قال لي: كيف أنت؟ قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل١
أي ما بالك عليلًا أو ما سبب علتك٢، وقوله٣.
وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغر بعد ما غرضا
جريت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود أمري غرضا
أي لم تقول هذا ويحك، وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحيا ة إلى هذا الحد كشحك.
٢- وإما عن سبب خاص له٤، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ، كأنه قيل: هل النفس أما رة بالسوء٥؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء٦. وهذا الضرب.
стр. 527
يقتضي تأكيد الحكم١ كما مر في باب أحوال الإسناد٢ وأما عن غيرهما٣ كقوله تعالى٤: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ ، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم ﵇ فقيل: قال سلام، ومنه قول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي٥
فإنه لما أبدي الشكاية من جماعات العذال، كان ذلك مما يحرك السامع ليسأل أصدقوا في ذاك أم كذبوا؟ فأخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، ففصل. ومثل قول جندب بن عمار٦:
стр. 528
زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت
كذب العواذل، لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن: لج وذلت
وقد زاد هنا أمر الاستئناف تأكيدًا بأن وضع الظاهر موضع المضمر١ من حيث وضعه وضعًا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتي به مأتى ما ليس قبله كلام ومن الأمثلة قول الوليد٢:
عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال
عفاه كل حنان ... عسوف الويل هطال٣
فإنه لما قال عفا، وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل، ومثله قول أبي الطيب٤:
وما عفت الرياح له محلًّا ... عفاه من حدا بهم وساقا
فإنه لما نفي الفعل الموجود عن الرياح، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل وأيضًا من الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه٥ كقوله: "أحسنت إلى زيد. زيد حقيق بالإحسان٦".
стр. 529
ومنه ما يبنى على صفته١ كقولك "أحسنت إلى زيد"، صديقك القديم أهل لذلك٧. وهذا أبلغ لانطوائه على بيان السبب٣.
وقد يحذف صدر الاستئناف٤ لقيام قرينة، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَال﴾ ، فيمن قرأ "يسبح" مبنيا للمفعول٥، وعليه نحو قولهم: "نعم الرجل أو رجلًا زيد، وبئس الرجل أو رجلًا عمرو"، على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أي هو زيد٦ كأنه لما قيل ذلك فأيهم الفاعل بجعله معهودًا ذهنيًّا مظهرًا أو مضمرًا، سئل عن تفسيره، فقيل: هو زيد ثم حذف المبتدأ.
стр. 530
وقد يذدف الاستئناف كله، ويقام ما يدل عليه مقامه كقول الحماسي١:
زعمتم أن أخوتكم قريش ... له ألف وليس لهم آلاف
حذف الجواب الذي هو كذبتم في زعمكم، وأقام قوله "لهم ألف وليس لكم آلاف" مقامه، لدلالته عليه، ويجوز أن يقدر قوله: "لهم ألف وليس لكم آلاف" جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنه لما قال المتكلم كذبتم، قالوا لم كذبنا؟ فقال: لهم ألف وليس لكم آلاف، فيكون في البيت استئنافان.
وقد يحذف ولا يقام شيء مقامه١ كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أي أيوب أو هو، لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه، ونحوه قوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاْهِدُوْن﴾ . أي نحن٣.
стр. 531
مواضع الوصل ١:
وإن لم يكن بين الجملتين شيء من الأحوال الأربع تعين الوصل
"الوصل لدفع الإيهام":
إما لدفع إيهام خلاف المقصود٢، كقول البلغاء. لا وأيدك الله٣.
стр. 532
وهذا عكس للقطع.
"الوصل للتوسط بين الكمالين":
وأما١ للتوسط بين حالتي كما ل الانقطاع وكمال الاتصال. وهو ضربان.
أحدهما أن يتفقا خبرًا أو إنشاء لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ ٣، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وهو خَادِعُهُمْ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٥.
стр. 533
والثاني: أن يتفقا كذلك١ معنى لا لفظًا ٢، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالوَالدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي القُرْبَى وَالْيَتَامى وَالمَسَاكِينِ وَقُولُوا﴾ ، عطف قوله "وقولوا" على قوله: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ ؛ لأنه بمعنى لا تعبدوا٣ وأما قوله: ﴿وَبِالوَالدَيْنِ﴾
стр. 534
﴿إِحْسَانًا﴾ فتقديره: إما وتحسنون بمعنى وأحسنوا، وإما وأحسنوا، وهذا أبلغ من صريح الأمر؛ لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه١.
وأما قوله٢ في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، فقال الزمخشري فيه: فإن قلت علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلت: المراد ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول "زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمرًا بالعفو
стр. 535
والإطلاق"١ ولك أن تقول هو معطوف على فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم هذا كلامه.
وفيه نظر لا يخفى على المتأمل٢.
وقال٣ أيضًا في قوله تعالى في سورة الصف: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ أنه معطوف على "تؤمنون"؛ لأنه بمعنى آمنوا.
وفيه أيضًا نظر: لأن المخاطبين في "تؤمنون" هم المؤمنون وفي "بشر" هو النبي ﵇، ثم قوله "تؤمنون" بيان لما قبله على سبيل الاستئناف فكيف يصح عطف "بشر المؤمنين" عليه٤.
وذهب السكاكي٥، إلى أنهما معطوفان على "قل" مرادًا قبل "يا أيها الإنسان، ويا أيها الذين آمنوا"؛ لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه غير عزيزة في القرآن، وذكر صورًا كثيرة.
стр. 536
منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذاْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابةً لِلنَّاس وَأمْنًا وَاتَّخِذُوا﴾ ، أي وقلنا أو قائلين.
والأقرب١ أن يكون الأمر في الآيتين معطوفًا على مقدر يدل عليه ما قبله، وهو في الآية الأولى: ﴿فَأَنْذِر﴾ أو نحوه أي: فأنذرهم وبشر الذين آمنوا، وفي الآية الثانية: ﴿فَأَبْشِرُ﴾ أو نحوه" أي: فأبشر يا محمد وبشر المؤمنين. وهذا كما قدر الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَاْهْجُرْنِيْ مَلِيَّا﴾ معطوفًا على محذوف يدل عليه قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي: فاحذرني واهجرني؛ لأن: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تهديد.
стр. 537
" الجامع ١ ":
والجامع بين الجملتين٢ يجب أن يكون باعتبار المسند إليه في هذه والمسند إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه والمسند في هذه جميعًا٣ كقولك يشعر زيد ويكتب ويعطي ويمنع٥ وقولك زيد شاعر وعمرو كاتب، وزيد طويل وعمرو قصير إذا كان بينهما مناسبة كان يكونا أخوين أو نظيرين٦، بخلاف قولنا زيد شاعر وعمرو كاتب إذا لم يكن بينهما مناسبة٧.
стр. 538
وقولنا: "زيد شاعر وعمرو طويل" كان بينهما١ مناسبة أو لا.
وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾ ، فقطع عما قبله؛ لأنه كلام في شأن الذين كفروا وما قبله كلام في شأن القرآن.
وأما ما يشعر به ظاهر كلام السكاكي في مواضع من كتابه أنه يكفي أن يكون الجامع باعتبار المخبر عنه أو الخبر أو قيد من قيودهما فإنه منقوض بما مر وبنحو قولك هزم الأمير الجند يوم الجمعة وخاط زيد ثوبي، ولعله سهو فإنه صرح في موصع آخر منه بامتناع عطف قول القائل: "خفي ضيق" على قوله: "خاتمي ضيق" مع اتحادهما في الخبر٢.
ثم قال٣:
الجامع بين الشيئين عقلي وهمي وخيالي:
"الجامع العقلي":
أما العقلي فهو:
أن يكون بينهما اتحاد في التصور١ أو تماثل٢: فإن العقل بتجريده المثلين عن التشخص في الخارج يرفع التعدد، أو تضايف٣ كما بين العلة والمعلول٤ والسبب والمسبب والسفل والعلو الأقل والأكثر فإن العقل يأبى أن لا يجتمعا في الذهن.
стр. 541
"الجامع الوهمي":
وأما الوهمي١: فهو أن يكون بين تصوريهما:
١- شبه تماثل٢ كلون بياض ولون صفرة.
فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة في قوله: "محمد بن وهيب".
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر٢
٢- أو تضاد٤ كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك
стр. 542
والسكون القيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان والكفر١ وكالمتصفات بذلك كالأسود والأبيض والمؤمن والكافر.
٣- أو شبه تضاد٢ كالسماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني، فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجمع بينهما في الذهن ولذلك تجد الضد أقرب خطورًا بالبال مع الضد.
стр. 543
"الجامع الخيالي١":
والخيالي أن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال٢ سابق٣.
وأسبابه مختفة٤- ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتبًا ووضوحًا٥، فكم صور تتعانق في خيال وهي في آخر لا تتراءي، وكم صورة لا تكاد تلوح في خيال وهي في غيره نار على علم، كما يحكي١ أن صاحب سلاح ملك وصائغًا وصاحب بقر ومعلم صبية سافروا ذات يوم وواصلوا سير النهار بسير الليل، فبينما هم في وحشة الظلام ومقاساة خوف التخبط والضلال، طلع عليهم البدر
стр. 544
بنوره فأفاض كل منهم في الثناء عليه وشبهه بأفضل ما في خزانة صوره، فشبهه السلاحي بالترس المذهب يرفع عند الملك، والصائغ بالسبيكة من الإبريز تفتر عن وجهها البتوقة، والبقار بالجبن الأبيض يخرج من فالبه طريا والمعلم برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة، وكما يحكى١ عن وراق يصف حاله: عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرق من الزجاج، وحظي أخفى من شق القلم وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادًا من الحبر وسوء الحال لي ألزم من الصمغ.
ولصاحب١ علم المعاني فضل احتياج إلى التنبيه لأنواع الجامع لا سيما الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد لأسباب في ذلك٣ كالجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت، وَإِلَى الجِبَال كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ، بالنسبة إلى أهل الوبر فإن جل انتفاعهم في معاشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر فيكثر تقلب وجوههم في السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم وحصن يتحصنون به ولا شيء لهم في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا فتش البدوي في خياله وجد صور هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور بخلاف الحضري فإذا تلا قبل الوقوف على ما ذكرنا ظن النسق لجهله معيبًا.
стр. 545
" محسنات الوصل ١ ":
ومن محسنات الوصل١ تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية٢ وفي المضي والمضارعة٣، إلا لمانع٤ كما إذا أريد بإحداهما التجدد وبالأخرى الثبوت كما إذا كان زيد وعمرو قاعدين ثم قام زيد دون عمرو فقلت قام زيد وعمرو قاعد٥ كما سبق.
" الجملة الحالية ١ ":
ومما يتصل بهذا الباب القول في الجملة إذا وقعت حالًا منتقلة٢، فإنها تجيء تارة بالواو وتارة بغير الواو، فنقول:
أصل٣ الحال المنتقلة أن تكون بغير واو لوجوه:
الأول: أن إعرابها ليس بتبع وما ليس إعرابه بتبع لا يدخله الواو وهذه الواو إن كانت تسمى واو الحال فإن أصلها العطف.
الثاني: أن الحال في المعنى حكم على ذي الحال كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ٤ إلا أن الفرق بينه وبينها أن الحكم به يحصل بالأصالة لا في ضمن شيء آخر والحكم بها إنما يحصل في ضمن غيرها٥ فإن الركوب مثلًا في قولنا جاء زيد وراكبًا محكوم به على زيد لكن لا بالأصالة بل بالتبعية، بل وصل بالمجيء وجعل قيدًا له بخلافه في قولنا زيد راكب,
стр. 548
الثالث: أنها في الحقيقة وصف لذي الحال فلا يدخلها الواوكالنعت١.
فثبت أن أصلها أن تكون بغير واو لكنه خولف الأصل فيها إذا كانت جملة؛ لأنها بالنظر إليها من حيث هي جملة٢؛ مستقلة بالإفادة تحتاج٣ إلى ما يربطها بما جعلت حالًا عنه، وكل واحد من الضمير٤ والواو صالح للربط، والأصل٥ الضمير بدليل الاقتصاد عليه في الحال المفردة والخبر والنعت٦.
وإذا تمهد هذا فنقول:
الجملة التي تقع حالًا ضربان: خالية عن ضمير ما تقع حالًا عنه، وغير خالية.
стр. 549
أما الأولى:
فيجب أن نكون١ بالواو لئلا تصير منقطعة عنه غير مرتبطة٢ به، وكل جملة خالية عن ضمير ما يجوز٣ أن ينتصب عنه حال يصح أن تقع حالًا عنه إذا كانت مع الواو، إلا المصدرة بالمضارع المثبت كقولك "جاء زيد ويتكلم عمرو" على أن يكون "ويتكلم عمرو" حالًا عن زيد، لما سيأتي أن ارتباط مثلها يجب أن يكون بالضمير وحده.
стр. 550
وأما الثانية ١:
فتارة يجب أن تكون بالواو، وتارة يمتنع ذلك، وتارة يترجح أحدهما وتارة يستوي الأمران، والواو غير مناف للضمير في إفادة الرابط، فتعين التنبيه على أسباب الاختلاف، فنقول:
١- الجملة إن كانت فعلية والفعل مضارع مثبت امتنع الواو٢، كقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر ٣﴾ وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ؛ لأن أصل الحال.
стр. 551
المفردة أن تدل على حصول صفة١ غير ثابتة٢، مقارن٣ لما جعلت قيدًا له، والمضارع المثبت كذلك٤: أما دلالته على حصول صفة غير ثابتة؛ فلأنه فعل٥ مثبت٦، والفعل المثبت يدل على التجدد وعدم الثبوت كما مر، وأما دلالته على المقارنة فلكونه مضارعًا٧ فوجب أن يكون بالضمير وحده كالحال المفردة، ولهذا امتنع نحو "جاء زيد ويتكلم عمر".
стр. 552
وأما ما جاء من نحو قول بعض العرب: قمت وأصك عينه أو وجهه وقول عبد الله بن همام السلولي١:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكًا
فقيل: على حذف المبتدأ٢ أي وأنا أصك عينه، وأنا أرهنهم، وقيل الأول شاذ٣ والثاني٤ ضرورة، قال٥ الشيخ عبد القاهر: ليست الواو فيهما للحال بل هي للعطف، وصك "أرهن" معنى صككت ورهنت، ولكن الغرض من إخراجهما على لفظ الحال أن يحكيا الحال في أحد الخبرين ويدعا الآخر على أصله٦ كما في قوله "عميرة بن جابر الحنفي":
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثم قلت٧ لا يعنيني
يبين ذلك أن الفاء لا تجيء مكان الواو في مثله كما في خبر عبد الله بن عتيك٨ فإنه ذكر دخوله على أبي رافع اليهودي حصنه، ثم قال: فانتهى إليه فإذا هو في بيت مظلم لا أدري أين هو من البيت؟ قلت.
стр. 553
أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش، فإن قوله فأضربه مضارع عطفه بالفاء على ماض؛ لأنه في المعنى ماضي.
٢- وإن كان الفعل مضارعًا منفيًّا١ فيجوز فيه الأمران من غير ترجيح٢، لدلالته على المقارنة لكونه مضارعًا، وعدم دلالته على الحصول لكونه منفيًّا. أما مجيئه بالواو فكقراءة ابن ذكوان: فاستقيما ولا تتبعان، بتحقيق النون٣ وقول بعض العرب: كنت ولا أخشى بالذيب، وقول مسكن الدارمي:
стр. 554
أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب١
وقول مالك بن رفيع: هو كان قد جنى جناية فطلبه مصعب بن الزبير:
بغاني مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد٢
وأما مجيئه بعير واو كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّه﴾ ٣ وقول عكرشة العبسي٤:
مضوا لا يريدون الرواح، وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر
وقول خالد بن يزيد بن معاوية:
لو أن قومًا لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب
стр. 555
وقول الأعشي١:
أتينا أصبهان فهزلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم
وكان سفاهة مني وجهلًا ... مسيري لا أسير إلى حميم٢
كأنه قال: سفاهة مني وجهلا أن سرت غير سائر إلى حميم٣.
٤- وإن كان ماضيًا لفظًا٤ أو معنى٥ فكذلك يجوز الأمران من غير ترجيح.
أما مجيئه بالواو فكقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ ، وقال امرئ القيس:
أتقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعفت المهنوءة الرجل الطالي٦
стр. 556
وقوله١:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وقوله تعالى: ﴿أَو قَالَ أو حِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ، وقوله: ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ، وقول كعب:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا منْ قَبْلِكُمْ﴾ ، وقول الشاعر:
دانت قطام ولما يحظ ذو مقة ... منها بوصل ولا إنجاز ميعاد٢
وقول الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
وقوله:
أتيناكم قد عمكم حذر العدا ... فنلتم بنا أمنا ولم تعدموا نصرا٣
وقوله٤:
حتى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مزقت عنه السرابيل
وكقوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْل لَمْ يَمْسَسْهُمْ
стр. 557
سوء١ وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ، وقول امرئ القيس:
فأدرك لم يجهد ولم يئن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب٢
وقول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا، لم يحطم٣
والسبب في أن جاز الأمران فيه إذا كان مثبتًا٤ دلالته على حصول صفة غير ثابتة لكونه فعلًا، وعدم دلالته على المقارنة لكونه ماضيًا٥. ولهذا٦ اشترط أن يكون مع٧ قد ظاهرة أو مقدرة حتى تقربه إلى الحال فيصبح وقوعه حالًا.
стр. 558
وظاهر هذا يقتضي وجوب الواو في المنفي١ لانتفاء المعنيين، لكنه لم يجب فيه، بل كان مثله: أما لمنفي بلما؛ فلأنها للاستغراق٢ وأما المنفي بغيرها٣؛ فلأنه لما دل على انتفاء متقدم٤ وكان الأصل استمرار ذلك٥، حصلت الدلالة على المقارنة عند إطلاقه٦، بخلاف.
стр. 559
المثبت١ فإن وضع الفعل على إفادة التجدد٢. وتحقيق هذا٣ أن استمرار العدم٤ لا يفتقر إلى سبب٥ بخلاف استمرار الوجود٦ كما يبين في غير هذا العلم.
стр. 560
٥- وإن كانت الجملة١ اسمية فالمشهور أنه يجوز فيها الأمران٢ ومجيء الواو أو لى.
أما الأول٣ فلعكس ما ذكرناه في المصدرة الماضي المثبت٤. فمجيء الواو كقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ، وقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ ، وقول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال.
وقوله:
ليالي يدعوني الهوى وأجيبه ... وأعين من أهوى إلى رواني٦
والخلو منها كما رواه سيبويه، كلمته فوه إلى٧ في، ورجع عوده على بدئه٨ بالرفع، وما أنشده أبو علي٩ في الإغفال:
стр. 561
ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق
وقول الآخر:
ما بال عينك دمعها لا يرقأ١.
وقول الآخر٢:
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
وأما الثاني:٣ فلعدم دلالة الاسمية على عدم الثبوت٤، مع ظهور الاستئناف فيها٥.
فحسن زيادة رابط٦ ليتأكد الربط.
وقال الشيخ عبد القاهر٧:
стр. 562
١- إن كان المبتدأ ضمير ذي الحال وجب الواو١ كقولك جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع، ولعل وهو يسرع أم "وهو مسرع" ولعل السبب فيه٢ أن أصل الفائدة كان يحصل بدون هذا الضمير بأن يقال جاءني زيد يسرع أو مسرعًا، فالإتيان به٣ يشعر بقصد الاستئناف المنافي للاتصال فلا يصلح٤؛ لأن يستقل بإفادة الربط فتجب الواو٥.
стр. 563
ب- وقال أيضًا١: أن جعل نحو "على كتفه سيف" بتقديم الظرف حالًا عن شيء كما في قولنا "جاء زيد على كتفه سيف" كثر فيها أن تجيء بغير واو، كقول بشار٢:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي. علي سواد
يعني: على بقية من الليل، وقول أبي الصلت عبد الله الثقفي يمدح ابن ذي يزن٣:
فاشرب هنيئًا، عليك التاج، مترفقًا ... في رأس غمدان دارا منك مجلالا
стр. 564
وقول الآخر:
لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب
ثم قال:١ والوجه أن يقدر اسم في الأمثلة مرتفعًا بالظرف٢ فإنه جائز باتفاق من صاحب الكتاب وأبي الحسن لاعتماده على ما قبله٣، ثم اختار أن يكون الظرف ههنا خاصة٤ في تقدير اسم فاعل٥ وجوز أيضًا في أن يكون في تقدير فعل ماض مع قد٦، ومنع أن يكون في تقدير فعل مضارع٧ ولعله اختار تقديره باسم فاعل لرجوع الحال حينئذ
стр. 565
إلى أصلها في الأفراد ولهذا كثر مجيئها بلا واو، وإنما جوز التقدير بفعل ماض أيضًا لمجيئها بالواو قليلًا وإنما منع التقدير بفعل مضارع؛ لأنه لو جاز التقدير به لامتنع مجيئها بالواو.
جـ- ثم قال:١ وربما يحسن مجئ الاسمية بلا واو لدخول حرف على المبتدأ، وكما في قوله٢:
فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد٣
فإنه لولا دخول كأن عليه لم يحسن الكلام إلا بالواو وكقولك: عسى أن تبصريني وبين حوالي الأسود. ثم قال٤ وشبيهه بهذا أن تقع.