← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 739

الأحاديث الواردة في اللعب والرياضة

صالح بن فريح البهلال

Полный текст (526 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والديلمي (١) من طريق عبد الله بن دُكين، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، والحسن بن عرفة (٢) من طريق بُهلول بن عبيد، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن حمزة. سبعتهم: (ميسرة، ومحمد بن علي بن الحسين، وأبوه، وعمار، والأصبغ، وأبو إسحاق، وعاصم) عن علي موقوفًا، سوى رواية حسين بن علوان، عن جعفر الصادق، عن أبيه محمد، عن علي، فقد ورد مرفوعًا بالنهي عن السلام على لاعب الشطرنج. وقد جاء لفظه عن ميسرة، وأبي إسحاق السبيعي، وعاصم بن حمزة أن عليًّا ﵁ مر على قومٍ يلعبون بالشطرنج، فقال: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون». وجاء لفظه عن الأصبغ بن نُباتة -مرة- بذكر فعل عليٍّ وقوله دون اللفظ المرفوع. وزيادة: «لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خيرٌ له من أن يمسها». وجاء -مرة- عنه، وعن علي بن الحسين، بالنهي عن السلام على لاعب الشطرنج. وجاء لفظه عن محمد بن علي -يروى عنه من طريق سليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، عن جعفر الصادق، عن أبيه محمد- بلفظ: «الشطرنج ميسر الأعاجم». وجاء لفظه عند عمار بن أبي عمار أن عليًّا ﵁ مر بمجلس قوم، وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أما والله لغير هذا خلقتم، أما والله لولا أن تكون سُنَّة لضربت بها وجوهكم. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ لأن في رواته من اتهم بالكذب، قاله السخاوي (٣)،

стр. 142

ولم يعين المتهم، وقد اختلف عن علي ﵁ في رفع الحديث ووقفه، ولا يصح من طرقه شيء، وهذا بيان بذلك: - أما رواية ميسرة النهدي، ففيها انقطاع؛ فإن ميسرة لم يدرك عليًّا، قاله الإمام أحمد (١). - وأما رواية جعفر الصادق، عن أبيه محمد بن علي، فقد اختلف عن جعفر فيها على ثلاثة أوجه: ١ - عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب موقوفًا. وهذا الوجه يرويه سليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل. ٢ - عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا. وهذا الوجه يرويه حسين بن علوان. ٣ - عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب موقوفًا. وهذا الوجه يرويه عبد الله بن دُكين. والرواية الصواب هي الرواية الأولى، فسليمان بن بلال ثقةٌ (٢)، وحاتم بن إسماعيل صدوقٌ يهم (٣)، وراوي الوجه الثاني هو حسين بن علوان، وقد قال فيه ابن معين: «كان كذابًا» (٤)، وراوي الوجه الثالث هو عبد الله بن دُكين، وقد قال فيه أبو حاتم: «منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن جعفر بن محمد غير حديث منكر» (٥). ومع أن الصواب هو الوجه الموقوف إلا أنه ضعيفٌ؛ ففيه رواية محمد بن علي، عن جد أبيه علي بن أبي طالب، وهي مرسلة، قاله

стр. 143

أبو زرعة (١). - وأما رواية محمد بن أبي زكريا، عن عمار بن أبي عمار ففيها محمد بن أبي زكريا ضعيفٌ (٢). - وأما رواية سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتة، ففيها هذان الراويان، وهما متروكان (٣). - وأما رواية أبي إسحاق السبيعي، فقد اختلف عنه على وجهين: ١ - عن أبي إسحاق، عن علي. وهذا الوجه يرويه الحسن بن صالح. عن أبي إسحاق، عن عاصم بن حمزة، عن علي. وهذا الوجه يرويه بُهلول بن عُبيد. والوجه الأول هو الصواب، فالحسن بن صالح ثقةٌ فقيهٌ، وأما الوجه الثاني فراويه بُهلول بن عبيد، وقد قال فيه ابن عدي: «أحاديثه عمن روى عنه فيها نظر، وحديثه عن أبي إسحاق أنكر منه عن غيره» (٤). ومع أن الصواب هو الوجه الأول إلا أنه ضعيفٌ، فقد قال السخاوي عن أبي إسحاق: «قيل: لم يسمع من علي، مع أنه رآه» (٥). * * * ٣٢ - قال السخاوي (٦): وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللاعب بالشطرنج كآكل لحم الخنزير»، أخرجه الديلمي في جزئه من حديث سعيد بن سيف، ثنا غالب بن عثمان، ثنا خالد بن جميل، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عمر به.

стр. 144

• رواة الحديث: ١ - سعيد بن سيف: لم أعثر على ترجمته. ٢ - غالب بن عثمان: لم أعثر على ترجمته. ٣ - خالد بن جميل: لم أعثر على ترجمته. ٤ - ابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، الكوفي، القاضي، أبو عبد الرحمن، ضعفه يحيى القطان، وقال أحمد: «كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه في حديثه اضطراب»، وقال أيضًا: «وابن أبي ليلى يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم -أي: ابن عتيبة-»، وقال أبو زرعة، والنسائي: «ليس بالقوي»، وقد وصفه بسوء الحفظ وكثرة الخطأ: شعبة، وابن المديني، وأحمد، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم، وقال أبو حاتم: «محله الصدق، كان سيئ الحفظ، شُغل بالقضاء فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يكتب حديثه، ولا يحتج به». وقد لخص حاله الحافظ ابن حجر بقوله: «صدوقٌ سيئ الحفظ جدًّا». قلت: الذي يظهر من كلام النقاد ضعفه (١). ٥ - الحكم: هو ابن عتيبة الكِندي، أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عمر الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إلا أنه ربما دلس، وقد ذكره الحافظ في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين، ممن احتمل الأئمة تدليسهم (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه ابن أبي شيبة (٣) من طريق علي بن هاشم، والآجري (٤)،

стр. 145

والبيهقي (١)، والسخاوي (٢) من طريق شريك القاضي، والآجري (٣) من طريق عبيد الله بن موسى، والديلمي (٤) من طريق النضر بن إسماعيل، ومحمد بن أبان الجعفي. خمستهم: (علي، وشريك، وعبيد الله، والنضر، والجعفي) عن ابن أبي ليلى بنحوه، إلا أنه في رواية شريك، والنضر ورد بلفظ: «إن أصحاب الشطرنج أكذب الناس، أو من أكذب الناس، يقول أحدهم قتلت وما قتل». وجاء عن علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم قال: «كانوا يقولون .. » فذكره. وجاء عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن علي موقوفًا. وجاء عن عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، أظنه عن علي موقوفًا. وجاء عن النضر بن إسماعيل، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن شريح ابن هانئ، عن علي موقوفًا. وجاء عن محمد بن أبان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، أخبرني من سمع عليًّا موقوفًا. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لحال ابن أبي ليلى، قال السخاوي: «إسناده مظلم» (٥)، وقد اختلف على ابن أبي ليلى كما في التخريج على عدة أوجه، وهذا الاضطراب من ابن أبي ليلى؛ فإنه ضعيفٌ كما في ترجمته، وقد وصفه الإمام أحمد بالاضطراب، وأنه يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم.

стр. 146

٣٣ - قال السخاوي (١): عن عبد الله بن مسعود ﵁ ؛ أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالشطرنج فقد قارف شركًا، ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء». أسنده أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم، عن مقاتل بن حيان، عن أبي الأحوص عنه. • رواة الحديث: ١ - أبو عصمة نوح بن أبي مريم: يزيد بن عبد الله، المروزي، عالم أهل مرو، قال الذهبي: «تركوه» (٢). ٢ - مقاتل بن حيان: أبو بِسْطام البَلْخي، الخرَّاز مولى بكر بن وائل، وثقه ابن معين -مرة- وأبو داود، وزاد ابن معين: «ليس به بأس، رجلٌ صالحٌ»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال ابن حبان: «كان صدوقًا فيما يروي إذا كان دونه ثبت»، وقال الدارقطني: «صالح الحديث». وقال أبو الفتح الأزدي: «سكتوا عنه». ثم ذكر أبو الفتح، عن وكيع أنه قال: «ينسب إلى الكذب». وتعقبه الذهبي، فقال: «كذا قال أبو الفتح، وأحسبه التبس عليه مقاتل بن حيان بمقاتل بن سليمان، فابن حيان صدوق قوي الحديث، والذي كذبه وكيع فابن سليمان». ثم نقل أبو الفتح الأزدي أن ابن معين ضعفه، وقال: «وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن سليمان، ولا بمقاتل بن حيان». وتعقبه الذهبي، فقال: «الظاهر أنه مقاتل بن سليمان، وقد جاء توثيق يحيى بن معين لابن حيان من وجوه عنه». قال ابن حجر: «صدوقٌ فاضلٌ» (٣).

стр. 147

قلت: لعل الأقرب أنه ثقة، فقد وثقه إمامان كبيران، ولم يثبت فيه جرح. ٣ - أبو الأحوص: عوف بن مالك بن نضْلة الأشجعي، الكوفي، ثقةٌ (١). • تخريج الحديث: - أخرجه الديلمي (٢) من طريق الحِمَّاني، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود بلفظ: «نفرٌ من أمتي لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليم» وذكر منهم: «اللاعبين بالنرد». - وأخرجه الديلمي (٣) -أيضًا- من طريق إسحاق بن نَجيح، عن عباد بن راشد، عن الحسن، عن ابن مسعود، وعمران بن حصين أن النبي ﷺ نهى عن اللعب بالشطرنج. • الحكم على الحديث: - إسناد ضعيفٌ جدًّا؛ لحال نوح بن أبي مريم، وقد ذكره في الأحاديث الموضوعة الشوكاني (٤)، وابن عراق (٥)، والفَتَّني (٦). وأما الطريق الثانية ففيها الحِمَّاني، وهو يحيى بن عبد الحميد وهو إن كان حافظًا إلا أنه متهمٌ بسرقة الحديث (٧). وأما الطريق الثالثة ففيها إسحاق بن نَجيح وهو الملطي كذبوه (٨)، وقد قال السخاوي عن هذه الطريق: «إسناده ظلمات (٩)، وليس هو بصحيح».

стр. 148

٣٤ - أورد الحَلِيمي (١) حديثًا طويلًا فيه: «ومن لعب بالشطرنج، والنرد، والجوز، والكعاب مقته الله، ومن جلس إلى من يلعب بالشطرنج والنرد ينظر إليهم، محيت عنه حسناته كلُّها، وصار ممن مقته الله». • تخريج الحديث: لم أقف عليه مسندًا، وقد أشار إليه القرطبي (٢)، وقال السخاوي: «لا أصل له» (٣). - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون الأزلام؛ الشطرنج، والنرد، فلا تسلموا عليهم، فإن سلموا عليكم، فلا تردوا عليهم؛ فإنهم إذا اجتمعوا وأكبوا عليها جاء إبليس -أخزاه الله- بجنوده، فأحدق بهم، كلما ذهب رجلٌ يصرف بصره عن الشطرنج لكز في ثغره، وجاءت الملائكة من وراء ذلك، فأحدقوا بهم، ولم يدنوا منهم، فما زالوا يلعنونهم حتى يتفرقون عنها حين يتفرقون كالكلاب اجتمعت على جيفة، فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت». - حديث ضعيفٌ؛ تقدمت دراسته برقم (٢٥). وبعد ذكر أحاديث الشطرنج تبين أنه لا يصح في الشطرنج حديث، وقد أشار إلى هذا أهل العلم، فممن ذكر أنه لا يثبت فيه حديث الإمام أحمد (٤)،

стр. 149

والمنذري (١)، والموصلي (٢)، وابن كثير (٣)، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥)، والسخاوي (٦)، والفَتَّني (٧)، والشوكاني (٨)، وغيرهم. • فقه المطلب: دلت أحاديث المطلب على تحريم لعبة الشطرنج؛ ولم يثبت منها شيء، لكن قام الإجماع على تحريمها إذا كانت بعوض، وقد سبق نقل الإجماع عند الكلام على النرد. أما إذا كانت على غير عوض، فقد اختلف فيها على أقوال (٩): القول الأول: أنها محرمة، وهو قول الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)،

стр. 150

والحنابلة (١). واستدلوا بما يلي: ١ - الأحاديث السابقة التي تنهى عنه. ٢ - الآثار عن الصحابة التي تنهى عنه (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والميسر يدخل فيه النردشير ونحوه» (٣). وقال -أيضًا-: «فنبه على علة التحريم، وهي ما في ذلك من حصول المفسدة، وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة؛ فإن وقوع العداوة والبغضاء من

стр. 151

أعظم الفساد، وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة اللذين كل منهما إما واجب وإما مستحب من أعظم الفساد، ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب بالشطرنج والنرد ونحوهما وإن لم يكن فيه عوض، وهو في الشطرنج أقوى؛ فإن أحدهم يستغرق قلبه وعقله وفكره فيما فعل خصمه، وفيما يريد أن يفعل هو، وفي لوازم ذلك، ولوازم لوازمه، حتى لا يحس بجوعه، ولا عطشه، ولا بمن يسلم عليه، ولا بحال أهله، ولا بغير ذلك من ضرورات نفسه وماله؛ فضلًا أن يذكر ربه أو الصلاة» (١). ٤ - قياسًا على النرد؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا حرم النرد ولا عوض فيها فالشطرنج إن لم يكن مثلها فليس دونها، وهذا يعرفه من خبر حقيقة اللعب بها، فإن ما في النرد من الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ومن إيقاع العداوة والبغضاء هو في الشطرنج أكثر بلا ريب، وهي تفعل في النفوس فعل حُمَيَّا الكؤوس (٢)، فتصد عقولهم وقلوبهم عن ذكر الله، وعن الصلاة أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمور والحشيشة، وقليلها يدعو إلى كثيرها، فتحريم النرد الخالية عن عوض مع إباحة الشطرنج مثل تحريم القطرة من خمر العنب، وإباحة الغرفة من نبيذ الحنطة، وكما أن ذلك القول في غاية التناقض من جهة الاعتبار والقياس والعدل فهكذا القول في الشطرنج» (٣). وقال ابن القيم: «إذا كان من لعب بالنرد عاصيًا لله ورسوله مع خفة مفسدة النرد، فكيف يسلب اسم المعصية لله ورسوله عن صاحب الشطرنج مع عظم مفسدتها، وصدها عن ما يحب الله ورسوله، وأخذها بفكر لاعبها، واشتغال قلبه وجوارحه، وضياع عمره، ودعاء قليلها إلى كثيرها مثل دعاء قليل الخمر إلى كثيرها، ورغبة النفوس فيها بالعوض فوق رغبتها فيها بلا عوض،

стр. 152

فلو لم يكن في اللعب فيها مفسدة أصلًا غير أنها ذريعة قريبة الإيصال إلى أكل المال الحرام بالقمار، لكان تحريمها متعينًا في الشريعة، كيف وفي المفاسد الناشئة من مجرد اللعب بها ما يقتضي تحريمها، وكيف يظن بالشريعة أنها تبيح ما يلهي القلب ويشغله أعظم شغل عن مصالح دينه ودنياه، ويورث العداوة والبغضاء بين أربابها، وقليلها يدعو إلى كثيرها، ويفعل بالعقل والفكر كما يفعل المسكر وأعظم؛ ولهذا يصبر صاحبها عاكفًا عليها كعكوف شارب الخمر على خمره أو أشد». القول الثاني: أنها مكروهة، وهو قول الشافعية (١). قالوا: يكره؛ لأنه لعب لا ينتفع به في أمر الدين، ولا يحرم؛ لعدم قيام ما يدل على التحريم، ولأن معتمده الحساب الدقيق، والفكر الصحيح، ففيه تصحيح الفكر، ونوع من التدبير للحرب، ومكيدة العدو والاحتيال عليه (٢) .. القول الثالث: أنها مباحة إذا لم يدمن عليها، وهو قولٌ للمالكية (٣). ووجه التفريق أن المدمن لا يخلو من الأيمان الحانثة، والاشتغال عن ذكر الله -تعالى- وعن الصلاة (٤). ولعل الأظهر هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقلَّ عبدٌ اشتغل بها إلا شغلته عن واجب» (٥).

стр. 153

وأما دليل القول الثاني بأن معتمد اللعب بالشطرنج الحساب الدقيق، والفكر الصحيح، ففيه تصحيح الفكر، ونوع من التدبير للحرب، ومكيدة العدو والاحتيال عليه، فيجاب عنه بما يلي: ١ - قال ابن العربي: «يقولون: إنها تشحذ الذهن، والعيان يكذبهم، ما تبحر فيها قط رجل له ذهن، سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب. فقال له الطرطوشي: بل تفسد تدبير الحرب؛ لأن الحرب المقصود منها الملك واغتياله، وفي الشطرنج تقول: شاه إياك الملك، نحه عن طريقي، فاستضحك الحاضرين» (١). ٢ - لو كان اللعب بها يهدي إلى القتال، ويفيد في تدبير الحرب لكان مستحبًّا؛ فإن الله -سبحانه- قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] لكن جماهير الأمة على المنع منه تحريمًا، أو تنزيهًا. ٣ - لو سُلِّم أن هذه الأمور المفيدة موجودة فيه، فالواقع يدل على أن غالب اللعب به لا يقصد منه تحصيل هذه الأشياء؛ بل أكثر اللاعبين به إنما يقصدون منه التلهي، والقمار، والعبرة بالغالب لا النادر (٢). وأما القول الثالث فالجزم بأنه تحصيل مذهب مالك، وجمهور الفقهاء في تأمل؛ لأمور: ١ - أن قول جمهور الفقهاء على التحريم، وقد سبق ذكر ذلك. ٢ - أن مالكًا نفسه قد حكي عنه عدم جوازها لا في قليل، ولا كثير، وقد سبق نقل ذلك. ٣ - أن ابن عبد البر نفسه قال: «أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج» (٣).

стр. 154

قال السخاوي -معقبًا على كلام ابن عبد البر-: «فاقتضى ذلك تحريم المرة منه ... إذ في حكاية النصوص الماضية عن مالك ما يشهد لتحريمه من غير تقييد» (١). وقال الباجي: «وأما كراهية اللعب بها جملة فلا خلاف عند مالك في ذلك قليلًا كان أو كثيرًا، لقمار كان أو لغير قمار» (٢). ٤ - أن التفريق بين المدمن وغيره محمولٌ على مسألة الجرح للاعب به، فيجرح المدمن دون المقل، أما الحكم فمستقرٌّ على التحريم، قال الباجي: «إن لعب بها على غير القمار سقطت شهادته عند مالك إن أدمن فيها؛ لأنه إدمانٌ للباطل، وما لا يخلو المدمن عليه من الأيمان الحانثة، والاشتغال عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة بلهو كاتخاذ الأغاني والقيان، فأما من لعب به في النادر فبئس ما صنع، ويستحب له ترك ذلك، ولا تسقط عدالته» (٣). وقال السخاوي: «والتقييد إنما هو في التجريح به، ولا مانع من ذلك ... وعلل اشتراط الإدمان في التجريح بأن من أدمن عليه يحصل عنده من الغُبن إن غُلب، ومن الفرح إن غَلب، ما يشغله عن تناول المأكول والمشروب» (٤).

стр. 155

المبحث التاسع اللعب بعظم وضاح وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف عظم وضاح . المطلب الثاني: ما ورد في عظم وضاح . المطلب الأول تعريف عظم وضاح عظم وضَّاح: لعبةٌ كيفيتها أنهم يطرحون عظمًا أبيض بالليل يرمونه؛ فمن أصابه غلب أصحابه، وكانوا إذا غلب واحدٌ من الفريقين؛ ركب أصحابُه الفريقَ الآخرَ؛ من الموضع الذي يجدونه فيه إلى المواضع الذي رموا به (١). المطلب الثاني ما ورد في عظم وضاح ٣٥ - قال ابن قتيبة (٢): بَيْنا ﷺ يَلْعب وهو صغير مع الغِلْمان بعَظْم وضّاح مرَّ عليه يهوديٌّ، فدعاه فقال له: «لتقْتُلنَّ صَنادِيدَ هذه القرية»». • تخريج الحديث: لم أقف على إسناده.

стр. 156

• فقه المطلب: ١ - دل الحديث على لعب النبي ﷺ وهو صغير بعظم وضاح، وقد ورد الحديث خلوًا من الإسناد، وغلبة الظن قائمة على عدم ثبوته؛ فليس له ذكرٌ في كتاب السُّنَّة المشهورة سوى كتب غريب الحديث، وهي مظنة الغرائب، ولو ثبت فليس فيه حجةٌ على جواز هذه اللعبة؛ إذ فيه أن النبي ﷺ لعبها وهو صغير؛ أي: قبل البعثة، وأفعاله ﷺ قبل البعثة ليست مصدرًا للتشريع (١)، ولكن يبقى السؤال هنا ما حكم السباق في اللُّعَب المباحة، التي لم ينص على جوازها النبي ﷺ ، وليست في معنى ما نص عليه، وذلك مثل لُعبة: «عظم وضاح»؟ فالجواب أن يقال: إن المسألة لا تخلو من أمرين: الأول: أن تكون بغير عوض فهذه أجمع العلماء على جوازها، قال ابن قدامة: «الإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة»، وقال: «فأما المسابقة بغير عوض فيجوز مطلقًا من غير تقييد بشيءٍ معين» (٢). الثاني: أن تكون بعوض (٣)، فهذه اختلف أهل العلم فيها على قولين:

стр. 157

القول الأول: عدم جواز بذل العوض فيها مطلقًا، وهذا قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة: «لا سبَق إلا في خف، أو حافر، أو نصل» (٥). ووجه الدلالة منه من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ حصر السبق بعوض في هذه الثلاثة دون غيرها، وألحق بعض أهل العلم بهذه الثلاثة ما في معناها مما فيه عونٌ لنصر الإسلام، وهذه المباحات ليست منصوصًا عليها، ولا في معنى المنصوص عليه (٦). الثاني: قوله: «لا سبق» نكرة في سياق النفي (٧)، فتفيد عموم المنع عن بذل العوض من كل أحد في غير ما جاءت به السُّنَّة، سواء كان من المتسابقين، أو من غيرهما (٨). ٢ - أن تجويز أكل المال فيه ذريعةٌ إلى اشتغال النفوس بها، واتخاذها مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتد رغبتها فيه من الوجهين، فأبيح في نفسه؛ لأنه إعانةٌ وإجمامٌ للنفس، وراحةٌ لها، وحرم أكل المال به؛ لئلَّا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا (٩). ٣ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بذل المال فيما لا ينفع في الدين ولا في الدنيا منهيٌّ عنه وإن لم يكن قمارًا، وأكل المال بالباطل حرامٌ بنص القرآن، وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي ﷺ : «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل؛ إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من

стр. 158

الحق» (١). قوله: «من الباطل»؛ أي: مما لا ينفع، فإن الباطل ضد الحق، والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل؛ ليس بنافع» (٢). القول الثاني: جواز بذل العوض فيها إذا كان من أجنبي، وقد نُسب هذا القول للحنفية (٣)، وحكي قولًا عند المالكية (٤). واستدلوا بأن بذل السبَق هو من باب الجعالات، فيجوز في كل عمل مباح (٥). والقول الأول هو الراجح؛ لقوة ما استدلوا به، ويجاب عن دليل القول الثاني بأنه قياسٌ مع الفارق، وقد بين العلامة ابن القيم الفروق بين الجعالة والسبَق من وجوه، فقال: الوجه الأول: أن المتسابقين إذا أخرج أحدهما سبَقًا للآخر إذا غلبه -ليس مقصوده أن يغلبه الآخر، ويأخذ ماله؛ فإن هذا لا يقصده عاقلٌ، فكيف يقصد العاقل أن يكون مغلوبًا خاسرًا؛ بل مقصوده أن يكون غالبًا كاسبًا كما يقصد المجاهد-، والجعالة قصد الباذل فيها حصول العمل من الآخر ومعاوضته عليه بماله، وهذا عكس باب المسابقة؛ فإن المسابقة هي على صورة الجهاد، وشرعت تموينًا وتدريبًا وتوطينًا للنفس عليه. الوجه الثاني: أن الجعالة يجوز أن يكون العمل فيها مجهولًا كقوله: من رد عبدي الآبق فله كذا، وكذا بخلاف عقد السباق، فإن العمل فيه لا يكون إلا معلومًا. الوجه الثالث: أنه يجوز أن يكون العوض في الجعالة مجهولًا كقول

стр. 159

الإمام: من دلني على حصن أو قلعة فله ثلث ما يغنم منه أو ربعه، بخلاف عقد السباق. الوجه الرابع: «أن المراهن قصده تعجيز خصمه، وأن لا يوفي عمله، بخلاف الجاعل، فإن قصده حصول العمل المجعول له، وتوفيته إياه». اهـ. بتصرف (١). ٢ - في عصرنا هذا يُقاس على لُعْبة عظم وضاح -من حيث أخذ العوض- اللُّعَب الرياضية المباحة ككرة القدم، والطائرة، والسلة، واليد، والتنس، والجمباز، والقفز، وسباق الدارجات، والقوارب، ونحوها (٢).

стр. 160

الفصل الثاني اللُّعب المتعلقة بالحيوان وفيه أربعة مباحث: - المبحث الأول: اللعب بالحمام. - المبحث الثاني: اللعب بالنُّغَر. - المبحث الثالث: التحريش بين البهائم. - المبحث الرابع: اللعب بالكلب.

стр. 161

المبحث الأول اللعب بالحمام وفيه مطلبان: المطلب الأول: ما ورد في اللعب بالحمام بدون عوض . المطلب الثاني: ما ورد في اللعب بالحمام بعوض. المطلب الأول ما ورد في اللعب بالحمام بدون عوض ٣٦ - قال مسدد (١): ثنا يحيى، عن محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يتبع حمامة، فقال: «شيطانٌ يتبع شيطانة». • رواة الحديث: ١ - يحيى: بن سعيد بن فرُّوخ التميمي، أبو سعيدٍ القطان، البصري، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ (٢). ٢ - محمد بن عمرو: بن علقمة الليثي، أبو عبد الله، وقيل: أبو الحسن المدني، اختلف فيه:

стр. 162

فوثقه ابن معين، والنسائي -في رواية عنهما- وقال النسائي -في رواية-: «لا بأس له»، وقال يحيى القطان: «رجلٌ صالحٌ، ليس بأحفظ الناس للحديث»، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ»، وقد ذكره ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار، وقال: «من جِلَّة أهل المدينة، ومتقنيهم»، وذكره في الثقات، وقال: «كان يخطئ». وقال ابن معين -في رواية-: «ما زال الناس يتقون حديثه»، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: «كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة»، وقال أحمد: «كان يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوامٍ آخرين، وهو مضطرب الحديث»، وقال ابن سعد: «كان كثير الحديث يُستَضْعَف»، وقال الجوزجاني: «ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه». وفيه كلامٌ غير ذلك. قال ابن عدي: «له حديثٌ صالحٌ، وقد حدث عنه جماعة من الثقات، كل واحدٍ منهم ينفرد عنه بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك غير حديث في الموطأ وغيره، وأرجو أنه لا بأس به». لخص حالَه ابن حجر بقوله: «صدوقٌ، له أوهام»، وللحافظ عبارةٌ أدق من هذه، وأكثر تفصيلًا؛ إذ قال في أجوبته عن أحاديث مشكاة المصابيح: «محمد بن عمرو، صدوقٌ في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن، وإذا توبع بمعتبر قُبل، وقد يتوقف في الاحتجاج به إذا انفرد بما لم يتابع عليه، ويخالف فيه، فيكون حديثه شاذًّا» (١). ٣ - أبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن، تقدمت ترجمته في الحديث التاسع، وأنه ثقةٌ مكثر.

стр. 163

• تخريج الحديث: - أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، وأحمد (٣)، والبخاري (٤)، وابن أبي الدنيا (٥)، والبزار (٦)، وابن حبان (٧)، وابن عدي (٨)، والبيهقي (٩)، وتمام (١٠) من طريق حماد بن سلمة، وابن ماجه (١١) عن عبد الله بن عامر بن زرارة. وعلقه الدارقطني (١٢) عن مِنجَاب. كلاهما: (عبد الله، ومِنْجَاب) عن شريك، وابن الأعرابي (١٣)، وأبو نعيم (١٤)، وتمام (١٥) من طريق محمد بن أبي ذئب، والبزار (١٦) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى، والآجري (١٧) من طريق ابن جريج قال: «حُدِّثت عن رجل»، ومن طريق المعتمر بن سليمان. سِتَّتهم: (حماد، وشريك، وابن أبي ذئب، ومحمد بن عبد الله، ومحدث ابن جريج، والمعتمر) عن محمد بن عمرو، به بنحوه في رواية مِنْجاب، عن شريك، وفي رواية المعتمر بن سليمان. وأما البقية فرووه موصولًا بذكر أبي هريرة؛ إلا عبد الله بن عامر، عن شريك، فرواه موصولًا بذكر عائشة.

стр. 164

• الحكم على الحديث: إسناده ضعيفٌ؛ لإرساله، وقد تفرد به محمد بن عمرو عن أبي سلمة، وقد اختلف عنه على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا. وهذا الوجه يرويه يحيى القطان، والمعتمر بن سليمان، وشريك -في رواية مِنجاب عنه-. الوجه الثاني: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. وهذا الوجه يرويه حماد بن سلمة، ومحمد بن أبي ذئب، ومحمد بن عبد الله، ومحدث ابن جريج. الوجه الثالث: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعًا. وهذا الوجه يرويه شريك -في رواية عبد الله بن عامر عنه-. وقد رجح الدارقطني (١)، الوجه الأول، فقد رواه ثلاثةٌ هم: ١ - يحيى القطان، وهو إمامٌ كبيرٌ متقن -كما سبق-. ٢ - المعتمر بن سليمان، وهو ثقةٌ (٢). ٣ - شريك -في رواية مِنجاب- وشريكٌ صدوقٌ، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء (٣). وقد خالفوا الجادة؛ فإن أبا سلمة مشهورٌ بالرواية عن أبي هريرة، وعائشة، ومن قرائن الترجيح: تقديم من خالف الجادة على من سلكها. وهناك وجهٌ للترجيح قويٌّ، وهو أن الحديث لا يصح مرسلًا، ولا موصولًا، فقد اضطرب فيه محمد بن عمرو، فالرواة عنه ثقاتٌ، والطريق إليهم صحيحة سوى ابن أبي ذئب ففي الطريق إليه سلام بن سليمان المدائني، وهو

стр. 165

ضعيفٌ (١)، ومحمد بن عيسى المدائني، قال الدارقطني: «متروك الحديث» (٢). وق سئل ابن معين -كما سبق في ترجمته- عن محمد بن عمرو، فقال: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وأما الوجه الثالث الموصول بذكر عائشة، فيكون الحمل فيه على محمد بن عمرو، أو شريك؛ فإنه يخطئ كثيرًا كما سبق. وأما طريق ابن جريج ففيها محدثه المبهم. • غريب الحديث: - قوله: «شيطان يتبع شيطانة»: أي: هذا الرجل الذي يتبع الحمامة شيطان «يتبع شيطانة»؛ أي: يقفو أثرها لاعبًا بها، وإنما سماه شيطانًا؛ لمباعدته عن الحق، وإعراضه عن العبادة، واشتغاله بما لا يعنيه، وسماها شيطانةً؛ لأنها أغفلته عن ذكر الحق، وشغلته عما يهمه من صلاح الدارين (٣). * * * ٣٧ - قال ابن ماجه (٤): حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي، حدثنا ابن جريج، عن الحسن ابن أبي الحسن، عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا وراء حمامة، فقال: «شيطانٌ يتبع شيطانًا». • رواة الحديث: ١ - هشام بن عمار: ابن نُصير السُّلَمي، وثقه ابن معين وقال -مرة-: «كيِّسٌ كيِّسٌ»، وذكره العجلي في الثقات، وقال: «صدوقٌ»، وكذا قال أبو حاتم، وقال الدارقطني: «صدوقٌ كبير المحل».

стр. 166

وقال أبو حاتم: «هشام بن عمار لما كبر تغير، فكل ما دُفع إليه قرأه، وكلما لُقِّن تلقن، وكان قديمًا أصح، وكان يقرأ من كتابه»، وقال أبو داود: «حدث هشام بأرجح من أربعمائة حديث ليس لها أصل، مسندةٌ كلُّها، كان فَضْلَك يدور على أحاديث أبي مسهر وغيره يلقنها هشام بن عمار، وكنت أخشى أن يفتق في الإسلام فتقًا». وذكره أحمد بن حنبل فقال: «طيَّاشٌ خفيف». لخص حاله ابن حجر بقول قريب من قول أبي حاتم، فقال: «صدوقٌ مقرئٌ كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح» (١). ٢ - يحيى بن سُليم الطائفي: القرشي، أبو محمد، ويقال: أبو زكريا المكي الحذاء الخرَّاز، وثقه ابن معين، والعجلي، وابن سعد وزاد «كثير الحديث»، وقال أحمد -مرة-: «قد أتقن حديث ابن خثيم؛ كان عنده في كتاب»، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: «يخطئ»، وقال ابن عدي: «أحاديثه متقاربة، وهو صدوقٌ لا بأس به». وقال أبو حاتم: «شيخٌ صالحٌ، محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به»، وقال أحمد -مرة-: «وقعت على يحيى بن سليم، وهو يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير، فتركته»، وقال النسائي -مرة-: «ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر»، وبنحوه قال الساجي. وقال أحمد بن حنبل: «يحيى بن سليم كذا وكذا، والله إن حديثه -يعني: فيه شيء-، وكأنه لم يحمده»، وقال النسائي -مرة- والدولابي: «ليس بالقوي»، وقال الدارقطني: «سيئ الحفظ». لخص حاله ابن حجر بقوله: «صدوقٌ سيئ الحفظ»، ولعل الأقرب: أنه

стр. 167

ثقةٌ في ابن خثيم، صدوقٌ في غيره إلا في روايته عن عبيد الله بن عمر فمنكرة (١). ٣ - ابن جريج: تقدمت ترجمته في الحديث العاشر، وأنه ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل. ٤ - الحسن بن أبي الحسن: يسار البصري، أبو سعيدٍ الأنصاري مولاهم البصري، قال الحافظ ابن حجر: «ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، يرسل كثيرًا ويدلس»، قلت: تدليسه مما احتمله الأئمة، فقد ذكره الحافظ نفسُه في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين، وقد قال عن أصحابها: «من احتمل الأئمة تدليسه ... » (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه الآجري (٣) من طريق ابن جريج قال: «حُدِّثت عن رجل»، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. - وأخرجه الشافعي (٤)، ومعمر (٥) -ومن طريقه البيهقي-، وابن أبي شيبة (٦) من طريق يونس بن عبيد، والبخاري (٧) من طريق يوسف بن عبدة، والبخاري (٨)، وابن أبي الدنيا (٩)، وعبد الله بن الإمام أحمد (١٠) -ومن طريقه ابن عساكر (١١) - من طريق مبارك بن فضالة، والخطابي (١٢) من طريق قتادة.

стр. 168

أربعتهم: (يونس، وابن عبدة، والمبارك، وقتادة) عن الحسن، أن عثمان بن عفان كان يأمر بقتل الكلاب والحمام. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لعنعنة ابن جريج، والطريق الأخرى فيها مبهم، وهي معلولة، وقد سبق بيان إعلالها في حديث أبي سلمة السابق. وقد خولف ابن جريج في حديث عثمان، فرواه يونس، وابن عبدة، ومبارك، وقتادة عن الحسن أن عثمان بن عفان كان يأمر بقتل الكلاب والحمام، وهذا الوجه هو الصواب؛ إذ رواة هذا الوجه محتجٌّ بهم سوى ابن عبدة؛ فإنه لين الحديث (١). فيونس هو ابن عبيد ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ (٢)، ومبارك بن فضالة صدوقٌ يدلس ويسوي (٣)، وقد صرح بالتحديث عند عبد الله بن الإمام أحمد، وقتادة الإمام المعروف. وقد أثبت هذا الأثر الشافعي (٤)، وصححه ابن كثير (٥). وأما إعلاله بعدم سماع الحسن من عثمان فغير متجه؛ لأنه قد جاءت روايات هذا الأثر تثبت السماع، فقال في رواية مبارك بن فضالة عند البخاري: «سمعت عثمان يأمر في خطبته»، وعند ابن أبي الدنيا، وعبد الله بن الإمام أحمد: «شهدت عثمان يأمر في خطبته»، وقال في رواية قتادة: «أنه سمع عثمان». فمن أهل العلم من أخذ من هذا وغيره أنه سمع منه مطلقًا، قال ابن المديني: «سمع الحسن من عثمان بن عفان، وهو غلامٌ يخطب» (٦)، وقال: «لم يسمع الحسن من عبد الله بن عباس، ولا من أحد في المدينة إلا عثمان بن عفان» (٧).

стр. 169

ومنهم من ذهب إلى أن رواياته في غير ما صرح به مرسلة؛ وذلك أنه لم يسمع منه إلا الشيء اليسير، قال ابن رجب: «من عُلم منه أنه مع اللقاء لم يسمع ممن لقيه إلا شيئًا يسيرًا، فرواياته عنه زيادةً على ذلك مرسلة، كروايات ابن المسيب عن عمر؛ فإن الأكثرين نفوا سماعه منه، وأثبت أحمد أنه رآه وسمع منه، وقال مع ذلك: إن رواياته عنه مرسلة؛ لأنه إنما سمع منه شيئًا يسيرًا .. وكذلك سماع الحسن بن عثمان وهو على المنبر يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام، ورواياته عنه غير ذلك مرسلة» (١). * * * ٣٨ - قال ابن ماجه (٢): حدثنا أبو نصر محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا أبو سعد الساعدي، عن أنس بن مالك قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يتبع حمامًا، فقال: «شيطانٌ يتبع شيطانًا». • رواة الحديث: ١ - أبو نصر محمد بن خلف العسقلاني: أبو نصر، صدوقٌ (٣). ٢ - رواد بن الجراح: أبو عصام العسقلاني، أصله من خراسان، وثقه ابن معين -مرة- وقال أحمد -مرة-: «صدوقٌ فيما أرى»، وقال ابن معين -مرة-: «لا بأس به، إنما غلط في حديث سفيان»، ونحو هذا قال أحمد -مرة- وقال البخاري: «كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه، ليس له كبير حديث قائم»، وقال أبو حاتم: «هو مضطرب الحديث، تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق»، وقال النسائي: «ليس بالقوي، روى غير حديثٍ منكر، وكان قد اختلط»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «يخطئ ويخالف». قال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخًا صالحًا، وفي

стр. 170

حديث الصالحين بعض النُّكْرة، إلا أنه يكتب حديثه»، وقال الدارقطني: «متروك». لخص الحافظ حاله بقوله: «صدوقٌ اختلط بأخرة فترك، وفي حديثه عن الثوري ضعفٌ شديدٌ» (١). ٣ - أبو سعد الساعدي: مجهولٌ (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه الآجري (٣) من طريق رواد بن الجراح، به بنحوه، وفيه تعيين سكان الرؤية وأنه «الجُرْف» (٤). وأخرجه البزار (٥) من طريق عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس بنحوه مرفوعًا. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لحال رواد بن الجراح، وجهالة أبي سعد الساعدي، وطريق البزار فيها عبد الله بن المثنى: صدوقٌ كثير الغلط (٦). * * * ٣٩ - روى معمر (٧)، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا أطلق حمامًا من الحراف، فجعل يتبعه بصره، فقال النبي ﷺ : «شيطانٌ يتبع شيطانًا». • رواة الحديث: ١ - معمر: هو ابن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل

стр. 171

اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة، وعاصم بن أبي النجود، وقتادة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة (١). ٢ - ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل (٢). ٣ - محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: العامري، القرشي، المدني، ثقةٌ من الثالثة (٣). • تخريج الحديث: - أخرجه معمر (٤) عن عبد الوهاب بن همام، عن ابن أبي ذئب به مثله. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لإرساله، فمحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ذكره الحافظ ابن حجر من الثالثة، وهي الطبقة الوسطى من التابعين. • غريب الحديث: الحراف: لم يتبين لي معناها؛ إلا أن تكون مصحَّفة من «الجُرْف» الواردة في حديث أنس (٥). * * * ٤٠ - قال أبو نعيم (٦): حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي، ثنا محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي، ثنا أحمد بن سهيل الوراق، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا أبو الصباح، عن أم كثير بنت يزيد الأنصارية،

стр. 172

قالت: دخلت انا وأختي، على رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن أختي تريد أن تسألك عن شيء، وهي تستحي، قال: «فلتسأل؛ فإن طلب العلم فريضة» قالت: فقلت له، أو قالت أختي: إن لي ابنًا يلعب بالحمام، قال: «أما إنها لعبة المنافقين». • رواة الحديث: ١ - أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي: الجرجاني ثقةٌ ثبتٌ من كبار حفاظ زمانه (١). ٢ - محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي: أبو الحسن الطبري الفراء، قال ابن أبي حاتم: «صدوقٌ ثقةٌ» (٢). ٣ - أحمد بن سهيل الوراق: الواسطي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو أحمد الحاكم: «في حديثه بعض المناكير» (٣). ٤ - إسحاق بن عيسى: لم يتبين لي من هو، هل هو إسحاق بن عيسى بن نَجيح البغدادي، أبو يعقوب، صدوقٌ من التاسعة (٤). أو هو إسحاق بن عيسى القشيري، أبو هاشم، أو أبو هاشم البصري، ابن بنت داود ابن أبي هند صدوقٌ يخطئ، من التاسعة (٥). ٥ - أبو الصباح: لم يتبين لي من هو، هل هو سعدان بن سالم، أبو الصبَّاح الأيلي صدوقٌ من السابعة (٦). أو هو سعيد بن سعيد التغلبي الكوفي، أبو الصبَّاح، مقبولٌ من السادسة (٧). أو هو سليمان بن يسير، وقيل: ابن قسيم أبو الصبَّاح النخعي مولاهم الكوفي ضعيف من السادسة (٨).

стр. 173

أو هو عمر بن قيس الماصِر، أبو الصبَّاح الكوفي، مولى ثقيف، صدوقٌ ربما وهم، من السادسة (١). أو هو محمد بن شُمير الرُّعيني، أبو الصباح المصري مقبولٌ من السادسة (٢). أو هو موسى بن أبي كثير الأنصاري مولاهم، أبو الصبَّاح، صدوق من السادسة (٣). • تخريج الحديث: - أخرجه ابن الأثير (٤) من طريق أبي نعيم به بنحوه. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لإعضاله؛ فإن أبا الصباح -وإن لم تُميَّز عينه- لم يلق أحدٌ منهم أحدًا من الصحابة. * * * ٤١ - قال الحكيم الترمذي (٥): حدثني أبي، عن رجاء بن نوح، عن عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن يونس بن عبيد، وحوشب، عن الحسن: أنه قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار؛ كلهم يحدث عن رسول الله ﷺ ، ويزيد بعضهم على بعض: أنه نهى. وقال الحكيم -أيضًا-: حدثنا الفضل بن محمد بن وزير الدمشقي قال: حدثنا ضمرة (٦) بن ربيعة، عن عباد بن كثير بن قيس الثقفي، عن عثمان

стр. 174

الأعرج، عن الحسن: أنه قال: حدثني رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو هريرة الدوسي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأنس بن مالك؛ يزيد بعضهم على بعض: أنه نهى. ثم ذكر الحكيم جملة من المنهيات بسياق واحد، وذكر منها: «ونهى عن اللعب بالحمام». • رواة الحديث: ١ - أبو الحكيم: هو علي بن الحسن بن بشر، لم أقف له على ترجمة. ٢ - رجاء بن نوح: أبو بكر البَلْخي، خدم سفيان الثوري سبع سنين، روى عنه عصام بن يوسف وأثنى عليه، وأبو داود المصاحفي وغيرهما، لم أتبين حاله (١). ٣ - عباد بن كثير بن قيس الثقفي: البصري، متروكٌ (٢). ٤ - عثمان الأعرج: هو ابن عبد الله بن مَوْهب التيمي مولاهم، المدني الأعرج، ثقةٌ (٣). ٥ - يونس بن عبيد: ابن دينار العبدي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبيد البصري، ثقةٌ، ثبتٌ، فاضلٌ، ورعٌ (٤). ٦ - حَوْشَب: ابن عقيل، أبو دحية البصري، ثقةٌ (٥). ٧ - الحسن: هو البصري، تقدمت ترجمته في الحديث السابع والثلاثين، وأنه ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ، مشهورٌ. ورواة الإسناد الآخر هم:

стр. 175

١ - الفضل بن محمد بن وزير الدمشقي: لم أقف له على ترجمة. ٢ - ضمرة بن ربيعة: الفلسطيني، أبو عبد الله الرملي، وثقه ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والنسائيُّ وغيرهم، وقال ابن يونس: «كان فقيههم في زمانه»، وقال الذهبي: «مشهورٌ ما فيه مغمز»، وقال ابن حجر: «صدوقٌ يهم قليلًا»؛ قلت: والأقرب أنه ثقةٌ؛ لاجتماع كبار النقاد على توثيقه مطلقًا (١). والبقية سبقت ترجمتهم. • تخريج الحديث: لم أر من خرجه سوى الحكيم الترمذي. • الحكم على الحديث: - حديث موضوع؛ وذلك لحال عباد بن كثير، وقد قال الحافظ ابن حجر: «كتاب المناهي رواه محمد بن علي الحكيم الترمذي في جزء مفرد، ومداره على عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن الحسن، حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم أبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك؛ يزيد بعضهم على بعض في الحديث أن النبي ﷺ نهى أن يبال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن البول في المشارع، ونهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس والقمر، فذكر حديثًا طويلًا في نحو خمسة أوراق على هذا الأسلوب في غالب الأحكام، وهو حديثٌ باطلٌ لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد» (٢). * * *

стр. 176

٤٢ - قال زكريا الساجي (١): بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد وهو قاضٍ، وهارون إذ ذاك يطيِّر الحمام فقال: هل تحفظ في هذا شيئًا؟ فقال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُطيِّر الحمام. فقال: اخرج عني لو لا أنه رجلٌ من قريش لعزلته. • رواة الحديث: ١ - أبو البختري: هو وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله، أبو البَخْتري القرشي، القاضي ببغداد، قال ابن معين: «كذابٌ عدوٌّ لله خبيثٌ»، وقال أحمد: «كان كذابًا يضع الحديث، روى أشياء لم يروها أحد» (٢). ٢ - هشام بن عروة: تقدمت ترجمته في الحديث الثالث، وأنه ثقةٌ فقيهٌ. ٣ - أبوه: هو عروة بن الزبير، تقدمت ترجمته في الحديث الثالث، وأنه ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ. • تخريج الحديث: - أخرجه الخطيب البغدادي (٣)، وابن عساكر (٤) من طريق الساجي به بنحوه. • الحكم على الحديث: - حديث موضوع؛ لحال أبي البَختري. - عن يزيد بن شُريح أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثٌ من الميسر؛ القمار، والضرب، والضرب بالكِعاب، والصفير بالحمام». - حديثٌ إسناده ضعيفٌ؛ تقدمت دراسته في الحديث برقم (٢٢).

стр. 177

• فقه المطلب: دلت أحاديث المطلب على تحريم اللعب بالحمام؛ لأن تسمية فاعله شيطانًا يدل على ذلك، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم (١)، لكن لم يصح من تلك الأحاديث شيء، وقد قال ابن القيم: «أحاديث الحمام -بالتخفيف- لا يصح منها شيء» (٢)، فيبقى اللعب بالحمام جائزًا؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا اقترن اللعب بالحمام بشيءٍ محرم؛ حرم اللعب بها؛ لأجل ذاك المحرم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث على القول بصحتها. قال الكاساني: «والذي يلعب بالحمام، فإن كان لا يُطيِّرها لا تسقط عدالته، وإن كان يُطيِّرها تسقط عدالته؛ لأنه يطلع على عورات النساء، ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات» (٣). وقال البيهقي: «حمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على إطارته، والاشتغال به، وارتقائه السطوح التي يشرف بها على بيوت الجيران وحَرَمِهم لأجله» (٤). وقال ابن قدامة: «واللاعب بالحمام يطيِّرها، لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام ولا حمَّام؛ وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره، وإشرافه على دورهم، ورميه إياها بالحجارة، وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها، أو لحمل الكتب، أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس، لم ترد شهادته» (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من لعب بالحمام فأشرف على حريم الناس، أو رماهم بالحجارة، فوقعت على الجيران؛ فإنه يعزر على ذلك تعزيرًا يردعه عن ذلك، ويمنع من ذلك؛ فإن هذا فيه ظلم وعدوان على الجيران» (٦).

стр. 178

وقال ابن القيم: «وعليه -يعني: ولي الأمر- أن يمنع اللاعبين بالحمام على رؤوس الناس؛ فإنهم يتوسلون بذلك إلى الإشراف عليهم والتطلع على عوراتهم» (١). المطلب الثاني ما ورد في اللعب بالحمام بعوض ٤٣ - قال ابن شاهين (٢): ثنا الحسن بن صدقة، ثنا أحمد بن زهير قال: سمعت أبي يقول: قُدم على المهدي بعشر، فيهم الفرج بن فضالة، وأبو معشر، وغياث بن إبراهيم وغيره، وكان المهدي يشتهي الحمام ويشتريها، فدخل غياث بن إبراهيم على المهدي في تلك الحال، وهو مع الحمام. فقيل: حدِّث أمير المؤمنين؟ فحدثه بالحديث الذي يروي: «لا سبق إلا في خف أو حافر» وزاد فيه أو جناج. فأمر له المهدي بعشرة آلاف، فلما قام قال: «أشهد على قفاك إنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، فذبح الحمام، فما أفلح غياث بن إبراهيم بعد ذلك. • رواة الحديث: ١ - الحسين بن صدقة: هو الحسين بن أحمد بن صدقة الفارسي، أبو القاسم الأزرق الفرائضي البزاز، قال الخطيب البغدادي: «كان ثقة» (٣). ٢ - أحمد بن زهير: بن حرب أبو بكر بن أبي خيثمة، قال الخطيب: «كان ثقةً، عالمًا، متقنًا، حافظًا، بصيرًا بأيام الناس» (٤). ٣ - أبوه: زهير بن حرب بن شداد، أبو خثيمة النسائي، نزيل

стр. 179

بغداد، ثقة (١). ٤ - غياث بن إبراهيم النخعي: قال فيه ابن معين: «غياث كذاب، ليس بثقة ولا مأمون» (٢)، وقال الإمام أحمد: «متروك الحديث، ترك الناس حديثه» (٣). • تخريج الحديث: - أخرجه الخطيب البغدادي (٤)، وابن عساكر (٥) من طريق أحمد بن زهير، عن أبيه، بنص هذه القصة. - وأخرجه الخطيب البغدادي (٦) من طريق أحمد بن كثير مولى آل العباس، حدثني داود بن رشيد قال: دخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يحب الحمام .. بنحو القصة المذكورة. وعلق الإمام أحمد (٧) عن أبي البَخْتَري زيادة: «أو جناح». • درجة الحديث: لفظة: «جناح» (٨) في الحديث موضوعة، وضعها غياث بن إبراهيم. وكذلك الراوي الآخر، وهو أبو البَخْتَري، وهو وهب بن وهب القرشي المدني، كذاب، قال أبو طالب: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أبو البَخْتَري يضع الحديث وضعًا فيما يروي، وأشياء لم يروها أحد. قلت: الذي كان قاضيًا؟ قال: نعم، وكنت عند أبي عبد الله، وجاءه رجل فسلم عليه،

стр. 180

وقال: أنا من أهل المدينة. وقال: يا أبا عبد الله كيف كان حديث أبي البَخْتَري. فقال: كان كذابًا يضع الحديث. فقال: أنا ابن عمه لحَّا (١)، قال أبو عبد الله: الله المستعان، ولكن ليس في الحديث محاباة» (٢). وقال إبراهيم الحربي: «قيل لأحمد بن حنبل: تعلم أحدًا روى: «لا سبَق إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو جَناح» فقال: ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البَخْتَري» (٣). • فقه المطلب: ١ - دل الحديث على جواز بذل العوض في السبق بالحمام؛ لكن زيادة: «أو جناح» موضوعة؛ ولذا ذهب الجماهير من أهل العلم (٤) إلى منع بذل العوض في ذلك؛ لأن النص مقصورٌ على الثلاثة الواردة في الحديث، وما في معناها عند بعض أهل العلم، والحمام ليس داخلًا في شيءٍ من ذلك. وذهب بعض أهل العلم (٥) إلى جواز بذل العوض في السبق بالحمام إذا كان يستعان بها على حمل الأخبار في الحروب. والأقرب عدم جواز بذل العوض في ذلك؛ لأن الحاجة إلى الطير في الحرب قليلة، فلا تقابل بعوض (٦)، وفي زماننا هذا أضحت الحاجة إلى الطير في نقل الأخبار معدومة؛ وذلك لتوفر وسائل الاتصال السريعة عبر الهاتف، والفاكس، والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي. ٢ - استجدت في زماننا بعض السباقات للحمام بعوض، وهي داخلة في السباقات التي لا تجوز، ومنها: دوريٌّ يقام مرة واحدة في السنة، ولا يقل
следующие страницы →