Полный текст (902 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة: ... فإنَّ فساد الرأي إنَّ يترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وحاذرهم أنَّ يملكوا مثلها غدا!
وسبب ذلك أنَّ جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إنَّ طيبتها، وكتبت عليها:
هدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي
محمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد!
وقال عروة بن أذينة، ﵁:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟
وقال الإمام الشافعي، ﵁، فيما زعموا:
خذوا بدمي ذلك الغزال فانه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه أنني أنا عبيده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!
وقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، ﵀:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!
فقلت لها: إني لثمتك غاضبا ... وما حكموا في غاضب بسوى الرد
خذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإنَّ أنتِ لم ترضي فألفا من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل إنّه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هيمان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد
وقال مسكين الدارمي:
قل للملحة في الخمار الأسود: ... ماذا فعلت بزاهد متعبد؟
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
ردي عليه صلاته وصيامه ... لا تفتنيه بحق جاه محمد!
وزعموا إنّه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها
стр. 632
جميعا إلاّ الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنّها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنّه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أنَّ الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.
وهو القائل:
وسميت مسكيناً وما بي حاجةٌ ... وإني لمسكين إلى الله راغبُ
وإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهم ... بشعر ولا تعيي على المكاسبُ
وينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:
قل للمليحة في الخمار المذهب: ... أفسدت نسك أخي التقي المترهبِ
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهب!
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن نهجيهما من مذهبِ
وإذا أتت عين اتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!
وقال الفرزدق:
وخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيدُ
وسبب قوله ذلك إنّه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:
وركبٍ كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترةً من جذبها بالعصائبِ
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائبِ
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالبِ!
فأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:
стр. 633
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قاربُ
قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالبُ
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ
وقالوا: تركناه وفي كل ليلةٍ ... يطوف به من طالب العرف راغبُ
فلو كان فوق الناس حيٌّ فعاله ... كفعلك أو في الفضل منك يقاربُ
لقلنا له شبهٌ ولكن تعذرت ... سواك على المستشفعين المطالبُ
هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تسبه البدر المنير الكواكبُ
فطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:
وخير الشعر أشرفه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد!
وعن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:
أنا في أمري رشاد ... بين حب وجهادِ
بدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي!
ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلاّ هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:
ألا يا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلاً ... وجرت علي من بين العبادِ
وأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهادِ
وقال الآخر:
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نذيب الحديدا
نقتل الأسد ثم تقتلنا البيض ... المصروفات أوجهاً وخدودا
وتراني لدى الكريمة أحراراً ... وفي السلم للحسان عبيدا
стр. 634
وزعموا أنَّ العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:
نحن قوم تذيبنا الأعين
فقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحاً؟ فقال: والله ما أرى إلاّ حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشداً قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر: إنَّ المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.
وقال الآخر في الثقلاء:
إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل على الساعات ترداد
وقال الآخر:
إذا هز الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ هو اللئيم فلا يزيد
وروي أنَّ أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود
ويحكى عن جعفر بن يحيى إنّه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إنَّ يسمعني شيئاً من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟
стр. 635
فأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:
وما كنت أخشى معبدا أنَّ يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفراً
أخوهم ومولاهم وحامل سيرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا
أشوق ولمّا يمض لي غير ساعةٍ ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟
فقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:
لا يوجد الخير إلاّ في معادنه
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟
وكان سبب ذلك أنَّ إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:
تذكر أمير المؤمنين قيامة ... بإيمائه في الهزل منه وفي الجد
ووالله ما من توبةٍ نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود
ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي به بين السماطين عن بعد؟
وأي امرئ سمى بها قط نفسه
وعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:
للنرجس الفضل المبين وإنَّ أبى ... آبٍ وحاد عن طريقة حائد
وللنرجس احتاز الملاحة كلها ... وله فضائل جمة وفوائد
ومنها:
شتان بين اصنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد!
стр. 636
وسيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.
وقال الآخر:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي
وقال الآخر:
إذا أنت وليت الخؤون أمانة ... فأنك قد أسندتها شر مسند!
وقال الآخر يصف الكتب:
لنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
ويفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يداً
فإنَّ قلت: أموات فلست بكاذب ... وإنَّ قلت: أحياء فلست مفندا!
وقال الآخر:
علي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد
يذكرنيهم في مغيب ومشهد ... فسيان منهم غائب وشهيد
وإني لأستحيي أخي أنَّ أبره ... قريبا وأنَّ أجفوه وهو بعيد
وقال الآخر:
رأيت صلاح المرء يصلح حاله ... ويعيدهم داء الفساد إذا فسد
ويعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الآخر:
أرى صاحب النسوان يسحب أنها ... سواء، وبون بينهن بعيد
فمنهن جنات تفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود!
وقريب من هذا قول الأعرابي:
وإنَّ من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض دونها وتصوح
غيره:
وكل أخس عند الهواينا ملاطف ... ولكنما الأخوان عند الشداد!
غيره:
стр. 637
ما خطب من حرم الإرادة وادعا ... مثل الذي حر الإرادة جاهدا
غيره:
ولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبة في السواد
غيره:
عود لسانك قول الصدق تحظ به ... إنَّ اللسان لمّا عودت معتاد
موكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!
وقال أبو الفتح البستي:
تكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد!
فإنَّ لم تجد قولا سديداً تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد
وقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:
إذا ما وصفت أمرءا لامرئٍ ... فلا تغل في وصفه وأقصد
فإنك إنَّ تغل تغل، الظنون ... فيه إلى الآمد الأبعد
غيره:
ألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى
فمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
غيره:
إنّما الدنيا هبات ... وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة
غيره:
لو إنَّ ما انتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا!
لكنني عالم إني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا
غيره:
صل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا
قد أكثرت حواء إذ ولدت ... إذا جفا ولد فخذ ولدا!
غيره:
стр. 638
إذا اجتمع الناس في واحدٍس ... وخالقهم في الرضى واحدُ
فقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسدُ
غيره:
وإخوان اتخذتهم درعاً ... فكانوا ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقالوا: قد سعينا لك سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي!
وقال أبو محمد الحريري:
ولمّا تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعامت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!
وله: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضاً:
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
وله أيضاً:
خذها إليك وصيةً ... لم يوصها قبلي أحد
غراء حاويةً خلاصات ... المعاني والزبد
نقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد
واعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد
حتى يقول الناس هذا ... الشبل من ذاك الأسد
وقال أبن الساعاتي:
حددت بجفنيها على رشف ريقها ... ومن شرب الصهباء يلزم بالحدِّ
وقال شرف الدين الحموي:
ونحن معاشرٌ نأبى الدنيا ... ونلبس من صوان العرض بردا
نعانق من رماح الخط باناً ... وننشق من سيوف الهند وردا
стр. 639
وقال المتلمس:
إنَّ الهمان حمار الذل يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسدُ
ولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتدُ
هذا على الخسف مربوطٌ برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحدُ
وقال أبن قلاقس:
إنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده
فواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده
والنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده
غيره:
قد تعففت وارتضيت بترفيع ... زماني وقلت إني وحدي
لا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي
وقال أبو دلف:
أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجيادِ
ورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي بلا ميعاديِ
وسببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوبٌ بهي وطعامٌ شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات. . البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:
فلولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغضى نبهته المتوردِ
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ تحت الطرف النعمدِ
стр. 640
قال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:
فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عيناً بعيشه نفعه
قلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنّما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛ وكذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي
وأن أناجي الله مستمتعاً ... بخلوة أحلى من الشهدِ
وإن أتيه الدهر كبراً على ... لئيم " بياض " الخدِّ
لذلك أهوى لا فتاة ولا ... خمراً ولا ذا ميعةٍ نهدِ
وقول الآخر:
لولا ثلاثٌ هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا
حجٌ لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلا ونشراً لمّا ... رويت أو سعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أني أتى ... بل لم أكن التذ بالمحيا
وقال اثير الدين:
أما إنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنهن صوني النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ ... تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
أتترك نصاً للرسول وتقتدي ... بشخصٍ لقد بدلت بالرشد الغيا؟
وقول الصفدي:
لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني أن صرت في لحدي
стр. 641
والعي في رد الحقوق التي ... أصاحبي نلت بها قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعةٍ ... لقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعدِ
وقولي أنا من هذا الباب:
لولا ثلاث فوائدٍ ترجى لمّا ... أحببت تنفيس الحياة إلى مدا
قربٌ من المولى وعلم نافعٌ ... وأجٌ يؤازرني ويشفع لي غدا
وذكر الجاحظ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلاّ على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:
لولا ثلاث هن عيش الدهر: ... الماء والنوم وأم عمرو
لمّا خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:
صنت نفسي عما يليق بمثلي ... وتحصنت بالجفاء الشديدِ
ما يساوي قضاء حقِّ الموالي ... ما يقاس من سوء خلق العبيدِ
وقال البحتري:
ولست ترى شوك القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرندِ
ولا كلب محوماً وإن طال عمره ... ألا إنّما الحمى على الأسد الوردِ
غيره:
لقد كسدت سوق الفضائل كلها ... وللهزل أحظى في الزمان من الجدِّ
فلست أرى إلاّ كريماً يفر من ... لئيم وحراً يشتكي الضيم من عبدِ
غيره:
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى: ... فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا
стр. 642
وقال أبن سناء الملك:
أبى الدهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ ... فيا ليت مني مكن الله ضدهُ
يعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدا له من خوفه من أعدهُ
غيره:
تحفظ من ثيابك ثم صنها ... ة إلاّ سوف تلبسها حدادا
وميز عن زمانك كل حينٍ ... ونافر أهله تسد العبادا
وضن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا
أرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى
وعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعوا جدادا
وقال الأرجواني:
أرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل أتلافى خلافاً يجددُ
فقد أصبحت سوداً وشعري أبيضاً ... وعهدي بها بيضاً وشعري اسودُ
وقال بعض أهل المجون:
تعشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمينٌ على وردِ
أخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيبٍ ومن ضدِّ
غيره:
لام العواذل إذ عشقت فتى له ... سبعون عاماً غير عامٍ واحدِ
لا تعذلوني في هواه فإنني ... عاينت فيه لمحةً من والدي
قيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:
قالوا: حبيبك قد تبدى شيبه ... فإلام قلبك في هواه يهيم؟
قال: اقصروا فالآن تم جماله ... وبدا سفاه فتى عليه يلزمُ
الصبح عرته وشعر عذراه ... ليلٌ ونبت الشيب فيه نجومُ
وقول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:
стр. 643
شب وجدي بشائبٍ ... من سنا البدر أوجهُ
كلما شاب ينحني ... بيض الله وجههُ
وقال الصفدي:
عشقت شيخاً بديع حسنٍ ... لام على حبه العذولُ
كأن ياقوت وجنتيه ... لا شيب فيها جبال لولوُ
أي لؤلؤ. وقال الآخر:
شمس الضحى يعشى العيون ضياؤها ... إلاّ إذا روقت بعينٍ واحدة
فلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف قضيتهم وخذها فائدة
نقصان جارحةٍ أعانت أختها ... فكأنها قويت بعينٍ زائدة
وقال أبو نواس:
إني وما جمعت من صفد ... وحويت من سبدٍ ومن لبدِ
هممٌ تصرفت الخطوب بها ... فنزعت من بلدٍ إلى بلدِ
يا ويح مذ حسمت قناعته ... سبب المطامع عن غدٍ فغدِ
لو لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجاً إلى أحدِ
وقال محمد بن كنانة الأسدي:
ومن عجب الدنيا تيقنك البلا ... وأنك فيها للبقاء مريدُ
إذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإنَّ فطام النفس عنه شديدُ
وقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:
قل للذين تكلفوا زي التقى ... وتخيروا للدرس ألف مجلدِ:
لا تحسبوا كحل الجفون بحيلةٍ ... إنَّ المهى لم تكتحل بالاثمدِ!
الكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سوادٌ خلقةً أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:
стр. 644
وكنا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ ... لدى خفض عيش معجب مونق رغدِ
أصابها ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فردِ
حكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوجٍ. . " البيتين " فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:
وكنا كغصني بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الرضات في عيشةٍ رغدِ
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا فردةً باتت تحنُ إلى فردِ
قال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:
قريبٌ صد بعيد وصلٍ ... جعلته منه لي ملاذا
قال: فألقيته فقالت في سرعة:
فعاتبوه فذاب شوقاً ... ومات عشقاً فكان ماذا؟
قال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.
وقال عمرو بن معدي كرب:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مرادِ
وهذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضاً كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي ﷺ : من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:
أمرتحلٌ قومي المشارق غدوةً ... وأترك في بيتٍ بفردة منجدِ؟
إلاّ رب يومٍ لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهدِ
стр. 645
فليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عني شهدي!
وقال أعرابي:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبتردُ
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقدُ
وقال الآخر:
ما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نائيا عن وسادي؟
لا أذوق النوم إلاّ غراراً ... مثل حسو الطير ماء التمادِ
ابتغي إصلاح سعدى بجهدٍ ... وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي
وقال المعتد بن عباد في باب الغزل:
أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض به تفاحةً واجتنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا
أما وجدت عنا الشجون معرساً ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟
سقى الله صوب القطر أم عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرة بردا
هي الظبي جيداً والغزالة مقلةً ... وروض الربا عرفاً وغصن النقى قدا
وقال الرئيس أبو مروان بن رزين:
وروضٍ كساه الطل وشياً مجددا ... فأضحى مقيماً للنفس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العشب ميدا
إذا ما انسكب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي المتن جردا
وغنت به ورق الحمائم بيننا ... غناءً ينسيك الغريض ومعبدا
فلا تجفون الدهر ما دام مستعداً ... ومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداماً من غزالٍ كأنه ... إذا ما سقى بدرٌ يحمل فرقدا
وقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:
وما هذه الأشعار إلاّ مجامرٌ ... تضوع فيها للنوى قطع الند
وقال أيضاً:
стр. 646
تبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود أحمد
وقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:
وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ
أين لي متى كان بدر التمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ
وهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأخفى عليك ظهور السوادِ؟
وقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:
مات من كنا نراه أبداً ... سالم العقل سقيم الجسدِ
بحر سقمٍ ماج في أعضائه ... فرمي في جلده بالزبدِ
كان مثل السيف إلاّ أنه ... حسد الدهر عليه فصدي
وقال أبو بكر بن الملح:
والروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا
سكران من ماء النعيم فكلما ... غناه طائره وأطرب رددا
يأوي إلى زهر كأن عيونه ... رقباء تعقد للأحبة مرصدا
زهر يبوح به اخضرار ذباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا
ويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا
قد خف موقعه عليه وربما ... مسح النسيم بعطفه فتأودا
وقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:
ومن يطفي بنزر الماء ناراً ... فليس يزيدها إلاّ اتقادا
وقال أبو جعفر التطيلي:
تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتها بددا
تبادروها وقد آذتهم فشلاً ... وكلثروها وقد أحصتهم عددا
قل للمحدث عن لقمان اة لبدٍ ... لم يترك الموت لقماناً ولا لبدا
ولا الذي همه البنيان يرفعه ... إنَّ الردى لم يغادر في الشرى اسدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غداً وعسى إلاّ يعيش غدا؟
وقال الآخر:
стр. 647
باح مجنون عامرٍ بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي: ... من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!
وقال الآخر:
يقولون: إنَّ الحب كالنار في الحشى ... لقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد
وما هو إلاّ جذوة مس عودها ... تسعر قلبا للمشوق وتوقد!
وقال الآخر:
أمسك ملامك عني إنني كمد ... إذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد
إنَّ لم تصدق دموعي في الذي شهدت ... فأنظر إلى جسدي إنَّ كان لي جسد
يا ويح أهل الهوى إني لأرحمهم ... تبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد
لولا ترحمهم أيقنت انهم ... يشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!
وقال الآخر:
كفى حزنا إني مقيم بلذةٍ ... وأحباب قلبي نازحون بعيد
أقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوها لأحبابي الذين أريد!
وقد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إنَّ أثبتها هنا، وإنَّ كان فيها بعض ول، وهي:
أبى الدهر إلاّ أنَّ يجوز على القصد ... وأنَّ يعكس الآمال في كل ما يبدي
ويبسط بين الفرقدين يد النوى ... ويدني الثريا من سهيل على بعد
ويسمو بالوهد الحضيض على الذرى ... ويسفل بالطود السمي على الوهد
ويستبدل البردي في الطعن بالقنا ... وغصن النفى الأملود بالصارم الهندي
وأنَّ يجعل العقبان في الجو طعمة ... لورقاء والضبعان مفترس الأسد
ويهدي بالضب القطاة ركية ... على العشر والسمع النتائف بالخلد
ويرفع أقدار اللئام على الألى ... لهم فدم في المجد والشرف العد
ويلوي تدبير الورى كل مائقٍ ... وفضل الغنى كل امرئ شكس نكد
أجل إنّها الأحداث تجري مدارة ... مقاليدها في قبضة الصمد الفرد!
مقادير منه أبرمت عن مشيئةٍ ... قديما وعن علم محيط وعن قصد
وعدل وأحكام مبين وحكمة ... تحار النهي في نيل فياضها المد
وليست بما تهوى النفوس صروفها ... ولا حذر المحتال في صرفها يجدي
стр. 648
ولا يحرم الوفر الفتى بجهالةٍ ... وعجز ولا يحظى بعقل ولا كد
ولكنها الأرزاق أعددن للفتى ... قديما على قدر الشقاوة والجد
فكائن رأينا من حليم مفتر ... عليه وغمر بات في عيشةٍ رغد
أراني عروفا بالزمان فمن يكن ... كمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد
ولم يبتئس إنَّ مسه بمضوفةٍ ... ولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد
وقد قرعتني الحادثات فلم تلن ... قناتي لغمز من شابها ولا لهد
وما رسنني حتى نزعن عن امرئٍ ... بعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد
إذا ظفرت كفاه لو يزه فاخراً ... وإنَّ نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد
فأصبحت لا آسى على فقد هالكٍ ... ولا يعتريني بين غانية رأد
ولا أبتغي امرئ عن تكلف ... وإنَّ كان حسن العهد ديني لذي ود
ولو ملني من الدهر معصمي ... لفارقته طوعا ولم يشكه عضدي
ورب غبي يزدريني إنَّ رأى ... شحوبي من حادث آونةٍ لد
ولم يدر أنَّ الأجرد النهد فضله ... بإحضاره لا باللجام ولا اللبد
وأنَّ الحسام الهندواني إنّما ... بمضربه يعتام لا جده الغمد
وأنَّ وراء الوهم لن يبق عزة ... عليه إذا ما قاده أصغر الولد
الوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.
وإنَّ براٍ الهدهد التاج وهو لم ... يفز بالذي للباز والنسر من مجد
وإنَّ بهار الدفل كالورد منظراً ... وحسنا وبعد الخبر محمدة الورد
وغمر جهول يرتجي نيل منصبي ... رجاء حضيض أنَّ سيرقي إلى النجد
يصبو إلى ما نلته مثل ما صبا ... حصور إلى ما نيل من عذر الخرد
ويسعى إلى إدراك شأوي كما سعت ... أتان خريع خلف صافنةٍ جرد
وغرته مني لينة وبشاشةٍ ... كما غر غمراً كشرة الأسد الورد
ومن مد للبدر المنير يمينه ... ليمسكه فيلبسن ضيعة المد!
وذي ثروة يستأمني بلعاعةٍ ... ليقتادني قود الوديق إلى الورد
ولم يدر إني أجتوي الأري شابه ... هوان وأستحلي بعز جنى الهبد
وأنَّ لست للباغي ضيما بمصحب ... ولا باذل ماء وجهي على شكدِ
стр. 649
وإني لو أرتاد ما ضاق مذهبي ... بحول ولم يصلد لمفلقة زندي
ولكن صون النفس عن كل موردٍ ... تهان به أحظى بعزته عندي
وإني لفضاض السجايا دميثها ... لالفي ونشاب إذا شئت اللغد
وأنَّ لساني الصبر ما لم أزمه ... وإنَّ كان أحلى للودود من الشهد
وإني لو هاجيت دان أبن غالبٍ ... لأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد
ولو ثلاث هن أجررن مقولي ... عن الشر وائتمت به جدد الجد:
فمنها تحاشى أنَّ يمر به الخنا ... فإن الخنا من شيمة الدانيء الهد
ومنها تجافي أنَّ أناصب معشرا ... لئاما فمن لؤم مناصبة الوغد
ومنها التحامي عن وعيد التي إلى ... مداها جميع العالمين على وخد
وما المرء إلاّ حيث حل برحله ... فكن نازلا بالنفس في يفع الحمد
وكن رابئا عن كل ورد دنيةٍ ... بنفسك تغشاه مع الشرع الورد
وحم بجانب الورد إنَّ كنت صاديا ... فإنَّ تسرب فلتوله صفحة الصد
كما أعرضت كدر عن الماء عندما ... توجسن ذعرا فانثنين على جهد
ولا تك كالعير الوديق يؤمه ... فيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!
فإنَّ حايض العز تغشى سخينة ... وإنَّ حايض الذل تقلى على برد
وما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسمٍ ... على قرقر من غير نكر ولا رد
وغير تريك بيضة بلدية ... وغير أتان الحي تعصى أو الود
وكن حافظا بالغيب والسخط والرضى ... لعهد مصافيك الهوى دائم الود!
ألم بنا إلمامة بعد هداةٍ ... من الليل طيف من أميمة أو هند
سرى ورواق من دجى الليل منطب ... بما لو سرته الريح ضلت من البعد
فلم أر مثل الطيف جواب لاحبٍ ... بلا سائق يحدو ولا سابق يهدي
ولا والجا لا يغلق الباب دونه ... ولا يتلقى منه بسرور ولا سد
وأمن من لحظ الرقيب وريبه ... إذا زار ونه الرقيب على رصد!
فهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد
بأسرع من لحظ الجفون إذا رنا ... إليك وبالبرق والوميض من الرعد
فيا ليت شعري والحوادث جمة ... وعهد الغواني كالسراب على صلد!
стр. 650
أقامت على ما بيننا من صبابةٍ ... أميمة أم غيت مودتها بعدي؟
فخال من الأخدان كل مساعدٍ ... على أي حالٍ خضته صادق العهد
حليم غضيض الطرف عما يربيه ... سليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!
فإنَّ وداد المرء كالظل زائل ... إذا لم يكن بين الجوانح عن عقد
وإنَّ حبال الوصل منقوضة العرى ... إذا لم تكن في القلب محكمة المسد
وإنَّ بناء شدته وأشتده ... لواهٍ إذا لم يرس عن ثابت العمد
وإنَّ ركيا ردته ووردته ... لغور إذا لم يزك من باطن المد
فهل تستوي عادية بخميلةٍ ... بها الماء عد دائم بحسى ثمد؟
وإنَّ أليف المرء إلف مشاكل ... وأحسن شيء ضمك الند للند
ولا تطمعن من غير شكل مودة ... تودم ويجني الود فيها على الود!
فإنَّ السجايا في الأنام سوية ... وشتى وبدع صحبة الضد للضد
وانك ما أبصرت أسداً أليفة ... لحمر وغربانا تحن إلى العفد
وما المرء إلاّ أبن الثرى فمراحه ... وإنَّ عاش أزمانا إلى ذلك المهد
وعمر الفتى المضمار بينا جواده ... يباري مداه إذ هوى في هوى اللحد
وبينا الفتى يزهو بمال وأسرةٍ ... إذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد
إذا ما سمعت الدهر عولة حائر ... فكن حائر فكن راصد أمثالها إنّها تعدي
وقلت أيضاً:
أستغفر الله قد ضيعت نحوكم ... خطا وذلك من أخطائي السددا
سلكت فيها خباراً بل وطئت بها ... شوك القتاد ولم أسلك بها جددا
لو كنت أعلم ما ألقى ببابكم ... جعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا
وقال الآخر:
إنَّ وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد
أضعف وجدي وزاد في سقمي ... أنا لست أشكو الهوى إلى أحد
أهٍ من الحب أهٍ من كبدي ... إنَّ لم أمت في غد فبعد غد
جعلت كفي على فؤادي من ... حر الهوى وانطويت فوق يدي
كأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد!
стр. 651
وقال الآخر:
تغرب أمري فانفردت بغربة ... فصرت فريدا في البرية أوحدا
تسرمد وقتي فكيف فهو مسرمد ... وأفنيت عني فصرت مجددا
وقال الآخر:
لو كنت املك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست أعتده من بعدكم نظراً ... لأنه نظر من ناظري رمد
وقال الآخر:
تزود من الدنيا النقاخ ولن ترى ... بوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا
ونل من نسيم ألبان والرند نفحة ... وهيهات وادٍ ينبت ألبان والرندا!
وكرر إلى تجدٍ بطرفك أنه ... متى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!
وقال الآخر:
أكلف القلب أنَّ يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد
وأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي
هل مخبر عنده من منكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي؟
فإنَّ رويت أحاديث الذين مضوا ... فعن نسيم الصبا والبرق إسنادي
وقال الآخر:
زعموا أنَّ من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا
إنَّ وجدي بكم وإنَّ طال عهدي ... وجد يعقوب حين فارق عهدا
خليلي إنَّ الجزع أضحى ترابه ... من الطيب كافورا وأغصانه رندا
وأصبح ماء البحر خمراً وأصبحت ... حجارة دراً وأوراقه وردا
وما ذاك إلاّ إنَّ مشت بجانبه ... أميمة أو جرت بتربته بردا
وهذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.
وذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على
стр. 652
قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنَّ ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلاّ أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!
وحدث صاحب التشوف أيضاً عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.
ومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإنَّ بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئاً حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه
стр. 653
وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أنَّ لا اله إلاّ الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنّما أردنا أنَّ نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 654
باب الذال المعجمة
الذئب يغبط بذي بطنه .
الذئب معروف، مهموز، ويترك همزه تخفيفا؛ والأنثى ذيبة. والغبطة: المسرة، وتكون للحسد تارة، وهو أن يتمنى إنَّ يعطى ما للغير من النعمة مع زوالها عن الغير وهو مذموم، وتارة لا مع محبة زوالها عن الغير وهو المحمود. والغبطة بهذا المعنى خلاف الحسد. ويقال: غبطة يغبطه كضربة يضربه، وغبطة يغبطه كسمعة يسمعة؛ غبطة. والبطن معروف وذو البطن: صاحب البطن، وهو ما فيه.
ومعنى المثل إنَّ الذئب يضن به أبدا الشبع والبطنة لمّا يروى من عدوه على الناس والمواشي، ولا يظن به الجوع، وإنَّ كان مجهودا من الجوع. فيضرب للرجل يتهم بالمال ولا مال له.
ومثل هذا قول الشاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع
ونحو هذا في أمثال العامة قولهم: من رأى الجمل الأبيض ظنه كله شحما.
ذياب في ثيابٍ .
الثياب جمع ثوب. وهذا المثل مشهور في ذم الناس وانهم كالذياب مكراً وخداعا وإنَّ كانوا في الصورة خلافها.
وروي إنّه لمّا ولد عبد الله بن الزبير، ﵅ نظر إليه النبي ﷺ ؛ فقال: هو، هو! فلما سمعت بذلك أمه أسماء، ﵂، أمسكت عن
стр. 655
إرضاعه. فقال لها النبي ﷺ : أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذياب، وذياب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه! انتهى. وفي حديث آخر عن النبي ﷺ في ذم علماء السوء إنّه أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون الكباش وقلوبهم كقلوب الذياب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون، وبي يستهزئون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران. انتهى.
قال الشاعر:
وأنت كجرو الذيب ليس بآلف ... أبى الذيب إلاّ إنَّ يخون ويظلما!
الذيب يكنى أبا جعدة .
الذيب مر، والكنية والكنوة بضم الكاف وكسرها فيهما: الاسم. وكنيت الرجل أبا فلان، وكنيته بالتضعيف، وأكنيته، كنيته بالكسر والضم سميته به. وكنيته بابي فلان أيضاً. وأبو جعدة: كنية الذيب. ويقال: أبو جعادة أيضاً. قال الشاعر:
فقالت له: يا أبا جعادة إنَّ تمت ... تمت سيئ الأخلاق لا تتنقل
وكني الذيب أبا جعدة، وإنَّ لم تكن له بنت تسمى بذلك. ومن ثم قال الكميت يصفه:
ومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا
والجعدة يكون وصفا للمؤنث، من الجعودة في الشعر، ضد البسوطة، والمذكر جعد. والجعد أيضاً الثرى الندي. وقول امرئ القيس:
ويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات
стр. 656
أراد به الندية، أي بهمى ندية حبشية، أي شديدة الخضرة تضرب إلى السواد. ورجل جعد: كريم أو بخيل. وجعد اليدين: بخيل. والجعدة أيضاً نبت ينبت على شاطئ الأنهار، وهو المراد في المثل. ويقال إنّه نبت طيب الريح، ينبت في الربيع ويجف سريعا. والجعدة أيضاً: الشاة. فقيل كني الذئب بها لكثرة افتراسه إياها، وقيل: كني أبا جعدة لأنه بخيل يقال له الجعد كما مر. وانشدوا: أخشى أبا جعد وأم العمر يعني الذيب. وقيل من النبت السابق.
ومعنى المثل أنَّ الذيب كنيته حسنة وفعله خبيث منكر. يضرب للرجل يظهر لك إكراما وهو يريد بك غائلة.
ويروى هذا المثل أيضاً: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذيب بكنى أبا جعدة.
ويحكى إنّه لعبيد بن الأبرص لمّا هم المنذر بن ماء السماء بقتله قال له عبيد: وقالوا:
هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
ويروى:
هي الخمر يكنوها بالطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة
أي إنّه يظهر لي الإكرام وهو يريد قتلي، كما إنَّ الخمر وإنَّ سموها الطلاء وحسنوا أسمها ففعلها قبيح. وكذا الذئب وإنَّ كان اسمه حسنا فإنَّ فعله قبيح. ويحكى عن أبن الزبير سئل عن المتعة فقال: الذيب يكنى أبا جعدة. والمعنى أنَّ المتعة حسنة الاسم قبيحة المعنى، لأنها طلاق، كما أن الذئب حسن الاسم قبيح المعنى.
ذكرتني الطعن وكنت ناسيا .
الذكر والتذاكر: الحفظ للشيء، وذكره وتذكره إياه بالتضعيف،
стр. 657
وأذكرته. وما زال مني على ذكر بالضم والكسر أي تذكر. والطعن: الضرب بالرمح أو نحوه، والوخز به، طعنه بالفتح يطعنه بالفتح والضم طعنا: ضربه، فهو مطعون وطعين، والنسيان ضد الحفظ، نسي الأمر بالكسر ينساه، نسيا ونسيانا ونساوة بكسر الثلاثة ونسوة بالفتح: ضد حفظه؟ وهذا المثل يضرب في ذكر الشيء بغيره، وفي الرجل يسمع كلمة فيتذكر بها شيئاً. وأصله فيما يقال إنَّ رجلا حمل على آخر ليقتله، وكان مع المحمول عليه الرمح، فنسيه دهشا، فقال له الحامل: ألق الرمح! فقال عند ذاك: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أي ذكرتني ما اطعن به: أو ذكرتني الطعن بتذكير الرمح الذي أطعن به فذهبت مثلا. ثم كر عليه فهزمه.
ويقال إنَّ الحامل في هذا القصة هو صخر لن عمرو بن الشريد، والمحمول عليه هو يزيد أبن الصعق. وقد ذكر ذلك أبو عبيد، إلاّ إنّه قال: فكر عليه فقتله أو هزمه على الشك فوهمه البكري بما ثبت من أنَّ صخرا إنّما مات بطعنة ربيعة بن ثور الأسدي. وسيأتي لنا ذكر قصته، إن شاء الله تعالى.
ويروى أيضاً إنَّ رهيم بن حزم الهلالي عرج بأهله وماله يريد النقلة في بلاد من أرض إلى أرض. فبينما هو يسير إذ لقيه ثلاثون رجلا من تغلب، فقال لهم: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلوا الظعينة! فقالوا: قد رضينا إنَّ ألقيت الرمح! فقال: وإنَّ لرمحي لمعي! فقتل رجلا وصرع آخر وقال ذلك.
ذكر ما فات يكدر الأوقات .
وهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى، وقريب من قولهم: ذكر أيام الجفاء في أيام الصفاء جفاء.
стр. 658
مذكية تقاس بالجذاع .
المذكي من الخيل: المسن الذي جاوز القراح بعام، كما مر في الجيم. والجذاع جمع جذعة وهو الصغير السن، والقياس: اعتبار الشيء بالشيء وإلحاقه به في أمر. وهذا المثل يضرب عند الخطأ في التشبيه وقياس الكبير بالصغير. واشتهر في هذا المعنى على ألسنه الناس قولهم:
قياس البيض على الباذنجان .
وزعموا إنَّ أصله رجلا كان ساق إلى آخر باذنجانا أو نحوه، فوجد مسكنه مغلقا ولم يجد صاحبه هناك، فلم يمكنه إنَّ يدخل إلى المسكن ما أتى به. فلما جاء صاحبه قال له: إذا جئت بشيء من ذلك فأرمه من الخوخة إلى البيت قم إنّه يوما اتفق لهذا أنَّ جاء ببيض فرماه من الخوخة، عملا بوصية صاحبه وظن إنَّ البيض والباذنجان سوء. فوقع البيض وانكسر وفسد، وذهب ذلك مثلا.
أذكى من إياس .
الذكاء سرعة الفطنة: يقال ذكي الرجل يذكى كرضي يرضى، وذكى يذكى كسعى يسعى، وذكو يذكو ككرم يكرم ذكاء بالمد فهو ذكي. وإياس بوزن كتاب هو إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب. ومن ثم قال أبو تمام.
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
ولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة. ومن أوّل ما كان يعرف به من ذكائه إنّه دخل الشام وهو صغير ونازع رجلا في أمر وقدمه إلى القاضي عبد الملك بن مروان، وكان القاضي يعرف الرجل فقال لإياس: أما تستحي إنَّ تقود شيخا كبيرا؟ فقال: الحق اكبر منه! قال القاضي: اسكت! قال إياس: فمن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال له القاضي
стр. 659
ما أظنك تتكلم بحق حتى تقوم. قال إياس: أشهد أن لا إله إلاّ الله وإنَّ محمّد رسول الله! فوثب القاضي قائما ودخل على عبد الملك فأخبره خبره. فقال له عبد الملك أقض حاجته! وأصرفه عن الشام لا يفسد علينا الناس! ثم ولي القضاء في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ وكان سبب ذلك إنَّ عمر بعث رجلا من أهل الشام فقال له: اجمع بين القاسم وربيعة وإياس، فول القضاء أيهما انفذ! فجمع بينهما وتمنع كل منهما. فقال إياس للشامي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وأبن سيرين! فعلم القاسم إنّه إنَّ سألهما أشارا به. فقال للشامي: لا تسل! فوالله الذي لا إله إلاّ هو إنَّ إياس لأفضل مني وأعلم بالقضاء. فإنَّ كنت ممن يصدق فينبغي لك إنَّ تصدق قولي، وإنَّ كنت كاذبا فما يحل لك أنَّ توليني القضاء وأنا كاذب! فقال إياس للشامي: إنك جئت رجل فأقمته على شفير جهنم، فافتدى نفسه من النار بيمين كاذب سيستغفر الله غز وجل منها وينجو من النار. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فأنا أوليك القضاء. فاستقضاه. وكان إياس قيل له: إنَّ فيك عيبين: إعجابا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعاً، إصبعاً. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم! وسيأتي شيء من أخباره وفراسته بعد، إن شاء الله تعالى.
ذليل عاذ بقرملةٍ .
الذل ضد العز، ذل الرجل يذل فهو ذليل، والعياذ: الالتجاء، ويقول: عاذ به يعوذ بذال معجمة عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. والقرملة شجرة ضعيفة لا شوك لها، تنفتح إذا وطئت، والجمع قرمل. قال الشاعر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما: ... إذا شبعت من قرمل وأفان
стр. 660
وهذا المثل يضرب في الضعيف يلتجئ إلى أضعف منه أو مثله، والذليل يأوى إلى أذل منه. قال جرير:
كان الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعوذ تحت القرمل
ويقال أيضاً في المثل:
ضعيف عاد بقرملةٍ .
ومثله قول العامة: أستند المريض إلى المريض.
أذل من بيضة البلد .
الذل مر، والبيضة معروفة واحدة البيض؛ والبلد بفتحتين أدحي النعام، وهو حفرة يتخذها في الأرض لبيضه. قال علقمة يصف الظليم:
حتى توافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عريسين في البيض مركوم
وبيضة البلد يقال بيضته التي يتركها فيه، ضرب بها المثل في الذلة لأنها لا تمتنع من كل من ظفر بها، كما قيل: فقع القرقر، على ما يأتي. قال الشاعر:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أنَّ تدري لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
وجوز أبو عبيدة في قولهم: كان فلان بيضة البلد أنَّ يراد به المدح على ما قيل في بيضة القعر، كما سيأتي. وزعم البكري إنّه قد ضرب هذا ثلا للمنفرد عن أهله وأسرته، فلا يكون مدحا ولا ذما، وانشده:
لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلاّ بأذن حمار أخر الأبد
لكنه حوض من أودى بأخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد!
وفيه نظر: لأنَّ الشاعر يخبر بأنه قد هان وذل بذهاب اخوته وأنصاره، لا بمجرد فقد الأنصار وإنّه منفرد.
стр. 661
أذل من حمارٍ .
الحمار معروف، وهو يوصف بالذلة والهوان، كما يوصف بالجهل والبلادة. قال الشاعر:
ولا يقيم على الضيم يراد به ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
والخسف: الهوان، كما قيل:
حراجيح ما تنفك إلاّ مناخة ... على النفس أو نرمي بها بلدا قفرا
والزمة: القطعة من الحبل. وقوله في الوتد، يشج أي يضرب على رأسه، فلا يرثي له أحد، أي لا يرق له أحد ولا يحمه، ومثله قول عبد الرحمان بن حسان بن ثابت الأنصاري يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن العاصي الأموي:
فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج
ولولاهم لكنت كركب بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داج
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشج رأسه بالفهر واج
ولمّا وقع هذا بينهم كتب معاوية، ﵁، إلى مروان بن الحكم إنَّ يؤد بهما، وكانا قد تقاذفا. فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين. فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فشنع أمره وارفعه إلى معاوية! فقال: إذا، والله، لا أفعل، وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا الكلام.
أذل من حمار قبان .
ويقال: عير قبان دويبة صغيرة من دواب الأرض؛ وقبان بفتح القاف والباء المشددة، على وزن فعلان، من قب، وكأنه من القبب وهو ضمور البطن. قال الشاعر:
يمشين مشي قطا البطاح تأود ... قب البطون رواجح الأكفال
وذلك لضمور بطنه. والدليل على إنّه فعلان منع الصرف فيه. قال الشاعر:
стр. 662
يا عجبا لقد رأيت عجبا: ... حمار قبان يسوق أرنبا
خالطها يمنعها أن تذهبا ... فقال: أردفيني! قالت: مرحبا!
ولو كان فعلا لصرفه إلاّ أن يلاحظ فيه تركيبا.
أذل من السقبان بين الحلائب .
السقبان بالضم جمع سقب بفتح فسكون، وهو ولد الناقة مطلقا أو ساعة يولد. قال علقمة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليبُ
أراد أبن ناقة ثمود والأنثى سقبة. وقيل: السقب مخصوص بالذكر ولا يقال للأنثى سقبة وإنّما يقال لها حائل وأمها أم حائل كما مر. وجمع السقب: أسقب وسقوب وسقاب وسقبان. وناقة مسقاب إذا كانت عادتها أن تلد السقبان. قال الراجز: غراء مسقاب لفحل أسقب.
والحلائب جمع حلوبة والحلوبة من النوق المحلبة. قال الشاعر يرثي رجلا:
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوبُ
وجمع الحلوب والحلوبة الحلائب. وضربوا المثل بالسقبان بين الحلائب أي بين النوق التي تحلب لأنها تقبض وتردد وتدفع وتشدد فينالها الهوان والصغار.
أذل من فراشٍ .
الفراش بفتح الفاء وتقدم في حرف الخاء.
أذل من فقع بقرقرةٍ .
الفقع بفتح فسكون الكمأة البضاء الرخوة وتكسر الفاء. وجمع الكل فقعة كعنبة قاله الجوهري. والقرقرة والقرقر: الأرض المطمئنة اللينة فيقال للذليل أذل من فقع بقرقرة وهو فقع بقرقرلأنه لا يتمنع على من يجتنبه أو
стр. 663
لأنه يوطأ بارجل الناس والبهائم ويمتهن. وينسب للنابغة بهجو النعمان بن المنذر:
حدثوني بني الشقيقة ما ... يمنع فقعاً بقرقر أن يزولا؟
وقال بعض العرب لقوم: ما أنتم إلى ريف فتأكلوه، ولا إلى فلاة فتعصموه ولا إلى وزر فينجيكم! فأنتم نهزة لمن رامكم ولعقة لمن قصدكم وغرض لمن رماكم كالفقعة الشرباخ يشدخها الواطئ ويذريها السافي. الشراخ الفاسدة المسترخية.
ذهبوا أيادي سبأ .
الذهاب معروف يقال: ذهب بالفتح يذهب ذهابا والأيادي جمع أيد والأيدي جمع يد وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن وهو لقب وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب وسمي سبأ قيل لأنه أول من سبى السبي. وقيل سبأ اسم أمهم وتسمى البلدة سبأ باسم سكانها وكانت أخصب بلاد الله كما الله تعالى:) جنتانِ عن يمينٍ وشمال (. قيل: وكانت مسافة شهر في شهر للراكب المجد يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل، مع تدفق الماء وصفاء الهواء واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاني ملك إلاّ قصموه. وكانت في بدء الأمر تركبها السيول فجمع ملك حمير أهل مملكته وشاورهم فاتخذوا سدا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. ويقال بانيه لقمان بن عاد ووقع في شعر الأعشى أنَّ حميرا هو بناه حيث قال:
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤها لم يرم
فلما كفرو نعم الله تعالى ورأوا ملكهم لا يبيده شيء وعبدوا الشمس سلط الله على سدهم فأرة فخرقته وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق وأباد خضراءهم كما قال في القرآن.
فحكي أنه لمّا انتهى الملك إلى عمرو بن عامر المعروف بمزيقياء وسمي بذلك
стр. 664
لأنه كان يلبس حلة حتى إذا أمسى مزقها أنفة من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره أو لأنه مزق الأزد في البلاد. وكان أخوه عمران كاهنا فأتته كاهنة وأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل وأنذرته فقال لها: وما آية ذلك: فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيده الحفر ويقلب برجليه الصخر فاعلم أنه قد اقترب الأمر. قال: وما الأمر؟ قالت: وعد من الله ينزل فيغيرك يا عمرو! ثم إنَّ عمرا يوما نظر في السد فرأى جرذا يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا. فرجع وهو يقول:
أبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم
له مخاليب وأنياب قضم
فأجمع على الخروج منها. واحتال في بيع ماله وإنَّ لا ينكر الناس عليه. فقال لابنه: إني صانع طعاما وداع إليه أهل مأرب، فأردد على كلامي إذا تكلمت! ففعل ورد عليه ابنه أقبح الرد، فتغاضب عمرو وصاح: واذلاه! يجيبني صبي! وحلف ألا يقيم ببلد فيه ضيم فيه. فجعل يبيع أمواله وقومه يقولون بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو قبل إنَّ يرضى! واشتروا منه. فلما باع واجتمعت له أمواله أخبرهم خبر السد والسيل، وأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا غنم بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشرود، فليلحق بالشعب من كؤود! فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر! فلحق به خزاعة. قال: ومن منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل! فنزلها الاوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير! وهي أرض الشام. فلحق بها غسان. قال: ومن كان منكم يريد الثياب والرقاق والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراق فلق بها ملك بن فهم الأزدي. وتخلف مالك اليماني في قومه حتى أخرجهم السيل منها، فنزلوا نجران وانتسبوا في مذحج، ودخلت جماعة منهم على معد، فأخرجتهم معد بعد حروب، ونزلوا بجبل السراة، على تخوم الشام. فلما
стр. 665
تفرقت قبائل سبأ هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهب القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرقوا في كل طريق ووجهة، إما على أنَّ اليد بمعنى الجارحة، لأنهم كانوا، إذ كانوا مجتمعين، يدا واحدة. فلما تفرقوا صارت اليد أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرقوا تفرق نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرقوا في كل طريق أهل سبا، حيث تمزقوا، وأيدي سبأ جعل اسما مركبا كمعدي كرب وسكنت الياء تخفيفا وإنَّ انتصب.
ذهبوا تحت كوكبٍ .
هذا كالذي قبله في المعنى أيضاً، وهو التفرق، وألفاظه ظاهرة.
ذهب دمه أدراج الرياح .
الذهاب مر، وكذلك الدم، والأدراج جمع درج بفتحتين وهو الطريق تقول رجعت أدراجي أي في الطريق الذي جئت فيه. والرياح جمع ريح، قلبت الواو ياء في المفرد والجمع لانكسار ما قبلها. وهذا المثل يقال في بطلان الشيء. فإذا قيل: ذهب دمه أدراج الرياح، أريد إنّه ذهب هدراً. والمعنى إنّه مسالك الرياح الذاهبة أو كان في مسالكها فنسفته وأذهبته. وكذا في غير الدم.
ذهبت هيف لأديانها .
الذهاب مر، والهيف بالفتح ريح حارة تهب من نحو اليمن نكباء بين الجنوب والدبورز قال ذو الرمة: هيف اليمانية في مرها نكب وهي تيبس ما مرت به وتعطش الحيوان. الهيف أيضاً شدة العطش، والأول المراد والأديان جمع دين بكسر الدال وله معان كثيرة: منها العادة، وهو المراد هنا. قال امرؤ القيس:
كدينك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
стр. 666
أي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر:
تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟
ومعنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنّه يضرب الشيء إذا انقضى.
الذود إلى الذود ابل .
الذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة:
لعمرك ما خشيت على يزيدٍ ... من الفخر المضلل ما أتاني
كأنَّ التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان
وقال امرؤ القيس:
أرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض
والإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال:
ألبان إبل تعله بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام
والجمع آبال.
والمعنى أنَّ الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنّه يكون كثيرا. وتقدم مثله.
ذلك الفحل لا يقدح انفه .
ذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها
стр. 667
والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ:
إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوعِ
يصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأنَّ الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس:
على لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
ومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأنَّ الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضاً. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
وهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لمّا قيل له إنَّ محمد بن عبد الله ﷺ خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنّه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لمّا خطب النبي ﷺ ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إنَّ محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أنَّ اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.
стр. 668
ومن هذا الباب قولهم:
ذهب دمه خضراً مضراً .
بكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدراً.
وقولهم:
لأذهبن فإما هلك وإما ملكٌ .
ومعناه قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا!
وقولك:
أذهل من صبٍّ .
والذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لمّا به يغلب عليه ذلك.
ومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى ﵇:
ذلك ما كنا نبغِ .
وينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم.
وقوله ﷺ :
ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً .
ويحكى أنه لمّا نصب معاوية ﵁ ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل
стр. 669
ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إنَّ شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلاّ بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإنَّ المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها.
وقول عمر ﵁:
ذلك الظن بك يا أبا إسحاق !
وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة ﵁ لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر ﵁: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي ﷺ يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:
لكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ!
وقال الآخر:
طلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا!
غيره:
ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه!
وقال الصابئ:
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا
ومنه قول أبن النبيه:
خذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره!
ويقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:
стр. 670
من شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله!
ومن ذلك قول الفاضل:
إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي
فالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه موضع الحبب
أقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ!
وقول الخالدي:
لقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر
وما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟
وقال الشيخ أبن فارض، ﵀:
أهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى
لم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا
وقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!
وقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد
وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟
ومثله قول الآخر:
ألم ترني وبشار حججنا ... وكان الحج من خير التجارة؟
خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأبنا موقرين من الخسارة!
ونحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:
احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى
следующие страницы →