Полный текст (902 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلاّ بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:
وانك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وفي البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:
وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت: كذلك قدرة الضعفاء
وقال الآخر:
راحت مشرقة ورحت مغرباً: ... شتان بين مشرق ومغرب!
ومثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:
أذكرك مجالس بني أسد ... بعدوان فنحن إليهم القلب
الشرق منزلهم ومنزلنا ... غرب: وأين الشرق والغرب؟
من كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب
مدجج يدعى بشكته ... وعقيره بفنائه تحبو
وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
السيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين في السبعة الشهب
وقال أيضاً:
إذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه ... فذروته للحادثات وغاربه
أعذلتنا ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه في الملمات راكبه
دعيني وأهوال الزمان أفانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه
فإن نحن الحسام الهندواني إنّما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقال:
لأمر عليهم أنَّ تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
وقال أيضاً:
стр. 212
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وأدرت ربعي من ركابي سباسبا
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍ ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهم رددني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا
ومن لم يسلم للذنوب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا ألا يصادف مضربا ... وآفة ذا ألا يصادف ضاربا
وقال أيضاً:
كانت لنا ملعب نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب
وعاذل هاج لي بالعذل مأربة ... باتت عليه هموم الصدر تصطخب
لمّا أطال ارتجال العذل قلت له: ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
وقال:
مالي أرى جلبا فعما وليست أرى ... سوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟
أرض بها عشب جرف وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب
وقال أيضاً في أبي دلف:
يرى اقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المآرب
وقال:
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب
وقال أيضاً:
وما الأسد الضرغام يوما بعاكسٍ ... ريمته إن أن أو بصبص الكلب
وقال أيضاً:
لو رأى الله أنَّ للشبيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال أيضاً:
стр. 213
والحظ يعطاه غير طالبه ... ويحز الدر غير محتلبه
وقال أيضاً:
فاض اللئام وغاضت الاحساب ... واجتثت العلياء والآداب
فكأن يوم البعث فاجأهم فلا ... أنسب بينهم ولا أسباب
وقال:
ما إن سمعت ولا أراني سامعا ... أبداً بصحراء عليها باب
من كل مفقود الحياء فوجه ... من غير بواب له بواب
ما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب
ما كنت ادري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوت سراب
وقال أيضاً يهجو يوسف السراج:
سمعت بكل داهية نآد ... ولم اسمع بسراج أديب
أما لو إنَّ جهلك عاد علما ... إذا لنفذت في علم الغيوب
ومالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
فلو نشر المقابر عن زهير ... لصرح بالعويل وبالنحيب
متى كانت قوافيه عيالا ... على تسفير بقراط الطبيب؟
وقال أيضاً:
هو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... واكثر آمال الرجال كواذب
وقال:
وقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابة ... فقلت لهم: إنَّ الشكول اقرب
نسيبي في عزمي ورأيي ومذهبي ... وإنَّ باعدتنا في الأصول المناسب
وقال:
على إنّها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال أيضاً:
إنَّ ريب الزمان يحسن إنَّ يهدي ... الرزايا إلى ذوي الاحساب
стр. 214
فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
وقال أيضاً:
ومن يكن طيبا فلا عجب ... إنَّ يأكل الناس من أطيابه
وقال أيضاً:
غير مستأنس بشيء إذا غبت ... سوى ذكرك الذي لا يغيب
أنت دون الجلاس انسي وإنَّ كنت ... بعيدا فالأنس منك قريب
وقال أيضاً:
لعمر مع الرمضاء والنار تلتظي ... ارق وأحفى منك في ساعة الكرب
متى ابتغي النصف من قلب صاحب ... إذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب
وقال أيضاً يعاتب أبا دلف:
أقمت شهورا في فنائك خمسة ... لقى حيث لا تهمي علي جنوب
فإنَ نلت ما أملت فيك فإنني ... جدير وإلاّ فالرحيل قادب
وقال أيضاً:
يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنَّ السماء ترجى حين تحتجب
وقال أيضاً:
لعمرك لليأس غير المريب ... خير من الطعم الكاذب
وللريث تحفزه بالنجاح ... خير من الأمل الخائب
وقال أيضاً يصف غيثا:
لم أر عيرا جمة الدؤوب ... تواصل التهجير بالنأويب
ابعد من أين ومن لغوب ... منها غداة الشار والمهضوب
نجائب ولين من نجيب ... شبائه الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب ... منقادة لعارض غريب
كالشمعة التفت على النقيب ... آخذة بطاعة الجنوب
ناقصة لمرر الخطوب ... تكف غرب الزمان العصيب
стр. 215
محاءة للأزمة اللزوب ... محو استلام الركن للذنوب
لمّا دنت الأرض من قريب ... تشوفت لوبلها السكوب
تشوف المريض للطبيب ... وطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب ... وخيمت صادقة الشؤبوب
وقالم فيها الرعد كالخطيب ... وحنت الريح حنين النيب
فالشمس ذات حاجب محجوب ... قد أغربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب ... في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشتهاب الثلج والضريب ... كالكهل بعد السن والتنحيب
تبدل الشباب بالمشيب ... كم أنست من جانب غريب
وغلبت من الثرى المغلوب ... ونفست من بأرض مكرب
وسكنت من نافر الجبوب ... وأقنعت من بلد رغيب
يحفظ عهد الغيث بالمغيب ... لذيذة الريق والصبيب
كأنها تهفي على القلوب .
وتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.
وقال أيضاً:
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
وما أضيع العقل إنَّ لم يرع ضيعته ... وفر وأي رحى دارت بلا قطب
وقال:
بأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا ما كان في هرب
وقال:
إذا قصدت لشلو خلت إني قد ... أدركته ادركتني حرفة الأدب
وإنّما قال ذلك لمّا يزعم من إنَّ حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:
الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... ولا يرجى اجتماع المال والأدب
وستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.
وقال أيضاً:
стр. 216
إنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب
وكانوا يرون الفضيلة عند اللقاء إنّما هي في الاهتمام بضرب الهام دون جمع الحطام. ومنه قول عنترة:
هلا سألت القوم يا أبنت معبد ... إنَّ كنت جاهل بما لم تعلم
إذ لا أزال على رحالت سابح ... نهد تعاوره الكماة معلم
طورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة إنني ... أغشى الوغى واعف عند المغنم
وهذا المعنى هو الذي نبه عليه الأول وأوضحه. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. ولمّا سيق إلى المعتصم المازيار أسيرا فأمر بصلبه قال له: من علي ولك أموال جليلة الخطر! فأبى وانشد:
إنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب
وقال أيضاً:
إذا ما شبت حسن الدين ... منك بصالح الأدب
فمن شئت كن فلقد ... فلجت بأكرم النسب
فنفسك قط أصلحها ... ودعني من قديم آب
اصله قوله تعالى: إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم. وقال أبو الطيب:
ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب
وقال:
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيى دواء الموت كل طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالب ... وفارقها الماضي قراق سليب
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
وأوفى حياة الغابرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب
стр. 217
وقال:
وما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ... ولا كل جفنٍ ضيقٍ بنجيبِ
وقال:
كأنَّ الردى عادٍ على كل ماجدٍ ... إذا لم يعوذ مجده بعيوبِ
وأولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ
وللتركُ للاحسان خيرٌ لمحسنِ ... إذا جعل الإحسان غير ربيبِ
وقلا:
فربَّ كئيبٍ ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيبِ
وقال:
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيبِ
وللواحد المكروب من زفراته ... سكون عزاءٍ أو سكون لغوبِ
وقال:
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريبِ
وقال أيضاً يمدح سيف الدولة:
وكيف عرفنا رسم من يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟
نزلنا عن الأوكار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
وتمثل به أحد الفضلاء حيث أقبل على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام! وقال:
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا
وقال:
ومن تكن الأس الضواري جدوده ... يكن ليله صباحاً ومطعمه غصبا
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا
стр. 218
وقال:
تهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا؟
ويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كان الليوث له صحبا؟
ويخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا؟
وقال:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس اورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحدٌ ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
وقال أيضاً:
وإن كان ذنبي كل ذنبٍ فانه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا
وقال أيضاً يستعطف سيف الدولة على بني كلاب:
ترفق أيها المولى عليهم ... فإنَ الرفق بالجاني عتابُ
وانهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا
وكأنه من قول أبن أبي عيينة:
جلبنا الخيل من بغداد شعثا ... عرائس تحمل الأسد الغضابا
بكل فتى أغر مُهلبي ... تخال بضوء صوته شهابا
ومن قحطان كل أخي حفاظٍ ... إذا يدعي لنائبةٍ أجابا
وقال أيضاً:
بأخوالي وأعمامي أقامت ... قريش ملكها وبها تهابُ
متى ما أذاع أخوالي لحربٍ ... وأعمامي لنائبةٍ أجابوا
وقال:
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشرٍ خطئوا فتابوا
وكم ذنبٍ مولده دلال ... وكم بعد مولده اقترابُ
وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذابُ
стр. 219
وقال:
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم جضابُ
وهو معنى قول الآخر:
فلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواءٌ ذو العمامة والخمارِ
وقال أيضاً:
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإنَ في الخمر معنى ليس في العنبِ
وقال:
فلا تنلك الليالي إنَّ أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بلالغربِ
ولا يعن عدواً أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخربِ
وإن سررن بمحبوبٍ فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجبِ
وربما احتسب الإحسان غايتها ... وفاجأته بأمر غير محتسبِ
وما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلاّ إلى أربِ
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلاّ على شجب والخلف في الشجبِ
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشك جسم المرء في العطبِ
ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعبِ
وقال أيضاً:
ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب
وقال:
ويستنصران الذي يعبدان ... وعندهما أنه قد صلب
ويدفع ما ناله عنهما ... فيا للرجال لهذا العجب
وقال أيضاً:
لأي صروف الدهر فيه نعاتبُ ... وأي رزاياه بوترٍ نطالبُ؟
وقال أيضاً:
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
стр. 220
وقوله: والدنيا لمن غلبا هو مثل مشهور ووقع في قول الآخر: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وأنشد أبن الخطيب لبعض الأعراب:
من كان أبصر شيئا أو رأى عجبا ... فإنني عشت دهرا لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدٌ ... والهر كالهر والدنيا لمن غلبا
فلا أدري لأوارده فيه أبو الطيب أم أخذه منه وهو في بيت الأعرابي أقعد وبسياقه أنسب. وتمام البيت المذكور ما أنشده المصعب الزبيري في أنساب قريش لبعض الشعراء في معاوية بن يزيد وهو:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وأراد بابي ليلى معاوية بن يزيد المذكور وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوية عن يزيدا
فإنَ دنياكم لكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا سديدا
وقال أيضاً:
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت عليَّ مصائبا
وقال في وصف علي بن المنصور:
كالبدر من حيث التفت وجته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جودا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وقال أيضاً:
ليس بالمنكر إن برزت سبقاً ... غير مدفوعٍ عن السيف الغرابُ
وقال أيضاً:
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي تغني كرام المناصب؟
وما قريب أشباه قومٍ أباعدٍ ... ولا بعدت أشباه قومٍ أقاربِ
إذا علوي لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلاّ حجةٌ للنواصبِ
وقال أيضاً:
стр. 221
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
وقال:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب
وقال:
فما الحادثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
وقال أيضاً:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر إنَّ المانوية تكذب
وقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب
وقال:
وما الخيل إلاّ كل الصديق قليلة ... وإنَّ كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عندك مغيب
لحا الله ذي الدنيا منخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
إلاّ ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا اشتكي فيها ولا اتعب
وقال يخاطب كافورا:
وهبت على مقدار كفي زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب
وقال:
يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وابكي من احب واندب
احن إلى أهلي وأهوى لقائهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب
وقال:
كل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
وقال:
واظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
стр. 222
قال صاحب الرسالة الحكيمة وهو قول ارسطوطاليس: اقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه. قلت: وهو غلط. إنَّ كانت رواية هذه الحكمة هكذا فإنَ أبا الطيب إنّما أراد عكسها وهو إنَّ اقبح الظلم إنَّ يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه بدليل سياق كلامه.
وقال:
وقد يترك النفس التي لا تهابه ... ويحترم النفس التي تتهيب
وقال أيضاً:
وما العشق إلاّ غرة وطماعة ... يعرض كل نفس فتصاب
وقال:
اعز مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
وقال يخاطب كافورا:
وهل نافعي إنَّ ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب
وقال:
وفي نفسي حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب
وقال يخاطبه:
إذا نلت منك الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
وينشد العارفون رضوان الله عليهم والخطاب للملك الحق هكذا:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
واذكرني هذا المعنى حكاية عن الأصمعي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في اذنيه قراط في كل جوهرة يضيء وجهه من ضوء الجوهرة وهو ربه بأبيات من الشعر وهي:
стр. 223
يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق جميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البر الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السر الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قصاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجل إنَّ ... يحصى الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنكب غافر ... ولتوبة العاصي بحلمك قابل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... مالا تكون لبعضه تستأهل
متصدق أبداً وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيه الأمل
وايست من وجه النجاة فما لها ... سبب وما يدنو بها متناول
يأتيك من الطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من القي إلى ... أبواب غيرك فهو غر جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظل زائل
رأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي فائل
عمل أريد به سواك فأنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هين ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء ابق كل على ... مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسودت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيتك حسن ظني شافع ... ووسائلي ندم ودمع سائل
فأغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لمّا ترضى ففضلك كامل
فافعل به ما أنت أهل جميله ... والظن كل الظن انك فاعل
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل ﵇ لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته
стр. 224
فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى ابدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي احسن الناس وجها. فكنت اسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت انه نقل عن صاحب طيبة ﵊ إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت اسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وارقه. ثم سمعت أبيات من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:
أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره ... وإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا به له ... ويسعدني حتى ألذ واطربا
فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟ قال صوت أختي وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة. فتبسم ثم قال: أما علمت إنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟ فودعتها وانصرفت. ولا يخفى إنَّ محل الاستشهاد قوله:
وإذا رضيت فكل شيء هين ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل
وهذا الشعر يتمثل به الصوفية كثيرا. وقال أيضاً:
وما يشق على الكلب ... أن يكون أبن كلبة
وقال أيضاً:
لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع على جنبه
ينسى بها ما مر من عجبه ... وما أذاق الموت من ركبه
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه؟
стр. 225
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمن هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه
وهو معنى قول ارسطوطاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهد في حقائقها والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق. والذي قبله هو معنى قوله أيضاً: اللطائف سماوية والكثائف أرضية وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
وقال:
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه
ونحوه قول بعضهم في أبن سينا:
وكان أبن سينا يداوي الرجال ... وفي السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما قاله في الشفا ... ولم ينج ما قاله بالنجات
وقال:
وغاية اللمفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه
وهو قريب من قول ارسطوطاليس: آخر افراط التوقي أوّل موارد الحذر.
وقال:
يدخل صبر المرء من مدحه ... ويدخل الإشفاق في ثلبه
ولم اقل مثلك اعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه
وقال أيضاً:
إذا اكتسب الإنسان من هن عرسه ... فيل لؤم إنسان ويا لؤم مكسب
وقال الحماسي سعد بن ناشب:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالب
واذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من ياقي المذلة حاجب
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالب
стр. 226
وقال:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
وقال موسى أبن جابر:
لا اشتهي يا قوم إلاّ كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرجال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب
منهم ليوث ما ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب
وقال بعض بني مازن:
وما قتل جار غائب عن نصيره ... لطالب أوتار بمسلك مطلب
وقال:
وقد ذقتمونا مرة بعد مرة ... وعلم بيان الأمر عند المجرب
وقال القتال الكلابي:
نعرض للطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب
ومثله قول الهمداني:
لقد علمت نسوان همدان إنني ... لهن غداة الروع غير خذول
وابذل الهيجاء وجهي وأنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول
ومن هذا قول أبي مخزوم النهشلي الدارمي من شعراء الحماسة:
أنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن اغلينا
وقال بعض الفقعسيين:
رأيت بني عمي إلاّ لي يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوقا شجاع وعقرب
وقال:
كأنهم لم تسبق من الليل ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
стр. 227
إذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالبا نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلاّ في عتاب ... يخاف يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في كريهته أخاه ... إذا ما مضلع الحدثان نابا
وقال قراد بن عتاب الحماسي أيضاً:
إذا المرء لم تغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبون
ولم يحبه بالنصر قوم اعزه ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أدنى العدو ولم يزل ... وإنَّ كان عضا بالظلامة يضرب
المقاحيم جمع مقحام وهو المقتحم في الأمور الجريء عليها ويتهيب يتخوف وتهضمه تنقصه وأدنى العدو اخسهم والعض بالكسر الرجل الداهية كما تقدم في الهمزة والظلامة الظلم. أي لا يزال يضرب أي يقابل ويرمي بالظلم وإن كان عضا إذا لم يكن له أنصار.
وقال الاخنس بن شهاب:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب
يقول: إذا ضاق مجال الحرب عن مضاربة الأقران بالسيوف خطونا إليهم وأقدمنا عليهم جرأة حتى نصل إليهم فنضربهم.
ومثله قول الآخر:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدمنا ونلحقها إذا لم تلحق
وقال محمد بن بشير:
وكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب
وقال نهشل الدارسي:
стр. 228
وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرؤا مات صاحبه
ومن ير بالأقوام يوما يروا به ... معرة قوم لا توارى كواكبه
ومثل بيته الأول قول الخنساء:
لولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وقال الغطمش الضبي:
إلاّ رب من يغتابني ود إنني ... أبوه الذي يعزى إليه وينسب
على رشدة من أمه ولغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب
فبالخير لا بالشر فارج مودتي ... وأي امرئ يغتال منه الترهب؟
أقول وقد فاضت من العين عبرة ... أرى الأرض تبقى والإخلاء تذهب
اخلاي لو غير الحمام أصابهم ... عتبنا ولكن ما على الدهر معتب
الرشدة: النكاح والغية: الزنى. ويقال: انجب الرجل إذا ولد نجيبا.
وقال الحكم بن عبدل الأسدي:
اطلب ما يطلب الكريم من ... الرزق لنفسي واجمل الطلبا
واحلب الثرة الصفي ولا ... اجهد إخلاف غيرها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلاّ إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلاّ إذا ضربا
ولم أجد الخلائق إلاّ ... الدين لمّا اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولا قتبا
ويحرم المال ذو المطية ... والرحل ومن لا يزال مغتربا
الثرة: الناقة الغزيرة اللبن ومثلها الصفين ولذا وصفها بها. والإخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. يقول: إني احلب الكثيرة الدر وآخذ منه عفوا ولا اجهد غيرها لاستخراج النزر واستنزل العسير وهذا تمثيل. والمراد إني اجمل في الطلب ولا أكد نفسي في استحصال الرزق علما مني بان ما قدر من الرزق ألي واصل وما قسم لا
стр. 229
محالة حاصل.
وقالت أم ثواب الهزانية في أبن لها عاق:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا
حتى إذا آض كالفحل شذبه ... آباره ونفى عن متنه الكربا
انشا يمزق أثوابي ويضربني ... ابعد شيبى عندي يبتغي الأدبا؟
أم الطعام: الحوصلة والفحال: ذكر النحل وهي أطولها وتشذيبه: تجريده وتنقيته من فضول الشوك والسعف وبذلك يطول في السماء والكرب: أصول السعف تبقى متصلة بالجذع.
وقال حاتم:
وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لابعثها خفا واترك صاحبي
إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفا غير راكب
وقال الاحوص وقد ضرب بنو عم له مولاه:
لئن كنت لا ارمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كحشي ومنكبي
وهو مثل اصله إنَّ رجلا رمى آخر متقلد كنانة فقال له المرمي: ما هذا؟ فقال له: لم أرمك إنّما رميت كنانتك. فيضرب مثلا لمن نيل وليه بسوء.
وقال أبو النشناش:
إذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدب عقاربه
وقال:
فلم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ... ولا كسواد الليل أخفقت صاحبه
فعش معدوما أو مت كريما فإنني ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه
وقال قيس بن المغيرة:
стр. 230
جفاني الأمير والمغيرة بعده ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبيه
كلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
وتقدم هذا الشعر وقصته قبل.
وقال بعض بني أسد:
وما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة احرب
ولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذنب عني فلي عنه مذنب
إلاّ إنَّ خير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود آتى وهو متعب
ومعنى احرب اغضب ومعنى إن دمت دام أي إن دمت فقد دام إذ لو لم يدم ما دمت بديل ما بعده وإن شئت جعلته في القلب. وتقدم هذا المعنى مستوفى.
وقال خالد بن نضلة الأسدي:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإنَّ عالوا به كل مركب
من الأبعد النائي وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب
وإن حدثتك النفس انك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب
وتقدم في الاغتراب ولزوم الأوطان من الشعر ما لا بد منه.
وقال عبد الله بن الدمينة:
وإني لأستحيك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب
وقال قيس بن ذريح:
وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سمى فرقة الأحبة هينة الخطب
وقال اياس بن الارت:
إذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... بخير فإن الدهر أعصل ذو شغب
فإنَ يك خير أو يكن بعض راحة ... فانك لاق من غموم ومن كرب
стр. 231
الأعصل: المعوج الملتوي، وأصل العصل اعوجاج في أنياب البعير إذا أسن؛ والشغب: الشر: وقال أيضاً:
وما دهري بحب تراب أرضٍ ... ولكن من يحل بها حبيب
وهو مثل قول قيس:
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سن الديارا
وقال أبن مفرغ:
يقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟ فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟
لقد جل قدر الشيب إنَّ كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وسيأتي فصل في مدح الشيب ومذمة بعد إن شاء الله تعالى.
وقال أبن ميادة:
فو الله ما ادري أيبلغني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإنَّ يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
وقال فرعان بن الأعرف في أبن له عاق ويسمى منازلا:
جزت رحم بيني وبين منازلٍ ... جزاءاً كما يستنزل الدين طالبه
لربيته حتى إذا أض شيظما ... يكاد يساوي غارب النخل غاربه
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
فلما رآني أحسب الشخص أشخصاً ... قريب وذا الشخص البعيد أقاربه
تغمد حقي ظالما ولوى يدي ... ولوى يده الله الذي هو غالبه
وكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلى زادنا وأطايبه
وجمعتها دهما جلادا كأنها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه
فأخرجني منها سليبا كأنني ... حسام يمان فارقته مضاربه
أيظلمني مالي ويحنث ألوتي؟ ... فسوف يلاقي ربه فيحاسبه
الدهم: الإبل الوتر تضرب إلى السواد. والأشاء: صغار النخل، شبه بها الإبل في
стр. 232
عظمها؛ والالوة: اليمين.
فقال منازل ابنه يجيبه:
وكنت كمن ولى بأمر كتيبة ... فعي بها فارفض عنه كتائبه
وماذا من جرى عقوق تعده ... ولا خلق مني بدا أنت عائبه
ويقول: انك أضررتني ففارقتك كمن تولى أمر جيش فأساء فيهم السيرة فتفرقوا عنه، وما ذاك مني من جرى عقوق، أي من أجله. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر الشنتمري في شرحه على هذا المحل من الحماسة أنَّ منازلا هذا ولد له أبن يقال له خليع فعقه كما كان هو فعل بأبيه، فأستعدي إليه الوالي. فلما حضر ليضربه قال قائل للوالي: أتعرف أصلحك الله من هذا؟ قال: لا. قال: هذا منازل الذي يقول فيه أبوه، وانشد الأبيات السوابق.
فقال الوالي: يا هذا:
فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ من يسيرها
ثم أمر بإطلاق ابنه خليع.
وفي نواد العامة أنَّ رجلا كان له أبن، ولمّا أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى الفلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له أبن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذ أيضاً وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بابيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلاّ إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأذه ورده إلى بيته. ومثل هذا ما قيل في آخر الرؤوس المحمولة إلى الولاة التي أولاها رأس الحسين، جمع الله شمله في الفردوس الأعلى، وجمع أعداءه في مصب الحميم المغلى! والقصة مشهورة وستأتي. وقال الآخر:
إنَّ يعلموا الخير وإنَّ علموا ... شراً أذيع وإنَّ لم يعلموا كذبوا
стр. 233
وقال أبو مسلم الخراساني:
محا سيف اسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب
وكان أبو مسلم لمّا آثار على بني أمية كتب إليه مروان، وكاتبه إذ ذاك عبد الحميد، فلم يو شيئاً أطنب فيه عبد الحميد مثل ذلك الكتاب، حتى قيل إنَّ الكتاب من عظم جرمه حمل على بعير. فلم يلتفت أبو مسلم إلى ذلك وأجابهم بالبيت المذكور.
وقال بعض الأعراب:
إذا كان الطباع طبع سوءٍ فليس بنافع فيها الأديب
حكى الأصمعي قال: دخلت البادية فأتيت على عجوز، فإذا بين يديها جرو ذئب مقطع وشاه مقتولة. فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه في بيتنا. فلما كبر قتل شاتنا، وقلت في ذلك شعراً. قلت: ما هو؟ فأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا أبدا ربيب
غذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك إنَّ أباك ذيب؟
إذا كان الطباع البيت
وقال الآخر:
لا تمدحن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب
فرب خدن وإنَّ أبدى بشاشته ... يضحي على خدنه أعدى من الذيب
وقال الآخر:
وإنَّ مدحك من لم تلبه صلف ... وإنَّ مدحك بعد الذم تكذيب
وقال الآخر:
كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب
ليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحباب؟
وما احسن قول بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرةٍ ومجانبه
стр. 234
إذا أنت ليس تشرب مراراً على القذا ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه؟
وقول الآخر:
البس الناس ما استطعت على ... النقض وإلاّ لم تستقم لك خله
عش وحيداً إنَّ كنت لا تقبل العذر ... وإنَّ كنت لا تجاوز زله
وتقدم هذا المعنى، ويأتي كلام مما يتعلق بالعتاب بعد إن شاء الله تعالى.
وقال الأعشى: وهن شر غالب لمن غلب، يعني النساء. وزعموا إنّه ذهب يمتار لأهله في شهر رجب فهربت امرأته معاذة ناشزاً، ولاذت برجل عزيز قومه. فلما رجع الأعشى طلبها فتمنعت منه وأبى الذي لاذت به أنَّ يدفعها إليه وكان أعز منه. فأتى الأعشى النبي ﷺ فأشتكى إليه وانشأ يقول:
يا سيد الناس وديان العرب ... أشكو إليك ذربة من الذرب
كذائبة الغبشاء في ظل السرب ... خرجت ابغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهرب ... وقذفتني بين عيصٍ مؤتشب
أخلفت الواعد ولطت بالذنب ... وهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي ﷺ عند ذلك: هن شر غالب لمن غلب فكتب له إنَّ ترد إليه. الذربة: السليطة اللسان؛ والعيص: أصل الشجرة؛ والمؤتشب: المتلف. وقوله: لطت بالذب به على فرجها فسدت به على نفسها وامتنعت من الفحل. وقال الآخر:
احب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى إنَّ يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي ... وأوّل أرض مس جلدي ترابها
ذكر بعض الأدباء عن بعض أهل نصيبين قال: أتاني أبن الرومي بقصيدة التي يمدح بها سليمان بن عبد الله بن طاهر وقال: انصفني! أيّها احسن: قولي في الموطن:
стр. 235
ولي وطن أليت ألاّ أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم ... ومأرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
أم قول الأعرابي: احب بلاد الله الأبيات؟ قال. فقلت: بل قولك، لأنّه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة في ذلك.
ومثل هذا قول أبن الرومي أيضاً:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
ومثله قول آخر:
ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... يشوق إلى عهد الصبا المتقادم
حننت إلى أرض بها اخضر جانبي ... وقطعتم عني فيها عقد التمائم
وقال أبن غالب الرصافي:
بلادي التي رشيت قويدمتي بها ... فريخا وآتوني قرارتها وكرا
مبادئ لين العيش في ريق الصبا ... أبى الله إنَّ أنسى اغتراري بها غرا
لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولكن عرينا من حلاه ولم نعرا
وقال العسكري:
إذا أنا لا أشتاق أرض عشيرتي ... فليس مكاني في النهى بمكين
من العاقل أن اشتاق أول منزل ... غنيت بخفض في ذراه ولين
وروض رعاه بالأصائل ناظري ... وغصن ثناه بالغداه يميني
وإني لا أنسى العهود إذا أتت ... بنات النوى دون الخليط ودوني
إذا أنا لم أرع العهود على النوى ... فلست بمأمون ولا بأمين
وقال رجاء بن هارون:
احن إلى وادي الأراك صبابة ... بعهد الصبا فيه وتذكار أول
стр. 236
كأن نسيم الريح في جنباته ... نسيم حبيبٍ أو لقاء مؤملِ
ومثل قول الأعرابي قول أبن ميادة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربينني أهلي
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... وقطعن عني حيث أدركني عقلي
ومن الحنين إلى الوطن على الجملة قول الطائي:
سقى الله أطلالاً بأخيلة الحمى ... وإن كنَّ قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال صداي: حامليَّ انزل بيا
وق الآخر:
طيب الهواء ببغدادٍ يؤرقني ... شوقاً إليها وإن عاقت مقاديرُ
فكيف أصبر عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوائين: ممدود ومقصورُ
وقولي:
سقى الله أطلالاً بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد
بلاد بها حلت سليمى ودارها ... فحل فؤادي عنها وودادي
وأني بها أسقيتها أو بكيتها ... هياما فما أسقيت غير فؤادي
وما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى مع تداول هذا الغرض بين الشعراء كثيرا. وسيأتي في أمثال الحنين إلى الوطن زيادة على ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى.
وقال راشد بن عبد ربه ﵁: لقد هان من بالت عليه الثعالب. وكان اسمه في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، وكان سادن صبم لقومه بني سليم فبينما هو عنده ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى طلعا عليه فبالا عليه، فقال:
أنَّ ربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالبُ؟
ثم كسره وقال: يا معشر سليم، والله ما يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! ولحق بالنبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزى. قال: بل أنت راشد بن عبد ربه، والثعلبان في البيت، بضم الثاء واللام، وهو ذكر الثعالب. هذا قول جماعة من اللغويين منهم الجوهري. وقال آخرون ومنهم صاحب
стр. 237
القاموس: ذاك غلط، وإنّما هو بفتحهما على أنه تثنية ثعلب. وتمسكوا بالقصة السابقة وأنه أقبل ثعلبان وبالا معا على الصنم. وقال بعضهم: كان لرجل صنم وكان يأتي بالخبز والزبد فيضعه على رأسه ويقول أطعم! فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد. وقال آخرون: هذا خطأ في التفسير والرواية، وإنّما الحديث: فجاء ثعلبان وهو الذكر من الثعالب لا مثنى فأكل الخبز والزبد ثم فعل. فقام الرجل إلى الصنم فكسره وقال في ذلك شعره. قلت: والحق أنَّ القصة بعد صحتها على ما قال أهل التثنية من أنها ثعلبان لا تفيد أنَّ الواقع في البيت مثنى على التعيين إذ لا يلزم من وقوع البول من الثعلبين أن يذكرهما الشاعر، وإنّما المعول الرواية: فإنَ وردت بالإفراد كان حسنا وكان المقصود الجنس والنداء على هوان الصنم ببول الثعلب عليه لا شرح القصة. وإذا رد الأمر إلى النفس وجد فيها للفرد حلاوة، وعن التثنية كزازة والله أعلم.
وقال الآخر:
فقعدت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ
ومثله قول الآخر:
وكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلدِ
وهذان البيتان يضمنا معنى المثل السابق في صاحب النعامة.
وقال أبو الغريب:
إنَّ اللئيم الأرس غير نازعٍ ... عن وذء جارة الغريب والجنب
الأرس هو الأصل أي اللئيم الأصل والوذء: الشتم. والجنب: الأجنبي الغريب، وقال أعرابي:
كلاب الناس أن فكرت فيهم ... أضر عليك من كلب الكلابِ
لأن الكلب لا يؤذي صديقا ... وإنَّ صديق هذا في عذابِ
ويأتي حين يأتي في ثيابٍ ... وقد جزمت على رجلٍ مصابِ
فأخزى الله أثوابا عليه ... وأخزى الله ما تحت الثيابِ
ومثل هذا يحكى عن بعضهم قال: وجدت إبراهيم بن أدهم ﵁ أو غيره من
стр. 238
نظرائه مضطجعا وعند رأسه كلب نائم. فأردت أن أقيم الكلب فقال: دعه فانه خيرٌ من جليس السوء.
وقال الشيخ القطب العارف أبو محمد عبد القادر الجيلاني فيما ينسب إليه وكان ينشده على الكرسي:
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طرباً وفي العلياء بازٌ أشهبُ
وقال الآخر:
أتطلب صاحبا لا عيب فيه ... وأي الناس ليس له عيوبُ؟
وتقدم نحو هذا قبل.
وقال الآخر:
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبتي ... إذاً فالأعادي واحدٌ والحبائبُ
وقال الآخر:
إذا الخل لم يهجرك إلاّ ملامهً ... فليس له إلاّ الفراق عتابُ
وقال الآخر:
إذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ففعلك من فعل المسيء قريبُ
وقال الآخر:
إذا الغضب لم يثمر وإن كان أصله ... من المثمرات اعتاده الناس للحطبِ
وقال الآخر:
إذا المرء لم يحببك إلاّ تكلفاً ... فذلك من أفعاله ما يغالبُ
ومثله قول الحماسي السابق:
إذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالب نفسه سئم الغلابا
وقال الآخر:
إذا جفاني بنو الدنيا وضقت بهم ... طالعت كتبي ونادمت الألى ذهبوا
ومثله قول الآخر:
لنا جلساءٌ لا يمل حديثهم ... ألبَّاءُ مأمونون غيباً ومشهدا
стр. 239
وقال علي بن الجهم:
أعاتب ذا المروءة من صديق ... إذا ما رابني نته اجتنابُ
إذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... ويبقى الود ما بقي العتابُ
ومثله من هذا الباب قول الآخر:
أعاتب من أحببت في كل زلةٍ ... ليحتمي الأمر الذي معه العتبُ
فإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدبُ
وسيأتي في الحكم تمام هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر:
إذا شئت أن تلقي فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حباً فزد غبا
وسيأتي تمامه وقال الآخر:
إذا عبت أمراً فلا تأته ... فذو اللب مجتنب ما يعيبُ
وقال الآخر:
إذا قلت للعذال: لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع: يكذبُ
وقال الآخر:
تعالوا نصطلح وتكون منا ... مصافاةٌ بلا عد الذنوبِ
وقال الآخر:
تقاربت الجسوم وأي نفعٍ ... يكون إذا تباعدت القلوبُ؟
وقال الآخر:
تكلفت لي هذا الوداد فلم يدم ... وكل ودادٍ بالتكلف يصعبُ
وتقدم نحوه.
وقال الآخر:
تيهٌ بلا نسبٍ كبرٌ حسب ... فخرٌ بلا أدب هذا من العجبِ
وقال الآخر:
стр. 240
جهل الشريف يشين منصبه ... وأبن الوضيع يزينه أدبه
وسيأتي تمام هذا المعنى.
وقال الآخر:
حبيبٌ غاب عن نظري وسمعي ... ولكن عن فؤادي ما يغيبُ
وقال الآخر:
طبع الفتى يسرق من طبع من ... يصحبه فانظر لمن تصحبُ
ومثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:
أختر لصحبتك من أطاعا ... أنَّ الطباع تسرق الطباعا
وقال الآخر:
قد قنعنا منكم برد جواب ... دون إسعافنا بما في الكتابِ
وقال الآخر:
قد يلام البريء من غير ذنبٍ ... ويغطى على المريب ذنوبُ
وقال الآخر:
كأنك لم تتعب وإن كنت متعباً ... إذا أنت لاقيت الذي فيه تتعبُ
وقال الآخر:
كعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ
وقال الآخر:
كل امرئ لا بد يقضي نحبه ... إن كره الموت وإن أحبهُ
وقال الآخر:
كن للغريب إذا رأيت مساعداً ... فعساك يوماً أن تصير غريبُ
وقال الآخر:
لئن غاب عن إنسان عيني شخصه ... فما هو عن فكري وقلبي بغائبِ
وقال الآخر:
لحى الله دنيا ألجأتنا لمعسرٍ ... فراقهم أشهى الأمور إلى قلبي
стр. 241
وقال الآخر:
لحوم أهل العلم مسمومةٌ ... ومن يعاديها سريع العطبِ
وقال الآخر:
ليس الرزية في أيامن عجباً ... بل السلامة فيها أعجب العجبُ
ومثله قول أبي بكر بن دريد:
لا تعجبن من هالكٍ كيف هوى ... بل فاعجبن من سالمٍ كيف نجا
وقال الآخر:
ليس التقي بمتقٍ في دينه ... حتى يطلب طعامه وشرابهُ
وقال الآخر:
ليست الأحلام في حال الرضى ... إنّما الأحلام في حال الغضب
وقال الآخر:
ليس يصفو إلاّ بقربك عيشي ... كيف لي أن تكون مني قريبا؟
وقال الآخر:
ما أصعب الشيء ترجوه فتحرمه ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبُ!
وقال الآخر:
ما صاحبي من ودني حاضراً ... بل صاحبي من ودني غائبا
ومثله قول الحماسي من هذا الباب:
وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
وقال الآخر:
ما يفتح الله باب الرزق من أحدٍ ... إلاّ ويفتح غير الباب أبوابُ
وقال الآخر:
متى تكن مع صديقٍ أو عدو ... تخبرك الوجوه عن القلوبِ
وقال الآخر:
من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويحرم منه صحبه وأقاربه
стр. 242
وقال الآخر:
من ذم من كان كل الناس يحمده ... فإنما يربح التكذيب والكذبا
وقال الآخر:
من عوَّد الناس إحساناً ومكرمةً ... لا يعتبنَّ على من لج في الطلبِ
وقال الآخر:
نحن ندعو الإله في كل كربٍ ... ثم ننساه عند كشف الحروبُ
وقال الآخر:
نفسك لا تعطيك كل الرضى ... فكيف ترجو ذاك من صاحبِ؟
وقال الآخر:
نوئاب هذا الدهر شتى وإنني ... أرى فرقة الأحباب أدهى النوائب
وهو من قول قيس السابق. وقال الآخر:
وأحزم الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يدبرها يجني عواقبه
وقال الآخر:
وإذا الزمان كساك حلة معدمٍ ... فالبس له حلل النوى وتغرب
وتقدم مع ما يشاكله. وقال الآخر:
وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارغب
وقال الآخر:
واطلب قربي من حماكم وانتم ... إلى ناظري والقلب في غاية القرب
وقال الآخر:
وإنَّ كنت مسترعي ونحن رعية ... فكل سيلقى ربه فيحاسبه
وقال الآخر:
وانك إنَّ أهديت لي عيب صاحب ... امهدٍ إلى غيري جميع عيوبي
وقال الآخر:
وإني بكم في كل حالٍ لواثق ... ولكن سوء الظن من شدة الحب
стр. 243
وقال الآخر:
وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل ... من الناس مرغوب إليه وراغب
وقال الآخر:
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وقال الآخر:
وخير عمر الفتى عمر يعيش به ... مقسم الحال بين الجد واللعب
وقال الآخر:
وعد العتاب إذا استربت بصاحب ... ليست تنال مودة بعتاب
وقال الآخر:
ورث النجابة كابراً عن كابرٍ ... كالرمح أنبوبا على أنبوب
وقال الآخر:
وسائل: ما الملك؟ قيل: الغنى ... فقلت: لا بل راحة القلب
وقال الآخر:
وعهد المشيب كأني به ... يمر كما مر عصر الصبا
وقال الآخر:
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة ... وقد صرت أخشاها ومالي من ذنب
وقال الآخر:
وقد نثر التوديع من كل مقلةٍ ... على كل خد لؤلؤا لم يثقب
وقال الآخر:
وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا جدار يخرب
وقال الآخر:
وكنا نستطب إذا مرضنا ... فجاء الداء من قبل الطبيب
وتقدم ما يشكل هذا في حرف الهمزة، فيمن يغص بالماء. وقال الآخر:
وكنت أرى أنَّ التجاريب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب
стр. 244
وقال الآخر:
ولا خير في قربٍ لغيرك نفعه ... ولا في صديق لا تزال تعاتبه
وقال الآخر:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسهُ ... على نائبات الدهر حين تنوبُ
وقال الآخر:
ولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء جظ الطالبُ
وقال الآخر:
ولو أنَّ ما بي بالحصا فلق الحصا ... وبالريح لم يسمع لهن هبوبُ
وقال الآخر:
ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوبُ
وقال الآخر:
وليس بتقدير الكواكب ما ترى ... ولكنه تقدير رب الكواكب
وقال الآخر:
وليس بحاكم من لا يبالي ... أأخطأ في الحكومة أم أصابا
وقال الآخر:
وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لبٌ يعاتبه
وقال الآخر:
وليلٍ أردنا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالصبح شائبا
وقال الآخر:
وما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... فكن طالباً للنفس أعلى المراتبِ
وقال الآخر:
وما شرف الإنسان إلاّ بنفسه ... وإن عد أباءً كراماً ذوي حسب
وقال الآخر:
وما كان لي ذنب فأخشى جزاءه ... ز عفوك مرجو وإن كان لي ذنبُ
стр. 245
وقال الآخر:
وما لقلوب العاشقين مزية ... إذا نظرت أفكارها في العواقبِ
وقال الكميت:
ومالي إلاّ أحمد شيعةٌ ... ومالي إلاّ مذهب الحق مذهبُ
وقال الآخر:
ومالي ذنب أستحق به الجفا ... وإن كان أي ذنب فإني تائبُ
وقال الآخر:
وما هي إلاّ غاطةٌ قد غلطتها ... وقد يغلط الإنسان ثم يتوبُ
وقال الآخر:
ومن عادة الأيام أنَّ صروفها ... إذا ساء منها جانبٌ سر جانبُ
وقال الآخر:
ومن مذهبي حب الديار وأهلها ... وللناس فيما يعيشون مذاهبُ
وقال الآخر:
ومن ربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكاب
وقال الآخر:
ويوهمني أنه ناصحٌ ... وفي نصحه حمة العقربِ
وقال الآخر:
هنيئا لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيبُ
وقال الآخر:
لا تجزعن من المداد ولطخه ... إنَّ المداد خلوف ثوب الكاتبِ
وقال الآخر:
لا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبةٍ يصير الهيوبُ!
وقال الآخر:
لا تنكحن لئيمة لمحاسنٍ ... فاللؤم يبقى والمحاسن تذهبُ
стр. 246
ومصداقه قوله ﷺ : إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.
وقال الآخر:
لا تيأسن وإن عز الوصال فقد ... تجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ
وقال الآخر:
لا يقبل الصدق من الكذب ... ولو أتى بمنطق عجابُ
وقال الآخر:
يا بصيراً إلاّ بإبصار كتبي ... وجواداً إلاّ بردِّ جوابِ
وقال الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الآخر:
يذمون دنياهم وهم يطلبونها ... ولم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ
وهو مثل قول الآخر:
قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
وهذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سراً، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.
стр. 247
وقال الآخر:
يرحم الله صديقا ... جاء يهدي لي عيوبي
وقال الآخر:
دع المزاح فقد يزري بصاحبه ... وربما آل في العقبى إلى الغضب
وقال الآخر:
رأيت تباعد الإخوان قربا ... إذا اشتملت على الود القلوبُ
وقال الآخر:
رأيت الود ليس يكاد يبقي ... إذا كثر التعصب والعتابُ
وقال الآخر:
رب لحظ يكون أبلغ من لفظٍ ... وأبى لمضمرات القلوب
وقال الآخر:
سأرعاك في البعد المفرق بيننا ... كما كنت أرعى والمزار قريبُ
وقال الآخر:
سأصفيك الهوى من كل وحهٍ ... وأمنحك الرضى من لك بابِ
وقال الآخر:
ستعلم هل ربحنا أم خسرنا ... إذا فكرت في أمر الحسابِ
وقال الآخر:
سقى الله أيام التواصل بيننا ... ورد إلى الأوطان كل غريبِ
وقال الآخر:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ
وقال الآخر:
سمعت عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنزبي كي يطول عتابُ
وقال الآخر:
سيغني الله عن بقرات زيدٍ ... ويأتي الله باللبن الحليبِ
стр. 248
وقال الآخر:
شهدنا وجربنا أموراً كثيرة ... فلا تهملوا نصح الصديق المجرب
وقال أحد القدماء:
صاح أبصرت أو سمعت بارعٍ ... رد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟
وقال الآخر:
صروف الليالي أحوجتنا إليهم ... كما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب
وقال أبو العلاء المعري:
وسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه
والغضب لا يشفي أمرءاً من ثأره ... إلاّ يفقد نجاده وقرابه
والله يرعى سرح كل فضيلة ... حتى يروحه إلى أربابه
وقال أيضاً:
وهجيرة كالهجر عودي منبر ... للظهر إلاّ إنّه لم يخطب
فكأنه رام الكلام فيسمه ... عي فأسعده لسان الجندب
وقال الآخر:
وما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدى ... بمجدية إلا مضاعفة الكرب
ولكن أخو المرء الذي إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب
وقال الآخر:
ما المرء أخوك أم لم تلفه وزرا ... عند الكريهة معوانا على النوب
وأعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.
стр. 249
وقال الآخر:
لعمرك ما حق امرئ لا يعدلي ... على نفسه حقا علي بجواب
وما أنا النائي علي بوده ... بودي وصافي خلتي بمقارب
ولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍ ... من الصدق والهجران ملت بجانب
وتقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:
تكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقق والصناب؟
وقالت: لا تضم كضم زيد، ... وما ضمني وليس معي شبابي؟
فقال الفرزدق:
وإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍ ... ويعوزك المرقق والصناب
فقدما كان عيش أبيك مرا ... يعيش بما يعيش به الكلاب
والصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.
وقال الآخر:
ويأخذ عيب المر من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
قيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:
لن المنابر من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لمّا جد في الهرب
وألحن كل الناس قطابة ... وكان يوله بالتشديق في الخطب
وهذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛ فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير
стр. 250
بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضاً يحيى بن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانية وعبدٍ ... لئيم الأصل في عدد يسير
هتفت بكل صوتك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير!
وسيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.
وقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:
أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب
وليست بساقط في قدر قوم ... وإنَّ كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كان ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب
وقال الآخر:
فلله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب
وقال الآخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبها
وقال الآخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون أحيان علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وقال الآخر:
مالي عقلي منتم إلى أحد ... فأنني منتم إلى أدبي
وهذا مثل قول عامر بن الطفيل:
وإني وإنَّ كنت أبن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب
следующие страницы →