Полный текст (241 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وكنَّا كندمانيْ جَذيمةَ حقبةً ... منَ الدَّهرِ حتَّى قيلَ لنْ يتصدَّعا
فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لمْ نقمْ ليلةً معَا
فإنْ تكنِ الأيَّامُ فرَّقنَ بينَنا ... فقدْ بانَ محموداً أخي يومَ ودَّعا
وقال عدي بن زيد:
فإنْ أمسيتُ مكتئباً حزيناً ... كثيرَ الهمِّ يشهدُني الحذارُ
فقدْ بُدِّلتُ ذاكَ بنُعمِ بالٍ ... وأيَّامٍ لياليها قصارُ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدنا أبو تمام لنفسه:
ألا إنَّ صدرِي مِنْ غرامِي بلاقعٌ ... عشيَّةَ شاقتْني الدِّيارُ البلاقعُ
لئنْ كانَ أمسَى شملُ وحشكَ جامعاً ... لقدْ كانَ لي شملٌ بأُنسكَ جامعُ
أُسيءُ علَى الدَّهرِ الثَّناءَ فقدْ قضَى ... عليَّ بجورٍ صرفهُ المتتابعُ
وقال حميد بن ثور:
قضَى اللهُ في بعضِ المكارهِ للفتَى ... رشاداً وفي بعضِ الهوَى ما يحاذرُ
شربْنا بثُعبانٍ منَ الطَّودِ بردَها ... شفاءً لغمٍّ وهيَ داءٌ مخامرُ
لياليَ دُنيانا علينا رحيبةٌ ... وإذْ عامرٌ في أوَّلِ الدَّهرِ عامرُ
وقدْ كنتُ في بعضِ الصَّبابةِ أتَّقي ... وأخشَى علينا أنْ تدورَ الدَّوائرُ
وأعلمُ أنِّي إنْ تغطَّيتُ مرَّةً ... منَ الدَّهرِ مكشوفٌ غطائِي فناظرُ
وقال أيضاً:
خليليَّ إنْ دامَ همُّ النُّفوسِ ... عليها ثلاثَ ليالٍ قتلْ
علَى أنَّ شيئاً سمعْنا بهِ ... يسمَّى السُّرورُ مضَى ما فعلْ
وقال البحتري:
عيشٌ لنا بالأبرقَيْنِ تأبَّدتْ ... أيَّامهُ وتجدَّدتْ ذكراهُ
والعيشُ ما فارقتهُ فذكرتهُ ... لهفاً وليسَ العيشُ ما تنساهُ
وقال محمد بن عبيد الأزدي:
فلمَّا قضيْنا عصمةً مِنْ حديثِنا ... وقدْ فاضَ مِنْ بعدِ الحديثِ المدامعُ
جرَى بينَنا منَّا رسيسٌ يزيدُنا ... سقاماً إذا ما استيقنتهُ المسامعُ
كأنْ لمْ تجاورْنا أُميمُ ولمْ تقمْ ... بفيضِ الحمَى إذْ أنتَ بالعيشِ قانعُ
فهلْ مثلَ أيَّامٍ تسلَّفنَ بالحمَى ... عوائدُ أوْ عيشُ السّتارَيْنِ واقعُ
وقال قيس بن ذريح:
فإنْ تكنِ الدُّنيا بليلَى تقلَّبتْ ... عليَّ وللدُّنيا بطونٌ وأظهرُ
فقدْ كانَ فيها للأمانةِ موضعٌ ... وللكفِّ مرتادٌ وللعينِ منظرُ
وللهائمِ الظَّمآنِ ريٌّ بريقِها ... وللدَّنفِ المشتاقِ خمرٌ مسكِّرُ
قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي فقلنا له فما الَّذي بقي بعد ما وصفت قال بقيت الموافقة.
وقال البحتري:
كانَ الوصالُ بُعيدَ هجرٍ منقضٍ ... زمنَ اللِّوَى وقُبيلَ بينٍ آفدِ
ما كانَ إلاَّ لفتةً مِنْ ناظرٍ ... عجلٍ بها أوْ نهلةً مِنْ واردِ
ولبعض أهل هذا العصر:
رعَى اللهُ دهراً فاتَ لمْ أقضِ حقَّهُ ... وقدْ كنتُ طبّا بالأُمورِ مجرِّبا
لياليَ ما كانتْ رياحكَ شمألاً ... عليَّ ولا كانتْ بروقكَ خلَّبا
لياليَ وفَّيتُ الهوَى فوقَ حقِّهِ ... وفاءً وظرفاً صادقاً وتأدُّبا
فلمْ أرَ ودّاً عادَ ذنباً وقدْ مضتْ ... لهُ حقبٌ يشجَى بذكراهُ مَنْ صبَا
ولمْ أرَ سهماً هتَّكَ الدِّرعَ وانتهَى ... إلى القلبِ قِدماً ثمَّ قصَّر أوْ نبَا
ولا عذرَ للصَّمصامِ إنْ بلغَ الحشا ... وكَلَّ ولمْ يثلمْ لهُ العظمُ مضربَا
ولا لجوادٍ سابقَ الرِّيحَ سالماً ... وقامَ فأعيَا بلْ تقطَّرَ أوْ كبَا
فأنَّى بعذرٍ في اطِّراحِي وجفوتي ... ونقضِ عهودٍ أُكِّدتْ زمنَ الصِّبا
إذا عوقبَ الجانِي علَى قدرِ جرمهِ ... فتعنيفُهُ بعدَ العقابِ منَ الرِّبا
وقال ابن ميادة:
ألا يا لقومِي للهوَى والتَّذكُّرِ ... وعينٍ قذَى إنسانها أُمُّ جحدرِ
فلمْ ترَ عيني مثلَ قلبيَ لمْ يطرْ ... ولا كضلوعِي فوقهُ لمْ تكسَّرِ
وقال الطرماح:
عرفتُ لسلمَى رسمَ دارٍ تخالُها ... ملاعبَ جِنٍّ أوْ كتاباً منمنمَا
وعهدِي بسلمَى والشَّبابُ كأنَّهُ ... عسيبٌ نمَى في ريِّهِ فتقوَّما
стр. 107
يعضُّ سِواراها جلانَا لَوَ أنَّها ... إذا بلغا الكفَّينِ أنْ يتقدَّما
وقال الحسن بن وهب:
الدَّمعُ مِنْ عينيْ أخيكَ غزيرُ ... في ليلهِ ونهارهِ محدورُ
ذكرٌ يجولُ بها الضَّميرُ كأنَّما ... يُذكَى بها تحتَ الفؤادِ سعيرُ
وقال علي بن محمد العلوي:
شآكَ الزَّمانُ بكرِّ الزَّمانِ ... وأفناكَ مِنْ كرِّهِ كلُّ فانِ
إساءةُ دهركَ محفوفةٌ ... بما لمْ يكنْ للصِّبى في ضمانِ
لياليَ لا يشبعُ النَّاظرا ... نِ مَا قابلاكَ ولا يُروَيانِ
لياليَ لمْ يكتسِي العارضا ... نِ شيباً ولمْ يقصصِ الشَّاربانِ
فإنْ يكُ هذا الزَّمانُ انقضى ... وبُدِّلتَ أخبارهُ بالعيانِ
فلا بالقِلى تتناسَى الصِّبى ... ولا بالرِّضا رضيَ العاذلانِ
ونازلةٍ كنتُ مِنْ حدِّها ... علَى غزرٍ مثلَ حدِّ السِّنانِ
ومِنْ نكباتِ خطوبِ الزَّمانِ ... أُلاحظُها بجنانِ الجبانِ
ألا هلْ سبيلٌ إلى نظرةٍ ... بكُوفانَ يحيَى بها النَّاظرانِ
وهلْ أدنوَنْ مِنْ وجوهٍ نأتْ ... وهنَّ منَ النَّفسِ دونَ الدَّواني
أُناسٌ همُ الأُنسُ دونَ الأنيسِ ... وجنَّاتُ عيشكَ دونَ الجنانِ
وله أيضاً:
واهاً لأيَّامِ الشَّبا ... بِ وما لبسنَ منَ الزَّخارفْ
وزوالهنَّ بمَا عرفْ ... تُ منَ المناكرِ والمعارفْ
أيَّامَ ذكركَ في دوا ... وينِ الصِّبى صدرَ الصَّحائفْ
وقفَ النَّعيمُ عنِ الصَّبا ... وزَلَلْتُ عنْ تلكَ الموقفْ
وقال البحتري:
أرسومُ دارٍ أمْ سطورُ كتابِ ... ذهبتْ بشاشتُها معَ الأحقابِ
يجتازُ زائرُها بغيرِ لُبانةٍ ... ويُردُّ سائلُها بغيرِ جوابِ
ولربَّما كانَ الزَّمانُ محبَّباً ... فنبَا بمنْ فيها منَ الأحبابِ
أيَّامَ عُودُ الدَّهرِ أخضرُ والهوَى ... تربٌ لبيضِ ظِبائها الأترابِ
لوْ تُسعفينَ وما سألتُ مشقَّةً ... لعدلتِ حرَّ جوًى ببردِ رُضابِ
ولئنْ شكوتُ ظَمايَ إنَّكِ لَلَّتي ... قِدماً جعلتِ منَ السَّرابِ شرابِي
وعُتبتُ مِنْ حُبِّيكِ حتَّى إنَّني ... أخشَى ملامكِ أنْ أبثَّكِ ما بي
وقال أيضاً:
سقَى اللهُ عهداً مِنْ أُناسٍ تصرَّمتْ ... مودَّتهمْ إلاَّ التَّوهُّمُ والذِّكرُ
وفاءٌ منَ الأيَّامِ رجعُ حُدوجهمْ ... كما أنَّ تشريدَ الزَّمانِ بهمْ غدرُ
هلِ العيشُ إلاَّ أنْ تُساعفنا النَّوى ... بوصلِ سعادٍ أوْ يساعدَنا الدَّهرُ
علَى أنَّها ما عندَها لمُواصلٍ ... وصالٌ ولا عنها لمصطبرٍ صبرُ
إذا ما نهَى النَّاهي فلجَّ بيَ الهوَى ... أصاختْ إلى الواشي فلجَّ بها الهجرُ
ويومَ تثنَّتْ للوداعِ وسلَّمتْ ... بعينينِ موصولٌ بلحظِهما السِّحرُ
توهَّمتُها ألوَى بأجفانها الكرَى ... كرَى النَّومِ أوْ مالتْ بأعظُمها الخمرُ
وقال المرار الفقعسي:
ألا ذكِّراني يا خليليَّ ما مضَى ... منَ العيشِ إذْ لمْ يبقَ إلاَّ تذكُّري
وإذْ لاهتزازِ العيشِ بالرَّكبِ لذَّةٌ ... وإذْ كلُّ شربٍ باردٍ لمْ يُكدَّرِ
وإذْ أنتَ لمْ تشعرْ بعينٍ سخينةٍ ... بكتْ مِنْ فراقٍ لكنِ الآنَ فاشعرِ
وقال أبو صخر الهذلي:
وإنِّي لتعرُوني لذكراكِ رعشةٌ ... كما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ
عجبتُ لسعيِ الدَّهرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انقضَى ما بينَنا سكنَ الدَّهرُ
أمَا والَّذي أبكَى وأضحكَ والَّذي ... أماتَ وأحيَى والَّذي أمرهُ الأمرُ
لقدْ تَرَكتْني أحسدُ الوحشَ أنْ أرَى ... أليفَيْنِ منها ما يروعُهما الذُّعرُ
هجرتكِ حتَّى قلتِ لا أعرفُ القِلَى ... وزرتكِ حتَّى قلتِ ليسَ لهُ صبرُ
فيا هجرَ ليلَى قدْ بلغتَ بيَ المدَى ... وزدتَ علَى ما لمْ يكنْ يبلغُ الهجرُ
وقال السري بن مغيث النوفلي:
ألا هلْ مُقيتي اللهُ في أنْ ذكرتُها ... وهنَّ بأعلَى ذاتِ عرقٍ خواضعُ
سُحيراً وأصحابِي يلبُّونَ بعدَما ... بدَا وجهُ مشهورٍ منَ الصُّبحِ ساطعُ
стр. 108
تمضَوْا هدَاكمْ ربُّ موسى فإنَّني ... مُنيخٌ فباكٍ بكيةً ثمَّ رافعُ
وبينَ الصَّفا والرُّكنِ نادمتُ صُحبتي ... بذكراكِ والعوَّادُ ساعٍ وراكعُ
وفي جوفِ بيتِ اللهِ جمجمتُ زفرةً ... عليها وظلَّتْ تستهلُّ المدامعُ
ومِنْ نفرٍ عندَ التَّنبُّهِ جئتهمْ ... وكلُّهم مِنْ خشيةِ اللهِ خاشعُ
فقلتُ لهم هلْ تعلمونَ منَ الجوَى ... دواءً فقالُوا أنتَ في النَّارِ واقعُ
فقلتُ لهمْ هلْ تعلمونَ بما الَّذي ... أُرجِّي ولا ما اللهُ بالعبدِ صانعُ
أيجعلُني في النَّارِ ربِّي وحبُّها ... علَى كبدِي منهُ شؤونٌ صوادعُ
الباب التاسع والثلاثون
مُسامرةُ الأوهامِ والأماني سببٌ لتمام العجزِ والتَّواني
قال حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال حدثني أبو العالية قال حدثني حباب القشيري قال لمَّا ملك الوليد بن يزيد بعث إلى ابن ميادة وكان معجباً بشِعره فألزمه بابه فاشتاق الشَّيخ لمَّا طال مقامه فقال:
ألا ليتَ شِعرِي هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بحرَّةِ ليلَى حيثُ ربَّتَني أهلِي
بلادٌ بها نِيطتْ عليَّ تمائِمِي ... وقُطِّعنَ عنِّي حيثُ أدركَني عقلِي
فإن كنتُ عنْ تلكَ المواطنِ حَابسِي ... فأيسِرْ عليَّ الرِّزقَ واجمعْ إذاً شملِي
قال فلمَّا سمع شِعره كتب إلى مصدِّق كلبٍ أن يعطيه مئة ناقةٍ دهماءَ جعاداً.
وقال ابن ميادة:
ألا ليتَ شِعرِي هلْ يحلَّنَّ أهلَها ... وأهلكَ روضاتٍ ببطنِ اللِّوى خُضرا
وهلْ تأتينَّ الرِّيحُ تدرجُ موهناً ... بريَّاكِ تعرُوني بها بلداً قفرَا
بريحِ خُزامَى الرَّملِ باتَ معانقاً ... فرُوعُ الأقاحِي تهضبُ الطَّل والقطرَا
ألا ليتَني ألقاكِ يا أُمَّ جحدرٍ ... قريباً فأمَّا الصَّبرُ عنكِ فلا صبرَا
ألا لا تلُظِّي السِّترَ يا أُمَّ جحدرٍ ... كفَى بذُرى الأعلامِ مِنْ دوننا سِترا
وأنشدني أحمد بن يحيى:
قالتْ أُميمةُ ما لجسمكَ شاحباً ... وجدٌ بقلبِي يا أُميمُ برَاني
للهِ صاحبيَ الَّذي نبَّأتهُ ... وشكوتُ حبُّكِ عندهُ فكَواني
ظنَّ المكاوِي مُخرجاتِ حرارةٍ ... بينَ الضُّلوعِ ودونَها هَيَماني
يا للرِّجالِ أمَا رأَى ما شفَّني ... أفلا بذكركِ والمُنى داوانِي
وقال كثيّر:
وددتُ وما تُغني الودادةُ أنَّني ... بما في ضميرِ الحاجبيَّةِ عالمُ
فإنْ كانَ خيراً سرَّني وعلمتهُ ... وإن كانَ شرّاً لمْ تلُمْني اللَّوائمُ
وما ذكرتكِ النَّفسُ إلاَّ تفرَّقتْ ... فريقينِ منها عاذرٌ لي ولائمُ
وقال البحتري:
مُنَى النَّفسِ في أسماءَ لوْ تستطيعُها ... بها وجدُها مِنْ غادةٍ وولوعُها
عجبتُ لها تُبدِي القِلى وأودُّها ... وللنَّفسِ تَعصينِي هوًى وأُطيعُها
وقال آخر:
وددتُ بأنَّ النَّاسَ كلّهمُ أنا ... وأنِّي فداءٌ للَّذي أنا عاشقهْ
وأنِّي إذا صاحبتُ للعرضِ مِنْ غدٍ ... إلى اللهِ جيراناً هناكَ أُوافقهْ
فإمَّا إلى جنَّاتِ عدنٍ نكنْ معاً ... وإمَّا إلى نارٍ ففيها أُرافقهْ
وقال كثيّر:
يودُّ بأنْ يُمسي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعتْ عنهُ بشكوَى تُراسلهْ
ويرتاحُ للمعروفِ في طلبِ العُلى ... لتُحمدُ يوماً عندَ ليلَى شمائلهْ
فلوْ كنتُ في كبلٍ وبحتُ بعَوْلَتي ... إليهِ ألانتْ جمَّةً لي سلاسلهْ
ويدركُ غيري عندَ غيركِ حظَّهُ ... بشِعري ويُعييني بهِ ما أُحاولهْ
فلا هانتِ الأشعارُ بعدِي وبعدكمْ ... مُحبّاً وماتَ الشِّعرُ بعدِي وقائلهْ
وقال آخر:
تمنَّيتُ في عرضِ الأمانِي وربَّما ... تمنَّى الفتَى أُمنيَّةً لنْ ينالَها
لَوَ انِّي وسُعدى جارُ بيتٍ حبائباً ... فتعلمَ حالِي ثمَّ أعلَمَ حالها
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا ليتَني قدْ أجزتُ الحبلَ دونكمُ ... حبلَ المعرَّفِ أوْ جاورتُ ذا عُشرِ
إنَّ الثَّواءَ بأرضٍ لا أراكِ بها ... فاسْتيقنيهِ ثواءٌ حقٌّ ذي كدَرِ
وما مللتُ ولكنْ زادَ حبُّكمُ ... وما ذكرتكِ إلاَّ ظَلتُ كالسَّدرِ
стр. 109
أُذري الدُّموعَ كذِي سقمٍ يُخامرهُ ... وما يخامرُ مِنْ سقمٍ سوَى الذِّكرِ
كمْ قدْ ذكرتكِ لوْ أُجزَى بذكركمُ ... يا أشبهَ النَّاسِ كلِّ النَّاسِ بالقمرِ
إنِّي لأجذَلُ أنْ أمشِي مقابلهُ ... حبّاً لرؤيةِ مَنْ أحببتُ في الصُّورِ
ولبعض أهل هذا العصر:
زُبالةُ لا همَّ اسقِها ثمَّ روِّها ... وقلَّتْ لها أضعافُ ذي الدَّعواتِ
ألا هلْ إلى نجدٍ وماءٍ بقاعِها ... سبيلٌ وأرواحٍ بها عطراتِ
وهلْ لي إلى تلكَ الطُّليحةِ عودةٌ ... علَى مثلِ تلكَ الحالِ قبلَ وفاتِي
فأشربَ مِنْ ماءِ السَّماءِ فأرتوي ... وأرعَى معَ الغزلانِ في الفلواتِ
وأُلصقَ أحشائِي برملِ زُبالةٍ ... وآنسَ بالظِّلمانِ والظَّبياتِ
وقال بعض الأعراب:
يا ليتَ شِعري وليتٌ أصبحتْ حرَجاً ... هلْ أهبطنَّ بلاداً ما بها دورُ
ألا سبيلَ إلى نجدٍ وساكِنها ... أمْ لا بنجدٍ حبيبُ الأهلِ مهجورُ
لقدْ تبدَّلتُ مِنْ نجدٍ وساكنهِ ... أرضاً بها الدِّيكُ يزقُو والسَّنانيرُ
وقال آخر:
ليتَ شِعري وأينَ منِّيَ ليتٌ ... إنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ
أيُّ ساعٍ سعى ليقطعَ حبلِي ... حينَ لاحتْ للصَّالحِ الجوزاءُ
واستكنَّ العصفورُ كُرهاً معَ الضَّ ... بِّ وأوفَى في عودهِ الحرباءُ
وأما أهلُ قريةٍ أنكرُوني ... عرفَتْني الدَّوِّيَّةُ الملساءُ
عرفتْ ليلَها الطَّويل وليلِي ... إنَّ ليلَ المحزونِ فيهِ عناءُ
وقال آخر:
عسَى اللهُ يا ظلاَّمُ أنْ يعقبَ الهوَى ... فتلقَى كما قدْ كنتُ فيكِ لقيتُ
وتنهَيْ فتزدادِي إليَّ صبابةً ... كما ازددتُ في حبِّيكِ حينَ نُهيتُ
ألمْ تعلمِي يا ريقةَ الوصلِ أنَّني ... شربتُ بصابٍ بعدكمْ فرويتُ
وإنِّي لخيرٍ قدْ تداويتُ بعدكمْ ... بهجرٍ لكمْ مِنْ حبِّكمْ فبريتُ
وقال آخر:
ألا ليتَني لا أطلبُ الدَّهرَ حاجةً ... ولا بغيةً إلاَّ عليكِ طريقُها
فيا حبَّذا مِنْ منظرٍ لوْ تنالهُ ... عذابُ الثَّنايا أُمُّ عمرٍو وريقُها
وقال آخر:
إذا كلَّمْتِني وكحلتِ عيني ... بعينكِ فامنَعي ما شئتِ منِّي
إذا ازدحمتْ همومِي في فؤادِي ... طلبتُ لها المخارجَ بالتَّمنِّي
وقال آخر:
ألا ليتَ بعدَ الموتِ أُنشرُ نشرةً ... فأنظرَ ما شمطاءُ صانعةٌ بعدِي
أترعَى وصالَ العهدِ بيني وبينَها ... فذلكَ ظنِّي أمْ تغيَّرُ عنْ عهدِي
وقال العباس بن الأحنف
تمنَّى رجالٌ ما أحبُّوا وإنَّما ... تمنَّيتُ أنْ أشكُو إليها وتسمعَا
أرَى كلَّ معشوقينِ غيرِي وغيرَها ... قدِ استعذَبا طعمَ الهوَى وتمتَّعا
وإنِّي وإيَّاها علَى حدِّ رقبةٍ ... وتفريقِ شملٍ لمْ نبتْ ليلةً معَا
وإنِّي لأنهَى النَّفسَ عنها ولمْ تكنْ ... بشيءٍ منَ الدُّنيا سواها لتقْنَعا
وقال جميل:
ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وإنْ نمتْ ... يجاورُ في الموتَى ضريحِي ضريحُها
فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍ ... إذا قيلَ قدْ سُوِّي عليها صفيحُها
أظلُّ نهارِي مُستهاماً ونلتَقِي ... معَ اللَّيلِ رُوحي في المنامِ وروحُها
وقال أبو بكر عبد الرحمن الزهري:
ولمَّا نزلْنا منزلاً طلَّهُ النَّدى ... أنيقاً وبستاناً منَ النَّورِ حاليا
أجدَّ لنا طيبُ المكانِ وحسنهُ ... مُنًى فتمنَّينا فكنتِ الأمانيا
وقال مزاحم العقيلي:
وددتُ علَى ما كانَ منْ شرفِ الفتَى ... وجهلِ الأمانِي أنَّ ما شئتُ تفعلُ
فترجعَ أيَّامٌ مضينَ بنعمةٍ ... علينا وهلْ يُثنَى منَ العيشِ أوَّلُ
وقال جرير:
أُؤمِّلُ أنْ أُلاقيَ آلَ ليلَى ... كما يرجُو أخُو السَّنةِ الرَّبيعا
فلستُ بنائمٍ إلاَّ بهمٍّ ... ولا مستيقظاً إلاَّ مَروعا
وقال آخر:
فما مسَّ جنبِي الأرضَ إلاَّ ذكرتُها ... وإلاَّ وجدتُ ريحَها في ثيابيا
فيا ربِّ إنْ كانتْ عروضُ هيَ المُنى ... فزنِّي بعينيها كما زِنتَها لِيا
وقال سعد ذلفاء:
стр. 110
فليتَ ابنَ أوسٍ حينَ يأتيهِ أهلُها ... يخاصمهمْ أهلِي قضانِي لها عبْدا
فتربطُني ذلفاءَ في شقِّ بيتِها ... إلى الطَّنبِ الأقصَى فتوسعُني جلدا
فأضحكَ منها إذا تقولُ نساؤُها ... لكِ الويلُ يا ذلفاءُ لا تقتُلي سعدَا
وقال عروة بن حزام:
كأنَّ قطاةً عُلِّقتْ بجناحِها ... علَى كبدِي مِنْ شدَّةِ الخفقانِ
ألا ليتَنا نحيَى جميعاً وليتَنا ... إذا نحنُ مُتنا ضمَّنا كفنانِ
ألا ليتَنا عفراءُ مِنْ غيرِ ريبةٍ ... بعيرانِ نرعَى القفرَ مؤتلفانِ
وإنِّي لأهوَى الحشرَ إذْ قيلَ إنَّني ... وعفراءَ يومَ الحشرِ ملتقيانِ
وقال آخر:
ألا مَنْ لهمٍّ بتُّ وحدِي أُكابدهْ ... ومَنْ يكُ ذا همٍّ يبتْ وهوَ عامدهْ
تذكَّرتُ بطنَ الحِبرِ يا ليتَني بهِ ... إذا اعتمَّ بيتاً متنهُ وأجالدهْ
وقال الأحوص:
إنِّي لآملُ أن تدنُو وإنْ بعُدتْ ... والشَّيءُ يؤملُ أنْ يدنُو وإنْ بعُدا
أبغضتُ كلَّ بلادٍ كنتُ آلفُها ... فما أُلائمُ إلاَّ أرضَها بلدَا
يا للرِّجالِ لمقتولٍ بلا ترَةٍ ... لا يأخذونَ لهُ عقلاً ولا قوَدا
إنْ قرَّبتْ لمْ يُفقْ عنها وإنْ بعُدتْ ... تقطَّعتْ نفسهُ مِنْ حبِّها قدَدا
ما تذكرُ الدَّهرَ لي سُعدى وإنْ نزحتْ ... إلاَّ ترقرقَ ماءُ العينِ فاطَّردا
ولا قرأتُ كتاباً منكِ يبلُغُني ... إلاَّ تنفَّستُ مِنْ وجدٍ بكمْ صعدا
وقدْ بدتْ لي مِنْ سُعدى معاتبةٌ ... أمسَى وأضحَى بها جدِّي وما سعِدا
ولو أُعاتبُ ذا حقدٍ قتلتُ لهُ ... نفساً مُعاتَبَتي إيَّاكِ ما حقدا
وقال النميري:
ألا هلْ إلى نصِّ النَّواعجِ بالضُّحى ... وشمِّ الخُزامى بالعشيِّ سبيلُ
بلادٌ بها أمسَى الهوَى غيرَ أنَّني ... أميلُ معَ المقدارِ حيثُ يميلُ
وقال أبو القمقام الفقعسي:
يقرُّ بعيني أن أرَى رملةَ الغضا ... إذا ما بدتْ يوماً لعينِي قِلالُها
ولستُ وإنْ أحببتُ مَنْ يسكنُ الغضا ... بأوَّلِ راجٍ حاجةً لا ينالُها
وقال أيضاً:
تبدَّلَ هذا السِّدرُ أهلاً وليتَني ... أرَى السِّدرَ بعدِي كيفَ كانتْ بدائلهْ
فعهدِي بهِ عذبَ الجنَى ناعمَ الذُّرَى ... تطيبُ وتندَى بالعشيِّ أصائلهْ
كما لوْ وشَى بالسِّدرِ واشٍ رددْتهُ ... كئيباً ولمْ تملحْ لديَّ شمائلهْ
وقال آخر:
ألا هلْ إلى إلمامةٍ قبلَ موتِنا ... سبيلٌ وهلْ للنَّازحينَ رجوعُ
وهلْ لعيونٍ قدْ بكينَ إلى الفلا ... وأبكينَ حتَّى ما لهنَّ دموعُ
يُحاذرنَ إنْ لا يرتجعنَ إلى الفلا ... وإنْ لا يُراعُ الشَّملُ وهوَ جميعُ
الباب الأربعون
مَنْ قصُرَ نومُهُ طالَ ليلُهُ
أمَّا هؤلاء الذين ترجمنا هذا الباب بذكرهم فهم على كلِّ الأحوال أعذر ممَّن كان قبلهم على أنَّ فراغهم لوصف ما بدا لهم هُجنة بهم ودلالة على ضعف أحوالهم وقال الطائي وما أظنُّ أنَّه احترز به من هذا اللَّوم الَّذي يلحق غيره فألزم نفسه أكثر ما حذره وذلك قوله:
لستُ أدري أطالَ ليلِي أمْ لا ... كيفَ يدرِي بذاكَ مَنْ يتقلاَّ
لوْ تفرَّغتُ في استطالةِ ليلِي ... ولرعيِ النُّجومِ كنتُ مخلاَّ
فهو وإنْ كانت جهالته بحاله دالَّة على قوَّة اشتغاله فإنَّ علمه بالعلَّة الَّتي أوجبت جهله بها ضربٌ من الفلسفة الَّتي لا يصلح أن يعلمها إلاَّ متخلٍّ من هذه الحالة كلِّها ففرَّ من شيءٍ ووقع في أعظم منه ألا ترى أنَّ البهائم تجد ألم ما ينالها وتُظهر التَّأذِّي به وليس يعلم أنَّ الاشتغال بالألم يمنع من وصفه إلاَّ أهل الفلسفة والحكم والتَّكلُّف إذا دخل في شيء نبَّه على موضعه وترجم عن ضمير متحلِّله ولسنا قادرين على ذكر حال تامَّة عن أحد من الشُّعراء في هذا الباب لأنَّ كلّ واصف بوصفه أدلّ الأشياء على ضعفه فأهل التَّمام إذن سكوتٌ عن الوصف مستغرقون في غمراته مشتغلون به عن صفاته ولكنَّا نذكر عن أهل الضَّعف المستطيعين لترتيب الوصف أحسن ما يحضرنا من أقاويلهم وما زادوا فيه على أمثالهم ونظرائهم.
قال النابغة الذبياني:
стр. 111
كِليني لهمٍّ يا أُميمةُ ناصبِ ... وليلٍ أُقاسيهِ بطيءُ الكواكبِ
وصدرٍ أراحَ اللَّيلَ غاربَ همِّهِ ... يُضاعفُ فيه الحزنَ مِنْ كلِّ جانبِ
تقاعسَ حتَّى قلتُ ليسَ بمنقضٍ ... وليسَ الَّذي يرعَى النُّجومَ بآيبِ
وقال عبيد الراعي:
كأنَّ بلادهنَّ سماءُ ليلٍ ... تكشَّفُ عنْ كواكبها الغيومُ
مللتُ بها الثَّواءَ وأرقتْني ... همومٌ ما تنامُ ولا تُنيمُ
أبيتُ بها أُراعي كلّ نجمٍ ... وشرُّ رعايةِ العينِ النُّجومُ
وقال سويد بن أبي كاهل:
وأبيتُ اللَّيلَ ما أرقدهُ ... وبعينيَّ إذا النَّجمُ طلعْ
فإذا ما قلتُ ليلِي قدْ مضَى ... عطفَ الأوَّلُ منهُ فرجعْ
يسحبُ اللَّيلُ نجوماً ظلَّعاً ... فتُواليها بطيئاتُ التَّبعْ
وقال جرير:
أتَى دونَ هذا اليومِ همٌّ فاسهَرَا ... أُراعي نجوماً تالياتٍ وغُوَّرا
أقولُ لها مِنْ أجلهِ ليسَ طولُها ... كطولِ اللَّيالي ليتَ صُبحكِ نوَّرا
وقال أبو تمام:
أفنَى وليلي ليسَ يفنَى آخرهْ ... هاتَا مواردهُ فأينَ مصادرهْ
نامتْ عيونُ الشَّامتينَ تيقُّناً ... أنْ ليسَ يهجعُ والهمومُ تسامرهْ
لا شيءَ ضائرُ عاشقٍ فإذا نأَى ... عنهُ الحبيبُ فكلُّ شيءٍ ضائرهْ
وقال كثيّر:
ولِي منكِ أيَّامٌ إذا تشحطُ النَّوى ... طوالٌ وليلاتٌ تزولُ نجومُها
إذا سمتُ نفسِي هجرَها واجتنابَها ... رأتْ غمراتِ الموتِ فيما أسومُها
وذكروا أنَّ علي بن الجهم لمَّا طُعن في برِّيَّة حلب قال لغلامه في أول اللَّيل أطلعَ النَّجمُ أم لا؟ فقال له غلامه هذا بعد وقت العشاء فأنشأ يقول:
هلْ زِيدَ في اللَّيلِ ليلُ ... أمْ سالَ بالصُّبحِ سيلُ
ذكرتُ أهلَ دُجيلٍ ... وأينَ منِّي دُجيلُ
ثمَّ مات من ليلته.
وقال البحتري:
مغانِي سُليمى بالعقيقِ ودونَها ... أجدَّ الشَّجى إخلاقُها ودثورُها
وألحقَني بالشَّيبِ في عقرِ دارهِ ... مناقلُ في عرضِ الشَّبابِ أسيرُها
مضتْ في سوادِ الرَّأسِ أُولى بطالَتي ... فدعْني يُصاحبْ وخْطَ رأسي أخيرُها
وأطريتَ لي بغدادَ إطراءَ مادحٍ ... وهذي لياليها فكيفَ شهورُها
وقال أيضاً:
أُنبِّيكَ عنْ عيني وطولِ سهادِها ... ووحدةِ نفسِي بالأسَى وانفرادِها
وأنَّ الهمومَ اعتدنَ بعدكِ مضجَعي ... وأنتِ الَّتي وكَّلْتني باعتيادِها
خليليَّ إنِّي ذاكرٌ عهدَ خلَّةٍ ... تولَّتْ ولمْ أذممْ حميدَ ودادِها
فواعجَبا ما كانَ أقصرَ دهرَها ... لديَّ وأدنَى قربَها مِنْ بعادِها
وكنتُ أرَى أنَّ الرَّدى قبلَ بينِها ... وأنَّ افتقادَ العيشِ قبلَ افتقادِها
بنفسيَ مَنْ عاديتُ مِنْ أجلِ فقدهِ ... بلادِي ولولا فقدهُ لمْ أُعادِها
وقال أبو تمام:
رأيتُ في النَّومِ أنَّ الصُّلحَ قدْ فسدَا ... وأنَّ مولايَ بعدَ القربِ قدْ بعُدا
لِمْ لَمْ أمتْ جزعاً لِم لَم أمتْ أسفاً ... لِم لَم أمت حزناً لِم لَم أمتْ كمدَا
قدْ كدتُ أحلفُ لولا أنَّه سرَفٌ ... أنْ لا أذوقَ رُقاداً بعدهُ أبدا
فهذا قد زادنا رتبة على ما عنى لأنه لم يدع النوم شوقاً إلى من يهواه ثمَّ رأى في النَّوم ما قد وصف وهو يزعم أنَّ تركه إيّاه مع ذلك سرف ولو جعل امتناعه من ترك النَّوم شوقاً إلى رؤية الطَّيف فقال قد كدتُ أحلف لولا الطَّيف مجتهداً ألا أذوق رقاداً بعده أبداً كان أعذر على كلّ حال وإن دخل ذلك ضروبٌ من الاختلال منها أنَّه نام أوَّلاً حتَّى رأى ما رأى، ومنها أنَّه لم يتهيَّأ له ترك النَّوم إلاَّ بيمين على نفسه، ومنها أنَّه مع ذلك لم يحلف أيضاً وإنَّما أرجف باليمين.
وقال أيضاً:
لا نِمتَ عيناً ولا لُقِّيتَ عافيةً ... وكانَ حظُّكَ بعدَ اللَّيلةِ الأرَقا
أنمتَ لا نمتَ في خيرٍ ولا دعَةٍ ... حتَّى أتَى أجلُ الميعادِ فانطلَقا
стр. 112
فهذا عافانا الله وإيَّاه ألوَم في هذا النَّوم من كلِّ ما لمناه لأنَّ الإنسان يشغل قلبه بمجيء خادمه من حاجة لا قدر لها في قلبه فيشغله ذلك عن نومه فكيف لمن يعِده من يهواه بزيارة فينام عن موعده.
وقال البحتري:
أُنظرْ إلى ناظرٍ قدْ شفَّهُ السّهدُ ... واعطفْ علَى مهجةٍ أودَى بها الكمدُ
لا ذُقتَ ما ذاقهُ مَنْ أنتَ مالكهُ ... ولا وجدتَ بهِ مثلَ الَّذي يجدُ
أخفَى هواكَ فنمَّتهُ مدامعهُ ... والعينُ تعربُ عمَّا ضمَّتِ الكبدُ
فإنْ جحدتَ الَّذي قاساهُ بينهُما ... فشاهداهُ عليكَ الخدُّ والجسدُ
وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي لنفسه:
أرقتُ وحالفتْ لِينَ الوِسادِ ... ولمْ يسعدْ ولُذَّتْ بالمهادِ
وباتتْ والسُّرورُ لها ضجيعٌ ... يجنَّبها مجانبةُ الرُّقادِ
وبتُّ ومرهفاتُ الشَّوقِ تفرِي ... بها عنقَ الكرَى يدُ السُّهَادِ
فكمْ تروِي بأدمعِنا خدوداً ... لنا جرحَى وأنفسُنا صوادِ
وقال آخر:
تطاولَ أيَّامي ولَلَّيلُ أطولُ ... ولامَ علَى حبِّي أُميمةَ عُذَّلُ
يلومونَ صبّاً أضرعَ الحبُّ جسمهُ ... وما ضرَّهمْ لوْ لمْ يلوموا وأجملوا
وقال آخر:
قدْ كانَ يكفيكَ ما بالحسمِ مِنْ سقمٍ ... لِمْ زِدْتني سهراً لا مسَّكَ السَّهرُ
عينٌ مُؤرَّقةٌ والجسمُ مختبلٌ ... والقلبُ بينهما تخلُو بهِ الفكرُ
يا حارِمِي لذَّةَ الدُّنيا وبهجتَها ... قد كانَ يُقنعني مِنْ وجهكَ النَّظرُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يا مانعاً مُقلتي مِنْ لذَّةِ الوسنِ ... رُوحي تَقيكَ منَ الأسواءِ والحزنِ
واللهِ لا سكنتْ روحي إلى سكنٍ ... إلاَّ إليكَ ولا حنَّتْ إلى وطنِ
ولنْ أقولَ ولوْ أضنَى الهوَى كبدِي ... ردّاً لقولكَ لي قدْ خنتَ لم أخُنِ
هبْني غريباً أُلامُ اليومَ فيكَ ألمْ ... أكنْ حقيقاً بأنْ أُعدَى علَى الزَّمنِ
فلا تدعْ رعيَ ما قد كنتَ تعلمهُ ... منِّي يقيناً وتهجرْني علَى الظِّننِ
فلمْ تزلْ مذْ عرفتُ الحبَّ في كبدِي ... أحبَّ واللهِ مِنْ روحي إلى بدنِي
وتوهم هؤلاء بمنع أحبَّتهم إيَّاهم النَّوم وإن كان مُسقطاً عنهم لائمة النُّوَّام فإنَّه موجب عليهم ضرباً من الملام لأن في الحال يرون سهرهم بالفكر في أحبَّتهم نعمة لا يعرف قدرها فضلاً عن أن يؤدَّى شكرها.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
يا نسيمَ الرَّوضِ في السَّحرِ ... وشبيهَ الشَّمسِ والقمرِ
إنَّ مَنْ أسهرتَ ليلتهُ ... لقريرُ العينِ بالسَّهرِ
على أنَّه غير مأمون على صاحب هذا الشِّعر أن يكون السَّهر الَّذي مدحه هو السَّهر مع إلفه لا السَّهر بالفكرة في أمره ومن أبلغ ما قيل في طول الليل.
قول خالد الكاتب:
رقدتَ فلمْ ترثِ للسَّاهرِ ... وليلُ المحبِّ بلا آخرِ
ولمْ تدرِ بعدَ ذهابِ الرُّقا ... دِ ما صنعَ الدَّمعُ بالنَّاظرِ
ولقد أكثر النَّاس في استطالة الليل وأصحّ ما قيل فيه معنًى.
قول بشار:
لمْ يطلْ ليلِي ولكنْ لمْ أنمْ ... ونفَى عنِّي الكرَى طيفٌ ألمّْ
وإذا قلتُ لها جُودِي لنا ... خرجتْ بالصَّمتِ عنْ لا ونعمْ
وأنشدني أبو الفضل بن أبي طاهر قال أنشدني أبو دعامة علي بن زيد لخليل بن هشام:
يقولونَ طالَ اللَّيلُ واللَّيلُ لمْ يطلْ ... ولكنَّ مَنْ يهوَى منَ الهمِّ يسهرُ
وكمْ ليلةٍ طالتْ عليَّ بهجركمْ ... وأُخرى تليها نلتقِي فهيَ تقصرُ
ولا أعلم أحداً استطالَ الليل ممّن خبَّر بعلّة استطالته ولا ممّن لم يخبّرها شرح السبب المضجر من اللَّيل ما هو غير الطرماح حيث يقول:
ألا أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألا اصبَحِ ... بصبحٍ وما الإصباحُ فيها بأروحِ
علَى أنَّ للعينينِ في الصُّبحِ راحةً ... بطرحِهِما طرفيهِما كلَّ مطرحِ
وهذا قول امرئ القيس:
ألا أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألا انجلِي ... بصبحٍ وما الإصباحُ فيكَ بأمثلِ
стр. 113
إلاَّ أنَّ امرء القيس لم يقل لم صار النَّهار وإن لم يكن أمثل من اللَّيل والقلوب إليه أميل منها إلى اللَّيل كما بيَّنه الطرمّاح ومن سرق معنى فزاد فيه احتمل له جرم سرقته لموضع زيادته ومن أحسن ما قيل في ترك النَّوم قول مسلم بن الوليد:
لمَّا التَقَيْنا افْترعْنا في تعاتُبِنا ... منَ الحديثِ ومِنْ لذَّاتهِ العُذرا
قالتْ أأقررتَ بالإجرامِ قلتُ نعمْ ... إنْ كانَ جرمٌ علَى الإقرارِ مُغتفرا
لمْ تُغمضِ العينُ مذْ عُلِّقتُ حبُّكمُ ... إلاَّ إذا خالستْها عينكِ النَّظرا
ولقد أحسن بشار بن برد حيث يقول:
كأنَّ جفونهُ سُملتْ بشوكٍ ... فليسَ لنومهِ فيها قرارُ
جفتْ عيني عنِ التَّغميضِ حتَّى ... كأنَّ جفونها عنها قِصارُ
أقولُ وليلَتي تزدادُ طولاً ... أما للَّيلِ بعدهمُ نهارُ
وقال آخر:
وعينٍ لنا من ذكرِ صعبةَ واكفٍ ... إذا غاضها كانتْ سريعاً جُمومها
تنامُ قريراتُ العيونِ وبينها ... وبينَ حجابَيْها قذًى لا يريمُها
وقال آخر:
لعلَّ جفوناً فرَّقَ البينُ بينها ... وبينَ الكرى تحظى بطعمِ رُقادِ
ويُحسرُ دمعٌ ما يزالُ كأنَّهُ ... علَى الخدِّ مُنهلاًّ تدافعُ وادِ
كأنَّ السَّواري والغوادي تكلَّفتْ ... لهُ بسواري أدمعٍ وغوادي
وقال آخر:
إذا زُيِّنتْ بالدُّرِّ يوماً فإنَّها ... تُزيِّنهُ والدُّرُّ ليسَ يزينُها
أبيتُ طوالَ الدَّهرِ أبكي لذكرها ... بعينِ محبٍّ ما تلاقى جفونها
وأقطعُ أيَّامي بهمٍّ وفكرةٍ ... أُعلِّلُ نفساً قد براني حنينها
وأحفظها في الغيبِ حتَّى كأنَّني ... حلفتُ لها باللهِ أن لا أخونها
وقال جرير:
ألا حيِّ الدِّيارَ بسُعدَ إنِّي ... أحبُّ لحبِّ فاطمةَ الدِّيارا
أرادَ الظَّاعنونَ ليُحزنوني ... فهاجوا صدعَ قلبيَ فاستطارا
أبيتُ اللَّيلَ أرقبُ كلَّ نجمٍ ... تعرَّضَ حيثُ أنجدَ أو أغارا
يهيمُ فؤادهُ والعينُ تلقَى ... منَ العبراتِ جولاً وانحدارا
وقال أيضاً:
نامَ الخليُّ وما رقدْتُ لحبِّكُمْ ... ليلَ التَّمامِ تأرُّقاً وسهودا
وإذا رجوتُ بأنْ تُقرِّبكِ النَّوى ... كانَ القريبُ لما رجوْتُ بعيدا
وقال الراعي:
كفاني مُقاساةَ الكرى وكفيْتُهُ ... كلاءُ النُّجومِ والنُّعاسُ معانقُهْ
فباتَ يُريهِ عرسهِ و..... ... وبتُّ أُراعي النَّجمَ أينَ مخافقُهْ
وقال امرؤ القيس:
أعنِّي علَى الأشجانِ والذِّكراتِ ... يبتْنَ علَى ذي الهمِّ مُعتكراتِ
ظللْتُ ردائي فوقَ رأسيَ قاعداً ... أعدُّ الحصى ما تنقضي عبراتي
بليلِ التَّمامِ أوْ وُصلْنَ بمثلهِ ... مُقايسةً أيَّامها نكراتِ
وأنشدتني أعرابية بالبادية:
أرقْتُ وطالتْ ليلتي بأبانِ ... لبرقٍ سرى بعدَ الهدوِّ يماني
فيا عمُّ عمَّ السُّوءِ فرَّقْتَ بيننا ... ونحنُ جميعاً شملُنا متداني
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
كتبَتْ علَى فصٍّ لخاتَمها ... منْ ملَّ من أحبابهِ رقدا
فكتبْتُ في فصِّي ليبلغها ... من نامَ لم يشعرْ بمنْ سهدا
قالتْ يعارضني بخاتمهِ ... والله لا كلَّمتهُ أبدا
وقال آخر:
ولي مقلةٌ عهدها بالمنامِ ... بعيدٌ وبالدَّمعِ عهدٌ قريبْ
يحارُ إذا زادَ طرفي المنامُ ... كما حارَ في الحيِّ ضيفٌ غريبْ
الباب الحادي والأربعون
من غلب عزاه كثر بكاه
أمَّا أهل هذا الباب فقد انفردوا بأمرٍ يقوم لهم ببعض العذر على أنَّ ذلك الأمر الَّذي يعذرهم هو بعينهِ يدلُّ على نقيصتهمْ فأما جهته المحمودة فهي وصف الحال بالدَّمع لا يمكن فيها من التَّصنُّع ما يمكن في الصِّفات بالألسن وأما جهته المذمومة وهي أنَّ امتناع الدَّمع من الجريان أوَّل على تظاهر ألم الأشجان لعلَّةٍ سنذكرها في الباب الثاني ولا نألو إن شاء الله أن نذكر من هذا الباب أحسن ما قيل فيه على النقص الَّذي يلحق قائليه ثمَّ نذكر الحال التَّامة في الباب الَّذي يليه.
أنشدني أبو عبادة البحتري لنفسه:
стр. 114
لعمْرُ الرُّسومِ الدَّارساتِ لقد جرتْ ... بريَّا سعادٍ وهي طيِّبةُ العرْفِ
بكيْنا فمنْ دمعٍ يمازجهُ دمٌ ... هناكَ ومن دمعٍ نجودُ به صرفِ
وقال أبو تمام الطائي:
لا عذرَ للصبِّ أن يُفني الحياءَ ولا ... للدَّمعِ بعدَ مضيِّ الحيِّ أنْ يقفا
حتَّى يطلُّ بماءٍ سافحٍ ودمٍ ... في الرَّبعِ يُحسبُ من عينيهِ قدْ رعِفا
وقال آخر:
وبتُّ من الأحزانِ قد أسفرَ الضُّحى ... وفي كبدي من جمرهنَّ حريقُ
مزجْتُ دماً بالدُّمعِ حتَّى كأنَّما ... يُذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
دموعٌ فيضهُنَّ معَ الدِماءِ ... كما ورَّدْتَ حاشيةَ الرِّداءِ
أُريحُ إلى الدُّموعِ الوجدَ منِّي ... إذا ما عزَّني حسنُ العزاءِ
ملامكَ ليسَ من عينيكَ دمعي ... ولا بحشاكَ أسقامي ودائي
وقال آخر:
فما زالَ يشكو الحبَّ حتَّى كأنَّما ... تنفَّسَ من أحشائهِ أوْ تكلَّما
ويبكي فأبكي رحمةً لبُكائهِ ... إذا ما بكى دمعاً بكيتُ له دما
وقال آخر:
وقفنا وثالثُنا عبرةٌ ... فيشكو إليَّ وأشكو إليهْ
وولَّى يخوضُ دموعاً جرَيْ ... نَ من مُقلتيَّ ومن مُقلتيهْ
ويستودعُ الله ما في يديَّ ... وأستودعُ الله ما في يديهْ
وقال آخر:
يقولُ وقد أبكى البُكاءَ بمُقلتي ... نُدوباً ألا داويتَ عينيكَ بالكُحلِ
فقلتُ رأيتُ الكُحلَ يشغلُ قدرهُ ... من العينِ قدراً لم يكنْ عنكَ في شُغلِ
وقال آخر:
محبٌّ بكتْ عيناهُ من حبِّ قاتلٍ ... فيا قاتلاً يبكي عليهِ قتيلُ
خليلٌ جفاني كانَ روحي لروحهِ ... خليلاً وهلْ يجفو الخليلَ خليلُ
وقال آخر:
وما شنَّتا خرقاءُ واهيتا الكُلى ... سقى بهما ساقٍ ولم يتبلَّلا
بأضيعَ من عينيكَ للماءِ كلَّما ... توسَّمْتَ برقاً أوْ توهَّمْتَ منزلا
وقال أبو حية النميري:
لعينيكَ يومَ البينِ أسرعُ واكفاً ... منَ الفنن الممطورِ وهو مروحُ
إذا قلتُ يفنى ماؤها اليومَ أصبحتْ ... غداً وهيَ ريَّا الماقيَيْنِ نضوحُ
وقال جران العود:
أبيتُ كأنَّ العينَ أفنانُ سدرةٍ ... إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ تنطفُ
أُراقبُ لمحاً من سُهيلٍ كأنَّهُ ... إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
وقال ابن هرمة:
استبقِ دمعكَ لا يودي البكاءُ بهِ ... واكففْ بوادرَ من عينيكَ تستبقُ
ليسَ الشُّؤونُ وإن جادتْ بباقيةٍ ... ولا الجفونُ علَى هذا ولا الحدقُ
وقال آخر:
وممَّا شجاني أنَّها يومَ ودَّعتْ ... تولَّتْ وماءُ العينِ في الجفنِ حائرُ
فلمَّا أعادتْ من بعيدٍ بنظرةٍ ... إليَّ التفاتاً أسلمتْهُ المحاجرُ
وقال ابن ميادة:
ألا مَنْ لعَيْنٍ لا ترى صائباً ولا ... ترى واديَ الطَّرفاء إلاَّ استهلَّتِ
بماءٍ لوَ انَّ المُزنَ جادتْ بمثلهِ ... رضينا بما جادتْ بهِ حينَ ولَّتِ
وللعينِ فيضاتٌ إذا ما ذكرتُها ... وللصَّدرِ بلبالٌ إذا العينُ كلَّتِ
وقال الطائي:
لو قيلَ سلْ تُعطَ المنى أنْ لو درى ... مولاهُ في الخُلواتِ كيفَ بُكاؤهُ
مطرٌ منَ العبراتِ خدِّي أرضهُ ... حتَّى الصَّباحِ ومُقلتيَّ سماؤهُ
وقال ابن قوفا:
سيِّدي أنتَ لمْ أقُلْ سيِّدي أنْ ... تَ لمخلوقٍ سواكَ والصَّبُّ عبدُ
كبدٌ رطبةٌ تذوبُ منَ الوجْ ... دِ وخدٌّ فيهِ منَ الدَّمعِ خدُّ
وقال آخر:
نظرتُ كأنِّي من وراءِ زجاجةٍ ... إلى الدَّارِ من ماءِ الصَّبابةِ أنظرُ
فعينايَ طوراً تغرقانِ منَ البُكا ... فأغشى وطوراً تحسرانِ فأُبصرُ
وهذا مأخوذ من قول ذي الرمة:
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ ... لذو عبرةٍ كُلاًّ تفيضُ وتخنقُ
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ مرَّةً ... فيبدو وأحياناً يجمُّ فيغرقُ
وقال ابن هرمة:
كأنَّ عينيَ إذْ ولَّتْ حمولهُمْ ... عنَّا جناحا حمامٍ صادفا مطرا
أوْ لؤلؤٌ سلسٌ في عقدِ جاريةٍ ... خرقاءَ نازعها الوُلدانُ فانتثرا
وقال آخر:
стр. 115
تكادُ أُخرى دموعي من تسرُّعها ... تفيضُ قبلَ الأُلى أنْ ينحدرْنَ معا
وغاضَ عنها كثيراً راجعاً حذراً ... ولنْ ترى قاتلاً كالدَّمعِ إن رجعا
وقال أبو نواس:
يا قمراً أبصرْتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بينَ أترابِ
تبكي فتُذري الدُّرَّ من عينها ... وتلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وقال أيضاً:
تقولُ غداةَ البينِ عندَ وداعها ... ليَ الكبدُ الحرَّى فسرْ ولكَ الصَّبرا
وقدْ سبقتْها عبرةٌ فدموعها ... علَى خدِّها بيضٌ وفي نحرها صفرُ
وقال بعض الأعراب:
عشيُّ وداع قبِّحتْ من عشيَّةٍ ... ولكنَّها لا قُبِّحتْ من مُودَّعِ
كأنَّ انحدارَ الدَّمعِ منها تعدُّهُ ... لها ذاتُ سلكٍ قيلَ عُدِّي وأسرعي
وقال ابن الدمينة:
أفي كلِّ يومٍ أنتَ رامٍ بلادها ... بعينيْنِ إنساناهُما غرقانِ
إذا اغروْرَقَتْ عينايَ قال صحابتي ... لقدْ أُولعَتْ عيناكَ بالهملانِ
ألا فاحملاني باركَ اللهُ فيكُما ... إلى حاضرِ الرَّوحاءِ ثمَّ ذراني
وقال الركاض الزبيري:
فيا مَنْ لعينٍ قد أضرَّ بها البُكا ... فهلْ حاولتْ من طولِ ما سجمَتْ تعمى
وقلبٍ كئيبٍ لا يزالُ كأنَّما ... يُقلَّبُ في أعراضهِ ميسمٌ مُحْمى
وقال البحتري:
دنتْ فدنا هجرانُها فإذا نأتْ ... غدا وصلُها المطلوبُ أنأى وأسحقا
وما ربَّما بلْ كلَّما عنَّ ذكرُها ... بكيْتَ فأبكيتَ الحمامَ المُطوَّقا
وقال آخر:
عرِّجْ بذي سلمٍ ففيهِ المنزلُ ... ليقولَ صبٌّ ما أرادَ ويفعلُ
سارتْ مقدَّمةُ الدُّموعِ وخلَّفتْ ... حُرقاً توقَّدُ في الحشا ما ترحلُ
إنَّ الفراقَ كما علمْتَ فخلِّني ... ومدامعاً تسعُ الفراقَ وتفضلُ
إلاَّ يكنْ صبرٌ جميلٌ فالهوى ... نشوانُ يجملُ فيه ما لا يجملُ
ولبعض أهل هذا العصر:
ولمَّا وقفنا للوداعِ وبيننا ... أحاديثُ يُعْيي الحاسبينَ عديدُها
تبادرَ دمعي فانصرفْتُ تهضُّني ... إلى عبرتي بُقيا عليكَ أذودُها
فما أشبهتْ عينايَ إلاَّ سحابةً ... دنا صرْبُها واستعجلتها رعودُها
فما زالَ زجرُ الرَّعدِ يحدو سحابها ... فتبدو وأرواحُ الشَّمالِ تُحيدُها
فما أقلعَتْ حتَّى بكتْ فتضاحكَتْ ... رياضُ الرُّبى فاخضرَّ بالعشبِ عودها
وهلْ تتلافى ذاتُ عقدٍ جُمانَها ... إذا انسلَّ من سلكِ النِّظامِ فريدُها
فقال رفيقي ما للونِكَ حائلاً ... وعينيكَ ما يعدو جفونكَ جودُها
فأغضيْتُ عن ردِّ الجوابِ تبلُّداً ... وخيرُ قلوبِ العاشقينَ بليدُها
وقال البحتري:
لعَمرُ المغاني يومَ صحراءِ أرثدِ ... لقد هيَّجتْ وجداً علَى ذيَ توجُّدِ
منازلُ أمستْ للرِّياحِ منازلاً ... تردَّدُ منها بينَ نؤْيٍ ورِمْددِ
شجتْ صاحبي أطلالُها فتهلَّلتْ ... مدامعهُ فيها وما قلتُ أسعدِ
وقلَّتْ لدارِ المالكيَّةِ عبرةٌ ... منَ الشَّوقِ لم تُملكْ بصبرٍ فتُرْددِ
سقتها الغوادي حيثُ حلَّتْ ديارُها ... علَى أنَّها لم تشفِ ذا الغُلَّةِ الصَّدِّي
تزيدينَ هجراً كلَّما ازددْتُ صبوةً ... طلاباً لأنْ أُردى فها أنذا رَدِ
وقال الحسين بن الضحاك:
هَبوني أغضُّ إذا ما بدتْ ... وأملكُ طرفي فلا أنظرُ
فكيفَ انتصاري إذا ما الدُّموعُ ... نطقْنَ فبُحْنَ بما أُضمرُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الباكونَ من ألمِ الهوَى ... أظنُّكمُ أُدركْتُمُ بذنوبِ
تعالَوْا نُدافعْ جُهدنا عنْ قلوبنا ... فنوشكَ أن نبقى بغيرِ قلوبِ
وقال البحتري:
أعرضْتِ حتَّى خلْتُ أنِّي ظالمٌ ... وعتبتِ حتَّى قلتُ إنِّي مُذنبُ
سأعدُّ ما ألقى فإنْ كذَّبتني ... فسلي الدُّموعَ فإنَّها لا تكذبُ
وقال آخر:
قالوا تصنَّعَ بالبُكاءِ فقلتُ هلْ ... يبكي الشَّجيُّ لغيرِ ما في قلبهِ
ولقدْ ألِفتُ الدَّمعَ حتَّى ربَّما ... جرتِ الجفونُ بهِ ولم أعلمْ بهِ
وقال آخر:
وغائبِ الرُّوحِ شاهدِ البدنِ ... يبكي بعينٍ قليلةِ الوسنِ
стр. 116
يبكي عليها بها مخافةَ أنْ ... تقْرِنهُ والظَّلامَ في قرَنِ
وقال البحتري:
هلْ أنتَ من حبِّ ليلَى آخذٌ بيدي ... أوْ ناصرٌ لي علَى التَّعذيبِ والسَّهدِ
وهلْ دموعٌ أفاضَ الحزنُ ريِّقَها ... تُدني منَ البعدِ أوْ تشفي منَ الكمدِ
قد باتَ مُستعبراً من كانَ مُصطبراً ... وعادَ ذا جزعٍ من كانَ ذا جلدِ
إنْ أسخطَ الهجرُ لا أرجِعْ إلى بدلٍ ... منهُ وإنْ أطلُبِ السُّلوانَ لا أجدِ
وقال الأعشى:
وفاضتْ دموعي فظلَّ الشُّؤونُ ... إمَّا وكيفاً وإمَّا انحدارا
كما أسلمَ السِّلكُ منْ نظمهِ ... لآلئَ مُنحدراتٍ صغارا
وقال آخر:
ولوْ أنَّ دمعي لم يفضْ لتقطَّعتْ ... نباتُ فؤادي حينَ تُذكرُ من وجدي
وقدْ صرمتْني إذْ تيقَّنَ قلبُها ... بأنْ لستُ عنها بالصَّبورِ ولا الجلدِ
فيا ليتني واللهِ متُّ ولمْ أكنْ ... فتحتُ لها بالدَّمعِ باباً منَ الصَّدِّ
وقال آخر:
أعيْنَيَّ ما لي كلَّما بتُّ ليلةً ... بأرضٍ فضاءٍ كانِ دمعي قراكُما
أعينيَّ لامَ اللهُ من لامَ فيكُما ... مُحبّاً وآذى من يريدُ أذاكُما
أعينيَّ صبراً أعقباني حلاوةً ... فقدْ خفتُ من طولِ البكاءِ عماكُما
ألا قد أرى واللهِ أنْ قد قذيتُما ... بمن لا يبالي أن يطولَ قذاكُما
أجدَّكُما لا تذكرا زمناً مضى ... بصنعاءَ لا بلْ جنِّباني نداكُما
وأنشدتني مريم الأسدية:
أعينيَّ من كحلِ الطَّبيبِ تداويا ... فلا كحلَ بعدَ اليومِ يشفي قذاكُما
أعينيَّ كفَّا الدَّمعَ لا تُشمتا بنا ... عدوّاً ولا يُحزنْ صديقاً بكاكُما
الباب الثاني والأربعون
نحول الجسد من دلائل الكمد
أمَّا الدَّلالة على صحَّة هذا القول من جهة الطِّبِّ فهي إنَّ الحرارة المتولِّدة من الحزن تنحاز إلى القلب من سائر أعضاء البدن ثمَّ تتصاعد إلى الدِّماغ فتتولَّد بخاراتٍ رديَّةً فإن طاقتها الطَّبيعة بالقوَّة الغريزيَّة أذابت تلك البخارات الرَّديَّة فأجرتها دموعاً وربَّما أضرَّ كثرة جريانها بالمجاري فأدماها فجرى الدَّم مجرى الدَّمع وهكذا تذيب تلك القوى البخارات المتولِّدة في الدِّماغ في كمون الحرارة لما يعرض للرَّأس من حرٍّ وبردٍ فتجريه من الأنف زكاماً فتذهب غائلته ولو لم تذبه وتجره من الأنف صار كيموساً غليظاً ومادَّة منصبةً إلى بعض الأعضاء الرَّئيسية فحينئذٍ تتلف أوْ تولِّد علَّةً غليظةً فكذلك الدُّموع إن لم تطق تذويبها القوى الطَّبيعيَّة واشتغلت عنها بمدافعة ما هو أخوف على النَّفس منها صارت تلك البخارات كيموساً غليظاً فولَّد أمراً عظيماً وإمَّا أن يستقرَّ في الدماغ فيفسد ما جمع فيبطل الذّكر ويفسد الفكر ويهيج التَّخييلات المستحيلات وذلك هو الجنون بعينه وربَّما فسدت منه كرَّةً أو كرَّتين فيفسد بفسادها ما كان مستقيماً بصلاحها وشرح ذلك يطول وليس من جنس ما ابتدأناه فيجب علينا أن نشرح منه ما أجملناه وربَّما انحدر ذلك الكيموس عن الدماغ إلى القلب فهتك بعض الحجب أوْ جميعها وكان منه حينئذٍ التَّلف لا محالة والله أعلم وربَّما انحدر إلى الكبد فمنع شهوة الطَّعام والشَّراب فحينئذٍ يكون نحول الجسم وضعف القوَّة ولقد أصاب كلَّ الإصابة على الإصابة حيث يقول:
عجائبُ الحبِّ لا تفنى وأوَّلها ... ممَّنْ تحبُّ بتكذيبٍ وإنكارِ
ماءُ المدامعِ نارُ الشَّوقِ تُحدرهُ ... فهلْ سمعتَ بماءٍ فاضَ من نارِ
لأنَّ هذا هو الَّذي قدَّمنا ذكره من أنَّ الحرارات هي المولِّدة لتلك البخارات الَّتي يحدث الدَّمع منها بإذابة الحرارة الغريزية لها وقد ذكرت الشعراء جملاً من أن فيض الدمع أروح من كمونه ولم يدلُّوا على سبب ذلك ولا أحسبهم وقفوا عليه ومن أقربهم وصفاً له الَّذي يقول:
كتمتُ الهوَى حتَّى بدا كتَمانهُ ... وفاضَ فنمَّتْهُ عليَّ المدامعُ
ولو لمْ يفضْ دمعي لعادَ إلى الحشا ... فقطَّعَ ما تُحنى عليهِ الأضالعُ
وقال بعض الأعراب:
يقولونَ لا تُنزفْ دموعكَ بالبُكا ... فقلتُ وهلْ للعاشقينَ دموعُ
لئنْ كانَ أبقى لي التَّشوُّقُ قطرةً ... لهنَّ إذنْ من عاشقٍ لمُضيعُ
стр. 117
أظنُّ دموعَ العينِ تذهبُ باطناً ... إلى القلبِ حتَّى انصاعَ وهو صديعُ
وقال عمرو بن متبعة الرقاشي:
تضيقُ جفونُ العينِ عنْ عبراتها ... فتفسحُها بعدَ التَّجلُّدِ والصَّبرِ
وغُصَّةِ صدرٍ أظهرتْها فرفَّهتْ ... حرارةَ حزنٍ في الجوانحِ والصَّدرِ
وقال آخر:
سأبكي وما لي عبرةٌ من معوَّلٍ ... لديكِ وما لي غيرُ حبِّكِ من جُرمِ
لعلَّ انسكابَ الدَّمعِ يُعقبُ راحةً ... من الوجدِ أوْ يشفي الفؤادَ منَ السُّقمِ
وظنِّيَ أنْ لا يذهبَ الحزنُ بالبكا ... عليكِ وأن أزدادَ كلْماً علَى كلْمِ
وقال ذو الرمة:
فوالله ما أدري أجوْلانُ عبرةٍ ... تجودُ بها العينانِ أحرى أمِ الصَّبرُ
وفي هملانِ العينِ من غُصَّةِ الهوَى ... رواحٌ وفي الصَّبرِ الجلادةُ والأجْرُ
وقال الفرزدق:
ألمْ ترَ أنِّي يومَ حرِّ سُويقةٍ ... بكيتُ فنادتني هُنيدةُ ماليا
خليلٌ دعا والرَّملُ بيني وبينهُ ... فأسمعني سقياً لذلكَ داعيا
وكانَ جوابي أنْ بكيْتُ صبابةً ... وفدَّيْتُ من لوْ يستطيعُ فدانيا
وقلتُ لها إنَّ البكاءَ لَراحةٌ ... به يشتفي من ظنَّ أن لا تلاقيا
وقال ذو الرمة:
أمِنْ حذرِ الهجرانِ قلبكَ يجمحُ ... كأنَّ فلوّاً بينَ حِضْنيكَ يرمحُ
أمنزلتَيْ ميٍّ سلامٌ عليكما ... علَى النَّأيِ والنَّائي يودُّ وينصحُ
وإنْ كنتُما قد هجتُما راجعَ الهوَى ... لذي الشَّوقِ حتَّى ظلَّتِ العينُ تفسحُ
أجلْ عبرةٌ كادتْ لفُرقانِ منزلٍ ... لميَّةَ لو لمْ تُسهلِ العينُ تذبحُ
وقال أيضاً:
خليليَّ عوجا من صدورِ الرَّواحلِ ... بجُمهورِ حزْوى فأبكيا في المنازلِ
لعلَّ انحدارَ الدَّمعِ يُعقبُ راحةً ... من الوجدِ أو يشفي نجيَّ البلابلِ
دعاني وما داعي الهوَى من بلادها ... إذا ما نأتْ خرقاءُ عنِّي بغافلِ
وما يومُ خرقاءَ الَّذي فيهِ نلتقي ... بنحسٍ علَى عيني ولا متطاولِ
وإنِّي لأُنحي الطَّرفَ من نحوِ غيرها ... حياءً ولو طاوعتهُ لم يُعادلِ
إذا قلتُ ودِّعْ وصلَ خرقاءَ واجتنبْ ... زيارتها تخلق حبالُ الوسائلِ
أبتْ ذكرٌ عوَّدْنَ أحشاءَ قلبهِ ... خفوقاً وقضَّاتُ الهوَى في المفاصلِ
ولقد أحسن سابق اليزيدي في قوله:
وقد رابني من فعلِ عينيَ أنَّها ... إذا ذُكرتْ سُعدى اعتراني جُمودُها
وفي الدَّمعِ لو جادتْ به العينُ شاهدٌ ... عليها فلمْ يشهدْ لنفسي شهودُها
ولبعض أهل هذا العصر:
يا من إذا صدَّ لم أُظهرْ له جزَعا ... لا تحسبنِّي علَى الهجرانِ ذا جلَدِ
ما يمنعُ الدَّمعَ أن تجري غواربهُ ... إلاَّ شماتةُ من قدْ كانَ ذا حسدِ
فيضُ الدُّموعِ وإنْ تمَّتْ بوادرُها ... أشفى لمنْ عالجَ البلوى منَ الكمدِ
وقال آخر:
نزفتُ دمعي وأزمعْتُ الرَّحيلَ غداً ... فكيفَ أبكي ودمعُ العينِ منزوفُ
واسَوْأتي من عيونِ العاشقينَ غداً ... إذا رحلتُ ودمعُ العينِ مكفوفُ
هذا البائس يعتذر من ذهاب دموعه ولو عرف علَّة ذهابها لكان محتاجاً إلى الاعتذار لو دامت من دوامها.
وأحسن من هذا قول قيس بن ذريح:
تُشوِّقني ذكرى إذا ما ذكرتُها ... وكمْ عرضُ أرضٍ دونها وسماءُ
ومن عبراتٍ تعتريني أكفُّها ... ومن زفراتٍ ما لهنَّ فناءُ
ومن قولها إنَّ القُوى قد تقطَّعتْ ... وهلْ لقُوًى لا تستجدُّ بقاءُ
ومن أنَّها باتتْ ولم تدرِ ما الَّذي ... لها عندنا من خلَّةٍ وصفاءُ
ومن أريحيَّاتِ الصِّبى عندَ ذكرها ... ولمَّاتِ شوقٍ ما بهنَّ خفاءُ
فلا حبَّ حتَّى يلصقَ العظمُ بالحشا ... ولا وجدَ حتَّى لا يكونَ بكاءُ
وقد لطف أبو تمام في هذا المعنى حيث يقول:
وإذا فقدْتَ أخاً ولم تفقدْ لهُ ... دمعاً ولا صبراً فلستَ بفاقدِ
أفلا ترى إلى إزرائه على الدَّمع وتقصيره بأهله وإخباره أنَّ من قويت حاله انقطع دمعه ونحل جسمه.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
قدْكَ فلا دمعٌ ولا صبرُ ... ربعُ الهوَى من أهلهِ قفْرُ
стр. 118
عمرُ الفتَى في كلِّ لذَّاتهِ ... فإنْ نأتْ عنهُ فلا عمرُ
وقال محمد العلوي:
أبقى الهوَى منهُ جسماً كالهواءِ ضنًى ... لقدْ تنسَّمَ منهُ وهوَ مفؤودُ
أنستُ بالذِّكرِ منها والسُّهادِ لهُ ... أعجبْ بهِ من مسيءٍ وهو مورودُ
وقال قيس بن الملوح:
فأنتِ الَّتي إنْ شئتِ أشقيتِ عيشتي ... وإنْ شئتِ بعدَ اللهِ أنعمتِ باليا
وأنتِ الَّتي ما من صديقٍ ولا عدًى ... رأى نضْوَ ما أبقيت إلاَّ رثى ليا
وقال البحتري:
ألا هلْ أتاها بالمغيبِ سلامي ... وهل خبرَتْ وجدي بها وغرامي
وهلْ علمتْ أنِّي ضنيتُ وأنَّها ... شفائيَ من داءِ الضَّنى وسقامي
فداؤُكِ ما أبقيتِ منِّي فإنَّهُ ... حُشاشةُ جسمٍ في نحولِ عظامي
وقال ماني:
ها أنا ذا يُسقطني للبِلى ... عن فرشتي أنفاسُ عوَّادي
لو يحسدُ السِّلكُ علَى دقَّةٍ ... حقّاً لأمسى بعضَ حسَّادي
وقال أيضاً:
ومُدنفٍ زادَ في النُّحولِ منِ ال ... وجدِ إلى مثلِ دقَّةِ الألِفِ
يشاركُ الطَّيرَ في النَّحيبِ ولا ... يشركهُ في النُّحولِ والقصفِ
وقال أيضاً:
أما ترَيْني ناحلَ الجسمِ ... أصيرُ من همٍّ إلى همِّ
أُنقلُ من ثوبٍ إلى دونهِ ... حتَّى كأنِّي بدنُ الكُمِّ
ولقد أحسن الَّذي يقول:
غابوا فأضحى بدني بعدهُمْ ... لا تبصرُ العينُ لهُ فيَّا
بادى وجه إتلافهِمْ ... إذا رأوْني بعدهُمْ حيَّا
واخَجلتا منهمْ ومن قولهمْ ... ما ضرَّكَ الفقدُ لنا شيَّا
وقال آخر:
شِعْرُ ميتٍ أتاكَ عن لفظِ حيٍّ ... صارَ بينَ الحياةِ والموتِ وقْفا
قد برتْهُ حوادثُ الدَّهرِ حتَّى ... كادَ عن أعينِ الحوادثِ يخفى
وقال عمر بن أبي ربيعة:
إرحمي مُغرماً بحبِّكِ لاقى ... من جوى الحبِّ والصَّبابةِ جهدا
قد براهُ وشفَّهُ الحبُّ حتَّى ... صارَ ممَّا بهِ عظاماً وجِلدا
وأنشدني بعض الأدباء:
لم يبقَ إلاَّ نفسٌ خافتُ ... ومقلةٌ إنسانُها باهتُ
ومغرمٌ توقدُ أحشاؤهُ ... بالنَّارِ إلاَّ أنَّهُ ساكتُ
لم يبقَ في أعضالهِ مفصلٌ ... إلاَّ وفيهِ سقمٌ ثابتُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يُعيِّرني الواشي بأنْ لستُ مُدْنفاً ... كما هو من فرطِ الصَّبابةِ مدنفُ
فيا كاشحاً قد جاءَ في زيِّ ناصحٍ ... تشاغلْ بغيري لستُ ممَّنْ يُعرَّفُ
ولا تلحَني فيمنْ أحبُّ فإنَّني ... أضنُّ به ممَّا تظنُّ وأشغفُ
سلوهُ فإنِّي لا أكلِّمُ واشياً ... أيدْري بمنْ يلحي وفيمنْ يُعنِّفُ
وقال مجنون بني عامر:
يا دارَ ليلَى بسقْطِ الحيِّ قد دُرستْ ... إلاَّ الثُّمامُ وإلاَّ موقدُ النَّارِ
أبلى عظامكَ بعدَ اللَّحمِ ذكرهُما ... كما تتبَّعَ قِدحَ الشَّوحطِ الباري
فبين صاحب هذا الكلام وصاحب الكلام الَّذي قبله بوْنٌ بعيدٌ وتفاوتٌ شديدٌ ويزعم أنَّ تزايد الحال توجب له نفي الهزال وهذا لم يرض لنفسه بنحول اللَّحم حتَّى أضاف إليه نحول العظم.
ولبعض أهل هذا العصر:
أهيمُ بذكرِ الكرخِ منِّي صبابةً ... وما بيَ إلاَّ حبُّ من حلَّ بالكرخِ
تجرَّعْتُ كأساً من صدودِ محمَّدٍ ... فقدْ أوهنَتْ عظمي وجازتْ علَى المُخِّ
فلستُ أُبالي بالرَّدى بعد فقدهِ ... وهل يجزعُ المذبوحُ من ألمِ السَّلخِ
وقال آخر:
قالتْ ظلومُ سميَّةُ الظُّلمِ ... إنِّي رأيتُكَ ناحلَ الجسمِ
يا من رمى قلبي فأقصدهُ ... أنتَ الخبيرُ بموضعِ السَّهمِ
وقال أبو العتاهية:
أخِلاَّيَ بي شجوٌ وليسَ بكمْ شجوُ ... وكلُّ امرئٍ ممَّا بصاحبهِ خِلْوُ
رأيتُ الهوَى جمرَ الغضا غيرَ أنَّهُ ... علَى كلِّ حالٍ عندَ صاحبهِ حلوُ
وقال جرير:
أتنسى يومَ حوْمَلَ والدَّخولِ ... وموقفنا علَى الطَّللِ المحيلِ
وقالتْ قد نحلْتَ وشبْتَ بعدي ... بحقِّ الشَّيبِ بعدكِ والنُّحولِ
وقال آخر:
تقولُ وقد كتبتُ دقيقَ خطِّي ... إليها لم تجنَّبْتَ الجليلا
стр. 119
فقلتُ لها نحلْتُ وصارَ خطِّي ... مُساعدةً لصاحبهِ نحيلا
وقال آخر:
إنَّا منَ الحيِّ أقبلنا نؤُمُّكمُ ... أنضاءَ شوقٍ علَى أنضاءِ أسفارِ
والصَّبُّ لا بدَّ أن يُبدي صبابتهُ ... إذا تبدَّلَ غيرَ الدَّارِ بالدَّارِ
وهذا مأخوذ من قول امرئ القيس:
أكلَ الوجيفُ لحومهُمْ ولحومَها ... فأتوْكَ أنضاءً علَى أنضاءِ
وقال الأحوص:
نفى نَوْمي وأسهرني غليلُ ... وهمٌّ هاجَهُ حزنٌ طويلُ
وقالوا قد نحلْتَ وكنتَ جلْداً ... وأيسرُ ما مُنيتُ به النُّحولُ
فإنْ يكنِ العويلُ يردُّ شيئاً ... فقدْ أعولتُ إن نفعَ العويلُ
وكانتْ لا يُلائمُها مبيتٌ ... عليها إنْ عتبتُ ولا مقيلُ
وكنَّا في الصَّفاءِ كماءِ مزنٍ ... تُشابُ بهِ مُعتَّقةٌ شمولُ
وأُعجلُ عن سؤالِ الرَّكبِ صحبي ... وأكرهُ أن يقالَ لهمْ أقيلوا
فقدْ أصبحتُ بعدكِ لا أُبالي ... أسارَ الرَّكبُ أمْ طالَ النُّزولُ
فمنْ يكُ بالقُفولِ قريرَ عينٍ ... فما أمسيتُ يعجبُني القُفولُ
كأنَّكَ لم تُلاقِ الدَّهرَ يوماً ... خليلاً حينَ يُفردكَ الخليلُ
فصبراً للحوادثِ كلُّ حيٍّ ... سبيلُ الهالكينَ لهُ سبيلُ
الباب الثالث والأربعون
طريق الصَّبر بعيدٌ وكتمان الحبِّ شديدٌ
كان يقال سرُّك أسيرك فإذا تكلَّمت به صرت أسيره وأمَّا إفشاء من يحبُّ سرَّه إلى محبوبه فقد تقدَّم القول فيه بما في بعضه بلاغٌ وأمَّا اطِّلاع سائر النَّاس على وجد المحبّ بالمحبوب فهو خطأ من وجوهٍ أوَّلها تعرُّض المحبوب لما لا يحبّ من القالات والتَّشنيعات ثمَّ تعرُّض المحبّ نفسه للسِّعاية والارتقاب له وإنَّما يوصى بهذه الوصيّة من أمر سرّه إليه فأمّا من قد أخرجت الحال زمام السّرّ من يديه فلا ذنب له ولا لوم عليه وأمّا أسرار المحبوب عند المحبّ مثل مواعيده له وزيارته إيَّاه ومساعدته له على ما يهواه وما يجري بينهما من المعاتبات بل من سرائر المخاصمات فإنَّ غالبات الوجد لا توجب إفشائه بل توجب صونه وإخفائه ولن يشيع مثل ما وصفنا إلاَّ ضعيفٌ في الحال جدّاً فكتمان هذا أبين وجوباً من أن نزيد القول فيه توكيداً وإفشاء المحبَّة وحدها إلى غير المحبوب فواجبٌ على من أطاق كتمها ألاَّ يظهرها ومن عجز فخارجٌ عن باب المنع والوجوب ومن ضاق صدره عن سرِّه فلم يلم غيره على نشره وإن كان في الحقيقة ملوماً لأنَّ للمرء أن يتطوَّع بإظهار سرِّه وعلى المستودع أن لا يظهر سرَّ مستودعه.
ولبعض الأدباء في ذلك:
إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سرِّ نفسهِ ... فصدرُ الَّذي يُستودعُ السِّرَّ أضيقُ
ورُبَّ فتًى يجفو كرائمَ مالهِ ... ويرعى سوامَ الأبعدينَ فيُشفقُ
وقال يزيد بن الطثرية:
ومُستخبرٍ عنها ليعلمَ ما الَّذي ... لها في فؤادي غيرَ أنِّي أُحاذرُهْ
وردْتُ به عمياءَ منها ولمْ أكُنْ ... إذا ما وشى واشٍ بليلى أُناظرُهْ
وقال آخر:
كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتَّى كأنَّهُ ... إذا استخبروهُ عنْ حديثكِ جاهلُهْ
رعى سرَّكُمْ في مُضمرِ القلبِ والحشا ... حفيظٌ عليكمْ لا تخافُ غوائلُهْ
وأكتمُ نفسي بعضَ سرِّي تكرُّماً ... إذا ما أضاعَ السِّرَّ في السِّرِّ جاهلُهْ
ومُستسقطي بالجدِّ والهزلِ قد نبتْ ... علَى كلِّ حالٍ عن صفاتي معاولُهْ
تسقَّطني عنكُمْ فأخلفْتُ ظنَّهُ ... وذو اللُّبِّ قد يُعيي الرِّجالَ تُحاولُهْ
فما رامَ حتَّى عادَ شكّاً يقينهُ ... وأخلفهُ منِّي الَّذي كانَ ياملُهْ
وقال آخر:
قد جرَّرَ النَّاسُ أذيالَ الظُّنونِ بنا ... وفرَّقَ النَّاسُ فينا ظنَّهمْ فرَقا
فجاهلٌ ينتحي بالظَّنِّ غيركمُ ... وصادقٌ ليسَ يدري أنَّهُ صدقا
وقال بعض الأعراب:
وإنِّي لأستحييكِ أن أُطلقَ الهوَى ... وأن لا تُعدَّى خلسةَ اللَّحظاتِ
سأطوي الهوَى تحتَ الحشا طيَّ نازحٍ ... قضى وطراً إن لم تبُحْ عبراتي
وأصبرُ للهجرانِ حتَّى يملَّني ... وأدفعَ عنكِ السَّوءَ بالشُّبهاتِ
وقال آخر:
стр. 120
وما وجدُ مِلْواحٍ منَ الهيمِ خُلِّيتْ ... عن الماءِ حتَّى جوْفُها مُتصلصلُ
تحومُ وتغشاها العصيُّ وحولها ... أقاطيعُ أنعامٍ تعلُّ وتنهلُ
بأكثرَ منِّي غلَّةً وتعطُّفاً ... إلى الوردِ إلاَّ أنَّني أتجمَّلُ
وقال ابن الدمينة:
وكنَّا كريمَيْ معشرِ حُمَّ بيننا ... تصافٍ فصُنَّاهُ بحسنِ صوانِ
سيبقى فلا يفنى ويخفى فلا يُرى ... وما علموا من أمرنا ببيانِ
وقال ذو الرمة:
فما زلتُ أطوي النَّفسَ حتَّى كأنَّها ... بذي الرِّمثِ لم تخطرْ علَى قلبِ ذاكرِ
حياءً وإشفاقاً منَ الرَّكبِ أن يروا ... دليلاً علَى مستودعاتِ السَّرائرِ
ولعَمري إنَّ هذه الحال لجميلةٌ بين أهل الصَّفاء غير أنَّها من الأعداء أحسن منها من الأولياء إذْ ليس عجيباً أن يكتم الوليُّ سرَّ وليِّه كما يعجب من كتمان العدوِّ سرَّ عدوِّه.
وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
وإنِّي وإن شاعتْ لديكَ سرائري ... فإنَّ الَّذي استودعتني غيرُ شائعِ
أبى اللهُ لي إلاَّ الوفاءَ لكلِّ منْ ... رعى ليَ عهدي أوْ أضاعَ ودائعي
فكُنْ آمناً من أنْ أُذيعَ بسرِّكمْ ... فما سرُّ أعدائي لديَّ بذائعِ
وما أنا ممدوحاً بحفظِ وديعةٍ ... أقلُّ حقوقِ النَّاسِ حفظُ الودائعِ
وقال آخر:
لعَمركَ ما استودَعْتُ سرِّي وسرَّها ... سوانا حِذاراً أن تضيعَ السَّرائرُ
ولا خاطبتْها مُقلتايَ بلحظةٍ ... فتعرفَ نجوانا العيونُ النَّواظرُ
ولكنْ جعلتُ الوهمَ بيني وبينها ... رسولاً فأدْني ما تجنُّ الضَّمائرُ
أصونُ الهوَى بُقيا عليهِ منَ العد ... ى مخافةَ أن يُغرى بذكراهُ ذاكرُ
وقال آخر:
تواقفَ معشوقانِ من غيرِ موعدٍ ... وغُيِّبَ عن نجواهُما كلُّ كاشحِ
وكلَّتْ جفونُ العينِ عن حملِ مائها ... فما ملكتْ فيضَ الدُّموعِ السَّوافحِ
وإنِّي لأطوي السِّرَّ عن كلِّ صاحبٍ ... وإن كانَ للأسرارِ عدْلَ الجوانحِ
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى لعمر بن أبي ربيعة:
جرى ناصحٌ بالوُدِّ بيني وبينها ... فقرَّبني يومَ الحِصابِ إلى قتلي
فلمَّا تواقفنا عرفْتُ الَّذي بها ... كمثلِ الَّذي بي حذوكَ النَّعلَ بالنَّعلِ
فسلَّمتُ فاستأنستُ خيفةَ أن يرى ... عدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعلي
فقالتْ وألقتْ جانبَ السِّترِ إنَّما ... معي فتكلَّمْ غيرَ ذي رقبةٍ أهلي
فقلتُ لها ما بي لكمْ من ضراعةٍ ... ولكنَّ سرِّي ليسَ يحملهُ مثلي
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
ألا حبَّذا حبِّي وأرضٌ يحلُّها ... وثوبٌ عليها في الثِّيابِ رقيقُ
وفي القلبِ من حبِّي الَّذي ما درى بهِ ... عدوٌّ ولم يظهرْ عليهِ صديقُ
وقال آخر:
خشيتُ لساني أن يكونَ خؤونا ... فأودعْتُهُ قلبي فكانَ أمينا
وقلتُ ليخفى دونَ عيني وناظري ... أيا حركاتي كنَّ فيهِ سكونا
فما إنْ رأتْ عيني لعينيَ قطرةً ... ولا سمعتْ أُذني لفِيَّ أنينا
لقد أحسنتْ أحشايَ تربيةَ الهوَى ... فها هو ذا كهلاً وكان جنينا
ولم أرَ قلباً خالياً أُودعَ الهوَى ... فدانَ لهُ حتَّى اصطفاهُ قرينا
وقال ابن ميادة:
وإنِّي لِما استودعْتُ يا أمَّ مالكٍ ... علَى قدمٍ من عهدهِ لكَتومُ
وإنِّي علَى الشَّوقِ الَّذي أنا داخلٌ ... إذا باحَ أصحابُ الهوَى لضمومُ
وقال آخر:
وحبٍّ كأطباقِ البحارِ كتمتهُ ... معَ القلبِ لم يعلمْ بهِ منْ أُلاطفُ
وإنِّي أكُمُّ السِّرَّ حتَّى أردَّهُ ... سليمَ الصَّفا لم تمتهنْهُ الزَّعانفُ
وأُخفي منَ الوجدِ الَّذي ما لوَ انَّهُ ... يشيعُ لحرَّ الموطناتِ الألايفُ
стр. 121
وإنَّ البيت الثالث من هذه الأبيات ليس من الكلام الَّذي لا يقع مثله في النَّدرات ولئن كان صادقاً فيما قال إنَّه من صون إلفه لعلى حالٍ توجب له غلبة الوفاء بعهده والرِّعاية لودِّه إنَّ امرءاً يثق من وجده بأنَّ الإشاعة لذكره تدعو المستوطن الآلف إلى مفارقة الوطنين وطن روحه ووطن جسمه ثمَّ يترك ذلك ويتجشَّم مضاضة الكتمان في قلبه على الإشارة بذكر إلفه بما عساه غير مؤدٍّ إلى ضرره لشديد الإبقاء على إلفه ولمتمكِّن القدر على نفسه لأنَّ من ملكه الشّوق ملكاً صحيحاً عجز لأن لا يكون سرّه تصريحاً على أنَّ صاحبنا قد عرّض تعريضاً مليحاً بذكره لموضع إقامة قلبه إذْ هو بلا شكٍّ موضع إلفه وإنِّي لأستطرف قول نبهان العبشمي:
أما واللهِ ثمَّ اللهِ حقّاً ... يميناً ثمَّ أُتبعُها يمينا
لقدْ نزلتْ أُمامة من فؤادي ... تِلاعاً ما أُبحنَ ولا رُعينا
أظلُّ وما أبثُّ النَّاسَ أمري ... ولا يخفى الَّذي بيَ فاعلمينا
أذودُ النَّفسَ عن ليلَى وإنِّي ... ليعصيني شواجرُ قد صدينا
يرينُ مشارباً ويُذدنَ عنها ... ويُكثرنَ الصُّدودَ وما روينا
فهو أعزَّه الله لم يرض بتسميةٍ واحدةٍ حتَّى سمَّى اثنتين سمَّى الَّتي هو مقبلٌ عليها والَّتي هو يجب الانصراف عنها ثمَّ لا يسكت مع ما جناه حتَّى يمتنَّ بأنه يكاتم هواه ليت شعري ما الَّذي بقي عليه أن يخبر به بعد وصفه لمحلِّ من يهواه من قلبه وإخباره في الشِّعر باسمه ولولا أنَّ هذا بابٌ لا يحتمل لمن ذكرت حاله فيه ما يحتمل لمن ذكر في الباب الَّذي يليه لصفحنا عن هذا وأضعافه.
ولعمري لقد أحسن الَّذي يقول:
رماني بها قلبي فلمْ يُخطِ مقتلي ... ولم يكُ من يرمي تصاب مقاتلُهْ
فإنْ متُّ فابكوني قتيلاً بطرفها ... قتيلَ عدوٍّ حاضرٍ ما يزايلُهْ
شكى وكنى عمَّنْ أحبَّ ولم يبُحْ ... بأكثرَ من هذا الَّذي هو قائلُهْ
وإنَّ أحقَّ النَّاسِ أنْ يكثُرَ البكا ... عليهِ قتيلٌ ليسَ يُعرفُ قاتلُهْ
وأحسن مسلم بن الوليد في قوله:
عندي وعندكَ علمُ ما عندي ... من ضُرِّ ما أُخفي وما أُبدي
لا أشتكي ما بي إليكَ ولوْ ... نطقتْ بهِ العبراتُ في خدِّي
وجدي عليكَ أراهُ يُقنعُني ... من وصفِ ما ألقى منَ الوجدِ
فإذا اصطبرتُ علَى السكوتِ فلمْ ... أنطقْ فممَّا بي منَ الوجدِ
وأحسن الَّذي يقول:
وإنِّي لأُغضي الطَّرفَ عنكِ تجمُّلاً ... وقلبي إلى أشياءَ عطشانُ جائعُ
فلا يسمعنْ سرِّي وسرَّكِ ثالثٌ ... ألا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنينِ شائعُ
وأحسن سوار بن المضرّب حيث يقول:
إنِّي سأسترُ ما ذو العقلِ ساترهُ ... من حاجةٍ وأُميتُ السرَّ كِتمانا
وحاجةٍ دونَ أخرى قد بدأتُ بها ... جعلتُها للَّتي أخفيْتُ عُنوانا
إنِّي كأنِّي أرى مَنْ لا حياءَ لهُ ... ولا أمانةَ وسطَ النَّاسِ عُريانا
وقال كثير:
وقد زعمَتْ أنِّي تغيَّرتُ بعدها ... ومن ذا الَّذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ
تغيَّرَ جسمي والخليقةُ كالذي ... عهدْتِ ولم يخبرْ بسرِّكِ مُخبرُ
وقال ذو الرحل لقمان بن توبة القشيري:
خليليَّ سيرا فاسألا أمَّ عاصمٍ ... لنا عن بقيَّاتِ العهودِ القدائم
ألمْ تعلمي يا عمرَكِ اللهُ أنَّني ... بذكركِ هدَّاءٌ علَى النَّأيِ هائم
وإنِّي علَى الهجرانِ يا أمَّ عاصمٍ ... أدومُ علَى عهدِ الخليلِ المكارم
إذا السِّرُّ عندي من خليلٍ تضمَّنتْ ... به النَّفسُ لم يعلمْ به الدَّهرَ عالم
ترى بينَ أحناء الفؤادِ وضمِّهِ ... إلى القلبِ أحناءَ الضُّلوعِ الكواتم
وقال الحسين بن الضحاك:
أيا منْ سروري به شقوةٌ ... ومن صفوُ عيشي بهِ أكدرُ
تجنَّيْتَ تطلبُ لمَّا مللْتَ ... عليَّ الذُّنوبَ ولا تقدرُ
وماذا يضرُّكَ من شهرتي ... إذا كانَ سرُّكَ لا يُشهرُ
أمنِّي تخافُ انتشارَ الحديثِ ... وحظِّيَ في سترهِ أوفرُ
ولو لم يكنْ فيَّ بُقيا عليكَ ... نظرتُ لروحي كما تنظرُ
وقال بشار بن برد:
كتمْتُ عواذلي ما في فؤادي ... وقلتُ لهمْ لِيُتَّهمَ البعيدُ
стр. 122
ففاضَتْ عبرةٌ أشفقْتُ منها ... تسيلُ كأنَّ وابلها الفريدُ
فقالتْ قدْ بكيتَ فقلتُ كلاَّ ... وهلْ يبكي منَ الشَّوقِ الجليدُ
ولكنِّي أصابَ سوادَ عيني ... عُويدُ قذًى له طرَفٌ حديدُ
فقالوا ما لدمعتها سواءٌ ... أكلْتَيْ مُقلتيكَ أصابَ عودُ
فقبلَ دموعِ عينكَ خبَّرتْنا ... بما جمجمتَ زفرتُكَ الصَّعودُ
وقال آخر:
شيَّعتهمْ فاسترابوني فقلتُ لهمْ ... إنِّي بُعثتُ معَ الأجمالِ أحدوها
قالوا فما نفسٌ يعلو كذا صعَداً ... أمْ ما لعينكَ ما ترقا مآقيها
قلتُ التَّنفُّسُ للآدابِ نحوكمُ ... وماءُ عينيَ جارٍ من قذًى فيها
وأنشدتني ستيرة العصيبية:
ونادى بالتَّرحُّلِ بعضُ صحبي ... فرحتُ ومُقلتي غرقى بماها
فراحوا والشَّقيُّ له ديونٌ ... وأشيا من حوائجَ ما قضاها
فأرخيْتُ العمامةَ دونَ صحبي ... علَى عيني وقلتُ جرى قذاها
وما لي حاجةٌ إلاَّ ببكرٍ ... وما ذنبي علَى أحدٍ سواها
فقالوا من ضِراري كيفَ بكرُ ... وكيفَ تراكَ ترجو أن تراها
فقلتُ اللهُ حمَّ فراقَ بكرٍ ... فأرجو أنْ يحمَّ لنا لِقاها
ولبعض أهل هذا العصر:
وكمْ ليلةٍ قد بتُّ أرقبُ صبحها ... وأنجمها في الجوِّ ما تتزحزحُ
ويُمنايَ فوقَ القلبِ تُبردُ حرَّةٌ ... ويُسرايَ تحتَ الخدِّ والعينُ تسفحُ
فأصبحتُ مجهوداً عميداً منَ الهوَى ... وقد كادَ قلبي بالصَّبابةِ يطفحُ
وما علمَ الواشونَ فضلاً عنِ العِدى ... بسرٍّ وما مثلي بسرِّكَ بُفصحُ
فإنْ كانَ هذا القولُ عذراً قبلتهُ ... وإن كانَ تعذيراً فمثلكَ يصفحُ
الباب الرابع والأربعون
مَنْ غُلب صبرهُ ظهرَ سرُّهُ
ذكروا أنَّ سكينة بنت الحسين ركبت في جواريها فمرَّت بعروة بن أُذينة الليثي وهو يغنِّي فقالت لجواريها: من الشَّيخ؟ قالوا: عروة فعدلت نحوه ثمَّ قالت: يا أبا التَّمام أنت تزعم أنَّك لم تعشق قطّ وأنت تقول:
قالتْ وأبثثْتُها وجدِي فبحتُ بهِ ... قدْ كنتَ عندِي تحتَ السِّترِ فاستترِ
ألستَ تبصرُ مَنْ حولِي فقلتُ لها ... غطَّى هواكِ وما ألقَى علَى بصرِي
كلُّ مَن ترى حولي مِن جواريَّ أحرارٌ إن كان خرج هذا الكلام من قلبٍ سليمٍ قطُّ.
وقال آخر:
وإنْ أُخفِي حبَّ الحاجبيِّ فطالَما ... وإنْ أُبدهِ يوماً فقدْ غُلبَ الصَّبرُ
أقولُ وعينِي تستهلُّ بمائِها ... أمَا ليَ في هذا وأمثالهِ أجرُ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
وعيَّرَها الواشونَ أنِّي أُحبُّها ... وتلكَ شكاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها
فإنْ أعتذرْ منها فإنِّي مكذَّبٌ ... وإنْ تعتذرْ يُرددْ عليها اعتذارُها
وقال الضحاك بن عقيل:
يقولونَ مجنونٌ بسمراءَ مولعٌ ... ألا حبَّذا جنٌّ بها وولوعُ
وما زلتُ أُخفِي حبَّ سمراءَ منهمُ ... وتعلمُ نفسِي أنَّه سيشيعُ
ولا خيرَ في حبٍّ يكونُ كأنَّهُ ... شغافٌ أجنَّتهُ حشاً وضلوعُ
وقال الحسين بن وهب:
قدْ كتمتُ الهوَى بمبلغِ جُهدي ... فبدَا منهُ غيرُ ما كنتُ أُبدي
فخلعتُ العذارَ فليعلمِ النَّاسُ ... بأنِّي إيَّاكِ أُصفِي بودِّي
وأنشدني أحمد بن يحيى:
ولي كبدٌ مقروحةٌ مَنْ يبيعُني ... بها كبداً ليستْ بذاتِ قروحِ
أباها عليَّ النَّاسُ لا يشترُونَها ... ومَنْ يشترِي ذا علَّةٍ بصحيحِ
وقال معاذ ليلَى:
وما زلتُ أعلُو حبَّ ليلَى فلمْ يزلْ ... بيَ النَّقضُ والإبرامُ حتَّى علانِيا
وأشهدُ عندَ اللهِ أنِّي أُحبُّها ... فهذا لها عندِي فما عندَها لِيا
قضَى اللهُ بالمعروفِ منها لغيرِنا ... وبالشَّوقِ منها والتَّصابِي قضَى لِيا
فلوْ كنتُ أعمَى أخبطُ الأرضَ بالعصَا ... أصمَّ فنادتْني أحببتُ المُناديا
خليليَّ إلاَّ تبكِيا ليَ أستعنْ ... خليلاً إذا أنفدتُ دمعِي بكَى لِيا
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لامرأة من خثعم:
وإنْ تسألُونيَ مَنْ أُحبُّ فإنَّني ... أُحبُّ وبيتَ اللهِ كعبَ بنَ طارقِ
стр. 123
أُحبُّ الفتَى الجعدَ السَّلوليَّ والعصا ... منَ النَّبعِ هيَّاها لضربِ المفارقِ
وقال أبو العتاهية:
قالَ لي أحمدٌ ولمْ يدرِ ما بِي ... أتحبُّ الغداةَ عُتبةَ حقَّا
فتنفَّستُ ثمَّ قلتُ نعمْ حُ ... بّاً جرَى في العظامِ عرقاً فعِرقا
وقال آخر:
وقالَ نساءٌ لسنَ لي بنواصحٍ ... ليعلمنَ ما أُخفي ويعلمنَ ما أُبدِي
أأحببتَ ليلَى جهدَ حبِّكَ كلِّهِ ... لعمرُ أبي ليلَى وزدتُ علَى الجهدِ
علَى ذاكَ ما يمحُو ليَ الذَّنبُ عندَها ... وتمحُو دواعِي حبِّها ذنبَها عندِي
ولبعض أهل هذا العصر:
أرَى كلَّ مرتابٍ يخافُ خيالهُ ... كأنَّ عيونَ العالمينَ تراقبهْ
يكادُ لفرطِ الخوفِ يُبدِي ضميرهُ ... لكلِّ امرئٍ تُخشَى عليهِ عواقبهْ
عليَّ بوادٍ مَنْ يخافُ اغتيابُهُ ... تُبتُّ لديها في الأنامِ مناقبهْ
فإيَّاكُما يا صاحبيَّ ومشهداً ... تُنسِّيكما ما سرَّ منهُ عواقبهْ
وإيَّاكُما والذَّنبَ ترتكِبانهِ ... وإنْ كانَ في الأحيانِ يعذرُ راكبهْ
فما كلُّ معذورٍ حقيقاً بعذرهِ ... ولا كلُّ معذولٍ تعيبُ معايبهْ
وقال الحطيئة:
أكلُّ النَّاسِ يكتمُ حبَّ هندٍ ... وما يخفى بذلكَ مِنْ خفيِّ
وما لكَ غيرَ نظَّارٍ إليها ... كما نظرَ الفقيرُ إلى الغنيِّ
وقال الأحوص:
لقد سلا كلُّ صبٍّ أوْ قضَى وطراً ... وما سلوتُ وما قضَّيتُ أوطارِي
أضمرتُ ذاكَ زماناً ثمَّ بحتُ بهِ ... فزادَني سقماً بَوحي وإضماري
أخفيتُ في العرفِ هذا النُّكرَ ذلكمُ ... فصرَّحَ الوجدُ عنْ عُرفِي وإنكارِي
وهذا لعمري من حسن الكلام ونفيسه ألا ترى إلى إخباره عن اجتهاده في كتم ما في قلبه حتَّى صرَّح الوجد به من غير قصد له ولا اختيار منه وهذه هي الحال التامة من جهتين إحداهما أن يكون المحبُّ مؤثراً الإسرار على الإعلان والأخرى أن يكون الوجد تملَّكه ملكاً يزول معه الكتمان فيكون ضابطاً لنفسه مؤثراً لكتمان سرِّ ما دام التَّمييز معه إلى أن يغلبه من الوجد ما لا يستطيع أن يدفعه.
ولقد أحسن البحتري غاية الإحسان حيث يقول:
نصرتُ لها الشَّوقَ اللَّجوجَ بأدمعٍ ... تلاحقنَ في أعقابِ وصلٍ تصرَّما
وتيَّمنِي أنَّ الجوَى غيرُ مُقصرٍ ... وأنَّ الحمَى وصفٌ لمنْ حلَّ بالحمَى
أُؤلِّفُ نفساً قدْ أُعيدتْ علَى الهوَى ... شعاعاً وقلباً في الغواني مقسَّما
لقدْ أخذَ الرُّكبانُ أمسِ وغادرُوا ... حديثَينِ منَّا ظاهراً ومكتَّما
وما كانَ بادِي الحبِّ منَّا ومنكمُ ... ليخفَى ولا سرُّ التَّلاقي ليُعلما
أفلا ترى إلى حسن قسمته لما خفي وما ظهر من سرِّه فأعلمك أنَّ ما به من غلبات الوجد أخرجها الشَّوق عن يده فظهرت لمن بحضرته وأنَّ ما استودعه من السَّرائر الَّتي كانت بينه وبين إلفه لم يكن ليطَّلع عليها غيره وهذا هو الَّذي أطريناه ومدحنا من فعله في الباب الماضي من وجوب ظهور الحال وحدها واستخفاء ما بعدها والعلَّة في ذلك أنَّ مكتوم الحبّ يظهره الدَّمع ومكنون ما جرى من المحبِّين لا يظهره غير النُّطق والنَّاس قادرون على حبس ألسنتهم وعاجزون عن حبس دمعهم سيَّما إذا ملكهم اشتياق أو جدَّ بهم فراقٌ.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
يا حسرَتا قدْ فُقدَ العمرُ ... وليسَ لي عنْ مالِكِي صبرُ
وكمْ أُدارِي النَّاسَ عنْ قصَّتي ... وليسَ لي عنْ مالِكِي سرُّ
يا ربِّ قدْ عذَّبتني بالهوَى ... طفلاً وكهلاً فلكَ الشُّكرُ
وقال جرير:
وما زالَ عنِّي قائدُ الشَّوقِ والهوَى ... وذكركِ حتَّى كادَ يبدُو ويُفصحُ
أصونُ الهوَى مِنْ خشيةٍ أنْ تعرَّها ... عيونٌ وأعداءٌ منَ القومِ كشَّحِ
فما برحَ الوجدُ الَّذي قدْ تلبَّستْ ... بهِ النَّفسُ حتَّى كادَ لي الشَّوقُ يذبحُ
وقال العرجي:
إذا رمتُ كتماناً لوجدكِ حرَّشتْ ... عليكِ العدَى عينٌ بسرِّكِ تنطقُ
لها شاهدٌ مِنْ دمعِها كلَّما وفَى ... جرَى شاهدٌ مِنْ دمعِها يترقرقُ
وقال يزيد بن الطثرية:
стр. 124
جرَى واكفُ العينينِ بالدِّيمةِ السَّكبِ ... وراجعَني مِنْ ذكرِ ما قدْ مضَى حبِّي
وأبدَى الهوَى ما كنتُ أُخفي منَ العدَى ... وجنَّ لتذكارِ الصِّبى مرَّةً قلبِي
متى يُرسلِ المُشفِي إنِ النَّاسُ محَّلوا ... عيوناً لأكنافِ المدينةِ فالهضبِ
أمتْ كمداً أوْ أضنَ حتَّى يُغيثني ... مغيثٌ بسيبٍ مِنْ نداهنَّ أوْ قربِ
حنَا الحائمُ الصَّادي إليها وخُلِّيتْ ... قلوبٌ فما يقدرونَ منها علَى شربِ
جعلنَ الهوَى داءً علينا وما لنا ... إليهنَّ إذا أورَدْننا الدَّاءَ مِنْ ذنبِ
وقال آخر:
ولمَّا رأَى ألاَّ سبيلَ وأنَّه ... هوَ البينُ مقصوراً عليهِ الأضالعُ
تهتَّكَ عنْ أسرارِ قلبٍ وأسجمتْ ... مدامعُ عينٍ بينَها السِّرُّ ضائعُ
وقال العباس بن الأحنف:
أمسَى بكاكَ علَى هواكَ دليلا ... فازجرْ دموعكَ عنْ أن تفيض همولا
دار الجليس عن الدموع فإن بدتْ ... فانظر إلى أفقِ السماء طويلا
وقال آخر:
بين الجوانح منك قلبٌ خافقُ ... ولسان دمعك عن ضميركَ ناطقُ
إجهرْ بحبِّكَ طالَما أسررْتَهُ ... وإذا استترَ الحبُّ ماتَ العاشقُ
وقال آخر:
لولا تحدُّرُ دمعي حينَ تذكرُ لي ... لمْ يعلمِ النَّاسُ مِنْ سرِّي بمكتومِ
فما احتِيالي بعينٍ غيرِ راقيةٍ ... تبكِي بدمعينِ مذروفٍ ومسجومِ
نمَّتْ عليَّ فأبدتْ ما استترتُ بهِ ... وقدْ يكونُ سَتيراً غيرَ مذمومِ
وقال أبو حفص الشطرنجي:
وقالتْ بحتَ بالأسرارِ عنِّي ... وما هذا بفعلِ أخي الكريمةْ
فقلتُ لها فدتكِ النَّفسُ نمَّتْ ... بما لاقيتُ مُقلتيَ المشومةْ
فألقتْ نفسَها ضحكاً وقالتْ ... قدِ ارتفعَ الحديثُ عنِ النَّميمةْ
ولقد أحسن ابن قنبر حيث يقول:
خُذيني بما يجنِي لِسانِي واصفَحِي ... لنا عنْ جناياتِ الدُّموعِ البواردِ
فقدْ شهرتْني مرَّةً بعدَ مرَّةٍ ... فأبدتْ برغمي خافياتِ سرائرِي
ولوْ أنَّ عَيني طاوعتْني لاختَفَى ... عليَّ الهوَى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ
ولكنَّها تُبدِي إذا ما ذكرتكمْ ... بفيضِ مآقيها خَبايا الضمائرِ
وقال أحمد بن أبي قين:
ولمَّا أبتْ عينايَ أنْ تستُرا الهوَى ... وأنْ تقِفا فيضُ الدُّموعِ السَّواكبِ
تثاءبتُ كَيْلا ينكرَ الدَّمعُ منكرٌ ... ولكنْ قليلٌ ما بقاءُ التَّثاؤبِ
أعرَّضْتُماني للنَّدِي ونمتُما ... عليَّ لبئسَ الصَّاحبانِ لصاحبِ
وقال النابغة:
طوَى كشحاً خليلكَ والجناحَا ... لبينٍ منكَ يومَ غدَا وراحَا
فيا لكِ حاجةً في صدرِ صبٍّ ... رأَى الأظعانَ باكرةً فباحَا
وقال البحتري:
يا أخا الأزدِ ما حفظتَ الإخاءَ ... لمحبٍّ وما ذكرتَ الوفاءَ
عذلاً يتركُ الحنينَ أنيناً ... في هوًى يتركُ الدُّموعَ دماءَ
كيفَ أغدُو منَ الصَّبابةِ خلْواً ... بعدَما راحتِ الدِّيارُ خلاءَ
حجبوها حتَّى بدتْ لفراقٍ ... كانَ داءً لعاشقٍ ودواءَ
أضحكَ البينُ يومَ ذاكَ وأبكَى ... كلَّ ذِي صبوةٍ وسرَّ وساءَ
فجعلنا الوداعَ فيهِ سلاماً ... وجعلنا الفراقَ فيهِ لقاءَ
ووشتْ بي إلى الوشاةِ دموعُ ال ... عينِ حتَّى حسبتُها أعداءَ
قد كثَّر النَّاس في شكاية الدَّمع وخبَّروا بأنَّه من أشدّ الأشياء دلالة على السُّرور بما امتنع بضروب من الصَّنائع إمَّا لفرط جفاف في الدِّماغ يحتمل ما ورد عليه من البخارات فلا ينحدر عنه حتَّى يكثر كثرةً غالبةً وربَّما امتنع لشدَّة الكمد حسب ما ذكرناه بديَّا وللهوى دلالات تتبيَّن في الزَّفرات واللَّون والنَّظر والإرشادات لا تكاد تفتقد وجدها ومفتقدها أيضاً يراها وإن لم يعرف لها شبيهاً عند تلاقي المتحابَّين.
أنشدنا أحمد بن أبي طاهر:
تكلَّمُ عمَّا في الصُّدورِ عيونُنا ... وتفقهُ عنَّا أعينٌ وحواجبُ
فمنْ قالَ إنَّ الحبَّ يخفَى لذِي الهوَى ... إذا ما رأَى أحبابهُ فهوَ كاذبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
стр. 125
لا خيرَ في عاشقٍ يُخفي صبابتهُ ... بالقولِ والشَّوقِ مِنْ زفراتهِ بادِي
يُخفي هواهُ وما يخفَى علَى أحدٍ ... حتَّى علَى العيسِ والرُّكبانِ والحادِي
وقال مسلم بن الوليد:
أمَّا الجميعُ فزايلوكَ لنيَّةٍ ... فمتَى تراهمْ راجعينَ قفُولا
تاللهِ ما علمَ السُّرورُ ولا الكرَى ... أنَّ الفراقَ منَ اللِّقاءِ أُدِيلا
فإذا زجرتُ القلبَ عادَ وجيبُهُ ... وإذا حبستُ الدَّمعَ فاضَ هُمولا
وإذا رجعتُ إلى الهوَى بعثَ الهوَى ... نفَساً يكونُ علَى الضَّميرِ دليلا
ولبعض أهل هذا العصر:
هُبونِي أخفيتُ الَّذي بي منَ الهوَى ... ألمْ يكُ عنْ ما بي ضميرٌ مُترجِما
وما زلتُ أستحيي منَ النَّاسِ أن أُرَى ... ظلوماً لإلفِي أوْ أُرَى متظلِّما
وباللهِ ما حلتُ الغداةَ عنِ الَّذي ... عهدتَ ولكنْ كنتُ إذْ ذاكَ مُنعما
وقدْ ذابَ قلبِي اليومَ شوقاً وصبوةً ... إليكَ وما ترْثِي لقلبِي منهُما
فلا تتعجَّبْ إنْ تظلَّمتُ مُحوَجاً ... فقدْ حانَ للمظلومِ أنْ يتظلَّما
وقال آخر:
لو كنتُ أُظهرُ ما أُكاتمكمْ بهِ ... هلْ كنتُ إلاَّ مُخبراً بودادِي
أفليسَ في نظَري تأمُّلُ بائنٍ ... يُنبيكَ عمَّا في ضميرِ فؤادِي
فهذه الجهات كلّها تنمُّ الهوَى على أهله وتدلُّ مشاهدتها على موضعه وربَّما كان إفراط التَّحفُّظ دالاً على هوى التَّحفُّظ لأنَّ التَّصنُّع الشَّديد يخرج عند العادة فيوقع التّهمة بمن استعمله لقد سمعت فتًى من أهل الأدب يقول لآخر من أهل الهوى وقد أفرط في احتشامه وحاذر أن يطَّلع على شيءٍ من حاله قد والله بلغ منِّي ما أراه بك على أنَّه ما يظهر لي من حالك إلاَّ كتمانك لأمرك.
ولبعض أهل هذا العصر في نحو ذلك:
أريتَنِي النَّجمَ يجري بالنَّهارِ فلا ... فرقاً أرَى بينَ إصباحِي وإمسائِي
أخفيتُ حبَّكَ حتَّى قدْ ضُنيتُ بهِ ... فصارَ يُظهرُ ما أُخفيهِ إخفائِي
الباب الخامس والأربعون
مَنْ لم يقعْ لهُ الهوَى باكتسابٍ لم ينزجرْ بالعتابِ
العلَّة في ذلك أنَّ المعاتبة إنَّما هي توقيف على مواضع المصلحة وتبين لما في الحال الَّتي بقي عليها المعاتب من المنقصة فمن كان أصل هواه اختياراً لنفسه فتبيَّن موضع النَّقص في اختياره رجع إلى قول عذَّاله ومن وقع هواه مضطراً بغلبة إلى الانقياد لإلفه لم يعلق العذل بسمعه لأنَّ العذل يأتيه من غير جهته والشَّيءُ لا يوجب زواله إلاَّ ضدُّ ما أوجب ثباته فكما أنَّ الهوَى الاختياريَّ يضادُّه التَّوقيف على مواضع الحال فيوجب على صاحبه أن يختار إزالته فكذلك الهوَى الاضطراريُّ لا يزايله إلاَّ اضطرارٌ يضادُّه والهوَى الاختياريُّ أيضاً على ضعفه لا تمحوه ضروريَّته ولا تعارض في تركه لأنَّها تجيء من غير جهته وهو لا يزول إلاَّ بزوال الجهة الَّتي أوجبته إذْ محالٌ أن يكون شيءٌ علَّةً لشيءٍ فيزول المعلول والعلَّة قائمةٌ.
ولقد أحسن عمر بن ضبيعة الرقاشي حيث يقول:
قضَى اللهُ حبَّ المالكيَّةِ فاصطبرْ ... عليهِ فقدْ تجرِي الأُمورُ علَى قدرِ
ألا فليقلْ مَنْ شاءَ ما شاءَ إنَّما ... يُلامُ الفتَى فيما استطاعَ منَ الأمرِ
وللبحتري في نحو ذلك:
للحبِّ عهدٌ في فؤادِي لمْ يخنْ ... منه السُّلوُّ وذمَّةٌ لمْ تخفرِ
لا أبتغِي بدلاً بسُلمَى خُلَّةً ... فلتقتربْ بالوصلِ أوْ فلتهجرِ
وقال يحيى بن منصور:
يلومكَ فيها اللائمونَ كأنَّني ... لأمرِ الوشاةِ مستقيدٌ مسلِّمُ
وإنِّي أرَى العينَ الَّتي لا تُنيمُها ... إذا جعلتْ عينُ الوشاةِ تُنوِّمُ
فها أنا متروكٌ وبثِّي فإنَّهُ ... شتيتٌ بهِ أهواؤهُ متقسِّمُ
ولقد أحسن أبو تمام حيث يقول:
ألمْ ترَني خلَّيتُ عيني وشانَها ... ولمْ أحفلِ الدُّنيا ولا حدَثانَها
لقدْ خوَّفتْني النَّائباتُ صروفَها ... ولو آمنتْني ما قبلتُ أمانَها
عِنانٌ منَ اللَّذَّاتِ قدْ كانَ في يدي ... فلمَّا مضَى الإلفُ استردَّتْ عنانَها
يقولونَ هلْ يبكِي الفتَى لخريدةٍ ... متَى ما أرادَ اعتاضَ عَشراً مكانَها
стр. 126
وهلْ يستعيضُ المرءُ مِنْ خَمسِ كفِّهِ ... ولو صاغَ مِنْ حرِّ اللُّجينِ بنانَها
وأنشدني أحمد بن يحيى:
لا تلْحِيا في حبِّ ظَبيةَ هائماً ... أمسَى بظبيةَ هائماً مشغولا
هَيمانُ يعطشُ بالفراتِ لحبٌّها ... ويزيدهُ بردُ الشَّبابِ غَليلا
وقال آخر:
فكادَ يعتبُني في غيرِ فاحشةٍ ... بعضِ اتِّباعِ الهوَى والمشربَ الألفُ
يا أيُّها العاذلُ الرَّاجي لأُعتبهُ ... ماذا تراكَ منَ التَّلوامِ تَعترفُ
أفي الصِّبى لمتَني أنتَ الفداءُ لهُ ... وهلْ عصَى لكَ مِنْ لذَّاتهِ خلَفُ
إذا ذممتَ الصِّبى يوماً فلا ترَني ... ممَّنْ يطيعُكَ أوْ يرضَى بما تصفُ
إنَّ القلوبُ إذا نيَّاتها اختلفتْ ... فلا تكادُ على الأضغانِ تأتلفُ
وأنشدني أحمد بن يحيى:
وقدْ علمتْ سمراءُ أنَّ حديثَها ... فجيعٌ كما ماءُ السَّماءِ فجيعُ
إذا أمرتْكَ العاذلاتُ بصرمِها ... هفتْ كبدٌ ممَّا يقُلْنَ صديعُ
وزادني غيره:
وكيف أُطيعُ العاذلاتِ وحبُّها ... يورِّقُني والعاذلاتُ هجوعُ
وقال أبو صخر الهذلي:
أرِقتُ ونامَ عنِّي مَنْ يلومُ ... ولكنْ لمْ تنمْ عنِّي الهمومُ
كأنِّي مِنْ تذكُّرها أُلاقي ... أذًى ما أظلمَ اللَّيلُ البهيمُ
سليمٌ ملَّ منهُ أقرَبوهُ ... وعطَّلهُ المُداوي والحميمُ
يلومكَ في مودَّتها رجالٌ ... لَوَ انَّهمُ بدائكَ لمْ يلومُوا
قلوبهمُ وأنفسهمْ صحاحٌ ... وقلبكَ مِنْ تذكُّرها سقيمُ
فأنتَ وإنْ لحاكَ النَّاسُ فيها ... جميعَ النَّاسِ تعصِي أوْ تلومُ
وقال الضحاك بن عقيل الخفاجي:
لقدْ لامَني فيها رجالٌ وقدْ أرَى ... مكانَ نساءٍ قدْ مُلئنَ لها حقدا
يُخبِّروني أنِّي سفيهٌ فزادَني ... مقالةُ مَنْ قدْ قالَ لي ولَها وَجدا
علَى حبِّها فازددتُ ضعفاً ولم أكنْ ... أرَى قبلُ عندِي غيرَ ما استسلفتْ ودَّا
وهذا لعمري من أحسن الكلام وجيده وإن كان في البيت الأخير غلط يسير لأنه زعم أنَّ من ملامهم فيها زاده ضعفاً من محبَّتها والعذل لا يزيد المحبة ولا ينقصها ولكن النَّفس إذا اشتدَّ ضنُّها فغُري العذل بمسامعها عارضها ضربٌ من الإشفاق على حال من عوتبت في محبَّته وخشيت أن يكون العذل مزيلاً له عن مرتبته وكان تحريك خاطرة الضَّنّ بذلك زائدة في القلق ومهيِّجة للفكر فيتوهَّم صاحبها أنَّ محبَّته قد تزايدت وما تزايدت ولا تناقصت وهذا الغلط لم يجر على صاحب هذه الأبيات وحده بل قد جرى على من قبله وبعده.
وقال معاذ ليلى في نحو ذلك:
يقرُّ بعيني قربُها ويَزيدُني ... بها عجباً مَنْ كانَ عندِي يعيبُها
وكمْ قائلٍ قد قالَ تُبْ فعصيتهُ ... وتلكَ لعمري توبةٌ لا أتوبُها
فيا نفسُ صبراً لستُ واللهِ فاعلَمي ... بأوَّلِ نفسٍ غابَ عنها حبيبُها
وقال عمر بن يحيى الطائي:
قالَ العواذلُ لي أينقصُ حبُّها ... لا بلْ علَى رغمِ الوشاةِ يزيدُ
تأبَى قرابةُ بينِنا ومودَّةٌ ... ولها عليَّ مواثقٌ وعهودُ
طُوِّينَ في حججٍ مضينَ سوالفٍ ... حذارَ الوشاةِ فنقضُهنَّ شديدُ
وإذا تعرَّضَ زاجرٌ عنْ حبِّها ... قُلنا عليكَ صفائحٌ ولحودُ
وقالت وجيهة بنت أوس:
وعاذلةٍ تغدُو عليَّ تلومُني ... علَى الشَّوقِ لمْ تمحُ الصَّبابةَ مِنْ قلبِي
فما ليَ إنْ أحببتُ أرضَ عشيرتِي ... وأحببتُ طرفاءَ القُصيبةِ مِنْ ذنبِ
وقال مالك بن حارث الهذلي:
يقولُ العاذلاتُ أكلَّ يومٍ ... لسُرُّبةِ مالكٍ عنَقٌ شَناحُ
وقدْ خرجتْ نفوسهمْ فماتُوا ... علَى إخوانهمْ وهمُ صحاحُ
ولستُ مقصِّراً ما سافَ مالِي ... ولو عُرضتْ لِلَبَّتيَ الرِّماحُ
فلومُوا ما بدَا لكمُ فإنِّي ... سأُعتبكمْ إذا انفسخَ المُراحُ
وقال جرير:
إذا ما نمتِ هانَ عليكِ ليلِي ... وليلُ الطَّارقاتِ منَ الهمومِ
إذا ما لُمتِني وعذرتُ نفسِي ... فلومِي ما بدَا لكِ أنْ تلومِي
وقال القعقاع:
стр. 127
خليليَّ مرَّا بي قليلاً لتؤجَرا ... وأنْ تكسَبا خيراً منَ الحمدِ والأجرِ
فقالا اتَّقِ اللهَ العليَّ فإنَّما ... تُصلِّيكَ أسبابَ الهوَى لهبُ الجمرِ
فقلتُ أطيعانِي فليسَ عليكُما ... حسابِي إذا لاقيتُ ربِّي ولا وِزرِي
عليَّ الذي أجنِي وليسَ عليكُما ... وربِّي أولى بالتَّجوُّزِ والغفرِ
أتحرقُني يا ربِّ إنْ عجتُ عَوجةً ... علَى رخصةِ الأطرافِ طيِّبةِ النَّشرِ
أما العذل الذي يقع ابتداء فليس على النَّفس منه من المؤونة كما عليها من عذل من أملت عنده من المعونة ولقد كسب هذا البائس على نفسه تعباً كاسراً لمنقلبه ومسقطاً لهمَّته باستدعائه المساعدة من ذكر قصَّته ومن هذا وأشباهه كرهنا للمحبِّ الاطلاع على أسراره ولكن متى غُلب على أمره لم يلم على إفشاء سرِّه.
ولقد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:
فحْواكَ عينٌ علَى نجواكَ يا مَذِلُ ... حتَّامَ لا يتقضَّى قولكَ الخطِلُ
وإنَّ أسمجَ مَنْ تشكُو إليهِ هوًى ... مَنْ كانَ أحسنَ شيءٍ عندهُ العذلُ
وقال يزيد بن الطثرية:
تذكَّرتُ ذاتَ الخالِ مِنْ فرطِ حبِّها ... ضُحًى والقِلاصُ اليَعمُلاتُ بنا تخدِي
فما ملكتْ عينايَ حينَ ذكرتُها ... دموعَهما حتَّى انحدرنَ علَى خدِّي
فأنَّبني صحبِي وقالُوا أمنْ هوًى ... بكيتَ ولو كانُوا همُ وجدُوا وجدِي
وقالُوا لقدْ كنَّا نعدُّكَ مرَّةً ... جليداً وما هذا بفعلِ فتًى جلدِ
ألا لا تلومُوني فلستُ وإنْ نأتْ ... بمُنصرمٍ عنها هوايَ ولا ودِّي
ألمْ تعلَمَا أنَّ الرَّعابيبَ لمْ تزلْ ... مَفاتينَ قبلِي للكهولِ وللمُردِ
فإنْ أغوَلا تُكتبْ عليكم غوايَتي ... أجلْ لا وإنْ أرشدْ فليسَ لكمْ رُشدي
وإنَّ لِذاتِ الخالِ يا صلحِ زُلفةً ... ومنزلةً ما نالَها أحدٌ غيرِي
وقال أيضاً:
ألا يا خليليَّ الَّذينَ تواصَيا ... بيَ اللَّومَ إلاَّ أنْ أُطيعَ وأسمعَا
قفا فانظُرا لا بدَّ مِنْ رجعِ نظرةٍ ... يمانيَّةٍ شتَّى بها القومُ أوْ معَا
لمُغتصبٍ قد عزَّهُ القومُ أمرهُ ... يكفُّ حياءً عبرةً أنْ تطلَّعا
فإنْ كنتمُ ترجونَ أنْ تصرِفوا الهوَى ... بِيهمَا ويُروَى في السَّرابِ فينقَعا
فردُّوا هبوبَ الرِّيحِ أوْ غيِّروا الهوَى ... إذا حلَّ ألواذَ الحشا فتمنَّعا
وقال ذو الرمة:
أعاذلَ قدْ أكثرتِ مِنْ قيلِ قائلٍ ... وعيبٌ علَى ذي اللُّبِّ لومُ العواذلِ
أعاذلَ قد جرَّبتُ في الدَّهرِ ما كفَى ... ونظَّرتُ في أعقابِ حقٍّ وباطلِ
فما الدَّهرُ مِنْ خرقاءَ إلاَّ كما أرى ... حنينٌ وتذارفُ الدُّموعِ الهواطلِ
وقال عدي بن زيد:
وعاذلةٍ هبَّتْ بليلٍ تلومُني ... فلمَّا غلتْ في اللَّومِ قلتُ لها اقصِرِي
أعاذلَ قد أطنبتِ غيرَ مُصيبةٍ ... فإنْ كنتِ في غيٍّ فنفسكِ فارْشِدي
أعاذلَ إنَّ الجهلَ مِنْ لذَّةِ الفتَى ... وإنَّ المنايا للرِّجالِ بمرصدِ
كفَى حزَناً للمرءِ أيَّامُ دهرهِ ... تروحُ لهُ بالواعظاتِ وتغتدِي
وأنشدني أحمد بن يحيى لجميل بن معمر:
يقولونَ مهلاً يا جميلُ وإنَّني ... لأُقسمُ ما بي عنْ بُثينةَ مِنْ مهلِ
أحلماً فقبلَ اليومِ كانَ أوانهُ ... أَمَ اخشَى فقبلَ اليومِ أُوعدتُ بالقتلِ
وقال آخر:
تقولُ العاذلاتُ تعزَّ عنها ... وداوِ غليلَ قلبكَ بالسُّلوِّ
وكيفَ ونظرةٌ منها اختلاساً ... ألذَّ منَ الشَّماتةِ بالعدوِّ
وقال الطائي:
أذكتْ عليكَ شهابَ نارٍ في الحشا ... بالعذلِ وهناً أُختُ آلِ شهابِ
عذلاً شبيهاً بالجنونِ كأنَّما ... قرأتْ بهِ الورهاءُ نصفَ كتابِ
وقال البحتري:
طفقتْ تلومُ وَلاتَ حينَ ملامهِ ... لا عندَ كرَّتهِ ولا إحجامهِ
لمْ يروِ مِنْ ماءِ الشَّبابِ ولا انجلتْ ... ذهبيَّةُ الصَّبَواتِ عنْ أيَّامهِ
وقال آخر:
مِنْ أجلكِ ظلَّ العائداتُ يلُمْنني ... ويزعمنَ أنِّي في طلابكِ عانِي
стр. 128
ويرفدْنني نصحاً زعمنَ وإنَّهُ ... لَفي حرجٍ مَنْ لامَني ونَهانِي
وقال آخر:
أترانِي تاركاً باللهِ ... ما أقوَى لِما أهوَى
أنا أشهدُ أنَّ الحبَّ ... مِنْ قلبِي إذنْ دعوَى
وذكروا أنَّ العتبي حبس ابناً له في بيتٍ لمَّا ظهر على أنَّه عاشق ليكون الحبس رادعاً له ففتح الباب عنه بعد مدَّة فوجده قد كتب على الحائط:
أتظنُّ ويحكَ أنَّني أبلَى ... وأُطيعُ في الهوَى عقلا
ومدَّ الحرف الأخير مع استدارة حائط البيت أجمع فلمَّا نظر أبوه إلى ذلك يئس منه فخلَّى سبيله.
وقال آخر:
يلومكَ فيها اللاَّئمونَ نصاحةً ... فليتَ الهوَى باللاَّئمينَ مكانِيا
لَوَ انَّ الهوَى عنْ حبِّ ليلَى أطاعني ... أطعتُ ولكنَّ الهوَى قدْ عصانِيا
وهذا الكلام لا يكون إلاَّ عن حال ضعيفة أو بعقب ضجرةٍ شديدةٍ لأنَّ صاحبه لم يرضَ بالتَّبرُّم من هواه حتَّى ضمَّ إلى ذلك تمنِّي انصراف الحال إلى سواه وأحسن من هذا قولاً وأجمل منه فعلاً الذي يقول:
تشكَّى المحبُّونَ الصَّبابةَ ليتَني ... تحمَّلتُ ما يلقَوْنَ مِنْ بينِهم وحدِي
وكانتْ لنفسِي لذَّةُ الحبِّ كلُّها ... فلمْ يلقَها قبلِي محبٌّ ولا بعدِي
وأحسن مجنون بني عامر حيث يقول:
وقالُوا لوْ تشاءُ سلوتَ عنها ... فقلتُ لهمْ فإنِّي لا أشاءُ
لها حبٌّ تمكَّنَ مِنْ فؤادِي ... فليسَ لهُ وإنْ زُجر انتهاءُ
وقال آخر:
يقولونَ لي اصبرْ وائْتجرْ قلتُ طالَما ... صبرتُ ولكنْ لا أرَى الصَّبرَ ينفعُ
فيا ليتَ أجرِي كانَ قسِّمَ بينهمْ ... ومِنْ دونِيَ الصَّمانُ فالخبتُ أجمعُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يُعاتبُني أُناسٌ في التَّصابِي ... بألبابٍ وأفئدةٍ صحاحِ
إذا اختلطَ الظَّلامُ وهمْ سُكارَى ... بكاساتِ الرُّقادِ إلى الصَّباحِ
ولِي سُكرٌ يُجنِّبني رُقادِي ... فما أدرِي الغدوَّ منَ الرَّواحِ
أمَا لي في بلادِ اللهِ بابٌ ... يؤدِّيني إلى سبلِ النَّجاحِ
بلَى في الأرضِ متَّسعٌ عريضٌ ... ولكنْ قدْ مُنعتُ منَ البراحِ
وما يُغنِي العقابَ عيانُ صيدٍ ... إذا كانَ العقابُ بلا جناحِ
الباب السادس والأربعون
مَنْ قدُمَ هواهُ قوِيَ أساهُ
من كان أوَّل ما وقع به من أسباب المحبة استحساناً ثمَّ ينمي على الترتيب الذي وصفناه حالاً فحالاً حتَّى ينتهي إلى بعض الأحوال الصِّعاب التي ذكرناها كان زوالها إن زال بطيئاً ومن عشق بأوَّل النَّظر سلا مع أوَّل الظَّفر فإن لم يظفر بمن يهواه سلا إذا تعذَّر عليه ما يتمنَّاه فإذا وقع الهوى بأوَّل نظر ثمَّ ارتقى صاحبه ارتقاءً بغير ترتيب حتَّى صار مدلَّهاً بمن يهواه قبل أن تطول معاشرته كان بقاء ذلك الهوى يسيراً وهكذا كل شيءٍ في العالم إن اعتبرته وجدت ما ارتقى إلى هذه الغاية القصوى بغير ترتيب انحطَّ انحطاطاً طويلاً ولعمري لقد أحسن الذي يقول:
وما كانَ حُبِّيها لأوَّلِ نظرةٍ ... ولا غمرةً مِنْ صبوةٍ فتجلَّتِ
ولكنَّها الدُّنيا تولَّتْ فما الَّذي ... يُعزِّي عنِ الدُّنيا إذا ما تولَّتِ
وقال الحسين بن وهب في هذا المعنى فأحسن:
أرَى كلَّ يومٍ لوعةً أستجدُّها ... ونفساً يُعنِّيها هواها وجهدُها
وصبوةَ قلبٍ كانَ هولاً بدِيُّها ... فعادتْ علَى الأيَّامِ قدْ جدَّ جدُّها
وقال آخر:
شوقي إليكَ علَى الأيَّامِ يزدادُ ... والقلبُ بعدكَ للأحزانِ مُنقادُ
يا لهفَ نفسِي علَى إلفٍ فُجعتُ بهِ ... كأنَّ أيَّامهُ في الحسنِ أعيادُ
وقال آخر:
وإنِّي وإيَّاها لكالخمرِ والغِنى ... متَى تستطعْ منها الزِّيادةَ تزددِ
إذا ازددتُ منها زدتُ وجداً بقُربها ... فكيفَ احتراسِي مِنْ هوًى متجدِّدِ
وقال كثير:
يلومكَ في ليلَى وعقلكَ عندَها ... رجالٌ ولمْ تذهبْ لهمْ بعقولِ
وما زلتُ مِنْ ليلَى لدُنْ طرَّ شارِبي ... إلى اليومِ كالمُلقَى بكلِّ سبيلِ
وقال بعض الأعراب:
سقَى اللهُ مِنْ حبِّي لهُ كلَّ ليلةٍ ... ويومٍ علَى مرِّ السِّنينَ يزيدُ
стр. 129
جرَى حبُّها والدَّهرُ في طلقَيْهما ... فضُعضعَ ركنَ الدَّهرِ وهو جليدُ
وقال أبو تمام:
هوًى كانَ خَلساً إنَّ مِنْ أبردِ الهوَى ... هوًى جلتُ في أفنائهِ وهو خاملُ
ولنْ تنظمَ العقدَ الكعابُ لزينةٍ ... كما انتظمَ الشَّملَ الشَّتيتَ الشمائلُ
وقدْ تألفُ العينُ الدُّجى وهو قيدُها ... ويُرجَى شفاءُ السُّمِّ والسُّمُّ قاتلُ
وقال مجنون بني عامر:
فلوْ كانَ حبِّي آلَ ليلَى كحادثٍ ... إلى وقتِ يومٍ قدْ تقضَّتْ همومُها
ولكنَّ حبِّي آلَ ليلَى فدائمٌ ... وأقتلُ أدواءِ الرِّجالِ قديمُها
وقال كثير:
تعلَّقَ ناشئاً مِنْ حبِّ سلمَى ... هوًى سكنَ الفؤادَ فما يزولُ
فلمْ تذهلْ مودَّتها غُلاماً ... وقدْ ينسَى ويطَّرفُ الملولُ
وأدرككَ المشيبُ علَى هواهَا ... فلا شيبٌ نهاكَ ولا ذهولُ
وقال جميل:
علقتُ الهوَى منها وليداً فلمْ يزلْ ... إلى اليومِ ينمِي حبُّها ويزيدُ
وأفنيتُ عمرِي بانتظارِي نوالَها ... وأبليتُ فيها الدَّهرَ وهو جديدُ
ألا ليتَ شِعري هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بوادِي القُرى إنِّي إذنْ لسعيدُ
لكلِّ حديثٍ عندهنَّ بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهنَّ شهيدُ
وقال آخر:
لي حبيبٌ ينعَى إليَّ رجائِي ... كلَّما خلتُ قلبهُ لِي يلينُ
للمُنى عندَ ذكرهِ في ضميرِي ... حركاتٌ كأنَّهنَّ سكونُ
انتظاري لهُ علَى حادثِ الدَّه ... رِ قديمٌ إن انظرَتني المنونُ
يا هوانَ الدُّنيا عليَّ إذا ما ... كنتُ فيها ممَّنْ عليكَ يهونُ
وقال آخر:
وقفتُ لليلَى بعدَ عشرينَ حجَّةً ... بمنزلةٍ فانهلَّتِ العينُ تدمعُ
وأمرضَ قلبي حبُّها وطلابُها ... فيا لعديٍّ دعوةً كيفَ أصنعُ
وأتبعُ ليلَى حيثُ سارتْ وخيَّمتْ ... وما النَّاسُ إلاَّ آلفٌ ومودِّعُ
كأنَّ زماماً في الفؤادِ معلَّقٌ ... تقودُ بهِ حيثُ استمرَّتْ وأتبعُ
وقال مجنون بني عامر:
تمرُّ اللَّيالي والشُّهورُ ولا أرَى ... ولُوعي بها يزدادُ إلاَّ تماديا
قضاها لغيرِي وابتَلاني بحبِّها ... فهلاَّ بشيءٍ غيرَ ليلَى ابتلانِيا
وقال مسلم بن الوليد:
أُعاودُ ما قدَّمتهُ مِنْ رجائِها ... إذا عاودتْ بالنَّاسِ فيها المطامعُ
وما زيَّنتها العينُ لي عنْ لجاجةٍ ... ولكنْ جرَى فيها الهوَى وهو طائعُ
وقال البحتري:
تجنَّبتْ ليلَى أنْ يلجَّ بكَ الهوَى ... وهيهاتَ كانَ الحبُّ قبلَ التَّجنُّب
فلوْ تلتَقي أصداؤنا بعدَ موتِنا ... ومِنْ دونِ رَمْسَينا منَ الأرضِ منكبُ
لظلَّ صدَى رَمسي وإنْ كنتُ رمَّةً ... لصوتِ صدَى ليلَى يهشُّ ويطربُ
ألا إنَّما غادرتِ يا أُمَّ مالكٍ ... صدًى أينما تذهبُ الرِّيحُ يذهب
لقدْ عشتُ مِنْ ليلَى زماناً أُحبُّها ... أخا الموتِ إذ بعضُ المحبِّينَ يكذبُ
وقال آخر:
فلو كنتُ أدرِي أنَّما كانَ كائنٌ ... وأنَّ جديدَ الوصلِ قدْ جدَّ غابرهْ
تعزَّيتُ قبلَ اليومِ حتَّى يكونَ لي ... صريمةُ أمرٍ تستمرُّ مرائرهْ
وقال عروة بن حزام:
ألفنا الهوَى واستحكمَ الحبُّ بيننا ... وليدَيْنِ ما مرَّتْ لنا سنتانِ
فذُقنا رخاءَ العيشِ عشرينَ حجَّةً ... أليفينِ ما نرتاعُ للحدثانِ
جعلتُ لعرَّافِ اليمامةِ حكمهُ ... وعراف حجرٍ إن هما شفياني
فما تركا من حيلةٍ يعلمانها ... ولا رُقيةٍ إلاَّ بها رقَيانِي
فقالا شفاكَ اللهُ واللهِ ما لنا ... بما حُمِّلتْ منكَ الضُّلوعُ يدانِ
وقال أيضاً
وآخرُ عهدٍ لي بعفراءَ أنَّها ... تُريكَ بناناً كفُّهنَّ خضيبُ
عشيَّةَ لا عفراءُ منكَ بعيدةٌ ... فتسلَى ولا عفراءُ منكَ قريبُ
وقال آخر:
عشيَّةَ لا خلفِي مقرٌّ ولا الهوَى ... أمامِي ولا وجدِي كوجدِ غريبِ
وكلُّ محبٍّ قدْ سلا غيرَ أنَّني ... غريبُ الهوَى يا ويحَ كلِّ غريبِ
وقال ابن هرمة:
أرَى الدَّهرَ يُنسيني أحاديثَ جمَّةً ... أتتْ مِنْ صديقٍ أوْ عدوٍّ يشيعُها
стр. 130
ولمْ يُنسِنيها الدَّهرُ إلاَّ وذكرُها ... بحيثُ تحنَّتْ دونَ نفسِي ضلوعُها
وإنْ لم يكنْ منها لنا غيرُ ذكرةٍ ... وقولٍ لعلَّ الدَّهر يوماً يريعُها
فقدْ أحرزتْ منِّي فؤاداً متيَّماً ... وعيناً عليها لا تجفُّ دموعُها
أتنسينَ أيَّامِي وأيَّامكِ الَّتي ... إذا ذكرتْها النَّفسُ كادتْ تذيعُها
وقال آخر:
أُحبِّكِ أصنافاً منَ الحبِّ لم أجدْ ... لها مثلاً في سائرِ النَّاسِ يعرفُ
فمنهنَّ حبٌّ للمحبِّ ورحمةٌ ... لمعرفَتي منهُ بما يتكلَّفُ
ومنهنَّ أنْ لا يخطرَ الدَّهرَ ذكركمْ ... علَى القلبِ إلاَّ كادتِ النَّفسُ تتلفُ
وحبٌّ بدا بالجسمِ واللَّونُ ظاهرٌ ... وحبُّ الَّذي نفسي منَ الرُّوحِ ألطفُ
وحبٌّ هو الدَّاءُ العياءُ بعينهِ ... لهُ ذكرٌ تعدُو عليَّ فأدنفُ
فلا أنا منهُ مستريحٌ فميّتٌ ... ولا هوَ علَى ما قد حييتُ مخفَّفُ
وقال هدبة بن خشرم:
تذكَّرَ حبّاً كانَ في مَيعةِ الصِّبى ... ووجداً بها بعدَ المشيبِ معقَّبا
إذا كادَ ينساها الفؤادُ ذكرتَها ... فيا لكَ قد عنَّى الفؤادَ وعذَّبا
ضنًى مِنْ هواها مُستكنّاً كأنَّهُ ... خليعُ قداحٍ لم يجدْ مُتنشَّبا
بعينيكَ زالَ الحيُّ منها لنيَّةٍ ... قذوفٍ تشوقُ الآلفَ المتطرِّبا
وقدْ طالَما عُلِّقتْ ليلَى معمَّداً ... وليداً إلى أنْ صار رأسكَ أشيبا
رأيتكَ مِنْ ليلَى كذِي الدَّاءِ لم يجدْ ... طبيباً يُداوِي ما بهِ فتطبَّبا
فلمَّا اشتفَى ممَّا بهِ علَّ طبُّهُ ... علَى نفسهِ مِنْ طولِ ما كانَ جرَّبا
وأنشدنا أحمد بن يحيى لذي الرمة:
أيا ميُّ إنَّ الحبَّ حُبَّانِ منهُما ... قديمٌ وحبٌّ حينَ شبَّتْ شبائبهْ
إذا اجتمعا قالَ القديمُ غلبتهُ ... وقالَ الَّذي مِنْ بعدهِ أنا غالبهْ
وأخبرنا أبو العباس عليّ ابن الأعرابي أنَّ ميَّة قالت اللَّهمَّ لا تقضِ بينهما.
وقال بشار:
بكيتُ منَ الدَّاءِ داءِ الهوى ... إليها وأنْ ليسَ لي مُسعدُ
وقد وعدتْ صفَداً في غدٍ ... وقدْ وعدتْ ثمَّ لا تصفِدُ
وإنِّي علَى طولِ إخلافِها ... لأرجُو الوفاءَ ولا أحقدُ
إذا أُخلفَ اليومَ ظنِّي بها ... يكونُ لنا في غدٍ موعدُ
صبرتُ علَى طولِ أيَّامِها ... حفاظاً وصبرُ الفتَى أعوَدُ
وما ضرَّ يومٌ بداءِ الهوَى ... محبّاً إذا ما شفاهُ الغدُ
سوَى شوق عَيني إلى وجهِها ... وإنِّي إذا فارقتْ أكمَدُ
فهؤلاء البائسون قد صيروا على أحبَّتهم إمَّا طائعين وإمَّا كارهين فإن كانوا طائعين فهو أحمدُ ممَّن يتلاعب وينتقل في كل ساعة عن إلفه إلى سواه وإن كانوا كارهين فإنَّ السبب الَّذي اضطرهم إلى المقام على ما يؤلمهم ويمنعهم عن الانتقال إلى ما يختارونه لو لم يكن سبباً أملك بهم منهم ما عليهم فهم على كل الجهات أتمُّ في الحال ممَّن جعل هواه ضرباً من الإشغال ينفرد له إذا نشط ويتركه إذا كسل كالذين قدَّمنا وصفهم في صدر هذا الكتاب من أنَّهم لم يرتقوا في المحبَّة على من انتهى بل صعدوا بأول نظرة إلى ذروتها فكما كان ارتقاؤهم سريعاً كان انحطاطهم قريباً.
فمنهم الوليد بن عبيد الطائي حيث يقول:
نظرةٌ ردَّتِ الهوَى الشَّرقَ غرْبا ... وأمالتْ نهجَ الدُّموعِ الجوارِي
ما ظننتُ الأهواءَ قبلكِ تُمحَى ... مِنْ صدورِ العشَّاقِ محوَ الدِّيارِ
كانَ يحلُو هذا الهوَى فأراهُ ... عادَ مرّاً والسُّكْرُ قبلَ الخمارِ
وإذا ما تنكَّرتْ لي بلادٌ ... أوْ خليلٌ فإنَّني بالخيارِ
وله أيضاً:
أتَى دونَها نأيُ البلادِ ونصُّنا ... سَواهمَ خيلٍ كالأعنَّةِ ضمَّرُ
ولمَّا خطوْنا دجلةَ انصرمَ الهوَى ... فلمْ تبقَ إلاَّ لفتةُ المتذكِّرِ
وخاطرُ شوقٍ ما يزالُ يَهيجُنا ... لبادينَ مِنْ أهلِ الشَّآمِ وحضَّرِ
ولأبي نواس في نحو ذلك:
ألا قلْ لأخلاَّئي ... ومَنْ همتُ بهمْ وجدا
ومَنْ كانُوا مَواليَّ ... ومَنْ كنتُ لهمْ عبْدا
شربْنا ماءَ بغدادَ ... فأنساكمُ جِدَّا
стр. 131
فلا ترعَوْا لنا عهداً ... فما نرعَى لكمْ عهْدا
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لإبراهيم بن العباس في نحو ذلك:
بقلبِي عنْ هوَى البيضِ انصرافُ ... ويُعجبُني منَ السُّمرِ انعطافُ
فإنْ أنصفنَ في ودِّي وإلاَّ ... فليسَ عليَّ مِنْ قلبي خلافُ
وقال جرير:
هوًى بتهامةٍ وهوًى بنجدٍ ... فقتَّلني التَّهائمُ والنُّجودِ
أخالدُ قد هويتُكِ بعدَ هندٍ ... فشيَّبني الخوالدُ والهنودُ
والأصل البين في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
لقدْ جلبتكَ العينُ أوَّلَ نظرةٍ ... وأُعطيتَ منِّي يا ابنَ عمِّ قَبولا
فأصبحتَ همّاً للفؤادِ وحسرةً ... وظلاًّ منَ الدُّنيا عليَّ ظَليلا
ولغيره في مثله:
يا رامياً ليسَ يدرِي ما الَّذي فعَلا ... إحبسْ عليكَ فإنَّ السَّمَ قدْ قتلا
أصبتَ أسودَ قلبِي إذ رميتَ فلا ... شُلَّتْ يمينكَ لِمْ صيَّرتني مثلا
فأخلِقْ بمن يسقمهُ أوَّل داءٍ أنْ يشفيه أوَّل دواءٍ
الباب السابع والأربعون
مَنْ شابتْ ذوائبهُ جفاهُ حبائبهُ
بلغني عن بعض الأكاسرة أنه قال كنت أظن أني إذا شبت زهدت في النساء فلم أزل مغموماً بذلك ولم أدر أنِّي إذا شبت كنت أنا فيهنَّ اشدّ زهداً ولعمري إن من قرب من آخر عمره لجدير أن يصرف همَّته إلى ما يعيد عليه نفعاً في آخرته ويتشاغل بأحكام الدَّار الَّتي يصير إليها عن أسباب الدَّار الَّتي ينتقل عنها فإن لم يقع ذلك له اختياراً وقع أكثره به اضطراراً.
أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
قعدَ الشَّيبُ بي عنِ اللَّذاتِ ... ورَماني بجفوةِ الفتياتِ
فإذا رُمتُ سترهُ بخضابٍ ... فضَحتهُ طلائعُ النَّاصلاتِ
ما رأيتُ الخضابَ إلاَّ سراباً ... غرَّني لمعُهُ بأرضٍ فلاةِ
فإذا ما دَعا إلى الكأسِ داعٍ ... قلتُ مَا للكبيرِ والنَّشواتِ
لستُ بعدَ المشيبِ ألتذُّ بالعي ... شِ فدعْني وغصَّةَ العبراتِ
إنَّ فقدَ الشَّبابِ أنزلَني بعْ ... دكَ دارَ الهمومِ والحسراتِ
ورمانِي بحادثِ الشَّيبِ دهرٌ ... قارَعَتني أيَّامهُ عنْ حياتِي
وقال آخر:
في كلّ يومٍ أرَى بيضاءَ قدْ طلعتْ ... كأنَّها أُنبتتْ في ناظرِ البصرِ
لئنْ حجبتُكِ بالمِقراضِ عنْ بصرِي ... لما حجبتكِ عنْ همِّي وعنْ فكرِي
وأنشدني البحتري لنفسه:
ثنتْ طرفَها دونَ المشيبِ ومَنْ يشبْ ... فكلُّ الغوانِي عنهُ مثنيَّةُ الطَّرفِ
وجُنَّ الهوَى فيها عشيَّةَ أعرضتْ ... بناظرَتَيْ ريمٍ وسالفَتي خشفِ
وأفلجَ برَّاقِ يروحُ رُضابهُ ... حَراماً علَى التَّقبيلِ بسلاً علَى الرَّشفِ
وقال علي بن العباس الرومي:
هيَ الأعينُ النّجلُ الَّتي أنتَ تشتكِي ... مواقعَها في القلبِ والرَّأسُ أسودُ
فما لكَ تأْسَى الآنَ لمَّا رأيتَها ... وقدْ جعلتْ مرمَى سواكَ تعمَّدُ
كذلكَ تلكَ النَّبلُ مَنْ قصدتَ لهُ ... ومَنْ نكَّبتْ عنهُ منَ القومِ مُقصدُ
وعزَّاكَ عنْ ليلِ الشَّبابِ معاشرٌ ... فقالُوا نهارُ الشَّيبِ أهدَى وأرشدُ
وكلُّ نهارِ المرءِ أهدَى لسعيهِ ... ولكنَّ ظلَّ اللَّيلِ أندَى وأبردُ
وفقدُ الشَّبابِ الموتُ يوجدُ طعمهُ ... صُراحاً وطعمُ الموتِ بالموتِ يُفقدُ
أرَى الدَّهرَ أجرَى ليلهُ ونهارهُ ... بعدلٍ فلا هذا ولا ذاكَ سرمدُ
وجارَ علَى ليلِ الشَّبابِ فضامَهُ ... نهارُ مشيبٍ سَرمدٍ ليسَ ينفدُ
وقال ابن حازم:
لا حينَ صبرٍ فخل الدمع ينهملُ ... فقدُ الشبابِ بيومِ المرء متصلُ
كفاك بالشيب ذنباً عند غانيةٍ ... وبالشبابِ شفيعاً أيها الرجلُ
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشبابِ بيومٍ واحدٍ بدلُ
ربَّ عيشٍ لنا برامةَ رطبٍ ... وليالٍ فيها طوالٍ قصارِ
قبلَ أنْ يقبِلَ المشيبُ وتبدُو ... هفواتُ الشَّبابِ في إدبارِ
كلُّ عذرٍ مِنْ كلِّ ذنبٍ ولكنْ ... أُعوزَ العذرُ مِنْ بياضِ العذارِ
وقال جميل بن معمر:
تقولُ بثينةُ لمَّا رأتْ ... فنوناً منَ الشَّعرِ الأحمرِ
стр. 132
كبرتَ جميلُ وأوْدَى الشَّبابُ ... فقلتُ بٌثينُ ألا فاقصِرِي
أتنسينَ أيَّامَنا باللِّوَى ... وأيَّامَنا بذوي الأجفرِ
وإذْ لِمَّتي كجناحِ الغُرا ... بِ تُطلَى بالمسكِ والعنبرِ
قريبانِ مربعُنا واحدٌ ... فكيفَ كبرتُ ولمْ تكبَري
وهذا تعريض مليح بل هو تعبير لها صريح لأنه قد ذكر أنَّهما كانا قرينين ومحالٌ أن يكبر واحد ويصغر واحد فهو قد عيَّرها كما عيَّرته وقد يحتمل أن يكون لم يردْ تعييرها وإنما أراد أنَّ السبب الَّذي ظهر له ليس من كبره وإنما هو لأهوال ما يمرُّ به وأحسن من قوله لفظاً وأوضح معنًى.
قول البحتري:
عيَّرتْني بالشَّيبِ وهيَ بدتْهُ ... في عِذارِي بالصَّدِّ والاجتنابِ
لا تريهِ عاراً فما هوَ بال ... شَّيبِ ولكنَّهُ جلاءُ الشَّبابِ
وبياضُ البازيِّ أصدقُ حسناً ... إنْ تأمَّلتِ مِنْ سوادِ الغُرابِ
وقال محمد بن أبي حازم:
نظرتْ إليَّ بعينِ مَنْ لمْ يعذلِ ... لمَّا تمكَّنَ طرفُها مِنْ مقلَتِي
لمَّا أضاءتْ بالمشيبِ مفارِقِي ... صدَّتْ صدودَ مُفارق متجمِّلِ
فجعلتُ أطلبُ وصلَها بتذلُّلٍ ... والشَّيبُ يغمزُها بألاَّ تفعلِي
وقال أشجع:
فإنْ تضعِ الأيَّامَ لي مِنْ متونِها ... فقدْ حملتْني فوقَ كاهلِها الصَّعبِ
وموتُ الفتَى خيرٌ لهُ مِنْ حياتهِ ... إذا كانَ ذا حالينِ يصبُو ولا يُصبِي
وقال أبو الشيص:
خلعَ الصِّبى عنْ منكبيهِ مَشيبُ ... وطوَى الذَّوائبَ رأسهُ المخضوبُ
ما كانَ أنضرَ عيشهُ وأغضَّهُ ... أيَّامَ فضلُ ردائهِ مسحوبُ
وقال الحسين بن الضحاك:
تذكَّرَ مِنْ غرَّاتهِ ما تذكَّرا ... وأعولَ أيَّامَ الشَّبابِ فأكثرا
وما برحتْ عاداتهُ مستقرَّةً ... ولكنْ أجلَّ الشَّيبُ عنها ووقَّرا
يهمُّ ويستحْيي تقاربَ خطوهِ ... فيتركُ همَّ النَّفسِ في الصَّدرِ مُضمرَا
ولمْ يبقَ فيهِ إذ تأمَّلَ شخصهُ ... شفيعٌ إلى الحسناءِ إلاَّ تنكَّرا
ألا لا أرَى في العيشِ للمرءِ مُتعةً ... إذا ما شبابُ المرءِ ولَّى فأدبَرا
وقال أبو تمام:
شابَ رأْسي وما رأَيتُ مَشيبَ الرَّ ... أْسِ إلاَّ مِنْ فضلِ شيبِ الفؤادِ
وكذاكَ القلوبُ في كلِّ بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائعُ الأجسادِ
طالَ إنكارِي البياضَ وإنْ عُمِّ ... رتُ شيئاً أنكرتُ لونَ السَّوادِ
زارَني شخصهُ بطلعةِ ضيمٍ ... عمَّرتْ مجلِسِي منَ العُوَّادِ
وقال أيضاً
كلُّ داءٍ يُرجَى الدَّواءُ لهُ ... إلاَّ الفظيعينِ ميتةً ومَشيبا
يا نسيبَ الثَّغامِ ذنبُك أبقَى ... حسَناتِي عندَ الحسانِ ذنوبَا
ولئنْ عِبنَ ما رأينَ لقدْ أنْ ... كرنَ مُستنكراً وعِبنَ مَعيبا
لوْ رأَى اللهُ أنَّ للشَّيبِ ظرفاً ... جاورتهُ الأبرارُ في الخلدِ شِيبا
وقال إبراهيم بن هرمة:
ألا إنَّ سلمَى اليومَ جدَّتْ قُوى الحبلِ ... وأرضتْ بكَ الأعداءَ مِنْ غيرِ ما ذَحلِ
فإنْ تبكِها يوماً تُبكِّ بعولةٍ ... علَى لطَفٍ في جنبِ سلمَى ولا بذلِ
سوَى أنْ رأينَ الشَّيبَ أبيضَ واضحاً ... كأنَّ الَّذي بي لمْ ينلْ أحداً قبلِي
وقال أيضاً
في الشَّيبِ زجرٌ لهُ لو كانَ ينزجرُ ... وبالغٌ منهُ لولا أنَّهُ حجرُ
إبيضَّ وأحمرَّ مِنْ فوديهِ وارتجعتْ ... جليَّة الصُّبحِ ما قدْ أغفلَ السَّحرُ
وللفتَى مُهلةٌ في الحبِّ واسعةٌ ... ما لمْ يمتْ في نواحِي رأسهِ الشَّعرُ
قالتْ مشيبٌ وعشقٌ رُحتَ بينَهما ... وذاكَ في ذاكَ ذنبٌ ليسَ يغتفرُ
وقال أيضاً
يقولونَ هلْ بعدَ الثَّلاثينَ ملعبُ ... فقلتُ وهلْ قبلَ الثَّلاثينَ ملعبُ
لقدْ جلَّ قدرُ الشَّيبِ إنْ كنتُ كلَّما ... بدتْ شيبةٌ يعرَى منَ اللَّهوِ مركبُ
وهذا لعمري مِن حسن الكلام وفصيحه ومن أحسن ما أعرف في التجلُّد علَى الشيب قول محمد بن عبد الملك:
وعائبٍ عابَني بشيبٍ ... لمْ يأْلُ لمَّا ألمَّ وقتهْ
فقلْ لمنْ عابَني بشَيبي ... يا عائبَ الشَّيبِ لا بلغتهْ
стр. 133
ولبعض أهل هذا العصر:
وقائلةٍ قدْ كانَ عذركَ واسعاً ... لياليَ كانَ الشَّعرُ في الرَّأسِ أسودا
فقلتُ لها والدَّمعُ جارٍ كأنَّهُ ... نظامٌ تعدَّى سلكهُ مُتبدِّدا
لئنْ كانَ هذا الشَّيبُ غرَّكِ فاعلَمِي ... بأنِّي صحِبتُ الشَّيبَ مذْ كنتُ أمردا
أبِالشَّيبِ يُنهى عنْ مساعدةِ الهوَى ... ولولا الهوَى ما كنتُ للشَّيبِ مُسعِدا
وقال علي بن العباس الرومي:
يا بياضَ المشيبِ سوَّدتَ وجهِي ... عندَ بيضِ الوجوهِ سودِ القرونِ
فلعمرِي لأُخفينَّكَ جُهدي ... عنْ عَيانِي وعنْ عَيانِ العيونِ
ولعمرِي لأُتركنَّكَ لا تضْ ... حكُ في رأسِ آسفٍ محزونِ
بسوادٍ فيهِ بياضٌ لوجهِي ... وسوادٍ لوجهكَ الملعونِ
وقال البحتري
يُفاوتُ مِنْ تأليفِ شِعبِي وشِعبِها ... تناهِي شبابِي وابتداءُ شبابَها
عسَى بكَ أنْ تدنُو منَ الوصلِ بعدَما ... تباعدتْ مِنْ أسبابهِ وعسَى بها
ولمْ أرتضِ الدُّنيا أوانَ مجيئِها ... فكيفَ ارتِضائيها أوانَ ذهابِها
وقال أيضاً
وأضللتُ حِلمي فالتفتُّ إلى الصِّبى ... سِفاهاً وقدْ جزتُ الشَّبابَ مراحِلا
فللهِ أيَّامُ الشَّبابِ وحسنُ ما ... فعلنَ بنا لوْ لمْ يكنَّ قلائلا
وقال أبو الشيص:
أبقَى الزَّمانُ بهِ ندوبَ عِضاضِ ... ورمَى سوادَ قرونهِ ببياضِ
نفرتْ بهِ كأسُ النَّديمِ فأعرضتْ ... عنهُ الكواعبُ أيَّما إعراضِ
ولربَّما جُعلتْ محاسنُ وجههِ ... لجفونِها غرضاً منَ الأغراضِ
أيَّامَ أفراسُ الشَّبابِ جوامحٌ ... تأبَى أعنَّتها علَى الرُّوَّاضِ
وقال الطائي:
غرَّةٌ بَهْمةٌ ألا إنَّما كنْ ... تُ أغرّاً أيَّامَ كنتُ بَهيما
دِقَّةٌ في الحياةِ تُدعى جلالاً ... مثلَ ما سمِّيَ اللَّديغُ سَليما
وقال البحتري
عذلَتْنا في عشقِها أُمُّ عمرٍو ... هلْ سمعتمْ بالعاذلِ المعشوقِ
ورأتْ لمَّةً ألمَّ بها الشَّيبُ ... فرِيعتْ مِنْ ظلمةٍ في شروقِ
ولعمري لولا الأقاحِي لأبصرْ ... تَ أنيقَ الرّياضِ غيرَ أنيقِ
وسوادُ العيونِ لوْ لمْ يُحسَّنْ ... ببياضٍ ما كانَ بالموموقِ
أيُّ ليلٍ يبهَى بغيرِ نجومٍ ... أوْ سحابٍ تندَى بغيرِ بروقِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
رأتْني خضيبَ الرَّأسِ شمَّرتُ مِئزَرِي ... وقدْ عهدتْني أسودَ الرَّأسِ مُسدِلا
فقالتْ لأُخرَى عندَها تعرفينهُ ... أليسَ بهِ قالتْ بلَى ما تبدَّلا
سوَى أنَّهُ قدْ لاحتِ الشَّمسُ لونهُ ... وفارقَ أشياعَ الصِّبى وتنقَّلا
ولاحَ قتيرٌ في مفارقِ رأسهِ ... إذا غفلتْ عنهُ الخواضبُ أنصَلا
وكانَ الشَّبابُ الغضُّ كالغيمِ خَيَّلتْ ... سماوتُهُ إذ هبَّتِ الرِّيحُ فانْجَلى
وقال منصور النمري:
ما تنقَضِي حسرةٌ منِّي ولا جزعُ ... إذا ذكرتُ شباباً ليسَ يرتجعُ
بانَ الشَّبابُ وفاتَنِي بِشِرَّتهِ ... صروفُ دهرٍ علَى الأيَّامِ لِي تبعُ
تعجَّبتْ أنْ رأتْ أسرابَ دمعتهِ ... في حليةِ الخدِّ أجراهَا حشًى وجعُ
أصبحتِ لمْ تطعَمِي كلَّ الشَّبابِ ولمْ ... تشجَيْ بغصَّتهِ فالعذرُ لا يقعُ
الباب الثامن والأربعون
مَنْ يئسَ ممَّن يهواهُ فلمْ يلتفتْ مِنْ وقتهِ سلاهُ
стр. 134
العلَّة في ذلك أنَّ اليأس هو مفارقة النَّفس للرَّجاء الَّتي كانت تعتاض به من حال الصّفات وتتماسك بمسامرته من سطوة الفراق الَّذي مُنيت بمشاهدته فأوَّل روعات اليأس تلقى القلب وهو غير مستعد لمقاومتها ولا مُصاب بمشاهدتها فتجرحه دفعةً واحدةً عادةً إلى غير عادةٍ والرَّوعة الثانية ترد على القلب وقد ذلَّلته لها الرَّوعة الأوَّلة فللثانية ألم المعاودة وليس لها ألمٌ وفقد العادة والرَّوعة الأوَّلة فيها مشاهدة المكروه ومفارقة ما تعوَّدت من المحبوب فإن هي لم تُتلف وفيها مكروهان لم تتلف الثانية وليس فيها إلاَّ أحدهما وكذلك كلّ روعةٍ يجلبها الفكر والتَّذكُّر هي أهون من الَّتي قبلها لأن المتقدّمة قدِ انذرت بها ووطَّأت المواضع لها حتَّى ينحلَّ ذلك أجمع من النَّفس حالاً بعد حالٍ لأنَّ دوام الرَّوعات إنَّما يكون بتنازع المخاوف والآمال فإذا وقع اليأس زال الخوف بوقوع المخوِّف وانقطع الأمل بذهاب المأمول.
ولعمري لقد أحسن البحتري حيث يقول:
حَنيني إلى ذاكَ القليبِ ولوعَتي ... عليهِ وقلَّتْ لوعَتي وحَنيني
خلا أمَلي مِنْ يوسفِ بنِ محمَّدٍ ... وأُوحشَ فكرِي بعدهُ وظنونِي
وكانتْ يدِي شلَّتْ ونفسِي تخوَّنتْ ... ودُنيايَ بانتْ يومَ بانَ ودِيني
فوا أسَفي ألاَّ أكونَ شهدتهُ ... فجاشتْ شمالِي عندهُ ويميني
فإذا بقيت الخواطر بغير محرك يزعجها تحللت مضاضة ذلك الألم الَّذي نزل بها ألا ترى أنَّ الحريق إذا صبَّ عليه الماء أفسد الماء موضعاً وأفسدت النار آخر..... قائمين فإذا ذهبا جميعاً بقي من تأثير النَّار يبس وحرارات ومن تأثير الماء برد ورطوبات ثمَّ تحلَّلا جميعاً على مرّ الأوقات والعلَّة في قتل روعة اليأس الأوَّلة أنَّ القلب يُحمى بورود المكاره عليه وسبيل سائر البدن أن يمدَّ القلب بمثل ما فيه من حرّ أو برد فإذا كثر ذلك انهتك حجاب القلب فكان التَّلف حينئذ لأنَّ القلب لا يصل إليه ألم نيَّة غير الألم الفكرة إلاّ أتلف صاحبه والعامَّة تقول شهق فلان فلا تصدَّعت مرارته ولعمري إنَّ المرارة لتحمى ولو زادت حرارتها لانصدعت ولو انصدعت لأتلفت ولكن إلى أن تحمل المرارة حمَّى تصدِّعها يكون قد حمي القلب وتصدَّع بل تقطَّع ومثل ذلك لو أنَّ قدراً من شمع وقار ثمَّ صبَّ فيها ماء ثمَّ أُوقد تحتها النار فلعمري إنَّ النَّار تذيب القار وإنَّ القار إذا ذاب انصبَّ الماء غير أنَّ قبل ذوب القار يكون انحلال الشمع وتليفةُ النَّار فكذلك القلب ينهتك حجابه بالحرارة المنحازة إليه قبل انهتاك الحرارة بحين طويل وتظنّ العامّة بل كثير من الخاصة أنَّ الزّفير سبب التَّلف وليس الأمر كذلك بل هو إذا أراد الله سبب لدفع التَّلف وذلك أنَّ القلب إذا أفرط الحميُ عليه اجتلبت له القوى الغريزيَّة روحاً تدفع مضرَّة ذلك عنه فتجلبه له من نسيم الهوى الخارج عنه فربَّما جاء من النّسيم ما يدفع مضرَّة تلك الحرارة فيكون زفير ولا يكون تلف وربَّما ضعف النّسيم المجتلب وحمي في المجاري لشدَّة ما يلقاه من الحرارات فيعجز برده عن دفع مضرَّة الحرارة المحيطة بالقلب فتهتك الحرارة الحجاب ويكون التلف فلأنَّهم يرون التَّلف على أثر الزَّفرة يرون أنه قد وقع من أجلها وهو في الحقيقة إنَّما وقع من أجل ضدّها وقد تقتل أيضاً أوَّل مفاجأة الفرح الغالب بإفراط بردها كما تقتل أوَّل مفاجأة الحزن بإفراط حرّها لأنه ينحاز إلى القلب من سائر الأعضاء برد لا تفي به حرارة الغريزيَّة فيجمد دم القلب ويحدث التَّلف ولا يكون معه زفير ولا شهيق لأن النَّفس لا تجتلب الحرارة من خارج البدن كما تجتلب البرودة وقولهم أقرَّ الله عينك وأسخن الله عين فلان إنَّما هو لأنَّ دمعة الحزن حارَّة ودمعة الفرح باردة وكلّ واحدة من الفرح والحزن إذا استوطن النَّفس أنست بمجاورته قليلاً حتَّى يصير كالخلق المعتاد لها وكالطبع القائم بها ومن جيد ما قيل في باب التَّسلِّي عمَّن يئس منه:
هيَ الشَّمسُ مسكنُها في السَّماءِ ... فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا
فلنْ تستطيعَ إليها الصُّعودَ ... ولنْ تستطيعَ إليكَ النُّزولا
وقال امرؤ القيس:
عيناكَ دمعُهما سِجالُ ... كأنَّ شأنيهِما أوشالُ
стр. 135
مِنْ ذكرِ ليلَى وأينَ ليلَى ... وخيرُ ما نلتَ ما ينالُ
أنشدني أحمد بن يحيى لأم الضحاك المحاربية:
سألتُ المحبِّينَ الَّذينَ تحمَّلوا ... تباريحَ هذا الحبِّ في سالفِ الدَّهرِ
فقلتُ لهمْ ما يُذهبُ الحبَّ بعدَما ... تبوَّأ ما بينَ الجوانحِ والصَّدرِ
فقالُوا شفاءُ الحبِّ يُزيلهُ ... مِن آخرَ أوْ نأيٌ طويلٌ على هجرِ
أوِ اليأسُ حتَّى تذهلَ النَّفسُ بعدَما ... رجتْ طمعاً واليأسُ عوناً علَى الصَّبرِ
وقال آخر:
فيا ربِّ إنْ أهلِكْ ولمْ تُروَ هامَتي ... بليلَى أمتْ لا قبرَ أعطشُ مِنْ قبرِي
وإنْ أكُ عنْ ليلَى سلوتُ فإنَّما ... تسلَّيتُ عنْ يأسٍ ولمْ أسلُ عنْ صبرِ
وإنْ يكُ عنْ ليلَى غنًى وتخلُّدٌ ... فربَّ غنَى نفسٍ قريبٍ منَ الفقرِ
وقال كثيّر:
وإنِّي لآتيكمْ وإنِّي لراجعٌ ... بغيرِ الجوَى مِنْ عندكم لمْ أُزوَّدِ
إذا دبَرانٌ منكِ يوماً لقيتهُ ... أُؤمِّلُ أنْ ألقاكِ بعدُ بأسعدِ
فإنْ يسلُ عنكِ القلبُ أوْ يدعِ الصِّبى ... فباليأْسِ يسلو عنكِ لا بالتَّجلُّدِ
وقال علي بن محمد العلوي:
كانَ يُبكيني الغناءُ سروراً ... فأرانِيَ أبكِي لهُ اليومَ حُزنا
آهِ مِنْ خطرةِ الكبيرِ إذا ما ... خطرَ اليأسُ دونَ ما يتمنَّى
وقال البحتري
أرجُو عواطفَ مِنْ ليلَى ويُؤيِسُني ... دوامُ ليلَى علَى الهجرِ الَّذي تلِدا
ولمْ يعُدْني لها طيفٌ فيفْجَأني ... إلاَّ علَى أبرحِ الوجدِ الَّذي عُهدا
وقال أيضاً
يرجُو مُقارنةَ الحبيبِ ودونهُ ... وجدٌ يُبرِّحُ بالمَهارِي القُودِ
ومتى يُساعدُنا الوصالُ ودهرُنا ... يومانِ يومُ نوًى ويومُ صدودِ
واليأسُ إحدَى الرَّاحتينِ ولنْ ترَى ... تعباً كظنِّ الخائبِ المكدودِ
ولبعض أهل هذا العصر:
سأكفيكَ نفسِي لا كفايةَ غادرٍ ... ولا سامعاً عذلاً ولا متعتّبا
ولكنَّ يأساً لمْ يرَ النَّاسُ مثلهُ ... وصبراً علَى مرِّ المقاديرِ مُنصِبا
وفي دونِ ما بُلِّغتهُ بلْ رأيتهُ ... بلاغٌ ولكنْ لا أرَى عنكَ مَذهبا
وله أيضاً:
حاولتُ أمراً فلمْ يجرِ القضاءُ بهِ ... ولا أرَى أحداً يُعدَى علَى القدرِ
فقدْ صبرتُ لأمرِ اللهِ مُحتسباً ... واليأسُ مِنْ أشبهِ الأشياءِ بالظَّفرِ
فالحمدُ للهِ شكراً لا شريكَ لهُ ... ما أولعَ الدَّهرَ والأيَّامَ بالغيَرِ
وقال البحتري
عزَّيتُ نفسِي ببردِ اليأسِ بعدهمُ ... وما تعزَّيتُ مِنْ صبرٍ ولا جلدِ
إنَّ النَّوى والهوَى شيئانِ ما اجتَمَعا ... فخلَّيا أحداً يصبُو إلى أحدِ
وقال أيضاً
محلَّتُنا والعيشُ غضٌّ نباتهُ ... وأفنيةُ الأيَّامِ خضرٌ ظلالُها
وليلَى علَى العهدِ الَّذي كانَ لمْ تغُلْ ... نَواها ولا حالتْ إلى الصَّدِّ حالُها
وكنتُ أُرجِّي وصلَها عندَ هجرِها ... فقدْ بانَ منِّي هجرُها ووصالُها
ولا قُربَ إلاَّ أنْ يعاودَ ذِكرها ... ولا وصلَ إلاَّ أنْ يُطيفَ خيالُها
وقال الأحوص:
تذكَّرتُ أيَّاماً مضينَ منَ الصِّبى ... وهيهاتَ هيهاتَ إليكَ رجوعُها
تُؤمِّلُ نُعمى أنْ تريعَ بها النَّوى ... ألا حبَّذا نُعمى وسوفَ تريعُها
لعمرِي لراعَتْني نوائحُ غُدوةٌ ... فصدَّعَ قلبِي بالفراقِ جميعُها
فظَلتُ كأنِّي خشيةَ البينِ إذ أنا ... أخُو جِنَّةٍ لا يستبلُّ صريعُها
وقال آخر:
أمَا واللهِ غيرَ قلًى لليلَى ... ولكنْ يا لهُ يأساً مُبينَا
لقدْ جعلتْ دَواوينَ الغَوانِي ... سِوى ديوانِ حبِّكِ يمَّحينَا
وقال بشار بن برد:
أُحبُّ بأنْ أكونَ علَى بيانٍ ... وأخشَى أنْ أموتَ منَ البيانِ
فقدْ أصبحتُ لا فرِحاً بدُنيا ... ولا مُستنكراً دارَ الهوانِ
يُقلِّبُني الهوَى ظهراً لبطنٍ ... فما يخفَى علَى أحدٍ يرَانِي
وقال ذو الرمة:
أفِي كلِّ أطلالٍ بها منكَ جنَّةٌ ... كما جُنَّ مقرونُ الوَظيفينِ نازعُ
стр. 136
ولا بدَّ مِنْ ميٍّ وقدْ حِيلَ دونَها ... فما أنتَ فيما بينَ هاتَينِ صانعُ
أمُستوجبٌ أجرَ الصَّبورِ فكاظمٌ ... علَى الوجدِ أمْ مُبدِي الضَّميرِ فجازعُ
وقال مجنون بني عامر:
فيا قلبُ متْ حزناً ولا تكُ جازعاً ... فإنَّ جزوعَ القومِ ليسَ بخالدِ
هويتَ فتاةً نيلُها الخلدُ فالتمسْ ... سبيلاً إلى ما لستَ يوماً بواجدِ
أحنُّ إلى نجدٍ وإنِّي ليائسٌ ... طوالَ اللَّيالي مِنْ قفولٍ إلى نجدِ
وإنَّكَ لا ليلَى ولا نجدَ فاعترفْ ... بهجرٍ إلى يومِ القيامةِ والوعدِ
وقال آخر:
خَلتْ عنْ ثرَى نجدٍ فما طابَ بعدَها ... ولوْ راجعتْ نجداً لطابَ إذنْ نجدُ
هو اليأسُ مِنْ ليلَى علَى أنَّ حبَّها ... مُقيمُ المراسِي لمْ يزل عندَنا بعدُ
وقال آخر:
ألا لا أُحبُّ السَّيرَ إلاَّ مُصعِّداً ... ولا البرقُ إلاَّ أنْ يلوحَ يمانِيا
علَى مثلِ ليلَى يقتلُ المرءُ نفسهُ ... وإنْ كنتُ عنْ ليلَى علَى النَّايِ طاوِيا
ولبعض أهل هذا العصر:
يقولُ أبَعْدَ اليأسِ تبكِي صبابةً ... فقلتُ وهلْ قبلَ الإياسِ بكاءُ
أبكي علَى مَن لستُ أرجُو ارتجاعهُ ... وأبكي علَى أنْ لا يكونَ رجاءُ
وقال آخر:
يقولُونَ عنْ ليلَى عَييتَ وإنَّما ... بيَ اليأسُ عنْ ليلَى وليسَ بيَ الصَّبرُ
فيا حبَّذا ليلَى إذِ الدَّهرُ صالحٌ ... وسَقياً لليلى بعدَما خبُثَ الدَّهرُ
وإنِّي لأهواها وإنِّي لآيسٌ ... هوًى وإياسٌ كيفَ ضمَّهما الصَّدرُ
وهذا من أحسن ما مرَّ ويمرُّ لأنه قد جمع لفظاً لطيفاً ومعنًى مليحاً هذا البائس قد علم أنَّ اليأس لا يكون معه هوًى لأحدٍ من النَّاس فأظهر التَّعجُّب منه لأنه خارج عن عادته ووجد في قلبه بقايا من الحزن لألم الفراق وليس هو هوًى قائمٌ ولكنَّه تأثير الاحتراق يزول حالاً بعد حالٍ إذ لم يدركه غليل الإشفاق ولم تحرّكه غلبات الاشتياق فظنَّ لشدَّة مضاضته أنَّ الهوى بعدُ مقيمٌ في قلبه.
وقال آخر:
نظرتُ وأصحابِي بنجدٍ غُديَّةً ... لأُبصرهمْ أمْ هلْ أرَى فيَّ مطمعا
بنظرةِ مشتاقٍ رأَى اليأسَ والهوَى ... جميعاً فعزَّى نفسهُ ثمَّ رجَّعا
شربتُ حراراتِ الفراقِ فلمْ أجدْ ... كمثلكِ مشروباً أمرَّ وأوجَعا
وقاسيتُ تفريقَ الجميعِ فلمْ يدعْ ... تفرُّقُ أُلاَّفي لعينيَّ مطعما
وأنشدني أحمد بن يحيى عن زيد بن بكَّار لرجل من بني أسد:
وكنتَ إذا اشتفيتَ بريحِ نجدٍ ... وماءِ البيرِ مِنْ غللٍ شفاها
فلمَّا أنْ رأيتَ بها أُموراً ... تقادمَ وهلُها وبدَا ثَآها
عرجتَ علَى المنازلِ غيرَ بُغضٍ ... وأسمحَ علوُ نفسكَ عنْ هواهَا
وساقتكَ المقادرُ واللَّيالي ... إلى أنْ لا تَراكَ ولا تَراها
ولبعض أهل هذا العصر:
أمنتُ عليكَ الدَّهرَ والدَّهرُ غادرُ ... وسكَّنتُ قلبي عنكَ والقلبُ نافرُ
وما ذاكَ عنْ إلفٍ تخيَّرتُ وصلهُ ... عليكَ ولا أنِّي بعهدكَ غادرُ
ولكنَّ صرفَ الدَّهرِ قدْ عجَّلَ الرَّدى ... وأيأسَني منْ أنْ تدورَ الدَّوائرُ
فلستُ أُرجِّيهِ ولستُ أخافهُ ... وهلْ يرتَجي ذو اللُّبِّ ما لا يحاذرُ
إذا بلغَ المكروهُ بي غايةَ المدَى ... فأهونُ ما تجرِي إليهِ المقادرُ
تناسيتَ أيَّامَ الصَّفاءِ الَّتي مضتْ ... لديكَ علَى أنِّي لها الدَّهرَ ذاكرُ
أُثبِّتُ قلبي عنكَ والوّدُّ ثابتٌ ... وهل تصبرُ الأحشاءُ والحزنُ صابرُ
إلى اللهِ أشكُو لا إليكَ فإنَّهُ ... علَى ردِّ أيَّامِ الصَّفاءِ لقادرُ
وقال العتبي:
فيا ويحَ قلبٍ عذَّبَ العينَ بالبُكا ... علَى كلِّ شِفرٍ مِنْ مدامعِها غربُ
ويا ويحَ مشتاقٍ محَا اليأسُ ما رجَا ... لحُرقتهِ شرقٌ وليسَ لها غربُ
وقال ذو الرمة:
تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازعٌ ... دعاهُ الهوَى فارتدَّ مِنْ قيدهِ قصرَا
ولا ميَّ إلاَّ أنْ تزورَ بمشرقٍ ... أوِ الزُّرقِ مِنْ أطلالِها دِمناً قفرَا
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي لبعض الأعراب:
стр. 137
أظنُّ اليومَ آخرَ عهدِ نجدٍ ... ألا فاقرأ علَى نجدٍ سلاما
فربَّتَما سكنتَ بحرِّ نجدٍ ... وربَّتَما ركبتَ بها السَّواما
وربَّتَما رأيتَ لأهلِ نجدٍ ... علَى العلاَّتِ أخلاقاً كراما
وإنِّي للمكلَّفُ حبَّ نجدٍ ... وإنِّي للمسرُّ بها السَّقاما
فهؤلاء الذين ذكروا أشعارهم قد سلوا على أوَّل روعات اليأس فمنهم من تشاغل بإظهار الحنين تجمّلاً للنَّاس ومنهم من صرَّح بالسّلوِّ عن نفسه ومنهم من اشتغل بمعالجة ما بقي من الهوَى في قلبه ونحن الآن نذكر طرفاً من أخبار من تمكَّنت الرَّوعة الأولى من نفسه وتظاهر سلطانه على قلبه فبلغ إلى ما لا يمكن منه تلافٍ ولا ينفع فيه استعطاف حدَّثني أبو طاهر الدمشقي قال حدثنا حامد بن يحيى النَّجليّ قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مُزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّة وقال إن رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذّناً فلا تقتلوا أحداً وإنَّا قد لقينا قوماً فأسرناهم ورأى نسوة وهو في ذمَّته فدنا إلى هؤلاء أفض إليهنَّ فدنَا إلى امرأة منهنَّ فقال أسلمي حُبيش قبل نفاذ العيش.
أرأيتِ إذ طالبتكمْ فوجدتمُ ... بحَليةَ أوْ ألفيتكمْ بالخوانقِ
ألمْ يكُ حقّاً أنْ ينوَّلَ عاشقٌ ... تكلَّفَ إدلاجَ السُّرى والودائقِ
فلا ذنبَ لِي قدْ قلتُ إذ أهلُنا معاً ... أثِيبي بودٍّ قبلَ إحدَى الصَّفائقِ
أثِيبي بودٍّ قبلَ أنْ تشحطَ النَّوى ... وينأَى الأميرُ بالحبيبِ المفارقِ
قال فقالت وأنت فحييت عشراً وتسعاً وترَا وثمانياً تترَا قال ثمَّ قدَّمناه فضربنا عنقه فنزلت إليه امرأة تخصُّه فأكبَّت عليه فما زالت تحنُّ عليه حتَّى ماتت وقال الجاحظ ذُكرت لأمير المؤمنين المتوكّل لتأديب بعض ولده فلمَّا رآني استشبع منظري فأمر لي بعشرة آلاف وصرفني فخرجت من عنده فلقيت محمَّد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السَّلام فعرض عليَّ الخروج معه وقرَّب حرَّاقته ونصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعتْ عوَّادة له فغنَّت:
كلَّ يومٍ قطيعةٌ وعتابُ ... ينقضِي دهرُنا ونحنُ غِضابُ
ليتَ شِعري أنا خُصصتُ بهذا ... دونَ ذا الخلقِ أمْ كذا الأحبابُ
ثمَّ سكتت وأمر طُنبوريَّة فغنَّت:
وا رحمَتَا للعاشِقينا ... ما إنْ أرَى لهمُ مُعينا
كمْ يهجرونَ ويُضربونَ ... ويُقطعونَ فيصبِرُونا
فقالت لها العوَّادة فيصنعون ماذا؟ قالت ويصنعون هكذا وضربت بيدها إلى السّتارة فهتكتها وبرزت كأنَّها فلقة قمر فزجَّت نفسها إلى الماء قال وعلى رأس محمَّد غلام يضاهيها في الجَمال وبيده مِذبَّة فلمَّا رأَى ما صنعت ألقى المذبَّة من يده وأتى الموضع فنظر إليها وهي تمرُّ بين الماء فأنشأ يقول:
أنتَ الَّتي غرَّقْتِني ... بعدَ القضَا لوْ تعلَمينا
وزجَّ بنفسه في أثرها فأدار الملاَّح الحرَّاقة فإذا بهما معتنقان ثمَّ غاصا فلم يُريا فهال ذلك محمداً واستفظعه وقال لي أبا عمرو ولتحدّثني بحديث يُسليني عن فعل هذين وإلا ألحقتك بهما قال فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد للمظالم وعُرضت عليه القصص فمرَّت به قصَّة فيها إن رأى أمير المؤمنين أعزَّه الله أن يُخرج إليَّ جاريته فلانة حتَّى تغنِّيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ سليمان وأمر من يخرج إليه فيأتيه برأسه واسترجع وأتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه فلمّا وقف بين يديه قال له ما الَّذي حملك على ما صنعت؟ قال الثّقة بحملك والاتّكال على عفوك فأمره بالقعود حتَّى إذا لم يبق من بني أُميَّة أحد إلاَّ خرج فأمر فأُخرجت الجارية ومعها عودها ثمَّ قال قل لها غنِّي فقال لها الفتى غنِّي:
أفاطمَ مهلاً بعضَ هذا التَّدلُّلِ ... وإن كنتِ قدْ أزمعتِ هجري فاجْمِلي
فغنَّته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فشربه ثمَّ قال له قل قال غنِّي:
تألَّقَ البرقُ نجديّاً فقلتُ لهُ ... يا أيُّها البرقُ إنِّي عنكَ مشغولُ
فغنَّته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فأُتي برطل فشربه ثمَّ قال له قل قال غنِّي:
حبَّذا رجعُها إليها يدَيْها ... في يدَيْ درعِها تحلُّ الإزارا
стр. 138
فغنَّته فقال له قل قال تأمر لي برطل فأُتي برطل فما استتمَّ شربه حتَّى وثب فصعد على قبَّة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فقال سليمان إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون أتراه الأحمق الجاهل ظنَّ أنِّي أُخرج الجارية إليه وأردُّها إلى ملكي يا غلمان خذوا بيدها فانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدَّقوا عنه فلمَّا انطلقوا بها نظرت إلى حفرة في دار سليمان قد أُعدَّت للمطر فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:
مَنْ ماتَ عشقاً فليمتْ هكذا ... لا خيرَ في الحبِّ بلا موتِ
وزجَّت بنفسها على دماغها فماتت فسُري عن محمَّد وأحسن صلتي وذكر لنا أنَّ محمَّداً بن حميد الطُّوسي كان جالساً مع ندمانه يوماً فغنَّت جارية له وراء السِّتارة:
يا قمرَ القصرِ متى تطلعُ ... أشقَى وغيرِي بكَ مُستمتعُ
إنْ كانَ ربِّي قدْ قضَى كلَّ ذا ... منكَ علَى رأْسِي فما أصنعُ
قال وعلى رأس محمَّد غلام بيده قدح يسقيه فرمى بالقدح من يده وقال تصنعين هكذا ورمى بنفسه من الدَّار إلى الدِّجلة فهتكت الجارية السِّتارة ثمَّ رمت بنفسها على أثره فنزل الغاصة خلفها فلم يجدوا واحداً منهما فقطع محمَّد الشُّرب وقام من مجلسه وأخبار هذا الباب أكثر من أن يتضمَّنها مثل هذا الكتاب غير أنَّا اقتصرنا منها على ما يكون معه مضربين عنها ولا مكترثين بها ولقد كادت شهرتها له لتمنعنا عن ذكرها غير أنَّها كانت شاهداً لما قدَّمناه وأحببنا أن يؤيّد بذكرها على ما شرطناه.
الباب التاسع والأربعون
لا يُعرف المقيمُ علَى العهدِ إلاَّ عندَ فراقٍ أو صدٍّ
من شأن من كان مجاوراً لأحبَّائه وسامحته الأيَّام ببلوغ محابّه أن يصرف خواطره إليهم وان لا يؤثر صحبة أحد غيرهم عليهم بل الجاري من عادة أهل الأدب إذا أقبل عليهم يستثقلون أن يظهروا له المودَّة بل يعتقدونها في الحقيقة فإذا كانت هذه حال أهل الأدب مع من يعاشرهم من غير الأحباب كان أحبابهم أحرى أن يغلبوا على قلوبهم وإنَّما يبين الصَّادق في هواه إذا فارقه أو صدَّ عنه من يهواه فأقام حينئذ عليه ولم ينتقل إلى ما سواه.
أنشدني أحمد بن يحيى النحوي لعمر بن أبي ربيعة:
يقولونَ إنِّي لستُ أصدقُ في الهوَى ... وإنِّي لا أرعاكَ حينَ أغيبُ
فما بالُ طرفِي عفَّ عمَّا تساقطتْ ... لهُ أنفسٌ مِنْ معشرٍ وقلوبُ
عشيَّةَ لا يستنكرُ القومُ إنْ رأوْا ... سفاهَ الحِجى ممَّنْ يُقالُ لبيبُ
ولا نظرةً مِنْ عاشقٍ إنْ مضتْ لهُ ... بعينِ الصِّبى كسلَى القيامِ لعوبُ
يُروِّحُ يرجُو أنْ تحطَّ ذنوبهُ ... فراحَ وقدْ عادتْ عليهِ ذنوبُ
وما الشَّكُّ أسلانِي ولكنْ لذِي الهوَى ... علَى العينِ منِّي في الفؤادِ رقيبُ
ولقد أحسن ذو الرمة حيث يقول:
إذا غيَّرَ النَّأيُ المحبِّينَ لم أجدْ ... رسيسَ الهوَى مِنْ حبِّ ميَّةَ يبرحُ
تصرَّفُ أهواءُ القلوبِ ولا أرَى ... نصيبكِ مِنْ قلبِي لغيركِ يُمنحُ
أرَى الحبَّ بالهجرانِ يُمحَى فيمتَحِي ... وحبّكِ ممَّا يستجدُّ ويذبحُ
أبِينُ وشكوَى بالنَّهارِ شديدةٌ ... عليَّ وما يأتِي بهِ اللَّيلُ أبرحُ
هيَ البرءُ والأسقامُ والهمُّ ذكرُها ... وموتُ الهوَى لولا التَّنائِي المبرّحُ
إذا قلتُ تدنُو ميَّةُ اغبرَّ دونَها ... فيافٍ لطرفِ العينِ فيهنَّ مطرحُ
فلا القربُ يُبدي مِنْ هواهَا ملالةً ... ولا حبُّها إنْ تنزحِ الدَّارُ ينزحُ
وقال أيضاً
هواكِ الَّذي ينهاضُ بعدَ اندِمالهِ ... كما هاضَ حادٍ متعبٌ صاحبَ الكسرِ
إذا قلتُ قدْ ودَّعتهُ رجعتْ بهِ ... شجونٌ وأذكارٌ تردَّدُ في الصَّدرِ
وإنْ قلتُ يسلُو حبَّ ميَّةَ قلبهُ ... أبَى حبُّها إلاَّ بقاءً علَى الهجرِ
وقال أيضاً
يزيدُ التَّنائِي وصلَ خرقاءَ جدَّةً ... إذا خانَ أرماثَ الحبالِ وصولُها
لقدْ أُشربتْ نفسِي لميٍّ مودَّةً ... تقضَّى اللَّيالي وهيَ باقٍ وسيلُها
وقال أيضاً
فلمْ يبقَ ممَّا كانَ بيني وبينَها ... منَ الوصلِ إلاَّ ما تجنُّ الجوانحُ
стр. 139
أصيداءُ هلْ قيظُ الرَّمادةِ راجعٌ ... لياليهِ أوْ أيَّامهنَّ الصَّوالحُ
سواءٌ عليكَ اليومَ انصاعتِ النَّوى ... بصيداءَ أمْ أنحَى لكَ السَّيفَ ذابحُ
إذا لمْ تزرْها مِنْ قريبٍ تناولتْ ... بنا دارَ صيداءَ القِلاصُ الطَّلائحُ
وقال أيضاً
ولمْ تُنسِني ميّاً نوًى ذاتُ غُربةٍ ... شطونٌ ولا المستطرفاتُ الأوانسُ
إذا قلتُ أسلُو عنكِ يا ميُّ لمْ يزلْ ... محلّ لدارٍ مِنْ دياركِ ناكسُ
فكيفَ بميٍّ لا تؤاتيكَ دارُها ... ولا أنتَ طاوِي الكشحِ منها فيائسُ
وقال هدبة بن خشرم:
يُجدُّ النَّأيُ ذكركِ في فؤادِي ... إذا وهلتْ علَى النَّأيِ القلوبُ
وقدْ علمتْ سُليمى أنَّ عودِي ... علَى الأحداثِ ذو وتدٍ صليبُ
عسَى الكربُ الَّذي أمسيتُ فيهِ ... يكونُ وراءهُ فرجٌ قريبُ
وقال آخر:
وإنِّي وإسماعيلَ يومَ افتراقِنا ... لكالجفنِ يومَ الرَّوعِ زايلهُ النَّصلُ
فإنْ أغشَى قوماً بعدهُ أوْ أزُرهمُ ... فكالوحشِ يدنيها منَ الأنسِ المحْلُ
وقال العرجي:
ألا أيُّها الرَّبعُ الَّذي بانَ أهلهُ ... فأمسَى قفاراً موحشاً غيرَ آهلِ
هَلَ انتَ مجيبٌ أينَ أهلكَ ذا هوًى ... وأنتَ خبيرٌ إنْ نطقتَ لسائلِ
وأيُّ بلادِ اللهِ حلُّوا فإنَّني ... علَى العهدِ راعٍ للحبيبِ المزايلِ
وقال الحسين بن الضحاك:
لشتَّانَ إشفاقِي عليكِ وقسوةٌ ... أطلتِ بها شجوَ الفؤادِ علَى العمدِ
وما حلتُ للهجرانِ عنْ حالِ صبوةٍ ... إليكِ ولكنْ حالَ جسمِي عنِ العهدِ
وقال الحسحاس الأسدي:
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يحفُّها ... ويرفعُ عنها جؤجؤاً مُتجافيا
ويكشفُ عنها وهيَ بيضاءُ ظلَّهُ ... وقد راجعتْ قرناً منَ الشَّمسِ ضاحيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ أرائحٌ ... معَ الرَّكبِ أمْ ثاوٍ لدَينا لياليا
فإنْ تبقَ لا تملكْ وإنْ تُضحِ عادياً ... تزوَّدْ وترجعْ عنْ عُميرةَ واقِيا
وقال تأبَّط شرَّا:
ألمْ تشلِ اليومَ الحمولُ البواكرُ ... بلَى فاعترف صبراً فهلْ أنتَ صابرُ
وشاقتكَ هندٌ يومَ فارقَ أهلُها ... بها أسفاً إنَّ الخطوبُ تغادرُ
فإنْ تصرِميني أوْ تُسيئي لعشرَتِي ... فإنِّي لصرَّامُ القرينِ معاشرُ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فإنْ وصلتْ حبلَ الصَّفاءِ ندُمْ لها ... وإنْ صرمتهُ فانصرفْ عنْ تجاملِ
لعمرِي لأنتَ البيتُ أُكرمُ أهلهُ ... وأقعدُ في أفنائهِ بالأصائلِ
وفيكَ الَّتي لا يبرحُ القلبُ حبَّها ... وأذكرُها ما أرزمتْ أُمُّ حائلِ
وحتَّى يؤوبَ الفارطانِ كلاهُما ... ويُنشرُ في الهلكَى كُليبٌ لوائلِ
وقال زهير:
تأوَّبني ذكرُ الأحبَّةِ بعدَما ... هجعتُ ودونِي قلَّة الحزنِ والرَّملُ
وكلُّ محبٍّ يُحدثُ النَّأيُ بعدهُ ... سلوَّ فؤادٍ غيرَ حبّكِ ما يسلُو
وقال جميل بن معمر:
وما أحدثَ النَّأيُ المفرِّقُ بيننا ... سلوّاً ولا طولُ اجتماعٍ تقالِيا
كأنْ لمْ يكنْ بينٌ إذا كانَ بعدَهُ ... تلاقٍ ولكنْ ما إخالُ تلاقيا
وقال عروة بن حزام:
فواللهِ لا أنساكِ ما هبَّتِ الصَّبا ... وما أعقبتْها في البحارِ جنوبُ
ولستُ أرَى نفسِي علَى طولِ نأيكمْ ... وبُعدكِ منِّي ما حييتُ تطيبُ
فأوَّلَ ذكرِي أنتِ في كلِّ مصبحٍ ... وآخرُ ذكرِي عندَ كلِّ غروبِ
فوا كبدَا أضحتْ قريحاً كأنَّما ... تلذِّعُها بالكيِّ كفُّ طبيبِ
وقال آخر:
لا والَّذي عمدَ الحجَّاجُ كعبتهُ ... فهمْ سراعٌ إلى مرضاتهِ وفُقُ
لا تذهلُ النَّفسُ عنْ ليلَى وإنْ ذهلتْ ... ما دامَ للهضبِ هضبِ الغايةِ البرُقُ
وقال البحتري
تقضَّى الصِّبى إلاَّ خيالاً يعودُني ... بهِ ذُو دلالٍ أحورُ الطَّرفِ فاترهْ
فيذْكِرني الوصلَ القديمَ وليلةً ... لدَى سمُراتِ الجزعِ إذ نامَ سامرهْ
وعهداً أبيْنَا فيهِ إلاَّ تبايُناً ... فلا أنا ناسيهِ ولا هو ذاكرهْ
стр. 140
إذا التهبتْ في لحظِ عينيهِ غضبةٌ ... رأيتُ المنايا في النُّفوسِ تؤامرهْ
وقال الضحاك بن عقيل:
أسمراءُ إنَّ اليأسَ مُسلٍ ذوِي الهوَى ... ونأيكِ عندِي زادَ قلبِي بكمْ وجدَا
أرَى حرجاً ما نلتُ مِنْ ودِّ غيركمْ ... ونافلةً ما نلتُ مِنْ ودِّكمْ رُشدا
وقال الهذلي:
وإنِّي علَى أنْ قدْ تجشَّمتُ هجرَها ... لِما ضمَّنتني أُمُّ عمرٍو لضامنُ
يُوافيكَ منها طارقٌ كلَّ ليلةٍ ... حبيبٌ كما وافَى الغريمَ المُداينُ
وقال ابن الدمينة:
وإنِّي لأستحييكِ حتَّى كأنَّما ... عليَّ بظهرِ الغيبِ منكِ رقيبُ
حذارَ القِلَى والصَّرمِ منكِ وإنَّني ... علَى العهدِ ما داومْتِني لصليبُ
فيا حسراتِ النَّفسِ مِنْ غربةِ النَّوى ... إذا اقتسمتها نيَّةٌ وشعوبُ
ومِنْ خطراتٍ تعتريني وزفرةٍ ... لها بينَ جلدِي والعظامِ دبيبُ
أما هذا فقد أحسن في البيت الأول وبرد في البيت الثاني إذ جعل علَّته في الوفاء لها حذار قِلاها وصرمها وعلى أنه لم يرض أيضاً بذلك حتَّى جعل مداومته عليها متَّصلة بمداومتها عليه لا غير وهذه حال مفرطة الخساسة متناهية القباحة.
ولبعض أهل هذا العصر:
يا غارسَ الحبّ بينَ القلبِ والكبدِ ... هتكتَ بالهجرِ بينَ الصَّبرِ والجلدِ
إذا دعَا اليأسُ قلبِي عنكَ قالَ لهُ ... حسنُ الرَّجاءِ فلمْ يصدرْ ولم يردِ
يا مَنْ نقومُ مقامَ الموتِ فرقتهُ ... ومَنْ يحلُّ محلَّ الرُّوحِ مِنْ جسدِي
فقدْ جاوزَ الشَّوقُ بي أقصَى مراتبهِ ... فإنْ طلبتُ مزيداً منهُ لمْ أجدِ
واللهِ لا ألفتْ نفسِي سواكَ ولوْ ... فرَّقتْ بالهجرِ بينَ الرُّوحِ والجسدِ
إنْ توفِ لي لا أردْ ما دمتُ لي بدلاً ... وإنْ تعزَّيتُ لمْ أُرِكْنَ إلى أحدِ
وقال آخر:
أهجراً وقيداً واشتياقاً وغربةً ... وهجرَ حبيبٍ إنَّ ذا لعظيمُ
وإنْ امرءاً دامتْ مواثيقُ عهدهِ ... علَى مثلِ ما قاسيتهُ لكريمُ
وقال معاذ ليلَى:
وللنَّفسِ ساعاتٌ تهشُّ لذكرِها ... فتحيَى وساعاتٌ لها تستَكِينُها
فإنْ تكُ ليلَى استودَعَتْني أمانةً ... فلا وأبي ليلَى إذاً لا أخونُها
وقال المؤمّل:
لسْنا بسالينَ إنْ سلَوْا أبداً ... عنهمْ ولا صابرينَ إنْ صبرُوا
نحنُ إذاً في الجفاءِ مثلهمُ ... إذا هجرناهمُ كمَا هجرُوا
إنْ يقطعُونا فطالَما وصلُوا ... وإنْ يغيبُوا فربَّما حضرُوا
وقال البحتري
أُلامُ علَى هواكِ وليسَ عدلاً ... إذا أحببتُ مثلكِ أنْ أُلاما
أعيدِي فيَّ نظرةَ مُستثيبٍ ... توخَّى الهجرَ أوْ كرهَ الأثاما
ترَيْ كبداً محرَّقةً وعيناً ... مؤرَّقةً وقلباً مُستهاما
لئنْ أضحتْ محلَّتنا عِراقاً ... مشرِّقةً وحِلَّتها شآما
فلمْ أُحدثْ لها إلاَّ وداداً ... ولمْ أزددْ بها إلاَّ غراما
وقال أيضاً
هجرتْنا عنْ غيرِ جرمٍ نوَارُ ... ولدَيْها الحاجاتُ والأوطارُ
وأقامتْ بجوِّ بِطْياسَ حتَّى ... كثُرَ اللَّيلُ دونَها والنَّهارُ
إنْ جرَى بيننا وبينكِ هجرٌ ... وتناءتْ منَّا ومنكِ الدِّيارُ
فالغليلُ الَّذي علمتِ مقيمٌ ... والدُّموعُ الَّتي عهدتِ غزارُ
وقال مجنون بني عامر:
وتعذُبُ لي مِنْ غيرِها فأعافُها ... مشاربُ فيها مقنعٌ لوْ أُريدُها
وأمنحُها أقصَى هوايَ وإنَّني ... علَى ثقةٍ مِنْ أنَّ حظِّي صدودُها
وقال نصيب:
أصدَّتْ غداةَ الجزعِ ذِي الطَّلحِ زينبُ ... تقطِّعُ منها حبلَها أمْ تقضِّبُ
وقدْ عبثتْ فيما مضَى وهيَ خلَّةٌ ... صديقٌ لنا أوْ ذاكَ ما كنتُ أحسبُ
ترَى عجباً في غبطةٍ أنْ نزورَها ... ونحنُ بها منها أسرُّ وأعجبُ
وفي الرَّكبِ جثْماني ونفسِي رهينةٌ ... لزينبَ لمْ أذهبْ بها حينَ أذهبُ
فبانتْ ولا يُنسيكَها النَّأيُ إنَّها ... علَى نأيِها نصبٌ لقلبكَ منصبُ
وقال آخر:
حلفتُ لها بِما نحَّتْ قريشٌ ... يميناً والسَّوانحِ يومَ جمعِ
стр. 141
لأنتِ علَى التَّنائِي فاعْلَميهِ ... أحبُّ إليَّ مِنْ بصري وسمعِي
الباب الخمسون
قليلُ الوفاءِ بعدَ الوفاةِ أجلُّ مِنْ كثيرهِ وقتَ الحياةِ
الوفاء اسم للثَّبات على الشَّرائط فكلُّ من عقد على نفسه أو عقد عليه غيره ممَّن يلزمه عقده شيئاً فثبت عليه ولم يزل عنه سمِّي موفياً وكلُّ من شرط على نفسه شرطاً وزال عنه للزَّوال سمِّي غادراً وليس يسمَّى موفياً من فعل فعلاً جميلاً لم يشرط على نفسه فعله ولا شرطه عليه من يلزمه شرطه ولا يسمّى غادراً من فعل فعلاً قبيحاً لم يجب عليه تركه ولا شرط عليه من يحبُّ شرطه فالمحبوب يكون موفياً لمحبِّه ويكون غادراً بعهده والمحبّ لا يكون موفياً ولا غادراً لأنَّ محبَّته قائدةٌ له إلى محابّ إلفه فيما يصلح الانقياد إلى مثله فهو يأتي طاعته بطبعه لا وفاءً بشرط لزمه وكلّ من لم يصلح أن يسمَّى موفياً لم يصلح أن يسمَّى غادراً وإنَّما يصلح أن يكون المحبوب موفياً وغادراً لأنه يأتي ما يأتيه مختاراً ويشرط لإلفه الشَّرائط على نفسه فيفعل ما ضمن أو يتركه فيكون موفياً أو غادراً بفعله أو تركه وهذا الَّذي ذكرناه من أنَّ المحبّ لا يكون موفياً ولا غادراً إنَّما هو ما دامت محبَّته قائمة فأمَّا إذا زالت المحبَّة بسلوٍّ عارض أو بوفاة المحبوب فالمحبّ حينئذ يكون موفياً غادراً.
قالت امرأة من عامر بن صبعة:
وإنِّي لأستحييهِ والتُّربُ بينَنا ... كما كنتُ أستحييهِ حينَ يرانِي
أهابُكَ إجلالاً وإنْ كنتَ في الثَّرَى ... لوجهكَ يوماً إنْ يسؤْكَ مكانِي
ويروى عن هذه المرأة أنَّها زارت قبر زوجها وعليها حليٌّ وثيابٌ مصبَّغة فالتزمت القبر ثمَّ أنشأت تقول:
يا صاحبَ القبرِ يا مَنْ كانَ ينعمُ بي ... عيشاً ويكثرُ في الدُّنيا مؤاتاتِي
نسيتَ ما كنتَ مِنْ قربِي تحبُّ وما ... قدْ كانَ يُلهيكَ مِنْ ترجيعِ أصواتِي
أزورُ قبركَ في حلْيٍ وفي حُللٍ ... كأنَّني لستُ مِنْ أهلِ المصيباتِ
فمنْ رآنِي مِنْ حزنِي مفجَّعةً ... طويلةَ الحزنِ في زوَّارِ أمواتِ
فبينما هي ملتزمة القبر إذ شهقت شهقةً فماتت وليس موت هذه المرأة بعد وفاة زوجها بمدَّة نقضاً لما قدَّمنا ذكره في الباب الَّذي ذكرنا فيه أنَّ من يئس ممَّن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه لما قدَّمنا في ذلك من البرهان وأرينا فيه من الأمثال ونحن نقول الآن من فجأه الحزن دفعة واحدة من غير مقدّمة حتَّى يمضي عليه مدَّة خوف جوًى ولا حذارٍ طبيعي لم يستنكر منه أن يزول تمييزه فلا يفهم ما نزل به حتَّى تمضي عليه مدة متطاولة فربَّما انحلَّت سكرته إلى إفاقة سلوٍّ مريح وربَّما انحلَّت بوقوع تلف صحيح وعلى أنَّ الضَّنين المشفق العالم بنوب الزَّمان والمستعدّ لخطوب الأيَّام قد يلحقه بمفاجأة المكروه ما يزيل تمييزه ويبطل تدبيره وينسيه ما كان ذاكراً له ولمعترفاته وهذا عمر بن الخطاب ﵁ ناله من وفاة النبي ﷺ ما لا خفاء به على الخاصَّة ولا على كثير من العامَّة من انتضائه سيفه وقوله إنَّ رسول الله لا يموت وليقومنَّ فليقطّعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم حتَّى قال له أبو بكر الصديق ﵁ إن الله جلَّ وعزَّ يقول) إنَّك ميتٌ وإنَّهم ميّتون (قال عمر ﵁ فكأنِّي لم أسمعه إلاَّ يومئذ ويروى عن إبان تغلب أنه قال بينا أنا في بعض الفلوات في طلب ذود ضالَّة إذ بصرت بجارية أعشَى إشراق وجهها بصري فقالت لي مالي أراك مدلَّهاً قلت في طلب ذودٍ لي ضالَّة قالت هل أدلّك على من يعلم علمهنَّ فإن شاء ردَّهنَّ عليك فقلت نعم بأبي أنتِ مسرعاً قالت إنَّ الَّذي أعطاكهنَّ هو الَّذي أخذهنَّ فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الاختيار فلمَّا رأيت حسن منظرها وحلاوة منطقها قلت هل لك من زوجٍ؟ قالت كان فدُعيَ فعاد إلى ما منه خُلق فأجاب فقلت فهل لك من زوجٍ لا تُخشى بوائقه ولا تذمُّ خلائقه؟ فأطرقت مليّاً وعيناها تهملان بالدُّموع ثمَّ أنشأت تقول:
كنَّا كغُصنينِ في أرضٍ غِذاؤهُما ... ماءُ الجداولِ في روضاتِ جنَّاتِ
وكانَ عاهدَني إنْ خانَني زمنٌ ... ألاَّ يضاجعَ أُنثَى بعدَ مثواتِي
стр. 142
وكنتُ عاهدتهُ أيضاً فعاجلَهُ ... ريبُ المنونِ قريباً مُذْ سُنيَّاتِ
فاردعْ عنانكَ عمَّنْ ليسَ يخلبُها ... عنِ الوفاءِ خلاَبٌ بالتَّحيَّاتِ
ويروى عن الأصمعي أنه قال دخلت فإذا أنا بامرأة تنوح على قبر وهي مسفرة فلمَّا رأتني غطَّت وجهها ثمَّ كشفته فقالت:
لا صنتُ وجهاً كنتَ صائنهُ ... يوماً ووجهكَ في الثَّرى يبلَى
يا عِصمتي في النَّائباتِ ويا ... رُكني القويَّ ويا يدي اليُمنَى
وقال آخر:
وقائلةٍ لمَّا رأتْني مدلَّهاً ... أُناديكَ تاراتٍ وأبكيكَ تاراتِ
لقدْ كنتَ جلداً للرَّزيَّاتِ قبلَها ... فقلتُ لها ليستْ كإحدَى الرَّزيَّاتِ
أصابَ بكَ الدَّهرُ الرَّزيَّةَ واشتفَى ... بيومكَ مِنْ أيَّامِ لهوِي ولذَّاتي
وقالت ليلَى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
وأقسمتُ أبكِي بعدَ توبةَ هالكاً ... وأحفلُ مَنْ دارتْ عليهِ الدَّوائرُ
لعمركَ ما بالموتِ عارٌ علَى الفتَى ... إذا لمْ تصبْهُ في الحياةِ المعايرُ
ولا الحيُّ ممَّا يحدثُ الدَّهرُ معتبٌ ... ولا الميتُ إنْ لمْ يصبرِ الحيُّ ناشرُ
وما أحدٌ حيّاً وإنْ كانَ ناجياً ... بأخلدَ ممَّنْ غيَّبتهُ المقابرُ
وكلُّ شبابٍ أوْ جديدٍ إلى بلًى ... وكلُّ امرئٍ يوماً إلى اللهِ صائرُ
وذكروا أنَّها دخلت على الحجاج بن يوسف يوماً فقال لها بلغني أنَّكِ مررتِ على قبر توبة فعدلت عنه فوالله ما وفيتِ له ولو كان مكانك ما عدل عن قبركِ فقلت أصلح الله الأمير إنَّ لي عذراً قال وما هو قالت إنِّي سمعته يقول:
ولو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْ ... عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوْ زَقَا ... إليها صدًى مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ
وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أمرَّ بهنَّ على قبره فلا يكون ما قال فأكون قد كذَّبته فاستحسن الحجَّاج ذلك منها وأمر بقضاء حوائجها.
وقال آخر:
دعوتكَ يا عليُّ فلمْ تجبْني ... فرُدَّتْ دعوَتي يأساً عليَّا
بموتكَ بانتِ اللَّذَّاتُ عنِّي ... وكانتْ حيَّةً إذ كنتَ حيَّا
فيا أسفِي عليكَ وطولَ شوقِي ... إليكَ لَوَ انَّ ذاكَ يردُّ شيَّا
وقال البحتري
سقَى اللهُ الجزيرةَ لا لشيءٍ ... سوَى أنْ يرتَوي ذاكَ القُليبُ
نصيبِي كانَ مِنْ دُنيايَ ولَّى ... فلا الدُّنيا تحسُّ ولا النَّصيبُ
تولَّى العيشُ إذ ولَّى التَّصابي ... وماتَ الحبُّ إذ ماتَ الحبيبُ
وقال أيضاً
بنا أنتِ مِنْ مجفوَّةٍ لمْ تعتَّبِ ... ومعذورةٍ في هجرها لمْ تؤنَّبِ
ونازحةٍ والدَّارُ منها قريبةٌ ... وما قربُ ثاوٍ في التُّرابِ مغيَّبُ
وقال جرير:
لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ ... ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
كانتْ إذا هجرَ الضَّجيعُ فراشَها ... صِينَ الحديثُ وعفَّتِ الأسرارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ... ليلٌ يكرُّ عليهمِ ونهارُ
وقال أبو نواس:
طوَى الموتُ ما بينِي وبينَ محمَّدٍ ... وليسَ لِما تطوِي المنيَّة ناشرُ
لئنْ عمرتْ دورٌ بمنْ لا أُحبُّهُ ... لقدْ عمرتْ ممَّنْ حبُّ المقابرُ
وكنتُ عليهِ أحذرُ الموتَ وحدهُ ... فلمْ يبقَ لي شيءٌ عليهِ أُحاذرُ
وقال آخر:
كُتبَ السَّواد لناظري ... تبكي عليكَ وناظرُ
مَنْ شاءَ بعدكَ فليمُتْ ... فعليكَ كنتُ أُحاذرُ
وقال أشجع:
لئنْ أنا لمْ أُدركْ منَ الموتِ ثَارِيا ... ولمْ أشفِ قرحاً دامياً مِنْ فؤادِيا
لتختَرِ مَنِّي الحادثاتُ وحسرَتي ... بأحمدَ في سوداءِ قلبي كما هِيا
لقدْ أفسدَ الدُّنيا عليَّ فراقهُ ... وكدَّرَ منها كلَّ ما كانَ صافِيا
وأذكرُ ألاَّ نلتَقي فكأنَّما ... أُعالجُ أنفاسَ المنايا القواضِيا
ويمنعُني مِنْ لذَّةِ العيشِ أنَّني ... أراكَ إذا فارقتُ لهواً ترانِيا
وأنشدني أحمد بن طاهر قال: أنشدنا أبو تمام لنفسه:
هوَ الدَّهرُ لا يشوِي وهنَّ المصائبُ ... وأكثرُ آمالِ النُّفوسِ كواذبُ
стр. 143
وقلتُ أخِي قالُوا أخٌ مِنْ قرابةٍ ... فقلتُ نعمْ إنَّ الشُّكولَ أقاربُ
نَسيبيَ في رأيٍ وعزمٍ ومذهبٍ ... وإنْ باعدتْنا في الأُصولِ المناسبُ
كأنْ لمْ يقلْ يوماً كأنَّ فتنثنِي ... إلى قولهِ الأسماعُ وهيَ رواغبُ
ولمْ أتجهَّمْ ريبَ دهرِي برأيهِ ... فلمْ يجتمعْ لي رأيهُ والنَّوائبُ
عجبتُ لصبرِي بعدهُ وهوَ ميِّتٌ ... وكنتُ امرءاً أبكِي دماً وهوَ غائبُ
علَى أنَّها الأيَّامُ قدْ صرنَ كلُّها ... عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي للحسين بن وهب:
سقَى بالمُوصلِ القبرَ الغريبا ... سحائبُ ينتحبْنَ لنا نَحيبا
فإنَّ ترابَ ذاكَ القبرِ يحوِي ... حبيباً كانَ لي يُدعَى حَبيبا
فقدْنا منكَ عِلقاً كانَ يُدني ... إلينا البرَّ والنَّسبَ القَريبا
فلمَّا بنتَ نكَّرتِ اللَّيالي ... قريبَ النَّاسِ والأقصَى الغَريبا
وأبدَى الدَّهرُ قبحَ صحيفتيهِ ... ووجهاً كالحاً جَهماً قطُوبا
فأحرِ بأنْ يطيبَ الموتُ فيهِ ... وأحرِ بعيشهِ ألاَّ يَطيبا
وقال علي بن محمد العلوي:
مَنْ لي بمثلكَ يا روحَ الحياةِ ويا ... يُمنى يديَّ وقدْ شُلَّتْ منَ العضُدِ
مَنْ لي بمثلكَ أرعاهُ لحادثةٍ ... تُشكَى إليهِ ولا تُشكى إلى أحدِ
قدْ ذقتُ أنواعَ ثُكلٍ أنتَ أبلغُها ... منَ القلوبِ وأخناها علَى الجلَدِ
فاليومَ لمْ يبقَ شيءٌ أستريحُ لهُ ... إلاَّ تفتُّتُ أحشائِي منَ الكمَدِ
قلْ للرَّدَى لا يُغادرْ بعدهُ أحداً ... وللمنيَّةِ مَنْ أحببتِ فاعتمدِي
إنَّ السُّرورَ تقضَّى يومَ فارقَني ... وآذنَ العيشُ بالتَّكديرِ والنَّكدِ
وقال محمد بن مناذر يرثي صاحبه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي:
كلُّ حيٍّ لاقِي الحِمامَ فمُودِي ... ما لحيٍّ مؤمَّلٍ مِن خُلودِ
لا تهابُ المنونُ خلقاً ولا تُب ... قِي علَى والدٍ ولا مولودِ
فَلَوَ انَّ الأيَّامَ يُخلدنَ شيئاً ... لعُلاهُ أخلدنَ عبدَ المجيدِ
ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ ... غيَّبتهُ ما غيَّبتْ في الصَّعيدِ
إنَّ عبدَ المجيدِ يومَ تولَّى ... هدَّ ركناً ما كانَ بالمهدودِ
هدَّ رُكني عبدُ المجيدِ وقدْ كنْ ... تُ بركنٍ أنوءُ منهُ شديدِ
حينَ تمَّتْ آدابهُ وتردَّى ... برداءٍ منَ الشَّبابِ جديدِ
وسمتْ نحوهُ العيونُ وما كا ... نَ عليهِ لزائدٍ مِنْ مَزيدِ
فإذا ما ذكرتهُ عرضتْ لي ... غُصَّةٌ في اللهَى وحبلِ الوريدِ
وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ ... حينَ أدعوهُ مِنْ مكانٍ بعيدِ
فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقدْ كا ... نَ سَميعاً هشّاً إذا هوَ نُودي
كانَ لي عصمةً فأودَى بهِ الدَّه ... رُ فيا حسرةَ الفريدِ الوحيدِ
يا فتًى كانَ للمقاماتِ زَيناً ... لا أراهُ في المشهدِ المشهودِ
لهفَ نفسِي ألاَّ أراكَ وهلْ عنْ ... دكَ لي إنْ دعوتُ مِنْ مردودِ
خُنتكَ الودَّ لمْ أمتْ كمَداً بعْ ... دكَ إنِّي عليكَ حقُّ جليدِ
لوْ فدَى الحيُّ ميّتاً لفدتْ نفْ ... سكَ نفسِي بطارِفِي وتَليدي
ولئنْ كنتُ لمْ أمتْ مِنْ جوَى الحزْ ... نِ عليهِ لأبلغنْ مجهُودي
لأُقيمنَّ مأتماً كنجومِ اللَّيْ ... لِ غُرّاً يلطمنَ حرَّ الخدودِ
موجعاتٍ يبكينَ للكبدِ الح ... رَّى عليهِ وللفؤادِ العميدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أمثلُ الَّذي ألقَى يُقاومهُ صبرُ ... فأصبرَ أمْ مثلي يُنهنهُهُ الزَّجرُ
لئنْ كنتُ غرّاً بالَّذي قدْ لقيتهُ ... لفي فقدِ تمييزِي يحقُّ ليَ الأجرُ
تقضَّتْ صباباتِي إليهِ وقصَّرتْ ... ظنوني بهِ بلْ ليسَ ظنٌّ ولا ذكرُ
وكفَّ رجائِي فاطمأنَّتْ مَخافتي ... فلمْ يبقَ لي إلاَّ التَّأسُّفُ والفكرُ
فما لي رجاءٌ غيرَ قربِ منِّيَّتِي ... ولا خوفَ إلاَّ أنْ يطولَ بيَ العمرُ
ولوْ لمْ يحُل أسرُ المنيَّةِ بينهُ ... وبينيَ لم أحفلْ بما صنعَ الدَّهرُ
стр. 144
فليتَ المنايا وحدَها سمحتْ بهِ ... ونازَعَنيهِ البينُ والهجرُ والغدرُ
وبلغني أنَّ جميلاً لمَّا حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، فأنشده:
ذكرَ النَّعيُّ وما كَنَا بجميلِ ... وثوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفولِ
غدرَ الزَّمانُ بفارسٍ ذِي بَهمةٍ ... ثبتٍ إذا جعلَ اللّواءُ يزولُ
فلمَّا قضى حياته أتى الرَّجل الماء الَّذي وُصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت بُثينة ناشرةً شعرها شاقَّةً جيبها لاطمةً وجهها وهي تقول: يا أيُّها النَّاعي بفيكَ الحجرُ أمَا واللهِ لئنْ كذَبْتني لقد فضحتني ولئن كنتَ صدقتَني لقد قتلتني ثمَّ أنشأت تقول:
وإنَّ سلوِّي عنْ جميلٍ لساعةٌ ... منَ الدَّهرِ ما جاءتْ ولا حانَ حينُها
سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ ... إذا متَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها
ويقال أنَّها لم تقل شعراً غيره وذكروا أنَّ عروة بن حزام لمَّا انصرف من عند عفراء ابنة عقال فتوفِّي وجداً بها وصبابةً إليها مرَّ به ركبٌ فعرفوه فلمَّا انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:
ألا أيُّها القصرُ المغفَّلُ أهلهُ ... نعَيْنا إليكمْ عُروةَ بنَ حزامِ
ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت:
ألا أيُّها الرَّكبُ المُخِبُّونَ ويحَكُم ... بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بنَ حزامِ
فأجابها رجل من القوم:
نعمْ قدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ ... مُقيماً بها في سبسبٍ وأكامِ
فقالت لهم:
فإنْ كانَ حقّاً ما تقولونَ فاعلمُوا ... بأنْ قدْ نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ
فلا لقيَ الفتيانُ بعدكَ لذَّةً ... ولا رَجعوا مِنْ غيبةٍ بسلامِ
ولا وضعتْ أُنثَى تماماً بمثلهِ ... ولا فرحتْ مِنْ بعدهِ بغُلامِ
ولا لا بلغتمْ حيثُ وجِّهتمُ لهُ ... ونُغِّصتمُ لذَّاتِ طلِّ طعامِ
ثمَّ سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلمَّا قاربته قالت: أنزلوني فإنِّي أُريد قضاء حاجةٍ فأنزلوها فانسلَّت إلى القبر فانكبَّت عليه فما راعهم إلاَّ صوتها فلمَّا سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة علَى القبر قد خرجت نفسُها فدفنوها إلى جنبه.
تمَّ القول ولله الحمد والمنَّة والصَّلاة علَى رسول الله.
стр. 145
قد وفَّينا بحمد الله من التَّشبيب بكل ما ضمنَّاه على حسن الترتيب الَّذي قدَّمناه فأفردنا له خمسين باباً ووفَّينا كلّ باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلاَّ ما يواطئ ترجمته مفرداً من كل ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبتِّراً ولبقي عامَّة الكلام مستوحشاً لأنَّ البيت يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسناً أن يُذكر البيت لمعنًى فيه يشاكل الباب وتُفرد سائر معانيه المتعلّقة بالبيت الَّذي يليه ممَّا ينتظم معها وينبّه على صحَّتها وحسنها على أنَّه لو لزمنا أن لا نضمّن الباب إلاَّ ما يطابق لفظه مفرداً ممَّا يقتضيه ويتَّصل به ألزمنا تفصيل المصراع من المصراع الَّذي لا يشاكله حتَّى لا يكون في البيت كلمةٌ تقتضي معنًى ليس الباب موجباً له لأنَّ في أشعار بلغاء العرب الَّذي يتضمَّن أوَّله معنًى ويتضمَّن آخره غيره إذ البلاغة الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربَّما تضمَّن المصراع المتأخِّر ضدَّ ما يتضمنَّه المصراع المتقدّم ولو فعلنا ذلك لخرج كتابنا عن حدّ العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حدّ الجهالات المطربة والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطّع نظامها وبتر كلامها عن باب الأشعار فإذا كان الاختيار والاضطرار معاً يمنعان من أن لا ندخل في باب إلاَّ ما توجبه ترجمته المتقدّمة له إذاً فلا بدَّ من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع الاحتجاج يطابقه وإن كان ممَّا لو أُفرد في نفسه لكان البيت غنيّاً عن ذكره والَّذي منعني أن أجعل أبيات كلّ باب مائة كاملة في خاصّية معناه سوى ما يتَّصل به ممَّا يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أنِّي لو فعلت ذلك لم أضبطه إلاَّ بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كلّ واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدَّمنا ذكره من تهجين الكتاب وتقبيح الأبواب والآخر أنَّ الأبواب حينئذٍ كانت تكون بغير عددٍ محصورٍ ولا حدّ مقصور وإنَّما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشَّرط فيه أعدت فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد مرَّت في أبواب الغزل تكون قصاصاً من الخمسة الأبيات الَّتي في الرسالة المقدَّمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج العدد عن حدّ ما قصدناه أعدنا أبياتاً قصاصاً عن الأبيات ليست محسوبة في باب وإنَّما هي متمثَّل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن تكون الاحتجاجات والأبيات المتعلّقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد لاستحالت التَّسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب.
следующие страницы →