← Баляга

Баляга · id 7380

الإيضاح في علوم البلاغة

جلال الدين القزويني

Полный текст (638 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مقتضى قصر خشية العلماء على الله. واعلم أن حكم "غير" حكم إلا في إفادة القصرين، أي قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف٢ وفي امتناع مجامعة لا العاطفة٣، تقول في قصر الموصوف أفرادًا ما زيد غير شاعر، وقلبًا ما زيد غير قائم، وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام لا شاعر غير زيد، ولا تقول ما زيد غير شاعر لا كاتب ولا شاعر غير زيد لا عمرو. "والله تعالى أعلم".

стр. 457

القول في الإنشاء مدخل ... القول في الإنشاء ١: الإنشاء ضربان: طلب وغير طلب٢.

стр. 458

والطلب١ يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب لامتناع تحصيل الحاصل٢. وهو المقصود بالنظر هنا.

стр. 459

أنواع الإنشاء الطلبي: وأنواعه كثيرة١، منها: أولًا: التمني ٢. واللفظ الموضوع له ليت٣.

стр. 460

ولا يشترط في التمني الإمكان١، نقول: "ليت زيدًا يجيء"، و"ليت الشباب يعود٢" قال الشاعر٣: يا ليت أيام الصبا رواجعا وقد يتمنى بها٤، كقول القائل: "هل لي من شفيع"، في مكان يعلم أنه لا شفيع له فيه٥، لإبراز المتمني لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوْا لَنَا﴾ . وقد يتمنى بلو٦، كقولك: لو تأتيني فتحدثني بالنصب٧

стр. 461

قال السكاكي١: "وكأن حروف التنديم والتحضيض هلا وألا بقلب الهاء همزة ولولا، ولومًا، مأخوذة منهما٢ مركبتين مع لا وما المزيدتين لتضمنيهما معنى التمني، ليتولد٣ منه٤ في الماضي التنديم نحو هلا أكرمت زيدًا، وفي المضارع٥ التحضيض نحو هلا تقوم. وقد يتمنى بلعل فتعطي حكم ليت نحو لعلي أحج٦ فأزورك بالنصب، لبعد المرجو عن الحصول٧ وعليه قراءة عاصم في رواية حفص: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ، بالنصب٨.

стр. 462

"ثانيًا - الاستفهام": ومنها١ الاستفهام٢: والألفاظ الموضوعة له: الهمزة وهل وما ومن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان

стр. 463

فالهمزة١ لطلب التصديق٢، كقولك. أقام٣. زيد، وأزيد قائم، أو التصور٤ كقولك٥: أدبس في الإناء أم عسل، وفي الخابية دبسك أم في الزق٦، ولهذا ٧ لم يقبح: "أزيد٨ قام، وأعمرًا عرفت٩".

стр. 464

والمسئول عنه بها١ هو ما يليها، فتقول، أضربت زيدًا إذا كان شك في الفعل نفسه وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده٢ وتقول أأنت ضربت زيدًا إذا كان الشك في الفاعل من هو وتقول أزيدًا ضربت إذا كان الشك في المفعول من هو ٣. وهل لطلب التصديق٤ فحسب، كقولك: "هل قام زيد"، و"هل عمرو قاعد٥، ولهذا٦ امتنع هل زيد قام أم عمرو٧،

стр. 465

وقبح "هل زيدًا ضربت١" لما سبق أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل والشك فيما قدم عليه، ولم يقبح "هل زيدًا ضربته" لجواز تقدير المحذوف والمفسر مقدمًا كما مر٢. وجعل السكاكي٣ قبح "هل رجل عرف" لذلك٤ أي لما قبح له "هل زيدًا ضربت"، ويلزمه أن لا يقبح نحو "هل زيد عرف٥" لامتناع تقدير التقديم والتأخير فيه عنده على ما سبق٦.

стр. 466

وعلل غيره١ القبح فيهما بأن أصل هل أن تكون بمعنى قد إلا أنهم تركوا الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام٢. وهل تخصص المضارع بالاستقبال٣ فلا يصح أن يقال هل تضرب زيدًا وهو أخوك٤ كما تقول "أتضرب زيدًا وهو أخوك٥"؟

стр. 467

ولهذين أعني اختصاصها بالتصديق وتخصيصها المضارع بالاستقبال كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانيًّا أظهر كالفعل١. أما الثاني فظاهر وأما الأول؛ فلأن الفعل لا يكون إلا صفة والتصديق حكم بالثبوت أو الانتفاء والنفي والإثبات إنما يتوجهان إلى الصفات لا الذوات. ولهذا٢ كان قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون﴾ أدل على طلب الشكر من قولنا: "فهل تشكرون" و"فهل أنتم تشكرون"٣ إن إبراز

стр. 468

ما سيتجدد١ في معرض الثابت٢ أدل على كما ل العناية بحصوله من إبقائه على أصله٣، وكذا من قولنا أفأنتم شاكرون" وإن كانت صيغته للثبوت٤؛ لأن هل أدعي للفعل من الهمزة فتركه٥ معها أدل على كما ل العناية بحصوله، ولهذا لا يحسن هل زيد منطلق إلا من البليغ. وهي٦: قسمان بسيطة وهي التي يطلب بها وجود الشيء٧ كقولنا هل الحركة موجودة، ومركبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء٨ كقولنا هل الحركة دائمة. والألفاظ الباقية لطلب التصور فقط٩.

стр. 469

أما "ما": فيطلب به: أما شرح الاسم٢ كقولنا ما العنقاء. وأما ماهية المسمى٣ كقولنا: "ما الحركة٤" والقسم الأول يتقدم على قسمي٥ هل جميعًا، والثاني ٦ يتقدم على هل المركبة دون البسيطة، فالبسيطة٧ في الترتيب واقعة بين قسمي ما ٨. وقال السكاكي٩: يسأل بما عن الجنس١٢٠ تقول ما عندك أي أجناس

стр. 470

الأشياء عندك، وجوابه إنسان أو فرس أو كتاب أو نحو ذلك، وكذلك تقول ما الكلمة وما الكلام؟، وفي التنزيل: ﴿وَمَاْ خَطْبُكُمْ﴾ أي أي أجناس الخطوب خطبكم، وفيه: ﴿مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ بِعْدِيْ﴾ أي أي من في الوجود تؤثرونه للعبادة أو عن الوصف تقول ما زيد وما عمرو وجوابه الكريم أو الفاضل ونحوهما وسؤال فرعون: ﴿وَمَاْ رَبُ الْعَالَمِيْنَ﴾ أما عن الجنس لاعتقاده لجهله بالله تعالى أن لا موجود مستقلًّا بنفسه سوى الأجسام كأنه قال أي أجناس الأجسام هو، وعلى هذا جواب موسى ﵇ بالوصف للتنبيه على النظر المؤدي إلى معرفته، لكن لما لم يطابق السؤال عن فرعون عجب الجهلة الذين حوله من قول موسى بقوله لهم: ﴿أَلِا تَسْمَعُوْن﴾ ، ثم لما وجده مصرًّا على الجواب بالوصف إذ قال في المرة الثانية: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِين﴾ استهزأ به وجننه بقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون﴾ ، وحين رآهم موسى ﵇ لم يقطنوا لذلك في المرتين غلظ عليهم في الثالثة بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ وإما عن الوصف، طمعًا في أن يسلك موسى ﵇ في الجواب معه مسلك الحاضرين لو كانوا هم المسئولين مكانه لشهرته بينهم برب العالمين إلى درجة دعت السحرة إذ عرفوا الحق أن أعقبوا قولهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ بقولهم ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ نفعًا لاتهامهم أن عنوه وجهله بحال موسى إذ لم يكن جمعهما قبل ذلك مجلس بدليل قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فائت به إن كنت من الصادقين فحين سمع الجواب تعداه عجب واستهزاء وجنن وتفيهق بما تفيهق من قوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين﴾ .

стр. 471

وأما "من": ١ فقال السكاكي هو للسؤال عن الجنس من ذوي العلم٢، نقول من جبريل! بمعنى أبشر هو أم ملك أم جني، وكذا من إبليس ومن فلان، ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ ؟ أي أملك هو أم بشر أم جني منكرًا لأن يكون لهما رب سواه لإدعائه الربوبية لنفسه، ذهابًا في سؤاله هذا إلى معنى ألكما رب سواي فأجاب موسى ﵇ بقوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ كأنه قال نعم لنا رب سواك، هو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بين بإيجاده لما أو جد وتقديره إياه على ما قدر، واتبعت فيه الخريت الماهر- وهو العقل الهادي عن الضلال لزمك الاعتراف بكونه ربا وأن لا رب سواه، وأن العبادة له منى ومنك ومن الخلق أجمع حق لا يدفع له٣ وقيل هو للسؤال عن العارض المشخص لذي٤ العلم وهذا أظهر؛ لأنه إذا قيل من فلان، يجاب بزيد أو نحوه مما يفيد

стр. 472

التشخيص، ولا نسلم صحة الجواب بنحو بشر أو جني كما زعم السكاكي. وأما "أي" ١. فللسؤال عما يميز٢ أحد المتشاركين في أمر يعمهما٣ يقول القائل عندي ثياب، فتقول: أي الثياب هي فتطلب منه وصفًا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية، وفي التنزيل: أي الفريقين خير مقامًا أي أنحن أم أصحاب محمد عليه السلام٤، وفيه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أي الإنسي أم الجني. وأما "كم": فللسؤال عند العدد، إذا قلت: كم درهمًا لك وكم رجلًا رأيت، فكأنك فكأنك قلت أم عشرون أم ثلاثون. أم كذا أو كذا، وتقول كم درهمك وكم مالك أي كم دانقًا أو كم دينارًا، وكم ثوبك أي كم شبرًا أو كم ذراعًا، وكم زيد ماكث؟ أي كم يومًا أو كم شهرًا، وكم رأيتك أي كم مرة، وكم سرت أي كم فرسخًا أو كم يومًا؟ قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُم﴾ أي كم يومًا أو كم ساعة، وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِيْ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنَيْن﴾ وقال: ﴿سَلْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ﴾ .

стр. 473

بينة١؟ ومنه قول الفرزدق٢: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري فيمن روى بالنصب٣، وعلى رواية الرفع تحتمل الاستفهامية والخبرية٤. وأما "كيف": فللسؤال عن الحال، إذا قيل: كيف زيد؟ فجوابه صحيح أو سقيم أو مشغول أو فارغ ونحو ذلك. وأما "أين": ٥ فللسؤال عن المكان، إذا قيل: أين زيد؟ فجوابه في الدار أو في المسجد أو في السوق ونحو ذلك.

стр. 474

وأما "أنى": فتستعمل تارة بمعنى "كيف١"، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ ٢، أي كيف شئتم، وأخرى بمعنى "من أين٣" قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ٤؟، أي من أين لك٥. وأما "متى" و"أيان" ٦: فللسؤال عن الزمان٧، إذا قيل. متى جئت؟ أو أيان جئت؟ قيل: يوم الجمعة أو يوم الخميس أو شهر كذا أو سنة كذا. وعن علي بن عيسى الربعي أن أيان تستعمل في مواضع التفخيم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة﴾ ، ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّين﴾ ؟.

стр. 475

الأغراض البلاغية التي يخرج إليها أسلوب الاستفهام: ثم إن هذه الألفاظ كثيرًا ما تستعمل في معان غير الاستفهام بحسب ما يناسب المقام١، منها: الاستبطاء: نحو كم دعوتك٢؟، وعليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؟. ومنها التعجب: نحو قوله: ﴿مَاْ لِيَ لَاْ أَرَىْ الْهُدْهُدَ﴾ ٣؟

стр. 476

ومنها: التنبيه على الضلال: نحو: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُون﴾ ١؟.

стр. 477

ومنها: الوعيد: كقولك١ لمن يسيء الأدب: ألم أؤدب فلانًا؟ إذا كان عالمًا بذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَلِيْنَ﴾ . ومنها الأمر ٢: نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ، ونحو ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ ومنها التقرير ٣:

стр. 478

ويشترط في الهمزة١ أن يليها المقرر به، كقولك: أفعلت إذا أردت أن تقرره بأن الفعل كان منه، وكقولك: أأنت فعلت، إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل٢. وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي وغيرهما إلى أن قوله: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبْرَاهِيمُ﴾ ، من هذا الضرب. قال الشيخ٣: لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر أنه منه كان، كيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ . وقال ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا﴾ ، ولو كان التقرير بالفعل في قولهم "أأنت فعلت" لكن الجواب: فعلت أو لم أفعل، وفيه٤ نظر لجواز أن تكون الهمزة فيه على أصلها إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه ﵇ هو الذي كسر الأصنام٥. وكقولك أزيد ضربت، إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه زيد.

стр. 479

ومنها الإنكار١، إما للتوبيخ: بمعنى ما كان ينبغي أن يكون٢ نحو أعصيت ربك؟ أو بمعنى لا ينبغي أن يكون كقولك للرجل يضيع الحق. أتنسى قديم إحسان فلان؟ وكقولك للرجل يركب الخطر. أتخرج في هذا الوقت أتذهب في غير الطريق والغرض بذلك تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل أو يرتدع عن فعل ما هم به وإما للتكذيب٣ بمعنى لم يكن٤ كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُكُمْ بِالْبَنِيْنِ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إَنَاثَاً﴾ وقوله: ﴿أَصْطَفْى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِيْنِ﴾ ، وبمعنى لا يكون نحو أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، وعليه قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال٥

стр. 480

فيمن روى أيقتلني بالاستفهام وقول الآخر١: أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذًا للئيم والإنكار كالتقرير يشترط أن يلي المنكر٢ الهمزة، كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُوْن﴾ ، ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيَّاً﴾ ؟ ﴿أَبَشَرَاً مِنَّا وَاْحِدَاً نَتَّبِعُهُ﴾ ، وكقوله: ﴿وَقَالُوا لوْلا نزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ، أي: ليسوا هم المتخيرين للنبوة من يصح لها المتولين لقسم رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته، وعد الزمخشري قوله أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقوله أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي من هذا الضرب، على أن المعنى أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان وأفأنت تقدر على هدايتهم على سبيل القسر والإلجاء، أي إنما يقدر على ذلك الله لا أنت. وحمل السكاكي٣ تقديم الاسم في هذه الآيات الثلاث٤ على

стр. 481

البناء على الابتداء١ دون تقدير التقديم والتأخير كما مر في نحو أنا ضربت فلا يفيد في تقوي الإنكار. ومن مجيء الهمزة للإنكار نحو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾ ٢؟، وقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أي الله كاف عبده وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا مراد من قال أن الهمزة فيه للتقرير أي للتقرير بما دخله للنفي لا للتقرير بالانتفاء٣ وإنكار الفعل مختص بصورة أخرى٤.

стр. 482

وهي نحو قولك أزيدًا ضربت أم عمرًا، لمن يدعي أنه ضرب إما زيدًا وإما عمرًا دون غيرهما؛ لأنه إذالم يتعلق الفعل بأحدهما والتقدير أنه لم يتعلق بغيرهما فقد انتفي من أصله لا محالة وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْن﴾ ؟ أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد الأشياء ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من أصله. وكذا قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ، إذ معلوم أن النهي على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك ليكون أشد لنفي ذلك وإبطاله، فإنه إذا نفي الفعل عما جعل فاعلًا له في الكلام ولا فاعل له غيره لزم فيه من أصله، قال السكاكي رحمه١ الله: وإياك أن يزول عن خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو أنا ضربت وأنت ضربت وهو ضرب. من احتمال الابتداء واحتمال التقديم وتفاوت المعنى في الوجهين، فلا تحمل نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُم﴾ على التقديم٢، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن أحمله على الابتداء مرادًا منه تقوية حكم الإنكار. وفيه نظر؛ لأنه إن أراد أن نحو هذا التركيب أعني ما يكون الاسم الذي يلي الهمزة فيه مظهرًا لا يفيد توجه الإنكار إلى كونه فاعلًا للفعل الذي بعده فهو ممنوع، وإن أراد أنه يفيد ذلك إن قدر تقديم وتأخير وإلا فلا على ما ذهب إليه فيما سبق فهذه الصورة مما منع هو ذلك فيه على ما تقدم٣.

стр. 483

لا يقال: قد يلي الهمزة غير المنكر في غير ما ذكرتم كما في قول "امرئ القيس": أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال فإن معناه أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، بدليل قوله: يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني، والمرء ليس بقتال١

стр. 484

لأنا نقول ليس ذلك معناه؛ لأنه قال والمشرفي مضاجعي، فذكر ما يكون منعًا من الفعل، والمنع إنما يحتاج إليه مع من يتصور صدور الفعل منه دون من يكون في نفسه عاجزًا منه. ومنها التهكم: نحو: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أو أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء ١﴾ . ومنها التحقير٢:

стр. 485

كقولك: من هذا؟ وما هذا؟ ومنها التهويل ١: كقراءة ابن عباس ﵄: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ ، بلفظ الاستفهام، لما وصف الله تعالى العذاب بأنه مهين لشدته وفظاعة شأنه، أراد أن يصور كنهه، فقال: من فرعون٢ أي أتعرفون من هو في فرط عتوه وتجبره، ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به، ثم عرف حاله بقوله إنه كان عاليا من المسرفين٣.

стр. 486

ومنها الاستبعاد ١: نحو: ﴿أَنَّى لَهُمُ٢ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ؟ ومنها التوبيخ والتعجيب جميعًا: كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أمْوَاتًا فَأحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: كيف تكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة أما التوبيخ؛ فلأن الكفر مع هذه الحال ينبئ عن الإنهماك في الغفلة أو الجهل، وأما التعجب؛ فلأن هذه الحال تأبى أن لا يكون للعاقل علم بالصانع، وعلمه به يجعله يأبى أن يكفر، وصدور الفعل مع الصارف القوي مظنة تعجب ونظيره: ﴿أَتَأْمُرُوْنَ الْنَّاْسَ

стр. 487

بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ ١.

стр. 488

"ثالثا - الأمر": ومن أنواع الإنشاء "الطلبي" الأمر: والأظهر١ أن صيغته -من المقترنة باللام نحو ليحضر زيد، وغيرهما نحو: أكرم عمرًا، ورويد بكر٢- موضوعة لطلب الفعل٣ استعلاء، لتبادر الذهن عند سماعها٤ إلى ذلك٥ وتوقف ما سواه على القرينة.

стр. 489

قال السكاكي١. ولا طباق أئمة اللغة على إضافتها إلى الأمر. بقولهم: صيغة الأمر، ومثال الأمر ولام الأمر٢. وفيه٣ نظر لا يخفى على المتأمل. ثم إنها -أعني صيغة الأمر- قد تستعمل في غير طلب الفعل بحسب مناسبة المقام. كالإباحة:٤

стр. 490

كقولك في مقام الإذن جالس الحسن أو ابن سيرين، ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت١ أي: لا أنت ملومة ولا مقلية ووجه حسنة إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أي مهما اخترب في حقي من الإساءة والإحسان فأنا راض به غاية الرضا فعامليني بهما وانظري هل تتفاوت حالي معك في الحالين. والتهديد٢ كقولك العبد شتم مولاه وقد أدبنه: اشتم مولاك

стр. 491

وعليه: ﴿اِعْمَلُوْا مَاْ شِئْتُمْ﴾ . والتعجيز ١: كقولك لمن يدعى أمرًا تعتقد أنه ليس في وسعه: افعله. وعليه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ ٢.

стр. 492

والتسخير: نحو: ﴿كُوْنُوْا قِرَدَةً خَاسِئِيْنَ﴾ ١. والإهانة ٢: نحو كونوا حجارة أو حديدًا وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ . والتسوية ٣: كقوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُم﴾ . وقوله: ﴿اصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا﴾ .

стр. 493

والتمني١. كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... "بصبح، وما الإصباح منك بأمثل" والدعاء ٢: إذا استعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع نحو: رب اغفر لي ولوالدي. والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف، كقولك لمن يساويك في الرتبة: افعل، بدون الاستعلاء. والاحتقار ٣:

стр. 494

نحو: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُون﴾ . ثم الأمر قال السكاكي حقه الفور. أولًا: لأنه الظاهر من الطلب١. وثانيًا: ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافة إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع وإرادة التراخي٢. والحق خلافة لما تبين في أصول الفقه٣.

стр. 495

رابعا: النهي١. ومنها النهي٢. وله حرف واحد، وهو "لا" الجازمة في نحو قولك: لا تفعل. وهو كالأمر في الاستعلاء٣. وقد يستعمل في غير طلب الكف٤ أو الترك٥. كالتهديد: ٦ كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري٧.
следующие страницы →