آخر فكل واحد منهما١ ضربان٢.
قصر الأفراد:
والمخاطب بالأول٣ من ضربي كل٤- أعني تخصيص أمر بصفة دون أخرى، وتخصيص صفة بأمر دون آخر- من يعتقد الشركة٥، أي اتصاف ذلك الأمر٦ بتلك الصفة وغيرها جميعًا في
стр. 422
الأول١، واتصاف ذلك الأمر٢ وغيره جميعًا بتلك الصفة٣ في الثاني٤.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا كاتب" من يعتقد أن زيدًا كاتب وشاعر، وبقولنا "ما شاعر إلا زيد" من يعتقد أن زيدًا شاعر لكن يدعي أن عمرًا أيضًا شاعر. وهذا يسمى قصر أفراد، لقطعة الشركة بين الصفتين في الثبوت للموصوف٥ أو بين الموصوف وغيره في الاتصاف بالصفة٦.
стр. 423
قصر القلب ١ والتعيين:
والمخاطب بالثاني٢ من ضربي كل٣ أعني تخصيص أمر بصفة مكان أخرى وتخصيص صفة بأمر مكان آخر.
أما من يعتقد العكس٤، أي اتصاف ذلك الأمر بغير تلك الصفة عوضًا عنها في الأول٥، واتصاف غير ذلك الأمر بتلك الصفة عوضًا عنه في الثاني٦ وهذا يسمى قصر قلب لقلبه حكم السامع٧.
стр. 424
وأما من تساوى الأمران عنده، أي اتصاف ذلك الأمر بتلك الصفة واتصافه بغيرها في الأول١ واتصافه بها واتصاف غيره بها في الثاني٢، وهذا يسمى قصر تعيين.
فالمخاطب بقولنا "ما زيد إلا قائم" من يعتقد أن زيد قاعد لا قائم٣ أو يعلم أنه إما قاعد أو قائم ويعلم ولا يعلم أنه بماذا يتصف منهما بعنيه٤.
وبقولنا "ما قائم إلا زيد" من يعتقد أن عمرًا قائم لا زيد٥. أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل واحد منهما، لكن لا يعلم من هو بعينه٦.
شروط القصر:
وشرط قصر الموصوف على الصفة أفرادًا عدم تنافي الصفتين١ حتى تكون منفية في قولنا "ما زيد إلا شاعر" كونه كاتبًا أو منجمًا أو نحو ذلك، لا كونه مفحمًا لا يقول الشعر، ليتصور اعتقاد المخاطب اجتماعهما.
стр. 427
وشرط قصره١ قلبًا تحقق تنافيهما٢ حتى تكون المنفية٣ في قولنا ما زيد إلا قائم كونه قاعدًا أو جالسا أو نحو ذلك، لا كونه أسود أو أبيض أو نحو ذلك، ليكون إثباتها٤ مشعرًا بانتفاء غيرها٥.
стр. 428
وقصر التعيين أعم ١؛ لأن اعتقاد كون الشيء موصوفًا بأحد أمرين معينين على الإطلاق لا يقتضي جواز اتصافه بهما معًا ولا امتناعه. وبهذا علم أن كل ما يصلح أن يكون مثلًا لقصر الأفراد أو القلب يصلح أن يكون مثالًا للتعيين من غير عكس.
وقد أهمل السكاكي القصر الحقيقي٢ وأدخل قصر التعيين في
стр. 429
قصر الأفراد، فلم يشترط في قصر الموصوف أفرادًا عدم تنافي الصفتين ولا في قصره١ قلبًا تحقق تنافيهما.
стр. 430
طرق القصر:
ولقصر طرق: ١
١- منها٢ العطف. كقولك: في قصر الموصوف على الصفة.
стр. 431
أفرادًا: "زيد شاعر لا كاتب"، أو "ما زيد كاتبًا بل شاعر"١ وقلبًا: "زيد قائم لا قاعد" و"ما زيد قاعدًا بل قائم". وفي قصر الصفة على الموصوف -أفرادًا أو قلبًا بحسب المقام- "زيد قائم لا عمرو" أو "ما عمرو قائمًا٢ بل زيد".
стр. 432
٢- ومنها النفي والاستثناء: ١
كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادًا "ما زيد إلا شاعر"، وقلبًا "ما زيد إلا قائم"، وتعيينًا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ، أي لستم في دعواكم للرسالة عندنا بين الصدق والكذب كما يكون ظاهر المدعي إذ ادعى بل أنتم عندنا كاذبون فيها٢.
وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين٣ "ما قائم أو ما من قائم أو لا قائم إلا زيد٤.
стр. 433
وتحقيق١ وجه القصر في الأول٢ أنه متى قيل "ما زيد" توجه النفي إلى صفته لا ذاته؛ لأن أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنما تنفي صفاتها كما بين ذلك في غير هذا العلم، وحيث لا نزاع في طوله وقصره وما شاكل ذلك، وإنما النزاع في كونه شاعرًا أو كاتبًا تناولهما النفي، فإذا قيل: "إلا شاعر" جاء القصر. وفي الثاني٣ أنه متى قيل "ما شاعر" فأدخل النفي على الوصف المسلم ثبوته -أعني الشعر- لغير من الكلام فيهما كزيد وعمرو مثلًا، توجه النفي إليهما، فإذا قيل "إلا زيد" جاء القصر.
٣- ومنها إنما: ٤
كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادًا إنما زيد كاتب، وقلبًا إنما زيد قائم وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين٥ إنما قائم زيد.
стр. 434
والدليل على أنها تفيد القصر:
١- كونها متضمنة١ معنى ما وإلا، لقول المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّم﴾ بالنصب معناه ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو المطابق لقراءة الرفع٢، لما مر في باب "المنطلق زيد".
стр. 435
٢ - ولقول النحاة١ "إنما لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه٢.
٣- ولصحة انفصال الضمير٣ معها٤، كقولك "إنما يضرب أنا"، كما تقول "ما يضرب إلا أنا".
стр. 436
قال الفرزدق:١
أن الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وقال عمرو بن معد يكرب:٢
стр. 437
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
قال السكاكي١: ويذكر لذلك وجه لطيف يسند إلى علي بن عيسى الربعي وهو أنه لما كانت كلمة إن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها ما المؤكدة٢، لا النافية كما يظنه من لا وقوف له على علم النحو، ناسب أن يضمن معنى القصر؛ لأن القصر ليس إلا تأكيدًا على تأكيد فإن قولك "زيد جاء لا عمرو" لمن يردد المجيء الواقع بينهما يفيد إثباته لزيد في الابتداء صريحًا وفي الآخر ضمنًا.
٤- ومنها التقديم: ٣
стр. 438
كقولك في قصر الموصوف على الصفة: أفرادًا "شاعر هو" لمن يعتقده شاعرًا وكاتبًا، وقلبًا "قائم هو" لمن يعتقده قاعدًا١.
وفي قصر الصفة على الموصوف أفرادًا "أنا كفيت مهمك" بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك وغيرك كفيتما مهمة، "وقلبا" أنا كفيت مهمك بمعنى لا غيري لمن يعتقد أن غيرك كفى مهمه دونك كما تقدم٢.
فروق بين طرق القصر:
وهذه الطرق تختلف٣ من وجوه:
стр. 439
الأول: أن دلالة الثلاثة الأولى١ بالوضع ٢، دون الرابع٣.
والثاني: أن الأصل في الأول٤ أن يدل على المثبت والمنفي جميعًا بالنص، فلا يترك ذلك إلا كراهة الإطناب في مقام الاختصار، كما إذا قيل "زيد يعلم النحو والتصريف والعروض والقوافي". "وزيد يعلم النحو وعمرو وبكر وخالد"، فتقول فيهما "زيد يعلم النحو لا غير"، وفي معناه "ليس إلا"، أي "لا غير النحو٥".
стр. 440
"ولا غير زيد"١ وأما الثلاثة الباقية٢ فتدل بالنص على المنبت دون٣ المنفي.
والثالث: أن النفي لا يجامع الثاني٤؛ لأن شرط المنفي بلا أن لا يكون منفيًّا قبلها بغيرها٥.
стр. 441
ويجامع١ إلا خبرين٢ فيقال إنما زيد كاتب لا شاعر، وهو يأتيني لا عمرو٣؛ لأن النفي فيهما٤ غير مصرح به٥، كما يقال
стр. 442
"امتنع زيد عن المجيء" لا عمر"١.
قال السكاكي٢: شرط مجامعته٣ للثالث٤ أن لا يكون الوصف مختصًّا بالموصوف٥: كقوله ٦ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ، فإن كل عاقل يعلم أن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمع، وكذلك قولهم "إنما يعجل من يخشى الفوت".
وقال الشيخ عبد القاهر٧:
"لا تحسن مجامعته له٨ في المختص٩ كما تحسن في غير
стр. 443
المختص" وهذا أقرب١:
قيل٢: ومجامعته له إما مع التقديم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر﴾ ، وإما مع التأخير كقولك: ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو.
وفي كون هذين مما نحن فيه نظر٣.
الرابع٤ أن أصل الثاني٥ أن يكون ما استعمل فيه مما يجهله المخاطب وينكره ٦، كقولك لصاحبك وقد رأيت شبحًا من بعيد
стр. 444
"ما هو إلا زيد" إذا وجدته يعتقده غير زيد ويصر على الإنكار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه﴾ .
وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل١ له الثاني٢ أفرادًا٣ نحو: ﴿ومَا محَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ . [آل عمران: ١٤٤] ، أي أنه ﷺ مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الهلاك٤ نزل استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إياه ٥، ونحوه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾
стр. 445
فإنه ﷺ كان لشدة حرصه على هداية الناس يكرر دعوة الممتنعين على الإيمان ولا يرجع عنها، فكان في معرض من ظن أنه يملك مع صفة الإنذار إيجاد الشيء فيما يمتنع قبوله إياه١ أو قلبًا كقوله تعالى حكاية عن بعض الكفار: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي أنتم بشر لا رسل، نزلوا المخاطبين منزلة من ينكر أنه بشر، لاعتقاد القائلين أن الرسول لا يكون بشرًا مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة٢، وأما قوله تعالى حكاية عن الرسل: ﴿إنْ نَحْنُ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] ، فمن مجاراة الخصم للتبكيت والإلزام والإفحام، فإن من عادة من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه أن يعيد كلامه على وجهه، كما إذا قال لك من يناظرك "أنت من شأنك كيت وكيت"، فتقول: نعم أنا من شأني كيت وكيت ولكن لا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم، فالرسل ﵈.
стр. 446
كأنهم قالوا إن ما قلتم من أنا بشر مثلكم هو كما قلتم لا ننكره ولكن ذلك لا يمنع أن يكون الله تعالى قد من علينا بالرسالة١ ... وأصل الثالث٢ أن يكون ما استعمل له مما يعلمه المخاطب ولا ينكره على عكس الثاني، كقولك: "إنما هو أخوك"، "وإنما هو صاحبك القديم" لمن يعلم ذلك ويقر به وتريد أن ترققه٣ عليه وتنبهه لما يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب، وعليه قول أبي الطيب "في كافور"٤:
إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد
لم يرد أن يعلم كافورًا أنه بمنزلة الوالد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام ولكنه أراد أن يذكره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاه ما يوجبه ... وقد ينزل المجهول لمنزلة المعلوم٥ لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل له الثالث٦، نحو: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ ٧ مُصْلِحُون﴾ ادعوا أن كونهم مصلحين ظاهر جلي، ولذلك جاء: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُم
стр. 447
المفسدون" للرد عليهم مؤكدًا بما ترى: من جعل الجملة اسمية وتعريف للخبر١ باللام وتوسيط الفصل والتصدير بحرف التنبيه ثم بأن، ومثله قول الشاعر٢:
إنما مصعب شهاب من الل ... ـه تجلت عن وجهه الظلماء
ادعى أن كون "مصعب" كما ذكر جلي معلوم لكل أحد، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في كل ما يصفون به ممدوحيهم الجلاء وأنهم قد شهروا به حتى أنه لا يدفعه أحد، كما قال الآخر٣:
وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالتي علمت سعد
وكما قال البحتري٤:
لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه
"الخامس":
واعلم: أن لطريق "إنما"٥ مزية على العطف، وهي أنه يعقل
стр. 448
منها١ إثبات الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة بخلاف العطف٢.
"مواقع إنما" ٣:
وإذا استقريت وجدتها أحسن ما يكون موقعًا إذا كان الغرض بها التعريض٤ بأمر هو مقتضى معنى الكلام بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أو لُو الْأَلْبَاب﴾ ، فإنه تعريض بذم الكفار وإنهم من فرط الغباء وغلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل فأنتم في طمعكم منهم أن ينظروا ويتذكروا كمن طمع في ذلك من غير أو لي الألباب، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ ، المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية فكأنه ليس له أذن تسمع وقلب يعقل فالإنذار معه كلا إنذار.
قال الشيخ عبد القا هر: ومثل ذلك. من الشعر قوله:
أنا لم أرزق محبتها ... إنما للعبد ما رزقا٥
فإنه تعريض بأنه قد علم أنه لا مطمع له في وصلها فيئس من أن
стр. 449
يكون منها إسعاف به، وقوله١:
وإنما يعذر العشاق من عشقا
يقول ينبغي للعاشق أن لا ينكر لوم من يلومه، فإنه لا يعلم كنه بلوى العاشق، ولو كان قد ابتلي بالعشق مثله لعرف ما هو فيه فعذره وقوله٢:
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الأوصاب
يقول في البيت الأول أنه ينبغي أن أنجح في أمري حين جعلتك السبب إليه، وفي الثاني أنا قد طلبنا الأمر من جهته حين استعنا بك فيما عرض لنا من الحاجة، وعولنا على فضلك كما أن من عول على الطبيب فيما يعرض من السقم كان قد أصاب في فعله.
"قصر الفاعل على المفعول وعكسه٣":
ثم القصر كما يقع بين المبتدأ والخبر كما ذكرنا يقع بين الفعل والفاعل وغيرهما ٤، ففي طريق النفي والاستثناء يؤخر المقصور عليه.
стр. 450
مع حرف الاستثناء١، كقولك في قصر الفاعل على المفعول أفرادًا أو قلبًا بحسب المقام ما ضرب زيد إلا عمرًا، وعلى الثاني٢ لا الأول قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٧] ؛ لأنه ليس المعنى أني لم أزد على ما أمرتني به شيئًا٣ إذ ليس الكلام في أنه زاد شيئًا على ذلك أو نقص منه، ولكن المعنى أني لم أترك ما أمرتني به أن أقول لهم إلى خلا فه٤؛ لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى أنك يا عيسى تركت ما أمرتك أن تقوله إلى ما لم آمرك أن تقول، فإني أمرتك أن تدعو الناس إلى أن يعبدوني ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا غيري بدليل قوله تعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاس اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال﴾ [المائدة: ١١٦] ، وفي قصر٥ المفعول على الفاعل "ما ضرب عمرًا إلا زيد٦"، وفي قصر المفعول الأول على الثاني في نحوكسوت
стр. 451
وظننت في ما كسوت زيدًا إلا جبة، "وما ظننت زيدًا إلا منطلقًا" وفي قصر الثاني على الأول ما كسوت جبة إلا زيدًا وما ظننت منطلقًا إلا زيدًا، وفي قصر ذي الحال على الحال ما جاء زيد إلا راكبًا وفي قصر الحال على ذي الحال ما جاء راكبًا إلا زيد.
والوجه١ في جميع ذلك أن النفي في الكلام الناقص أعني الاستثناء المفرغ٢ يتوجه إلى مقدر٣ هو مستثنى منه عام٤ مناسب للمستثنى في جنسه٥ وصفته٦. أما توجهه إلى مقدر هو مستثنى منه فلكون إلا للإخراج واستدعاء الإخراج مخرجًا منه، وأما عمومه فليتحقق الإخراج منه، ولذلك قيل تأنيث المضمر في كانت على قراءة أبي جعفر المدني إن كانت إلا صيحة بالرفع وفي ترى مبنيًّا للمفعول في قراءة الحسن فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم برفع مساكنهم، وفي بقيت في بيت ذي الرمة.
стр. 452
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع١ للنظر إلى ظاهر اللفظ. والأصل التذكير لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء. وأما مناسبته٢ في جنسه وصفته فظاهرة؛ لأن المراد بجنسه أن يكون في نحو "ما ضرب زيد إلا عمرًا، أحدًا"٣، وفي نحو قولنا "ما كسوت زيدًا إلا جبة لباسًا" وفي نحو ما جاء زيد راكبًا، كائنًا على حال من الأحوال" وفي نحو "ما اخترت رفيقًا إلا منكم" من جماعة من الجماعات، ومنه قول السيد الحميري.
стр. 453
لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم١ فارسًا
لما سيأتي إن شاء الله تعالى أن أصله "ما اختار فارسًا إلا منكم والمراد بصفته كونه فاعلًا أو مفعولًا أو ذا حال أو حالًا، وعلى هذا القياس. وإذا كان النفي متوجهًا إلى ما وصفناه فإذا أو جب٢ منه شيء جاء القصر٣.
هل يقدم المقصور عليه مع إلا؟ ٤.
ويجوز تقديم المقصور عليه مع حرف الاستثناء بحالهما٥ على المقصور، كقولك، ما ضرب٦ إلا عمرًا زيد، وما ضرب إلا زيد عمرًا٧ وما كسوت إلا جبة زيدًا، وما ظننت إلا زيدًا منطلقًا، وما جاء إلا راكبًا زيد، وما جاء إلا زيد راكبًا. وقولنا "بحالهما" احتراز من إزالة حرف الاستثناء عن مكانه بتأخيره عن المقصور عليه، كقولك في الأول٨ ما ضرب عمرًا إلا زيدًا، فإنه يختل المعنى٩ فالضابط
стр. 454
أن الاختصاص إنما يقع في الذي يلي إلا. ولكن استعمال هذا النوع أعني تقديمها قليل١، لاستلزامه، قصر الصفة قبل تمامها كالضرب الصادر من زيد في ما ضرب زيدًا إلا عمرًا والضرب الواقع على عمرو في ما ضرب عمرًا إلا زيد٢.
وقيل إذا أخر المقصور عليه والمقصور عن إلا وقدم المرفوع كقولنا ما ضرب إلا عمرو زيدًا، فهو على كلامين وزيدًا منصوب بفعل مضمر، فكأنه قيل ما ضرب إلا عمرو أي ما وقع ضرب إلا منه، ثم قيل من ضرب فقيل زيدًا أي ضرب زيداً. وفيه نظر لاقتضائه الحصر في الفاعل والمفعول جميعًا٣.
"موقع المقصور عليه في "إنما":
وأما في إنما فيؤخر المقصور عليه تقول إنما زيد قائم٤ وإنما
стр. 455
ضر زيد عمرًا، وإنما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة، وإنما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة في السوق، أي ما زيد إلا قائم، وما ضرب إلا زيد وما ضرب زيد إلا عمرًا، وما ضرب زيدًا عمرًا إلا يوم الجمعة وما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة إلا في السوق، فالواقع أخيرًا هو المقصور عليه أبدًا، ولذلك١ تقول إنما هذا لك وإنما لك هذا، أي ما هذا إلا لك وما لك إلا هذا، حتى إذا أردت الجمع بين إنما والعطف فقل إنما هذا لك لا لغيرك، وإنما لك هذا لا ذاك، وإنما أخذ زيد لا عمرو وإنما زيد يأخذ لا يعطي ومن هذا تعثر على الفرق بين قوله٢ تعالى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ١٨] ، وقولنا: "إنما يخشى العلماء من عباده الله"، فإن الأول يقتضي قصر خشية الله على العلماء، والثاني
стр. 456
مقتضى قصر خشية العلماء على الله. واعلم أن حكم "غير" حكم إلا في إفادة القصرين، أي قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف٢ وفي امتناع مجامعة لا العاطفة٣، تقول في قصر الموصوف أفرادًا ما زيد غير شاعر، وقلبًا ما زيد غير قائم، وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام لا شاعر غير زيد، ولا تقول ما زيد غير شاعر لا كاتب ولا شاعر غير زيد لا عمرو.
"والله تعالى أعلم".
стр. 457
القول في الإنشاء
مدخل
...
القول في الإنشاء ١:
الإنشاء ضربان:
طلب وغير طلب٢.
стр. 458
والطلب١ يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب لامتناع تحصيل الحاصل٢. وهو المقصود بالنظر هنا.
стр. 459
أنواع الإنشاء الطلبي:
وأنواعه كثيرة١، منها:
أولًا: التمني ٢.
واللفظ الموضوع له ليت٣.
стр. 460
ولا يشترط في التمني الإمكان١، نقول: "ليت زيدًا يجيء"، و"ليت الشباب يعود٢" قال الشاعر٣:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وقد يتمنى بها٤، كقول القائل: "هل لي من شفيع"، في مكان يعلم أنه لا شفيع له فيه٥، لإبراز المتمني لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوْا لَنَا﴾ .
وقد يتمنى بلو٦، كقولك: لو تأتيني فتحدثني بالنصب٧