حوض الخبال (١) ويرويهم».
والحديث «جعل الله المدينة دار هجرة لى! إننى سأبعث من المدينة وسأحشر منها، فيجب على أمتى اجتناب الكبائر والمحافظة على جيرانى وكل من يحترم أهل المدينة ويرعاهم فى سبيل حرمتى وتعظيمى أكون له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة. وكل من يضيع حرمتى فالله- -يسقيه من حوض خبال».
وبناء على هذا حينما طلب المهدى العباسى من الإمام مالك أن يوصيه فقال له «أوصيك بالاعتراف بوحدانية الله وأن تبذل من لطفك وعطفك لأن الرسول ﷺ قال المدينة دار هجرتى، فى صحراء القيامة سأبعث من المدينة قبرى فى المدينة، وأهل المدينة جيرانى والواجب على أئمتى أن يتقيدوا بالمحافظة على أمتى! كل من يرعاهم ويحافظ عليهم يحافظون على حقوقى!
ومن يحافظ على حقوقى أكون شفيعا له فى يوم القيامة وشهيدا. والذين لا يحافظون على وصيتى يسقيهم الله من طينة الخبال يوم القيامة ويرويهم».
عند ما زار الخليفة المهدى المدينة المنورة وذهب لزيارة الحجرة المعطرة، استقبله الإمام مالك وسادات البلد وأشرافه وجملة الأعيان وكبار موظفى الحكومة من عدة أميال من المدينة. وعندما رأى المهدى الإمام الجليل فاحتضنه وعانقه، ثم استدعى من معه واحدا تلو الآخر وصافحهم بحرارة. وعندما رأى الإمام مدى التفات الخليفة لأهل المدينة ورعايته لهم وقف ناصحا له وقال يا أمير المؤمنين «إنك ستدخل الآن إلى المدينة وسترى فى يمينك ويسارك بعض الناس، وبما أن جميع هؤلاء الذين سيراهم بصرك من أحفاد المهاجرين والأنصار-رضى الله عنهم-فيلزم عليك أن تحيى كل واحد منهم متفردا وتسلم عليهم وتعرض عليهم
стр. 1017
احترامك لهم، لأنه لا توجد على وجه الأرض عشيرة خير وأفضل منهم. كما لا توجد بلدة أفضل من بلادهم «وقد رد الإمام على سؤال المهدى الذى قال له» وما هو دليلك الذى تستند عليه فى هذا القول «وليس على وجه الأرض قبر معلوم لنبى من الأنبياء غير قبر الرسول-﵇-وإن هذه الطائفة التى استوطنت على أطراف المرقد النبوى ففضلهم ورجحانهم على سكنة البلاد الأخرى ظاهران.
وإذا ما نظرت إلى نصائح الإمام مالك للخليفة المهدى وأمعنت النظر فيما قاله محبوب الأنبياء-عليه أعظم التحية: «ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١) يفهم بداهة أفضلية مجاورة قبر الرسول- ﷺ -اللامع. ورأيت ما للمدينة المنورة من الفضل والمزية، وأمكنك ترجيح سكنتها على سكنة مكة المكرمة التى تمتاز بتضاعف الأجر والمثوبة لسكانها.
وبناء على وصية الإمام مالك قد راعى الخليفة جانب سكان دار السكينة ولاطفهم وسرهم ببذل عطايا كثيرة لهم.
فلتسر روح المرحوم دده عاشق الرب فما أجمل منظومته هذه ذات المعانى الكثيرة فى مدح المدينة المنورة:
المدينة هى مدينة المصطفى الطاهرة ... إنها محل نظر الله المتكبر
المدينة هى منزل القرآن والوحى ... وهى أيضا مهبط رسول الله
المدينة هى مضجع المختار أحمد ... وهى مطاف الإنس والجن وأّهل السماء
стр. 1018
فى حديثه قال فخر العالم ... كان ترابك شفاء للعليل
المدينة هى منبع الفيض والإحسان ... وهى راوية المحتاج لمراجعة الحقيقة
المدينة هى فاتحة بلدان الإسلام ... خصوصا فاتحة أم القرى
وهى مكان الغفران لقضاة المؤمنين ... مدينة محو العصيان والخطأ
وهى حديقة الورد وهى فريدة ... وهى كشف الغطاء عن شهود المعرفة
ترى هل نفس عيسى ترابها الطاهر ... فهى تعطى الروح للقلب الميت
أنت سريد بيضاء لموسى طاهرة ... أنت مليئة بالنور للقلب المظلم
المدينة مرقد خير البشر ... وشفيع المؤمنين يوم الجزاء
أنت سرير سلطنة النبوة ... المدينة هى العرش المجتلى
إنه الحريم المحرم لولاك لولاك ... فالمدينة مجتلى سر الأم
المدينة دار الأنصار والمهاجرين ...
стр. 1019
هذا مكان الدين والإيمان والحياة
المدينة هى ناشرة الرحمة للعالم ... وخيرها دائم خاصة لأهلها
فالذى يراها مرة يتحسر قائلا ... ليتنى أراها مرة أخرى فلقاؤها محبوب
هكذا انظر كم من مشكلات يحلها ذلك السلطان فمن الصعب أن يحلها العالم فى الحقيقة وإن كان لا ينكر ما خص به أهل مكة من مزايا مثل تضاعف الأجر والثواب فيها ومجاورة بيت الله الوهاب إلا أن أهل المدينة يرجحون ويفضلون على أهل مكة بسبب مجاورتهم وقربهم من حبيب رب العزة والطبيب المداوى قلوب أمته، وتؤيد الحكم السابقة ما قاله أحمد بن حنبل لما سأل أبو بكر بن حماد «يا أبا عبد الله! ما هو أولى والأحب بالنسبة لك المجاورة فى مكة المكرمة أم السكنى فى المدينة المنورة؟» قال له «المجاورة أولى وأحب بالنسبة للذين يختارون السكنى بالمدينة صابرين على مصائبها وبلاياها».
والقول المختار فى هذا الموضوع أن اختيار المجاورة فى أى من البلدين مستحب لحبه ذلك البلد ولما يوجبه من مزية زيادة الأجر والثواب، إلا أن الذين ذهبوا إلى أولوية المجاورة فى المدينة على مكة المكرمة كرهوا مجاورة مكة المعظمة (١) رغبو فى الإقامة فى المدينة الأمينة وأحبوها.
стр. 1020
الوجهة الرابعة
تشمل خمس صور تفصل أوائل حال المدينة المنورة وسكانها القدماء
والقبائل التى انتشرت من سلالة «أوس بن ثعلبة» مساكنهم ومأواهم، والحروب التى قامت قبل الإسلام بين قبائل الأنصار.
стр. 1021
الصورة الأولى
فى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم .
بما أن أحوال الأقوام التى سكنت أرض يثرب السعيدة قبل الطوفان وشأنهم مجهولة فى نظر التاريخ فالمؤرخون أخبروا فقط عن أحوال القبائل التى سكنت فى المدينة المنورة بعد الطوفان، تكاثر أحفاد حضرة نوح «﵇» وانقسموا إلى اثنتين وسبعين فرقة وانسحبت كل فرقة إلى المكان الذى اختارته وهاجر شخص يسمى «يثرب بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» أو «يثرب بن قائنة مهلائيل بن أدم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» وعلى رواية «عملاق بن أرفخشذ بن سام» من الفرق التى تتحدث باللغة العربية مع أسرته إلى أرض يثرب وبعد أن ظل هناك فترة رحل إلى مكان يسمى «جحفة» من ملحقات المدينة المنورة.
كانت جحفة إلى ذلك الوقت مكانا لا اسم له، وعقب ورود يثرب بن عبيل فى ذلك المكان أخذت الأمطار تنزل بغزارة وظهر سيل كبير وأجحف بنى يثرب فقيل لذلك الموقع «جحفة».
وأخبر المؤرخون أن هذه الهجرة تتزامن مع حكومة كنعان بن حام من نماردة بنى حام، إلا أن المرحوم منجم باشى (١) قد ذهب إلى أن الطوفان قد وقع فى سنة ٦٧٩ وفى عهد إمارة فالغ بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح «﵇».
وبناء على تدقيقات المؤرخين الذين قبلوا الرواية الثالثة أى الذين رووا أن الهجرة إلى أرض يثرب قد حدثت أولا فى عهد عملاق بن أرفخشذ بن سام وعندما كثر أولاد وأحفاد عملاق بن أرفخشذ والذى كان يشتهر بضخامة جسمه،
стр. 1022
أظهر كل واحد منهم الكبر والغرور والنخوة وأخذوا يبنون منازل متينة هنا وهناك، فأوسعوا بلدة يثرب وعمروها، وحتى يزينوا أطرافها أخذوا يغرسون الأشجار حيثما وجدوا لذلك سبيلا ومنذ أن ظهر من بينهم رجال يعرفون فن الزراعة، استولوا بكتائبهم على بلاد الحجاز والشام وتوسعوا فى حدودهم فاستولوا على ممالك البحرين وعمان، مثيرين الفزع والدهشة.
وأخذوا يحكمون البلاد التى استولوا عليها وأهالى القرى والمدن بصورة وحشية وظالمة.
يروى المؤرخون عن العمالقة الذين اشتهروا بضخامة أجسامهم أنهم كانوا يعيشون ما يقرب من مائتى عام وأن الغزلان كانت تربى صغارها فى فتحات مآقيهم.
ووصل ظلم أحفاد عملاق بن أرفخشذ إلى أنهم حتى اشتهروا بين القبائل «بجبابرة العمالقة» وأضروا سكان البلاد التى حواليهم وأوقعوا فيهم الخسائر تحت سنابك خيولهم، وزاد جورهم وأذاهم تدريجيا حتى أن أطفالهم الذين يلوثون الوجود كانوا يشرعون فى البغى والشقاوة وهم مازالوا فى مهدهم.
واشتد عندئذ الكفر والشقاوة بين القبائل الوحشية التى تنتسب إلى جبابرة تسمى «سقل وفالح» والتى ظهرت حينئذ فأشعلت نيران الشر والقتال حتى أوشك الأهالى الضعاف على الفناء والاضمحلال من جراء الأعمال الدامية لهؤلاء، فأرسلوا الرسل إلى سيدنا داود-عليه سلام الله الودود-يستمدون منه العون فساق عليهم كتائب الصولة والقوة فقتل أكثر رجالهم وأعدمهم وأسر نساءهم وأطفالهم وكبلهم بالحديد.
واستطاع أن ينجو بعض هؤلاء من الأبطال الذين بعثهم سيدنا داود منسحبين إلى قمم الجبال إلا أنهم عادوا بعد فترة إلى ناحية «جرف» وأخذوا فى ارتكاب الشقاوة كما فى السابق ولكن لحكمة ما ظهرت فى رقابهم دودة أودت بهم إلى دار البوار ما عدا امرأة تسمى «زهرة» وهكذا أصبحوا غذاء للنمل والثعابين.
стр. 1023
ويروون أن المقبرة التى تحت سفوح الجبل مقابر هؤلاء الأشقياء. و «زهرة» التى نجت رقبتها من الداهية الدهياء التى أصيب بها هؤلاء القوم تعرضت لمرض الدودة الذى تعرض له قومها وتلفت، وكان يتوطن على أرض يثرب شخص آخر بعد انقراض هؤلاء القوم، وكثر أولاد هذا الشخص وأحفاده وانتشروا فى البلاد المجاورة حتى استولوا على البلاد الحجازية كلها وحكموا إلى التاريخ الذى أغرق فيه كليم الله-﵇-الفراعنة فى بحر القلزم ولما كان هؤلاء قد تجرءوا على إضرار أهالى الممالك المجاورة وإزعاجهم بإيقاع أنواع الظلم والدناءة عليهم وبما أن موسى-﵇-كان مكلّفا بمهنة تأديب جبابرة الحجاز وتنكيلهم، بعد أن اضمحل جبابرة مصر والشام. أرسل إلى أرض يثرب بمقدار كاف من الجنود وأوصى قيادة تلك الحملة بتعليمات خاصة فى أن يقتلوا جميع الرجال والذكور الذين بلغوا سن البلوغ وسبى طوائف النساء والأطفال وأسرهم وبعد أن ودع هؤلاء الجنود انتقل إلى إقليم البقاء.
وقد وصل الجنود الذين أرسلهم سيدنا موسى بعد فترة إلى ساحة يثرب الفياضة وأشعلوا دائرة القتال.
وتغلبوا-بعون الله وعنايته-على مشركى العمالقة وبناء على التعليمات التى معهم كبلوا من استطاعوا أن يمسكوا بهم من الأطفال والنساء بالسلاسل جعلوا الذكور علفا لحد السيف.
وكان ضمن الأسرى ابن حاكم الحجاز أرقم بن أرقم ولما كان هذا فتى فى غاية الحسن والجمال قرروا أن يعرضوه إلى عتبة كليم الله.
وأخذوه حيا إلى الشام حتى يعملوا وفق رأى القضاء الذى سيصدر من قبل العتبة النبوية.
وعندما وصلوا إلى الشام مغادرين المدينة استقبلهم الأهالى بكل احترام وتوقير وبعد أن أخبروهم بموت موسى قالوا «يا غزاة الدين»!! إذا ما قلنا بأنا لم نرض ولم نسرّ من خدماتكم لا نكون قد كذبنا لأنكم قد أذنبتم بمخالفتكم أوامر الله
стр. 1024
ورسوله وبتأخير قتل ابن الأرقم تحركتم خلاف إرادة الوحى النبوى، ومن هنا نخاف أن ندخل العصاة والمذنبين فى بلادنا! اذهبوا بعد الآن حيثما شئتم، ولما كانت البلاد الحجازية أفضل البلاد فمن رأينا أن تعودوا إلى أرض يثرب وأن تقضوا حياتكم هناك إلى آخر أعماركم وأن تستقروا هناك.
وأراد الجنود أن يقنعوا أهل الشام بعرض أفكارهم وقراراتهم بخصوص ابن أرقم ولكنهم لم يوفقوا واضطروا أن يعودوا إلى يثرب وبعد فترة وصلوا إلى موضع يقال له «زهرة» وبعد مرور زمن نزلوا فى المدينة المنورة ونصبوا خيامهم فى محل قريب من «زغابة» (١).
وكان فى ضمن الجنود أبناء بنى قريظة و «إخوته» بنو هذال وعمرو وصريخ ونضير بن النّحام ثم الخزرج بن الصريخ الذين يرتبط نسبهم بسلسلة نسب هارون ﵇.
ونزل هؤلاء فى أعالى المواقع التى تطلق عليها «مذينب ومهزول».
وفى حالة الأخذ بما ورد فى هذه الرواية فإن أقوام بنى إسرائيل الذين سكنوا أرض يثرب بعد العمالقة، لا مفر أن يكونوا هم الجنود الذين لم يقبلهم الشاميون بعد ارتحال موسى.
مع أن الرواية المنقولة عن سيدنا أبى هريرة تكذب هذا القول وتجرحه إذ تفضل المشار إليه قائلا: «إن علماء بنى إسرائيل كانوا قد رأوا فى صفحات التوراة أن «أمير الأصفياء» -عليه أجمل التحايا-رسولنا الكريم سينقل إلى قرية كثيرة النخيل وسيهاجر إليها وأن اسمها يثرب وإنهم فكروا فى أن يجدوا هذه القرية وقرروا الإقامة فيها إذ خرجوا بعد واقعة «بخت نصّر» من الشام وتجولوا فى المدن التى تقع بين الشام واليمن مدينة بعد مدينة ولما رأوا أن المدينة المنورة هى المدينة التى تقع بين أشجار النخيل وأن اسمها يثرب فبقوا فى البلدة الطيبة منتظرين وقت هجرة الرسول ﷺ ، وكان بينهم عدة أشخاص من حفدة هارون-
стр. 1025
عليه السلام-ولم يبلغ عمر هؤلاء العلماء إلى عصر السعادة واستدعوا أولادهم فى حالة احتضارهم وأوصوهم قائلين: إذا أدركتم زمن ظهور نبى آخر الزمان فأسرعوا بتصديق نبوته وابذلوا أرواحكم فى سبيله واخدموه بكل إخلاص ويا لشدة الأسف أن الذين أدركوا منهم عصر السعادة حسدوا الأنصار السابقين للتصديق وظلوا فى الشقاوة الأبدية.
والذين يريدون أن يطلعوا على تفصيلات هذه الأمور نرجوهم أن يراجعوا الصفحة الثالثة والثمانين من كتاب «محمود السير» الذى طبع ونشر سنة ١٢٨٨.
وذهب بعض المؤرخين إلى أن وجود بنى إسرائيل فى مدينة يثرب قبل العمالقة، وقالوا إن كليم الله-على نبينا وعليه التسليم-مر بيثرب بعد الحج ورأى بعض العلماء الذين كانوا فى معيته السامية أن منظر أرض يثرب الطيبة يوافق أوصاف دار الهجرة التى ذكرت فى التوراة بمدينة المصطفى واستدلوا بهذا على أنها المدينة المقدسة وسكنوا فى مكان يسمى «بنى قينقاع» ومع مرور الزمن أدخلوا سكان القرى المتجاورة من طوائف العرب فى دين موسى وإن كان هذا المؤرخ أيد مدعاه بهذا المقال ولكن بناء على حكم ما نقله ابن أبى شيبة مرفوعا عن النبى ﷺ يقتضى أن تكون إقامة طوائف العماليق فى المدينة المذكورة أقدم من بنى إسرائيل، لأن موسى-﵇-حينما مر مع أخيه هارون بيثرب أقام فوق قمة جبل أحد حتى يأمنا هجمات العمالقة، وهذا الخبر السديد يؤيد الأقوال التى تحكى توطن طائفة العمالقة فى يثرب قبل بنى إسرائيل.
стр. 1026
الصورة الثانية
فى ذكر القبائل التى كانت فى أرض يثرب وقت أن هاجر إليها الأوس
والخزرج بن ثعلبة (١).
عندما هاجر الأوس والخزرج بن ثعلبة إلى المدينة المنورة كانوا من أفراد قبائل بنى أنيف (٢) بن مزيد بن معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم.
بنو الجذماء (٣)،بنو قريظة، بنو قصيص، بنو ناعضة، بنو هذال، بنو عمرو، بنو نفير، بنو زعورا، بنو ثعلبة، أهل زهره، أهل جوانيه، بنو ماسكة، بنو محمم، بنو زيد، بنو قينقاع، بنو حجر، بنو عكوة، بنو نزاية، بنو شوط،بنو والج، بنو زبالة (٤) وبنو أنيفلة وبنو ناعضة (٥) وبنو قصيص من هؤلاء سكنوا فى قرية «قيا» وفى قرية بنى قريظة سكن بنو نضير (٦) فى موقع نواعم وسكن بنو زعورا فى قرية سبيل أم إبراهيم وبنو زيد (٧) فى مكان يقال له «لات» وبنو قينقاع فى مكان واقع فى جهة العالية من جسر بطحا، وبنو زهرة وبنو ثعلبة (٨) فى زهرة
стр. 1027
وبنو جوانية فى قرى الجوانية وبنو جذماء (١) بنى مقبر بنى أشهل وقصر ابن عراك.
وكان بنو عكوة وبنو حارثة وبنو نزاية يسكنون فى قرية «ناس» وبنو زبالة فى قرية «عين فاطمة» وبلغوا إذ ذاك إلى ما يقرب من سبعين قبيلة (٢) إذ ارتبطوا واتحدوا واتفقوا مع جيرانهم من قبائل العربان واتخذت جماعة كل قبيلة برجا فى حدود ثروته ويساره أو برجين وأسسوا حول هذه الأبراج بيوتا منظمة ومنازل مستحكمة وشكلوا جماعة كبيرة بالنسبة لتلك الأوقات.
وكان لليهود إلى وقعة سيل العرم المشهورة تسع وخمسون قرية وقدر كثرة هذه القرى من النفوس، لذا كانوا متغلبين على القبائل الأخرى، ولكن بعد ظهور الوقعة المذكورة أخذت قوتهم وشوكتهم تزول وتنقرض ولا سيما فى عهد بنى ثعلبة صاروا يداسون تحت الأرجل.
وقد حدث سيل العرم نتيجة لهطول الأمطار لمدة طويلة، وعلى قول بسبب انهيار سد مأرب.
وعرف عمرو مزيقيا أبو ثعلبة خراب السد وتوقع انهياره قبل وقوعه كما سنيين فيما يأتى وترك وطنه.
عمرو مزيقيا-هو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان أو عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. وكان نقطة استناد أهالى اليمن فى كل الأمور وكان له ثلاثة عشر ولدا (٣) من امرأته «طريفة الحميرية» من الكاهنات المهرة.
стр. 1028
وبما أنه كان من أصحاب الثراء المفرط؛كان يعيش حياة رفاهية ولا شك أن إلى عمرو مزيقيا ينتهى نسب أفراد قبائل اليمن، قد اختلف المؤرخون الأسلاف فى تعريف قحطان قال بعضهم أن قحطان هو بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح-﵇-وقال بعض منهم أنه هود-﵇-نفسه.
إن عمران أخو عمرو مزيقيا كان محروما من النعمة الجليلة للتناسل وكانت مهارته فى الكهانة معروفة لدى الجميع.
وقد تكهن يوما بانهيار سد مأرب وخرابه وأخبر أخاه عمرو مزيقيا بذلك، وأيدت طريفة الحميرية ما قاله عمران ببعض العبارات المسجوعة قائلة: «إذا ظهرت الفئران حول السد فهى علامة انهياره» ونبئ يوما أن الفئران التى ظهرت فى أماكن قريبة من السد، وأنها أخذت تحرك الحجارة التى لا يستطيع تحريكها خمسون أو ستون رجلا وقلبها وحرقها وصدق عمرو مزيقيا ما قاله أخوه وأصبح رهنا لليأس والحرمان، وقال: «إن الفئران التى تتصف بهذه القدرة تستطيع أن تهدم وتخرب سد مأرب وقتما تشاء» وقد عرف يقينا أن لا بقاء لهذا السد، وقد شغل هذا القلق فكره وفى نهاية الأمر كتم الأمر عن أهل سبأ وقرر فى نفسه أن يترك وطنه ويبيع ما يملكه؛ وأولم وليمة للأهالى عامة وأخذ المنازعة التى حدثت فى أثناء الطعام سببا لانفعاله وغضبه، وقال: «بما أن هذا الموضوع قد جرح شرفى وكبريائى فلا أستطيع أن أبقى فى هذه البلاد» ثم باع أمواله وأشياءه وأخذ القليلين ممن عرضوا عليه تبعيتهم من قبيلة بنى أزد وخرج تاركا أرض سبأ.
ينقل المؤرخون سبب هجرة عمرو مزيقيا من بلاد سبأ على هذه الصورة أيضا فيقولون:
قد تيقن عمرو مزيقيا أن بلاد سبأ سترضخ لاسم الله الجليل «القهار» وذلك سواء أكان من خلال ما سمع من أخيه الكاهن المشهور عمران، أو زوجته الكاهنة طريفة التى رأت الرؤى المفزعة أو مما استخرجا من علامات مخوفة بمقتضى كهانتهما، وهى أسباب كافية تؤدى إلى الهجرة إلى بلاد أخرى بأولاده
стр. 1029
وعياله وأحفاده وتوابعه، وأخذ يبحث عن سبب يؤدى إلى الهجرة ويختلقه، وبناء على هذه الفكرة هيأ مأدبة دعا لها وجوه البلد وأعيانه كما أوجد فيها كثيرين من عامة الناس، وكان بين المدعوين رجل قد تيتم صغيرا فبسط عمرو عليه حمايته وصحبه ورباه حتى أصبح فى زمن قصير من أغنياء أهالى مأرب الأوائل وتزوج باختيار عمرو وتصويبه واكتسب مكانة بين الأهالى، وقد دعا عمرو مزيقيا ذلك الشخص قبل إقامة المأدبة خفية وقال له منبها: «إننى سآمرك فى أثناء الطعام ببعض الأوامر فعليك أن تتحرك خلاف أوامرى، ويجب أن تخالف جميع أقوالى وإذا سببتك فقابلنى بالمثل وأظهر لى الخصومة قولا وفعلا وإذا لزم الأمر اصفعنى عدة صفعات!! وعندما أخبره الرجل أنه لن يستطيع أن يقوم بمثل هذا السلوك المشين ولن يتجرأ على ذلك، فرجا منه عمرو أن يوافق على اقتراحه مبينا له أن هذا العمل سيكون محض خير فى حقه وحق عمرو، ولما حل يوم الوليمة وأخذ الأهالى يتوافدون زرافات، وشغلوا بالطعام وأخذوا يأكلون ويشربون متآنسين ومتحدثين، عندئذ أحضر عمرو مزيقيا الشخص الذى اتفق معه وطلب منه أن يهيئ بعض الأشياء اللازمة للمجلس وأن يحضرها ولكنه قوبل بمعاملة غير لائقة، فأظهر عمرو الحدة وبادر بضربه بالعصا التى فى يده مهددا، إلا أن الرجل أخذ العصا من يد عمرو رئيس البلد ولكمه عدة لكمات، وساد الوجوم فى المجلس وسر بعض الناس اغتمّ الآخرون، وقد تأثر عمرو مزيقيا من إهانته وعدم إعانة أولاده وأحفاده وأعوانه فأقسم على أنه سينتقل ويرتحل من سبأ. وأعلن أنه سيبيع كل ما يملكه ويهاجر إلى بلاد أخرى فى المجلس نفسه.
وطمع بعض من لهم نفوذ من الأهالى فى الرياسة كما طمع آخرون فى شراء أموال عمرو بثمن رخيص حتى يغتنوا ومن هنا أظهروا سرورهم من هجرة عمرو وأقبلوا على شراء ممتلكاته، كما أن عمرو أخذ معه أولاده وأحفاده وزوجاته ومن يتبعونه من أعوان وخرج من حدود بلاد سبأ.
وبناء على بعض الأقوال أن عمرو مزيقيا مات قبل ظهور «سيل العرم» (١)
стр. 1030
واطلع ثعلبة ابنه على انهيار سد مأرب وهاجر من أرض سبأ، وأن الكاهنة طريفة ليست أمه بل زوجته.
وعلى رأى من يرجحون هذه الأقوال أن عامر أصبح رئيس قبيلة بعد وفاة أخيه عمرو مزيقيا وقام بإقامة وليمة عظيمة لأهالى سبأ وفى أثناء الطعام لطم ابن أخيه حارثة صفعة.
ولم يتحمل حارثة الإهانة التى تعرض لها على ملأ من الناس وعقد النية على ترك الوطن، وإن كان عامر ندم كثيرا وقال: «يا حارثة إننى ضربتك فاضربنى أنت أيضا» وأسرع يرجو منه ذلك ملحا حتى يهدئ ثائرة نفس ابن أخيه إلا أن حارثة لم يستطع أن يقنع ضميره بضرب عمه، وإهانته كما أنه لم يستطع أن يكظم غيظه وغضبه ومن هنا خرج من أرض سبأ مهاجرا.
وأدت هجرة عمرو مزيقيا إلى انتشار الإشاعات بين الأعيان وقام والناس بعضهم ضد بعض؛ وفى أثناء ذلك هبطت الأمطار متتالية ولم تراعى منافذ السد وظهرت وقعة «سيل العرم» فانهار سد مأرب المشهور فغرق جملة الأهالى وهلكوا وخربت آثار تلك البلاد الميمونة وانمحت وأصبح ذلك السد الذى قام منذ عدة آلاف سنة خرابا يبابا ومسرحا للبوم والغراب.
هاجر عمرو مزيقيا من أرض سبأ ومعه قبائل «بنو أزد، آل سدير، آل خزيمة»، وانتشر بنو أزد فى بلاد عمان، وآل وداعة فى «أرض همدان»،وبنو خزاعة فى «بطن مكة»،والأوس والخزرج فى أرض يثرب، وآل جفنة وآل غسان فى «البصرة»،وآل سدير فى «ممالك الشام»،وآل خزيمة فى «ديار العراق»،وهيأكل هؤلاء حيث وجدوا أملاكا وأراضى كافية لمعيشتهم وتوطنوا فيها.
وظل بعض أفراد قبيلة أزد على سواحل نهر يسمى غسان عندما هاجر عمرو مزيقيا من أرض سبأ تجول كثيرا راغبا فى إسكان القبائل التى فى رفقته فى مكان واسع المرعى كثير المياه هادئ وأدخل أهالى البلاد فى طاعته ووصل إلى حدود الميمونة كعبة الله، ونزل فى مكان مناسب وبعث ابنه ثعلبة إلى مكة المعظمة
стр. 1031
وأفهم أهلها «أنه سيقيم فترة فى ساحة حرم الله السعيد».وقال ثعلبة ضمن ما قاله فى تليين أفكار الأهالى: «منذ أن خرجنا من موطننا بلاد سبأ حيثما مررنا بمكان سكنّا برضا أهله هناك حتى نجد لنا مكانا يليق بإقامتنا، وبهذه الصورة وصلنا هنا فأذنوا لنا بالإقامة فى بلادكم فترة وعندما يصل أبناء قومنا إلى هذا المكان سيبعثون عدة أشخاص إلى الإمام ليبحثوا ويتحروا عن بلاد مناسبة وعندما يرد هؤلاء سيرتحلون من هنا، وعلى كل حال فنحن نريد عونكم» وبذل سعيه بهذه الطريقة ليكتسب رضا أهالى مكة، إلا أن أهالى مكة الذين كانوا من الطوائف المتسلطة والجراهمة العصاة الذين كانوا اغتصبوا حجابة الكعبة من أيدى بنى إسماعيل وحكومتها واعتادت على أن تمنع القبائل التى لا تريدها من الدخول إلى أرض مكة فأعادوا ثعلبة خائبا إذ رفضوا طلبه.
وعندما اطلع عمرو مزيقيا على أفكار المكيين القاسية بعث ابنه مرة أخرى وهو يهدد قائلا: «مهما كان الأمر فإننى قد هيأت السبل والأسباب لقتال الجراهمة حتى آخر نفر من قبيلتى لأدخل مدينة مكة المعظمة!!» والتقى ثعلبة للمرة الثانية بأعيان الجراهمة وصناديدهم وافتتح كلامه ذاكرا أن والده قد تهيأ للحرب والقتال وقال: «لابد وأننا سنقيم فى بلدة مكة المفخمة المعظمة! إذا ما وافقتم على ذلك فإننا سنعرض عليكم مراسم شكرنا ونحمد لكم موقفكم! أما إذا أظهرتم الرفض والمخالفة والخصومة، سنستولى على مراعيكم وآباركم فى ظل قوة أدرعتنا وشجاعتنا وننتزع حكومة مكة الجليلة من أيديكم. ولن نعطى لأفراد قبيلتكم قطرة من الماء، إلا إذا رضيتم بشرب ما زاد عن حيواناتنا من مياه موحلة، أما إذا قابلتمونا بالمثل عندئذ سنشعل وطيس الوغى ونقاتلكم فنقهر أبطالكم وندمرهم ونكبل أطفالكم ونساءكم بالسلاسل».
وردت طائفة الجراهمة ثعلبة بالرفض مرة أخرى مستندين على كثرة عددهم وقوة نفوذهم واحتضنوا أسلحتهم وحاربوا ثلاثة أيام ليلا ونهارا، ولكنهم انهزموا انهزاما غير منتظر وتشتتوا وتفرقوا.
стр. 1032
ودخل عمرو مزيقيا مستصحبا أفراد قبيلته فى أرض حرم الله عقب انهزام الجراهمة، ونال شرف الإقامة فيها مدة طويلة وأقامت القبائل التى معه فى هذه الأراضى وأمضت فيها فترة ما، وتعرض فيما بعد أفراد القبائل الذين كانوا معه للحمى المحرقة ولم يتحملوا الإقامة فيها، وهاجر كل واحد منهم إلى بلدة ما، واستقر ثعلبة الذى أجرى السفارة لقبائل الجراهمة فى أثناء هذه الاضطرابات فى موقع مشهور ب «ثعلبة» داخل أراضى الحجاز ووسع دائرة نفوذه وقوته.
وانقسم هؤلاء إلى بطون وفيرة وقبائل كثيرة، فذهب أحفاد عامر بن عمرو بن مالك بن الأوس، وأولاد سائب بن قصى حفيد عوف بن الخزرج إلى بلاد عمان، وهاجر بعض من أبناء حارث بن الخزرج إلى بلاد أخرى فلم يكتب لهم أن يلتحقوا بزمرة الأنصار الجليلة، وظل بعض من أولاد جفنة بن عمرو بن مزيقيا فى المدينة فانخرطوا فى سلسلة الأنصار الذهبية.
وتوطن بعض أولاد الأخوين الأوس والخزرج فى قرى بنى إسرائيل كما سبق بعضهم فى أماكن خالية من آثار الحياة والعمران.
سبب ظهور وقعة مالك بن عجلان وصورة ظهورها:
كان فيطون (١) الثعلبى حاكم يهود المدينة، وقد اتخذ فى أواخر عهد حكومته عادة فاضحة وهى أن يستفرش العرائس اليهوديات قبل أن يستفرشهن أزواجهن.
وأراد أن يعمم هذه العادة الكريهة الإباحية بين قبيلتى الأوس والخزرج، وأراد مالك بن عجلان السالمى أن يزوج أخته وكان من قبيلة الخزرج إلا أنه لم يطق تكلف ما لا يطاق من الذى أعلنه فيطون الدون والذى لا يخالف الدائرة المشروعة فحسب بل الطبيعة البشرية أيضا وفضل ألا يزوج أخته لفترة ما.
ولكنه لم يستطع أن يتغلب على إلحاح النساء فتزيا بزى النساء وأوصل أخته إلى بيت فيطون واستطاع أن يصل إلى فيطون وقتل عدو العرض والشرف ذلك وبعد ذلك أخذ «رمق بن زيد» الخزرجى من بنى سالم وسافر إلى بلاد الشام
стр. 1033
حيث لاقى أبا جبيلة، وشكا له مظالم يهود يثرب وبين له كيف قتل فيطون ثم قال له، إننى أخاف بعد الآن من العودة إلى المدينة.
قال بعض المؤرخين: «إن مالك بن عجلان» لم يلتق فى الشام مع أبى جبيلة بل لاقى عبيد بن سالم بن مالك بن سالم من بنى سالم وعرض له فى ضميره، إلا أن هذا القول غير صحيح بالنسبة للقول الأول، لأن أبى جبيلة من أولاد جشم بن الخزرج، وقد هاجر إلى الشام لأسباب ما واكتسب ثقة الهيئة الحكومية وفرض احترامه على الناس وقد بلغ الواقعة كما جرت إلى ملك الشام وبين أنه قد أتى الوقت لتأديب يهود يثرب وتربيتهم الذين أزعجوا سكان بلاد الحجاز بما ارتكبوا من المظالم فيها. ثم أضاف ب:إذا اقتضى سوق الجيوش إلى يثرب فإننى أريد أن أقوم بخدمة صغيرة للحكومة الشامية وذلك بأن أذهب شخصيا إلى هناك، ولما كان أهل الشام أيضا منزعجين من يهود المدينة، ولما وصلت حركات فيطون الباغية المتوحشة إلى درجة الثبوت قد استصوب سوق فرقة من الجنود بناء على قول أبى جبيلة لتأديب اليهود وإسناد قيادة ذلك الجيش إلى أبى جبيلة لما له من دراية بأمور يثرب. وفعلا جهز العدد الكافى من الجنود وفوض أمرهم لأبى جبيلة، وفعلا اصطحب الجنود الذين جهزوا واتجه نحو يثرب بلا توقف، ولما أراد أن يحافظ على جنود الشام وألا يعرضهم للقتل رأى أن يباغت العدو من جهة اليمن.
وكانت هذه الخطة مبنية على إقناع الأهالى بأن جنودا أرسلوا إلى اليمن، وفعلا سار أبو جبيلة عدة أيام متجها إلى اليمن ثم غير طريقه وبعد مدة وصل إلى أرض يثرب ونصب خيامه فى موقع يقال له «ذى حرص» ودعا إليه أعيان اليهود وأعمل سيفه فى رقاب اليهود الذين استجابوا لدعوته. وقطع أنساب الرؤساء الذين سيتولون مناصب الحكومة منهم، وبناء على هذا قد تغلب أفراد قبيلة الخزرج والأوس على طوائف اليهود فى البلاد المقدسة وأصبح كل واحد منهم صاحب أملاك وأصبحت الحكومة فى أيديهم.
стр. 1034
وقال بعض المؤرخين: «إن مالك بن عجلان استمد العون من ملك اليمن تبع الأصفر وساق الملك المشار إليه الجيوش إلى أرض يثرب وقتل اليهود وأهلكهم ثم عاد بعد أن كسا البيت الأعظم بالكسوة (١).
إذا ما نظرنا إلى وجود بعض المواقع تنسب إلى تبع الحميرى فى المدينة المنورة وإلى ثبوت كساء البيت المحترم يلزم أن تكون هذه الرواية مقارنة للصحة أو يلزم أن يكون أبو جبيلة وكذلك تبع الأصفر قد أدبا يهود المدينة.
стр. 1035
الصورة الثالثة
فى ذكر بيان القرى والمحال التى أسسها أفراد قبائل بنى الأوس حول المدينة .
فى أثناء تغلب أفراد القبائل التى تشعبت من سلالة الأوس بن ثعلبة وأخيه الخزرج بقوه أبو جبيلة على طوائف اليهود انتشروا فى نواحى يثرب حتى هيأت كل قبيلة قرية لها، واتحدت عدة جماعات من كل بطن وأنشئوا منازل حيث أعجبهم وأسكنوا فيها أسرهم.
واختار الإقامة بنو عبد الأشهل ابن جشم بن الحارث وحارثة بن الحارث بن الخزرج الأصفر بن عمرو بن مالك بن أوس فى قرية تسمى «دار عبد الدار» يعنى «فى الربوة التى اشتهرت بالحرّة الشامية فى الجهة الشرقية من المدينة المنورة».
وابتدر كل واحد من الأفراد إلى تأسيس بيت حسب حاله وقدرته وهكذا أنشئوا حيا كبيرا وبنوا برجا عاليا ليكونوا آمنين إذا ما تعرضوا لهجمات الأعداء يعرف ب «واقم» وترك أمر إدارة هذا البرج وأمر إدارة الناس الذين قرروا تحصين قراهم وحفظها لحصين بن سماك من مشايخ بنى عبد الأشهل.
بعد أن أقامت قبيلة بنى عبد الأشهل فى قرية «دار عبد الدار» فترة قامت بالاتفاق مع أفراد بنى ظفر ضد أبناء عمومتهم بنى حارثة الذين يشاركونهم سكنى قريتهم واستخدموا الخصومة والسيف لإخراجهم من القرية؛ ولما كان أفراد بنى حارثة من أصحاب البصيرة انتصروا على بنى عبد الأشهل وقتلوا رئيسهم سماك بن رافع وأخرجوا سواء أكان أفراد أسرة سماك المقتول أو كان أفراد قبيلته من برج «واقم» وطاردهم إلى ديار بنى سليم، وفى الأيام الأخيرة قام ابن سماك المقتول مطالبا بدم أبيه وأخذ يحاصر ناحية بنى عبد الأشهل بالاتفاق مع قبائل بنى سليم ويضيق عليهم الخناق، وبعد مقاتلة دامت فترة طويلة جعلوا بنى عبد
стр. 1036
الأشهل يفرون إلى القرب من خيبر، وبعد هذا القتال بعام واحد تنازل ابن سماك عن دعواه ورضى أن يعود بنو حارثة إلى أرض يثرب، إلا أن بنى عبد الأشهل تشاءموا من النزول إلى نواحى دار عبد الدار وفضلوا النزول فى قرية «شيخان» فى الجهة الشرقية من «الحرة الشرقية».
وأنشأ بنو ظفر أحفاد كعب بن الخزرج الأصفر بن عمرو بن مالك بن الأوس قرى حول «مسجد البغلة» الذى يقع فى الجهة الشرقية من مقبرة بقيع الغرقد، يعنى بجوار قرى بنى عبد الأشهل كما أسس أخو كعب سالف الذكر والذين ينتسبون إلى عوف بن مالك ابن الأوس أنشئوا منازل فى ناحية «قباء» وبعد فترة انقسموا إلى جماعات عديدة وبطون كثيرة.
وقد بنى جماعات القبائل التى نزلت فى ناحية «قباء» أربعة عشر برجا حجريا متينا وأحد هذه الأبراج الذى يقع فى الناحية الشرقية من مسجد قباء يعرف باسم «مسكبة» والآخر الذى يقع بجوار بئر غرس يعرف باسم «مستظل» وهذان البرجان مشهوران برصانة بنائهما بالنسبة للأبراج الأخرى لأنهما أسسا على غاية من المتانة والرصانة.
وقد اتحد أحفاد وأولاد امرئ القيس بن مالك ابن الأوس مع جماعات بنى واقف وبنى سليم ونزلوا فى الجهة الجنوبية من مسجد الفتح إلا أن أفراد بنى سليم انفصلوا عن جماعة بنى واقف وارتحلوا إلى قرى ابن عوف وانتقلوا إليها (١).
وسكن بنو وائل الذين ينتسبون إلى زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك فى القرى القريبة من مسجد «بنى وائل» كما استقر أولاد عمومتهم بنو أمية بن زيد فى نواحى «بنى أمية» كما استقر أولاد بنى عطية بن زيد فى ناحية «صقفة الواقعة أعلى منازل» بنى حبلى «وقد بنى كل واحد منهم منازل متينة وبعض
стр. 1037
القلل الرصينة، وكان يقال لأفراد هذه الجماعات-يعنى القبائل بنو وائل، بنو أمية، بنو عطية فى ذلك التاريخ «جعادة».
ولما وقعت قرى بنى أمية بن زيد على جانب نهر صغير صدفة كانت حقولها خصبة ومنبتة وذات محاصيل وفيرة وكانت أكثر قيمة من أراضى القرى الأخرى كما أن لأفراد بنى عطية برجا يسمى «شاشى» بين جدران مسجد قباء الجنوبية.
وسكن بنو سعد بن مرة بن مالك بن الأوس فى ناحية تسمى «راتج» كما أن بنى حطمة بن جشم بن مالك بن الأوس سكنوا بالقرب من «ماجشونية» يعنى فى أطراف قرى بنى حارث وفى المنازل الكائنة فى حى غرس، والخلاصة أن البطون التى انفصلت عن سلالة مالك بن أوس هى فروع القبائل التى ذكرت إلى الآن.
وكانت كل هذه الجماعات والقبائل تسكن فى المواقع التى ذكرت آنفا والتى تقع أسفل أراضى يثرب.
стр. 1038
الصورة الرابعة
فى تعريف ووصف القرى والمنازل التى سكنها بعد تهيئتها أبناء قبائل الخزرج
وجماعاتها فى جوار مدينة الرسول .
توطن أولاد وأحفاد الحارث بن الخزرج بن ثعلبة فى أول الأمر فى الجهة الشرقية لوادى بطحان واستقر من هؤلاء جشم وزيد بن حارثة منفصلين عن أبيهما فى برج «الناحية» الذى يقع فى موقع «سخ»،وكان هذا البرج بعيدا عن مسجد السعادة مسافة ميل وكان فى داخل أقرب قرية إلى المسجد الشريف فى تلك الناحية.
وفارق خدارة بن عوف جده الحارث وسكن فى التلال التى يطلق عليها «حرار سعد» وفى الجهة الشامية منها، كما سكن ابن أخيه فى قرب مكان يسمى «بصة» وظل سالم بن عوف وأخوه غنم بن عوف بن عمرو بن الخزرج الأكبر أولاده وأحفاده فى أطراف «مسجد الجمعة» الواقع فى الحرة الغربية.
وكان لبنى خدارة برج يقال له «بئر البصة» كما كان لبنى سالم برج يطلق عليه «قواقل» وكان لكل واحد منهما برج متين ويروى أن برج «بئر البصة» قد أسس من قبل جد أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه البارى.
واستقر بنو عطية من رؤساء بنى سالم بالقرب من مسجد «بنو عطية» فى ناحية قباء وجماعات بنى حبلى من أحفاد مالك بن سالم بن غنم بن عوف استقروا فى القرى الكائنة بين منازل بنى النجار وبنى ساعدة.
وكان لجماعات هاتين القبيلتين خلف المنازل التى يطلق عليها بيوت عبد الله بن أبى، برجا يقال له «مزاحم» وكان فى غاية الجمال والمتانة.
وسكن جماعة بنى سليمة بن سعد بن على بن أسد بن شاردة ابن زيد بن
стр. 1039
جشم بن الخزرج فى الحرة الواقعة بين برج ناحية «بنى حرام» وبين مسجد القبلتين، وسكنت طائفة بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة فى جهة منازل بنى عبيد والمسجد السالف الذكر وبنوا مسجد القبلتين.
كما استقر أفراد بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة فوق الجبال القريبة من مسجد الحزب وأنشئوا برجا متينا فى الجهة الجنوبية من المسجد.
وتوطن بنو حرام بن كعب بن غنيم بن كعب بن سلمة فى جانب المسجد الصغير الواقع فى مكان يقال له «قاع» وفى جهة مقبرة بنى سليم فى جهة «حصار مزاد» وبنوا بجانب بئر جابر بن عتيك (١) برجا منتظما.
وأقام أفراد بنى سلمة فى القرى سالفة الذكر، وتبعوا أمية بن حرام وعاشوا متآخين على قلب واحد وقالب واحد ولم يقم بعضهم ضد البعض مثل القبائل الأخرى؛ ولم تظهر بينهم آثار النفاق والشقاق ومن هنا أصبحوا من أثرياء العرب وأقويائهم فى أرض يثرب.
وأقام بنو بياضة وزريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأكبر، وبنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب.
وبنو عذراة (٢)،وبنو أجدع (٣) متفقين فى قرية دار بنى بياضة (٤) الكائنة فى الجانب الشامى لقرى بنى سالم وفى الجهة الجنوبية من منازل بنى مازن وابتدروا فى بناء ما يقرب من عشرين برجا لا بديل له.
وانفصل بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر عن آبائهم وانتشروا فى عدة قرى؛ يعنى استقر بنو ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وأبناء الحارث بن الخزرج بن ساعدة فى قرية «بنى ساعدة» الواقعة فى الجهة الشرقية من سوق المدينة المنورة،
стр. 1040
واستقر بنو وقش وبنو عنان بن ثعلبة بن طريق بن الخزرج بن ساعدة بجوار «مسجد الراية» كما استقر بنو مالك بن النجار فى منازل «بنى النجار».
وكانت منازل بنى النجار فى تلك الأوقات فى جهة باب الرحمة للمسجد الشريف وعلى هذا التعريف كانت منازل بنى معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار على الجانب الأيسر بجانب شارع باب الرحمة للمسجد الشريف، وكانت بيوت بنى مقالة على الجانب الأيمن من الشارع المذكور، وكان يسكن بنو مبذول بن عامر بن مالك بن النجار شرق بقيع الغرقد وبنو غنم فى الجهة الجنوبية منه.
وكانت منازل بنى عدى بن النجار فى الجهة الغربية من المسجد الشريف وكانت منازل بنى مازن بن النجار فى الجهة الشرقية من منازل زريق، وكان لأبناء عدى بن النجار فى ساحة المسجد الذى فى «دار نابغة» برج متين يسمى «زهرابة»،وإذا ما نظرنا إلى الأماكن التى أقيمت فيها منازل بنى النجار بعين الإمعان يفهم بداهة أن منازل بنى النجار أقيمت فى نقطة غاية فى الأهمية، وإلى هذه النقطة الدقيقة يشير الحديث الشريف النّبوي الذى يقول: «خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج ثم بنو ساعدة وفى كل دور الأنصار خير» (١) (حديث شريف).
стр. 1041
الصورة الخامسة
فى تعريف رؤية الملاحم التى ظهرت قبل الإسلام بين قبائل الأنصار الكريمة
والمعارك المشهورة .
انتصر أفراد القبائل الذين تشعبوا من سلالة الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا بعد واقعة مالك بن عجلان، واختارت كل بطن قرية تسكن بها كما سطر آنفا، وأخذ كل واحد من أفراد القبائل يحث الآخر فى تعمير الأملاك والأراضى وعاشوا متآخين فترة طويلة؛ ولكن ما ظهر بينهم فيما بعد من آثار النفاق والشقاق دفعتهم لاستخدام السيف والسنان ضد بعضهم حتى وصلت الحروب التى قامت بينهم قبل عصر السعادة بمائة وعشرين سنة إلى درجة تسلب عقول العقلاء ويروى المؤرخون أن الحرب آتية الذكر من أشهر معارك تلك القبائل المذكورة.
وقعة سمير-إن وقعة سمير أولى الملاحم المحزنة من بين الحروب التى وقعت بين قبائل الأنصار، ولما كان سبب حدوث هذه الواقعة رجل اسمه سمير من قبائل الأوس، قد اشتهرت تلك المعركة باسم وقعة سمير.
إن أصل الواقعة قتل سمير لأحد الأشخاص من الذين دخلوا فى حماية مالك بن عجلان الخزرجى يسمى كعبا بالاتفاق مع أحد أشرار بنى ثعلبة، وكان كعب هذا قد أحدث فتنة وفسادا بين قبيلته الأصلية بنى ذبيان ثم هرب ناجيا برقبته واحتمى بمالك بن عجلان.
ولما كان قتل شخص دخل تحت حماية أحد الأشخاص يعد مصيبة بين القبائل تلوث شرف مالك بن عجلان ومكانته، لهذا قام ابن عجلان بطلب دية كاملة من قاتل كعب وعند المخالفة لهذا التقدير أعلم أشرار بنى ثعلبة أن يستعدوا للقتال.
стр. 1042
وكانت العادة المرعية فى تلك الأوقات عند العرب أن يعطى لمقتول الحليف نصف دية المقتول النسيب لذلك قال رجال القبائل الأوسية التى ينتسب إليها سمير أن إعطاء دية النسيب (١) لقتيل الحليف (٢) مخالف لقانون العرب، وإنها ليست شيئا نعجز عن دفعه إلا أننا نخاف أن يظل كالعادة بين العرب وبناء على هذا نعطى دية الحليف حتى نقف دون احتمال وقوع هذه العادة، ولكن مالك بن عجلان أصر فى ادعائه وطلبه، وحاول رئيس قبائل الأوس أحيحة بن الجلاح أن يقنع مالكا حتى يحافظ على عادات العرب القديمة.
وطال الإصرار والمدافعة ونتج عن الحوار الجدال والمشاجرة، وتسلح الطرفان وشرع كل طرف فى شتم الآخر وضربه وتضاربا ثمانى ساعات أو عشر، وفى النهاية تغلب الأوس على الخزرج وعينوا منذر بن حرام النجارى الخزرجى جد حسان بن ثابت-رضى الله عنه-حكما للفصل بين المتخاصمين.
وأخبر مالك بن عجلان بأنه سيقبل الرأى الذى يقضى به ابن حرام وبحكمه، وبعد أن أخذ منذر بن حرام تأكيدات قوية من أفراد طرفى المحاربين بأنهم سيوافقون على الحكم الذى سيصدره، ثم خاطب الأوس وقال: «يلزم أن تدفع دية النسيب لكعب المقتول على أن يكون لهذه المرة فقط» وإن كان أفراد قبيلة الأوس وافقوا على هذا الحكم وقاموا بتنفيذه وفصلوا هذه الحرب بحكم المنذر إلا أن الطرفين قد غضب بعضهم من بعض وفى النهاية أحدثوا فيما بينهما ملحمة يوم الرحابة.
يوم الرحابة-حدثت هذه الواقعة بين بنى حجبا من قبيلة الأوس وجماعات بنى مازن من أقوام الخزرج وقد أدى إلى حدوث هذه الملحمة المؤلمة قتل كعب بن عمرو المازنى من عشيرة مازن بن النجار من قبل بنى حجبا، لأن كعب بن عمرو المازنى كان يتلاقى من حين لآخر بباغية من نساء بنى حجبا، وعندما اطلع بنو حجبا لوقاحة كعب ومجونه حاصروه يوما فى منزل تلك الفاجرة وقتلوه. وأسرع
стр. 1043
عاصم بن عمرو أخو كعب يتفق مع أبطال بنى مازن فى المطالبة بثأر كعب وأعلن خصومته كما أن رجال بنى حجبا تهيئوا لأسباب القتال فاجتمع رجال الطرفين فى موقع رحابة وأخذوا يتقاتلون.
وقد تحمل رجال الأوس وتجلدوا فى ميدان المعركة وأظهروا بعض البطولات إلا أنهم لم يتحملوا هجمات رجال الخزرج الشديدة وفروا فى النهاية منهزمين، وانفصل رئيس قبيلة الأوس عن الفارين ودخل فى القلعة المشهورة ب «ضحيان» مع أتباعه وأغلق أبوابها.
وكان أخو كعب المقتول عاصم بن عمرو يصر على أخذ ثأر أخيه من أحيحة بن الجلاح، وأخذ يبحث عن طريقة للوصول إلى أحيحة وقتله قائلا: «إنه زمن الانتقام تماما» وأخذ يتجول حول ذلك الحصن فى الليالى، وفى ليلة ما كان أحيحة قد خرج من الحصن ليسترق السمع للأحداث وأطلق أمامه الكلاب للأطراف والأكناف وأخذ ينظر إلى أطرافه الأربعة نظرات متجسسة قائلا: «يا ترى من أين يمكن أن يأتى العدو وقد هيأ عاصم بعض التمر وسار نحو حصن ضحيان ورمى عدة ثمرات لكل كلب يقابله حتى يمنعه من النباح واقترب من الحصن، ولكن أحيحة قد دخل حصنه وقد أقلقه نباح الكلاب أولا وسكوتها بعد ذلك ولكن عاصم قد رأى رغبة دخول أحيحة فى الحصن فأطلق من خلفه سهما ولكنه اصطدم بباب الحصن ولم يصب أحيحة ولما رأى ذلك هرب حتى ينجو من الوقوع فى أيدى الأوس.
ولما عرف أحيحة أن السهم الذى أطلق كان يقصده وأدرك أن غير عاصم لن يتجرأ على الاقتراب من الحصن بهذا القدر فجمع فتية القبيلة وأطلقهم من خلف عاصم إلا أن الوقت قد مر حتى يجتمع رجال القبيلة مما أعطى الفرصة لعاصم أن يصل إلى مقر قبيلته فلم يستطع رجال الأوس القبض على عاصم وعادوا وقد اغتاظ أفراد قبيلة أحيحة من فشلهم فى القبض على الفريسة التى أتت برجليها إلى الفخ وعودتهم يائسين وعلى إعطاء فرصة للفرار لعدو كبير قتلوا فى معركة رحابة أخاه كعب بن عمرو هذا.
стр. 1044
ومن هنا عزموا على الانتقام من قبيلة الخزرج وذلك بمباغتتهم فى ليلة من الليالى وذلك بتصويب جميع أبطال القبيلة واتحاد رأيهم؛ إلا أن زوجته «سلمى بنت عمرو» النجارية أبلغت الأمر إلى أفراد قبيلتها أى أنها أيقظت الخزرج من نوم الغفلة وذلك بإظهار ما يضمره الأوس من شر لهم، ومن هنا لم يستطع أحيحة أن ينال غرضه، وغضب غضبا شديدا من زوجته وبسبب هذا الغضب طلق «سلمى» التى تتمتع بجمال بالغ حتى يتشفى منها؛ إلا أن هذا الغضب أدى إلى ارتباط السلسلة الذهبية النبوية ببنى النجار وكان سببا ظاهرا له، لأن هاشم بن عبد مناف الذى يحمل صفات النبى والجد الثانى له قد تزوج بمطلقة أحيحة «سلمى بنت عمرو» وقد حملت المشار إليها منه وولدت جد النبى ﷺ عبد المطلب.
سلمى-وكانت هذه الحادثة سببا فى اشتهار سلمى «بمتدلية» إذ فهمت سلمى ليلة مباغتة الأوس لقبائل الخزرج من استعداداتهم ثم ربطت نفسها بحبل قوى وتدلت من الحصن بهذا الحبل وأخبرت قومها بأحداث الواقعة، وكان هذا العمل سببا فى طلاقها واشتهارها بلقب «المتدلية» وتكمن فى هذا السر حكمتان خفيتان أولاهما عدم انتقال النور المحمدى إلى نساء الأجانب وثانيتهما ارتباط سلسلة القبائل الخزرجية بالسلسلة النبوية وهذا مما يسر واقعة الهجرة لما عرض عليه الأنصار الكرام من العون والنصرة والانقياد.
عندما طلق أحيحة سلمى كان هاشم بن عبد مناف قد اشتهر فى قطر الحجاز بالحسن والملاحة ولما كان يحتوى على الغرة الغراء من عالم النجابة واليمن ولما كانت شمس سيد الأبرار تلمع فيه كلما قابله علماء اليهود والنصارى المطلعون على محتويات الكتب السماوية يسلمون عليه ويصافحونه ويقبلون يديه معا، وكانوا يعرضون عليه بناتهم للزواج.
وقد انتشر فى الجهات الأربع للعالم أن علماء العصر عرفوا بدلالة الصحف السماوية أن سيكون الجد الثانى لسيد العالم ﷺ ومن هنا كانوا يظهرون له التعظيم والتبجيل ويعرضون عليه بناتهم اللائى بلغن أقصى حد الملاحة والجمال.
стр. 1045
رواية
ولما وصلت هذه الشائعة إلى أسماع قيصر ملك بلاد الروم أراد أن يدخل إحدى بنتيه المشتهرتين بالجمال المفرط فى العالم كله فى سلك جدات النبى الغاليات وأن يجعل هاشم بن عبد مناف صهرا له فبعث من يوصل هذا الخبر إلى هاشم يقول فيه: إن عندى بنتين يمكن أن يقال إن أما لم تلد فى مثل جمالهما كنت أود أن أزوجهما لشخص ظاهر الحسب وطاهر النسب ولما ثبت فى العالم كله والأقوام أصالة حسبك وطهارة نسبك فبعثت ببنتى لك فإذا عقدت نكاحك لإحداهما فتكون قد سررتنى كما أنك ترتبط بأسرتى السلطانية وتكتسب بهذا إعلاء قدر وميزة!!! وبعث عقب ذلك ببنتيه إلى ذلك المحبوب الذى حيّر الدنيا بحسنه.
وكان قصد ملك الروم من هذا أن يكون حما لهاشم بن عبد مناف وأن يكسب إحدى بنتيه شرف الصعود إلى درجة إحدى جدات النبى والتى تساوى شرفى الدنيا والآخرة.
وحينما وصلت بنتا ملك الروم إلى مكة المعظمة مال هاشم إلى أن يتزوج الاثنتين وبعد أن عرض طاعته وعبوديته لله أولا فوق جبل ثبير وبعده أمام الكعبة المعظمة وفق العادة الجاهلية فدخل بيت الزفاف وفق الأصول، إلا أن حضرة جبريل نزل باسطا أجنحته ورفع من ظهر هاشم نور النبوة وبهذا قد أعلم أنه لا يحتمل أن تكون صدور الروميات درة الوشاح لجوهر خاتم الأنبياء عليه أفضل التحايا الغالى. وكلما كان هاشم يفترش هاتين البنتين كان جبريل الأمين ينزع نور سيد الأنبياء من مشكاته التى وضع فيها.
دامت هذه الحالة التى تشتمل على الحكمة الإلهية فترة طويلة إلى أن رأى هاشم فى ليلة من الليالى فى رؤياه من يقول له: يا هاشم! يجب عليك أن تعقد نكاحك لسلمى بنت عمرو بن شريد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار بن تيم بن ثعلبة بن عمرو الخزرجى من كرائم كبار النجارين.
стр. 1046
ولما كان هاشم ذات سمات جميلة متهيأ للتحرك نحو سواد الشام المعظم بنية التجارة فمر مضطرا بمدينة طيبة، وتزوج من سلمى بنت عمرو النجارى كما أمر فى رؤياه وهكذا أنقذ مليحات عرب البادية الجميلات من عبث الطمع بالزواج به. انتهى.
كانت سلمى بوفرة عقلها وحلمها وشدة جمالها وسعة علمها خديجة الكبرى فى زمانها، وكان اسم والدتها عمرة بنت صخر بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار واسم جدتها سلمى بنت عبد الأشهل النجارية.
يوم السرارة-لم يستطع الخزرجيون أن يتحملوا هزيمة يوم الرحابة، وظلوا ينتظرون حدوث واقعة أخرى وفى نهاية الأمر اختلقوا ملحمة «يوم السرارة» حيث انتصروا وأصبحوا يتباهون على أفراد قبائل الأوس ويتفاخرون عليهم بنصرهم.
وقد ظهرت هذه الحرب الشهيرة بين بنى عوف بن أوس وبنى حارثة الخزرجى وقد قاد محاربى بنى عوف «خضير بن سماك» كما قاد بنى حارثة «عبد الله بن أبى بن سلول أبو الحباب»،وقد تلاقى أفراد القبيلتين فى مكان يسمى «سرارة» وتحاربوا أربعة أيام متتالية وفى نهاية الأمر انتصر الخزرجيون وتفرق الأوسيون منهزمين حتى يعدوا ليوم آخر وهو يوم «حصين».
يوم حرب حصين-وقعت هذه الملحمة العظيمة بين بنى وائل من قبائل الأوس وبنى مازن بن النجار من قبائل الخزرج ولم يتخل أى واحد من محاربى الطرفين عن الحرب وقد أصر رجال كل طرف على أن يوقعوا خسائر على الطرف الآخر تخرج عن العد والإحصاء.
يوم ربيع الظفرى-وقعت بعد فترة من حرب حصين وقعة «يوم ربيع الظفرى» بين ظفر الأوس وبنى مالك بن النجار الخزرجى، ولما كان رجال بنى النجار فى هذه الحرب متعبين ومرهقين فاتحدوا وتجمعوا فى يوم «فارع» حيث أخذوا
стр. 1047
يشتمون بعضهم بعضا وأشعلوا نار الحرب وبذل كل واحد من الطرفين أقصى جهده ليتغلب على الطرف الآخر.
يوم فارع-كان قائد القبائل الأوسية فى يوم فارع معاذ بن نعمان بن امرئ القيس الأشهلى والد سعد من الأنصار الكرام وكان قائد القبائل الخزرجية عمرو بن الإطنابة ولم تترك الحرب والقتال إلا بعد تأدية الدية المقطوعة للغلام القضاعى الذى فى حماية معاذ بن نعمان دية أخيه الذى قتل من طرف ابن النجار، وشغلت هذه القبائل من حين لآخر بالقيام ضد بعضها إلا أن أى طرف من الطرفين لم يستطع أن ينتصر على الطرف الآخر انتصارا قاطعا لذا رفعا المخاصمة من بينهما بعد يوم فارع واتفقا ضد اليهود.
وعقدا روابط الصداقة بينهما وتركا العداوة بينهما وعاشا متآخين مدة طويلة يعرض كل طرف للطرف الآخر مظاهر المودة والمخادنة ولكن العلاقات بينهما قد ساءت وفسدت وذلك بسبب الدسائس التى ألقيت بينهما فتسببا فى ملحمة يوم الجسر (١) بعد وقعة حرب سمير بمائة سنة.
يوم الجسر-وسبب وقوع وقعة يوم الجسر قتل حاطب بن قيس يهوديا تحت حماية يزيد بن الحارث الخزرجى.
وكان حاطب بن قيس من رؤساء أعيان قبائل الأوس وكان يكرم الضيوف ويقوم بتسوية حاجات غرباء البلد، وجاءه يوما ضيف من بنى ذبيان وخرج معه إلى السوق ولمس أحد اليهود بظهر الضيف وأخذ يسخر منه وذلك بإيعاز وإلحاح من يزيد بن الحارث، ولم يتحمل ضيف حاطب هذه الإهانة والحقارة وصاح بصوت عال: «يا حاطب!! بينما أنت من أصحاب النفوذ والكلمة المسموعة، فكيف يتجرأ يهود السوق بإهانة الضيف الذى التجأ إليك واحتمى بك وذلك بمس دبره وإظهار علامات الحقارة له والاستهزاء به هل تتحمل أن يهان ضيوفك بهذه
стр. 1048
الدرجة؟!» وبناء على تأسف الضيف لما حدث فما كان من حاطب إلا أن قتل اليهودى متأثرا من قول الضيف.
وقد مات اليهودى الذى قتله حاطب ضحية فى سبيل ابن الحارث وغضب ابن الحارث من ذلك أشد الغضب وتتبع حاطب إلا أنه لم ينجح فى الإمساك به بل قتل بريئا خرج أمامه، وفى ذلك الوقت كان ينتمى إلى بنى معاوية ولم يكن له أى علم أو علاقة بقتل اليهودى وكأنه بهذا قد ثأر وانتقم ومن هنا اشتعلت نار الحرب والقتال بين القبيلتين.
والتقى بعض الفتيان من الخزرج والأوس على جسر ردم بنى الحارث وشرعوا فى قتال دام شديد، وكان قائد الأوس فى هذه الحرب خضير بن سماك الأشهلى، وقائد الخزرج عمرو بن نعمان البياضى، وقد انتصر الخزرج على الأوس.
يوم الربيع-بعد مرور وقت قصير بعد معركة جسر ردم بنى الحارث اجتمع كثير من الرجال من الخزرج والأوس أمام جدار عتيق يعرف ب (ربيع) وفى ناحية «السفح» وقد تقاتلوا مدة طويلة وبشدة فإذا ما كان القتال دام أكثر من ذلك لما بقى فرد يتنفس من الفريقين، وعندما عرف رجال الأوس أن القتلى بجانبهم أكثر من القتلى الذين فى فريق الأعداء تركوا الحرب متفقين وهربوا من ميدان القتال ظانين أن رجال الخزرج لن يتبعوهم.
وكان من الأصول المرعية عند العرب أنه عندما تنهزم فرقة وتتشتت وتفر وتدخل فى مسكنها ألا يتتبعها الفريق الغالب، إلا أن رجال الخزرج لم يتذكروا هذه القاعدة فظلوا يطاردون الأوس ودخلوا فى قريتهم. فعرض الأوس المصالحة ولما رأوا أن عرضهم لم يقبل أدخلوا أطفالهم ونساءهم فى داخل الحصون وتحركوا وفقا للقاعدة «النار ولا العار» وهجموا على أعدائهم مظهرين عليهم سطوة السيف متحدين. وحاربوا حربا شعواء دامية، وقد خاف الخزرجيون وارتعبوا وأرادوا أن يتركوا الحرب وبما أنهم نقضوا الأصول والعادات أولا
стр. 1049
فاستمر الأوسيون فى القتال وطاردوا عدوهم إلى بقيع الغرقد وشتتوا عدوهم وكسبوا الحرب كما انتصروا على الخزرجيين فى واقعة «يوم الفرس» التى حدثت بعد ذلك بقليل.
ويذكر المؤرخون العرب الحروب التى وقعت حول المدينة بعد يوم الفرس ب «حرب الفجار» سبب ذلك تحرك أفراد قبيلة الأوس خلاف رأى القائد الذى يسمى الأشهلى وأبا أسيد من الأصحاب الكرام وكان قائد الأوس فى وقعة «يوم الفرس» وقد أرسل عقب الحرب سفيرا إلى الخزرج وأفهمهم أنه مستعد لعقد الصلح بشرط أن يدفع ديات قتلى الذين يزيد عددهم على قتلى الطرف الآخر، وقبل الخزرج اقتراح خضير الكتائب ولما تبين أن قتلى الأوس يزيد ثلاثة أنفار عن الخزرج قد أعطى إلى الأوس ثلاثة أنفار رهائن إلى أن تدفع الدية، وقد نقض الأوس العهد وقتلوا أحد الرهائن ومن هنا سميت الحرب التى حدثت واشتعلت بكل شدة بعد يوم الفرس حرب الفجار-ولكن الحروب التى وقعت فى المدينة لا تعد من حروب الفجار التى وقعت بين بنى كنانة وبنى قيس، لأن حروب الفجار بين بنى كنانة وبنى قيس قامت أربع مرات لأول مرة فى السنة العاشرة من الولادة النبوية والثانية فى السنة الثانية عشرة والثالثة فى السنة الرابعة عشرة والرابعة فى السنة العشرين وزمن وقوعها شهور «رجب، وذى الحجة، ومحرم، وصفر» وصادفت الأشهر الحرم ولما وعى المقاتلون ذلك قالوا متأسفين نادمين «قد فجرنا» وأطلق على هذه الحروب حروب الفجار.
يوم الحدائق-بدء حروب الفجار بالمدينة كان عقب وقعة يوم الفرس مع ملحمة يوم الحدائق وسبب هذه الحرب قتل أحد الرهائن التى أعطيت فى يوم الفرس، إذ قام الخزرجيون عامة للحرب، عقب نقض الأوس عهدهم بقتل أحد الرهائن واستطاعوا أن يضيقوا الخناق على الأوس بين بستانين نخيل المدينة وذلك لما رتّبه ونظمه قائدهم عبد الله بن أبى بن سلول من الدسائس والحيل، وأشعلوا نار الحرب وبذلوا كل جهدهم حتى شتتوا القبائل الأوسية وجرحوا قائدهم أبا قيس من عدة أماكن فى جسمه.
стр. 1050
يوم المعبس والمضرس-وقعت معركة المعبس والمضرس بعد وقعة يوم الحدائق، وقد وقع هذا الجدال خلف جدارين، وقد تحشد رجال الأوس الذين نجوا يوم الحدائق خلف جدار يعرف «بمعبس» كما احتشد رجال الخزرج خلف جدار آخر يقال له «مضرس» وتحاربوا وتقاتلوا أسابيع وفى النهاية انهزم الأوسيون وتشتتوا وأغلقوا أبواب الأبراج التى كانت تعد من الحصون فى تلك العصور على أنفسهم وأطلق لهذه الحرب اسم يوم «معبس ومضرس» وبعد فترة رغبت جماعة بنى عوف فى عقد الصلح مع الخزرج ولكن بنى عبد الأشهل وبنى ظفر والرجال الآخرون الذين يوافقون رأيهم امتنعوا عن ذلك قائلين إننا لا نرضى بعقد صلح قبل أن ننتقم من الخزرجيين من هنا أخذ الخزرجيون يزعجون الأوس من حين لآخر ويطردونهم من مساكنهم؛ حتى إن جماعة بنى سلمة باغتت قرية بنى عبد الأشهل ونهبوا أموالهم وأصابوا سعد بن معاذ الأشهلى بالجروح وسببوا له الألم والمحنة.
وذهب رؤساء الأوس بعد نهب قرية بنى عبد الأشهل إلى مكة المعظمة بنية زيارة البيت الأكرم وفى نفس الوقت حرصوا على أن يعقدوا روابط الاتفاق والمعاهدة مع صناديد قريش ضد قبيلة الخزرج وفعلا وجدوا كثيرين ممن يؤيدونهم، إلا أن أبا جهل اللئيم قد وصل لعلمه عقد اتفاق الأوس مع قريش فقابل أعيان قبيلة قريش الذين تعاهدوا مع الأوس فى دائرة دار الندوة وألقى فيهم هذه الكلمة التى تفتت الكبد إذ قال: كأنكم غافلون من مؤدى المثل الذى يقول: «ويل من أهل المنازل» بما أن الأوس من ذوى القدرة والنفوذ وأصحاب الثروة فإنهم سيطردونكم ويبعدونكم من مكة؛ ولا يخفى لكل من يعرف وقائع الأسلاف أن كل قوم باتوا فى بلاد قوم آخرين إلا وطردوهم من منازلهم وأخرجوهم من مأواهم، وأشار بهذه الكلمات إلى وجوب نقض المعاهدة، وقد جعلت كلمات أبى جهل القرشيين يندمون على عقد اتفاق مع الأوس ولكنهم لم تصل بهم الدناءة لارتكاب حقارة نقض المعاهدة وقالوا: «إننا قد عاهدنا الأوس! كيف نجسر على نقض عهدنا؟ هل هناك دناءة أعظم بين العرب من نقض العهد؟! وأرادوا أن
стр. 1051
يسكتوا أبا جهل بهذه الكلمات، إلا أن أبا جهل قال اتركوا هذه النقطة من المسألة لى أنا، وخرج من دار الندوة وتلاقى مع الأوس وقال لهم: «يا أعيان قبائل الأوس! قد عقدتم العقد والميثاق مع القرشيين، وإننى لفى شدة الأسف لعدم وجودى فى ذلك المجلس! وإذا كنت وجدت فى هذا المجلس لكنت عاهدتكم أنا أيضا، وكنت آتى لعونكم مع أبطال قريش! إذا قبلتم نعقد مقاولة أخرى لتحديد المعاهدة! أننا لا نخفى نساءنا وبناتنا عن بعض ونسمح لجوارينا بملاطفة الرجال بالسر فى أسواقنا! إذا اتفقتم معنا فى هذه الأفكار وسمحتم لنسائكم وجواريكم بملاطفتنا وملاعبتنا، فإننا نعينكم! وإذا لم توافقونا فى أفكارنا فمن العبث أن تنتظروا العون منا!!!.
وبهذه الكلمات قد كشف مسألة إباحة النساء التى كان يحترز منها أهالى المدينة، لأنه كان يعرف جيدا أن الأوس ينفرون من هذه المسألة غير المشروعة ويتجنبونها.
وصرف الأوسيون النظر عن عون القرشيين إذ فهموا أفكار أبى جهل الضارة وعادوا إلى أرض يثرب وحرصوا على عقد اتفاق مع القبائل اليهودية وأحدثوا «يوم الفجار الثانى» تلك الملحمة الكبرى.
يوم الفجار الثانى-ظهرت واقعة يوم الفجار الثانى عقب عودة الأوس إلى المدينة، وذلك عندما عرف الخزرج أن الأوس قد عقدوا الاتفاق مع «بنى قريظة، وبنى النضير» من القبائل اليهودية فأرسلوا إليهم شخصا يدعوهم إلى القتال معهم، فأجاب اليهود حتى لا تراق الدماء عبثا: «إننا لم نتفق مع الأوس ولم نفكر فى أن نتفق معهم واضعين أيدينا فى أيديهم»،وأرسلوا أربعين نفرا من اليهود رهائن حتى يطمئنوا الخزرج، ولكن بما أن قرى اليهود كانت منتظمة وفى أماكن حصينة طبيعية فإنهم طمعوا فى الحصول على قرى اليهود وأرسلوا رجلا آخر يقول لهم: «اتركوا مواقعكم ابتداء من هذا اليوم وهاجروا إلى أماكن أخرى!» وإذا رفضتم فإننا سنقتل رهائنكم فأجابهم اليهود قائلين: «إننا لا نرى
стр. 1052
سببا يجبرنا للجلاء عن وطننا!!» إذا أجريتم الإهانة فاقتلوا رهائننا وقد غضب الخزرج من هذه الإجابة وتهوروا وقتلوا اليهودى (١) الذى كان فى حفظ عمرو ابن النعمان، ولما رأى اليهود هذا من الخزرج اتحدوا مع الأوس.
وهجموا على القبائل الخزرجية وأحدثوا قتالا كبيرا وهذا القتال ملحمة يوم الفجار الثانى.
عندما قتل عمرو بن النعمان الرهينة الذى كان تحت يده وأبرز الإهانة قال عبد الله بن أبى بن سلول لقاتل اليهودى «إنك غدرت» وتخلى عن الاتفاق كما أطلق الأوسيون الذين يتبعون ابن سلول سراح رهائنهم وأرسلوهم إلى قراهم.
يوم بعاث-قد اندلعت ملحمة يوم بعاث بشدة بعد يوم الفجار الثانى وبعد هذه الحرب لم يقع قتال قط بين قبائل الأوس والخزرج.
سبب حدوث وقعة يوم بعاث هو سبب وقوع ملحمة يوم الفجار الثانى؛ لأن قبائل بنى قريظة وبنى النضير اتحدت مع قبائل الأوس واتفقت معها وجلبت رجال قبائل مزينة حليفها وجمعتهم، كما أدخل الخزرجيون فى دائرة اتفاقهم حلفاءهم من بطون بنى أشجع وجهينة، وأخذ أفراد الطرفين يستعدون للقتال ويهيئون أدوات وآلات أربعين يوما بعد حرب يوم الفجار الثانى وجهزوا مالا يحصى من الجيوش وتلاقوا فى النهاية فى مكان يسمى «بعاث» وشرعوا فى قتال شديد، وقد وقعت هذه الحرب فى شكل مفزع وصورة دامية.
وكان خضير الكتائب قائد الأوس وعمرو بن النعمان البياضى قائد القبائل الخزرجية، ولكن عبد الله بن أبى بن سلول ومن يتبعونه ومن كان تحت إدارة بنى حارثة كانوا على الحياد، وبذل أبطال الطرفين أقصى جهدهم وأظهروا غاية شجاعتهم وحرص كل واحد منهم على إهلاك الآخر وإتلافه، وطال القتال مدة وفى النهاية تفرقت فرق الأوسيين وشرعوا فى الهرب.
ولما رأى خضير بن سماك قائد الأوسيين أفراد المقاتلين الذين تحت قيادته أخذوا يفرون وقد تخلوا عن القتال وقد مالت أسباب النصر والظفر إلى طرف
стр. 1053
الخزرجيين قطعيا، فغرز رمحه فى رحله وبرك على الأرض مثل الجمل بناء على القاعدة العربية القديمة وقال: «إننى لا أرجع من هنا ما لم أقتل فإذا أردتم أن تتركونى فى حالتى هذه للعدو فاتركونى»،وأنشد بعض الأشعار المناسبة للموقف وهكذا شجع أبناء قبيلته، وقد أشفق رجال الأوس على حال خضير الذى يفكر فى وطنه وهو مجروح ويحرص على الدفاع عنه وحتى لا يتركوه ليد العدو وهو فى حالته هذه فاضطروا للثبات فى ميدان الوغى وأثبتوا شجاعتهم الفطرية بقتلهم قائد الخزرج عمرو بن النعمان (١) البياضى وهزموا عدوهم هزيمة شنعاء وأخذوا يتعقبونهم من خلفهم، وفى أثناء ذلك سمعوا صوتا هاتفيا يقول: «يا معشر الأوس لا يليق أن تقتلوا إخوانكم بهذا الشكل، إن مجاورتهم أولى من مجاورة اليهود» حينئذ تركوا الحرب ثم حملوا خضيرا الذى شجعهم بكل تعظيم وأوصلوه إلى منزله.
وقد فرح خضير بن سماك فرحا لا حد له لانتصار الأوس على الخزرج على الصورة المطلوبة، إلا أن الجرح الذى أصيب به لم يكن قابلا للالتئام فمات متأثرا به بعد مرور وقت قليل.
وكان هزيمة الخزرج وتشتتهم شيئا يبحث عنه الأوسيون ولا يجدونه؛ ولذا نهبوا الخزرجى الذى وقع تحت أيديهم وتركوه مجردا من كل شئ وهدموا منازلهم وشتتوا أسرهم وهدموا وأحرقوا بساتين نخيلهم وبهذا أظهروا دناءتهم التى لا توصف وجرحوا ثابت بن قيس بن شماس الذى قبضوا عليه وكان ذلك الجرح شارة حريته وأسرعوا فى قطع نخيل بنى سلمة وإحراقها؛ وأسرع سعد بن معاذ الأشهلى حتى أنقذ نخيل قومه.
وأخذت أضواء شمس النبوة تضئ آفاق المدينة المنورة عقب وقعة يوم بعاث وشرعت الدعوة المحمدية تنير أرض يثرب والبطحاء وبدأ السلطان الذى ظهر جديدا يرفع أستار الظلام والخصومة والعداوة بين قبائل الأوس والخزرج، ولم يبق لها أثرا واتحد أفراد جميع القبائل التى تنتسب وتنتهى إلى ثعلبة بن عمرو مزيقيا واتفقوا جميعا فى نصرة الدين الأحمدى واتحدت كلمتهم.
стр. 1054
الوجهة الخامسة
وتشمل ثلاث صور تعين إرسال مصعب ابن عمير إلى يثرب
ليقوم بإمامة موحدى أهل المدينة ووقائع الهجرة النبوية التى تستلزم الفخر.
стр. 1055
الصورة الأولى
فى ذكر بيعة السابقين من الأنصار للإسلام وفى دعوة مصعب بن عمير أهل
المدينة إلى الإسلام .
بينما كان الأوس والخزرج يحاربون بعضهما كان النبى ﷺ رئيس الذاكرين لنعم الله يتلاقى مع الحجاج الواردين من أقطار العالم إلى مكة المعظمة ويدعوهم إلى الإسلام الذى فيه خيرهم فى حياتهم ومعادهم ويبلغهم أحكام الشريعة، وفى السنة الحادية والخمسين من ولادته السعيدة ذهب إلى صحراء منى حتى يلتقى مع الحجاج الواردين وفق عادته وتقابل مع بعض الأشخاص من قبيلة الخزرج الذين يطلبون الهداية فى سفح جبل «ثبير».ولما عرف أنهم من قبيلة الخزرج أخذهم إلى ركن ليحدثهم قليلا ثم أخذ يبين الدين الحنيف ويعرفهم به وفق رجائهم وتلى لهم بعض الآيات الكريمة أيضا، وكان الخزرجيون يرغبون فى الدخول من قديم فى حصن الإسلام المتين، وقالوا لابد أن يكون نبى آخر الزمان الذى ينتظر اليهود ظهور نوره وأرادوا أن يسبقوا اليهود فى يثرب فى التصديق وأسلموا بلا تردد وعادوا إلى المدينة وأخذوا يذكرون اسم النبى ﷺ وأوصافه فأسعدوا كل بيت وقصر.
إن الذين يقال عنهم الأنصار السابقون يعنى أول من أسلم من أهل المدينة هم هؤلاء الأشخاص الذين ذكرناهم؛ ولكن اختلف فى عددهم، بناء على أشهر الروايات تقدم فى الإسلام أسعد بن زرارة وستة أشخاص معه، ولكن عند البعض سبعة أشخاص (١) خمسة منهم من الخزرج واثنان من الأوس، رغّبهم فى سبق اليهود فى الإسلام ما سمعوه من اليهود: «إننا نبايع نبى آخر الزمان قبلكم»،لأن يهود يثرب كلما كانوا ينهزمون فى المناقشة والجدال مع قبائل