:
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيمًا أن يكون أصاب مالًا٥
فإنه أعمل الفعل الأول الذي هو أمدح في صريح لفظ "اللئيم"، والثاني الذي هو أرضى في ضميره، إذا كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحًا دون الإرضاء ويجوز أن يكون سبب الحذف في بيت البحتري قصد المبالغة في التأدب مع الممدوح، بترك مواجهته بالتصريح.
стр. 366
بما يدل على تجويز أن يكون له مثل فإن العقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده.
٤- وإما للقصد إلى التعميم في المفعول، والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره، مع الاختصار. كما تقول: "قد كان منك ما يؤلم" أي ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان١. وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام﴾ أي: يدعو كل أحد.
٥- وإما للرعاية على الفاصلة كقوله : ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَاسَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحي: ١-٣] أي وما قلاك.
٦- وإما لاستهجان ذكره كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما رأيت منه ولا رأى مني" تعني العورة.
٧- وإما لمجرد الاختصار٢، كقولك: "أصغيت إليه" أي
стр. 367
أي أذني، "وأغضيت عليه" أي بصري، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ أي ذاتك، وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ، أي بعثه الله، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ أي أنه لا يماثل، أو ما بينه وبينها من التفاوت، أو أنها لا تفعل كفعله كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ويحتمل أن يكون المقصود نفس الفعل من غير تعميم أي وأنتم من أهل العلم والمعرفة ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادًا غاية الجهل. ومما عد السكاكي الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ مَاخَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٣] ، والأولى أن يجعل
стр. 368
لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر، وهو ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: ترك المفعول؛ لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه رحمهما؛ لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما؛ لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلًا، وكذلك قولهما لا نسقي حتى يصدر الرعاء المقصود منه السقي لا المسقي١.
واعلم: أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١٠٩] ، فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء فلا يقدر في الكلام محذوف، وليس بمعناه؛ لأنه لو كان بمعناه لزم إما الإشراف أو عطف على نفسه؛ لأنه إن كان مسمى أحدهما.
стр. 369
غير مسمى الآخر لزم الأول، وإن كان مسماهما واحدًا لزم الثاني وكلاهما باطل، تعالى كلام الله عن ذلك، فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين، أي سموه الله أو الرحمن أيا ما تسمونه فله الأسماء الحسنى، كما يقال: "فلان يدعى الأمير" أي يسمى الأمير. وكما في قراءة من قرأ وقالت اليهود عزير بن "الله" بغير تنوين، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين، كما في قولنا "زيد بن عمرو قائم"، فإنه قد يظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة كما هو أصله، فقيل تقدير الكلام: "عزير ابن الله معبودنا"، وهذا باطل؛ لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفًا بصفة كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال: "زيد بن عمر وسيد" ثم كذبته فيه، لم يكن تكذيبك أن يكون زيد بن عمرو، ولكن أن يكون زيد سيدًا، فلو كان التقدير١ ما ذكر لكان الإنكار راجعًا إلى أنه معبودهم، وفيه تقرير أن عزيرًا بن الله، تعالى الله عن ذلك. فالقول في الآية بمعنى الذكر؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرًا هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بالغلو في أمر صاحبهم وتعظيمه، أني أراهم قد اعتقدوا أمرًاعظيمًا فهم يقولون أبدًا زيد الأمير، تريد أنه كذلك يكون ذكرهم له إذا ذكروه.
واعلم أن لحذف التنوين من عزير في الآية وجهين: أحدهما أن يكون لمنعه من الصرف لعجمته وتعريفه كعازر، والثاني أن يكون لالتقاء السكاكنين٢، كقراءة من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١-٢] ، بحذف التنوين من أحد، وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ
стр. 370
﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار﴾ بحذف التنوين من سابق ونصب النهار، فقيل له وما تريد؟ فقال: ﴿سَابِقُ النَّهَار﴾ ، فالمعنى على هذين الوجهين١ كالمعنى على إثبات التنوين، فعزير مبتدأ وابن الله خبر، وقال: على أصله والله أعلم.
стр. 371
تقديم المفعول على الفعل:
وأما تقديم مفعوله ونحوه ١ عليه:
فلرد الخطأ في التعيين٢، كقولك "زيدًا عرفت" لمن اعتقد أنك عرفت إنسانًا وأنه غير زيد وأصاب في الأول دون الثاني، وتقول لتأكيده٣ وتقريره زيدًا عرفت لا غيره، ولذلك٤ لا يصح أن يقال:
стр. 372
مازيدًا ضربت ولا أحدًا من الناس، لتناقض دلالتي الأول١ والثاني، ولا أن تعقب الفعل المنفي بإثبات ضده كقولك: "ما زيدًا ضربت ولكن أكرمته"؛ لأن مبنى الكلام ليس على أن الخطأ في الضرب فترده إلى الصواب في الأكرام، وإنما هو على أن الخطأ في المضروب حين اعتقد أنه زيد فرده إلى الصواب أن تقول ولكن عمرًا، وأما نحو قولك زيدًا عرفته: فإن قدر المفسر المحذوف قبل المنصوب أي عرفت زيدًا عرفته فهو من باب التوكيد أعني تكرير اللفظ٢ وإن قدر بعده زيدًا عرفت عرفته أفاد التخصيص٣. وأما٤ نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم﴾ فيمن قرأ بالنصب فلا يفيد إلا التخصيص لامتناع تقدير أما فهدينا ثمود٥ وكذلك إذا قلت بزيد مررت أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد فأزلت عنه الخطأ مخصصًا مرورك بزيد دون غيره٦.
стр. 373
والتخصيص١ في غالب الأمر لازم للتقديم٢ ولذلك يقال في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ معناه نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك ونخصك بالاستعانة لا نستعين غيرك، وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ معناه أن كنتم تخصونه بالعبادة وفي قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أخرت صلة الشهادة٢ في الأول وقدمت في الثاني ٤؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الثاني اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم. وفي قوله تعالى: ﴿لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُون﴾ معناه إليه لا إلى غيره، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ معناه لجميع الناس من العرب والعجم على أن التعريف للاستغراق، لا لبعضهم المعين على أنه٥ للعهد أي للعرب، لا لمسمى الناس على أنه للجنس، لئلا يلزم من الأول اختصاصه بالعرب دون العجم لانحصر الناس في الصنفين، ومن الثاني اختصاصه بالإنس دون الجن لانحصار من يتصور الإرسال إليهم من أهل الأرض فيهما، وعلى تقدير الاستغراق لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن التقديم لما كان مفيدًا لثبوت الحكم للمتقدم ونفيه عما يقابلها كان تقديم "للناس" على "رسولا" مفيدًا لنفي.
стр. 374
كونه رسولًا لبعضهم١ خاصة؛ لأنه هو المقابل لجميع الناس، لا لبعضهم٢ مطلقًا، ولا غير جنس الناس.
وكذلك يذهب٣ في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون﴾ إلى أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب - فيما يقولون من "أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى وأنه لا تمسهم النار فيها إلا أيامًا معدودات وأن أهل الجنة فيما لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ"- ليست بالآخرة، وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة عند الله في شيء، أي بالآخرة يوقنون لا بغيرها كأهل الكتاب.
ويفأد التقديم في جميع ذلك٤ وراء التخصيص٥ اهتمامًا بشأن المقدم٦، ولهذا قدر المحذوف في قوله "باسم الله" مؤخرًا٧ وأورد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ، فإن الفعل فيه مقدم٨، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك أهم؛ لأنها أول سورة.
стр. 375
نزلت١، وأجاب السكاكي بأن باسم ربك متعلق باقرأ الثاني٢، ومعنى الأول٣ افعل القراءة وأوجدها على نحو ما تقدم في قولهم فلان يعطي ويمنع يعني إذالم يحمل على العموم وهو بعيد.
стр. 376
تقديم بعض معمولات الفعل على بعض ١:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض: فهو إما؛ لأن أصله٢، التقديم٣ ولا مقتضى للعدول عنه٤ كتقديم الفاعل على المفعول نحو ضرب زيد عمرًا، وتقديم المفعول الأول على الثاني نحو أعطيت زيدًا درهمًا٥ وإما؛ لأن ذكره أهم والعناية به أتم٦، فيقدم المفعول
стр. 377
على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه لا وقوعه ممن وقع منه، كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى فقتل وأردت أن تخبر بقتله فتقول "قتل الخارجي فلان"، إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلصوا من شره، ويقدم الفاعل على المفعول إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه لا وقوعه على من وقع عليه كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلًا وأردت أن تخبر بذلك فتقول: "قتل فلان رجلًا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن ومعلوم أنه لم يكن نادرًا ولا بعيدًا من حيث كان واقعًا على من وقع عليه بل من حيث كان واقعًا ممن وقع منه. وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم﴾ ، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء بدليل قوله تعالى من إملاق فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله خشية إملاق فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع. فكان رزق أولادهم هو هو المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما؛ لأن في التأخير إخلالًا:
ببيان المعنى كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَه﴾ ، فإنه لو أخر ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عن ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَه﴾ لتوهم أن "من" متعلقة بـ ﴿يَكْتُمُ﴾ ، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون١.
стр. 378
أو بالتناسب كرعاية الفاصلة نحو: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ١.
وإما لاعتبار آخر مناسب٢.
وقسم السكاكي التقديم للعناية مطلقًا٣ قسمين: أحدهما أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه، كالمبتدأ المعرف فإن أصله التقديم على الخبر نحو زيد عارف، وكذا الحال المعرف فإن أصله التقديم على الحال نحو جاء زيد راكبًا وكالعامل فإن أصله التقديم على معموله نحو عرف زيد عمرًا وكان زيد عارفًا وإن زيدًا عارف، وكالفاعل فإن أصله التقديم على المفعولات وما يشبهها من الحال والتمييز نحو ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربًا شديدًا تأديبًا له ممتلئا من الغضب، وامتلأ الإناء ماء، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب "علمت" نحو علمت زيدًا منطلقًا، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب أعطيت وكسوت نحو أعطيت زيدًا درهمًا وكسوت عمرًا جبة، وكالمفعول المتعدي إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة نحو ضربت الجاني بالسوط وكالتوابع فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات.
وثانيهما أن تكون العناية بتقديمه والاعتناء بشأنه:
١- لكونه في نفسه نصب عينك، والتفات خاطرك إليه في التزايد
стр. 379
كما تجدك قد منيت بهجر حبيبك، وقيل لك ما تتمنى؟ تقول: "وجه الحبيب١ أتمنى". وعليه قوله٢ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاء﴾ أي على القول بأن لله شركاء مفعولًا جعلوا.
٢- أو لعارض يورثه ذلك٣ كما إذا توهمت أن مخاطبك ملتفت الخاطر إليه٤ ينتظر أن تذكره، فيبرز في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فمتى تجد له مجالًا للذكر صالحًا أوردته نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ ، قدم فيه المجرور٥ لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أهل القرية الرسل. من إصرارهم على تكذيبم فكان مظنة أن يلعن السامع على مجرى العادة تلك القرية ويبقى مجيلًا في فكره أكانت كلها كذلك أم كان فيها قطر دان أم قاص منبت خير، منتظرًا لإلمام الحديث٦ به بخلاف ما في سورة القصص أو كما إذا وعدت ما تبعد٧ وقوعه من جهتين إحداهما أدخل في تبعيده من الأخرى فإنك حال التفات خاطرك إلى وقوعه باعتبارهما تجد تفاوتًا في إنكارك إياه قوة وضعفًا بالنسبة، ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه يستتبع تفاوته ذلك تفاوتًا في القصد إليه والاعتناء بذكره، فالبلاغة توجب أنك إذا أنكرت تقول في الأول "شيء" حالة في البعد عن الوقوع هذه أنى يكون؟ لقد وعدت هذا.
стр. 380
أنا وأبي وجدي فتقدم المنكر١ على المرفوع، وفي الثاني "لقد وعدت أنا وأبي وجدي هذا" فتؤخر: وعليه قوله تعالى في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ ، وقوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ ، فإن ما قبل الأولى: ﴿إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون﴾ ، وما قبل الثانية: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظامًا أئنا لمبعوثون﴾ فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابًا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابًا وعظامًا، ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث.
٣- أو كما إذا عرفت في التأخير مانعًا٢ كما في قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُم﴾ بتقديم المجرور٣ على الوصف٤؛ لأنه لو أخر عنه وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول وتمامه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لاحتمل أن يكون ٥ من صلة الدنيا٦ واشتبه الأمر في القائلين أنهم من قومه أم لا بخلاف قوله تعالى في موضع آخر منها: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوامِنْ قَوْمِهِ﴾ . فإنه جاء على الأصل لعدم المانع. وكما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿آمَنَّا بَرَبِّ هَارُونَ وَمُوْسَى﴾ ، للمحافظة على الفاصلة بخلاف قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿رََبِ مُوْسَى وَهَرُوْنَ﴾ . "انتهى كلام السكاكي". وفيما ذكره نظر من وجوه.
стр. 381
أحدها: أنه جعل تقديم لله على شركاء للعناية والاهتمام وليس كذلك، فإن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون تعلق "جعلوا" بالله منكرًا من غير اعتبار تعلقه بشركاء، إذ لا ينكر أن يكون جعل ما متعلقًا به، فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بشركاء وتعلقه بشركاء كذلك منكر باعتبار تعلقه بالله، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها١. وقد علم بهذا أن كل فعل متعد إلى مفعولين لم يكن الاعتناء بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر، إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه٢ بالعناية.
وثانيهما: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى والتقديم للرعاية على الفاصلة من القسم الثاني، وليسا منه٣.
وثالثها: أن تعلق من قومه بـ"الدنيا" على تقدير تأخره غير معقولًا إلا على وجه بعيد٤.
стр. 382
بحوث حول متعلقات الفعل ١:
١- الفعل المتعدي علامته في عرف النحويين صحة اتصال هاء الضمير الغير المصدر به من غير توسع بحذف الجار أو صحة أن يصاغ منه "أو من مصدره" اسم مفعول تام "أي مستغن عن حرف الجر" بإطراد "لا خراج تمرون الديار إذ يصح صوغ اسم مفعول منها فيقال: الديار ممرورة لكن لا باطراد". وما سوى المتعدي فلازم. أو نقول المتعدي ما يصل إلى المفعول به بنفسه واللازم بالعكس ويسمى اللازم قاصرًا. والأصل سبق الفاعل في المعنى ويلزم الأصل لخوف اللبس كضرب موسى عيسى، ولكون الثاني محصورًا كما أعطيت إلا زيدًا أو ظاهرًا والأول ضمير متصل مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ . وقد يجب تقديم المفعول في ذلك إذا كان الفاعل في المعنى هو المحصور مثل ما أعطيت الدراهم إلا زيدًا أو ظاهرًا والثاني ضمير متصلًا مثل الدرهم أعطيته زيدًا أو ملتبسًا بضمير الثاني مثل أسكنت الدار بانيها. وحذف المفعول من غير باب ظن جائز اختصارًا أو اقتصارًا - لا يقال: حذفه للاقتصار لا يأتي في المفعول به؛ لأن الفعل المتعدي يدل عليه إجمالًا فلا يكون حذفه إلا لدليل؛ لأنا نقول المراد دليل على خصومه لا ما يدل عليه إجمالًا. ومن الحذف اقتصارًا حذف مفعول الفعل المنزلة منزلة اللازم على رأي النحاة والبيانيين ووافقهم المغني على أنه لا مفعول له أصلًا وعبارة المغني بعد أن ذكر رأي النحاة: والتحقيق أن يقال أنه تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه أو من أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندًا إليه فعل كون عام فيقال: حصل حريق، وتارة يتعلق بالإعلام بإيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوي إذ المنوي كالثابت ولا يسمى محذوفًا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له ومنه: ﴿رَبِِّي
стр. 383
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت﴾ ، وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعول فيذكران، وهذا النوع الذي لم يذكر مفعوله قيل له محذوف نحو: ﴿مَاْ وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَاْ قَلَى﴾ - وحذف المفعول لغرض لفظي كتناسب الفواصل مثل ما ودعك ربك وما قلى وكالإيجاز مثل فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، أو لغرض معنوي كاحتقاره مثل كتب الله لأغلبن أي الكافرين أو استهجان التصريح به مثل قول عائشة: ما رأيت منه ولا رأى مني أي العورة أو العلم به أو الجهل به أو تعظيمه أو الخوف منه.
ويقول السكاكي: "واعلم أن للفعل وما يتعلق به اعتبارات مجموعها راجع إلى الترك والإثبات والإظهار والإضمار والتقديم والتأخير، فلا بد من التكلم هناك وعلى الخصوص في تقييده -أعني الفعل- بالقيود الشرطية، فتقول: أما الترك فلا يتوجه إلى فاعله كما عرف في علم النحو وإنما يتوجه إلى نفس الفعل أو إلى غير الفاعل، لكنه لا يتضح اتضاحًا ظاهرًا إلا في المفعول به كما ستقف عليه١. ثم تكلم السكاكي على الحالة المقتضية لترك الفعل٢، وعلى الحالة المقتضية لإثباته٣ -ثم تكلم على الحالة المقتضية لترك مفعوله٤- ثم تكلم على اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل بأنواعه الثلاثة:
فأحدها: أن يقع بين الفعل وبين ما هو فاعل له معنى مثل: هو عرف.
وثانيها: أن يقع بينه وبين غير ذلك مثل: زيدًا عرفت.
وثالثها: أن يقع بين ما يتصل به كنحو: عرف زيد عمرًا وعرف عمرًا زيد.
стр. 384
وذكر السكاكي الأحوال التي تقتضي كل واحد١ منها، كما تكلم على الحالة المقتضية لإضمار فاعله ولكونه مظهرًا٢، وبسط الكلام على الحالة المقتضية لتقييد الفعل بالشرط٣:
١- المذكور في باب متعلقات الفعل ثلاثة أمور هي:
أ- نكات حذف المفعول به.
ب- نكات تقديمه على الفعل -لإفادة الاختصاص قلبًا كان أو إفرادًا أو تعيينًا، ويفيد التقديم وراء التخصيص اهتمامًا بشأن المقدم.
جـ- نكات تقديم بعض معمولاته على بعض.
هذه هي عناصر الكلام على "أحوال متعلقات الفعل"، فقوله: "أحوال متعلقات الفعل" أي بعض هذه الأحوال الخاصة بمتعلقات الفعل وهي الثلاثة الأحوال التي أشرنا إليها، هكذا قال السعد ولكن العصام قال: المراد جميع أحوال متعلقات الفعل؛ لأن وضع الباب لها إلا أنه اقتصر على ذكر البعض استغناء عن ذكر الباقي بما سبق في غير هذا الباب لظهور جريان الباقي فيها "أي في المتعلقات" كما نبه الخطيب عليه في التنبيه السابق، وتفسيره بعض أحوال المتعلقات حيث لم يذكر إلا البعض كما ذهب إليه الشارح المحقق "السعد" وهم وكيف لا يكون وهمًا أو كيف لا يكون كما ذكرنا؟، ولولم يكن المراد جميع الأحوال لم ينحصر الفن "فن المعاني" في الأبواب الثمانية.
وقال السبكي: هذا الباب لبيان أحوال متعلقات الفعل ولم يستوعبها بل ذكر منها الفاعل والمفعول، وذكر الفاعل فيه نظر:
стр. 385
أ- لأنه مسند إليه فذكره في باب المسند إليه أليق.
ب- ثم الأحوال التي يريدها هنا الذكر والترك والتقديم والتأخير، والترك لا يأتي في الفاعل؛ لأنه لا يحذف. ولكن قال العصام: إن المتعلق في عرف العربية كأنه مختص بما سوى الفاعل ولهذا قال نلبسه دون تعلقه؛ لأن الفاعل ملابس لا متعلق.
وقال أيضًا: ينبغي أن يقول: أحوال متعلقات الفعل وما في معناه مما يعمل عمله. وقال أيضًا: المتكلم: تارة يريد الإخبار عن الفعل أي الحدث من غير تلبس فاعل ولا مفعول فيقول وقع ضرب ونحوه وليس في هذا التركيب شيء من متعلقات الضرب- وتارة يراد فاعله فيؤتى بالفعل الصناعي الذي هو مشتق من الحدث الذي يريد الإخبار به فيذكر فاعله أبدًا عند البصريين إلا في مواضع مستثناه، ويجوز الحذف عند الكسائي. ثم إن كان متعديًا: فتارة يقصد الإخبار بالحدث والمفعول دون الفاعل فيبنى للمفعول فيقال ضرب زيد، وتارة يقصد الإخبار بالفاعل ولا يذكر مفعوله فهو على ضربين:
أ - أن يقصد إثبات المعنى للفاعل أو نفيه عنه على الإطلاق، إلخ، فالمتعدي حينئذ كاللازم فلا يذكر له مفعول لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار بتعلقه بالمفعول ولا يقدر؛ لأن المقدر كالمذكور. وهذا القسم لا يتأتى في الفاعل بل متى ذكر الفعل الصناعي وجب الإتيان بالفاعل أو نائبه. ثم قال السبكي: وهذا حقيقة اللازم فلا ينبغي أن يقال هو كاللازم وكأنهم يعنون باللازم حقيقة. ثم هذا القسم نوعان كما قال الخطيب: أن يجعل إطلاق الفعل كناية عنه متعلقًا بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة، أو لا يجعل كذلك.
ب- أن لا يكون كذلك بأن لم يقطع النظر عن المفعول بل قصد ولم يذكر لفظًا فيقدر بحسب القرائن.
٣- وفي لام متعلقات الفعل وجهان: أنها بكسر اللام أي أحوال.
стр. 386
الأمور المتعلقة بالفعل فالفعل يقال فيه متعلق والمفعول مثلًا متعلق أي متشبث وهذا هو الأحسن ووجه أولويته أن المفاعيل وما ألحق بها معمولة والفعل عامل فيها وكون المعمول لضعفه متعلقًا أنسب؛ لأن المتعلق هو المتشبث وهو أضعف من المتشبث به فالتعلق هو التشبث والمتشبث بالكسر هو المعمول الضعيف وبالفتح هو العامل القوي فهذا كما يقال الجار والمجرور متعلق بكذا.
أو أنها بفتح اللام واقتصر عليه العصام، لوجهين: فالوجه الأول ذكره عبد الحكيم. وهو أن الفتح نظرًا إلى أن الحدث الذي يدل عليه الفعل يتعلق بها كما في الكافية: المتعدي ما يتوقف فهمه على متعلق، ولذلك قال العصام: "إنه اسم مفعول على ما في الرضى" - والوجه الثاني أن الفتح جائز كالكسر؛ لأن كلا من الفعل والمفعول متعلق بالآخر وهذا الوجه ذكره الدسوقي.. هذا ويقول عبد القاهر: "وأما تعلق الاسم بالفعل فبأن يكون فاعلًا له أو مفعولًا مطلقًا أو مفعولًا به أو ظرفًا أو مفعولًا معه أو له أو بأن يكون منزلًا من الفعل منزلة المفعول وذلك في خبر كان وأخواتها والحال والتمييز ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء"، وهذا يرجح كسر اللام. ويقول السكاكي: اعلم أن للفعل وما يتعلق به اعتبارات وهو أيضًا يرجح الكسر.
٤- ذكر المطول أن قول الخطيب "الفعل مع المفعول إلخ" تمهيد للكلام على أحوال متعلقات الفعل ولكن الدسوقي يرى أن المصنف قد ذكر مقدمة للمطلب الأول "الذي هو نكات حذف المفعول به" بقوله: "الفعل مع المفعول إلى قوله ثم الحذف إما للبيان إلخ"، فقوله: ثم الحذف إلخ هو أول المقصود بالترجمة، إلا أن الدسوقي عاد فذكر -في تعليقه على قول السعد: "ومهد لذلك مقدمة"- أن قوله: "الفعل مع المفعول" إلى قوله: "لا إفادة وقوعه مطلقًا" توطئة لبحث حذف المفعول به.
стр. 387
البلاغة والتجديد
مدخل
...
البلاغة والتجديد:
١- البلاغة العربية مدينة في نشأتها الأولى لجهود علماء اللغة والأدب ولمثابرة الرواة والنقاد والباحثين في أصول البيان العربي، مع الأثر الفذ الذي أحدثه الكتاب والشعراء والأدباء في القرن الثاني والثالث الهجري.. ولقد تلاحقت الثقافات، واتصلت المعارف، وتبودلت الأفكار، في عواصم العلم والثقافة في العالم الإسلامي القديم، على أيدي العرب الذين نبغوا في اللغات الأجنبية، والموالي الذين حذقوا اللغة العربية وأجادوها، والمترجمين الذين كانوا همزة الوصل بين الثقافات القديمة والثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. كان خلف لا يشق له غبار في صناعة النقد "لنفاذه فيها وحذقه بها وإجادته لها"١. وكان أبو عبيدة يعجب من فطنة بشار وجودة قريحته وصحة نقده للشعر٢، وكان خلف يعجب من نقده للشعر ومذاهبه٣. وكان الجاحظ٤ يرى أن بشارًا زعيم المولدين. ثم جاء ابن سلام والجاحظ وابن قتيبة والمبرد وابن المدبر وابن المعتز، فكان لجهودهم أثر كبير في نشأة البلاغة ونمو البحث في أصول البيان.
ولا ننسى جهود طائفة أخرى من العلماء في إثارة البحوث البلاغية والتعليق عليها، وتلك الطائفة هي جماعة العلماء الذين شغلوا بالبحث في إعجاز القرآن الكريم وتفهم أسرار هذا الإعجاز والتأليف فيه، فكشفوا الكثير من غوامض البلاغة وأصولها، ومن هؤلاء أبو عبيدة والجاحظ وسواهما من أئمة المعتزلة وفحولهم. وعلى أيدي قدامة وأبي هلال والآمدي والقاضي الجرجاني وغيرهم من أفذاذ النقاد في القرن الرابع الهجري، نرى البحث البلاغي ينمو ويقوى ويزدهر. ثم تلاهم الباقلاني وابن سنان وابن رشيق من علماء النقد والبيان.
стр. 388
ولقد لمعت عبقرية عبد القاهر الجرجاني -المتوفى عام ٤٧١هـ- في هذا العهد، وكان مظهر هذه العبقرية اللماحة كتابان جليلان ألفهما قبل وفاته بقليل هما "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" اللذان يعدان حتى اليوم أصلًا ضخمًا من أصول البيان وبحوث البلاغة والنقد والموازنة. وبعد عبد القاهر انطفأ السراج، وذبل العود، وأصيبت الأذواق بالعي والعجز كما أصيبت البلاغة بالتأخر والاضمحلال.. وبعد نحو قرن ونصف قرن ظهر فجأة السكاكي بعقليته المنطقية وذوقه الأعجمي، فأحال البلاغة إلى جدل عقيم في الألفاظ والأساليب، وإلى قواعد جافة لا صلة لها بالذوق ولا بالحياة، وكثر تلاميذ السكاكي. وانتشر مذهبه في البلاغة الذي يمثله القسم الثالث من كتابه "المفتاح"، والذي عني فيه بالقشور لا باللباب وبالتوافق لا بالحقائق، ولا تزال دراستنا للبلاغة حتى اليوم قائمة على أصول مذهب السكاكي وتلاميذه وحده دون سواه.
٢- ولقد نهض جماعة من أدبائنا يدعون إلى التجديد في البلاغة، فمن قائل: إن الكتب القديمة يجب أن تحل محلها كتب أخرى مؤلفة على النهج الحديث، ومن دعاة إلى تلقيح البلاغة العربية بأصول الدراسات البلاغية في شتى اللغات الحديثة الأوربية، ومن ناهجين مناهج الغرب في بحث أسرار البلاغة وأصولها، ومن منادين إلى مذاهب البلاغيين القدماء من أمثال عبد القاهر وقدامة وأبي هلال. وهكذا تعددت الآراء، وتخاصمت الأفكار، في التجديد في البلاغة، وبيان كيف يكون هذا التجديد، على أن أذواق علمائنا المعاصرين وأدبائنا المشهورين لا تكاد تساعد على الوصول إلى هدف أو غاية ينشدها المشفقون على البلاغة العربية اليوم. والذين يحاولون التجديد فيها يكتفون بنقل أفكار الغربيين دون فهم أو يقظة فكرية أو إلمام ما بتراثنا القديم الخالد في البلاغة والبيان والنقد.
ومن صور البحث البلاغي والنقد البياني ما قرأناه في مجلة
стр. 389
الأزهر -عدد ربيع الأول ١٣٧٢هـ- بعنوان "علوم البلاغة في الميزان" للأستاذ المرحوم محمد عرفة، وقد اتجه الكاتب إلى إثارة الملكات، وتنشيط الأفكار، وتحريض الأذهان على النظر والبحث والنقد والاستنتاج والكشف، وحفز الهمم للبحث والابتكار. وهي محاولة مجدية قوية في سبيل التجديد البلاغي المنشود. وأول فكرة في هذا البحث هذه الأسرار البلاغية الدقيقة للحذف ومحاولة الكشف عنها، فلقد عرض عبد القاهر الجرجاني للحذف ومكانه من البلاغة دون أن يبين سبب هذا الحسن والإحسان وسر هذا الجمال البياني الأخاذ. وجاء السكاكي والخطيب وتلاميذهم فجعلوا الحذف في موضعه كالذكر في موضعه، لكل مكانه من البلاغة، ومنزلته من سحر البيان، وأبوا أن يكون للحذف مزية على الذكر بل هما يحصلان البلاغة ويوجدانها، ثم عللوا الحذف بعلل متكلفة لا صلة بينها وبين أحكام الذوق الأدبي السليم. ويحاول الباحث أن يعلل سر جمال الحذف وبلاغته بأسباب نفسية وأمور بيانية، منها الهجوم بالسامع على المطلوب دفعة، والجدة التي نراها في أسلوب الحذف، ومنها أن المحذوف تدل عليه القرائن فإذا ذكر كان ثقيلًا في موضعه؛ لأنه تعريف لما عرف وبيان لما بين، فيربط بذلك بين البلاغة وأحكام الذوق وأسرار البيان وملكات النفس الإنسانية.
ومن البحوث التي أثارها الأستاذ: أسلوب التجريد وتحليل ألوان جماله وسر هذا الجمال، بعيدًا عن تكلف القدماء البغيض وتأويلهم المصنوع. وكذلك عرض لأسلوب. رأيت اليوم حاتمًا، ولقيت مادرًا، وسمعت سحبان وما أشبه ذلك مما أوله البلاغيون فجعلوا حاتمًا هنا كأنه موضع للجواد، فانتزعوه من معناه وهو العلمية على الرجل المعروف من طيء، وبهذا التأويل يكون حاتم متناولًا للفرد المتعارف المعهود والفرد غير المتعارف وهو من يتصف بالجود، فيصير استعماله في غير المتعارف استعمالًا في غير ما وضع له فيكون عندهم استعارة. وهو يبحث ذلك كله ويناقشه وينقده ويحاول الوصول إلى الصواب.
стр. 390
في أمره، حيث يرى أن المراد هنا تشبيه هذا الكريم بحاتم في جوده، فحاتم باق على معناه دون تغيير أو تبديل.
إن القديم ليس كله صوابًا، وليس كله خطأ، بل فيه الصواب، وفيه الخطأ، وفيه سوى ذلك ألوان من القصور العلمي الذي يجب ملاقاته، فما أجدرنا في الأزهر بتجديد البحث والدراسة في أصول بلاغتنا، وفي مذاهب للبيان وأسراره.