← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 739

الأحاديث الواردة في اللعب والرياضة

صالح بن فريح البهلال

Полный текст (526 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

- وأخرجه ابن خزيمة (١)، والحاكم (٢) -ومن طريقه البيهقي (٣) - والخطابي (٤) كلهم من طريق روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر به. - وأخرجه ابن خزيمة (٥) من طريق محمد بن بشار، وأبو يعلى (٦) -ومن طريقه ابن حبان (٧) - من طريق عبد الله بن عمر بن أبان. كلاهما: (ابن بشار، وابن أبان) عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن جعفر به بنحوه، وزيادة: «أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه»، ثم شربه فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام قال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»، وفي رواية محمد بن بشار قال عبد الوهاب: «أظنه قال: بالنسل». - وأخرجه أبو داود الطيالسي (٨) عن وهيب، والشافعي (٩)، ومن طريقه البيهقي (١٠)، والبغوي (١١) -ومسلم (١٢)، والترمذي (١٣)، كلهم من طريق عبد العزيز الدراوردي-، والحميدي (١٤) عن سفيان بن عيينة، ومسلم (١٥) -ومن طريقه ابن حزم (١٦) - عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، والنسائي (١٧) من طريق ابن الهاد، وابن خزيمة (١٨) من طريق أنس بن عياض.

стр. 457

وعلقه البيهقي (١) عن حميد بن الأسود. سبعتهم: (الدراوردي، وابن عيينة، ووهيب، وعبد الوهاب، وابن الهاد، وأنس بن عياض، وحميد بن الأسود) عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر بلفظ: «أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» بدون شكاية الناس المشي. • الحكم على الحديث: - إسناده صحيح؛ وقد صححه الحاكم، ولا يضره انفراد بعض الرواة ببعض متنه؛ فالذي ذكر مسألة المشي ابن جريج، وتابعه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وهو: ثقة (٢)، ولا يضره الاختلاف على عبد المجيد؛ فبتأمل رواية ابن خزيمة؛ فإنه يُلحظ فيها التصريح برواية عبد الوهاب لمتن الحديث، وهذا يدل على أنه يحدث به مرة هكذا، ومرة هكذا. • غريب الحديث: - قوله: «بالنسَلان» -بفتح السين- أي: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطو، وقد نَسَل يَنْسِل نَسْلًا وَنَسَلانًا (٣). - قوله: «كراع الغميم»: موضع بناحية الحجاز قرب مكة، بين سَرِف وعُسْفان، أمام عسفان بثمانية أميال، وهذا الكراع جبل أسود في طرف الحرة، ويعرف اليوم بـ (برقاء الغميم) (٤).

стр. 458

١٣٤ - قال ابن قتيبة (١): حدثني أبي، حدثني محمد بن عبيد، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحق، عن ابن عيينة، عن رجل، أن النبي ﷺ مر بأصحابه وهم يمشون، فشكوا الإعياء، فأمرهم أن ينسلوا. • رواة الحديث: ١ - أبو ابن قتيبة: لم أعثر له على ترجمة. ٢ - محمد بن عبيد: بن عبد الملك الأسدي، أبو عبد الله الهمذاني الجلاب كوفي الأصل، ثقة (٢). ٣ - معاوية بن عمرو: بن المهلب بن عمرو بن شبيب الأزدي المعني، أبو عمرو البغدادي، أخو الكرماني بن عمرو كوفي الأصل، ثقة (٣). ٤ - أبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، الفزاري، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف (٤). ٥ - ابن عيينة: تقدمت ترجمته في الحديث الخامس والثمانين، وأنه ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ. • تخريج الحديث: لم أرَ من خرجه سوى ابن قتيبة. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيف؛ لإعضاله، وإبهام راويه.

стр. 459

١٣٥ - قال ابن عدي (١): ثنا علي بن سعيد، والحسن بن سفيان قالا: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مشى أحدكم فأعيا فليهرول؛ فإنه يذهب ذلك عنه». • رواة الحديث: ١ - علي بن سعيد: بن بشير الرازي، حافظ رحال، قال الدارقطني: «ليس بذاك، تفرد بأشياء». قال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ (٢). ٢ - الحسن بن سفيان: تقدمت ترجمته في الحديث الرابع والثمانين، وأنه ثقة. ٣ - الحسن بن عمر بن شقيق: الجرمي، أبو علي البصري، صدوق (٣). ٤ - سلمة بن الفضل: الأبرش الأنصاري، مولاهم أبو عبد الله الأزرق الرازي قاضي الري، اختلف فيه: فقال ابن معين: «ثقة، قد كتبنا عنه، كان كيسًا، مغازيه أتم، ليس في الكتب أتم من كتابه»، ومرة قال: «ليس به بأس»، وقال أحمد: «لا أعلم إلا خيرًا»، وقال أبو حاتم: «محله الصدق، في حديثه إنكار، لا يمكن أن أطلق لساني فيه بأكثر من هذا، يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال جرير بن عبد الحميد: «ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل». وقال زُنيج (٤): «سمعت سلمة الأبرش يقول: سمعت المغازي من ابن إسحاق مرتين، وكتبت عنه من الحديث مثل المغازي».

стр. 460

وضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: «عنده مناكير، وهَّنه علي»، وذكر مرةً عند أبي زرعة، فقال: «كان من أهل الري، لا يرغبون فيه؛ لمعان فيه من سوء رأيه، وظلم فيه»، وقال النسائي: «ضعيف»، وقال ابن عدي: «وعنده سوى المغازي عن ابن إسحاق وغيره إفرادات وغرائب، ولم أجد في حديثه حديثًا قد جاوز الحد في الإنكار وأحاديثه مقاربة محتملة»، لخص حاله الحافظ ابن حجر بقوله: «صدوق كثير الخطأ»، ولو قيل: «ضعيفٌ يعتبر به، إلا في المغازي؛ فإنه ثبتٌ عن ابن إسحاق» لكان أتم (١). ٥ - محمد بن إسحاق: تقدمت ترجمته في الحديث السبعين، وأنه مقدَّمٌ في المغازي، وأما في الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن. ٦ - نافع: تقدمت ترجمته في الحديث السادس، وأنه ثقة ثبت، فقيه، مشهور. • تخريج الحديث: - أخرجه الديلمي (٢)، وعلقه البيهقي (٣) كلاهما عن ابن عمر. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيف؛ لتفرد علي بن سعيد، ولحال سلمة بن الفضل؛ فإنه وإن كان المرجح أنه ثبتٌ عن ابن إسحاق في أحاديث المغازي، إلا أن هذا الحديث ليس منها.

стр. 461

• غريب الحديث: - قوله: «الهَرْوَلَةُ»: هي بَيْنَ المَشْي والعَدْو (١). • فقه الفرع: تفيد الأحاديث الماضية أن سرعة المشي تدفع الإعياء، وقد ذكر ذلك جماعةٌ ممن كتب في الرياضة (٢). وقد قال ابن الأعرابي: «النَّسْل يُنشِّط، وهو الإسراع في المشي» (٣).

стр. 462

المبحث الرابع ما ورد في ذم سرعة المشي ١٣٦ - قال الدوري (١): حدثنا الوليد بن سلمة قاضي الأردن، قال: حدثنا عمر بن صُهبان، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «سرعة المشي تُذْهب بهاء المؤمن». • رواة الحديث: ١ - الوليد بن سلمة: الأردني الطبراني قاضي طبرية، قال أبو حاتم: «ذاهب الحديث»، وقال دحيم: «كذاب»، وقال ابن حبان: «كان ممن يضع الحديث على الثقات لا يجوز الاحتجاج به بحال» (٢). ٢ - عمر بن صُهبان: ويقال: عمر بن محمد بن صُهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني خال إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، ضعيف (٣). ٣ - نافع: تقدمت ترجمته في الحديث السادس، وأنه ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ، مشهور. • تخريج الحديث: - أخرجه ابن حبان (٤)، وابن عدي (٥)، والثعلبي (٦) من طريق الدوري به بنحوه.

стр. 463

- وأخرجه ابن عدي (١) -ومن طريقه ابن الجوزي (٢) - من طريق العباس بن محمد، والخطيب البغدادي (٣) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني. كلاهما: (العباس، والصغاني) عن الوليد بن سلمة به بنحوه. - وأخرجه ابن عدي (٤) من طريق يحيى بن بشير القرقساني، عن الوليد بن سلمة، عن عمر بن صُهبان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، به بنحوه. - وأخرجه ابن عدي (٥) من طريق يحيى بن بشير القرقساني، ومحمد بن أحمد بن الحجاج، عن الوليد بن سلمة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، به بنحوه. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ وذلك لحال الوليد بن سلمة، وقد اضطرب فيه، وقد قال ابن عدي: «وهذه الأحاديث بهذه الأسانيد غير محفوظة كلها» (٦)، وقال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ » (٧). * * * ١٣٧ - قال ابن حبان (٨): روي عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن» أخبرناه أحمد بن الحسين الجرادي بالموصل، قال: حدثنا يحيى بن بشير القرقساني، قال: حدثنا الوليد بن سلمة، عن ابن أبي ذئب.

стр. 464

• رواة الحديث: ١ - أحمد بن الحسين الجرادي: لم أقف له على ترجمة، سوى ما ذكره ابن نقطة، فقال: «أبو العباس أحمد بن الحسين الجرادي، وراق علي بن حرب، حدث عن محمد بن أحمد بن المثنى خال أبي يعلى الموصلي، وعن إسحاق بن زريق الرسعني، وأحمد بن عبيد الله العنبري، والجراح بن مخلد، وسعيد بن المغيرة الموصلي، وعلي بن حرب الطائي، وغيرهم، حدث عنه أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن المقرئ الأصبهاني في معجم شيوخه، وذكر أنه سمع منه بالموصل» (١). ٢ - يحيى بن بشير القرقساني: هو يحيى بن محمد بن بشير، كذبه مطين، وقال الدارقطني: ثقة حافظ (٢). ٣ - الوليد بن سلمة: تقدمت ترجمته في الحديث السادس والثلاثين بعد المائة، وأنه كذاب. ٤ - ابن أبي ذئب: تقدمت ترجمته في الحديث التاسع والثلاثين، وأنه ثقة فقيه فاضل. ٥ - سعيد المقبري: تقدمت ترجمته في الحديث التاسع والأربعين، وأنه ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين. ٦ - أبو سعيد: كيسان أبو سعيد المقبري المدني صاحب العباء، مولى أم شريك، ثقةٌ ثبتٌ (٣).

стр. 465

• تخريج الحديث: - أخرجه ابن عدي (١) -ومن طريقه ابن الجوزي (٢) - من طريق عمار بن مطر، وابن عدي (٣) -أيضًا- من طريق صدقة أبي الليث الحصني. كلاهما: (عمار، وأبو الليث) عن ابن أبي ذئب، به بنحوه. - وأخرجه أبو نعيم (٤)، والخطيب البغدادي (٥)، والماليني (٦)، من طريق أبي معشر، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ لحال الوليد بن سلمة، وكذا باقي طرقه، وهذا بيان ضعفها: أما طريق عمار بن مطر، ففيها عمارٌ هذا، قال الذهبي عنه: «هالك» (٧). وأما طريق أبي الليث الحصني، ففيها عبد القدوس بن عبد القاهر، قال الذهبي عنه: «لا يعرف» (٨). وأما طريق أبي معشر، ففيها علتان: ١ - أبو معشر: نَجيح بن عبد الرحمن، ضعيف (٩). ٢ - محمد بن عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال الخطيب: «لم أسمع له بذكر إلا في هذا الحديث» (١٠)، وهذا يدل على جهالته. وقد قال الذهبي عن الحديث من هذه الطريق: «حديثٌ منكرٌ جدًّا» (١١).

стр. 466

* * * ١٣٨ - قال ابن بشران (١): أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد، ثنا محمد بن يونس، ثنا يوسف بن كامل، ثنا عبد السلام بن سليمان الأزدي، عن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سرعة المشي تذهب بماء الوجه». • رواة الحديث: ١ - أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد: تقدمت ترجمته في الحديث التاسع بعد المائة، وأنه ثقة. ٢ - محمد بن يونس: بن موسى بن سليمان الكُدَيمي، أبو العباس السامي البصري، ضعيف (٢). ٣ - يوسف بن كامل: العطار، ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (٣). ٤ - عبد السلام بن سليمان الأزدي (٤): أبو همام العبدي، ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في التاريخ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ٥ - أبان: بن أبي عياش، واسمه فيروز، ويقال: دينار مولى عبد القيس العبدي، أبو إسماعيل البصري، متروك (٥). • تخريج الحديث: - أخرجه الخطيب البغدادي (٦) من طريق أبي سهل القطان به بلفظه.

стр. 467

• الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ وذلك لحال الكديمي، وأبان. * * * ١٣٩ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن». لم أقف عليه، وقد عزاه السيوطي (١) إلى ابن النجار. • فقه المبحث: تبين من خلال دراسة أحاديث ذم سرعة المشي أنه لا يصح منها شيء، وبناء عليه فيجوز الإسراع في المشي، وقد قال أبو هريرة ﵁ : «ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنما الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ ؛ كأن الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث» (٢). ووصف مشيه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: «إذا مشى تكفأ تكفؤًا (٣) كأنما انحط من صبب (٤)» (٥). وقال أنس ﵁ : «إذا مشى تكفأ» (٦). قال ابن القيم: «هي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل

стр. 468

المشيات وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت؛ فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه، ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب؛ مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا، وإما أن يمشي هونًا، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهما بها في كتابه فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله ﷺ ؛ فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوي له حتى كان الماشي معه يجهد نفسه رسول الله ﷺ . غير مكترث، وهذا يدل على أمرين؛ أن مشيته لم تكن مشية بتماوت ولا بمهانة بل مشية أعدل المشيات» (١). وعلى ما ذكر ابن القيم يحمل قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. قال القرطبي: «القصد: ما بين الإسراع والبطء؛ أي: لا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثب الشطار» (٢).

стр. 469

الفصل السادس المصارعة وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: تعريف المصارعة. - المبحث الثاني: ما ورد في المصارعة بغير عوض. - المبحث الثالث: ما ورد في المصارعة بعوض.

стр. 470

المبحث الأول تعريف المصارعة المصارعة لغة: قال ابن فارس: «صَرَع: الصاد والراء والعين أصلٌ واحدٌ يدلُّ على سقوطِ شيءٍ إلى الأرض عن مراس اثنين، ثم يُحمَلُ على ذلك ويشتقُّ منه، من ذلك صَرَعْتُ الرَّجلَ صَرْعًا، وصارعتُهُ مُصَارَعةً» (١). وهي في الاصطلاح: لعبةٌ رياضيةٌ يتقابل فيها لاعبان، يسعى كلٌّ منهما إلى طرح خصمه أرضًا، أو تثبيته عليها (٢).

стр. 471

المبحث الثاني ما ورد في المصارعة بغير عوض ١٤٠ - قال ابن سعد (١): أخبرنا علي بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: اتحد (٢) الحسن والحسين عند رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: «هِيْ يا حسن، خذ يا حسن»، فقالت عائشة: تعين الكبير؟ قال: «إن جبريل يقول: خذ يا حسين». • رواة الحديث: ١ - علي بن محمد: هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني الأخباري، قال ابن معين: «ثقةٌ ثقةٌ ثقةٌ»، وقال ابن عدي: «ليس بالقوي في الحديث»، وقال الخطيب البغدادي: «كان صدوقًا»، وقال الذهبي: «كان عجبًا في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدقًا فيما ينقله، عالي الإسناد». قلت: الأقرب أنه ثقةٌ، فتوكيد التوثيق ثلاثًا نادرٌ عند ابن معين، وهي من أعالي رُتَب التعديل.

стр. 472

أما كلمة ابن عدي في تليينه، فلا أدري ما وجهها؟ (١). ٢ - حماد بن سلمة: تقدمت ترجمته في الحديث الثالث عشر، وأنه ثقةٌ عابدٌ، ربما أخطأ، وأنه أثبت الناس في ثابت البناني، وحميد الطويل، وزيد بن جُدعان، وهشام بن عروة. ٣ - عمار بن أبي عمار: مولى بني هاشم، ويقال: مولى بني الحارث بن نوفل، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المكي. قال أحمد -مرة-: «ثقةٌ ثقةٌ»، -ومرة- قال: «ثقة ثبت»، ووثقه ابن المديني، وأبو داود، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: «ثقةٌ لا بأس به»، وقال النسائي: «لا بأس به» وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «كان يخطيء». قال البخاري: «كان شعبة يتكلم فيه»، وذكر له البخاري حديثًا، وقال: «لا يتابع عليه». لخص حاله الحافظ ابن حجر، فقال: «صدوقٌ ربما أخطأ»، قلت: الذي يظهر من كلام الأئمة أنه ثقة، وما ذكره البخاري، وابن حبان لا يسلم منه أحد، وجرح شعبة غير مفسر (٢)، والله أعلم. • تخريج الحديث: - أخرجه ابن عساكر (٣) من طريق ابن سعد. • الحكم على الحديث: - إسناده صحيح.

стр. 473

• غريب الحديث: «هِيْ يا حسن»: بكسر الهاء، وسكون الياء، اسم فعل أمر، يأتي بمعنى الاستزادة، وبمعنى التهديد (١)، وليس له محملٌ هنا سوى الاستزادة. * * * ١٤١ - قال أبو يعلى الموصلي (٢): حدثنا سلمة بن حبان، حدثنا عمر بن أبي خليفة العبدي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: كان الحسن والحسين ﵇ يصطرعان بين يدي رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يقول: «هِيْ حسن»، فقالت فاطمة ﵍: يا رسول الله، لمَ تقول: «هِيْ حسن؟» فقال: «إن جبريل ﵇ يقول: هِيْ حسين». • رواة الحديث: ١ - سلمة بن حبان: العَتَكي، بصريٌّ، روى عنه أبو يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان، وعبد الله بن الإمام أحمد، سكت عنه ابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات (٣). ٢ - عمر بن أبي خليفة العبدي: أبو حفص البصري، واسم أبي خليفة حجاج بن عتاب، وثقه الفلاس، والدارقطني، وقال أبو حاتم: «صالح الحديث»، وقال ابن عدي: «يحدث عن محمد بن زياد القرشي بما لا يوافقه أحدٌ عليه»، وقال الحافظ ابن حجر: «مقبول»، قلت: يظهر من كلام الأئمة عليه أنه صدوقٌ له أفراد (٤).

стр. 474

٣ - محمد بن زياد: القرشي الجمحي، أبو الحارث المدني، مولى عثمان بن مظعون، وقيل: مولى آل قدامة بن مظعون، سكن البصرة، ثقةٌ ثبتٌ ربما أرسل (١). • تخريج الحديث: - أخرجه ابن عدي (٢)، وابن عساكر (٣)، وابن الأثير (٤) من طريق أبي يعلى. - وأخرجه أبو نعيم من طريق سلمة بن حيان به بنحوه (٥). - وأخرجه ابن أبي الدنيا (٦) عن أبي سلمة يحيى بن خلف الباهلي، عن عمر بن أبي خليفة، به بنحوه. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لتفرد عمر بن أبي خليفة به، عن محمد بن زياد، وقد قال الذهبي: «عمر بن أبي خليفة العبدي البصري، عن محمد بن زياد القرشي، له حديثٌ منكر» (٧)، ويغني عنه حديث ابن عباس السابق بنحوه. * * * ١٤٢ - قال ابن أبي شيبة (٨): حدثنا المطلب بن زياد، عن جابر، عن أبي جعفر قال: اصطرع الحسن والحسين، فقال رسول الله ﷺ : «هو حسن (٩)»، فقالت فاطمة: كأنه أحب إليك. قال: «لا، ولكن جبريل يقول: هو حسين».

стр. 475

• رواة الحديث: ١ - المطلب بن زياد: بن أبي زهير الثقفي، ويقال: القرشي، مولاهم الكوفي، ويقال: إنه مولى لجابر بن سمرة السوائي، وثقه أحمد، وابن معين -مرة-، والفضل بن دكين، وعثمان ابن أبي شيبة، والعجلي، وقال ابن معين -مرة-: «لا بأس به»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: «هو عندي صالح»، وقال ابن عدي: «وللمطلب أحاديث حسان وغرائب، ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به». وضعفه ابن سعد، وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال أبو داود: «رأيت عيسى بن شاذان يضعفه، وقال: عنده مناكير». قال الحافظ ابن حجر: «صدوقٌ ربما وهم». قلت: لعل الأقرب أنه ثقة، فقد وثقه ثلاثة أئمة كلهم قد روى عنه -أحمد، وابن معين، وعثمان- فهم به أعرف، ويحمل قول من ضعفه على أوهام تقع في حديثه، لا يسلم منها أحد، وأبو حاتم متشددٌ في التعديل (١) (٢). ٢ - جابر: هو ابن يزيد بن الحارث الجُعْفي، أبو عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي (٣).

стр. 476

٣ - أبو جعفر: هو الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، تقدم في الحديث الثلاث والثلاثين بعد المئة، وأنه ثقة فاضل. • تخريجه: - أخرجه الحارث بن أبي أسامة (١) من طريق حسين المعلم، وابن شاهين (٢)، وابن عساكر (٣) من طريق علي بن أبي علي اللَّهَبِي، عن جعفر بن محمد. كلاهما: «حسين المعلم، وجعفر» عن أبي جعفر الباقر به بنحوه، سوى أن السائل عند ابن عساكر هو علي. وقد رواه اللَّهَبِي عند ابن شاهين، وابن عساكر -مرة- عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي. • الحكم على الحديث: إسناد الحديث ضعيف؛ لأمرين: ١ - ضعف جابر بن يزيد الجُعْفي. ٢ - إرساله؛ فمحمد بن علي تابعي؛ ولذا قال الحافظ ابن حجر: «هذا مرسل» (٤). وفي متابعة حسين المعلم الراوي عنه الحسن بن قتيبة، قال الذهبي عنه: «هالك» (٥). وفي متابعة جعفر بن محمدٍ عليُّ بنُ أبي علي اللَّهَبِي، قال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء (٦). وكذا في رواية على ﵁ فيها اللَّهَبِي أيضًا.

стр. 477

ويغني عنه حديث ابن عباس السابق بنحوه. * * * ١٤٣ - قال الروياني (١): نا ابن إسحاق، نا أبو الأحوص محمد بن حيان، نا هُشَيم، نا عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه، قال: قدمت أم سمرة بن جندب المدينة في بعض حوائجها، ومعها ابنها سمرة، وقد يَتُم. قال: وكانت امرأة جميلة، فخطبت فجعلت تقول: إنها لا تتزوج إلا برجل يكفل لها نفقة ابنها سمرة، قال: فخطبها رجل من الأنصار فجعل لها ذاك، قال: وكانوا في الأنصار بَعْد، قال: فكان النبي ﷺ يعرض غلمان الأنصار في كل عام، قال: فإذا ظن أن أحدهم قد بلغ أمضاه في الغزو، قال: فعرض عامًا من تلك الأعوام، قال: فأتاه غلامٌ من الأنصار فأمضاه، قال: ثم قام سمرة فرده، فقال له سمرة: يا رسول الله لقد أمضيت غلامًا لو صارعته لصرعته، قال: «أكذاك؟» قال: نعم. قال: «فصارعه»، فصرع الأنصاري، قال: فأمضاه النبي ﷺ . • رواة الحديث: ١ - ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن جعفر، ويقال محمد بن إسحاق بن محمد أبو بكر الصاغاني، نزيل بغداد، خراساني الأصل، ثقة ثبت (٢). ٢ - أبو الأحوص محمد بن حيان: البغوي، نزيل بغداد، ثقة (٣). ٣ - هُشَيم: هو ابن بشير، تقدمت ترجمته في الحديث الخامس، وأنه ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي.

стр. 478

٤ - عبد الحميد بن جعفر: بن عبد الله الأنصاري، الأوسي، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص المدني، وثقه يحيى القطان، وابن سعد، وابن المديني، ويعقوب بن سفيان، وأحمد، وابن معين، وزادا: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم: «محله الصدق»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقال -مرة-: «ليس بقوي»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «ربما أخطأ»، وضعفه الثوري، وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه»، وقال الذهبي: «ثقة، غمزه الثوري للقدر»، وقال ابن حجر: «صدوق، رمي بالقدر، وربما وهم». قلت: ولعل الصواب أن الرجل ثقة؛ وذلك لتوثيق الجم الغفير من الأئمة له، وأما تضعيف الثوري، فمعلومٌ سبيه، وأنه لا تعلق له بالرواية، فقد قال يحيى القطان: «كان سفيان يضعفه من أجل القدر»، وقال أبو داود: «كان سفيان يتكلم فيه لخروجه مع محمد بن عبد الله بن حسن» (١). ٥ - جعفر الأنصاري: هو ابن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي المدني، ثقة، من نبلاء التابعين (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه الطبراني (٣) من طريق محمد بن عبدوس بن كامل السراج، والحاكم (٤) -وعنه البيهقي (٥)، من طريق علي بن عبد العزيز. كلاهما: (السراج، وعلي بن عبد العزيز) عن إبراهيم بن عبد الله

стр. 479

الهروي، وأبو نعيم (١) من طريق يعقوب بن إبراهيم. كلاهما: (الهروي، ويعقوب) عن هُشَيم به بنحوه؛ إلا أن علي بن عبد العزيز رواه عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، عن هُشَيم، حدثنا عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه، عن سمرة. • الحكم على الحديث: الحديث صححه الحاكم، والأقرب أن إسناده ضعيفٌ؛ لإرساله، فجعفر الأنصاري تابعي، ولذا قال الهيثمي: «رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله ثقات» (٢)، وقد اختلف في الحديث عن هُشَيم على وجهين: ١ - عن هُشَيم، نا عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه. وهذا يرويه أبو الأحوص محمد بن حيان، وإبراهيم الهروي -من طريق محمد بن عبدوس عنه- ويعقوب بن إبراهيم. ٢ - عن هُشَيم، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب. وهذا يرويه إبراهيم الهروي -من طريق علي بن عبد العزيز عنه-. وهذا الوجه ضعيف أيضًا؛ فجعفر لم يلق سمرة، قاله ابن معين (٣). وبناءً على هذا، فالحديث ضعيفٌ من جميع أوجهه. * * * ١٤٤ - قال أبو نعيم (٤): نا القاضي أبو أحمد العسال، نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصاص، قال: نا محمد بن معاوية الزيادي، قال نا سعيد بن أوس الأنصاري، قال: نا عمران بن حدير، عن النزال بن

стр. 480

عمار، عن ابن عباس قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ليصارعه، فقال: «قم يا معاوية فصارعه»، فقام معاوية فصارعه، فصرعه، فقال رسول الله ﷺ : «أما علمتم أن معاوية لا يصارع أحدًا إلا صرعه معاوية». • رواة الحديث: ١ - القاضي أبو أحمد العسال: هو محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو أحمد العسال الأصبهاني، قال أبو نعيم: كان من كبار الناس في الحفظ والإتقان والمعرفة، وقال ابن منده: «كتبت عن ألف شيخ، لم أر فيهم أتقن من أبي أحمد العسال» (١). ٢ - أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن سعيد الجصاص: قال الخطيب: «كان ثقة» (٢). ٣ - محمد بن معاوية الزيادي: هو محمد بن معاوية بن عبد الرحمن الزيادي البصري، يلقب عَصِيدَة، صدوقٌ عارفٌ (٣). ٤ - سعيد بن أوس الأنصاري: أبو زيد النحوي البصري، وثقه أبو عبيد، وصالح جزرة، والحاكم، وقال ابن معين، وأبو حاتم: «صدوق». وقال ابن حبان: «لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الأخبار، ولا الاعتبار إلا بما وافق الثقات». قال الذهبي: «ذكره ابن حبان ملينًا له؛ لأنه وهم في سند حديث: أسفروا بالفجر». لخص حاله الذهبي بقوله: «ثقة علامة ذو تصانيف»، والحافظ ابن حجر بقوله: «صدوقٌ له أوهام، ورمي بالقدر»، ولعل الأقرب ما قال الذهبي (٤).

стр. 481

٥ - عمران بن حدير: السدوسي، أبو عبيدة البصري، ثقةٌ، ثقةٌ (١). ٦ - النزال بن عمار: بصريٌّ، روى عنه عمران بن حدير، وقرة بن خالد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر: «مقبول» (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه الديلمي (٣) عن ابن عباس. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لأمرين: الأول: النزال بن عمار مقبول، والمقبول ليِّنٌ ما لم يتابع على اصطلاح الحافظ في التقريب. الثاني: أن النزال لم يسمع من ابن عباس، قال البخاري: «بلغه عن ابن عباس، قاله ابن المبارك، عن عمران بن حدير» (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: «ذكره ابن حبان في أتباع التابعين؛ فكأن روايته عن ابن عباس عنده مرسلة» (٥). * * * ١٤٥ - مصارعة النبي ﷺ أبا جهل. لم أقف على إسنادها، وقد ذكرها بعض أهل العلم، وبينوا أنها لا أصل لها، فقال عبد الغني بن سعيد: «ما روي من مصارعة النبي ﷺ أبا جهل لا أصل له» (٦)، وبنحوه قال المزي (٧)، وعلي القاري (٨)، وقد نقل

стр. 482

ابن القيم (١) كلام المزي مقرًّا له. * * * ١٤٦ - قال السهيلي: «أبو الأشدَّيْن (٢) الجُمَحي، واسمه كَلْدَة بنُ أُسيْد بن خلف ... وقد دعا النبي إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه رسول الله ﷺ مرارًا» (٣). لم أقف عليه مسندًا، وقد أشار إليه ابن كثير (٤). • فقه المطلب: دلت أحاديث المطلب على جواز المصارعة إذا كانت بلا عوض، وقد تبين خلال دراستها أنه لم يثبت منها سوى حديث واحد، وهو حديث ابن عباس في مصارعة الحسن والحسين، وقد اتفق الفقهاء من الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨) على جواز المصارعة إذا كانت بلا عوض. * * *

стр. 483

المبحث الثالث ما ورد في المصارعة بعوض ١٤٧ - قال ابن سعد (١): أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر محمد بن ركانة، عن أبيه، أنه صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ ، وسمعت النبي ﷺ يقول: «فرْق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القَلانس» (٢). • رواة الحديث: ١ - محمد بن ربيعة الكِلابيُّ: الرُّؤاسيُّ، أبو عبد الله الكوفي، صدوق (٣). ٢ - أبو الحسن العسقلاني: مجهول (٤). ٣ - أبو جعفر محمد بن ركانة: بن عبد يزيد القرشي المطلبي، مجهول، قال المزي: «وقع في رواية اللؤلؤي عن أبي داود أبو جعفر بن محمد بن علي بن ركانة، وقال بعض الرواة عن أبي جعفر محمد بن يزيد بن ركانة»، وقد صوب المزي قول من قال: «أبو جعفر محمد بن ركانة» (٥).

стр. 484

• تخريج الحديث: - أخرجه البخاري -في التاريخ الكبير- (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وأبو يعلى (٤)، والطبراني (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧)، كلهم من طريق محمد بن ربيعة به بنحوه. - وأخرجه البيهقي (٨) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن ركانة، عن جده ركانة به مطولًا بذكر العوض. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ وذلك لجهالة أبي الحسن العسقلاني، وأبي جعفر محمد بن ركانة، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، وقد ضعفه الأئمة، فقال البخاري: «إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض» (٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة» (١٠)، وقال ابن حبان: «في إسناده نظر» (١١)، وبنحوه قال ابن السكن (١٢)، وقال الذهبي: «محمد بن ركانة بن عبد يزيد عن أبيه في المصارعة، وعنه ابنه أبو جعفر لم يصح خبره» (١٣). • غريب الحديث: - قوله: «القلانس»: جمع قَلَنْسُوة، يقال: القَلْسُوَة، والقَلْساة، والقُلَنْسِيَة، والقَلَنْسَاة، والقلْنِيسَةُ: من ملابس الرُّؤوس المعروفة، وهي تلتصق بالرأس،

стр. 485

وتلف العمامة عليه، وتسمى في زماننا بالطاقية (١). * * * ١٤٨ - روى عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، قال: أحسبه عن عبد الله بن الحارث قال: صارع النبي ﷺ أبا ركانة (٣) في الجاهلية، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة، فصرعه رسول الله ﷺ ، فقال أبو ركانة: عاودني، فصارعه، فصرعه رسول الله ﷺ ايضًا، فقال: عاودني في أخرى، فعاوده، فصرعه رسول الله ﷺ أيضًا، فقال أبو ركانة: هذا أقول لأهلي: شاة أكلها الذئب، وشاة تكسرت، فماذا أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ : «ما كنا لنجمع عليك أن نَصرعَك ونُغْرِمَك؛ خذ غنمك». • رواة الحديث: ١ - معمر: تقدمت ترجمته في الحديث التاسع والثلاثين، وأنه ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة، وعاصم بن أبي النجود، وقتادة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة. ٢ - يزيد بن أبي زياد: تقدمت ترجمته في الحديث الثاني والثلاثين بعد المئة، ضعيفٌ، كبر فتغير، وصار يتلقن، يكتب حديثه. ٣ - عبد الله بن الحارث: تقدمت ترجمته في الحديث الثاني والثلاثين بعد المئة، وأنه مجمعٌ على ثقته.

стр. 486

• تخريج الحديث: - أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني (١) من طريق عبد الرزاق. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لأمور: ١ - ضعف يزيد بن أبي زياد. ٢ - عدم جزم يزيد بأن عبد الله بن الحارث حدثه. ٣ - إرساله؛ فعبد الله بن الحارث تابعي، وقد سبق هذا في ترجمته. * * * ١٤٩ - قال أبو داود (٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن رسول الله ﷺ كان بالبطحاء، فأتى عليه يزيد بن ركانة، أو ركانة، ومعه أعنزٌ له، فقال له: يا محمد؛ هل لك أن تصارعني؟ قال: «ما تُسَبِّقُني؟» قال: شاة من غنمي، فصارعه النبي ﷺ ، فصرعه، فأخذ شاة، قال ركانة: هل لك في العودة؟ فقال: «ما تُسَبِّقُني؟» قال: أخرى، فصارعه النبي ﷺ ، فصرعه، فقال له مثل ما قال، قال: «ما تُسَبِّقُني؟» قال: أخرى، فصارعه النبي ﷺ ، فصرعه، فقال: يا محمد والله ما وضع جنبي أحدٌ إلى الأرض، وما أنت بالذي تصرعني فأسلم، ورد عليه رسول الله ﷺ غنمه. • رواة الحديث: ١ - موسى بن إسماعيل: المِنْقَري، أبو سلمة التَّبُوذكي (٣)، ثقة

стр. 487

ثبت (١). ٢ - حماد: هو ابن سلمة، تقدمت ترجمته في الحديث الثالث عشر، وأنه ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت البناني، وحميد الطويل، وعلي بن زيد، وهشام بن عروة. ٣ - عمرو بن دينار: تقدمت ترجمته في الحديث العاشر، وأنه ثقة ثبت. ٤ - سعيد بن جبير: ابن هشام، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ (٢). • تخريج الحديث: - أخرجه البيهقي (٣) من طريق أبي داود. - وأخرجه أبو نعيم (٤) من طريق يزيد بن هارون، وأبو الشيخ (٥) من طريق محمد بن كثير، والخطيب البغدادي (٦) من طريق حفص بن عمر، وأبو بكر الشافعي (٧)، وأبو الشيخ (٨) من طريق عبد الله بن يزيد (٩).

стр. 488

أربعتهم: (يزيد، وابن كثير، وحفص، وابن يزيد) عن حماد بنحوه؛ إلا أن حفصًا، وابن يزيد روياه عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مطولًا. • الحكم على الحديث: - إسناده ضعيفٌ؛ لإرساله قال الحافظ ابن حجر: «سعيد لم يدرك ركانة» (١)، وقد قال البيهقي: «مرسلٌ جيد» (٢)، وقد اختلف في إسناده على حماد بن سلمة على وجهين: الأول: عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير مرسلًا، وهذا يرويه ثلاثة: ١ - موسى بن إسماعيل، وهو ثقة ثبت -كما سبق-. ٢ - يزيد بن هارون، وهو ثقة متقن (٣)، وفي الطريق إليه محمد بن محمد بن الأزهر، لم أقف على حاله، وقد ترجمه الخطيب في تاريخه (٤)، ولم يذكر في حاله شيئًا. ٣ - محمد بن كثير، وهو الصنعاني صدوقٌ كثير الغلط (٥). الثاني: عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهذا يرويه راويان: ١ - حفص بن عمر، وهو أبو عمر الضرير المقرئ، لا بأس به (٦)، والراوي عنه أحمد بن عتاب المروزي لم أقف على ما يبين حاله سوى ما ذكر

стр. 489

الذهبي في الميزان (١)؛ فإنه قال: «قال أحمد بن سعيد بن معدان: شيخ صالح، روى الفضائل والمناكير»، وتعقبه الذهبي، فقال: «قلت: ما كل من روى المناكير يضعَّف؛ وإنما أوردت هذا الرجل لأن يوسف الشيرازي الحافظ ذكره في الجزء الأول من الضعفاء من جمْعِه». قلت: ظاهر تعقب الذهبي أنه يقر بوجود المناكير عنده؛ وهذا كافٍ في أن يتوقف في ما يتفرد به. ٢ - عبد الله بن يزيد المكي المقرئ، وهو ثقة فاضل (٢)، وقد جود الإسناد من هذا الطريق ابن القيم (٣)، وابن كثير (٤). والأقرب في درجة الحديث أنه ضعيفٌ، وأن حمادًا ﵀ لم يضبطه؛ فقد ثبت أن راويين ثقتين روياه عنه؛ وهما التَّبوذكي، وابن يزيد، فأرسله الأول، ووصله الثاني، وحماد يخطئ في غير حديث ثابت وحميد، قال مسلم: «وحمَّاد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت كحديثه عن قتادة، وأيوب، ويُونُس، وداود بن أبي هند، والجُريري، ويحيى ابن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم، فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا» (٥). • غريب الحديث: - قوله: «ما تُسَبِّقُني»: أي: ما تعطيني، وهو من الأضداد يقال: سبَّقه؛ إذا أخذ منه السبْق، وهو ما يتراهن عليه، وسبَّقه؛ أعطاه إياه (٦).

стр. 490

١٥٠ - قال البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لركانة بن عبد يزيد: «أسلم»، فقال: لو أعلم أن ما تقول حقًّا لفعلت، فقال له رسول الله ﷺ -وكان ركانة من أشد الناس-: «أرأيت إن صرعتك أتعلم أن ذلك حق؟»، قال: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصرعه، فقال له: عد يا محمد، فعاد له رسول الله ﷺ ، فأخذه الثانية فصرعه على الأرض، فانطلق ركانة وهو يقول: هذا ساحر، لم أر مثل سحر هذا قط، والله ما ملكت من نفسي شيئًا حتى وضع جنبي إلى الأرض. • رواة الحديث: ١ - أبو عبد الله الحافظ: هو محمد بن عبد الله بن البيِّع الحاكم الضبي النيسابوري، الإمام الحافظ، الناقد العلامة، شيخ المحدثين، صاحب التصانيف كالمستدرك وغيره (٢). ٢ - أبو العباس محمد بن يعقوب: تقدمت ترجمته في الحديث السادس عشر، وأنه ثقةٌ مأمون. ٣ - أحمد بن عبد الجبار: ابن محمد التميمي العُطَاردي، أبو عمر الكوفي، اختلف فيه، فعدله أئمة: فوثقه أبو عبيدة ابن أخي هنَّاد بن السَّرِي، وأثنى عليه أبو كريب، وقال الدارقطني: «لا بأس به»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «ربما خالف، لم أر في حديثه شيئًا يجب أن يعدل به عن سبيل العدول إلى سنن المجروحين»، واحتج به البيهقي في تصانيفه. وجرحه آخرون: فقال أبو حاتم: «ليس بقوي»، وقال ابنه: «كتبت عنه، وأمسكت عن

стр. 491

الرواية عنه؛ لكثرة كلام الناس فيه»، وقال مطين: «كان يكذب»، وقال أبو أحمد الحاكم: «ليس بالقوي عندهم»، وقال ابن عدي: «رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه، وكان أحمد بن محمد بن سعيد -يعني: ابن عُقْدة- لا يحدث عنه لضعفه، وذكر أن عنده عنه قمطرًا، على أنه لا يتورع أن يحدث عن كل أحد». لخص حاله الحافظ ابن حجر بقوله: «ضعيفٌ، وسماعه للسيرة صحيح». قلت: ولعل الأقرب أنه يصل إلى مرتبة الصدوق؛ فقد قال الخطيب البغدادي: «كان أبو كريب من الشيوخ الكبار الصادقين الأبرار، وأبو عبيدة السرى شيخٌ جليلٌ -أيضًا- ثقة من طبقة العُطَاردي، وقد شهد له أحدهما بالسماع، والآخر بالعدالة، وذلك يفيد حسن حالته، وجواز روايته؛ إذ لم يثبت لغيرهما قولٌ يوجب إسقاط حديثه، واطراح خبره، وقد روى العُطَاردي، عن أبيه، عن يونس بن بكير أوراقًا من مغازي ابن إسحاق، ويشبه أن يكون فاته سماعها من يونس، فسمعها من أبيه عنه، وهذا يدل على تحريه للصدق، وتثبته في الرواية». أما ما جرح به فيمكن الإجابة عنه، فتكذيب مطين قد قال فيه الخطيب البغدادي: «وأما قول المطين: إنه كان يكذب فقولٌ مجملٌ؛ إن أراد به وضع الحديث فذلك معدوم في حديث العُطَاردي، وإن أراد به أنه روى عن من لم يدركه فباطلٌ؛ لأن أبا كريب شهد له بالسماع من أبي بكر بن عياش، وقد مات قبل شيوخه إلا ابن إدريس؛ فإنه مات قبل ابن عياش بسنة، ويجوز أن يون أبوه بكَّر به». وقد ذكر الخطيب أن أبا كريب، سئل عن مغازي يونس بن بكير، فقال: «مرُّوا إلى غلام بالكُنَاس، يقال له: العُطَاردي، سمع معنا مع أبيه». وقال الذهبي عن تكذيب مطين: «قلت: يعني: في لهجته، لا أنه يكذب في الحديث، فإن ذلك لم يوجد منه، ولا تفرد بشيء». وأما إجماع أهل العراق على تضعيفه، فقد قال ابن عدي: «ولا يعرف

стр. 492

له حديث منكر رواه؛ وإنما ضعفوه لأنه لم يلق من يحدث عنهم». وقال الخليلي: «ليس في حديثه مناكير؛ لكنه روى عن القدماء، فاتهموه لذلك» (١). ٤ - يونس بن بكير: الشيباني، أبو بكر، ويقال: أبو بكير الكوفي. وثقه ابن معين، وابن نمير، وعبيد بن يعيش، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عمار: «هو اليوم ثقة عند أهل الحديث»، وقال أبو حاتم: «محل الصدق»، وسئل أبو زرعة عن يونس، أي شيء ينكر عليه؟ فقال: «أما في الحديث فلا أعلمه». وقال الساجي: «كان ابن المديني لا يحدث عنه، وهو عندهم من أهل الصدق»، وقال أحمد: «ما كان أزهد الناس فيه، وأنفرهم عنه، وقد كتبت عنه». وضعفه النسائي، وقال مرة: «ليس بالقوي». وقال أبو داود: «ليس هو عندي بحجة، كان يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث». قال الذهبي -مرة-: «صدوق» وقال -مرة-: «ثقة»، وقال ابن حجر: «صدوق يخطئ». قلت: مثله لا ينزل عن مرتبة الصدوق (٢). ٥ - ابن إسحاق: تقدمت ترجمته في الحديث السبعين، وأنه إمامٌ في المغازي، وأما في الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، وأنه مدلس. ٦ - إسحاق بن يسار: المدني، والد محمد بن إسحاق، المطلبي المدني

стр. 493

مولى محمد بن قيس بن مخرمة، ثقة، ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة، وهم الطبقة الوسطى من التابعين (١). • تخريج الحديث: - أخرجه أبو القاسم الأصبهاني (٢) من طريق صدقة بن الفضل، مقطوعًا على ابن إسحاق مطولًا. • الحكم على الحديث: إسناد الحديث ضعيف؛ لإرساله، وكذا إسناد أبي القاسم الأصبهاني؛ فإنه معضل؛ فإن الحافظ ابن حجر قد ذكر ابن إسحاق من صغار الطبقة الخامسة (٣)، وهم الذين جل روايتهم عن التابعين. * * * ١٥١ - قال أبو نعيم الأصبهاني (٤): حدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد ابن حماد، ثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، أنبأ محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، حدثني أبو عبد الملك، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: «كان رجلٌ يقال له: ركانة، وكان من أفتك الناس وأشدهم، وكان مشركًا، وكان يرعى غنمًا له في وادٍ يقال له: إضَم، فخرج نبي الله ﷺ من بيت عائشة ذات يوم، فتوجه قِبَل ذلك الوادي، فلقيه ركانة، وليس مع نبي الله ﷺ أحد، فقام إليه ركانة، فقال: يا محمد، أنت الذي تشتم آلهتنا اللات والعزى، وتدعو إلى إلهك العزيز الحكيم، لولا رحمٌ بيني وبينك ما كلمت الكلام -يعني: حتى أقتلك- ولكن ادع إلهك العزيز الحكيم ينجيك مني اليوم، وسأعرض عليك أمرًا، هل لك

стр. 494

إن صارعتك، وتدعو إلهك العزيز الحكيم فيعينك علي، وأنا أدعو اللات والعزى، فإن أنت صرعتني فلك عشرٌ من غنمي هذه تختارها؟ فقال عند ذلك نبي الله ﷺ : «نعم، إن شئت» فاتحدا، فدعا نبي الله إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة اللات والعزى: أعنِّي اليوم على محمد، فأخذه النبي ﷺ فصرعه، وجلس على صدره، فقال ركانة: قم، فلست الذي فعلت بي هذا؛ إنما إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، وما وضع جنبي أحدٌ قبلك. فقال له ركانة: فإن أنت صرعتني فلك عشرٌ أخرى تختارها، فأخذه نبي الله ﷺ ، ودعا كل واحد منهما إلهه، كما فعلا أول مرة، فصرعه النبي ﷺ ، وجلس على كبده، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا؛ إنما فعله إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، وما وضع جنبي أحدٌ قبلك. فقال ركانة: فإن أنت صرعتني فلك عشرٌ أخرى تختارها، فأخذه نبي الله ﷺ ودعا كل واحد منهما إلهه، كما فعلا أول مرة فصرعه النبي ﷺ الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم، وخذلني اللات والعزى، فدونك ثلاثين شاة من غنمي فاخترها. فقال له النبي ﷺ : «ما أريد ذلك، ولكن أدعوك إلى الإسلام يا ركانة، وأنْفَس بك أن تصير إلى النار، إنك إن تُسْلِمْ تَسْلَمْ»، فقال له ركانة: لا إلا أن تريني آية، فقال له نبي الله ﷺ : «الله عليك شهيد، لئن أنا دعوت ربك فأريتك آية لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟» قال: نعم، وقريبٌ منهما شجرة سمر، ذات فروع وقضبان، فأشار إليها نبي الله ﷺ وقال لها: «أقبلي بإذن الله» فانشقت باثنين، فأقبلت على نصف ساقها وقضبانها وفروعها، حتى كانت بين يدي نبي الله وبين ركانة، فقال له ركانة: أريتني عظيمًا، فمرها فلترجع، فقال له نبي الله ﷺ : «عليك الله شهيد، إن أنا دعوت ربي، ثم أمرتها فرجعت لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟»

стр. 495

قال: نعم، فأمرها، فرجعت بقضبانها وفروعها، حتى إذا التأمت بشقها. فقال له النبي ﷺ : «أسْلِمْ تَسْلَمْ» فقال له ركانة: ما بي إلا أن أكون قد رأيت عظيمًا، ولكني أكره أن تَسَامَع نساء المدينة وصبيانهم أني إنما أجبتك لرعب دخل قلبي منك، ولكن قد علمت نساء المدينة وصبيانهم أنه لم يُوضَعْ جنبي قط، ولم يدخل قلبي رعبٌ ساعةً قطُّ ليلًا ولا نهارًا، ولكن دونك، فاختر غنمك، فقال له النبي ﷺ : «ليس بي حاجة إلى غنمك إذا أبيت أن تسلم». فانطلق نبي الله ﷺ راجعًا، وأقبل أبو بكر وعمر ﵁ ما يلتمسانه في بيت عائشة، فأخبرتهما أنه قد توجه قِبَل وادي إضَم، وقد عرفا أنه وادي ركانة، لا يكاد يخطئه، فخرجا في طلبه، وأشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله، فجعلا يتصاعدان على كل شرَف ويتشرفان له، إذا نظرا نبيَّ الله ﷺ مقبلًا، فقالا: يا نبي الله، كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك، وقد عرفت أنه جهة ركانة، وأنه من أقتل الناس، وأشدهم تكذيبًا لك؟ فضحك إليهما، ثم قال: «أليس يقول الله تعالى لي: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]؟ إنه لم يكن يصل إلي واللهُ معي»، فأنشأ يحدثهما حديث ركانة، والذي فعل به، والذي أراه، فعجبا من ذلك، فقالا: يا رسول الله، أصرعت ركانة؟! فلا والذي بعثك بالحق ما وضع جنبيه إنسانٌ قط، فقال النبي ﷺ : «إني دعوت الله ربي، فأعانني عليه، وإن ربي أعانني ببضع عشرة، وبقوة عشرة». • رواة الحديث: ١ - محمد بن إبراهيم: بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني، أبو بكر ابن المقرئ الشيخ الحافظ الجوال، محدث كبير، ثقة أمين، صاحب المعجم، والرحلة الواسعة (١).
следующие страницы →