الأمور المتعلقة بالفعل فالفعل يقال فيه متعلق والمفعول مثلًا متعلق أي متشبث وهذا هو الأحسن ووجه أولويته أن المفاعيل وما ألحق بها معمولة والفعل عامل فيها وكون المعمول لضعفه متعلقًا أنسب؛ لأن المتعلق هو المتشبث وهو أضعف من المتشبث به فالتعلق هو التشبث والمتشبث بالكسر هو المعمول الضعيف وبالفتح هو العامل القوي فهذا كما يقال الجار والمجرور متعلق بكذا.
أو أنها بفتح اللام واقتصر عليه العصام، لوجهين: فالوجه الأول ذكره عبد الحكيم. وهو أن الفتح نظرًا إلى أن الحدث الذي يدل عليه الفعل يتعلق بها كما في الكافية: المتعدي ما يتوقف فهمه على متعلق، ولذلك قال العصام: "إنه اسم مفعول على ما في الرضى" - والوجه الثاني أن الفتح جائز كالكسر؛ لأن كلا من الفعل والمفعول متعلق بالآخر وهذا الوجه ذكره الدسوقي.. هذا ويقول عبد القاهر: "وأما تعلق الاسم بالفعل فبأن يكون فاعلًا له أو مفعولًا مطلقًا أو مفعولًا به أو ظرفًا أو مفعولًا معه أو له أو بأن يكون منزلًا من الفعل منزلة المفعول وذلك في خبر كان وأخواتها والحال والتمييز ومثله الاسم المنتصب على الاستثناء"، وهذا يرجح كسر اللام. ويقول السكاكي: اعلم أن للفعل وما يتعلق به اعتبارات وهو أيضًا يرجح الكسر.
٤- ذكر المطول أن قول الخطيب "الفعل مع المفعول إلخ" تمهيد للكلام على أحوال متعلقات الفعل ولكن الدسوقي يرى أن المصنف قد ذكر مقدمة للمطلب الأول "الذي هو نكات حذف المفعول به" بقوله: "الفعل مع المفعول إلى قوله ثم الحذف إما للبيان إلخ"، فقوله: ثم الحذف إلخ هو أول المقصود بالترجمة، إلا أن الدسوقي عاد فذكر -في تعليقه على قول السعد: "ومهد لذلك مقدمة"- أن قوله: "الفعل مع المفعول" إلى قوله: "لا إفادة وقوعه مطلقًا" توطئة لبحث حذف المفعول به.
стр. 387
البلاغة والتجديد
مدخل
...
البلاغة والتجديد:
١- البلاغة العربية مدينة في نشأتها الأولى لجهود علماء اللغة والأدب ولمثابرة الرواة والنقاد والباحثين في أصول البيان العربي، مع الأثر الفذ الذي أحدثه الكتاب والشعراء والأدباء في القرن الثاني والثالث الهجري.. ولقد تلاحقت الثقافات، واتصلت المعارف، وتبودلت الأفكار، في عواصم العلم والثقافة في العالم الإسلامي القديم، على أيدي العرب الذين نبغوا في اللغات الأجنبية، والموالي الذين حذقوا اللغة العربية وأجادوها، والمترجمين الذين كانوا همزة الوصل بين الثقافات القديمة والثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. كان خلف لا يشق له غبار في صناعة النقد "لنفاذه فيها وحذقه بها وإجادته لها"١. وكان أبو عبيدة يعجب من فطنة بشار وجودة قريحته وصحة نقده للشعر٢، وكان خلف يعجب من نقده للشعر ومذاهبه٣. وكان الجاحظ٤ يرى أن بشارًا زعيم المولدين. ثم جاء ابن سلام والجاحظ وابن قتيبة والمبرد وابن المدبر وابن المعتز، فكان لجهودهم أثر كبير في نشأة البلاغة ونمو البحث في أصول البيان.
ولا ننسى جهود طائفة أخرى من العلماء في إثارة البحوث البلاغية والتعليق عليها، وتلك الطائفة هي جماعة العلماء الذين شغلوا بالبحث في إعجاز القرآن الكريم وتفهم أسرار هذا الإعجاز والتأليف فيه، فكشفوا الكثير من غوامض البلاغة وأصولها، ومن هؤلاء أبو عبيدة والجاحظ وسواهما من أئمة المعتزلة وفحولهم. وعلى أيدي قدامة وأبي هلال والآمدي والقاضي الجرجاني وغيرهم من أفذاذ النقاد في القرن الرابع الهجري، نرى البحث البلاغي ينمو ويقوى ويزدهر. ثم تلاهم الباقلاني وابن سنان وابن رشيق من علماء النقد والبيان.
стр. 388
ولقد لمعت عبقرية عبد القاهر الجرجاني -المتوفى عام ٤٧١هـ- في هذا العهد، وكان مظهر هذه العبقرية اللماحة كتابان جليلان ألفهما قبل وفاته بقليل هما "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" اللذان يعدان حتى اليوم أصلًا ضخمًا من أصول البيان وبحوث البلاغة والنقد والموازنة. وبعد عبد القاهر انطفأ السراج، وذبل العود، وأصيبت الأذواق بالعي والعجز كما أصيبت البلاغة بالتأخر والاضمحلال.. وبعد نحو قرن ونصف قرن ظهر فجأة السكاكي بعقليته المنطقية وذوقه الأعجمي، فأحال البلاغة إلى جدل عقيم في الألفاظ والأساليب، وإلى قواعد جافة لا صلة لها بالذوق ولا بالحياة، وكثر تلاميذ السكاكي. وانتشر مذهبه في البلاغة الذي يمثله القسم الثالث من كتابه "المفتاح"، والذي عني فيه بالقشور لا باللباب وبالتوافق لا بالحقائق، ولا تزال دراستنا للبلاغة حتى اليوم قائمة على أصول مذهب السكاكي وتلاميذه وحده دون سواه.
٢- ولقد نهض جماعة من أدبائنا يدعون إلى التجديد في البلاغة، فمن قائل: إن الكتب القديمة يجب أن تحل محلها كتب أخرى مؤلفة على النهج الحديث، ومن دعاة إلى تلقيح البلاغة العربية بأصول الدراسات البلاغية في شتى اللغات الحديثة الأوربية، ومن ناهجين مناهج الغرب في بحث أسرار البلاغة وأصولها، ومن منادين إلى مذاهب البلاغيين القدماء من أمثال عبد القاهر وقدامة وأبي هلال. وهكذا تعددت الآراء، وتخاصمت الأفكار، في التجديد في البلاغة، وبيان كيف يكون هذا التجديد، على أن أذواق علمائنا المعاصرين وأدبائنا المشهورين لا تكاد تساعد على الوصول إلى هدف أو غاية ينشدها المشفقون على البلاغة العربية اليوم. والذين يحاولون التجديد فيها يكتفون بنقل أفكار الغربيين دون فهم أو يقظة فكرية أو إلمام ما بتراثنا القديم الخالد في البلاغة والبيان والنقد.
ومن صور البحث البلاغي والنقد البياني ما قرأناه في مجلة
стр. 389
الأزهر -عدد ربيع الأول ١٣٧٢هـ- بعنوان "علوم البلاغة في الميزان" للأستاذ المرحوم محمد عرفة، وقد اتجه الكاتب إلى إثارة الملكات، وتنشيط الأفكار، وتحريض الأذهان على النظر والبحث والنقد والاستنتاج والكشف، وحفز الهمم للبحث والابتكار. وهي محاولة مجدية قوية في سبيل التجديد البلاغي المنشود. وأول فكرة في هذا البحث هذه الأسرار البلاغية الدقيقة للحذف ومحاولة الكشف عنها، فلقد عرض عبد القاهر الجرجاني للحذف ومكانه من البلاغة دون أن يبين سبب هذا الحسن والإحسان وسر هذا الجمال البياني الأخاذ. وجاء السكاكي والخطيب وتلاميذهم فجعلوا الحذف في موضعه كالذكر في موضعه، لكل مكانه من البلاغة، ومنزلته من سحر البيان، وأبوا أن يكون للحذف مزية على الذكر بل هما يحصلان البلاغة ويوجدانها، ثم عللوا الحذف بعلل متكلفة لا صلة بينها وبين أحكام الذوق الأدبي السليم. ويحاول الباحث أن يعلل سر جمال الحذف وبلاغته بأسباب نفسية وأمور بيانية، منها الهجوم بالسامع على المطلوب دفعة، والجدة التي نراها في أسلوب الحذف، ومنها أن المحذوف تدل عليه القرائن فإذا ذكر كان ثقيلًا في موضعه؛ لأنه تعريف لما عرف وبيان لما بين، فيربط بذلك بين البلاغة وأحكام الذوق وأسرار البيان وملكات النفس الإنسانية.
ومن البحوث التي أثارها الأستاذ: أسلوب التجريد وتحليل ألوان جماله وسر هذا الجمال، بعيدًا عن تكلف القدماء البغيض وتأويلهم المصنوع. وكذلك عرض لأسلوب. رأيت اليوم حاتمًا، ولقيت مادرًا، وسمعت سحبان وما أشبه ذلك مما أوله البلاغيون فجعلوا حاتمًا هنا كأنه موضع للجواد، فانتزعوه من معناه وهو العلمية على الرجل المعروف من طيء، وبهذا التأويل يكون حاتم متناولًا للفرد المتعارف المعهود والفرد غير المتعارف وهو من يتصف بالجود، فيصير استعماله في غير المتعارف استعمالًا في غير ما وضع له فيكون عندهم استعارة. وهو يبحث ذلك كله ويناقشه وينقده ويحاول الوصول إلى الصواب.
стр. 390
في أمره، حيث يرى أن المراد هنا تشبيه هذا الكريم بحاتم في جوده، فحاتم باق على معناه دون تغيير أو تبديل.
إن القديم ليس كله صوابًا، وليس كله خطأ، بل فيه الصواب، وفيه الخطأ، وفيه سوى ذلك ألوان من القصور العلمي الذي يجب ملاقاته، فما أجدرنا في الأزهر بتجديد البحث والدراسة في أصول بلاغتنا، وفي مذاهب للبيان وأسراره.
стр. 391
المبرد وأثره في البيان العربي:
١- المبرد عالم جليل من أعلام اللغة العربية عاش في القرن الثالث "٢١٠-٢٨٥هـ" يخدم اللغة والثقافة، ويدرس مذهبه في النحو وآراءه فيه لتلاميذه، ويبحث ويكتب ويؤلف ويعمل، حتى أصبح بحق شيخ العلماء والنحاة وإمام العربية وقطبها.. وأهم مؤلفات المبرد هو كتابه الكامل، الذي يعد من أهم مصادر الأدب العربي وضمنه آراءه في الأدب والنقد والبيان، وأشار فيه إلى بعض آرائه في النحو العربي ودراسته. وكتاب الكامل مجموعة كبيرة من الأدب العربي، شعره ونثره، في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي وصدر عصر المحدثين، ساقها المبرد على غير نظام ولا ترتيب، وأضاف إليها شروحًا وتعليقات وتفسيرات وتوجيهات قيمة في دراسة الأدب العربي ونحن لا يعنينا هنا إلا أن ندرس كل ما يتصل بالبلاغة والبيان في كتاب "الكامل للمبرد" لنتبين أثره في هذا الميدان.
٢- والبيان العربي أو قل البلاغة العربية دراسة لأصول التعبير والأداء والذوق الأدبي في اللغة العربية.
وقد ساعد على إنضاج هذه الدراسات مجهود العلماء المتواصل إلى آخر القرن الثالث الهجري، في كشف أسرار البلاغة العربية، ودراسة أصولها وعناصرها وألوانها، ولكن مجهود هؤلاء كان مفرقًا موزعًا على المناسبات، يأتي عرضًا حين تحليل بيت أو ذكر قصيدة، وأهم العلماء الذين كان لهم أثرهم في بدء نواة هذه البحوث البيانية هو الجاحظ صاحب البيان والتبيين. ثم جاء المبرد، وألف كتابه "الكامل"، فجاء فيه عرض لكثير من الآراء في البيان والبلاغة، بعضها استنبطه وابتكره، وبعضها الآخر تابع فيه الباحثين قبله كالجاحظ وابن قتيبة وسواهما. هذا فضلًا عن أنه ألف كتاب "قواعد الشعر".
стр. 392
وكتاب "البلاغة١" مما لا شك في تعلقه واتصاله بالبيان ودراسات البلاغة في مرحلة نشأتها الأولى.
٣- ونحن نشير هنا إلى أهم هذه الآراء التي وردت في "الكامل":
أ- أشار المبرد إلى أسلوب القلب٢ في كامله، وذهب إلى جوازه في الكلام للاختصار إذا لم يدخله لبس٢، وعلى نهج المبرد في ذلك سار ابن فارس في الصاحبي٣، ويسمى قدامة هذا الأسلوب "المقلوب" ويجعله من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معًا٤. وأشار المبرد في "الكامل" إلى أسلوب "الالتفات٥". قال: "والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب٦. وقد سبق أبو زيد في "جمهرة أشعار العرب" المبرد إلى ذكر هذا الأسلوب٧ وسار على نهجه ابن فارس٨.
وعرف المبرد السجع بأنه ائتلاف أواخر الكلام على نسق، كما تأتلف القوافي٩. وهو روح كلام الجاحظ الذي عرف السجع بأنه الكلام المزدوج على غير وزن١٠. والسجع يذكره أرسطو في خطابته ويوجب أن "يكون كل واحد من المصاريع مسوقًا إلى المصراع الذي
стр. 393
يليه والذي إنما يتم به المعنى"١ ويذكر الجاحظ آراء رجال البيان في السجع وآثر المطبوع منه٢، كما أشار الجاحظ إلى الازدواج٣. ويذكر مؤلف نقد النثر أن "من أوصاف البلاغة السجع في موضعه وعند سماع القريحة به وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه"٤.
ب- وقسم المبرد في "كامله" الكلام إلى الاختصار المفهم والإطناب المفخم، وقال: "وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب وإن قيل بل الكلام القبيح في الحسن أظهر كان ذلك، ولكن يغتفر السيء للحسن والبعيد للقريب٥.
جـ- ويشير المبرد إلى التعقيد اللفظي في بيت الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
ويشرح البيت وينقده٦.
و ويشير إلى أسلوب الاستعارة التمثيلية في قولك: "فلان عليه دين أو ركبه دين" تريد أن الدين علاه وقهره٧، ويذكر مثلًا للتمثيل كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه﴾ وسواه ٨. ويشير إلى مثل للاستعارة ويحللها٩، ويشير أيضًا إلى الاستعارة١٠ ويقول: "والعرب تستعير من بعض لبعض"١١. وقد سبقه
стр. 394
الجاحظ بتعريف الاستعارة١ الذي هو روح تعريف المبرد.. ويحال المبرد في الكامل مثلًا من أمثلة التجريد٢. ويشير إلى أسلوب اللف والنشر، فيقول: "والعرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى خبره إلخ"٣، وسار على نهجه الصاحبي٤. وقدامة يسمي ذلك صحة التفسير٥. ويشير المبرد إلى مثل للكناية الاصطلاحية٦، ويسميها ابن فارس في الصاحبي الإيماء٧. ويقسم الكلام إلى مصرع وما يكنى عنه بغيره وما يقع مثلًا فيكون أبلغ في الوصف، ويذكر أقسام الكناية٨، وإن كل المبرد يقصد الكناية اللغوية لا الاصطلاحية وكذلك فعل ابن فارس في الصاحبي٩. ويشير المبرد إلى أسلوب التغليب: كالقمرين للشمس والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر١٠.
هـ- ويذكر أيضًا بيتين للقتال الكلابي ويقول: البيت الثاني توكيد للأول١١. وهذا أحد أسباب الفصل عند البلاغيين، ولا نجد أحدًا أشار إلى سبب من أسبابه قبل المبرد، وإن كان الجاحظ قد أشار إلى الفصل والوصل ومكانتهما في البلاغة١٢.. ويشير المبرد إلى ورود همزة الاستفهام١٣ للتقرير ويذكر إفراط الشعراء في مثل من الشعر١٤. وقد سبقه ابن قتيبة م ٢٧٦هـ إلي الإشارة إلى مثل للإفراط من شعر الشعراء وذلك في كتابه "الشعر والشعراء".
стр. 395
"و" ويشير المبرد إلى مثل للمجاز المرسل١. وفي أدب الكاتب لابن قتيبة باب سماه "باب تأويل كلام من كلام الناس مستعمل"٢ ذكر فيه مثلًا كثيرة للمجاز المرسل. ويشير المبرد إلى مثل من أمثلة المجاز العقلي٣. ويحلل قول الشاعر:
"متقلدًا سيفًا ورمحًا"
ومثلًا أخرى تشبهه٤. وهذه المثل يجوز أن تكون من أسلوب المشاكلة الذي سبق المبرد إلى تقريره. ويشير إلى التشبيه٥، ويعقد له بابًا يذكر فيه "ما للعرب من التشبيه المصيب والمحدثين بعدهم"٦.
وقد أفاض المبرد في استطراد في ذكر ما يستجاد من التشبيه في شعر القدامى والمحدثين وحلل ما أتي به ذاكرًا كثيرًا من أصول التشبيه، فتكلم على جهة الشبه وأنه إنما ينظر إلى التشبيه من حيث وقع٧ ويذكر كثرة التشبيه في الكلام٨، ويشرح التشبيه في الآية الكريمة: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ شرحًا وافيًا٩. ويذكر أقسام التشبيه: المفرط والمصيب والمقارب والبعيد١٠، وأن منه تشبيه شيء في حالتين بشيئين مختلفين ١١ كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
إلى ما سوى ذلك من بحوثه في باب التشبيه الذي شرح فيه أسراره وبين ألوانه وفصل القول في كثير من مناحيه، والباب حافل بكثير من ألوان النقد الأدبي وهو أصل عظيم لدراسة التشبيه عند البيانيين -ويذكر المطابقة١٢. وبعض عيوب البيان كاللحن وفساد
стр. 396
الملكات١ واللكنة٢ وكالاستعانة ويعرفها بأنها أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحح وزنًا إن كان في شعر وليتذكر ما بعده إن كان في نثر٣. وفي خطابة أرسطو "ومن الأشياء المفسدة لرونق النظم إدخال كلام في كلام وهو الاعتراض الطويل بين الكلام المتصل بعضه ببعض٤، ويشير العتابي الشاعر إلى الاستعانة ويشرحها٥ بما لا يخرج عن كلام المبرد، ويذكر قدامة أن من نعوت الكلام ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجًا إليه حتى إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه٦ ويذكر المعاظلة وأن ثعلبًا عرفها بأنها مداخلة الشيء في الشيء٧، ويذكر الحشو ويجعله من عيوب الكلام ويعرفه بأنه أن يجيء البيت بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة الوزن٨. إلى غير ذلك مما ذكره المبرد وما عرض له من آراء في البيان.
وبعد فلا شك أن هذه الآراء كلها وردت مبثوثة مفرقة في الكامل وخالية من الاصطلاحات العلمية وحينما يقف عند أسلوب من أساليب البيان ويحلله ويعجب به ولا يسميه؛ لأن علماء البيان والأدب لم يكونوا قد وضعوا له اسمًا وإنما بلاغته وسحره لا يخفيان على متذوق.. وبحسبي هذا اليوم ففيه كفاية، وهو يرشد إلى أثر الكامل في هذه الدراسات، وإن كان أثرًا محدودًا، شأنه في ذلك شأن من سبقه من العلماء الذين كانوا لا يزالون يكشفون أسرار البيان العربي.
стр. 397
ثعلب وأثره في البيان:
ثعلب هو إمام الكوفيين في النحو واللغة وعلوم العربية، عاش في الفترة التي بين عامي ٢٠٠ و٢٩١، وهي عام مولده وعام وفاته.. وله كثير من المؤلفات، منها كتاب "الفصيح".
ولثعلب كتاب "قواعد الشعر"، وقد قمت بنشره عام ١٩٤٨، وكتبت شروحًا وتعليقات عليه ومقدمة له.. وهو أهم كتاب يظهر فيه آراء ثعلب البيانية، حيث عرض فيه بعض ألوان البيان والبديع وشواهدها، ومنها: التشبيه والمبالغة -والإفراط في المعنى- ولطافة المعنى -والتعريض والكناية- والاستعارة وحسن الخروج أو التخلص -ومجاورة الأضداد أو الطباق كما يسميه البلاغيون والمطابق وهو نوع من الجناس. ولا شك أن ثعلبًا قد كتب كتابه قبل أن يؤلف ابن المعتز كتابه البديع، وبذلك يكون ممهدًا لجهود ابن المعتز الذي خصص ألوان البيان بالتأليف والدراسة في كتابه البديع.. ولي بحث ضاف عن كتاب "قواعد الشعر" وأثر ثعلب في دراسات البيان، وهو منشور مقدمة لكتاب قواعد الشعر، فليرجع إليه من يشاء١.
стр. 398
ابن المعتز وأثره في البيان:
ولابن المعتز منزلة كبيرة في البيان العربي، بكتابه القيم "البديع"، الذي توليت شرحه ونشره عام ١٩٤٥ وطبعته مطبعة مصطفى الحلبي-.. والكتاب أول مؤلف في علم البديع وصنعة الشعر وألوان البيان، وقد عرض ابن المعتز فيه للاستعارة والتجنيس والمطابقة ورد العجز على الصدر والمذهب الكلامي والالتفات والاعتراض والرجوع وحسن الخروج وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والهزل الذي يراد به الجد وحسن التضمين والتعريض والكناية والإفراط في الصفة وحسن التشبيه ولزوم ما لا يلزم وحسن الابتداء.
ولي بحث طويل عن الكتاب وأثره وأثر مؤلفه في البيان والبديع، وهو منشور في كتابي "ابن المعتز وأثره في الأدب والنقد والبيان" فليرجع إليه من أراد١.. وكتاب "ثعلب" يختلط فيه النقد بالبيان وببحوث الشعر، من حيث كان كتاب ابن المعتز وقفًا على دراسات البيان والبديع.
стр. 399
تطبيقات بلاغية:
-١-
ما سر التعبير باسم الموصول في الأمثلة الآتية؟.
١- ﴿إَنَّ الذِيْنَ تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ عِبَادٌ أََمْثَالُكُمْ، فَادْعُوْهُمْ فَلْيَسْتَجِيْبُوْا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ﴾ .
٢-
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها.
٣-
إن الألى حانت بفلج دماؤهم ... هم لقوم كل القوم يا أم خالد.
-٢-
ما سر التعبير باسم الإشارة في الأمثلة الآتية؟.
١- هذا هو الرجل.
٢- على ذلكم هو القائد.
٣- ما أتفه ذلك الإنسان.
٤- أهذا الذي يذكر آلهتكم.
٥- ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم.
٦- ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُوْنَ الذِيْنَ آَمَنُوْا بِاللهِ وَرِسُوْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوْا وَجَاهَدُوْا بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَادِقُوْنَ﴾ .
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
стр. 400
-٣-
بين سر التعريف بالموصولية واسم الإشارة في الأمثلة الآتية:
١-
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
٢-
إن الذين نعبت لي بفراقهم ... قد أسهدوا ليلي التمام فأوجعوا
٣- ﴿أُوْلَئِكَ عَلَىْ هُدَىً مِنْ رِبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ﴾ .
٤- الذي نال الجائزة شاعر مطبوع.
٥- ﴿أَهَذَاْ الْذِيْ يَذْكُرُ آلِهَتَكُم﴾ .
٦- ﴿فَلَمَّاْ رَأَىْ الْشَّمْسَ بَاْزِغَةً قَالَ هَذَاْ رَبِّيْ هَذَاْ أَكْبَر فَلَمَاْ أَفَلَتْ قَاْلَ يَاْ قَوْمِ إِنِيْ بَرِيْءٌ مِمِاْ تُشْرِكُوْن﴾ .
٧- ﴿ذَلِكَ هُدَىْ اللهِ يَهْدِيْ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَاْدِه﴾ .
٨- ﴿أُوْلَئِكَ الْذِيْنَ هَدَاْهُمُ اللهُ فَبِهُدَاْهُمْ اِقْتَدِهْ﴾ .
-٤-
بين دواعي تنكير المسند إليه في الأمثلة الآتية:
١- ﴿قَاْلَ يَاْ قَوْمِ لَيْسِ بِيْ ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّيْ رَسُوْلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ﴾ .
٢- ﴿فِإنْ لَمْ تَفْعَلُوْا فَأْذَنُوْا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ﴾ .
٣-
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
٤-
لأمر أعدته الخلافة للعدا ... وسمته دون العالم الصارم العضبا
٥- ﴿سُوْرَةٌ أَنْزَلْنَاهَاْ وَفَرَضْنَاهَاْ وَأَنْزَلْنِا فَيِهَاْ آيَاْتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ﴾ .
стр. 401
-٥-
بين دواعي التقديم في الأمثلة الآتية:
١- ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيْ رَبًّاً وَهُوُ رَبُ كُلِ شَيْءٍ﴾ .
٢-
نفس عصام سودت عصامًا ... وعلمته الكر والإقداما
٣-
ومن عجب الأيام بغي معاشر ... غضاب على سبقي إذا أنا جاريت
٤-
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجني اشتارته أيد عواسل
٥-
سواي بتحنان الأغاريد يطرب ... وغيري باللذات يلهو ويلعب
٦-
ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال والشباب
٧-
بكف أبي العباس يستنزل الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل
ويستعطف الأمر الأبي بحزمة ... إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل
٨- وقال بعض الشعراء مادحًا:
له همم لا منتهى لكباره ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر
٩- ﴿اَلْشَيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلَاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيْم﴾ .
١٠- "شر الناس من اتقاه الناس لشره".
١١- "المرء كثير بإخوانه"، "اليد العليا خير من اليد السفلى" - "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون".
١٢- "القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر من السماء".
стр. 402
-٦-
١- "قد ينزل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب علمه"- اشرح ذلك، وبين هل منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت﴾ - وجه ما تقول، وبين لم كان قول بشار: "إن ذاك النجاح في التبكير" أدخل في الفصاحة من قوله: "بكرًا فالنجاح في التبكير".
٢- لم سمي المجاز في الإسناد مجازًا عقليًّا؟ وهل يجب أن يكون لكل إسناد مجازي فاعل إذا أسند إليه كان الإسناد حقيقة؟ وهل من السهل إدراك هذا الفاعل الحقيقي في كل مجاز عقلي؟ وضح ما تقول بالتمثيل.
٣- متى يؤكد الحصر المستفاد من تقديم المسند إليه بكلمة "وحدي"، ومتى يؤكد بكلمة "لا غيري" وإذا كان معنى "وحدي" في قوة معنى "لا غيري" فلم اختصت كل منهما بوجه من التأكيد؟ وما الذي يدل عليه تقديم المسند إليه عند عبد القاهر إذا بني الفعل على منكر، وما فائدة التقديم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] .
٤- ﴿يَاْ زَكَرِّيَا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ - ﴿يَاْ نِسَاْءِ النَّبِيِ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفُ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ - ﴿يَاْ إِبْرَاْهِيْمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَاْ إِنَّهُ قَدْ جَاْءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ - ﴿يَاْ أَيُّهَاْ الْنَاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاْءُ إِلَى اللهِ﴾ - ﴿لَا يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَّنَّةِ﴾ ، بين في هذه الآيات حال المخاطب، ونوع الخبر، وما جرى منه على مقتضى ظاهر الحال وما جاء على خلافه.
стр. 403
٥-
له شافع في القلب من كل زلة ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذر
إن الذي قسم البلاد حباكم ... بلدًا كأوطان النجوم مجيدا
العلم يجمع في جنس وفي وطن ... شتى القبائل أجناسًا وأوطانًا
بني عمنا عودوا نعد لمودة ... فإنا إلى الحسنى سراع التلطف
بين سر تقديم المسند وتنكير المسند إليه في البيت الأول، وتعريف المسند إليه بالموصولية في الثاني، ومجيء المسند جملة في الثالث، وتأكيد الإسناد في الأخير.
-٧-
١- يتنوع الخبر باعتبار حال المخاطب فما هذه الأنواع.
متى يكون الكلام مخرجًا على خلاف مقتضى ظاهر الحال -اشرح ذلك مع التمثيل من فصيح الكلام وبيان الحال والمقتضى؟
٢- يعرف المسند إليه بالموصولية لدواع: اذكر خمسة منها مع التمثيل؟
بين رأي السكاكي فيما اقتضى إيراد المسند إليه موصولًا في قول الشاعر:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
ورد الخطيب عليه.
٣- اذكر باختصار مذهب الشيخ عبد القاهر في تقديم المسند إليه وثلاثة دواع لتقديم المسند مع التمثيل؟
٤- "أ" قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِم﴾ .
стр. 404
وقال الشاعر:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
وقال الشاعر:
أعمير إن أباك غير رأسه ... مر الليالي واختلاف الأعصر
في الآية والأبيات المتقدمة مجاز عقلي: بين موضعه وعلاقته وقرينته.
ب- قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَاْ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَاْ دُوْنَ ذَلِكَ﴾ .
قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ .
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوْا لِلسَّلْمِ فَاْجْنَحْ لَهَا﴾ .
قال الله تعالى: ﴿وَأنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ .
قال الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمِا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ .
بين سر الإتيان بالمسند فعلًا واسمًا، وتقديم المعمول في الآية الأولى. والاتيان بالمسند جملة في الثانية، وبادا في الثالثة، وبان في الرابعة. وحذف المفعول في الخامسة. وتقديم المفعول على الفاعل في السادسة.
حل هذا التطبيق بإيجاز شديد.
جـ١- أنواع الخبر باعتبار حال المخاطب ثلاثة: ابتدائي، طلبي، إنكاري ... إلخ.
стр. 405
ويكون الكلام مخرجًا على خلاف مقتضى الظاهر. في هذه الصور الثلاث:
١- تنزيل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له بحكم الخبر إلخ.
٢- تنزيل غير المنكر منزلة المنكر إلخ.
٣- تنزيل المنكر منزلة غير المنكر إلخ.
جـ٢- من الدواعي لتعريف المسند إليه بالموصولية ما يلي:
١- عدم المخاطب بالأحوال المختصة بالمسند إليه سوى الصلة ... إلخ.
٢- استهجان التصريح بالاسم. مثل: الذي يتصل بالأعداء خائن لوطنه، الذي يخرج من الإنسان ناقض للوضوء.
٣- زيادة التقرير، مثل وراودته التي هو في بيتها عن نفسه.
٤- التفخيم مثل فغشاها ما غشى.
٥- تنبيه المخاطب على خطأ مثل:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
ورأى السكاكي في البيت "إن التي ضربت إلخ" هو أن ذكر الموصول هنا يفيد الإيماء إلى وجه بناء الخبر، وهذا الإيماء ليس بمقصود لذاته بل جعل ذريعة إلى تحقيق الخبر. ورد الخطيب عليه بأنه لا يظهر فرق بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟.
стр. 406
جـ٣- مذهب عبد القاهر في تقديم المسند إليه، يفيد تقديم المسند إليه التخصيص بشروط هي:
١- أن يكون المسند خبرًا فعليًّا.
٢- أن يتقدم على المسند إليه حرف النفي.
٣- ألا يفصل بين المسند إليه وحرف النفي بفاصل سواء في ذلك ما إذا كان المسند إليه نكرة أو معرفة ظاهرة أو ضميرًا، مثل: ما محمد قام، ما رجل حضر، ما أنا فعلت هذا.
فإن لم يل المسند إليه حرف النفي فإن كان معرفة مثل أنا فعلت كان القصد إلى الفاعل وينقسم إلى قسمين:
١- ما يفيد تخصيصه بالمسند للرد على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته فيه مثل أنا كتبت في حاجتك، فإذا أردت التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول أنا كتبت في حاجتك لا غيري ونحوه، وفي الوجه الثاني أنا كتبت في حاجتك وحدي.
٢- ما لا يفيد إلا تقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع وتمكنه مثل هو يعطي الجزيل. وكذلك إذا كان الفعل منفيًّا مثل أنت لا تكذب فإنه أشد لنفي الكذب من قولك لا تكذب أو لا تكذب أنت.
هذا كله إذا بني الفعل على معرف، فإن بني على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس أو الواحد بالفعل مثل رجل جاءني أي لا رجلان أو لا امرأة.
أما تقديم المسند فيكون لدواع منها:
١- التشويق إلى ذكر المسند إليه مثل:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر.
стр. 407
٢- التنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت مثل:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
٣- التفاؤل مثل: سعدت بغرة وجهك الأيام.
٤- "أ" تجري من تحتهم: في إسناد تجري إلى ضمير الأنهار مجاز عقلي والأصل يجري الماء في النهر -وعلاقاته المكانية وقرينته معنوية.
جد جده: في الإسناد مجاز عقلي علاقته المصدرية والقرينة معنوية.
غير رأسه مر الليالي واختلاف الأعصر: في الإسناد مجاز عقلي علاقته الزمانية والقرينة معنوية.
ب- الإتيان بالمسند فعلًا في "أفلح" للتقييد بالزمن الماضي على أخصر ما يمكن مع إفادة التجدد.
والاتيان بالمسند اسمًا في "خاشعون" لإفادة عدم التقييد والتجدد.
وتقديم المعمول "في صلاتهم" لإفادة التخصيص أو للاهتمام لكون ذلك مساق الكلام.
الاتيان بالمسند جملة في "إن الله لا يغفر إلخ" لإرادة تقوي الحكم بنفس التركيب.
الاتيان بإذا في الآية لإفادة الشرط في الاستقبال مع إفادة أن الشرط مقطوع بوقوعه -والاتيان بإن في الآية لإفادة الشرط في الاستقبال أيضًا مع إفادة أن الشرط غير مقطوع بوقوعه.
حذف المفعول في الآية لتنزيل الفعل منزلة اللازم بذكر الفعل.
стр. 408
ولا ينوي له في نفس مفعول أصلًا؛ لأن الغرض إثبات الفعل في نفسه.
تقديم المفعول على الفاعل في الآية الأخيرة؛ لأن الكلام مسوق للحديث عنهما "آدم وحواء" أولًا فقدم ذكرهما على ذكر الفاعل.
انتهى الجزء الثاني من شرح الإيضاح.
ويليه إن شاء الله الجزء الثالث.
стр. 409
فهرست الجزء الثاني:
من كتاب الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني.
الموضوع الصفحة
المقدمة ٣
القول في أحوال المسند إليه ٤
حذف المسند إليه ٤
ذكر المسند إليه ٧
تعريف المسند إليه ٩
تعريفه بالإضماء ١٠
تعريفه بالعلمية ١٢
تعريفه بالموصولية ١٤
تعريفه بالإشارة ١٨
تعريفه بالام ٢١
تعريفه بالإضافة ٣٣
تنكير المسند إليه ٣٥
وصف المسند إليه ٣٩
توكيد المسند إليه ٤٣
بيان المسند إليه ٤٥
الإبدال من المسند إليه ٤٦
العطف على المسند إليه ٤٦
تعقيب المسند إليه بضمير الفصل ٤٩
تقديم المسند إليه ٥٠
مذهب عبد القاهر في إفادة التقديم للتخصيص ٥٣
مذهب السكاكي في إفادة التقديم للتخصيص ٦٤
موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه ٧٣
تأخير المسند إليه ٨٠
خروج المسند إليه على خلاف الظاهر ٨٠
وضع المضمر موضع المظهر ٨١
وضع المظهر موضع المضمر ٨٢
стр. 410
الموضوع الصفحة
الالتفات ٨٥
الأسلوب الحكيم ٩٤
التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي ٩٦
القلب ٩٧
القول في أحوال المسند ١٠٣
حذف المسند ١٠٣
ذكر المسند ١١٠
إفراد المسند ١١١
فعليه المسند واسميته ١١٣
تقييد الفعل وعدمه ١١٤
تقييد الفعل بالشرط ١١٦
أن وإذا الشرطيتان ١١٦
"لو" الشرطية ١٢٥
تنكير المسند ١٢٧
تخصيص المسند وعدمه ١٢٧
تعريف المسند ١٢٩
جملية المسند ١٣٣
تأخير المسند ١٣٥
تقديم المسند ١٣٥
القول في متعلقات أحوال الفعل ١٣٨
حذف المفعول ١٥٤
تقديم المفعول على الفعل ١٦٢
تقديم بعض معمولات الفعل على بعض ١٦٦
بحوث حول متعلقات الفعل ١٧٣
البلاغة والتجديد ١٧٨
المبرد وأثره في البيان العربي ١٨٢
ثعلب وأثره في البيان العربي ١٨٨
ابن المعتز وأثره في البيان ١٨٩
تطبيقات بلاغية ١٩٠
стр. 411
المجلد الثالث
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكلمة الأولى:
ظهر الجزء الأول والثاني من شرحي على الإيضاح في علوم البلاغة للخطب القزويني "٦٦٦-٧٣٩هـ".
فلقيا من عناية العلماء والباحثين والدارسين والمعلمين مالم أكن أحسبه أو أخاله.
وهذا هو الجزء الثالث من هذا الشرح وأوله باب القصر وآخره باب الإيجاز والإطناب والمساواة.
وإني لأحمد الله على توفيقه، وأسأله أن يسدد خطانا، ويلهمنا الرشد والصواب.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
محمد عبد المنعم خفاجي.
أقسام القصر:
القصر حقيقي وغير حقيقي١.
وكل واحد منهما٢ ضربان:
قصر الموصوف على الصفة٣، وقصر الصفة على الموصوف٤
стр. 416
والمراد الصفة المعنوية لا النعت١:
стр. 417
القصر الحقيقي:
والأول١ من الحقيقي كقولك: "ما زيد إلا كاتب" إذا أردت أنه لا يتصف بصفة غير الكتابة. وهذا لا يكاد يوجد في الكلام٢؛ لأنه ما من متصور إلا وتكون له صفات تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر.
والثاني منه٣ كثير، كقولنا: "ما في الدار إلا زيد"٤.
والفرق بينهما٥ ظاهر، فإن الموصوف في الأول٦ لا يمتنع
стр. 418
أن يشاركه غيره١ في الصفة المذكورة٢، وفي الثاني٣ يمتنع٤. وقد يقصر به٥ المبالغة٦ لعدم الاعتداد بغير المذكور فينزل منزلة المعدوم٧.
القصر الإضافي:
والأول١ من غير الحقيقي تخصيص أمر بصفة دون أخرى٢ أو مكان أخرى.
والثاني٣ منه٤ تخصيص صفة بأمر دون آخر أو مكان
стр. 421
آخر فكل واحد منهما١ ضربان٢.
قصر الأفراد:
والمخاطب بالأول٣ من ضربي كل٤- أعني تخصيص أمر بصفة دون أخرى، وتخصيص صفة بأمر دون آخر- من يعتقد الشركة٥، أي اتصاف ذلك الأمر٦ بتلك الصفة وغيرها جميعًا في
стр. 422
الأول١، واتصاف ذلك الأمر٢ وغيره جميعًا بتلك الصفة٣ في الثاني٤.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد أن زيدًا كاتب وشاعر، وبقولنا "ما شاعر إلا زيد" من يعتقد أن زيدًا شاعر لكن يدعي أن عمرًا أيضًا شاعر. وهذا يسمى قصر أفراد، لقطعة الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف٥ أو بين الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة٦.
стр. 423
قصر القلب ١ والتعيين:
والمخاطب بالثاني٢ من ضربي كل٣ أعني تخصيص أمر بصفة مكان أخرى وتخصيص صفة بأمر مكان آخر.
أما من يعتقد العكس٤، أي اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضًا عنها في الأول٥، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضًا عنه في الثاني٦ وهذا يسمى قصر قلب لقلبه حكم السامع٧.
стр. 424
وأما من تساوى الأمران عنده، أي اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه بغيرها في الأول١ واتصافه بها واتصاف غيره بها في الثاني٢، وهذا يسمى قصر تعيين.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا قائم" من يعتقد أن زيد قاعد لا قائم٣ أو يعلم أنه إما قاعد أو قائم ويعلم ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعنيه٤.
وبقولنا "ما قائم إلا زيد" من يعتقد أن عمرًا قائم لا زيد٥. أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم من هو بعينه٦.