Полный текст (902 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أبصر من هدهدٍ
الهدهد معروف، ويقال له أيضاً هداهد بالضم والجمع هداهد بالفتح، ويوصف بحدة البصر أيضاً. وزعموا أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأنَّ الأرض كانت له كالزجاج. وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان ﵇ على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء. وحضرت الصلاة، فسأل الإنس والجن والطير على الماء فلم يجد عندهم علما، فتفقد الهدهد فلم يجده فغضب عليه وفي ذلك قصة طويلة. وتقدم من كلام أبن عبالس وأنَّ نافعا سأل لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج وأنَّ أبن الأزرق قال لابن عباس: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بمقدار إصبع من تراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر!
أبصر من وطواطٍ بالليل .
الوطواط: الخفاش وهو معروف.
بصبصن إذ حدين بالأذناب
يقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. وحدين: سقن من الحداء الذي يبعث به نشاط الإبل وهو بالدال المهملة. ويروى حذين بالذال المعجمة، من المحاذاة. يضرب هذا المثل في فرار الجبان وخضوعه واستكانته، وكأنه شطر بيت.
بضرب خبابٍ وريش المقعدِ
خباب: قينٌ بمكة كان يضرب السيوف؛ والمقعد كان يريش السهام. فتكالم الزبير وعثمان فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، قال: أبالبعر، يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: بل
بضرب خباب وريش المقعد، أي نتقاذف بالسيف والسهام.
أبطأتَ بالجواب، حتى فات الصواب .
قاله قصير لجذامة الأبرش في قصة طويلة. وملخصها على ما ذكر
стр. 177
الأخباريون يزيد بعضهم عن بعض ويدخل حديث بعضهم في بعض، إنَّ جذيمة هذا وهو جذيمة بالذال المعجمة المكسورة أبن مالك بن فهم بن الأوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشرب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل إنه من العرب الأولى من إياد بن أميم وكان بياض. فكرهت العرب أن تقول أبرص فقالت له أبرش والواضح. وقيل: الصواب أنَّ الواضح غير هذا. وقيل: سمي الأبرش لأنه أصابه حر ونار فبقي فيه نقطا سوداء وحمراء. كان ملك الحيرة وما حولها ستين سنة، وكان زمان ملوك الطوائف وكان يغير على من حوله من الملوك حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. وهو أول من أوقد له الشمع ونصب المجانيق للحرب. ثم إنَّ جذيمة غزا الحضر وهي مدينة بين دخلة والفرات. وإياه عنى عدي بن زيد العبادي بقوله:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابورُ
شاده مركراً وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكورُ
وكان صاحب الحضر إذ ذاك عمرو بن الظرب، وهو أبو الزباء كان ملك على الحضر، فظفر به جذيمة وقتله. وذهبت بنته الزباء مطرودة نحو الروم، وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان لها شعر إذا أرسلته غطى بدنها وبذلك لقبت بالزباء وهي تأنيث الأزب أي الكثير الشعر. وعلى هذا فاسمها ممدود. وقال البكري: الزباء ألفها مقصورة. قال: وقد رد العلماء فيه المد لأنه تأنيث زبان الاسم المستعمل. فأما الزباء ممدودا فإنما هو تأنيث أزب، لم يستعمل اسما وإنما هو صفة للكثير شعر البدن. قال: والشاهد لمّا قلناه قول عدي بن زيد:
فأضحت في مدائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملةٍ جنينا
قلت: وما أراه إلاّ وهما وغلطا، وذلك إنَّ فعاى بالقصر إنّما تأتي تأنيث فعلان، كعطشان وسكران. وزبان الذي هو اسم إنّما هو فعال أصيل النون من مادة الزبن والمزابنة لا فعلان. ومادة زبب لم يرد منه إلاّ زبان لصاحب الزبيب، وأزب للكثير الشعر. والأول لا يرد منه فعلى بالقصر كما من عشاب وبقال وحمَّار. وكذا الثاني، إنّما يرد منه فعلاء بالمد كأحمر وأشهب وأوطف وأجرد ومؤنثه حمراء
стр. 178
ووطفاء وجرداء وكذا أزب وزباء وهذا أمر واضح. وأما قوله: إنَّ الأزب لم يستعمل اسما فغير بين فإنَ الأزب من أسماء الشياطين. وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة. والزباء اسم لبلد على الفرات ولفرس الأصيدف الطائي ولماء لبني سليط وآخر لطهية ولعين باليمامة. والزباء أيضاً اسم من أسماء الأست، والدهية الشديدة. فلم يصح قوله إنّه لم يستعمل اسما. ولم يمتنع أن يكون اسما للملكة المذكورة وإن كان وصفها في أصله بل لو لم يكن اسما في غيرها لم يمتنع أن يكون اسما فيها على أنه ليس اسما لها بادئ بدء. وإنّما لقبت به لكثرة شعرها كما قلنا أوّلاً فغلب عليها. واسمها فارعة وقيل نائلة وقيل ميسور. وأما البيت الذي استشهد به، فليس وحده بناهض في الاحتجاج لصحة قصر الممدود. والمعروف عند اللغويين إنَّ الزباء بالمد كما نطق به الإمام أبو بكر بن دريد في مقصورته حيث قال:
فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى
وهو الموافق للقياس. ومد المقصور أضعف من قصر الممدود. ثم إنَّ الزباء جمعت الأموال والأجناد وتوقفت وكانت نبيلة علقلة. فعادت إلى دياره أبيها وأزالت جذيمة عنها وملكت. فكانت تعد من ملوك الطوائف وحرمت الرجال على نفسها فهي بتول. وكان بينها وبين جذيمة مهادنة بعد حروب جرت. فلما همت بالقيام بثأر أبيها أرسلت إليه تخطبه على نفسها وترغبه في أن يتصل ملكه بملكها، فأحب ذلك. وقيل هو الذي حدثته نفسه بخطبتها فشاور خاصته فوافقوه كلهم إلاّ قصيرا. وهو قصير بكسر الصاد أبن سعد وكان عاقلا نبيلا وهو أبن عم جذيمة وصاحب أمره وعهده. قالوا ولم يكن قصيرا وإنّما سمي به فقط. قال له: أبيت اللعن أيها الملك! إنَّ الزباء حرمت الرجال فهي بتول عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثأر والدم لا ينام؛ وإنّما هي تاركتك رهبة وحذاراً والحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجر إن اقتدحته أورى إن تركته توارى وللملك في بنات الملوك متسع. وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيما هو دونك وعظم الرب شأنك فما أحد فوقك. فقال جذيمة: يا قصير الرأي ما رأيت ولكن النفس تواقة وإلى ما تحب مشتاقة ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر! ثم وجه جذيمة إليها خاطبا وأمره أن يظهر لها
стр. 179
ما ترغب به وتميل فلما جاءها الخاطب أجابت وأظهرت فرحا كبيرا وغبطة عظيمة وقالت: لولا أنَّ المسير في هذا أجمل بالرجال سرت إليه فوجهت الخاطب وبعثت معه إلى جذيمة بهدية سنية فيها من الإماء والكراع والسلاح والأموال والبقر والغنم وغير ذلك من الجواهر الرفيعة والطرف العجيبة ما يبهر الناظرين. فلما بصر جذيمة بذلك أعجبه مع ما بلغه من حسن جوابها وطيب كلامها وظن أنَّ ذلك كان رغبة منه فيه زوجا. فخرج إليها من فوره مع خاصته وفيهم قصير واستخلف على مملكته أبن أخيه عمرو بن عدي اللخمي وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. فسار حتى بلغ موضعا يقال بقعة فأكل وشرب وأعاد المشوار فاستصوبوا أيضاً ما أراد إلاّ قيصرا فانه قال: أيه الملك كل عزم لا يؤيد بجزم فإلى أفن يكون كونه. فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد لا الحزم بالمنى فيبعد! والرأي عندي للملك أن يتعقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ. ولولا أنَّ الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة. فقال قصير: أرى القدر سائق الحذر لا يطاع لقصير أمر أو رأي. فأرسلها مثلا. ثم سار جذيم حتى قرب من ديار الزباء فأرسل إليها يعلمها بمجيئه. فلما جاءها الرسول أظهرت السرور والرغبة، وأمرت بحمل الضيافة إليه وقالت لأجنادها وخاصتها: تلقوا سيدكم ومالك دولتكم! وعاد الرسول بالجواب إليه وأخبره بما رأى وسمع. فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيرا فقال له: أنت على رأيك؟ قال: نعم! وقد زادت بصيرتي فيه. أف أنت على عزمك؟ قال: نعم! وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب. فأرسلها مثلا. ثم قال له: وقد نذرتك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بقية هو بها قادر على استدراك الصواب؛ فإنَ وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة فقد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره. فإن كنت فاعلا ولا بد فإنهم غدا يلقونك ويقومون لك صفين حتى إذا توسطهم أحدقوا بك؛ فهذه العصا لا يشق غبارها وهو أول من قاله. وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تدرك فهي ناجية بك إن ملكت ظهرها وناصيتها. ويروى أنه قال له: انهم غدا إنَّ لقولك فترجلوا وحيوك فتقدموا، فقد كذب ظني، وإنَّ رأيتهم حيوك فطافوا بك، فإني اعرض لك العصا. فسمع جذيمة كلامه فلم يرد عليه جوابا. ثم سار جذيمة، وقصير عن يمينه، فقامت الزباء وبعث وقالت لهم: سيروا حتى إذا لقيتموه فقوموا صفين عن يمينه وشماله، فإذا توسطكم فانقضوا عليه اجمع، وإياكم أن يفوتكم! فلما أحاطوا به وعلم أنهم ملكوه أقبل على قصير، وكان مسايره، فقال له: صدقت يا قصير! فقال قصير: أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب! فأرسلها مثلا. فقال جذيمة: فكيف الرأي؟ فقال: تركت الرأي ببقة! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه
стр. 180
قال له: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو عليها! فأنك من ذلك. وقيل إنه عرضها له فشغل عنها، فركبها قصير فنجا. فلما نظر إليه جذيمة وهو عليها ينقطع دونه السراب
قال: ما ذل من جرت به العصا! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه قال، حين نظر إليه على ظهرها: ويل أمه حزما على ظهر العصا! فأرسلها مثلاً. ثم سارت الجيوش بجذيمة، فتطلعت عليه الزباء من قصرها فقالت: ما احسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي! حتى دخلوا به عليها في قصرها وحولها جواريها. وكانت قد ربت شعر عانتها سنة وضفرته. فلما دخل عليها تكشفت له فقالت: أَشوار عروسٍ ترى؟ فقال: بل شوار أمةٍ بظراء. فقالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، ولا من قلة الأواسي، ولكنه شيمة ما أقاسي فأمرت به فأجلس على نطعٍ وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلاً أن يذهب دمه هدراً. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إنَّ وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما صعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطست شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال: دعوا دما ضيعه أهله! ومات. وقيل إنّه قد قال: لا يحزنكم دم أراقه أهله! فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه غيض من فيض فأرسلها مثلا. فلما قضى أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج إلى ظهر الحيرة يستشرف خبر خاله. فبينما هو ذات يوم ينظر إذ رأى العصا تهوي بقصير، فقال عمرو: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهية، لأمر جاءت العصا. فأرسلها مثلاً. فإذا هو بقصير قد اقبل، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على
стр. 181
الرغم من انفي وانفه! وسيأتي تتمة القصة بعد هذا في خير فصير حيث قام بثأر جذيمة إنَّ شاء الله تعالى. وفي تقل جذيمة قال الشاعر:
وقددت الأديم لراهشيه ... وألفي قولها كذبا ومينا
وقال سويد بن أبي كاهل:
وأبو ملك الملك الذي ... قتلته بنت عمرو بالخذع
أبطأ من غراب نوح .
زعموا أنَّ نبي الله نوح ﵇ بعث الغراب لينظر له هل غرقت البلاد ويأتيه بخبرها. فذهب فوجد جيفة طافية على وجه الماء، فأشتغل بها وبقي ولم يأته بالخبر. فدعا عليه فغلت رجلاه وخاف من الناس. وأعلم أنَّ البطء ثلاثي ورباعي: يقال بطؤ بضم الطاء، وبطئا وبطاء بالكسر، وأبطأ: ضد أسرع. ويقال: هو أبطأ منه. وهو إنَّ كان صوغه من الثلاثي فمقيس اتفاقا؛ وإنَّ كان من الرباعي فهو جائز أيضاً عند سيبويه في هذا الوزن.
أبطأ من فندٍ .
البطء: مر. وفند بكسر الفاء وسكون النون بعدها دال مهملة: اسم رجل. وهو مولى لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، بعثته يأتيها بنار. فلما خرج وجد قوما يريدون مصر، فصحبهم وأقام بمصر سنة، ثم رجع فأتاها بالنار؛ وجاء يشتد فعثر وتبدد الجمر فقال: تعست العجلة! فضرب به المثل في البطء.
البطنة، تذهب الفطنة .
هذا من الأمثال الحكيمة. والبطنة بالكسر: امتلاء البطن طعاماً. والفطنة بكسر الفاء: الذكاء والحذق. يقال: فطن إليه، وفطن له، بضم الطاء وكسرها وفتحها، يفطن بالضم والفتح فطنا وفطانة. وفي الأثر يروى عن النبي ﷺ : " ما احل الله حلالا أبغض من بطن يملأ طعاماً ". وقال ﵊: " ما ملأ أبن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب أبن آدم أكل أو لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلثٌ للنفس ". وعن عمر ﵁: أيها الناس، إياكم والبطنة، فأنها
стр. 182
مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. وعن علي كرم الله وجهه: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للقلب. وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان عن البطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. ويقال أقلل طعاما، تقلل سقاما. ويقال: النهم لؤم، والرغب شؤم. وقيل: أكبر الدواء، تقليل الغذاء. وجمع الرشيد أربعة من الأطباء العارفين: هندياً ورومياً وفارسياً وعربياً، وقال لهم: ليصف لي كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه الأهليلج الأسود. وقال الرومي: هو حب الرشاد الأبيض. وقال الفارسي: هو عندي الماء الحار. فقال العربي، وكان أعلمهم: الأهليلج يعفص المعدة وذلك داء، وحب الرشاد يرق المعدة وذلك داء؛ والماء الحار يرخي المعدة، وذلك داء. فقالوا له: وما الدواء الذي لا داء فيه عندك؟ قال: إنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك منه وأنت تشتهيه. فقالوا: صدقت! وسلموا له. ويروى حديثا: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة: والبردة: النخمة. ويقال إن مالكا، ﵁، لمّا وادع يحيى بن يحيى قال له: أوصيكم بأربع كلمات: الأولى أجمع لك فيها فقه الفقهاء، إذا سئلت عن شيء لا تعرفه فقل لا ادري، والثانية أجمع لك فيها حكمة الحكماء، إذا جالست قوما فكن أصمتهم، فإن أصابوا أصبت معهم، وإنَّ أخطئوا سلمت، والثالثة أجمع لك فيها طب الأطباء، أنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك وأنت تشتهيه؛ فإنك إذا فعلت ذلك لم يصبك مرض إلاّ مرض الموت. وفي الحكمة: إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، ورقدت الأعضاء عن العبادة. وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح منطوي الحشا ... من الجوع أخشى الذم أنَّ أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أنَّ يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك إنَّ أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
стр. 183
وقد اكثر الحكماء من هذا النمط نثراً وشعراً، وفيما ذكرناه كفاية إنَّ شاء الله تعالى.
بطني وعطري، وسائري ذري !
البطن: خلاف الظهر، وهو مذكر، جمعه أبطن، وبطون، وبطنان؛ ويقال أيضاً لمّا دون القبيلة من الناس بطن كما قيل:
وإنَّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
والمراد هنا الأول: والعطر، بكسر العين: الطيب. ويقال: منه عطرت المرأة، بالكسر، فهي عطرة؛ ويقال عطرت الرجل تعطيرا: طيبته والسائر: الباقي، وهو من السؤر، وهو البقية مهموز. يقال: أسأر الشيء وسأره إذا أبقاه، فهو سئار، وقياسه مسئر، وهو جائز أيضاً. وذهب كثير من الناس إلى أنَّ السائر يكون أيضاً بمعنى الجميع، وأنكره آخرون: وذري معناه اتركي يقال: ذره أي أتركه. وأصل الماضي منه. وذره بالكسر يذره كوسعه يسع، لكن لم يستعمل منه ماضٍ ولا مصدر. وأصل المثل أنَّ أعرابياً ضاف قوما، فأمروه جارية لهم أن تطيبه فقال: بطني عطري، وسائري ذري! ومعناه ظاهر. وإضافة التعطير إلى البطن في نحو هذا يكون من المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله:
قالوا: أقترح شيئاً نجد لك طبخه ... فقلت: اطبخوا أي جبة وقميصا!
أراد أنَّ يقول: خيطوا لي جبة! فقال: اطبخوا! لصحبته للطبخ تحقيقاً. وكقوله تعالى:) وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها (، وقوله تعالى:) فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (. أطلقت السيئة والاعتداء على جزاء السيئة وجزاء الاعتداء عدلا لأجل المصاحبة، وإنَّ لم يكن الجزاء سيئة ولا اعتداء. وقوله تعالى:) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك (. وهو كثير. وكقول أبن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا، ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقد يتقدم المشاكل فتراعى صحبة المتأخر، كقول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها ... إني ابتنيت الجار قبل المنزل؟
والافناء بالفاء: جماعة من الناس. ومن هذا أيضاً عند بعضهم قولهم:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
стр. 184
ومن هذا القسم لفظ المثل، لأن المراعي هو قوله: وسائري ذري! أي لا تعطري شيئاً من سائر بدني: ويحتمل إنَّ يكون قائله لم يعتبر هذا، وإنّما اعتبر قولهم للجارية عطريه، فيكون من القسم الأول. ويحتمل أنَّ يكون راعي فعل الجارية وما همت به من التعطير، فتكون المصاحبة إنّما وقعت تقديراً، كقوله تعالى:) صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة (عبر الله عن تطهير الله بالإيمان، لوقوع ذلك في صحبة الصبغ الواقع للنصارى بغمسهم أولادهم في ماء اصفر تقديراً، لأن سبب النزول دل على ذلك. ومثله لمن يغرس أشجاراً: غرس كما يغرس فلان! تريد رجلاً يصطنع المعروف إلى الكرام.
تتمة: وقع في اللفظ الوارد على المشاكلة إشكال من حيث إنه لا يكون حقيقة، إذ ليس موضوعاً لذلك المعنى، ولا مجاز أيضاً لعدم العلاقة، فإن إطلاق اللفظ على المعنى لأجل الصحبة في المشاكلة صحيح، سواء وجد هنالك شيء مما يكون من العلاقات، كإطلاق السيئة على الجزاء المتسبب عنها في الآية السابقة، أو لم يوجد كإطلاق طبخ الجبة على خياطتها. قال سعد الدين التفتازاني في شرح المفتاح: ولا محيص سوى التزام قسم ثالث في الاستعمال الصحيح بأن يجعل نفس الوقوع في الصحبة مصححاً لاستعمال لفظ المصاحب عليه، أو القول بأن هذا النوع من العلاقة فيكون مجازاً. انتهى.
أبعد من بيض الأنوق .
البعد معروف؛ يقال: بعد بالضم والكسر؛ وقد يستعمل البعد بمعنى الموت والهلاك. قالت الشاعرة:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
والأنوق بفتح الهمزة، على مثال صبور: الرخمة، وهو طائر أسود أصلع الرأس أصفر المنقار. وهي تجعل بيضها حيث لا ينال، فتتخذ أوكارها في قنن الجبال الصعبة، فيضرب المثل ببيضها في البعد وعزة المنال، كما قيل:
وكنت إذا استودعت سراً كتمته ... كبيض الأنوق لا ينال لها وكر
وقال الآخر:
стр. 185
وأجازها قذفات كل تنوفة ... وكر العقاب بها وبيت الأعصم
فوطئن أوكار الأنوق ... وروعت منها وبات المهر ضيف الهيثمِ
وزعموا أنَّ رجلا أتى معاوية ﵁ فقال له: زوجني هند! يعني أمه. فقال: لا أرب لها في زوج. قال: فولني كذا! فأنشد معاوية:
طلب الأباق العقوق ... فلما لم يجده أراد بيض الأنوقِ
والأبلق العقوق: الذكر الحامل وسيأتي وهو محال. فكأنه يقول طلب أمرا محالا، فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله. واعترضت الحكاية بأن أم معاوية ماتت سنة أربع عشرة، فكيف يطلب تزويجها يوم الولاية؟ وحكيت على وجه آخر يصح وهو أنَّ رجلا أتاه فقال له: افرض لي شيئا! قال: نعم! فقال: ولولدي؟ قال: لا! قال: ولعشيرتي؟ فأنشد البيت.
قلت: وعلى كلا الوجهين لم يقع الانتقال موقعه لأنه إنما يحسن عندما يكون من الأضعف إلى الأقوى ولم يوجد ذلك في البيت على شيء من المجهين: فانه في أحدهما من المحال إلى الممكن البعيد وفي الآخر: من البعيد إلى البعد ضرورة أن الفرض للعشيرة أبعد من الفرض للولد وإن كان السائل يغتر بشبهة أنه لمّا فرض له أغنى ذلك عن الولد فلم يبق له استحقاق الفرض وكانت العشيرة أولى منه ولذا سأل لها بعده. ومن اللغويين من قال: إنَّ الأنوق الذكر من الرخم ووجدان البض له محال. ولا إشكال حينئذ إذ القصد النداء على ضلال السائل وحيويته حيث جعل ينتقل من محال إلى محال. ومنهم من قال: الأنوق يطلق على الذكر والأنثى والله أعلم.
فائدة: قيل وفي الرخمة عشر خصال: تحضن بيضها وتمنع فرخها ولا تمكن من نفسها غير زوجها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع وتألف ولدها.
هي مع ذلك تحمق كما قيل:
وذات اسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويلِ
أي الحيلة. والرخمة أحد لئام الطير وهي: الرخمة والغراب والبوم.
стр. 186
أبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك !
هذا من الأمثال الموضوعات على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ النخلة قالت ذلك لجارتها بمعنى أنها إذا تباعدتا حملت كل واحدة منها مثل ما تحملان معا. والحمل إذا أطلق على ما يحمل من الأمتعة على ظهر أو رأس فهو بكسر الحاء؛ وإذا أطلق على ما في بطن الأنثى فهو بالفتح؛ وإذا أطلق على ثمر الشجر فهو بالوجهين لمّا له من الشبه بالأمرين. هكذا قال بعض اللغويين وقال: ما بطن من الثمار فبالفتح وما ظهر فبالكسر. وقيل إنَّ الثمر كله بالفتح كما في البطن. وقيل إنَّ الثمر بالكسر ما لم يكثر ويعظم فإذا كثر فبالفتح. وجمع الحمل حمال ومنه: هذا الحمال لا حمال خيبر.
بعض الشر أهون من بعضٍ .
هذا مثل مشهور وظاهر المعنى. ويوافق من أمثال العامة قولهم: نصف الخسارة ولا الخسارة كلها. وقال طرفة بن العبد لمّا حبس:
أبا منذرٍ كانت غروراً صحيفتي ... ولم أعطيك في الطوع مالى ولا عرضي
أبا منذرٍ أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعضِ
وقال أبو خراش الهذلي:
حمدت إلا هي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعضِ
وبعده:
فوا لله ما أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسيما مشيت على الأرض
على أنها تعفو الكلوم وإتما ... نوكل بالأذى وإن جل ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجدٍ محضِ
ولم يك مثلوج الفؤاد مبهجا ... أضاع الشباب في الريبة والخفضِ
ولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهضِ
كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبضِ
стр. 187
وذكر صاحب القلائد أنَّ الظافر بن المعتمد لمّا قام عليه أبن عكاشة وأتباعه بقرطبة ودافعهم حتى قتل وجرد من ثيابه وكان ليلا مر به أحد المغلسين إلى الجامع فألقى ثوبا ولم يعرف من فعل ذلك. فكان أبوه المعتمد بن عباد إذا تذكر ذلك رفع عقيرته وأنشد: ولم أدار من ألقى عليه رداءه. ومن أظرف الاتفاق ما يحكى أبن الخطيب من قول بعضهم في طبيب يسمى نعمان ويكنى أبا المنذر:
أقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
ومما قيل في الطبيب الجاهل قول الآخر:
يا ملك الموت وأن زهر ... جاوزتما الحكمة والنهاية!
ترفقا بالورى قليلا ... في واحدٍ منكما الكفاية!
وقوله:
أعمى وأفنى ذا الطبيب بطبه ... وبكحله الأحياء والبصراء
فإذا نظرت رأيت من عميانها ... أمما على أمواته قراء
وقول الآخر:
قال حمار الطبيب تومي ... لم أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب
بعلة الورشان يأكل رطب المشان .
الورشان بفتحتين: طائر وهو ساق حر. وأنشدوا عن الأصمعي:
أيها البلبل المغرد في النخل ... غريبا من أهله حيرانا
أفراقا تشكوه أم ظلت تدعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟
هاج لي شجوك الغرد شجواً ... رب صوت يهيج الأحزانا
والمشان بضم الميم وكسرها على مثال غراب وكتاب والشين معجمة: نوع من الرطب طيب؛ ورطب المشان في لفظ المثل بالإضافة ولا يقال الرطب المشان وأصل المثل أن قوما استحفوا غلاما لهم رطب نخلهم فكان يأكله وإذا سئل عن ذلك
стр. 188
وعوتب عليه قال: أكله الورشان، فقالوا ذلك. يضرب ذلك لمن يظهر شيئا والقصد شيء آخر.
البغاث بأرضنا يستنسر .
تقدم معنى هذا المثل في الباب الأول.
أبلعني ريقي .
يقال: بلعت الشيء بكسر اللام وابتلعته بمعنى وأبلعته غيري: أمكنته أن يبلعه: والريق: ماء الفم ما دام لم ينفصل عنه فإذا انفصل فهو بزاق؛ والبعض منه ريقة. قال النابغة:
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفي برياً ريقها العطش الصدي
وقال الآخر:
يسقي امتياحا ندى المسواك ريقها ... كما تضمن ماء المزنة الرصف
ويقال: أبلغني ريقي أي أمهلني ساعة مقدار ما أبلعه ولا تعجل عليَّ! يضرب عند الاستمهال في مقام المحاورة والإكثار من السؤال واستدعاء الجواب حتى يعوق الاشتغال بالجواب عن بلع الريق. والقصد التأخير والتنفيس. قال شاس بن عبدة:
حلفت بما ضم الحجيج إلى منى ... وما ثج من نحر الهدى المقلد
لئن أنت عافيت الذنوب التي ترى ... وأبلغت ريقي وأنظرتني غدي
لأستعتبن مما يسؤك بعدها ... وإن سبني ذو لكنة بين أعبِ
ويحكى أنَّ عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال يوما لحاجبه: هات بدرة! فأتى بها، فوضعها بين يديه وقال لمن حضر من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت: والعود أحمد، فله هذه البدرة! فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال للحاجب: اخرج وانظر من بالباب من العرب، وقل: من ينشدني صدر البيت: والعود أحمد، فله جائزة! فخرج الحاجب وقال ذلك. فقام فتى من القوم فقال: أنا. قال الحاجب: فأنشدني! قال: لا! إلاّ أن أشافه أمير المؤمنين. فدخل الحاجب فأخبره فقال عبد الملك: هذا رجل طال مقامه بالباب وله حاجة. والله لئن دخل عليَّ ولم ينشدني لأعاقبنه. أدخله! فلما دخل وسلم قال له عبد الملك أنشدنا صدر بيتنا! فقال: يا أمير المؤمنين،
стр. 189
حاجتي! قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم فقال عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك فأنشدنا صدر بينتا! قال: نعم يا أمير المؤمنين! قالت تميم إنه بيتها. قال أوس بن حجر:
جزينا بني شيبان صاعا بصاعهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد
قال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، أبلعني ريقي! قال: قد أبلعتك قال: قالت اليمن أنه بيتها. قال امرؤ القيس:
فإنَ كنت قد ساءتك مني خليقة ... فعودي كما نهواك والعود أحمدُ
قال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنّه بيتها. قال المرقش:
وأحسن فيما كان بيني وبينها ... وإن عاد بالإحسان فالعود أحمدُ
قال: أصبت، وإنك لظريف. فمن أنت؟ قال أنا زيد بن عمرو. قال: ممن؟ قال من حي جانب عجرفية قيس، وعنعنة تميم، وكسكسة ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة: أنا امرؤ من عذرة. فأمر له بالبدرة. وكان بين أبي العباس بن سريج الفقيه الشافعي، وبين أبي بكر محمد بن داود الظاهري مناظرات. فقال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي! قال أبلعتك دجلة! وقال له مرة أخرى أمهلني ساعة! قال: أمهلتك إلى قيام الساعة! وقال له أخرى: أجيئك من الرجل، وتجيئني من الرأس، قال: هكذا شأن البقر: إذا حفيت أظلافها، دهنت قرونها. واجتمعا في مجلس الوزير أبي الحسن بن الجراح فتناظرا في مسألة من الأبلاء، فقال له أبن سريج: أنت بكتاب الزهرة اعرف منك بهذا الفن، حيث تقول فيه: ومن كثرت لحظاته، دامت مسراته. فقال أبو بكر: والله انك لا تحسن أن تقرأه، وإنّه لأحد مناقبي حيث أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... ولو اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما
فقال أبن سريج: أو علي تفخر بهذا وأنا القائل، ولو شئت لقلت:
стр. 190
ومسافر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناتهِ
صبا بحسن حديثه وغنائه ... وأردد اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراتهِ
فقال أبو بكر: يا وزير، إنه قد أقر: فعليه إقامة البينة أنه بخاتم ربه وبراته، وإلاّ أقمنا عليه الحد! فقال أبن سريج: هذا لا يلزمني: فإن مذهبي أنَّ من أقر بأمر وناطه بصفة، فان إقراره لا يلزمه إلاّ منوطاً بتلك الصفة. وقيل: بل قال له: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزل في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما أو ملئتما علما وظرفا ولطفا! ويحكى أيضاً أنَّ الحجاج لمّا قال لأبي عمرو بن العلاء البصري ما وجه بياض.
يبلغ الخضم بالقضم .
بلوغ الشيء معروف. والخضم، بالخاء والضاد المعجمتين الأكل بجميع الفم، أو بأقصى الأضراس. وقيل خاص بالشيء الرطب كالقثاء؛ يقال منه: خضمت الشيء بكسر الضاد وفتحها أخضمه كذلك بالكسر والفتح. والقضم، بالقاف والضاد المعجمة: الأكل بأطراف الأسنان؛ يقال قضمت الشيء بكسر الضاد أقضمه. وفي الحديث أيترك يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ودخل إعرابي على أبن عم له بمكة فقال: إن هذه بلاد مقضم، وليست ببلاد مخضم. وقلت أنا زمن الصبا، من أبيات:
لو كان لي تجارة غيرها ... أو كنت بين الخال والعمِ
أو كنت في وسع لقيل اكتفى ... من ذاك بالقضم عن الخضمِ
ومعنى المثل أنَّ الخضم الذي هو الآكل الكثير يدرك وينال بسبب القضم الذي هو الأكل الضعيف، فالشبعة قد تدرك بالأكل بأطراف الفم. والمقصود من ذلك أنَّ الغاية البعيدة تدرك بالرفق. قال الشاعر:
تبلغ بإخلاف الثياب جديدها ... وبالقضم حتى تدرك الخضم بالقضم
стр. 191
وللعامة في نحو هذا المعنى أمثال كثيرة، منها قولهم: المهمل يبلغ وقولهم: الراحة تنزل شيئاً فشيئاً. واصله في المريض. وقولهم: لا يجيء دفعة إلاّ الموت؛ وقولهم: قطرة إلى قطرة فيسيل النهر؛ وقولهم: امش بالنعلين حتى تجد السباط، أي الخفين.
بلغ السكين العظم .
السكين بفتح السين وتشديدها معروف يذكر ويؤنث. قال في الصحاح: والغالب عليه التذكير. وأنشد:
يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا ... فذلك سكين على الحلق حاذق
ويقال: سكين وسكينة والعظم معروف وبلوغ السكين العظم في القطع كناية عن بلوغ الأمر في الشدة نهاية وفي الصعوبة غاية كما قيل:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
بلغ السيل الزبى .
السيل مصدر يقال: سال الماء يسيل سيلا وسيلانا. فإذا قيل للماء سيل فمعناه سائل وضع المصدر مكان الصفة. ويستعمل السيل في الماء الكثير السائل والزبى بالزاي جمع زبية وهي حفرة تتخذ للأسد في الموضع العالي ويغطى بشيء ويجعل عليها لحم. فإذا تناوله الأسد سقط فيه. هكذا ذكر بعضهم. ويقال تزبيتها: اتخذتها. قال الراجز:
وكنت بالأمر الذي قد كيدا ... كالذي تزبى زبية فاصطيدا
وهي في كتابة اللغة: إنَّ الزبية تطلق على المكان المرتفع لا يصل إليه الماء ومنه المثل وعلى حفرة الأسد. وقال الطرماح:
ياطيء السهل والأجبال موعدكم ... كمبتغي الصيد أعلى زبية الأسد
نعم قال في الصحاح: إنّما سميت حفرة الأسد بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في الموضع العالي. فأصل الزبية الموضع العالي. والسيل لا يصل إليه وإن وصله كان جارفا مفراطا مجحفا. فإذا قيل: بلغ السيل الزبى، فمعناه أن الأمر قد بلغ غايته
стр. 192
والهول أدرك نهايته كما قال الراجز: قد بلغ السيل الزبى فلا غير. أي قد عظم الأمر عن أن يغير ويصلح. وكتب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أيام حصير إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن نفسه ولم يفخر عليك كضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فأقبل إلي على أي أمريك أحببت:
فأما كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلاّ فداركني ولمّا أمزق
وهذه أمثال أخرى سيأتي كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد ﵀:
لست إذا ما بهضتني غمرة ... ممن يقول: بلغ السيل الزبى
ومن أبلغ ما جاء في وصف قوة السيل قول امرئ القيس:
كأن ذرى رأس المجيمر غدمة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
والقى بصحراء الغبيط بعاه ... نزول اليماني ذي العياب المخول
كأن اسودا فيها غرقى غدية ... بأرجائها القصوى أنابيش عنصل
والمحيمر: جبل وذراه أعالي وفلكة المغزل التي يدور بها معرفة. يريد إنَّ السيل قد أحاط بهذا الجبل، فكأنه يدور فلذا شبهه بفلك المغزل فهو من التخيلات. والغرقى جمع غرق والأرجاء: النواحي والقصوى: البعيدة والعنصل: البصل البري المعروف. والأنالبيش جمع انباش والأنباش جمع نبش وهو أصل المنبوش. يريد إنَّ هذا السيل لكثر أغراق السياع فصارت طافية فوق الماء كأنها انبش العنصل يقتلعها السيل.
بلغ الشظاظ الوركين .
الشظاظ بكسر الشين وبظاءين مشالتين بينهما ألف: عويد يجعل في عروة الجوالق. قال الراجز:
أين الشظاظين وأين المربعة ... وأين سقف الناقة الجلنفعة
يقال شظظت الجوالق: شددت عليه شظاظه وأشظظته: جعلت له
стр. 193
شظاظا والورك على وزن كتف: ما فوق الفخذين ويقال أيضاً ورك بسكون الراء مع فتح الواو وكسرها. قال الراجز: ما بين وركيها ذراعا عرضا. وبلوغ الشظاظ الوركين كناية عن اشتداد الأمر: من معنى الذي قبله.
بلغ الله بك اكلا العمر .
يقال: كلات الرجل بالهمز كمنعته أكلؤه كلاء وكلاءة بالكسر: حرسته وحفظته؛ وكلا الدين: تأخر والكالئ النسيئة. قال الراجز: وعينه كالكالئ المضمار. وفي الحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. وهو يصح من كلأ إذا تأخر أو من كلاته: حفظته أي بيع المكلؤ لأن كلأ لصاحب شيئا. قيل وكان الأصمعي لا يهز الكالئ وينشد:
إذا تباشرك الهموم ... فإنها كال وناجز
وه المثل يقال في الدعاء فقيل: معناه بلغ الله بك أحفظ العمر كما يقال: كلأه الله أي حفظه. قال الشاعر:
كلاك الله حيث عزمت وجها ... وحاطك في المبيت وفي الرحيل
وقيل: الصواب أن معناه الدعاء بطول العمر أي بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده من كلأ بمعنى تأخر كما مر.
بلغ من العلم اطوريه .
الطور بفتح فسكون: الحد ومنه قولهم: تعدى فلان طوره وملك الدار بطورها وطورها وأطوارها بمعنى. ويقال: هذا الدار أطور من هذه أي أوسع حدودا. فإذا قيل: بلغ من الأمر أطوريه فهو بكسر الراء جمع أطور أي بلغ منه أي أقصى حدوده. هكذا قاله أبو زيد بكسر الراء. وقال غيره: بلغ أطوريه بفتح الراء وهو تثنيه أطور أي بلغ منه حدّثني الطول والعرض. فيضرب في الانتهاء إلى غاية العلم.
ابله من ضب .
يقال: بله بكسر اللام يبله أو بلاهة فهو أبله والبلة: الغفلة وقيل: الغفلة عن الشر خاصة وقيل: الحمق بلا تمييز. وقيل الأبله: المأمون الشر؛
стр. 194
وقيل: من غلبت عليه سلامة الصدر. والضب بالضاد المعجمة: الدويبة المعروفة والأنثى: ضبة وهو يضرب به المثل في أمور كثيرة مثل البله والعوق والخديعة وغير ذلك. وسيأتي الكل إن شاء الله تعالى. وإنّما ضرب به المثل في البله والذهول لمّا يزعمون من أن في طبعه الحيرة والنسيان وعدم الهداية. قالوا: ولذلك يحفر بيته في كدية وموضع مرتفع لئلا يضل عنه إذا خرج لابتغاء الطعم ورجع والله اعلم.
ابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك .
الأير بفتح الهمزة وسكون الياء: الذكر. والمعنى أن ابنك الذي يكون لاحقا بك وناصرا ومعينا هو الذي نشأ من نطفتك ولم ينتسب إلى غيرك. يضرب في تبني الرجل أو المرأة غير ولديهما.
ابنك أبن بوحك .
هذا كالذي قبله في المعنى والمضروب. وبوح في هذا المثل بضم الباء الموحدة قيل هو الذكر وقيل النفس وقيل الوطء. وهو يطلق على الكل في اللغة ومرجعها إلى معنى واحد. ويقال أيضاً في هذا المثل: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. قيل: وأول من نطق بهذا المثل الأحزن بن عوف العبدي وذلك إنّه كانت عنده امرأة فطلقها وذهبت بولد فتزوجها عجل بن لجيم بن بكر بن وائل فقالت لعجل حين تزوجها: أحفظ علي ولدي! وسماه عجل سعدا. وشب الغلام فخرج به عجل ليدفعه إلى الأحزن بن عوف أبيه. وأقبل حنيفة بن لجم أخو عجل فتلقاه بنو أخيه فلم ير فيهم سعدا فسألهم فقالوا: انطلق به أبونا إلى أبيه. فذهب حنيفة في طلبه فلقيه راجعا قد وضع الغلام في يد أبيه. فجمع حنيفة بني أخيه إليه وسار إلى الأحزن ليأخذ سعدا فوجده مع أبيه ومولى له فاقتتلوا. فقال الأحزن لسعد: يا بني! إلاّ تعينني على حنيفة؟ فكع الغلام عنه، فقال الأحزن حينئذ: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك فذهبت مثلا. وضرب حنيفة الأحزن بالسيف فجذمه فسمي جذيمة. وضرب الأحزن حنيف على رجله فحنفها فسمي حنيف وكان اسمه اثال بن لجيم. فأخذ حنيف سعدا فرده إلى عجل. وقال بعضهم: الباحة وسط الدار وجمعها بوح. ومن كلامهم: ابنك
стр. 195
أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. انتهى. فجعله في باحة الدار.
ابنك من دمى عقبيك
الدم اصله الدمي. تقول: دمي الشيء بالكسر يدمى فهو دم ودام وأدميته أنا ودميته تدمية. وهذا المثل كالذي قبله. قيل: وقائله امرأة الطفيل بن ملك بن جعفر بن كلاب. وكانت من بلقين وولدت للطفيل عقيل بن الطفيل فتبنته ضرتها كبش بنت عروة بن جعفر بن كلاب. ثم إنَّ عقيلا ذات يوم ضربته أمه فجاءت كبشة فمنعتها وقالت أبني! أبني! فقالت لها البلقينية ابنك من دمي عقبيك وهو بكسر الكافين مخطبة بها أي: ابنك هو الذي نفست به حتى ادمى النفاس عقبيك لا الذي تتبنينه ولم تلديه. ولمّا قالت البلقينية هذا الكلام لكبشة انقلبت عنها مغمومة منكسرة إذ لم يكن لها ولد وتعظمت عليها ضرتها بولدها فأشتملت كبشة على عامر بن الطفيل في تلك الليلة فجاءت اسود أهل زمانه وأنجد أهل زمانه وأفرس أهل زمانه حتى كان مناديه ينادي بعكاظ: هل من راجل فأحمله أو من خائف فأؤمنه؟.
به لا بظبي .
الظبي معروف جمعه ظباء وأظبي وظبي. وهذا المثل يقال عند الدعاء على أحد المصائب والموبقات وأن لا يعدلن عنه عند الشماتة به. والمعنى: جعل الله ما أصابت لازماله! قال الفرزدق لمّا مات زياد وكان مسكين الدرامي رثاه بقوله:
رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين فارقها زياد
فقال الفرزدق يرد على مسكين:
امسكين أبكى الله عبنه إنّما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا
فبكيت امرءا فظا غليظا مبغضا ... ككسرى على أعدائه وكقيصرا
أقول له لمّا أتاني نعيته ... به لا بظبي بالصريمة اعفرا
وقال أبو تمام في قصيدة له:
قتلته سرا ثم قالت جهرة ... قول الفرزدق لا بظبي اعفرا
стр. 196
باءت عرار بكحلٍ .
يقال: باء إليه يبوء إذا رجع إليه وانقطع؛ وباء بذنبه بواء إذا احتمله أو اعترف به؛ وباء دمه بدمه: عدل به؛ وباء فلان بفلان إذا قتل به فقاومه. ومنه قول مهلهل البكري الذي قتله: بؤ بشسع نعل كليب! وقول الشاعر:
فقلت له: بؤ بامرئ لست مثله ... وإن منت قنعانا لمن يطلب الدما!
وعرار على وزن رقاش. وكحل بفتح الكاف وسكون الحاء: بقرتان وكانتا قد انتطحتا فماتتا معا فقيل: باءت عرار بكحل أي باءت هذه بهذه. يضرب إذا قتل القاتل بمقتوله. ويضرب لكل متكافئين متساويين.
بال حمارٌ فاستبال أحمرة .
البول معروف. يقال: بال، يبول، بولا. والحمار معروف. ومعنى استبال أحمرة: حملهن على البول لمّا بال. وأما قول الفرزدق:
وإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشري يستبيلها
فقالوا: معناها في يده. ولا يبعد أن يكون معناه: يحملها أن تبول عليه، ويتعرض لذلك أي يتعرض لهجومي كما قال الآخر:
تعرضت بياض لأهجوها ... كما تعرض لاست الخاريء الحجرُ
والمثل المذكور يضرب في تعاون القوم على المكروه وتنافسهم في الشر.
بالت عليه الثعالب .
الثعالب جمع ثعلب. يضرب هذا المثل للشر الواقع بين القوم وفساد ما بينهم.
فقط حميد بن ثور:
ألم تر ما بيني وبين محاربٍ ... من الود قد بالت عليه الثعالبُ
وأصبح باقي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب
بات فلان بليلةٍ ابن المنذر .
هو النعمان بن المنذر أي بليلة شديدة.
стр. 197
باتت المرأة بليلةٍ حرةٍ .
أي إذا لم يقدر الزوج على افتضاضها ليلة هدائها. ويقال ليلة حرة بالوصف وهي أوّل ليلة من الشهر. قال النابغة:
شمسٌ موانع كل ليلة حرةٍ ... يخلقن ظن الفاحش المغيار
باتت بليلة شيباء .
يقال: ليلة شيباء بالإضافة وليلة الشيباء وهي آخر ليلة من الشهر. ويقال ذلك إذا غلبت على نفسها عكس الذي قبله.
باتت بليلة أنقد .
الأنقد بالدال المهملة على مثل أحمر: القنقذ وهو يبيت الليل كله لا ينام، فيقال لمن بات غير نائم: بات بليل أنقد. وذكر في الصحاح أنَّ لفظ أنقد معروفة كأسامة للأسد. وجوز غيره أن تدخل عليه الألف واللام.
بيدي لا بيد عمرو .
قالته الزباء الملكة السابق ذكرها. وعمرو هذا هو عمرو بن عدي بن نصر اللخمي ابن أخت جذيمة. وسبب ذلك أنَّ الزباء لمّا قتلت جذيمة كما مر رجع قصير إلى عمرو بن عدي فقال له: قم بثأر خالك من الزباء! فقال عمرو: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فأرسلها مثلا. فقال قصير: اطلب الأثر وخلاك ذم! فذهبت مثلا. فقال له إني والله لا أنام على طلب دمه ما لاح نجم أو طلعت شمس حتى أدركه أو تخترم نفسي دونه! ثم قال قصير لعمرو: اجدع أنفي، واقطع أذني واضرب ظهري حتى تؤثر فيه، وخلني وإياها! ففعل عمرو ذلك. وقيل إنَّ عمرا أبى عليه ففعل هو ذلك بنفسه فقالت العرب: لأمر ما جدع قصير أنفه فذهبت مثلا. قال المتلمس:
ومن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
ثم إنَّ قصيرا ذهب فلحق الزباء فقالت له: ما أتى بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال لها: يا ابنة الملوك العظام قد كان دم الملك يعني أباها يطلب جذيمة حتى أدركه؛ وقد أتيتك فيما فيه مثلي مثلك مستجيرا من عمرو،
стр. 198
فانه اتهمني بقتل خاله وفعل بي ما ترين. وقد حال بيني وبين أهلي وولدي وخشيت على نفسي فأتيتك. فأعطته الجوار وأنزلته مكرما مخدما. فأقام مدة لا يكلمها وهو يتطلب لها الحيل ويتأمل الفرص. ثم قال لها يوما: إنَّ لي بالعراق أموالا كثيرة وذخائر نفيسة مما يصلح بالملوك. فإنَ أذنت لي في الخروج إلى العراق وأعطيتني شيئا اتعلل به تجارة وأتخذه وصلة إليها أتيتك بما أمكنني منها. فأعطته مالا، فرجع إليها بأرباح كثيرة وطرائف خطيرة. فلما رأت ذلك أعجبها وعظمت منزلته عندها ورغبت فيه. ولم يزل يتلطف إليها ويتقرب حتى أعادته مرة أخرى إلى العراق، فأضعف لها الأموال، وأتاها من الجواهر والخز والبز والديباج بشيء عظيم، فازدادت منزلته عندها. ويقال إنّه رجع مرة ثالثة فأتاها بأكثر من الأوليين. فبلغ منها مكانة عظيمة حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها. وكان لبيبا أديبا. وكانت ابتنت على الفرات مدينتين عظيمتين واتخذت بينهما نفقا. فإذا أوجست شرا دخلت النفق. فلما بلغ قصير من مدخلها ما بلغ، عرف النفق وعرف الطريق إليه. فعند ذلك رجع مرة أخرى للتجارة. ويقال إنّها هي التي قالت له: أريد أن أغزو بلد كذا من أرض الشام، فاخرج إلى العراق فأتني بكذا وكذا من السلاح والكراع والعبيد والثياب! فقال قصير: ولي في بلد عمرو بن عدي ألف بعير وخزانة من السلاح فيها كذا وكذا وما لعمرو به علم. ولو قد علمه لاستعان به على حرب الملكة وقد كنت أتربص به المنون وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فأتي الملكة بذلك مع الذي سألت فأعطته من المال ما أراد. ويذكر أنها قالت له إذ ذاك: يا قيصر! الملك يصلح لمثلك وعلى يد مثلك يصلح أمره. ولقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده وإصداره إليك. وما يقصر بك عن شيء تناله يدي ولا يقعد بك حال ينهض بي فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: أسد خادر وليث ثائر قد تحفز للوثوب! فلما سمع قصير كلامها وعلم ما بلغ من قلبها قال: الآن تمكن الخداع! وخرج من عندها فأتى عمرا فقال له: قد أصبحت الفرصة. قال له عمرو: قل أسمع ومر أقبل فأنت طبيب هذه القرحة! قال: الرجال والأموال فقال عمرو: حكمك مسلط فينا عندي! فعمدا إلى ألفي رجل من فتاك قومه فحملهم على ألفي بعير في الغرائر السود. ويقال
стр. 199
انه اتخذ الجوالق وهو أوّل من اتخذها وحمل فيها الرجال وجعل ربطها من داخل. فأتى بها وأخذ غير الطريق وجعل يسير الليل ويكمن النهار. وجاء عمرو معه. وكان عمرو قد صور للزباء قاعدا وقائما وراكبا. فلما عمي عنها خبر قصير سألت عنه فقيل لها إنّه أخذ على طريق الغور فقالت: عسى الغوير أبؤسا. فذهبت مثلا، وسيأتي. فلما قربوا تقدم قصير ودخل على الزباء فقال لها: قفي فانظري إلى العير! فرقبت سطحا وجعلت تنظر إلى الإبل تحمل الرجال. فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟
ويقال إنَّ الزباء كان وشي لها بقصير فلما رأت مشية الأجمال ازدادت الريبة في قلبها فقالت ذلك. فلما دخلت العير القصر وعلى الباب بوابون من النبط وفيهم رجل بيده مخصرة فطعن بها جوالقا فأصابت المخصرة رجلا فضرط فقال البواب بالنبطية: بشتا! بشتا! أى الشر! الشر! فاستل قصير السيف فقتل النبطي فدخل عمرو وكان وراء الإبل. فبركت الإبل وخرج الرجال وذهب عمرو فوقف على فم النفق وكان قد وصفه له قصير وعرفه به. فجاءت الزباء نحو النفق. فلما رأت عمرا عرفته بما صور لها فمصت خاتما كان في يدها مسموما وقالت: بيدي لا بيد عمرو فماتت. ويقال إنّه هو قتلها بالسيف واستباح بلادها. ومعنى المثل ومضربه واضح.
بيدين ما أوردها زائدة .
اليد تطلق على الجارحة وعلى القوة الناشئة عنها. ويثنى بالمعنى الثاني أيضاً كما يثنى بالمعنى الأول الحقيقي. قال تعالى:) لمّا خلقتُ بيديَّ (. وقال عروة بن حزام:
فقالوا شفاك الله والله مالنا ... بما حملت منك الضلوع يدانِ
واليد في المثل إن كانت بالمعنى الحقيقي فهي كناية عن الجد والشدة والقوة لأن العامل عملا بكلتا يديه يكون عليه أقوى وأشد من الذي يعمله بيد واحدة؛ وإن كان بالمعنى الثاني فواضح وثنيت للمبالغة. والمثل يضرب للجلادة والقوة في العمل
стр. 200
بيض القطا يحضنه الأجدلُ .
القطا: الطير المعروف، واحدته قطاة، وتقدم إنّها تعد في الحمام. وتبيض ولا تزيد غالبا على ثلاث بيضات، ومن ثم يقال للقطا أم ثلاث. قال الشاعر:
وأم ثلاثٍ شببن عققنها ... وإنَّ متن كان الصبر منها على صبر
وحضانة الأولاد معروفة، وأصل الحضن جعل الشيء تحت الإبط. والاجدل هو الصقر، مشتق من جدل وهو القوة، وغلبت عليه الصفة. وهذا المثل يضرب في الضعيف يستند إلى القوي ويأوي إليه.
بين الصبح لذي عينين .
معناه أنَّ الليل لا ظلامه يستوي فيه البصير والأعمى، فإذا أقبل الصبح تبينت الأشياء لكل ذي بصر فأدركها. أو معناه أنَّ الصبح لظهوره يدركه كل ذي بصر لا يمتري فيه ولا يلتبس عليه. يضرب في الشيء يتضح وينجلي بحيث لا يتطرق إليه التباس. ويقال أيضاً: وضح الصبح لذي عينين. وأصل المثل لقيس بن زهير العبسي صاحب الحروب بين عبس وذبيان بسبب الفرسين داحس والغبراء. وسنشرح ذلك في موضوعه إن شاء الله تعالى. وكان قيس داهية من دهاة العرب، يضرب به المثل في ذلك كما سيأتي. فحكي أنَّ رجلاً مر بحي الاحوص، فلما دنا من الحي نزل عن راحلته فعمد إلى شجرة فعلق عليها سقاء من لبن، وجعل بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أستوى على راحلته وانطلق. فنظر القوم إلى ذلك فعمي عليهم أمره، فأرسلوا إلى قيس بن زهير، فلما جاءهم قال له الأحوص: المثل تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلاّ عرفت مأتاه؟ قال: ما ذلك؟ فأراه ذلك، فقال: وضح الصبح لذي عينين. فأرسلها مثلا، ثم قال: هذا رجل أسره جيش " قاصد " إليكم، ثم أنطلق بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق أن لا ينذركم، فعرض لكم بما ترون. أما الصرة من التراب فأنه يزعم أنه أتاكم عدد كثير؛ وأما الحنظلة فإنه يزعم أن بني حنظلة قد غزتكم، وأما الشوك فيخبر إنَّ لهم شوكة، وأما اللبن فإنه دليل على قرب القوم أو بعدهم إنَّ كان حلواً أو حامضاً. فأشتد القوم فكان كما قال.
стр. 201
ومما يتلحق بهذا الباب قولك مثلا. أبرد من الثلج، وابرد من قرة، ونحو ذلك وهذا النحو من الأمثال لا يختص بنوع ولا ينحصر في شيء، إذ ما من شيء اتصف بصفة وامتاز بميزة من برودة أو بله أو بطئ أو إبصار أو غير ذلك من الأوصاف، إلاّ ولك أنَّ تضرب به المثل، إما تفصيلاً أو تشبيها. وهكذا في باب؛ غير إنَّ ما اشتهر من ذلك يثبت في الكتاب، وما سواه فسائغ استعماله، غير محذور ارتكابه.
وقولهم: بفلان تقرن الصعبة .
يقال للرجل إذا كان نافذا في أمور قويا عليها ناهضا بها.
وقولهم: بعد اللتيا والتي .
في الأمر يكون بعد معاناة الكد ورؤية الشدة.
وقولهم: هو ابن زوملتها
أي عالم بها.
وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها
إذا لم يدرك أين توجه. أو يراد به إنّه بأرض خالية لا يسمعه ولا يبصره إلاّ الأرض. وقيل أريد بسمع الأرض وبصرها طولها وعرضها. وضمن هذا المثل أبو محمّد بن عبدون ﵀! في قصيدته التي يرثي بها بني المظفر، فقال:
وانفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر
ومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم: يبر الجرح السوء، ولا يبرا الكلام السوء. وأصله يزعمون أنَّ شخصاً أداة تطوافه إلى إنَّ سقط في مغارة الأسد منكسراً، فوجد أشباله فلاذ بها. فلما دخل عليه الأسد ورآه على تلك الحال، رق له وجعل يأتيه باللحم ويقدمه إليه ويرفق به حتى برئ وذهب إلى أهله. فبينما هو يحدثهم ذات يوم بقصته مع الأسد، إذ جاء الأسد فأستمع من وراء البيت، وسمعه يقول لهام: ما رأيت في الأسد من عيب إلاّ بخراً في فيه، يدنو مني فيؤذيني غاية الإيذاء. فلما سمع الأسد كلامه أحفظه. فبينما ذلك الشخص يوما في موضع إذ وجده ذلك الأسد وعرفه، فقال له الأسد: أما كان لي عليك حق وجزاء لنعمتي ورفقي وإحساني بك؟ أو نحو هذا. قال نعم! قال له: فإني أسألك أن تضربني بهذا الفأس ضربة بين عيني منكرة، فأبى عليه، وألح عليه الأسد حتى ضربه. فذهب، ومكث زمانا حتى برئت تلك الضرب وذهب أثرها. فرجع إليه
стр. 202
حتى لقيه فقال له: أنظر هل ترى لضربتك التي ضربتني أثراً! قال: لا! فقال له حينئذ: يبرؤ جرح السوء، ولا يبرؤ كلام السوء. يعني قوله فيه إنّه كان أبخر، وافترسه. ولنحو هذا يقول العامة في مثل آخر: من ذا يقدر إنَّ يقول للأسد: فوك أبخر؟
وقولهم: البركات في الحركات .
وقد ورد في مدح السفر والحضر على التحول والتحرك لنيل الأوطار كلام كثير. قال ﷺ : " سافروا تصحوا، وأغزو تستغنموا! ". ويروى: " سافروا تصحوا وتغنموا! ". وقال: " الأرض أرض الله والعباد عباد الله: فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم ". وقال: " ما مات ميت بأرض غربةٍ إلاّ قيس به من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة ". وقال: " موت الغريب شهادة ". وقال: " من مات غريباً مات شهيداً ". وفي التوراة: أبن أدم، احدث سفرا احدث لك رزقا. وفيها أيضاً: ابد آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة: فتحرك وأنا معك!. وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل، أفتح لك باباً من الرزق! وقال ﷺ لوفد من قيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال موسى بن عمران ﵇: لا تلوموا السفر! فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أنَّ الله كلمه. ونظمه أبو تمام بقوله:
فإن موسى صلى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس
صار نبياً وعظم بغيته ... في جذوة للصلاة أو قبس
قيل: وقد قال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أمثال اجلس؟ قال: بل تحرك، فإنه أصلح لكّ! فقال له: أتقول هذا؟ قال: ما أنا قلته، ولكن أمر به حين قال:) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (، ولو شاء أن ينزله عليها فعل. وفي هذا أنشد الثعالبي:
стр. 203
ألم تر أنَّ الله أوحى لمريم ... فهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب
وقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، لأنك تحل يوم محلة لم تحللها، وتعاشر قوماً لم تعاشرهم. وقالوا: ربما أسفر السفر، عن الظفر. وقالوا: إنَّ من فضائل السفر أنَّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومحاسن الآثار، وأمثال يزيد علما بقدرة الله، ويدعو إلى شكر نعمته. وقالوا: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويشهي الطعام، إذ ليس بينك وبين بلدٍ نسب، فخير البلاد ما حمل. وكتب أبن رشيق إلى بعض إخوانه: مثل الرجل القاعد، أعزك الله! كمثل الماء الراكد، وإنَّ ترك تغير، وإنَّ حرك تكدر؛ ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه نقمة، وهؤلاء يدعونه نعمة. فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامة، وكثر لوامه. فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة! وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويحلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان انسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت عنك نفسك! وقيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت الشمس يوماً عليكم لمللتموها. وأخذ أبو تمام فقال:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجته فأغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أنَّ ليست عليهم بسرمد
وقال الحكماء: لا تنال الراحة إلاّ بالتعب، ولا تدرك الدعة إلاّ بالنصب. وقال أبو تمام:
ولكني لم أحو وفراً مجمعا ... ففزت به إلاّ بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام يوماً مسكنا ... ألذ به إلاّ بنوم مشرد
وقال لنابغة الجعدي في هذا المعنى الذي نحن فيه:
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا الديار أو تموت فتعذرا
وقال أبن صارة:
стр. 204
سافر فأن الفتى من بات مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السفر
إنَّ شئت خضرتها يا أبن الرجاء فكن ... في طي غبر الفيافي ثاني الخضر
ولا يصدنك عن وجه تصعبه ... قد ينبغ الكوثر السلسال من حجر
وقال الآخر:
تخوفي طول السفار وإنني ... لتقبيل كف العامري سفير
ذريني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
وإنَّ خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير
وقال الآخر:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهلٍ وجيرانا بجيران
وقال البحتري:
وإذا الزمان كساك حلة معدمً ... فليس له حلل النوى وتغرب
وقال الآخر:
ليس ارتحالك ترداد لغنى سفرا ... بك المقام على خسف هو السفر
وقال أبو الفتح البستي:
فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار
وقال ديك الجن:
وليس المرء ذو العزمات إلاّ ... فتى تلقاه كل غد بلاد
وقال الآخر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترنين المراميا
وقال البحتري:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار
وقال أبو الطيب:
إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب
وقال:
стр. 205
ما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقال الآخر:
غب عن بلادك وارج حسن مغبة ... إنَّ كنت حقا تشتكي الإقلالا
فالبدر لم يحجب به إبداره ... إلاّ بغير يطلب الإقبالا
وقلت أنا من جملة قصيدة:
لا يكسك الوطن الأليف مذلة ... أن كنت تكتسب العلى بتغرب
فالجار من يدنو إليك مواتياً ... في كل أرض بالجوار الأطيب
ومن احتبك مودة ونصيحةً ... في حالتيك فذاك خير الأقرب
وهذا باب لا يحصى. وقد أكثروا في عكس هذا المقصد، وهو مدح الإقامة والإخلاد إلى الراحة وانتظار الفرج واستمطار الرجاء. قال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجراً ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإنَّ يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
وقال زهير:
فقري في بلادك إنَّ قوما ... متى يدعوا بلادهم يهنوا
وقال الآخر:
لقرب الدار في الاقتدار خير ... من العيش الموسع في اغتراب
وقال الآخر:
وما زلت أقطع عرض البلا ... د من المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الرجا ... واستصحب الجدي والفرقدين
واطوي وانشر ثوب الهمو ... م إلى أنَّ رجغت بخفي حنين
وقال الآخر:
يعطي الفتى فينال في دعةٍ ... ما لم ينل بالكد والتعب
فأطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب
إنَّ كان لأرزق بلا سبب ... فرجاء ربك أعظم السبب
стр. 206
وقال الآخر:
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطية والر ... حل ومن لا يزال مغتربا
وقال الآخر:
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرزق بالأسفار والتعب
إني وعمرك لا أحصي ذوي حمق ... الرزق اغرى بهم من لاصق الجرب
وقال الآخر:
إلاّ رب باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس
وقال الآخر:
قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
ما مسني من غنى يوم ولا عدم ... إلاّ وقولي فيه الحمد لله
وقلت أنا من جملة قصيدة:
لا ولا بالحجى تنال الأماني ... لا ولا الجهل رائد الحرمان
فالغنى بالحظاء لا بالتعني ... والثمى بالقضاء لا بالتواني
كم لبيب ذي نجدة مات هزلا ... وغبي يحفه ألف هان
وكريم اذيل بعد اعتزاز ... ووضيع يسمو على كيوان
قسمة قدرات وأحكم مبن ... اها قضاء المهيمن الديان
ولنرجع إلى المقصود خشية الطول.
وقولهم: بأضدادها تتبين الأشياء. ونظمه أبو الطيب حيث قال:
من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... إنَّ يصبحوا وهم له أكفاء
ويذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
ونحوه قول أبي تمام:
كثرة السفر يمنة وشمالا ... أضعفت في نفيسة العقيان
ونحوه قول المعري:
стр. 207
والشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ
لولا غضا نجدي وقلامه ... لم يئن بالطيب على رندهِ
وقد يعاب الامتداح بنحو هذا بتبه امتداح بكمال إضافي، وقلما يخلو شيء من نحو هذا الكمال. والجواب أنَّ القصد إلى بيان كون الكمال إضافي لا حقيقيا، بل إلى بيان أنَّ الكمال اتضح غاية الاتضاح وإنَّ سبب اتضاحه كذا. والشيء قد يكون في غاية الكمال والفضل ويخفى لشدة ظهوره ولا يعرف إلى بالقياس لغيره. فلو لم يخلق الله المرض لم يعرف حسن الصحة؛ وكذا الفقر والغنى والمرارة والحلاوة ونحو ذلك. ولو لم يخلق الليل لمّا عرفت فائدة النهار كما قال حبيب:
بين البين فقدها قلما ... تعرف فقدا للشمس حتى تغيبا
ولهذا ورد في الخير إنّه يرى المؤمن النار وما أبدله به الجنة؛ وكذا الكافر بالعكس. وشاع في ألسنة العامة قولهم: لا تمدحني حتى تجرب غيري، كما قال حبيب:
وإساءات ذي الإساءة يذكر ... نك يوماً إحسان ذي الإحسانِ
وقال أيضاً:
إساءة دهر اذكرت حسن فعله ... إليَّ ولولا الشري لم يعرف الشهدُ
وأما قول أبي الطيب:
زانت الليل غرة القمر الطا ... لع فيه ولم يشنها سوادهُ
فمراده به المبالغة في الثناء، وإنَّ طلعة الممدوح تكشف الظلماء مع غلبتها الأنوار، وأو أضاف إشراق طلعته إلى النهار لم يكن لذلك كبير فضل، من حيث إنَّ الشيء يظهر بالنهار ولو ضعيفا. ولم يعتبر هو ما مر، وإنّما اعتبر ما اعتبره النابغة حيث اعترض على حسان قوله: يلمعن بالضحى. وكان النابغة تضرب له قبة بسوق عكاظ، فيعرض عليه الشعراء أشعارهم. فدخل عليه يوما حسان بن ثابت وعنده الأعشى، وقد كان أنشده شعرا له فاستحسنه، وإذا بالخنساء فأنشدت:
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عارُ
مشي السبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان: أنياب وأظفارُ
فما عجول على بوٍّ تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرارُ
стр. 208
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبارُ
يوماً بأوجع مني يوم فارقني ... صخرٌ والدهر إحلاء وإمرارُ
وإنَّ صخراً لوالينا وسيدنا ... وإنَّ صخرا إذا نشتو لنحَّارُ
وإنَّ صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ
جوابُ قاصيةٍ جزارُ ناصيةٍ ... عقاد ألويةٍ للعيش جرارُ
حامي الحقيقة محمود الخليقة ... مهدي الطريقة نقاع وضرارُ
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجارُ
فقال لها النابغة: لولا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نسجه دما
وليدنا بني العنقاء وأبن محرق ... فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنما!
فقال له النابغة: انك لشاعر لولا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان اكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفغر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:
فانك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ
فقام حسان خجلا منكسرا.
فائدتان: الأولى قول النابغة: أشعر الإنس والجن أو الجن والإنس خطأ في العربية. فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه واسم التفضيل إنّما يضاف على ما هم بعض منه، غير إنّه إن كانت الرواية تأخير الجن أمكن أن يستسهل في التابع ما لا يسوغ في المتبوع.
الثاني: بيت النابغة الذي تبجح به وفخر به على حسان هو من جيد الشعر، وقد اعترضه الأصمعي في انتصاره للرشيد على البرامكة. فإنَ النهار سواء هو والليل في الإدراك واللحاق ولا مزية لليل حتى يخص بالذكر. وقصة محاضرتهم مشهورة. قلت: وأنت إذا علمت وأنصفت عرفت أن ليس لحاق النهار كلحاق الليل الذي تنقطع
стр. 209
الحركات لإقباله ويستكن كل أحد لغشيانه، ويخضع تحت أطنابه: فتشبيه الملك به أحق. وليتنبه الأديب إلى كلام النابغة وانتقاداته ليعرف مبلغ شعراء الجاهلية في معرفة الشعر والغوص على المعاني ويقدرهم حق قدرهم في هذا الباب ويعرف أنَّ البلاغة طوع إيمانهم وإنها تدب على ألسنتهم دبيب النمل، وتجري منهم مجرى الدم وتسري في أفكارهم سريان العذب السلسال، حتى يعرف مقدار من تحداهم رب العزة بكلامه فأعجزهم، وأنهم لأمر ما عجزوا وأذعنوا. فلا يغتر الفتى الجاهل اليوم ويتوهم إذا سمع شقاشق أهل إعصاره أنَّ أولائك أغمار. وقولهم للإنسان غير المستوطن: بيته على ظهره. وأصله في السلحفاة. ومثله قول الشاعر:
حيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي
وقد آن أن أذكر ما يتيسر من الأمثال الشعرية في هذا الباب وما يجري على نمطها. وينخرط في سفطها. قالوا:
ومن يكن الغراب له دليلا ... يدل به على جيف الكلابِ
يريدون أنَّ من اتخذ الدنيء مرتادا واللئيم قوادا فهو يسوقه إلى سخفه أو يقع به إلى حتفه. وقال الآخر:
ومن لم يكن عقربا يتقى ... مشت بين أثوابه العقربُ
وهو مثل قول العامة: من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقول أبن دريد:
من ظلم الناس تحاموا ظلمه ... وعز فيهم جانباه واحتمى
وهم لمن لان جانبه ... أظلم من حيات أنباث السفا
وقال مسكين الدارمي:
رب مهزولٍ سمينٌ عرضه ... وسمين الجسم مهزول النسب
أي رب وهزول البدن والجسم كريم الأب رفيع النسب صين الحسب، وبالعكس. وقال رجل من مذحج:
إنَّ السوية إن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنبُ
وإذا تكون كريهة ادعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندبُ
стр. 210
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إنَّ كان ذاك ولا أبُ!
والمثل هو البيت الوسط وفي معناه مثل من أمثال النساء يقلن: الطرية للهاتي، والقسية لأخواتي. وقال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟
ومثله قول الآخر:
وإن كنت لم تصحب سوى ذي كمالة ... فأين من الأخوان من هو كاملُ؟
وقولي من قصيدة:
وإذا تبتغي صديقا بلا ذا ... مر فعش مفردا عن الخلانِ
وقال أبو عبد الله بن شرف في معنى بيت النابغة:
ولا تعتب على نقص الطباع أخا ... فإنَ بدر الدجى لم يعط تكميلا
وقال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجربِ
وقال أبن شرف في معناه:
كم خانني الدهر في أوفى الورى فمضى ... به وخلف مرذولا فمرذولا
وقال الآخر:
ألا إنّما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانبُ
الغضارة: الطين اللازب الأخضر وتطلق أيضاً على الخصب والنعمة.
وقال أبن شرف في معنى البيت:
ولم يزل ثمر الدنيا لقاطفه ... رطبا ويبسا وماجوجا ومعسولا
وقال الآخر:
وإنَّ امرئ قد سار تسعين حجة ... على منهلٍ من ورده لقريبُ
وقال الآخر:
وأجرا من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوبِ
وقال أبن شرف في معناه:
ولم تجد قط عيابا ومفتخرا ... إلاّ على العيب والعوراء مجبولا
стр. 211
وقيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلاّ بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:
وانك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وفي البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:
وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت: كذلك قدرة الضعفاء
وقال الآخر:
راحت مشرقة ورحت مغرباً: ... شتان بين مشرق ومغرب!
ومثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:
أذكرك مجالس بني أسد ... بعدوان فنحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا ... غرب: وأين الشرق والغرب؟
من كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب
مدجج يدعى بشكته ... وعقيره بفنائه تحبو
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين في السبعة الشهب
وقال أيضاً:
إذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه ... فذروته للحادثات وغاربه
أعذلتنا ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه في الملمات راكبه
دعيني وأهوال الزمان أفانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه
فإن نحن الحسام الهندواني إنّما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقال:
لأمر عليهم أنَّ تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال أيضاً:
стр. 212
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وأدرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍ ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهم رددني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا
ومن لم يسلم للذنوب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا ألا يصادف مضربا ... وآفة ذا ألا يصادف ضاربا
وقال أيضاً:
كانت لنا ملعب نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب
وعاذل هاج لي بالعذل مأربة ... باتت عليه هموم الصدر تصطخب
لمّا أطال ارتجال العذل قلت له: ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
وقال:
مالي أرى جلبا فعما وليست أرى ... سوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟
أرض بها عشب جرف وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب
وقال أيضاً في أبي دلف:
يرى اقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المآرب
وقال:
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقال أيضاً:
وما الأسد الضرغام يوما بعاكسٍ ... ريمته إن أن أو بصبص الكلب
وقال أيضاً:
لو رأى الله أنَّ للشبيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال أيضاً:
стр. 213
والحظ يعطاه غير طالبه ... ويحز الدر غير محتلبه
وقال أيضاً:
فاض اللئام وغاضت الاحساب ... واجتثت العلياء والآداب
فكأن يوم البعث فاجأهم فلا ... أنسب بينهم ولا أسباب
وقال:
ما إن سمعت ولا أراني سامعا ... أبداً بصحراء عليها باب
من كل مفقود الحياء فوجه ... من غير بواب له بواب
ما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب
ما كنت ادري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوت سراب
وقال أيضاً يهجو يوسف السراج:
سمعت بكل داهية نآد ... ولم اسمع بسراج أديب
أما لو إنَّ جهلك عاد علما ... إذا لنفذت في علم الغيوب
ومالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
فلو نشر المقابر عن زهير ... لصرح بالعويل وبالنحيب
متى كانت قوافيه عيالا ... على تسفير بقراط الطبيب؟
وقال أيضاً:
هو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... واكثر آمال الرجال كواذب
وقال:
وقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابة ... فقلت لهم: إنَّ الشكول اقرب
نسيبي في عزمي ورأيي ومذهبي ... وإنَّ باعدتنا في الأصول المناسب
وقال:
على إنّها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال أيضاً:
إنَّ ريب الزمان يحسن إنَّ يهدي ... الرزايا إلى ذوي الاحساب
стр. 214
فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
وقال أيضاً:
ومن يكن طيبا فلا عجب ... إنَّ يأكل الناس من أطيابه
وقال أيضاً:
غير مستأنس بشيء إذا غبت ... سوى ذكرك الذي لا يغيب
أنت دون الجلاس انسي وإنَّ كنت ... بعيدا فالأنس منك قريب
وقال أيضاً:
لعمر مع الرمضاء والنار تلتظي ... ارق وأحفى منك في ساعة الكرب
متى ابتغي النصف من قلب صاحب ... إذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب
وقال أيضاً يعاتب أبا دلف:
أقمت شهورا في فنائك خمسة ... لقى حيث لا تهمي علي جنوب
فإنَ نلت ما أملت فيك فإنني ... جدير وإلاّ فالرحيل قادب
وقال أيضاً:
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنَّ السماء ترجى حين تحتجب
وقال أيضاً:
لعمرك لليأس غير المريب ... خير من الطعم الكاذب
وللريث تحفزه بالنجاح ... خير من الأمل الخائب
وقال أيضاً يصف غيثا:
لم أر عيرا جمة الدؤوب ... تواصل التهجير بالنأويب
ابعد من أين ومن لغوب ... منها غداة الشار والمهضوب
نجائب ولين من نجيب ... شبائه الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب ... منقادة لعارض غريب
كالشمعة التفت على النقيب ... آخذة بطاعة الجنوب
ناقصة لمرر الخطوب ... تكف غرب الزمان العصيب
стр. 215
محاءة للأزمة اللزوب ... محو استلام الركن للذنوب
لمّا دنت الأرض من قريب ... تشوفت لوبلها السكوب
تشوف المريض للطبيب ... وطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب ... وخيمت صادقة الشؤبوب
وقالم فيها الرعد كالخطيب ... وحنت الريح حنين النيب
فالشمس ذات حاجب محجوب ... قد أغربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب ... في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشتهاب الثلج والضريب ... كالكهل بعد السن والتنحيب
تبدل الشباب بالمشيب ... كم أنست من جانب غريب
وغلبت من الثرى المغلوب ... ونفست من بأرض مكرب
وسكنت من نافر الجبوب ... وأقنعت من بلد رغيب
يحفظ عهد الغيث بالمغيب ... لذيذة الريق والصبيب
كأنها تهفي على القلوب .
وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.
وقال أيضاً:
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
وما أضيع العقل إنَّ لم يرع ضيعته ... وفر وأي رحى دارت بلا قطب
وقال:
بأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا ما كان في هرب
وقال:
إذا قصدت لشلو خلت إني قد ... أدركته ادركتني حرفة الأدب
وإنّما قال ذلك لمّا يزعم من إنَّ حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... ولا يرجى اجتماع المال والأدب
وستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.
وقال أيضاً:
следующие страницы →