وعليه: ﴿اِعْمَلُوْا مَاْ شِئْتُمْ﴾ .
والتعجيز ١:
كقولك لمن يدعى أمرًا تعتقد أنه ليس في وسعه: افعله.
وعليه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ ٢.
стр. 492
والتسخير:
نحو: ﴿كُوْنُوْا قِرَدَةً خَاسِئِيْنَ﴾ ١.
والإهانة ٢:
نحو كونوا حجارة أو حديدًا وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ .
والتسوية ٣:
كقوله: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُم﴾ . وقوله: ﴿اصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا﴾ .
стр. 493
والتمني١. كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... "بصبح، وما الإصباح منك بأمثل"
والدعاء ٢: إذا استعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع نحو: رب اغفر لي ولوالدي.
والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف، كقولك لمن يساويك في الرتبة: افعل، بدون الاستعلاء.
والاحتقار ٣:
стр. 494
نحو: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُون﴾ .
ثم الأمر قال السكاكي حقه الفور.
أولًا: لأنه الظاهر من الطلب١.
وثانيًا: ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافة إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع وإرادة التراخي٢.
والحق خلافة لما تبين في أصول الفقه٣.
стр. 495
رابعا: النهي١.
ومنها النهي٢.
وله حرف واحد، وهو "لا" الجازمة في نحو قولك: لا تفعل.
وهو كالأمر في الاستعلاء٣.
وقد يستعمل في غير طلب الكف٤ أو الترك٥.
كالتهديد: ٦ كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري٧.
стр. 496
واعلم١ أن هذه الأربعة -أعني التمني والاستفهام والأمر والنهي- تشترك في كونها قرينة دالة على تقدير الشرط٢ بعدها، كقولك ليت لي ما لا أنفقه أي أن أرزقه وقولك أين بيتك أزرك أي أن تعرفنيه وقولك أكرمني أكرمك أي إن تكرمني، قال الله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ ، بالجزم، فأما قراءة الرفع: فقد حملها الزمخشري على الوصف، وقال السكاكي الأولى حملها على الاستئناف دون الوصف لهلاك يحيى قبل زكريا ﵉ وأراد بالاستئناف أن يكون جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنه لما قال فهب لي وليًّا قيل ما تصنع به؟، فقال: يرثني، فلم يكن داخلًا في المطلوب بالدعاء، وقولك: لا تشتم يكن خير لك أي إن لا تشتم.
وأما العرض كقولك لمن تراه لا ينزل: ألا تنزل تصب خيرًا أي أن تنزل فمولد من الاستفهام وليس به؛ لأن التقدير أنه لا ينزل
стр. 497
فالاستفهام من عدم النزول طلب للحاصل وهو محال١.. وتقدير الشرط في غير هذه المواضع لقرينة جائز أيضًا كقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ هو الْوَلِي﴾ ٢ أي إن أرادوا وليًّا بالحق فالله هو الولي لا ولي سواه٣. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ ولَدٍ ومَا كَان مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ، أي لو كان معه إله إذًا لذهب.
стр. 498
خامسًا: النداء ١.
ومنها النداء ٢.
وقد تستعمل صيغته في غير معناه٣.
كالإغراء ٤.
في قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم.
والاختصاص٥.
стр. 499
في قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل١، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واغفر اللهم لنا أيتها العصابة، أي متخصصًا من بين الرجال ومتخصصين من بين الأقوام والعصائب.
"وقوع الخبر موقع الإنشاء٢:
ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء٣ أما: للتفاؤل٤، أو لإظهار
стр. 500
الحرص في وقوعه كما مر١، والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل الوجهين٢.
أو للاحتراز عن صورة الأمر، كقول العبد للمولى إذا حول عنه وجهه: ينظر المولى إلى ساعة٣.
أو لحمل المخاطب على المطلوب، أن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب٤. أو لنحو ذلك٥.
стр. 501
تنبيه:
ما ذكرناه في الأبواب الخمسة السابقة١ ليس كله مختصًّا بالخبر.
بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر يظهر ذلك بأدنى تأمل فليعتبره الناظر٢.
"والله أعلم".
стр. 502
القول في الوصل والفصل ١:
ما هو الوصل والفصل ؟:
الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه٢ وتمييز موضع أحدهما من موضع الآخر على ما تقتضيه البلاغة فن منها عظيم الخطر، صعب المسلك دقيق المأخذ لا يعرفه على وجهه، ولا يحيط علمًا بكنهه، إلا من أو تي في فهم كلام العرب طبعًا سليمًا، ورزق في إدراك أسراره ذوقًا صحيحًا، ولهذا قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل من الوصل٣، وما قصرها عليه؛ لأن الأمر كذلك، إنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه وأن أحدًا لا يكمل فيه إلا كمل.
في سائر فنونها فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجه في البيان فنقول والله المستعان:
стр. 503
حكم المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب:
إذا أتت جملة بعد جملة فالأولى منهما إما أن يكون لها محل من الإعراب١ أو لًا. وعلى الأول٢ أن قصد التشريك بينها وبين الثانية في حكم الإعراب١ أولًا. وعلى الأول٢ أن قصد التشريك بينها وبين الثانية.
في حكم الإعراب٣ عطفت عليها٤ وهذا كعطف المفرد على٥ المفرد؛ لأن الجملة لا يكون لها محل من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد، فكما يشترط في كون العطف بالواو ونحوه٦ مقبولًا في المفرد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه٧ جهة جامعة٨
стр. 504
كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ، يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولًا في الجملة ذلك١، كقولك: زيد يكتب ويشعر٢ أو يعطي ويمنع وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ ، ولهذا عيب على أبي تمام قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم٣
стр. 505
إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر.
стр. 506
وإن لم يقصد١ ذلك ترك عطفها عليها كقوله تعالى: ﴿وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، أم يعطف الله يستهزئ بهم على إنا معكم؛ لأنه لو عطف عليه لكان من مقول المنافين٢ وليس منه، وكذا قوله تعالى٣: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ ، وكذا قوله: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كما آمَنَ النَّاس قَالوا أَنُؤْمِنُ كما آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 507
حكم الجمل التي لا محل لها من الإعراب ١:
وعلى الثاني٢ أن قصد بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف العطف سوى الواو عطفت عليها٣ بذلك الحرف٤ تقول: دخل زيد فخرج عمرو، إذا أردت أن تخبر أن خروج عمرو كان بعد دخول زيد من غير مهلة، وتقول: خرجت ثم خرج زيد، إذا أردت أن تخبر أن خروج زيد كان بعد خروجك بمهلة٥، وتقول يعطيك زيد دينارًا أو يكسوك جبة، إذا أردت أن تخبر أنه يفعل واحدًا منهما لا بعينه، وعليه قوله تعالى: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِين﴾ ٦.
стр. 508
وإن لم يقصد ذلك١.
١- فإن كان للأولى حكم٢ ولم يقصد إعطاؤه الثانية تعين الفصل، كقوله تعالى: ﴿وَإذَا ٣ خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، لم يعطف ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قََالُوْا﴾ ، لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدم وهو قوله: ﴿وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ ، فإن استهزاء الله تعالى بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجًا إياهم من حيث لا يشعرون، متصل لا ينقطع بكل حال: خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم ٤، وكذلك في الآيتين الأخيرتين٥: فإنهم مفسدون في جميع
стр. 509
الأحيان -قيل لهم لا تفسدوا. أو لا، وسفهاء في جميع الأوقات قيل لهم آمنوا أو لا:
٢- وإن لم يكن للأولى حكم كما سبق١:
فإن كان بين الجملتين كما ل الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود كما سيأتي، أو كما ل الاتصال٢ أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى أو بمنزلة المتصلة بها، فكذلك يتعين الفصل ٣: أما في الصورة الأولى؛ فلأن الواو للجمع والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبة بينهما كما مر، وأما في الثانية؛ فلأن العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه مع أن العطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه وأما في الثالثة والرابعة فظاهر مما مر٤.
стр. 510
"كمال الانقطاع":
وأما كما ل الانقطاع فيكون لأمر يرجع إلى الإسناد أو إلى طرفيه.
الأول: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً:
لفظًا ومعنى١ كقولهم لا تدن من الأسد يأكلك، وهل تصلح لي كذا أدفع إليك الأجرة، وبالرفع فيهما، وقول الشاعر:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار٢
стр. 511
أو معنى١ لا لفظًا كقولك مات فلان رحمه الله٢. وأما قول اليزيدي:
ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي
стр. 512
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب
فعده السكاكي ﵀ من هذا الضرب١ وحمله الشيخ عبد القاهر٢ ﵀ على الاستئناف بتقدير قلت٣.
الثاني: أن لا يكون بين الجملتين٤ جامع كما سيأتي.
"كمال الاتصال":
وأما كمال الاتصال٥ فيكون لأمور ثلاثة:
الأول: أن تكون الثانية مؤكدة٦ للأول والمقتضى للتأكيد دفع توهم التجوز٧ والغلط وهو قسمان:
стр. 513
أحدهما أن ننزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي١ من متبوعة في إفادة التقرير مع الاختلاف٢ في المعنى، كقوله تعالى٣: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ٤﴾ ، فإن وزان لا ريب فيه في الآية وزان نفسه في قولك جاءني الخليفة نفسه، فإنه لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى من الكمال، بجعل المبتدأ ذلك، وتعريف الخبر باللام٥ كان عند السامع قبل أن يتأمله٦ مظنة
стр. 514
أنه١ مما يرمي به جزافًا٢ من غير تحقق، فأتبعه٣ لا ريب فيه، نفيًا لذلك، اتباع الخليفة نفسه، إزالة لما عسى أن يتوهم السامع أنك في قولك جاءني الخليفة، متجوز أو ساه، وكذا قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ الثاني مقرر لما أفاده الأول. كذا قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ معناه الثبات على اليهودية وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رد للإسلام ودفع له منهم؛ لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع له، لكونه غير معتد به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته، ويحتمل الاستئناف، أي فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد.
وثانيهما أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظي٤ من متبوعه في إفادة التقرير مع اتحاد المعنى، كقوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ٥﴾ ، فإن هدى للمتقين معناه أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة٦،
стр. 515
وهذا معنى قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَاب ١﴾ ؛ لأن معناه كما مر الكتاب الكامل، والمراد بكماله كما له في الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت في درجات الكمال٢ وكذا قوله تعالى٣: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾ ، فإن معنى قوله: ﴿لا يُؤْمِنُون﴾ معنى ما قبله، وكذا ما بعده٤ تأكيد ثان؛ لأن عدم التفاوت بين الإنذار وعدمه لا يصح إلا في حق من ليس له قلب يخلص إليه حق، وسمع تدرك به حجة، وبصر تثبت به عبرة. ويجوز أن يكون ﴿لا يُؤْمِنُون﴾ خبرًا؛ لأن، فالجملة قبلها اعتراض.
الثاني: أن تكون الثانية بدلًا من٥ الأولى، والمقتضى للإبدال
стр. 516
كون الأولى غير وافية بتمام المراد١ بخلاف الثانية٢ والمقام يقتضى اعتناء بشأنه٣ لنكتة ككونه٤ مطلوبًا في نفسه٥ أو فظيعًا٦ أو عجيبًا٧ أو لطيفًا٨.
وهو ضربان:
أحدهما: أن تنزل الثانية من الأول منزلة بدل البعض٩ من متبوعه، كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ، فإنه مسوق للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين١٠ وقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ، أو فى بتأديته١١ مما قبله.
стр. 517
لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم من كونهم معاندين، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ويحتمل الاستئناف.
وثانيهما ١:
أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال من متبوعه كقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، فإن المراد هو حمل المخاطبين على إتباع الرسل، وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ، أو فى بتأدية ذلك؛ لأن معناه لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، وقول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلمًا
فإن المراد به٢ كما ل إظهار الكرامة لاقامته٣ بسبب خلاف سره العلن وقوله: "لا تقيمن عندنا" أو فى بتأديته لدلالته٤ عليه بالمطابقة مع التأكيد٥، بخلاف "ارحل" ووازن الثانية من كل
стр. 518
واحد من الآية والبيت وازن حسنها في قولك: "أعجبتني الدار حسنها"؛ لأن معناها مغاير لمعنى ما قبلها١ وغير داخل فيه٢ مع ما بينهما٣ من الملابسة.
الثالث: أن تكون الثانية بيانًا للأولى٤ وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، والمقتضى للتبيين أن يكون في الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته كقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَان قَال يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ، فصل جملة قال: عما قبلها لكونها تفسيرًا له وتبينًا، ووازنه وازن عمر في قوله:
أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر٥
стр. 519
وأما قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم﴾ ، فيحتمل التبيين والتأكيد: أما التبيين؛ فلأنه يمتنع أن يخرج من جنس البشر ولا يدخل في جنس آخر فإثبات الملكية له تبيين لذلك الجنس وتعيين، وأما التأكيد؛ فلأنه إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا؛ ولأنه إذا قيل في العرف لإنسان ما هذا بشر حال تعظيم له وتعجب ما يشاهد منه من حسن حلق أو خلق كان الغرض أنه ملك بطريق الكناية. فإن قيل هلا نزلتم الثانية منزلة بدل الكل من متبوعه في بعض الصور، ومنزلة النعت من متبوعه في بعض قلنا،١؛ لأن بدل الكل لا ينفصل عن التأكيد إلا بأن، لفظه غير لفظ متبوعه وأنه مقصود بالنسبة دون متبوعه بخلاف التأكيد، والنعت لا يفصل عن عطف البيان٢، إلا بأنه يدل على بعض أحوال متبوعه لا عليه، وعطف البيان بالعكس٣ وهذه كلها اعتبارات لا يتحقق شيء منها فيما نحن بصدده٤.
شبه كما ل انقطاع:
وأما كون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى:
فلكون عطفها عليها١ موهمًا لعطفها على غيرها٢. ويسمى الفصل لذلك قطعًا، مثاله قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم٣
стр. 523
لم يعطف "أراها" على "تظن" لئلا يتوهم السامع أنه معطوف على "أبغي" لقربه منه مع أنه ليس بمراد. ويحتمل الاستئناف١.
وقسم السكاكي القطع إلى قسمين:
أحدهما: القطع للاحتياط وهو ما لم يكن لمانع من العطف كما في هذا البيت.
والثاني: القطع للوجوب، وهو ما كان لمانع، ومثله بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ قال: لأنه لو عطف لعطف إما على جملة ﴿قَاْلُوْا﴾ وإما على جملة: ﴿إِنَّاْ مَعَكُمْ﴾ ، وكلاهما لا يصح لما مر٢ وكذا قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء﴾ .
وفيه نظر: لجواز أن يكون المقطوع في المواضع الثلاثة معطوفًا على الجملة المصدرة بالظرف وهذا القسم لم يبين امتناعه.
стр. 524
شبه كما ل الاتصال ١:
وأما كونها٢ بمنزلة المتصلة بما٣ فلكونها جوابًا عن سؤاله اقتضته الأولى٤، فتنزل منزلته٥ فتفصل الثانية عنها٦، كما يفصل الجواب عن السؤال٧ وقال السكاكي٨، فينزل ذلك٩ منزلة الواقع١٠ ثم قالوا تنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات١١ لطيفة، أما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل١٢ أو لئلا يسمع منه شيء١٣، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه،
стр. 525
أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو لغير ذلك مما ينخرط في هذا السلك١. ويسمى الفصل لذلك٢ استئنافًا، وكذا الجملة الثانية أيضًا تسمى استئنافًا٣.
والاستئناف٤ ثلاثة أضرب: لأن السؤال الذي تضمنته الجملة٥ الأولى:
"١-" إما عن سبب الحكم فيها مطلقًا ٦، كقوله:
стр. 526
قال لي: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل١
أي ما بالك عليلًا أو ما سبب علتك٢، وقوله٣.
وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغر بعد ما غرضا
جريت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا
أي لم تقول هذا ويحك، وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحيا ة إلى هذا الحد كشحك.
٢- وإما عن سبب خاص له٤، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ، كأنه قيل: هل النفس أما رة بالسوء٥؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء٦. وهذا الضرب.
стр. 527
يقتضي تأكيد الحكم١ كما مر في باب أحوال الإسناد٢ وأما عن غيرهما٣ كقوله تعالى٤: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ ، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم ﵇ فقيل: قال سلام، ومنه قول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي٥
فإنه لما أبدي الشكاية من جماعات العذال، كان ذلك مما يحرك السامع ليسأل أصدقوا في ذاك أم كذبوا؟ فأخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، ففصل. ومثل قول جندب بن عمار٦:
стр. 528
زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت
كذب العواذل، لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن: لج وذلت
وقد زاد هنا أمر الاستئناف تأكيدًا بأن وضع الظاهر موضع المضمر١ من حيث وضعه وضعًا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتي به مأتى ما ليس قبله كلام ومن الأمثلة قول الوليد٢:
عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال
عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال٣
فإنه لما قال عفا، وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل، ومثله قول أبي الطيب٤:
وما عفت الرياح له محلًّا ... عفاه من حدا بهم وساقا
فإنه لما نفي الفعل الموجود عن الرياح، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل وأيضًا من الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه٥ كقوله: "أحسنت إلى زيد. زيد حقيق بالإحسان٦".
стр. 529
ومنه ما يبنى على صفته١ كقولك "أحسنت إلى زيد"، صديقك القديم أهل لذلك٧. وهذا أبلغ لانطوائه على بيان السبب٣.
وقد يحذف صدر الاستئناف٤ لقيام قرينة، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَال﴾ ، فيمن قرأ "يسبح" مبنيا للمفعول٥، وعليه نحو قولهم: "نعم الرجل أو رجلًا زيد، وبئس الرجل أو رجلًا عمرو"، على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أي هو زيد٦ كأنه لما قيل ذلك فأيهم الفاعل بجعله معهودًا ذهنيًّا مظهرًا أو مضمرًا، سئل عن تفسيره، فقيل: هو زيد ثم حذف المبتدأ.
стр. 530
وقد يذدف الاستئناف كله، ويقام ما يدل عليه مقامه كقول الحماسي١:
زعمتم أن أخوتكم قريش ... له ألف وليس لهم آلاف
حذف الجواب الذي هو كذبتم في زعمكم، وأقام قوله "لهم ألف وليس لكم آلاف" مقامه، لدلالته عليه، ويجوز أن يقدر قوله: "لهم ألف وليس لكم آلاف" جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنه لما قال المتكلم كذبتم، قالوا لم كذبنا؟ فقال: لهم ألف وليس لكم آلاف، فيكون في البيت استئنافان.
وقد يحذف ولا يقام شيء مقامه١ كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أي أيوب أو هو، لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه، ونحوه قوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاْهِدُوْن﴾ . أي نحن٣.