Полный текст (902 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زورٌ وبهتانُ
ما وجه من أحببته قبلةٌ ... قلت: ولا قولك قرآنُ
وقول الآخر:
يا عاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس مثلك مأمونا على عذلي
ما دمت خلواً تنفك متهماً ... أعشق وقولك مقبولٌ عليَّ ولي
وقوله:
من منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخونُ
إن قلت: ما نصحك إلاّ أذىً ... قال: وما عشقك إلاّ جنونُ
وقوله:
إنَّ قوما يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبا وأعطوا خبيثا
وقول الآخر:
أسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في لومك يا ذا العذول
قد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنّما المولى كثير الفضول
وقول الآخر:
تعرض لي اللاحي وجاء يزورني ... وزجرف لي زور الكلام بمينهِ
وقال: اسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له: هذا الفضول بعينهِ
وقول الآخر:
زعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلاّ هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سواكم
قال لي عاذلي: متى تبصر الرشد ... وتسلو؟ فقالت: يوم عماكم
وقول ابن سناء الملك:
أيا عاذلي فيه لمّا رآه ... لئن كنت أعمى فإني أصم
وهبك أبا ذر هذا الملام ... فأني أبو جهل ذاك الصمم
стр. 142
وقوله أيضاً:
وصفتك واللاحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهلِ
له شاهدا زور من النهي والنهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدلِ
وقول آخر:
وبي عاذلٌ يغري إلى الجهل لم يخل ... بأني في دعوى الغرام أبو ذرِّ
والمراد بهذا الصدق في الهوى. ومن هذا النمط قول آخر:
وشادنٍ مبتسمٍ عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب
يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب
وذلك لأن شعبان عند العرب يسمى العاذل ورجب يسمى الأصم. ومما نحن فيه قول الآخر:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصخت إلى الواشي فلج بها الهجرُ
أشار بالشطر الأول إلى أن العذل يغريه. وقول البوصيري:
محضتني النصح لكن ليس أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ
ويقرب منه قول عفيف الدين التلمساني:
ولي على عاذلي حقوق هوى ... عليه شكري ببعضما يجبُ
لام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السببُ
وقول الآخر:
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبلها رآهُ
فقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواهُ
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواهُ
فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاهُ
ومن ذلك قول حفص العليمي:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر عليَّ الغوانيا
طلبت الهوى العذري حتى وجدته ... وصيرت في نجدٍ به ما كفانيا
وقول الخزاعي:
стр. 143
هددت بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودك لا من السلطانِ
وقول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذةٌ ... حبا لذكرك فليلمني اللومُ
وأما بيته الأخير فينشده المتمثلون اليوم:
قل للذي يدعي علما ومعرفة ... عرفت شيئا وغابت عنك اشياءُ
عجيبة: حكي أنَّ المفضل الضبي قال له الرشيد - دلني على بيت أوّله أكثم أبن صيفي في أصالة الرأي وجودة الوعظة وآخرها بقراط في معرفة الدواء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد هولت علي. فقال: هذا قول أبي نواس: دع عنك لومي. وسأل حامدبن العباس عليَّ بن عيسى الوزير فقال له: ما دواء الثمل وقد علق به؟ فأعرض عنه الوزير وقال: ما لنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد وإذا بقاضي القضاة أبي عمر قد ورد عليهم فلما قعد سأله حامد عن ذلك فقال القاضي: قال الله تعالى:) وما آتاكمُ الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (. وقال رسول الله ﷺ : استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد فال في ذلك:
وكاسٍ شربت على اذة ... وأخرى تداويت منه بها
ثم تلاه أبو نواس فقال في ذلك:
دع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ
فأشرق وجه حامد حينئذ وقال للوزير: ما ضرك يا بارد لو أجبت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى وبقول رسول الله ﷺ وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة؟ فكان خجل الوزير من حامد بهذا الكلام أكثر من حامد منه لمّا ابتدأه بالمسألة.
قلت وهذا الكلام من القاضي كان على مجاراة أهل هذه الصنعة وتبيان ما ثبت في نفس الأمر من بعض منافع الخمر ولم يتعرض للحكم الشرعي من حرمة التداوي بها،
стр. 144
لعلمه إن السائل يعرف ذلك، وإلاّ فكان الواجب أن يستدرك عقب كلامه بما ذكر النبي ﷺ فيمن تداوى بالحرام، والله اعلم.
واعلم أن التصامم عن العذال قد تقدم في كلام الشعراء كثيراً قبل أبي نواس، كقول زهير في الجود:
وأبيض فياضٍ يداه غمامة ... على معتفيه ما تغلب نوافله
بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأقصرن منه عن كريم مرزءٍ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
غير إنَّ أبا نواس لم يكتف العذل ضائعاً، حتى جعله ناجعاً، في عكس المطلوب، ونقيض المرغوب. ولم يحضرني الآن أسبق بهذا أم لا. وقال الشاعر:
ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له: ... إياك، إياك أن تبتل بالماء!
وهو مثل مشهور يضرب عند إلزام الشخص ترك ما لا محيص له عنه عند وجود سببه، أو ارتكاب مالا قدرة عليه. ومنه التكاليف الشرعية عندنا معشر الاشاعرة عند النظر إلى التحقيق وباطن الأمر، إلاّ أنا نجوز في حق الملك الحق تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من غير قبح في شيء من ذلك، بل حسن جار على وفق الاختيار، وتصرف من له الاقتدار، ولا سيما بحسب الظاهر. ويقرب من هذا المعنى قول بعض الشعراء في امرأة:
سكت فقالت: قد سكت عن الحق ... ففهت فقالت ما دعاك إلى النطق؟
فأومأت هل من حالة بين ذا وذا؟ ... فقالت: وذا الإيماء أيضاً من الحمق
فلم أرلي إذ حلت الغرب راحةً ... من الشر إلاّ في المسير إلى الشرق
فلما أتيت الشرق ألفيتها به ... وقد قعدت بي منه في أضيق الطرق
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟
وقال الآخر:
من غص داوى بشراب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟
стр. 145
ومضربه واضح. وفي معناه قول الأول:
لو بغير الماء حلقي قد شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وقول الآخر:
إلى الماء يسعى من يغص بأكله ... فقل: أين يسعى من يغص بالماء؟
وقول الآخر:
فكيف نجيز غصتنا بشيءٍ ... ونحن نغص بالماء الشروب؟
وقول الآخر:
فلو كان هذا الحكم في غير ملككم ... لبؤت به أو غص بالماء شاربه
وقول الآخر:
مصاحبة المنى خطر وجهلُ ... وكم شرقٍ تولد من زلالِ!
وقول أبن حبوس:
مضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بما بذلوه عن ذل السؤال
وها أنا بعدكم في الناس ابغي ... كريماً يشتري شكري بمالِ
أرى الاكدار يشرق شاربوها ... فوا شرقي من الماء الزلال!
وقول الآخر:
إني لأذكركم وقد بلغ الظمأ ... مني فأشرق بالزلال الباردِ
وأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد!
وقول الآخر:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال الباردِ
وقول الآخر:
كنت من محنتي أفر إليهم ... فهم محنتي فأين الفرار؟
وقول أبن سناء الملك:
أموت غراما حين احرم وصل من ... هويت وأحيا فرحة حين ارزق
стр. 146
وإنَّ الفتى يحيا بما قد يميته ... فبالماء يحيا وهو بالماء يشرقُ
وقال البحتري:
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الربى من بات بالماء يشرقُ
وهو مخالف لمّا قبله باعتبار: فإنَ الأول ناظر إلى جنس الماء وإنّه يكون سببا للحياة والموت باعتباري مساغه والشرق به، وتنظير الأحبة بذلك باعتبار وصالهم وفراقهم صحيح. والثاني ناظر إلى من وقع له الشرق بالماء وإنّه لا ينتفع بالماء لمّا مر في الأناشيد وهو صحيح ولكن التنظير خطأ إلاّ أن يريد الأخبار عما وقع له هو من حصول الوحشة ممن يترقب منه الأنس ولم يلاحظ ما قال أبن ذريح:
تداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمرِ
أخذه من قول الأعشى السابق:
وكأس شربت على لذةٍ ... وأخرى تداويت منها بها
وهذا كله وفق قول أبن سناء الملك. وقال الآخر:
يا قوم قلبي عند زهراء ... يسمعه السامع والرائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فانه أشرف أسماءِ
يتمثل بالبيت الثاني. وقد تمثل به العلماء في قصة تخيير النبي ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، واختياره أن يكون عبدا وهو أشرف الأمرين وأجل فإنَ الإضافة إلى الشرف تفيد شرفا. وأي شرف ومجد وعظمة وجلال وراء عظمة مالك الملك الحق تعالى! وأي منزلة أعظم من الانتساب إليه؟ وقال الآخر:
سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاءُ
وقبله:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟ ... تأمل فيك ما صنع العاءُ!
وتمثل صاحب التشرف بهذا الشعر حين ذكر أنَّ أبا الفضل أبن النحوي دخل فأساً، فلما ظهر أصلب القاضي أبن دبوس منه غيرة وآذاه. فلما أزمع أبو الفضل الخروج قطع تلك الليلة التي يخرج في صبيحتها بسجدة دعا في آخرها وقال: اللهم عليك بابي دبوس! فأصبح القاضي ميتا. وقال الآخر وهو معنى رشيق، وكان عتب
стр. 147
على الصمت:
قالت الضفدعة قولاً ... فسرته الحكماءُ
في فمي ماءٌ وهل ينطقُ ... من في فيه ماءُ؟
وقال ذي الرمة:
أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيلبك ممن يشرب الماءَ
قومٌ يرون عما في صدورهم ... حتى إذا استحكموا كانوا هم الداءَ
يشمرون إلى انصاف سوقهم ... هم اللصوص وقد يدعون قراءَ
ولهذا الشعر قصة وهي أنَّ ذا الرمة اجتمع هو وإسحاق بن سويد العدوي في مجلس. فأتيا بطعام فطعما، وأتيا بنبيذ فشرب ذو الرمة وأبى إسحاق أن يشرب. فقال ذو الرمة: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه الأبيات. وقال إسحاق مجيبا له:
أما النبيذ فقد يزري بشاربه ... ولن ترى شاربا أزرى به الماءُ
الماء فيه حياة الناس كلهم ... وفي النبيذ إذا عاقرته الداءُ
يقال هذا نبيذي يعاقره ... فيه عن البر والخيرات إبطاءُ
وفيه إن قيل مهلا عن مصممة ... وفيه عند ركوب الإثم إغضاءُ
ومثل قول أبن الرومي قول الآخر وبنسب لابن الرومي في الفقهاء:
أذيابا بدت لنا ... في ثياب ملونة
إحلالاً وجتم ... أكلنا في المدونه
وقوله أيضاً:
إلاّ إنّما الدنيا ميتةٍ ... وطلابها مثل الكلاب الموامسِ
وأعظمهم ذماً لها وأشدهم ... لها شغفاً قومٌ طوال القلانسِ
ومثل قول إسحاق بن سويد في النبيذيين قول الآخر:
بلوت النبيذيين في كل بلدةٍ ... فليس لأصحاب النبيذ حفاظُ
إذا أخذوها ثم أغنوك بالمنى ... وإن فقدوها فالوجوه غلاظُ
عكاظية لا قدس الله روحها ... وما ذكرت في الصالحين عكاظُ
وسيأتي كل من الأمرين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقال الآخر:
стр. 148
إذا انقطع الرجا من كل حي ... ففي الله الكفاية والرجاءُ
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ
وقد جمع بين الممدوح وهو الرجاء وبين مد المقصور وهو الغناء بكسر الأول ضد الفقر.
وقال عدي بن الرقاع:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الفقراءِ
بل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما عسيت ولا نجوم السماءِ
كالغيم فيه وابلٌ متتابعٌ ... غدقٌ وآخر لا يجود بماءِ
والحر يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياءِ
ومثل البيت الأول قول الحماسي:
ولمّا أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا اهلِ
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
وقال الآخر:
لم ألق بعدهم حياً فأخبرهم ... إلاّ يزيدهم حباً الي همُ
وقال الحماسي عدي بن الرعلاء:
ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنّما الميت ميت الأحياءِ
إنّما الميت من يعيش كئياً ... كاسفا باله قليل الرجاءِ
وقال الآخر:
يوما بحزوي ويوماً بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلاّ عناءُ
وبعض خرئق الأقوام داءٌ ... كداء البطن ليس له دواءُ
يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلاّ ما يشاءُ
وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاءُ
стр. 149
فلا يعطي الحريص غنى لحرصٍ ... وقد ينمى على الجود الثراءُ
غني النفس ما عمرت غني ... وفقر النفس ما عمرت شقاءُ
وليس بنافع ذا البخل مالٌ ... ولا مزر بصاحبه السخاءُ
وبعض الداء ملتمس شفاه ... وداء النوك ليس له شفاءُ
وقال الآخر من شعراء الحماسة:
وأرض عن مطامع قد أراها ... وأتركها وفي بطني انطواءُ
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيش المرء ما استحيى بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاءُ
وقلت أنا في أمر حدث:
تعلم أنَّ شر الأصدقاء ... صديق لا يدوم على الإخاء
متى ما تلقيه أرضاك بشراً ... وليس إذا تغيبت ذا وفاء
لعمرك ما الوداد سوى وداد ... يدوم على التداني والتنائي
وفي الأتراب والترب المجلي ... أخاك وفي المسرة والبلاء
وليس أخوك من يبدي ودادا ... بوجهك طاويا مكنون داء
فإن أدبرت أتبعك أعتضاضاً ... بنابيه وعاد من العداء
وقال الآخر:
إنَّ الذي وهو مثر لا يجود حرٍ ... بفاقة تعتريه بعد إثراء
قوله: وهو مثر جملة حالية فصل بها بين الموصول وصلته وذلك قيل؛ والمثري: الغني. وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:
وكنت أمرء لا أسمع الدهر سبه ... أسب بها إلاّ كشفت غطاءها
متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة ... لنفسي إلاّ قد قضيت قضاءها
يريد: إلاّ قضيتها قضاء فأوقع القلب كما ترى. وقال الآخر:
أقول لمقلتي لمّا التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظري بحظ ... فسوف تكونين إلى البكاء
стр. 150
ومثله قول الآخر:
ترفق بدمعك فاستبقه ... فبين يديك بكاءٌ طويل
وقال البحتري بن المغيرة بن أبي صفرة وكان المهلب بن أبي صفرة قد استعمل يزيد على حرب خراسان والمغيرة على خراجها ولم يوله هو شيئا. فكتب إليه:
أقرأ السلام على الأمير وقل له: ... إنَّ المقام على الهوان بلاءُ
أصل الغدو إلى الرواح وإنّما ... أذني وأذن الأبعدين سواءُ
أجفى ويدعى من ورائي جالساً ... ما بالكرامة والهوان خفاءُ
فلما بلغ المهرب ذلك وجد عليه وألزمه بيته فكتب إليه:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يريد لي قد أزور جانبه
وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى ليسؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلاً واتخذني لنوبة ... تلوم فإنَ الدهر جم نوائبه
أنا السيف إلاّ أنَّ للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
فرضي عنه وعزل المغيرة وولاه. وقال خالد الكاتب:
أعان طرفي على جسمي وأحشائي ... بنظرة وقفت جسمي على داءِ
وكنت غراً بما يجنى على بدني ... لا علم لي أنَّ بعضي بعض أدواءِ
وأخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما بيننا ... وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر
أقاتلتي ظلما بأسهم لحظها ... أما حكم يقضي على طرف جائرِ
فلو كان للعشاق قاض من الهوى ... إذا لقضى بين الفؤاد وناظري
ومثله قول الآخر:
والله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
ولهذا الشعر قصة طريفة: حكي عن بعض المغنين قال قدم عليَّ فتى حسن الوجه
стр. 151
عليه اثر السقم وقال: لي عندك حاجة! قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار وقال: اقبلها مني واصنع لي لحنا في بيتين وغنني بها. فقلت: نعم! حبا وكرامة فأنشد البيتين المذكورين. قال: فصنعت لحنا شجيا ثم غنيته إياه. فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق وكأنما نشر من قبر. فقال: أعد عليّ! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى والله أن تموت. فقال: ليت ذلك قد كان فأستريح! وجعل يتضرع لي حتى رحمته فأعدت الصوت. فصعق صعقة ظننت أن نفسه زهقت فيها. فجعلت أنضح وجهه بالماء. فلما أفاق وضعت دنانيره بين يديه وقلت: انصرف عني فإني لا أحب أن أشرك في دمك. فقال: لا حاجة لي بها ولك عندي مثلها. وأخرج ثلاثمائة أخرى وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى وأنا أنصرف عنك. فشرهت نفسي إلى الدنانير وقلت: أفعل على ثلاث شروط. قال: وما هي؟ قال: الأول أن تأكل من الطعام ما تتقوى به؛ والثاني أن تشرب أقداحا من النبيذ تمسك قلبك والثالث أن تحدثني بقصتك فلعل ذلك ينفعك. فقال: نعم. فدعوت بالطعام فأصاب منه ودعوت بالشراب فشرب أقداحا وأنا أغنيه ما يحضرني. فلما رأيت النبيذ شد قلبه غنيت الصوت فطرب وأعته عليه مرارا رضي وسكن. فقلت: حدثني. فقال. أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها وقد سال العقيق مع أصحاب لي. فخرج فتيات لمثل ما خرجنا إليه. فنظرت إلى فتاة منهن كأنها غصن بان، فعلقتها من وقتي وأطلت إليها وأبصرت هي ذلك مني. فلما تفرق الناس وجدت بقلبي جرحا ولم أعرف لها ولا لصواحبها خبرا. فمرضت لذلك حتى يئس مني أهلي. فخلت بي ظئري وسألتني عن ضري وضمنت لي كتمان السر والسعي فيما يصلح. فأخبرتها خبري، فقالت: لا بأس عليك سيعود المطر ويسيل العقيق فتخرج معك. فإذا رأيتها عرفتني بها فلا أفارقها حتى تقف على موضعها وأوصلك إليها وأسعى في تزوجها. فسكنت نفسي لقولها ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق. فخرجت مع أصحابي ومعي ظئري وجلسنا مجلسنا الأول بعينه وإذا بالنسوة وفيهن صاحبتي. فأومأت إلى ظئري حتى عرفتها وقلت لها: انطلقي وقولي: يقول لك الفتى: والله لقد أحسن الذي يقول:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحا به وندوبا
стр. 152
فمضت وقالت لها ذلك. فقالت: قولي له: لقد احسن القائل واحسن الذي يقول:
بنا مثل ما يشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي الفؤاد قريبا
قال: فلما انصرفنا، تبعتها حتى عرفت مكانها، فتلطفت حتى جمعت بيننا على مخالسة، فظهر ما بيننا فحجبت عني ولم أقدر على لقائها. فبلغ ذلك أبي فخطبها من أبيها فقال: لو كان هذا قبل اشتهار حديثها لأسعفته؛ وأما الآن فلا أحقق مقالة الناس فيها بتزويجها منه. فيئست منها ومن نفسي، فخرجت هائما حتى بلغتك. قال المعني المذكور: ثم إنني حضرت مجلس جعفر بن يحيى، فغنيته بشعر الفتى، فقال: ويحكم! ما هذا الصوت وما قصته؟ فقلت: قصة أظرف منه. ثم حدثته بحديث الفتى، فأمر بإحضاره وسأله، فأعاد عليه الحديث كما حدثته فقال له: أنا ضامن لك تزويجها، فطابت نفسه. ثم ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه الحديث. فاستظرفه وأمر بإحضارنا جميعا، وسأل الفتى عن حديثه فحدثه وقال لي: غن الصوت فغنيته وطرب له وشرب عليه، وأمر بالكتب إلى عامل الحجاز بأشخاص الرجل وأهله وولده مكرمين. فلما حضروا عنده أعطى الرجل ألف دينار وأمره بتزويج الجارية من الفتى، وأعطى الفتى ألفي دينار، وأمر لي بألف دينار.
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من قصيدة:
انظر وإياك الهوى لا تمكنن ... شيطانه من مقلةٍ شوشاء
وقال أيضاً، من هذه القصيدة، يخاطب خالد بن يزيد:
لو سيرت لالتقت الضلوع على أسى ... كلف قليل السلم للأحشاء
ولجف نوار الكلام وقلما ... يبقى بهاء الغرس بعد الماء
وقال أيضاً، من أخرى:
لا تسقيني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ما بكائي
وفي إضافة الماء للملام، غرابه أوجبت بعض الهجنة والبرودة في الكلام يحكى إنّه عيب عليه ذلك حتى تحدث أن بعض عصرييه أرسل إليه إنَّ ابعث إلي بشربة من ماء الملام. فقال: حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل. وهذه خطيئة أبشع من الأولى،
стр. 153
فإن الاستعارة في جناح الذل مأنوسة الاستعمال قديما وحديثا، ومدركا حسنها وفصاحتها بالذوق دون ماء الملام. وقد وقع له في هذه القصيدة نفسها ما يقرب من هذا، حيث قال:
رأي لو استسقيت ماء نصيحةٍ ... لجعلته رأيا من الآراء
غير إنَّ هذا، وإنَّ كان غريبا، يحسنه أن الرأي والنصيحة تحيا بهما النفوس كما تحيا بالماء الأبدان، ولا كذلك الملام. وقال أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي:
عذل العواذل حول قلبي التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه
وتقدم هذا المنزع وما فيه قبل. وقال أيضاً:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا انطلقت فأني الجوزاء
وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء
وقال الآخر:
إنَّ الحديث جانب من القرى ... ثم المنام بعد ذلك في الذرى
وقال الآخر:
إذا القوم قالوا من لعظيمةٍ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
وقال الآخر:
ضاع سعيي وخبت وخابت أعاديك ... ومن يبتغي لك الأسواء
واحتملت الحرمان والنقص والأبعاد ... والذل والعنا والجفاء
وتحملت واصطبرت فلم يبق ... على عوادي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبر ... لا ولو كنت صخرة صماء
ومثله في التشكي قول الآخر:
أسجناً وقيد واشتياق وغربة ... ونأي الحبيب إنَّ ذاك عظيم!
وإنَّ أمرءاً تبقى مواثيق عقده ... على مثل ما لاقيته لكريم
стр. 154
وقول الآخر:
ولقد أردت الصبر عنك فأعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حادث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنّه لكريم
وقال الآخر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
وقال الآخر:
وإذا ما الصديق صار عدوا ... كان في الشر أكبر الأعداء
وقال الآخر:
لا تعدن للزمان صديقا ... واعد الزمان للأصدقاء
ومثله قول الآخر:
ليس بالمنكر انقلاب صديقٍ ... ربما غص شارب بالشراب
لا تصيع مودة من صديق ... فانقلاب الصديق شر انقلاب
وقول منصور الفقيه:
أحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق ... فكان أعرف بالمضره
وقوله:
أحذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة
وقول الآخر:
كن من صديقك خائفا فلربما ... حال الصديق فصار غير الصديق
وقول أبن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وقول الآخر:
دار الصديق إذا استشاط تغيظا ... فالغيظ يخرج من كامن الأحقاد
стр. 155
قول أبن الخالدي:
وأخٍ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعز جوده ... إنَّ رمته إلاّ صديق مخلص
وقول المنصور أيضاً:
إذا تخلفت عن صديقٍ ... ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف
وقول الأنصاري:
إلاّ رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته ساءك ما يفري
لسان له كالشاهد مادت حاضراً ... وبالمغيب مطرور على ثغرة النحر
وقول أبي الطيب:
ومن نكد الدنيا على المرء إنَّ يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
وما يحكى إنَّ كسرى قال يوما لمرازبته: من أي شيء انتم اشد حذراً؟ قالوا: من العدو الفاجر، والصديق الغادر. وقول موسى بن جعفر: اتق العدو وكن من الصديق على حذر، فإن القلوب سميت قلوب لتقلبها. وسيأتي كثير من هذا النمط بعد إنَّ شاء الله تعالى. وقال أبو الطيب:
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
وقال أيضاً مادحا:
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
وإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الادماء
والادماء: البحر. وقال أيضاً:
إنّما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء
وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء
وقال أيضاً من هذه القصيدة يمدح كافورا وكان أسود:
إنّما الجلد ملبس وابيضاض ... النفس خير من ابيضاض القباء
وقال أيضاً:
وما كل من قال قولا وفى ... ولا كل من سيم خسفاً أبى
стр. 156
وقال:
ولا بد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا
وقال:
فكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى
وقال:
وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا
وقال:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وقال الحماسي محرز الضبي يهجو بني عدي بن جندب، من أبيات:
وإني لراجيكم على بطئ سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء
واخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساءوا
وقال القاسم بن حنبل في بني سنان:
لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيره العماء
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسن العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساء كلمٍ ... دماؤهم من الكلب الشفاء
وإنّما قال ذلك لمّا يزعمون من أنَّ من أصابه الكلب، وهو شبه جنون يصيب من عضه الكلب، ثم سقي دم ملك أو شريف برئ، ومثله قول زهير:
وإنَّ يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل
وقول الآخر:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم من الكلب
وقال الحسين بن مطير الأسدي يصف برقا وسحابا:
مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرةٍ ... ضحك يراوح بيننا وبكاء
стр. 157
كثرت ككثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء
وكأن عارضها حريق يلتقي ... أشب عليه وعرفج وآلاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لو يبق في لجج السواحل ماء
وللعرب فمن بعدهم في وصف السحاب والبرق والرعد إكثار وإطناب لا يأتي عليه الحصر ولكنا نذكر جملة من مستحسن ذلك ومما كان منه حسن إنَّ يتمثل به. فمن ذلك قول امرئ القيس:
اصاح ترى برقها وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... آمال السليط في الذبال المفتل
وقوله:
اعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض
ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتغتاب الكسير المهيض
وتخرج منه لامعات كأنها ... اكف تلقى الفوز عند المفيض
وقوله:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر
تخرج الود إذا ما اشجذت ... وتواريه إذا ما تستكر
وهي قطعة أبيات في هذا. وأشجذت: أقلعت. وقوله:
يساجل التؤم اليشكري ... وأواخر الأنصاف للتؤم
وقوله:
أحار ترى بريقا هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا
أرقت له ونام أبو شريح ... إذا ما قلت قد هدأ استطارا
كأن هزيره بوراء غيب ... عشار وله لاقت عشارا
فلما أن دنا لقفا أضاح ... وهت أعجاز ريقه فحارا
فلم يترك بذات السر ظبيا ... ولم يترك بجلهتها حمارا
وقال عبيد أبن الأبرص:
стр. 158
يا من لبق أبيت الليل ارقبه ... في عارض كمضي الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لمّا علا شطبا ... اقراب ابلق ينفي الخيل رماح
ينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داح
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشار جلة شرفا ... شعثا لهاميم قد همت بارشاح
هدلا مشافرها بحا حناجرها ... تزجا مرابعها في صحصح ضاح
وقول كثير:
فالمستكن ومن يمشي بمروته ... سيان فيه ومن بالسهل والجبل
وقول الحماني:
دمن كأن رياضها ... يسبيان أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف
وكأنما أنهارها ... يهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقين ... بها إلى طرر الوصائف
باتت سواريها تمخض ... في رواعدها القواصف
ثم انبرت سحا ... كباكية بأربعة ذوارف
وكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقب
وقول عبيد:
سقى الرباع مجلجل ... الأكناف لمع بروقه
جون تكفكفه الصبا ... وهنا تمريه خريقه
مري العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه
ودنا يضيء ربابه ... غبا يضرمه حريقه
стр. 159
حتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفه ... ريح الشماسية تسوقه
حلت عزاليه الجنوب ... فثج واهيه خروقه
وقال كثير:
تسمع الرعد في المخيلة منها ... مثل هزم القرون في الاشوال
وترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الإجلال
أو مصابيح راهب في يفاع ... سغم الزيت ساطعات الذبال
وقوله:
اهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الحيا فالمسارب
يجر ويستأني نشاطا كأنه ... بغيقه حاد جلجل الصوت جالب
تألق واحمومى وخيم بالربى ... احم الذرى ذو هيدب متراكب
كما اومضت بالعين ثم تبسمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب
وقول عبد الله بن المعتز:
ومزنة جاد في أجفانها مطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر
ترى مواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
وقوله أيضاً:
كأن رباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضيء له جمر
وقول أبي الغمر:
نسجته الجنوب وهو صناع ... فترقى كأنه حبشى
وقول الآخر:
ما ترى نعمة السماء على الار ... ض وشكر الرياض على الأمطار
وقول الآخر:
وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادي فوق أعناق الرياح
فجاءت ليلها سحا ووبلا ... وهطلا مثل أفواه الجراح
стр. 160
وقول الآخر:
بدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام أبلى كلها والاسالق
وقول الطائي ومنه اخذ:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهم ... على العيس حيات اللصاب النضانض
تشيم بروقا من نداك كأنها ... وقد لاح أولاها عروق نوابض
وقول الآخر:
أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا منها يهب ويهجع
سرى كإقتداء الصبر والليل ضارب ... بأوراق والصبح قد كاد يسطع
وقول الآخر:
أرقت لبرق سرى موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب
كأن تألقه في السماء ... يدا حاسب أو يدا كاتب
وقول أبن المعتز:
رأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يجب
ثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها من البرق كأمثال الشهب
تحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعة يضرب
وتارة تحسبه كأنه ... ابلق مال جله حين وثب
حتى إذا ما رفع اليوم الضحى ... حسبته سلاسلا من الذهب
؟؟ وقول الآخر:
نار تجدد للعيدان نضرتها ... والنار تلفح عيدان فتحترق
وقول الطائي:
يا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا
وقول عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى البرق قد رقت حواشيه ... وقد دعاك إلى اللذات داعيه؟
стр. 161
وجاد بالقطر حتى خلت إنَّ له ... إلفا ناه فما ينفك يبكيه
ومثله قول الآخر:
كأن سحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقى لهن مدامع
وتتبع الشعر في هذا يطيل فلنمسك العنان. وقال أبو الأسود الدؤلي:
وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن القي دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحماة وقليل ماء
وسيأتي إتمام هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبن نقطة:
لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وقال أبو سعيد الخوارزمي في أبي بكر الخوارزمي الشاعر:
أبو بكر له أدب فضل ... ولكن لا يدوم على الوفاء
مودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء
وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري يوم خرجوا إلى مؤتة وأمره النبي ﷺ بعد زيد وجعفر ﵃ أجمعين:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا ارجع إلى أهلي وراء
قوله: فشأنك فانعمي يريد إنّه قضى الوطر من ركوبها ولم تبق له تباعة على ظهرها وهي كناية على إنّه لا يحب المرجع ولا يشتهي مذهبا على ذلك الموضع. ومن ثم قال: ولا ارجع إلى أهلي بجزم الفعل قصدا للدعاء كأنه يقول: اللهم لا ترجعني إلى أهلي وأستشهدني! وما ذكره في الناقة قد تداوله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول الشامخ في عرابة الأوسي:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي ... إليه فاشرقي بدم الوتين
стр. 162
ومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرهان ولا الثمين
وكان الشماخ قدم المدينة فقال له عرابة: ما أقدمك؟ فقال: قدمت لأمتار. فملأ له عرابة رواحله تمرا وبرا وأعطاه غير ذلك فقال فيه ما تقدم. وقول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي رباح:
إذا أبن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأس بين وصليكِ جازرُ
غي إنّه يعاب على هذين الشاعرين أن جعلا جزاء الراحلة التي بلغتهما ذلك المأمول العظيم والمطلب الخطير شرا، وما كان ينبغي لهما أن ينظرا لها عند الاستغناء عنها ويكافئها خيرا بما قضيا منها كما أشار إليه أبلغ البلغاء وأحكم الحكماء ﷺ حيث وردت المرأة راكبة على ناقته فقالت: إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال ﷺ : بئس ما جزيتها! لا نذر في معصية الله ولا نذر للإنسان في غير ماله. أو كما قال ﷺ وعلى هذا المنزع العجيب النبوي كان قول أبن رواحة السابق. وقول أبي نواس في محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأوضح هذا المعنى:
وإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرامُ
قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها عينا حرمة وذمامُ
وقول الفرزدق:
متى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجيري والدبر الدوامي
ولهذا الشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى. والعذر للأولين أن الدعاء عليها في نحو ذلك أبلغ في التنبيه على الاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وليس هذا المعنى ملحوظا في قصة المرأة فليس يقاس عليه. ومن هذا الباب قول السلامي:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصار المطايا أن يلوح لها القصرُ
ولعل السابق إلى هذا المعنى الأعشى القيسي في قصيدته التي توجه بها إلى النبي ﷺ حيث يقول:
стр. 163
متى ما تناخي عند باب أبن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا
فضمن لها عند النزول بابن هاشم ﷺ أن يخلي عن ظهرها ويريحها من كد الأسفار إذ لا مطلب ورائه ولا حاجة إلى أحد سواه. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته:
والناس كالنبت: فمنهم رائق ... غضٌ نضيرٌ عوده مر الجنى
ومنه ما تقتحم العين فإنَ ... ذقت جناه انساغ عذبا في اللهى
وهذا المقصورة جلها أمثال وحكم، وهي مشهورة لا حاجة إلى ذكرها. وقال الآخر:
يقولون هذه أم عمرو قريبةٌ ... نأت بك ارضٌ نحوها وسماءُ
ألا إنّما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواءُ
وقال صالح بن جناح:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجهٍ إذا قل ماؤه
وقال الآخر:
ورب دنيةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياءُ
إذا رزق الفتى وجهاً وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاءُ
وتقدم شيء من هذا في قولهم: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وقال الآخر:
إذا جار الأميرُ وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ ... لقاضي الأرض من قاضي السماءِ!
وقال زهير:
وإنَّ الحق مقطعه ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
ويروى أنَّ عمر ﵁ لمّا سمع هذا البيت جعل يردده استحسانا له وتعجبا من معرفته بالحقوق وإبانته أحكامها وإقامته أقسامها. وقال الآخر:
خير ما ورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناءِ
وقال سابق البربري:
стр. 164
موت التقي حياة لا انقطاع لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياءُ
ومثله قول الآخر:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميمُ
وذو الجهل ميتٌ وهو يمشي على الثرى ... يعد من الأحياء وهو عديمُ
وقال أبن الرومي:
إنَّ لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والأباءَ
وقال أيضاً:
أنت عيني وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاءِ
وقال لبيد:
كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والامساءُ
وقال عبد الله بن عيينة:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداءِ
ومثله في ذكر الشماتة قول الآخر:
إذا ما الدهر جر على أناس ... بكلكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
وقال عدي بن زيد:
أيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرورُ
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفيرُ
وقال منصور الفقيه:
يا من يسرُ بموتي ... إذا أتاه البشيرُ
أليس من كان بمثلي ... إلى مصيري يصيرُ
وتمثل الشافعي ﵁، حين بلغه دعاء من دعا عليه بالموت ببيتي الشاعر:
تمنى رجال أن أموت فإنَ أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ
стр. 165
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ
وقال الحماس في الملح:
وما العيش إلاّ أكلة وتشرق ... وتمر كأكباد الجراد وماءُ
التشرق بالراء: القعود للشمس، والتمر الذي كأكباد الجراء: الصيحاني. وقال الآخر:
من فاته العلم واخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حدٍ سوا
ولنقتصر على هذا القدر من هذا الباب، فإنَ فيه كفاية إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 166
باب الباء
بحث عن حتفه بظلفه
البحث: التفتيش. والحتف: الهلاك. والظلف بكسر الظاء للشاة والبقرة والظبي بمنزلة القدم لنا. واستعاره عمرو بن معدي كرب للخيل في قوله: وخيلٍ تطأكم بأظلافها.
يضرب هذا المثل في الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف وجناية الإنسان على نفسه. وأصله أنَّ ما عزة لبعض العرب كانوا أرادوا ذبحها، فلم يجدوا شفرة يذبحونها بها فجعلت تنبش برجلها في الأرض حتى استخرجت بنبشها شفرة كانت ضاعت لهم في الأرض، فذبحوها بها وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها. فذهبت مثلا. وقال الفرزدق في ذلك:
وكان يجير الناس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها
وقال أبو الأسود:
فلا تكُ مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابحٌ ... ومن تدع يوما شعوبٌ يجيها
أبخر من الأسد .
البخر بفتح الخاء المعجمة: نتن الفم وغيرها. يقال: بخير بالكسر، فهو أبخر وهي بخراء. وعلى هذا فالقياس أن لا يصاغ التفضيل من لفظه، بل يقال: أشد بخرا. فإنَ صح ورود لفظ المثل عنهم كان من الشواذ: وإلاّ فهو لحن. والأسد معروف، وهو مشهور ببخر الفم وبه يضرب المثل فيه ومن ثم قال البلغاء: لو قيل: جاء أسد، وأريد رجل أبخر، كان استعارة صحيحة، غير إنّها لا تكون مقبولة لعدم استعمالها: فإنَ الوجه فيها يشترط أن يكون بينا، ولا يكون بحيث يجعلها كاللغز. ومن الأمثال المشهورة للعامة قولهم: من يستطيع إنَّ يقول للأسد أنت
стр. 167
أبخر الفم؟ يضربونه عندما يرون عيب أو أذى ممن لا يقدر أن يذكر له ذلك وينبهه عليه ويقبح له، أو تصدر كلمة باطلة مما لا يقدر أن ترد عليه. وكان من أصل ذلك مثل آخر لهم وهو قولهم: يبرأ الجرح السوء، ولا يبرأ الكلام السوء. وسيأتي.
أبخر من صقر
البخر: تقدم. والصقر، بفتح الصاد المهملة وسكون القاف: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين. جمعه صقر بالضم، وأصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارةٍ. ويقال تصقر الرجل: صاد بالصقر وهو أيضاً مما يوصف ببخر الفم. قال الشاعر:
فله لحية تيس ... وله منقار نسر
وله نكهة ليثٍ ... خالطت نكهة نسر
والنكهة: رائحة الفم.
البدل أعور
بدل الشيء بفتحتين والدال المهملة، وبدله بالكسر وبديله: خلفه والأعور معروف. يضرب هذا المثل في سوء الخلف والرجل المذموم يخلف بعد الرجل المحمود. وأصله أنَّ يزيد بن المهلب كان على خراسان ثم عزل عنها وولي مكانه قتيبة بن مسلم الباهلي وكان شيخا أعور شحيحا، فقال الناس: هذا بل أعور! فذهب مثلا لكل ما لا يرضى بدلا. وفي ذلك قال بعض الشعراء:
كانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوحُ
حتى أتانا أبو حفص بأسرته ... كأنما وجهه بالخل منضوحُ
وفيه قال أبن همام السلولي:
أقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعورُ
قلت: ويظهر لي أنَّ المثل قديم ويد على ذلك ما نسبه أهل السيرة لدحية بن خليفة إنّه قال حيث أتى قيصر:
стр. 168
ألا هل أتاها على نأيها ... بأني قدمت على قيصرِ
فغررته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمرِ
وتدبير ربك أمر السماء ... والأرض فأغضى ولم ينكرِ
وقلت تقر ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت أنظرِ
فكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعورِ
فشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بني الأصفرِ
على وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والمنخرِ
فأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقرِ
والله اعلم.
برح الخفاء
يقال: برح الرجل مكانه بالكسر إذا زال عنه. وأكثر استعماله مع النفي ونحوه، كقوله:
وما برحت أقدامنا من مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
وقد يحذف لفظا كقول الآخر:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا
والنتطق: ذو السلاح، والمجيد بالضم: صاحب الجواد من الخيل. ومن هذا قولهم لا براح قال:
من صد عن نيرانها ... فأنا أبن قيس لا براحُ
ويقال للأسد والرجل الشجاع حبيل براح، بمعنى أنَّ كل منهما كأنه شد بالحبال فلا يبرح مكانه ولا يزول. ويقال: برح الخفاء بالكسر ومعناه وضح الأمر. قال بعض اللغويين: معناه ظهر الأمر وصار كأنه في براح وهو المكان المستوي من الأرض. ويقال: البراح من الأرض ما كان ظاهرا مكشوفا؛ ولذا قيل للشمس براح، وهو اسم معدول مكسور قال الراجز:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح
стр. 169
ورباح اسم ساق كان يسقي لإبله. يريد إنّه أقامعاى السقي حتى دلكت الشمس أي مالت. وقيل: برح الخفاء أي ذهب السر وظهر. والخفاء هنا: السر. وقيل: الخفاء المتطأطئ من الأرض والبراح والمرتفع منها الظاهر. فإذا قيل: برح الخفاء فكأنه قيل أرتفع المتطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر. وقال بعضهم: الخفاء ما غاب عنك. وقال بعض الأئمة: يقال: برح الشيء يبرحه إذا انتحى وذهب وبرح الخفاء: ذهب؛ وأبرحته أنا: أذهبته. قال أبن دريد: وأوّل من قاله شق الكاهن. وقال حسان ﵁:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاءُ
أبرد من حبقر .
أبرد: من البرودة وهي معروفة وحبقر أصله حب قر والحب: حب الغمام، والقر: البرد. ويقال: أبرد من حب قر وأبرد من عبقر ومن عب قر. والعب من أسماء البرد.
بر الكريم طبعٌ، وبر البخيل دفعٌ .
البر: الحسان والفضل. ولا شك أنَّ الكريم ينبعث منه البذل طيبة به نفسه، بل يجد في ذلك أعظم اللذات، والبخيل لا يصدر عنه عطاء إلاّ عناء ومقاساة من نفسه حتى لا يكاد تسمع نفسه بالعطاء إلاّ عن رغبة أو رهبة كتوقي الأذى في النفس والمال والعرض. وهذا المنى بين مشروح في أبواب الكرن والبخل، مشهور لا حاجة إلى ذكره وما قيل فيه.
ومن الشديد الصعب في هذا المقام ما ذكره صاحب التشوق رحمه الله تعالى في مناقب الشيخ أبي العباس السبتي ﵁ عن أبي زيد عبد الرحمن بن يوسف الحسني قال: رأيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أريد أن أراك في النوم كل ليلة. فقال: هذا لا يمكن فإني مطلوب في المشرق والمغرب. فشكوت له حالتي فقري، فقال لي: البخل أضر بك. قال: فمر بنا أحمد بن دوناس، وهو رجل صالح من الأولياء الأخفياء من أهل أغمات، لا يمسك شيئاً وربما تجرد عن أثوابه فيؤثر
стр. 170
بها ويستتر بالأبواب. فسلم علينا وانصرف. فقلت: يا رسول الله وهذا؟ فقال: البخل اضر به. فقلت: يا رسول الله بين لي ما هذا البخل. فقال لي: لأقولن لك فيه قولا ينقله إليكم علماؤكم، إذا خطر لأحدكم خاطر بالعطاء ثم عقبه خاطر آخر بالمنع فالتردد في الخاطر الأول بخل. قال: فسألته عن أبي العباس السبتي، وكنت سيئ الاعتقاد فيه فتبسم ثم قال لي: هو من السباق. فقلت له: بين لي. فقال لي: هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال: فأصبحت وخرجت فلقيت أبى العباس السبتي فقال: ما سمعت وما رأيت؟ فقلت له: دعني. فقال: والله لا تركتك حتى تعرفني. فذهبت معه إلى حانوت أبن مساعد، فأنشأت أحدثه إلى أن قلت له: التردد في الخاطر الأول بخل. فصاح وغشي عليه، ثم قال: كلمت الصفا من المصطفى، وصار متى يذكر هذا الكلام يغشى عليه. انتهى ملخصا. فليعتبر العاقل بهذه القصة وهذا الكلام ولينظر في أحوال نفسه وأحوال غيره كيف يلقى من نفسه عندما يهم بخير غاية التردد والمنازعة والعناء، حتى إذا أعطى قليلا واكدى أهمته نفسه أنه جواد كريم رؤوف رحيم. وليته عرف مقامه وتقصيره فيتوب أو يستغفر وينكسر، عسى أن يتخلص مما ورد على البخل من الوعيد الشديد والذم الأكيد! والله المستعان.
أبر من هرة .
البر يطلق على الخير وعلى الاتساع في الإحسان كما مر، وعلى الصلة وعلى الجنة وعلى الطاعة وعلى الصدق وعلى ضد العقوق وهو المراد هنا. يقال منه: بررته بكسر الراء وفتحها براً ومبرة، أبره، فأنا بار، وهو مبرور. والهرة بكسر الهاء معروفة وهي الأنثى؛ والذكر هر. وإنّما وصفت الهرة بالبر لأنها تؤكل أولادها محبة لهن، كما قال الشاعر:
أما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها
وهي أيضاً توصف بالعقوق، وسيأتي.
بالرفاء والبنين .
الرفاء بكسر الراء والمد على مثال كساء: الاتفاق والالتئام. ويستعمل عند تهنئة المتزوج والدعاء له بأن يرزق اجتماع الشمل ويرزق الأولاد. والرفاء مأخوذ من
стр. 171
قولك: رفأت الثوب ورفوته يهمز ولا يهمز. ومعناه لأمته وضممت بعضه إلى بعض. يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ؛ وقال أبن هرمة:
بدلت من حدّ الشبيبة ... والإبدال ثوب المشيب أردؤها
ملاءة غير جد واسعة ... أخيطها مرة وأرفؤها
واستعمل الرفاء والمرافات في الموافقة. قال الآخر:
ولمّا أن رأيت أبا رويم ... يراعيني ويكره أن يلاما
وبعض اللغويين يجعل هذا المعنى أصلا للمثل المذكور. وقيل هو دعاء بالسكون والطمأنينة أخذا من قولهم: رفوت الرجل أي سكنته من الرعب. قال أبو خراش:
رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم همُ
ويقال: رفأت الرجل ترفيئا: قلت له بالرفاء والبنين وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل: بالرفاء والبنين. فقال، قال النبي ﷺ : إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك الله لك وبارك عليك!
برق لمن لا يعرفك .
يقال: برق الرجل وبرق وأبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال أيضاً: رعد وبرق وأرعد وأبرق. قال أبن أحمر:
يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد!
وقال الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر!
وقال المتلمس:
إذا جاوزت من
стр. 172
ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد!
وأنكر الأصمعي أبرق وأرعد رباعيا. ذكر القالي في نوادره عن أبي حاتم قال: قلت للأصمعي: أتقول في التهدد أبرق وأرعد؟ قال: لا لست أقول ذلك إلاّ أن أرى البرق أو اسمع الرعد. قلت: فقد قال الكميت أبرق وأرعد، البيت فقال، الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة؛ والحجة الذي يقول: إذا جاوزت من ذات عرق، البيت. فأتيت أبا يزيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق فعلت السماء؟ قال: رعدت وبرقت أو أرعدت وأبرقت من الرعد والبرق قلت: فمن التهدد؟ قال: رعدَ وبرقَ، وأرعد وأبرق، فأجار اللغتين جميعا. وأقبل إعرابي محرم فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دعني فأنا أعرف بسؤاله. فقال أبو زيد: يا إعرابي، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت أو أرعدت وأبرقت؟ فقال: رعدت وبرقت. فقال أبو زيد فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقال: أمن الجخيف تريد؟ يعني التهدد. قال: نعم. فقال: أقول: رعدَ وبرقَ وأرعد وأبرق. ومعنى المثل: برق وتهدد على من لا يعرف موقع وعيدك ومنتهى تهديدك! وأما أنا فقد عرفتك. يضرب عند جواب الجبان إذا جعل يخوف ويتهدد. قد ذكر في هـ المثل الآخر، وهو قولهم: برق ورعد، فلا حاجة إلى إعادته.
أبرما قرونا .
البرم بفتحتين: من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو ذم عند العرب غاية؛ كما أنَّ الدخول فيه مدح. قال متمم:
ولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما؟
يقول إنّه يغشى مستوقد القوم ليصيب مما نحروا، لأنه برم لا تسخو نفسه بالأخذ مع القوم والخول معهم؛ وجمعه أبرام. قال دريد بن الصمة:
إذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الأبرام عرسي
وعقب القدور: ما يبقى في أسفلها فاضلا ولا تعد مالا إلاّ عند اشتداد الأمر؛ وحينئذ تبقى زوجات الأبرام لا مرقة عندهن فيحببن عرسي لمّا عندها من المرق والخير. وبرم الرجل بالكسر، يبرم. قال النابغة:
لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الامحال كالأدمِ
ويقال في ضده: يسر الرجل ييسر أي ضرب بالقداح. قال علقمة:
وقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم
ورجل يسر والجمع أيسار قال الشاعر:
стр. 173
وراحلة نحرت لشرب صدق ... وما ناديت أيسار الجزورِ
وقال الحماسي:
هينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ ... سواسُ مكرمةٍ أبناء أيسارِ
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وقال عنترة في معناه:
ومشك سابغةٍ هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلمِ
ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هناك غايات التاجر ملومِ
واربذ المسرع. يريد إنّه يسرع إلى ضرب القداح إذا شتا؛ والتجار: باعة الخمر. ويريد إنّه مع ذلك يشرب الخمر ويسقيها في ثمنها حتى يعطي غاية ما يطلبه التاجر، وهو معنى هتك غاياتهم.
وقلت عجوز أعرابية لثلاث بنات لها: لتصف لها كل منكن من تحب من الرجال! فقالت الكبرى: أريده أورع بساما أحذ مجذاما سيد ناديه وثمال عافيه ومحسب راجيه فناؤه رحب وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد ويبدئ ويعيد، في الأهل صبي وفي الجيش كمي، تستعبده الحليلة وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كامهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دس أغمض وإن أخل أحمض. فقالت أمها: فض فوك! لقد فررت لي شرة الشباب جذعة. والأورع: الكريم وقيل الجميل. والأحذ: الخفيف السريع. والمجذام: القاطع للأمور من الجذم وهو القطع. والنادي: المجلس. والثمال: الغياث. والعافي والمعتفي: من جاء طالبا للمعروف. والفناء: الرحب الواسع. وصعب القياد من الرجال: العزيز الممتنع، وأصله في الدابة. والسناء بالمد: الشرف؛ والمصمم: الماضي في الأمور لا يثنيه شيء. والأيسار جمع يسر كما مر. والكمي: الشجاع. وحليلة الرجل: زوجه. والفصيلة: رهط الرجال المقربون. وبازل عام: التام الشباب، وأصله في الإبل، وستذكر بعد أسنانها إن شاء الله تعالى. وقضقض: كما يقضقض الأسد
стр. 174
فريسته وهو أن يحطمها فيسمع لعظامها صوت؛ ودس الشيء: دفعه؛ والاخلال والأحماض: مثل، وسيأتي تفسير ذلك بعد أن شاء الله تعالى؛ والقرون فعول من قرن للمبالغة: يقال: قرن بين أحدين إذا جمع بينهما، فهو قارن وقرون وقرآن.
وأصل المثل أنَّ رجلا كان برما فدخل على امرأته فوجدها تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين. فقالت له: أبرما قرونا، فذهبت مثلا. والمعنى أن تكون برما قرونا، فتجمع بين مذمتي البخل والنهم. ولم يذكر في الصحاح أصل هذا المثل وقال: معناه هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين انتهى. فجعل القرآن. وهو يحتمل أن يكون أصله أو من مضاربه وهو صحيح. ومثله في القاموس إلاّ إنّه فسر البرم في المثل بالثقل. ولا شك أنَّ البرم يطلق على السأم والضجر. يقال: برم به إذا ضجر وأبرمه: أضجره. قال الشاعر في ثقيل:
مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامقِ
يظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ على عاشقِ
ويقال: كتب الأعمش نقشا في خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم! فإذا استقبل جليسا ناوله إياه.
أبصر من عقاب .
البصر: حس العين. يقال: بصر بالشيء، بالضم والكسر بصارة وبصرا، صار مبصرا له؛ وتبصره: نظر هل يبصره؛ وهو أبصر منه، أي أقوى إدراكا. والعقاب: الطائر المعروف، جمعه أعقب، لأنه مؤنث. قال امرؤ القيس:
كأنَّ دثاراً حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعلِ
والعقاب توصف بحدة البصر.
أبصر من غراب .
البصر معروف. والغراب جمعه غربان وأغربة وغرابين وغرب، ويوصف أيضاً بحدة البصر. وزعموا أنه يرى من تحت الأرض مقدار منقاره. وذكر بعض اللغويين أنَّ العرب تسمي الغراب أعور، ويزعمون أنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بواحدة
стр. 175
من قوة بصره. وقيل سموه أعور من حدة بصره على طريق التفائل، كما قال بشار بن برد:
وقد ظلموه حين سموه سيداً ... كما ظلم الناس الغراب بأعورا
وقال أبن اللبانة:
لمّا تناهيت علما ظل ينقصني ... عند الكمال خضيب النير السررِ
وفي الغراب إذا فكرت مغربة ... من فرط إبصاره يعزى إلى العورِ
أبصر من فرس .
الفرس معروف للذكر والأنثى. ويوصف أيضاً بحدة البصر، وهو صحيح مجرب، بحيث إنَّ الفارس قد يرخي عنانه في الطريق غير الواضح، والظلام معتكر، فيسير به ويتخطى المهاوي والجراثيم التي لا شعور للراكب بها ولا إحساس.
أبصر من المائح باست الماتح .
المائح: الذي ينول البئر ليملأ الدلو بيده إذا قلَّ الماء فيها، وقد ماح يميح. قال الراجز:
يا أيها المائح داوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
وقال الآخر:
فآنس سرب قطا قاربٍ ... جبى منهل لم تمحه الدلا
والماتح: المستقي النازع للدلو على جبى البئر. قال علقمة:
كأنَّ ذراعيها على الخل بعد ما ... ونين ذراعا ماتحٍ متجردِ
وقال ذو الرمة:
كأمه دلو بئر جد ما تحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكربُ
ومن المعلوم أنَّ المائح الذي تحته يبصر عورته ويكون بصيرا باسته إن لم يتسرول؛ فلذلك قالوا ما تقدم. وقال بعض الأدباء:
يا مائح العين عدمت الرقى ... من حرص هذي العين لم يستقي
من شيمة الماء انحدارٌ فلم ... ما جفوني أباً يرتقي؟
стр. 176
أبصر من هدهدٍ
الهدهد معروف، ويقال له أيضاً هداهد بالضم والجمع هداهد بالفتح، ويوصف بحدة البصر أيضاً. وزعموا أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأنَّ الأرض كانت له كالزجاج. وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان ﵇ على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء. وحضرت الصلاة، فسأل الإنس والجن والطير على الماء فلم يجد عندهم علما، فتفقد الهدهد فلم يجده فغضب عليه وفي ذلك قصة طويلة. وتقدم من كلام أبن عبالس وأنَّ نافعا سأل لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج وأنَّ أبن الأزرق قال لابن عباس: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بمقدار إصبع من تراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر!
أبصر من وطواطٍ بالليل .
الوطواط: الخفاش وهو معروف.
بصبصن إذ حدين بالأذناب
يقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. وحدين: سقن من الحداء الذي يبعث به نشاط الإبل وهو بالدال المهملة. ويروى حذين بالذال المعجمة، من المحاذاة. يضرب هذا المثل في فرار الجبان وخضوعه واستكانته، وكأنه شطر بيت.
بضرب خبابٍ وريش المقعدِ
خباب: قينٌ بمكة كان يضرب السيوف؛ والمقعد كان يريش السهام. فتكالم الزبير وعثمان فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، قال: أبالبعر، يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: بل
بضرب خباب وريش المقعد، أي نتقاذف بالسيف والسهام.
أبطأتَ بالجواب، حتى فات الصواب .
قاله قصير لجذامة الأبرش في قصة طويلة. وملخصها على ما ذكر
стр. 177
الأخباريون يزيد بعضهم عن بعض ويدخل حديث بعضهم في بعض، إنَّ جذيمة هذا وهو جذيمة بالذال المعجمة المكسورة أبن مالك بن فهم بن الأوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشرب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل إنه من العرب الأولى من إياد بن أميم وكان بياض. فكرهت العرب أن تقول أبرص فقالت له أبرش والواضح. وقيل: الصواب أنَّ الواضح غير هذا. وقيل: سمي الأبرش لأنه أصابه حر ونار فبقي فيه نقطا سوداء وحمراء. كان ملك الحيرة وما حولها ستين سنة، وكان زمان ملوك الطوائف وكان يغير على من حوله من الملوك حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. وهو أول من أوقد له الشمع ونصب المجانيق للحرب. ثم إنَّ جذيمة غزا الحضر وهي مدينة بين دخلة والفرات. وإياه عنى عدي بن زيد العبادي بقوله:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابورُ
شاده مركراً وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكورُ
وكان صاحب الحضر إذ ذاك عمرو بن الظرب، وهو أبو الزباء كان ملك على الحضر، فظفر به جذيمة وقتله. وذهبت بنته الزباء مطرودة نحو الروم، وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان لها شعر إذا أرسلته غطى بدنها وبذلك لقبت بالزباء وهي تأنيث الأزب أي الكثير الشعر. وعلى هذا فاسمها ممدود. وقال البكري: الزباء ألفها مقصورة. قال: وقد رد العلماء فيه المد لأنه تأنيث زبان الاسم المستعمل. فأما الزباء ممدودا فإنما هو تأنيث أزب، لم يستعمل اسما وإنما هو صفة للكثير شعر البدن. قال: والشاهد لمّا قلناه قول عدي بن زيد:
فأضحت في مدائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملةٍ جنينا
قلت: وما أراه إلاّ وهما وغلطا، وذلك إنَّ فعاى بالقصر إنّما تأتي تأنيث فعلان، كعطشان وسكران. وزبان الذي هو اسم إنّما هو فعال أصيل النون من مادة الزبن والمزابنة لا فعلان. ومادة زبب لم يرد منه إلاّ زبان لصاحب الزبيب، وأزب للكثير الشعر. والأول لا يرد منه فعلى بالقصر كما من عشاب وبقال وحمَّار. وكذا الثاني، إنّما يرد منه فعلاء بالمد كأحمر وأشهب وأوطف وأجرد ومؤنثه حمراء
стр. 178
ووطفاء وجرداء وكذا أزب وزباء وهذا أمر واضح. وأما قوله: إنَّ الأزب لم يستعمل اسما فغير بين فإنَ الأزب من أسماء الشياطين. وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة. والزباء اسم لبلد على الفرات ولفرس الأصيدف الطائي ولماء لبني سليط وآخر لطهية ولعين باليمامة. والزباء أيضاً اسم من أسماء الأست، والدهية الشديدة. فلم يصح قوله إنّه لم يستعمل اسما. ولم يمتنع أن يكون اسما للملكة المذكورة وإن كان وصفها في أصله بل لو لم يكن اسما في غيرها لم يمتنع أن يكون اسما فيها على أنه ليس اسما لها بادئ بدء. وإنّما لقبت به لكثرة شعرها كما قلنا أوّلاً فغلب عليها. واسمها فارعة وقيل نائلة وقيل ميسور. وأما البيت الذي استشهد به، فليس وحده بناهض في الاحتجاج لصحة قصر الممدود. والمعروف عند اللغويين إنَّ الزباء بالمد كما نطق به الإمام أبو بكر بن دريد في مقصورته حيث قال:
فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى
وهو الموافق للقياس. ومد المقصور أضعف من قصر الممدود. ثم إنَّ الزباء جمعت الأموال والأجناد وتوقفت وكانت نبيلة علقلة. فعادت إلى دياره أبيها وأزالت جذيمة عنها وملكت. فكانت تعد من ملوك الطوائف وحرمت الرجال على نفسها فهي بتول. وكان بينها وبين جذيمة مهادنة بعد حروب جرت. فلما همت بالقيام بثأر أبيها أرسلت إليه تخطبه على نفسها وترغبه في أن يتصل ملكه بملكها، فأحب ذلك. وقيل هو الذي حدثته نفسه بخطبتها فشاور خاصته فوافقوه كلهم إلاّ قصيرا. وهو قصير بكسر الصاد أبن سعد وكان عاقلا نبيلا وهو أبن عم جذيمة وصاحب أمره وعهده. قالوا ولم يكن قصيرا وإنّما سمي به فقط. قال له: أبيت اللعن أيها الملك! إنَّ الزباء حرمت الرجال فهي بتول عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثأر والدم لا ينام؛ وإنّما هي تاركتك رهبة وحذاراً والحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجر إن اقتدحته أورى إن تركته توارى وللملك في بنات الملوك متسع. وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيما هو دونك وعظم الرب شأنك فما أحد فوقك. فقال جذيمة: يا قصير الرأي ما رأيت ولكن النفس تواقة وإلى ما تحب مشتاقة ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر! ثم وجه جذيمة إليها خاطبا وأمره أن يظهر لها
стр. 179
ما ترغب به وتميل فلما جاءها الخاطب أجابت وأظهرت فرحا كبيرا وغبطة عظيمة وقالت: لولا أنَّ المسير في هذا أجمل بالرجال سرت إليه فوجهت الخاطب وبعثت معه إلى جذيمة بهدية سنية فيها من الإماء والكراع والسلاح والأموال والبقر والغنم وغير ذلك من الجواهر الرفيعة والطرف العجيبة ما يبهر الناظرين. فلما بصر جذيمة بذلك أعجبه مع ما بلغه من حسن جوابها وطيب كلامها وظن أنَّ ذلك كان رغبة منه فيه زوجا. فخرج إليها من فوره مع خاصته وفيهم قصير واستخلف على مملكته أبن أخيه عمرو بن عدي اللخمي وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. فسار حتى بلغ موضعا يقال بقعة فأكل وشرب وأعاد المشوار فاستصوبوا أيضاً ما أراد إلاّ قيصرا فانه قال: أيه الملك كل عزم لا يؤيد بجزم فإلى أفن يكون كونه. فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد لا الحزم بالمنى فيبعد! والرأي عندي للملك أن يتعقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ. ولولا أنَّ الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة. فقال قصير: أرى القدر سائق الحذر لا يطاع لقصير أمر أو رأي. فأرسلها مثلا. ثم سار جذيم حتى قرب من ديار الزباء فأرسل إليها يعلمها بمجيئه. فلما جاءها الرسول أظهرت السرور والرغبة، وأمرت بحمل الضيافة إليه وقالت لأجنادها وخاصتها: تلقوا سيدكم ومالك دولتكم! وعاد الرسول بالجواب إليه وأخبره بما رأى وسمع. فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيرا فقال له: أنت على رأيك؟ قال: نعم! وقد زادت بصيرتي فيه. أف أنت على عزمك؟ قال: نعم! وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب. فأرسلها مثلا. ثم قال له: وقد نذرتك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بقية هو بها قادر على استدراك الصواب؛ فإنَ وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة فقد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره. فإن كنت فاعلا ولا بد فإنهم غدا يلقونك ويقومون لك صفين حتى إذا توسطهم أحدقوا بك؛ فهذه العصا لا يشق غبارها وهو أول من قاله. وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تدرك فهي ناجية بك إن ملكت ظهرها وناصيتها. ويروى أنه قال له: انهم غدا إنَّ لقولك فترجلوا وحيوك فتقدموا، فقد كذب ظني، وإنَّ رأيتهم حيوك فطافوا بك، فإني اعرض لك العصا. فسمع جذيمة كلامه فلم يرد عليه جوابا. ثم سار جذيمة، وقصير عن يمينه، فقامت الزباء وبعث وقالت لهم: سيروا حتى إذا لقيتموه فقوموا صفين عن يمينه وشماله، فإذا توسطكم فانقضوا عليه اجمع، وإياكم أن يفوتكم! فلما أحاطوا به وعلم أنهم ملكوه أقبل على قصير، وكان مسايره، فقال له: صدقت يا قصير! فقال قصير: أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب! فأرسلها مثلا. فقال جذيمة: فكيف الرأي؟ فقال: تركت الرأي ببقة! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه
стр. 180
قال له: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو عليها! فأنك من ذلك. وقيل إنه عرضها له فشغل عنها، فركبها قصير فنجا. فلما نظر إليه جذيمة وهو عليها ينقطع دونه السراب
قال: ما ذل من جرت به العصا! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه قال، حين نظر إليه على ظهرها: ويل أمه حزما على ظهر العصا! فأرسلها مثلاً. ثم سارت الجيوش بجذيمة، فتطلعت عليه الزباء من قصرها فقالت: ما احسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي! حتى دخلوا به عليها في قصرها وحولها جواريها. وكانت قد ربت شعر عانتها سنة وضفرته. فلما دخل عليها تكشفت له فقالت: أَشوار عروسٍ ترى؟ فقال: بل شوار أمةٍ بظراء. فقالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، ولا من قلة الأواسي، ولكنه شيمة ما أقاسي فأمرت به فأجلس على نطعٍ وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلاً أن يذهب دمه هدراً. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إنَّ وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما صعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطست شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال: دعوا دما ضيعه أهله! ومات. وقيل إنّه قد قال: لا يحزنكم دم أراقه أهله! فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه غيض من فيض فأرسلها مثلا. فلما قضى أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج إلى ظهر الحيرة يستشرف خبر خاله. فبينما هو ذات يوم ينظر إذ رأى العصا تهوي بقصير، فقال عمرو: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهية، لأمر جاءت العصا. فأرسلها مثلاً. فإذا هو بقصير قد اقبل، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على
следующие страницы →