ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق
وقول الآخر:
ما بال عينك دمعها لا يرقأ١.
وقول الآخر٢:
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
وأما الثاني:٣ فلعدم دلالة الاسمية على عدم الثبوت٤، مع ظهور الاستئناف فيها٥.
فحسن زيادة رابط٦ ليتأكد الربط.
وقال الشيخ عبد القاهر٧:
стр. 562
١- إن كان المبتدأ ضمير ذي الحال وجب الواو١ كقولك جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع، ولعل وهو يسرع أم "وهو مسرع" ولعل السبب فيه٢ أن أصل الفائدة كان يحصل بدون هذا الضمير بأن يقال جاءني زيد يسرع أو مسرعًا، فالإتيان به٣ يشعر بقصد الاستئناف المنافي للاتصال فلا يصلح٤؛ لأن يستقل بإفادة الربط فتجب الواو٥.
стр. 563
ب- وقال أيضًا١: أن جعل نحو "على كتفه سيف" بتقديم الظرف حالًا عن شيء كما في قولنا "جاء زيد على كتفه سيف" كثر فيها أن تجيء بغير واو، كقول بشار٢:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي. علي سواد
يعني: على بقية من الليل، وقول أبي الصلت عبد الله الثقفي يمدح ابن ذي يزن٣:
فاشرب هنيئًا، عليك التاج، مترفقًا ... في رأس غمدان دارا منك مجلالا
стр. 564
وقول الآخر:
لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب
ثم قال:١ والوجه أن يقدر اسم في الأمثلة مرتفعًا بالظرف٢ فإنه جائز باتفاق من صاحب الكتاب وأبي الحسن لاعتماده على ما قبله٣، ثم اختار أن يكون الظرف ههنا خاصة٤ في تقدير اسم فاعل٥ وجوز أيضًا في أن يكون في تقدير فعل ماض مع قد٦، ومنع أن يكون في تقدير فعل مضارع٧ ولعله اختار تقديره باسم فاعل لرجوع الحال حينئذ
стр. 565
إلى أصلها في الأفراد ولهذا كثر مجيئها بلا واو، وإنما جوز التقدير بفعل ماض أيضًا لمجيئها بالواو قليلًا وإنما منع التقدير بفعل مضارع؛ لأنه لو جاز التقدير به لامتنع مجيئها بالواو.
جـ- ثم قال:١ وربما يحسن مجئ الاسمية بلا واو لدخول حرف على المبتدأ، وكما في قوله٢:
فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد٣
فإنه لولا دخول كأن عليه لم يحسن الكلام إلا بالواو وكقولك: عسى أن تبصريني وبين حوالي الأسود. ثم قال٤ وشبيهه بهذا أن تقع.
стр. 566
حالًا بعقب مفرد فيلطف١ مكانها بخلاف ما لو أفردت كقول ابن الرومي:
والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم٢
الجملة الحالية١.
الفكرة العامة في البحث:
الجملة التي تقع حالًا إما أن تكون فعلية: مبدوءة بفعل مضارع مثبت أو منفي أو بماض مثبت أو منفي، وإما أن تكون جملة اسمية، وفي هذه الأنواع كلها قد يجب أن تقرن الجملة الحالية بالواو وقد يجب تركها وقد يجوز الأمران: فما السر في ذلك؟
هناك أصلان ينبني عليهما معرفة أحكام الجملة الحالية بالتفصيل، وهما:
الأول: الجملة التي تقع حالًا تحتاج إلى رابط يربطهما بصاحب الحال لاستقلالها بالإفادة فيصل هذا الرباط بينها وبين صاحبها بصلة وثيقة، وهذا الربط إما:
١- الضمير وهو الأصل في الربط بدليل الاقتصار عليه في الحال المفردة وفي الخبر والنعت.
٢- أو الواو وهي وإن كانت واو الحال إلا أن أصلها العطف فهي شبيهة بحرف العطف ولذلك بحثنا عن أحكام الجملة الحالية في باب الفصل والوصل.
٣- أو الضمير والواو معًا.
الثاني: أن الحال المفردة المنتقلة الأصل فيها أن تكون بغير الواو، لشبهها بالخبر والنعت، وهي تدل على أمرين:
١- حصول صفة غير ثابتة.
٢- مقارنة لعاملها. فإذا شبهت الجملة الواقعة حالًا الحال المفردة في إفادتها الأمرين: الحصول والمقارنة أعطيت الجملة حينئذ حكم الحال المفردة في امتناع اقترانها بالواو: وإذا أشبهتها في أحد هذين الأمرين جاز الاتيان بالواو وجاز تركها وربما رجح أحدهما.
стр. 569
التفصيل:
أ- مواضع وجوب الإتيان بالواو في بدء الجملة الحالية:
ب- يجب الإتيان بالواو في موضع واحد: وهو ما إذا خلت الجملة الحالية من ضمير صاحب الحال، لوجوب الرابط وحيث لا ضمير وجبت الواو وذلك وفق ما ذكر في الأصل الأول - المثال خرجت وزيد قائم.
ب- مواضع وجوب ترك الواو:
ويجب ترك الواو في موضع واحد أيضًا:
وهو ما إذا كانت الجملة الحالية مبدوءة بفعل مضارع مثبت، وذلك لشبهها بالحال المفردة تمام المشابهة؛ لأنها تدل حصول صفة؛ "لأن الفعل مثبت" وهذه الصفة غير ثابتة؛ "لأن الحال فعل" والمقارنة موجودة؛ لأن الفعل مضارع فتعطي حينئذ حكم الحال المفردة ي وجوب ترك الواو -المثال: حضر محمد يضحك.
جـ- مواضع جواز الواو وتركها:
١- الجملة الحالية المبدوءة بمضارع منفي بغير لم ولما لدلالة الفعل حينئذ على المقارنة؛ لأنه مضارع دون الحصول؛ لأنه منفي -المثال: سافر الأصدقاء لا يريدون السفر، أو ولا يريدون.
٢- المبدوءة بمضارع منفي بلم ولما أو المبدوءة بماض منفي لدلالة الفعلين حينئذ على المقارنة لاستغراق النفي أو استمراره دون الحصول؛ لأن الفعل منفي -مثل: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر، نال محمد طلبه ما ذهب كثيرًا أو وما تعب.
٣- المبدوءة بماض مثبت لدلالته على الحصول؛ لأنه فعل مثبت وعد دلالته على المقارنة؛ لأنه ماض ولذلك اشترط أن يكون مع قد ظاهرة أو مقدرة لتقربه إلى الحال -المثال.
أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر - كما انتقض العصفور بلله القطر.
٤- الجملة الاسمية مطلقًا مع ترجيح ذكر الواو والسر في جواز الأمرين فيها "الواو وعدمها" دلالتها على المقارنة دون حصول صفة غير
стр. 570
ثابتة، والسر في ترجيح ذكر الواو ظهور الاستئناف في الجملة الاسمية -المثال:
نجحت وأنا واثق من النجاح، فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون، ثم راحوا عبق السمك بهم، ما بال عينك دمعها لا يرقأ.
مذهب عبد القاهر في الجملة الاسمية:
ولعبد القاهر رأي خاص في الجملة الاسمية يخالف الرأي السابق الذي ذهب إليه الخطيب وخلاصة مذهبه.
١- المبتدأ إذا كان ضمير صاحب الحال وجبت الواو لظهور الاستئناف. المثال جاءني خالد وهو يسرع ومن باب أو لى إذا كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا. "اسم صاحب الحال" أو سببًا له مثل جاءني خلد وخالد يسرع أو "وعمرو" معه.
٢- الجملة الاسمية التي خبرها جار ومجرور مقدم فالأرجح فيها ترك الواو مثلي جاءني الخادم على رأسه الغذاء.
٣- الجملة الاسمية المصدرة بحرف غير الواو يحصل به نوع من الارتباط بالأرجح فيها أيضًا ترك الواو مثل سرت كأنما أشعر بتعب شديد.
٤- الجملة الاسمية الواقعة حالًا بعقب حال مفردة فالأرجح فيها الترك أيضًا مثل سافرت مغتبطًا، نفسي متفائلة بالخير.
стр. 571
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة
تعريفه
...
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة ١:
"تعريف السكاكي":
قال السكاكي٢:
أما الإيجاز والإطناب٣ فلكونهما نسبيين٤ لا يتيسر الكلام
стр. 572
فيهما إلا بترك التحقيق١ والبناء على شيء عرفي٢، مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم.
ولا بد من الاعتراف بذلك مقيسًا عليه ولنسمه متعارف الأوساط٣.
стр. 573
وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم١ ولا يذم٢. فالإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات٣ متعارف الأوساط. والإطناب هو أداؤه بأكثر من عباراته. سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل٤. ثم قال٥، الاختصار٦ لكونه من الأمور النسبية يرجع في بيان دعواه٧ إلى ما سبق تارة٨ وإلى كون المقام٩ خليقًا بأبسط مما ذكر١٠.
стр. 574
وفيه نظر١:
١- لأن كون الشيء نسبيًّا لا يقتضي أن لا يتيسر الكلام فيه إلا بترك التحقيق والبناء على شيء عرفي٢.
٢- ثم البناء على: متعارف الأوساط. والبسط الذي يكون المقصود جديرًا به٣. رد إلى جهالة٤ فكيف يصلح للتعريف.
стр. 575
"تعريف الخطيب":
والأقرب١ أن يقال:
المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد٢ بلفظ مساو٢ له أو ناقص٤ عنه واف٥ أو زائد عليه٦، لفائدة٧ والمرد بالمساواة أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصًا عنه بحذف أو غيره كما سيأتي ولا زائدًا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض
стр. 576
كما سيأتي١ وقولنا واف احتراز عن الإخلال. وهو أن يكون اللفظ قاصرًا عن أداء المعنى٢ كقول عروة بن الورد٣:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
فإنه أراد إذ يقتلون نفوسهم في السلم.
وقول الحارث بن حلزة:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا٤
فإنه أراد٥ العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل. الحل كما ترى.
وقولنا "الفائدة" احتراز عن شيئين:
стр. 577
أحدهما: التطويل١ وهو أن لا يتعين الزائدة في الكلام كقوله٢:
"وقددت الأديم لراهشيه" ... وألفى قولها كذبا٣ ومينا
فإن الكذب والمين واحد٤.
وثانيهما: ما يشتمل على الحشو. والحشو ما يتعين أنه الزائد٥ وهو ضربان:
أحدهما ما يفسد المعنى كقول أبي الطيب:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب٦
стр. 578
فإن لفظ الندى فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت. وهذا الحكم صحيح في الشجاعة١ دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أن يخلد في الدنيالم يخش الهلاك في الإقدام فلم يكن لشجاعته فضل٢ بخلاف الباذل ما له، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله. ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنى أثق بالتمتع بهذا المال. وعليه قوله طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي
وقول مهيار:
فكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل
فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل. فالشجاعة لولا الموت لم تحمد والندى بالضد.
وأجيب عنه: بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال.
стр. 579
كما قال مسلم بن الوليد "يمدح داود بن حاتم المهلبي":
يجود بالنفس من ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود١
ورد بأن لفظ الندى لا يكاد يستعمل في بذل النفس، وإن استعمل على وجه الإضافة فأما مطلقًا فلا يفيد إلا بذل المال.
والثاني: مما لا يفسد المعنى٢ كقوله٣:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب.
стр. 580
فإن لفظ "الرأس فيه حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس وليس بمفسد للمعنى، وقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكني عن علم ما في غد عمي١
أن قوله قبله مستغنًى عنه غير مفسد، وقول أبي عدي٢:
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب.
فإن قوله: "للأقوام" حشو لا فائدة فيه مع أنه غير مفسد.
"ملاحظة":
واعلم أنه قد تشتبه الحال على الناظر لعدم تحصيل معنى الكلام وحقيقته، فيعد من الزائد على أصل المراد ما ليس منه كما مثله بعض الناس بقول القائل٣:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطي الأباطح٤
стр. 581
يبين أنه ليس منه ما ذكره الشيخ١ عبد القاهر في شرحه قال:
أو ل ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:
"ولما قضينا من منى كل حاجة"
فعبر عن قضاء جميع المناسك فرائضها وسننها بطريق العموم الذي هو أحد طرق الاختصار، ثم نبه بقوله:
"ومسح بالأركان من هو ماسح"
على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر ودليل المسير الذي هو مقصود من الشعر ثم قال: "وشدت ... البيت" فتوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زم الركاب وركوب الركبان، ثم دل بلفظ الأطراف على الصفة التي تختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث أو ما هو عادة المتظرفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط وفضل الارتباط كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب ويليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب وتنسم روائح الأحبة والأوطان واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة، حيث قال: وسالت بأعناق المطي الأباطح، فنبه بذلك على سرعة السير ووطأة الظهر وفي ذلك ما يؤكد ما قبله؛ لأن الظهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها سهلًا زاد ذاك في نشاط الركبان فيزداد الحديث طيبًا، ثم قال: بأعناق المطي، ولم يقل: والمطي؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها ويتبين أمرها من هو ادبها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة وتتبعها في الثقل والخفة.
стр. 582
أقسامه:
القسم الأول: المساواة ١:
كقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ، وقول النابغة الذبياني:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع٣.
стр. 583
القسم الثاني: الإيجاز ١.
وهو ضربان: أحدهما إيجاز القصر وهو ما ليس بحذف، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، فإنه لا حذف فيه مع أن معناه كثير يزيد على لفظه؛ لأن المراد به أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَل قُتِل كان ذلك داعيا له قويا إلى أن لا يقدم على القتال، فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وفضله على ما كان عندهم أو جز كلام في هذا المعنى وهو قولهم: القتل أنفى للقتل من وجوه:
стр. 584
أحدهما: أن عدو حروف ما يناظره١ منه٢ وهو في القصاص حياة عشرة في التلفظ وعدة حروفه أربعة عشر.
وثانيهما: ما فيه التصريح بالمطلوب الذي هو الحياة بالنص عليها فيكون أزجر عن القتل بغير حق لكونه أدعى إلى الاقتصاص.
وثالثها: ما يفيده تنكير حياة من التعظيم٣ أو النوعية٤ كما سبق٥.
ورابعها: إضراره ٦ بخلاف قولهم، فإن القتل الذي ينفي القتل هو ما كان على وجه القصاص لا غيره٧.
стр. 585
متعلق بثبوته نفيًا الملزوم بنفي اللازم١ وكذا قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاع ٢﴾ أي لا شفاعة ولا طاعة على أسلوب قوله٣:
على لاحب لا يهتدي بمناره ... "إذا ساقه العود النباطي جرجرا"
أي: لا منار ولا اهتداء، وقوله٤:
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب به ينجحر
أي: لا ضب ولا انجحار.
ومن أمثلة الإيجاز أيضا قوله تعالى فيما يخاطب به النبي ﵊: ﴿خُذِ الْعَفْوَ٥ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ ، فإنه جمع فيه مكارم الأخلاق؛ لأن قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمر بإصلاح قوة الشهوة فإن العفو ضد الجهل؛ قال الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطفي في سورتي حين أغضب٦
أي: خذ ما تيسر أخذه وتسهل، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ أمر بإصلاح قوة الغضب أي: أعرض عن السفهاء واحلم عنهم ولا تكافئهم
стр. 586
على أفعالهم، هذا يرجع إليه منها. وأما ما يرجع إلى أمته فدل عليه بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف والجميل من الأفعال، ولهذا قال جعفر الصادق ﵁ فيما روي عنه: أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لها من هذه الآية ومنها١ قول الشريف الرضي:
مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق٣
فإنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، عبر عن ذلك بقوله: أيدي الطعان، ومنه٣ ما كتب عمرو بن مسعدة عن المأمون لرجل يعني به، إلى بعض العمال، حيث أمره أن يختصر كتابه ما أمكن: كتابي إليك كتاب واثق ممن كتب إليه معني بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حاملة.
الضرب الثاني إيجاز الحذف٤:
وهو ما يكون بحذف:
والمحذوف أما جزء جملة وجملة أو أكثر من جملة.
стр. 587
وخامسها: سلامته من التكرار الذي هو من عيوب الكلام خلاف قولهم١.
وسادسا: استغناؤه عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم، فإن تقديره: القتل أنفى للقتل من تركه٢.
وسابعها: أن القصاص ضد الحياة فالجمع بينهما طباق كما سيأتي٣.
وثامنها: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال "في" عليه على ما تقدم. ومنه٤ قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِين﴾ ، أي: هدى للصالحين الصائرين إلى الهدى بعد الضلال، وحسنه التوصل إلى تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه وإلى تصدير السورة بذكر أو لياء الله تعالى، وقوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ ٥ أي بما لا ثبوت له ولا علم الله
стр. 588
والأول١ إما مضاف٢ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ أي أهلها٣، وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ . أي تناولها؛ لأن الحكم الشرعي إنما يتعلق بالأفعال دون الإجرام، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم﴾ أي: تناول طيبات أحل لهم تناولها، وتقدير التناول أو لى من تقدير الأكل؛ ليدخل فيه شرب ألبان الإبل فإنها من جملة ما حرمت عليهم، وقوله: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ ، أي: منافع ظهورها وتقدير المنافع أو لى من تقدير الركوب؛ لأنهم حرموا ركوبها وتحميلها، وكقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه﴾ ، أي: رحمة الله، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم﴾ أي: عذاب ربهم وقد ظهر هذان المضافان في قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه﴾ .
وإما موصوف كقوله٤:
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
أي أن ابن رجل جلا٥.
стр. 589
وأما صفة نحو: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ، أي سفينة صحيحة أو صالحة أو نحو ذلك؛ بدليل ما قبله١ وقد جاء ذلك مذكورًا في بعض القراءات، قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس ﵄ يقرأ "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" وأما شرط كما سبق٢.
وأما جواب شرط ٣ وهو ضربان:
أحدهما: أن يُحذف لمجرد الاختصار٤، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوامابيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . أي اعرضوا؛ بدليل قوله بعده: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِين﴾ .
وكقوله تعالى٥: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ
стр. 590
الْأَرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي: لكان هذا القرآن، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ، أي ألستم ظالمين بدليل قوله بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
والثاني: أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف١، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا أو مكروها إلا يجوز أن يكون الأمر أعظم منه، ولو عين شيء اقتصر عليه، وربما خف أمره عنده كقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ وكقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار﴾ ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٢.
قال السكاكي٣: ﵀: "ولهذا المعنى حذف الصلة من قولهم: "جاء بعد اللتيا والتي، أي أشار إليه بهما وهي المحنة والشدائد
стр. 591
قد بلغت شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معه حتى لا يحير ببنت شفة ... " وأما غير ذلك١ كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ . أي: ومن أنفق من بعده وقاتل بدليل ما بعده٢. ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ ٣ شَيْبًا﴾ ؛ لأن أصله: يا رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس مني شيبًا٤. وعده السكاكي٥ من القسم الثاني من الإيجاز٦ على ما فسره، ذاهبا إلى أنه وإن اشتمل على بسط فإن انقراض الشباب وإلمام المشيب جديران بأبسط منه، ثم ذكر فيه لطائف يتوقف بيانها على النظر في أصل المعنى ومرتبته الأولى، ثم أفاد أن مرتبته الأولى: "يا رب قد شخت" فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم تركت هذه المرتبة؛ لتوخي مزيد التقرير إلى تفصيلها في: "ضعف بدني وشاب رأسي" ثم ترك التصريح بضعف بدني إلى الكناية بوهنت عظام بدني؛ لما سيأتي أن الكناية أبلغ من التصريح، ثم لقصد مرتبة رابعة أبلغ من التقرير بنيت الكناية على المبتدأ فحصل: أنا وهنت عظام بدني، ثم لقصد مرتبة خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ فحصل: "إن وهنت عظام بدني" ثم لطلب تقرير أنا الواهن عظام بدنه قصد مرتبة سادسة وهي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، فحصل أني وهنت العظام من بدني، ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصد مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن، فحصل
стр. 592
أني وهنت العظام مني، لم أطلب شمول الوهن العظام فردًا فردًا، قصدت مرتبة ثامنة وهي ترك الجمع إلى الإفراد١؛ لصحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل فرد، فحصل ما ترى، وهكذا تركت الحقيقة في: شاب رأسي إلى الاستعارة في: اشتعل شيب رأسي لما سيأتي أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة. ثم تركت هذه المرتبة إلى تحويل الإسناد إلى الرأس وتفسيره ب"شيبا"؛ لأنها أبلغ من جهات: إحداها إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الشيب الرأس؛ إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا والفرق كبير، وثانيتهما: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز، وثالثهما: تنكير "شيبا" لإفادة المبالغة: ثم ترك اشتعل رأسي شيبا؛ لتوخي مزيد التقرير إلى "اشتعل الرأس مني شيبا" على نحو وهن العظم مني، ثم ترك لفظ مني؛ لقرينة عطف: واشتعل الرأس، على وهن العظم مني، لمزيد التقرير وهي إيهام حوالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ.
ثم قال٢ عقيب هذا الكلام: واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير القبول في القلوب هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي "رب" اختصرت ذلك الاختصار، بأن حذفت كلمة النداء وهي "يا"، وحذفت كلمة المضاف إليه وهي ياء المتكلم، واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب وهي المنادى، والمقدمة للكلام كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة نازلة منزلة الأساس للبناء، فكما أن البناء الحاذق لا يرمي الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه كذلك البليغ يصنع بمبدأ كلامه. فمتى رأيته قد اختصر المبدأ فقد آذنك باختصار ما يورد.
стр. 593
انتهى كلامه، وعليك أن تنتبه لشيء وهو أن ما جعله سببا للعدول عن لفظ العظام فيه نظر؛ لأنا لا نسلم صحة حصول وهن المجموع بوهن البعض دون كل١ فرد، فالوجه في ذكر العظم دون سائر ما تركب منه البدن وتوحيده ما ذكره الزمخشري٢ قال: إنما ذكر العظم لأنه عمود البدنه وبه قوامه وهو أصل بنائه، وإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أو هن، ووحده لأن الواحد الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدًا إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن بعض عظامه ولكن كلها٢ وأعلم أن المراد بشمول الشيب الرأس أن يعم جملته حتى لا يبقى من السواد شيء أو لا يبقى منه إلا ما لا يعتد به.
والثاني٤ أعني ما يكون جملة:
أما مسبب ذكر سببه كقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل﴾ أي: فعل ما فعل٥ وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: اخترناك، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء﴾ أي: كان الكف ومنع التعذيب، ومنه قول أبي الطيب:
стр. 594
أتي الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
أي: فساءنا.
أو بالعكس١ كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فامتثلتم، فتاب عليكم، وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَت﴾ ، أي: فضربه بها، فانفجرت٢، ويجوز أن يقدر: فإن ضربت بها فقد انفجرت٣ أو غير ذلك٤ كقوله تعالي: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُون﴾ على ما مر٥.
والثالث٦ كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ﴾ ، أي: فأرسلوني إلى يوسف؛ لاستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه٨ وقال له: يا يوسف٧، وقوله: ﴿فَقُلْنَا
стр. 595
اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: فأتياهم، فأبلغاهم الرسالة، فكذبوهما، فدمرناهم، وقوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بنِي إِسْرائيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ ، أي: فأتياه أبلغاه ذلك، فلما سمعه: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ ، ويجوز أن يكون التقدير فأتياه فأبلغاه ذلك ثم يقدر: فماذا قال؟ فيقع قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ استئنافا، ونحوه قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ ، أي: ففعل ذلك، فأخذت الكتاب، فقرأته، ثم كأن سائلا قال: فماذا قالت؟ فقيل: قالت: يا أيها الملأ. وأما قوله تعالى٢: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقال الزمخشري في تفسيره: هذا موضع الفاء كما يقال: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر، وعطفه بالواو إشعارًا بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما العلم، كأنه قال: فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا: الحمد لله، وقال السكاكي٢: يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عما صنع بهما وعما قالا، كأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع كقولك: قم يدعوك، بدل: قم فإنه يدعوك.
واعلم أن الحذف على وجهين: أحدهما أن لا يقام شيء مقام المحذوف٣ كما سبق ٤. والثاني أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُم﴾ ليس إلا بلاغ هو الجواب؛ لتقدمه على توليهم٥، والتقدير فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم، أو فلا عذر لكم عند ربكم، وقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَد
стр. 596
كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك﴾ أي: فلا تحزن١ واصبر فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِين﴾ أي فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين.
وأدلة الحذف٢ كثيرة٣ منها٤:
أن يدل العقل على الحذف والمقصود الأظهر٥ على تعيين المحذوف كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية، فإن العقل يدل على الحذف لما مر٦ والمقصود الأظهر يرشد إلى أن التقدير حرم عليكم تناول الميتة وحرم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها ومن النساء نكاحهن. ومنها أن يدل العقل على الحذف والتعيين.
стр. 597
كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ، أي أمر ربك أو عذابه أو بأسه١ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام﴾ أي: عذاب الله أو أمره.
ومنها: أن يدل العقل على الحذف والعادة٢ على التعيين، كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه﴾ دل العقل على الحذف؛ لأن الإنسان إنما يلام على كسبه، فيحتمل أن يكون التقدير في حبه لقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ٣﴾ ، وأن يكون في مراودته لقوله: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِه﴾ ، وأن يكون في شأنه وأمره فيشملهما، والعادة دلت على تعيين: المراودة؛ لأن الحب المفرط لا يلام الإنسان عليه في العادة لقهره صاحبه وغلبته، وإنما يلام على المراودة الداخلة تحت كسبه التي يقدر أن يدفعها عن نفسه.
ومنها: أن تدل العادة على الحذف والتعيين كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُم﴾ ، مع أنهم كانوا أخبر الناس بالحروب، فكيف يقولون بأنهم لا يعرفونها؟ فلا بد من حذف قدره مجاهد ﵀ مكان قتال، أي أنكم تقاتلون في موضع لا يصلح للقتال ويخشى عليكم منه، ويدل عليه أنهم أشاروا إلى رسول الله أن لا يخرج من المدينة وأن الحزم البقاء.
ومنها الشروع في الفعل٤ كقول المؤمن: "بسم الله الرحمن
стр. 598
الرحيم"، كما إذا قلت عند الشروع في القراءة: "بسم الله" فإنه يفيد أن المراد بسم الله أقرأ وكذا عند الشروع في القيام والقعود أو أي فعل كان فإن المحذوف يقدر ما١ جعلت التسمية مبدأ له٢.
ومنها٣: اقتران الكلام بالفعل، فإنه يفيد تقديره كقولك لمن أعرس: بالرفاء٤ والبنين٥ فإنه يفيد: بالرفاء والبنين أعرست.
القسم الثالث: الإطناب.
وهو إما:
١- الإيضاح بعد الإبهام":
أما بالإيضاح بعد الإبهام:
ليرى المعنى في صورتين مختلفتين٦: أو ليتمكن في النفس فضل تمكن٧ فإن المعنى إذا ألقى على سبيل الإجمال والإبهام تشوقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح فتتوجه إلى ما يرد بعد ذلك فإذا ألقي كذلك تمكن فيها فضل تمكن وكان شعورها به أتم،
стр. 599
أو لتمكن اللذة بالعلم به١ فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم، ثم إذا حصل لها العلم به حصلت لها لذة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم أو لتفخيم الأمر وتعظيمه كقوله٢ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ، فإن قوله اشرح لي يفيد طلب شرح لشيء ما له٣، وقوله: ﴿صَدْرِي﴾ يفيد تفسيره وبيانه٤ وكذلك قوله: ويسر لي أمري، والمقام مقتض للتأكيد للإرسال المؤذن بتلقي المكاره والشدائد. وكقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِين﴾ ، ففي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمور وتعظيم له.
стр. 600
ومن الإيضاح بعد الإبهام باب نعم وبئس١ على أحد القولين٢ إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل: نعم زيد وبئس عمرو٣ ووجه حسنه٤ سوى الإيضاح بعد الإبهام٥ أمران آخران؛ أحدهما: إبراز الكلام في معرض الاعتدال، نظرا إلى إطنابه من وجه وإلى اختصاره من آخر، وهو حذف المبتدأ في الجواب، والثاني إبهام الجمع بين المتنافيين٦.