← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

نصيحة كان الذهاب إلى الحج بحرا قبل خمس سنوات أو عشر أهون من حيث النفقات وأدعى للراحة البدنية، ولكن منذ ثلاث أو خمس سنوات تغير الحال فالعودة بحرا أصبحت أمرا مضرا ومهلكا لأن المشكلات التى يتعرض لها الذاهبون والآيبون بحرا فى مواقع الحجر الصحى زادت من النفقات بالإضافة إلى ضياع الوقت كما تتسبب فى التعب الجسمانى، فالحاج الذى يريد أن يعود بحرا فى حاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر وإلى نفقات من خسمين أو ستين قطعة ذهبية من ذات المائة، فضلا عن تخمين ما سيتعرض له من المحن والمشاق. حتى لا يتعرض الحاج لكل هذه المصاعب والمتاعب منفقا نفقات زائدة يجب عليه أن يذهب إلى أداء الحج بحرا والعودة برا حتى لا يظل مدة طويلة فى الطريق كما أن الحجاج العائدين عن طريق البر لا يتعرضون لمشاق كثيرة ولا يتأخرون فى الطريق وبهذا ينالون شرف زيارة الآثار واجبة الزيارة. وليس بقليل ما تتعرض له قوافل الزوار والتجار من مشاق عندما يذهبون من ينبع البحر إلى المدينة ومن المدينة إلى ينبع البحر، وكانت هذه القوافل قبل أربعمائة عام تذهب وتجئ عن طريق «ميناء الجار» ولا يقعون فى مخالب أشقياء العربان، ولكن لشدة الأسف استطاع العربان الذين يسكنون بجوار ينبع البحر أن يتغلبوا على العربان الذين يسكنون بجوار «ميناء الجار». ووفقوا فى جعل ميناءهم ممر القوافل، ولكن إن كان الذهاب إلى المدينة من ميناء «الجار» يستغرق أربعة أيام فالذهاب من ميناء «ينبع» يستغرق خمسة أيام، فضلا على ذلك ما يتعرض له المسافرون من متاعب ومخاوف، فالعربان الذين يسكنون فى ناحية «الجار» ليسوا من أهل الجفاء مثل عربان نواحى ينبع بل هم فى غاية الأنس والقناعة، وإذا أرست السفن مراسيها كما فى السابق فى ميناء الجار وانتقلت القوافل فى ذهابها وإيابها عن طريق منياء الجار، تكون قد نجت

стр. 982

من شرور عربان ينبع كما أنها قللت من النفقات، ويتوقف تحويل الطريق إلى ميناء «الجار» على إقامة عدة دكاكين وبعض المخازن ومواقع حراسة قوية وتأسيسها. ولما كان ميناء «الجار» شبه جزيرة يستوعب كثيرا من السفن كان فى البداية ميناء مأمونا للفلائك التى ترد من ديار مصر والحبشة، لأنه يقع فى مكان مأمون من المخاطر وهو أقرب الموانى إلى المدينة المنورة. قد ثبتت زيارة القبر النبوى بإجماع الأمة وذلك بالأدلة التى أتى بها مؤلف «الشفاء الشريف» القاضى عياض والإمام النووى ومن أجل فقهاء الحنفية ابن الهمام-عليهم الرحمة والسلام-حتى اقتنع بعض النحارير الأكابر بوجوب زيارته، زيارة القبور سنة بإرادة صاحب الشريعة «عليه أكمل التحية» ولما كان قبر السعادة سيد القبور كما هو معروف وثابت فزيارته تكون قد ثبتت بالإجماع، وإن كانت زيارة الرسول المشفق على أمته «عليه أعظم التحية» لأصحاب البقيع وشهداء أحد تومئ بأن زيارة القبور منحصرة للرجال إلا أن الآية الجليلة الآتية آمرة بزيارة قبر السعادة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (النساء:٦٤). وبما أن هذه الآية الكريمة تشمل النساء أيضا ويستثنى فى هذه المسألة زيارة قبر الرسول الجليل؛ لذا يستحب العلماء الأعلام قراءة هذه الآية الكريمة عند زيارة القبر المصطفوى التى تستلزم المغفرة. شد الرحال من قريب أو بعيد إلى المدينة المنورة بقصد زيارة مرقد السعادة خالصا لوجه الله، قد أكد بأحاديث «من زار قبرى» و «من جاءنى زائرا» لذا فزيارة القبور من جملة القربات وهذا برئ من الشبهات والزيارة وسيلة للقربة إذ ثبتت زيارة الرسول لشهداء أحد وهو مسافر من المدينة بالأقوال الصحيحة، وبناء على ذلك فمن يخرج إلى المدينة بأمل زيارة قبر الرسول ﷺ بنية خالصة، قد اتفق علماء الأسلاف أو مدققو الأخلاف على أن هذا العمل إحدى وسائل القربات إلى الله.

стр. 983

ولما كان الحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)،دليلا كافيا على أن الذهاب إلى المدينة لزيارة مرقد الرسول وسيلة للقربات فإن الذين لا يعرضون سلامهم وصلاتهم على محبوب الله يكونون قد تركوا الأفضل ويستحقون الملامة وجديرون بالهجاء والمذمة لتركهم الواجب. هناك اختلاف أيضا فى تعيين سبب شد الرحال لغير تلك المساجد المذكورة، قال بعض أئمة الرجال إن شد الرحال لزيارة غير هذه المساجد الثلاثة حرام، وقال بعضهم «إذا كانت الزيارة عن طريق النذر فهى حلال، ويقتضى النظر فى هذا الخصوص إلى نية المتعازم للسفر إذا كان القصد من شد الرحال أداء صلة الرحم أو الدين أو الأمور الخيرية جائز بل واجب، أما إذا لم يكن من الأمور الخيرية فحرام قطعيا (٢). كان الحسن بن على «رضى الله عنهما» ينهى من يشاهده من الزوار بالقرب من قبر الرسول أن يقتربوا أكثر من ذلك، وكان الإمام زين العابدين يحذر من التقرب لقبر الرسول ذاكرا الحديث الذى يقول «لا تجعلوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنت» (٣) (حديث شريف). هذه الأقوال تحمل على عدم تجاوز حد الاعتدال، حتى أن الإمام مالك كان يكره الجلوس كثيرا بجانب مرقد السعادة، وكان الإمام زين العابدين فى أثناء زيارته لقبر الرسول ﷺ يقف بجانب العمود الذى يتصل بالروضة المطهرة ويصلى ويسلم وكأنه يومئ بأن المحل المذكور هو الجهة التى فيها رأس النبى الشريف، وكانت حجرات زوجات النبى المطهرات، قبل إلحاقها بالمسجد النبوى موقف زيارة

стр. 984

فكان الزائرون الواردون فى؟ صدر الإسلام يقفون فى ذلك المكان وهذا على قول أمام باب الحجرة المعطرة. وسأل هارون بن موسى الهارونى جده علقمة قائلا: «من أين كان يزار قبر الرسول قبل أن تلحق دور النبى ﷺ بمسجد الرسول؟» فأخذ الرد الآتى: «قد سد باب الحجرة المعطرة قبل وفاة السيدة عائشة-رضى الله عنها-فكان يزار القبر من أمام باب حجرة السيدة عائشة «وهذا منقول عن هارون، والواضح من الحديث ألا يعينوا لزيارة قبر الرسول وقتا خاصا كأوقات الأعياد، وكان اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور الأنبياء ويمضون أوقاتهم فى اللهو والطرب بجانب القبور. أو «عدم اللهو واللعب عند زيارة القبور وعقد مجالس الطرب والزينة»،ويجب أن يؤول بأن الذين عزموا على زيارة قبر الرسول يجب عليهم أن يسلموا على النبى ﷺ ويدعون له ثم يمضون بلا توقف وإن هذا التأويل أبلغ من توجيه الحافظ المنذرى وأحسن وهذا التأويل يعد أقوى الأقاويل من جهة التعظيم للرسول ﷺ ، ومن هنا يجب على الزوار المسلمين أن يعرفوا أن زيارة قبر الرسول ﷺ من أفضل القربات والمستحبات المؤكدة، وأن يكثروا من شد الرحال لزيارته مرة بعد أخرى وبما أن العيد مرة واحدة فى السنة فلا يحصروا زيارة قبر الرسول لمرة واحدة فى العمر، بل عليهم أن يزوروه كلما استطاعوا ذلك وأن يعودوا دون أن يتوقفوا كثيرا فى حضور قبر الرسول ﵇. قال أبو حنيفة لما كانت زيارة قبر الرسول ﷺ من أفضل المندوبات وأكثر المستحبات تأكيدا فالزيارة قريبة من الوجوب. فالذين ينذرون بزيارة قبر الرسول يلزم عليهم الوفاء بنذورهم بناء على رأى الأئمة الشافعيين، وأما الذين ينذرون بزيارة القبور الأخرى فبناء على رأى بعضهم يجب الوفاء بنذورهم بالزيارة بينما الآخرون يرون عدم الوفاء بنذورهم ولكن القول الأول مرجح على القول الثانى (١).

стр. 985

الصورة الثانية فى ذكر وبيان فضائل المسجد النبوى الشريف والمنبر اللطيف والروضة النبوية المنيفة . قد وصف الله مسجد السعادة فى الآية الكريمة: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة:١٠٨). كما أنه سبحانه بين طهارة هذا المسجد المنيف وجماعته وعرفها فى هذه الآية. وإن كان العلماء قد اختلفوا فى تعيين أى مسجد نزلت فى حقه هذه الآية إلا أن المفسرين الكرام قد نقلوا أحاديث كثيرة لإثبات أن الآية نزلت فى حق مسجد المدينة المنورة كما استدلوا بنقل قول أبى سعيد الخدرى «إننى قلت لإمام الأنبياء» «عليه أكمل التحايا» ما المسجد الذى أسس على أركان التقوى فتلقيت الرد أنه المسجد الذى أتعبد فيه فى المدينة إن الآية الكريمة لمسجد أسس على التقوى نزلت فى حق مسجد المدينة. وقال بعض العلماء قد تلا النبى ﷺ هذه الآية مخاطبا أهل قباء وقال (إن الله يثنى عليكم)،وإذا ما نظر لهذا الحديث يلزم أن تكون تلك الآية قد نزلت فى حق مسجد قباء. إلا أن المفسرين الكرام ردوا على هذا الادعاء قائلين «لما كان أهل قباء فى ذلك الوقت يداومون على الصلاة فى مسجد المدينة فإن هذه الرواية لا تجرح قول أبى سعيد الخدرى. وقال أبو رشيد إن قول الجليل (من أول يوم) يلمح أن الآية الكريمة فى حق

стр. 986

مسجد قباء، إن قائد المجاهدين عليه سلام الله المعين عند ما شرف المدينة المنورة كان أسس مسجد قباء، إلا إذا كانت كلمة يوم فى قوله تعالى (من أول يوم) تعنى فى ابتداء تأسيسه قد طرح على أركان التقوى. وإذا تمعنا فى النظر فى الاختلافات الواقعة نستطيع أن نوفق بينها قائلين: «إن تلك الآية نزلت فى حق مسجد المدينة وتشمل مسجد قباء أيضا»،وبما أن كلاهما قد أسسا على أركان التقوى نستطيع أن ندفع المنافاة والتعارض قائلين قد نزلت الآية الكريمة فى حق مسجد المدينة وكذلك فى حق مسجد قباء. ومع هذا لو نظرنا لما يفيده الحديث الشريف (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) (حديث شريف) وبما أنه لا يجوز شد الرحال لغير مسجد المدينة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى فيثبت أن تلك الآية قد نزلت فى حق مسجد المدينة. ينقل أئمة الأحاديث عدة أحاديث أخرى كلها تؤيد الحديث السالف الذكر، ولكن ألفاظها تخالف بعضها بعضا إذ تقول الأحاديث المنقولة لاختيار السفر فى أرض الغبراء الساحرة بوجود ثلاثة مساجد «أحدها الكعبة والآخر مسجدى والثالث المسجد الأقصى» والآخر «المساجد التى تستحق السفر إليها مسجدى هذا والبيت العتيق» وأحدها «إن المساجد التى تشد الرحال لزيارتها مسجد إبراهيم ومسجد محمد (١) -عليه سلام الله الأحد». لما كانت بعض هذه الأحاديث لا تشمل على المسجد الأقصى وبعضها مشهورة بضعف روايتها يلزم ألا يهتم بها. إن الصلاة فى المسجد الذى أسس على التقوى فى المدينة يفضل ثواب الصلاة التى تؤدى فى المسجد الأقصى ألف مرة فمسجد السعادة خير من جميع المساجد ماعدا المسجد الحرام، لأن النبى ﷺ آخر الأنبياء كما أن مسجد المدينة آخر مسجد لأنبياء. رواية أراد حضرة الأرقم-رضى الله عنه-أن يذهب إلى القدس الشريف لينال

стр. 987

الأجر والثواب بالصلاة فى البيت المقدس وبين الأمر للنبى ﷺ إذ مثل بين يديه عندما ذهب لتوديعه، فقال له الرسول مستفهما ليعرف ما فى ضميره «هل تذهب لأجل التجارة؟» فلما أجابه بقوله «بل أذهب لأصلى فى بيت المقدس لأنال الأجر والثواب» قال له: «إن صلاه تؤدى فى هذا المسجد خير من ألف صلاة تؤدى فى بيت المقدس من حيث الثواب» وعلى آخر «إن صلاة تؤدى فى مسجدى أفضل من ألف صلاة تؤدى فى جميع المساجد الموجودة على سطح الأرض غير المسجد الحرام» وعلى رواية «إن صلاة واحدة تؤدى فى بيت المقدس كألف صلاة تؤدى فى المساجد الأخرى غير المسجدين» (١)،ولا يعرف فضل وقدر هذه الصلاة غير الله- -ومع ذلك لا تعادل الصلاة التى تؤدى فى المسجد الحرام، والمقصود بالمسجد الحرام البقعة المفخمة للكعبة المعظمة. وبناء على هذا التفصيل فالصلاة الواحدة التى تقام فى بيت المقدس تساوى أجر ألف صلاة تؤدى فى المساجد الأخرى غير المسجد الحرام والمسجد النبوى وصلاة تؤدى فى المسجد النبوى فى المدينة تساوى ألف ألف صلاة تؤدى فى المساجد الأخرى. فاستثناء المسجد الحرام قائم على أن الكعبة المعظمة مساوية من حيث الثواب لمسجد الرسول أو أن المسجد الحرام مفضل بالنسبة لمسجد المدينة أو فاضل يعنى أن الكعبة المعظمة ومسجد الرسول متساويان من حيث الفضيلة أو أن الكعبة المعظمة تفضله فالصلاة التى تقام فى المسجد الحرام أقل من الألف أو هو فاضل فالصلاة التى تقام فيه أكثر من الألف، قد رجح ابن بطال فى هذه المسألة الاحتمال الأول وقال بما أن تفضيل أحدهما على الآخر لن يكون بدون دليل فتبين تساويهما، والإمام مالك ذهب إلى صحة الاحتمال الثانى يعنى قرر أن المسجد الحرام مفضول، إلا أن الأصحاب الكرام أوهموا أن ثواب مكة المعظمة أكثر من ثواب المدينة المنورة معتمدين على سند الرواية التى نقل عن عمر بن

стр. 988

الخطاب، لأن الحديث المميز الذى نقله أبو الدرداء وهو «فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفى مسجدى ألف صلاة، وفى مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» (١). وقال ابن ماجة: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا أبو الخطاب الدمشقى، حدثنا زريق أبو عبد الله الألهانى، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل فى بيته بصلاة، وصلاته فى مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته فى المسجد الذى يجمّع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته فى مسجدى بخمسين ألف صلاة، وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» (٢). إن هذا التفاضل فى الفرائض والنوافل على قول الإمام النووى وبناء على قول الإمام الطحاوى وسائر الأئمة المالكية إن هذا التفاضل فى حق الفرائض فقط ولما كان الحديث الشريف (أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة) يؤيد حكم القول الثانى يلزم أن يكون قول النووى من الأقوال الضعيفة، وقال الإمام أبو حنيفة ومالك إن تضاعف الثواب يشمل الفرائض فقط وأجاب الإمام الشافعى مبينا الدقائق فى هذا الأمر بما حاصله أن أفضلية الصلوات المؤداة فى البيت لا يمنع زيادة الثواب ومن هناك لا ينافى الواقع المدعى، فالفاضل بالنسبة للمفضول لا ينتج زيادة الثواب، فقد لا يوجد فى الفاضل الثواب الذى فى المفضول رحمة الله رحمة واسعة. إخطار مهم وإن كان تضاعف الأجر وزيادة الثواب فى حق الصلاة فى الأماكن الثلاثة متفق عليه بين العلماء إلا إنه لا يستلزم سقوط الصلوات الفائتة، يعنى أن الصلاة المؤداة فى المسجد الحرام لا تقوم مكان الصلوات المتروكة.

стр. 989

وإن كان العلماء الكرام متفقين فى تضاعف الأجر والثواب كذلك على كل أنواع العبادات والطاعات التى تؤدى سواء أكان فى المسجد الحرام أو مسجد سيد الأنام يتضاعف أجرها وثوابها، إن الحديث الذى رواه الإمام البيهقى عن جابر بن عبد الله وهو (الصلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة فى مسجدى هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام وشهر رمضان فى مسجدى هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام) والحديث الجليل الذى نقله الإمام الطبرى عن بلال بن الحارث (رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان) دليلان واضحان على أن العبادات والطاعات المتنوعة فى المساجد الثلاثة تتضاعف فى أجرها وثوابها. المواقع التى تحوز الخاصية الجليلة لتضاعف الأجر والثواب فى المدينة المنورة حيث دفن كنز السعادة. قد قصر بعض الذوات من أئمة الحديث تضاعف الثواب للعصر الذى عاش فيه إمام الأنبياء (عليه أكمل التحايا) على حدود المسجد الشريف الداخلية والتى بناها فى حياته، ولكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا مدعاهم بأدلة واضحة، ومن هنا قد قرر أن الطاعات والعبادات المؤداة فى أى ناحية من نواحيها وفى كل مكان فى المسجد النبوى الشريف يتضاعف أجرها، إذ قال سيد الأبرار-عليه صلوات الله الستار- (لو مد هذا المسجد إلى باب دراى ما عدوت أن أصلى فيه وهذا مسجدى وما يزيد فيه فهو منه ولو بلغ بمسجدى صنعاء كان مسجدى وقال عمر بن الخطاب لو مد مسجد الرسول من الشامية وزيد فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ «ولو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذى الحليفة لكان منه» وقد وسع الأصحاب الكرام المسجد النبوى فى زمنه «ولما كانت هذه الأدلة تكفى لإثبات المدعى فالظاهر تضاعف الأجر والثواب فى أى موقع من مواقع المدينة الطاهرة ولأجل ذلك روى الإمام أحمد والطبرانى عن أنس بن مالك بواسطة رجال ثقاة

стр. 990

الحديث «من صلى فى مسجدى أربعين صلاة لا تفوته صلاة، كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب وبراءة من النفاق» (١). كما روى ابن ماجة أيضا عن أبى هريرة إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدى فرجل كتب له حسنة ورجل تحط عنة خطيئة. كما أن الإمام يحيى روى عن سهل بن سعد من دخل مسجدى هذا يتعلم فيه خيرا ويعلمه كان بمنزلة المجاهد فى سبيل الله ومن دخل بغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذى يرى ما يعجبه وهو لغير الله. كما أن أبا سعيد المقبرى روى أيضا عن رجال ثقاة يعتمد عليهم فى الحديث الشريف الذى يقول (لا أخال أن لكل رجل منكم مسجدا فى بيته فو الله لو صليتم فى بيوتكم لتركتم مسجد نبيكم ولو تركتم مسجد نبيكم لتركتم سنته ولو تركتم سنته إذن لضللتم) إن هذه الأحاديث الشريفة والآثار المروية الأخرى لدليل كاف على أن يثبت ما يتمتع به المسجد الشريف من قدر ومزية، ومن هنا يقتضى أن يبقى إلى يوم القيامة تضاعف الأجر والثواب للطاعات فى كل موقع من مواقع البلدة المقدسة التى تحتوى على مسجد السعادة. إخطار إن الذين يوفقون فى زيارة مثل هذا المسجد يجب أن يعتبروا زيارة الروضة المطهرة ومنبر النبى المنيف غنيمة عظيمة وأن يبذلوا غاية جهدهم فى رعاية تلك الأماكن المقدسة وأداء الصلوات المكتوبة والنوافل فيها، لأن قائد الأنبياء (عليه أتم التحية) أخبرنا أن ما بين بيت عائشة الحجرة المعطرة والمنبر المنير روضة من رياض الجنة كما أن المنبر قائم فوق حوض الكوثر. وإن كان فى تعريف الروضة المطهرة وتعيين حدودها اختلاف فى الألفاظ مثل (ما بين قبرى ومنبرى) وجاء فى بعض الأحاديث (ما بين بيتى ومنبرى) والأخرى (ما بين بيتى إلى منبرى) إلا أن كلها تؤدى نفس المعنى لأن مرقد السعادة فى داخل الحجرة المعطرة للسيدة عائشة، وإذن فليس هناك فرق بين بيت النبى والمرقد المصطفوى.

стр. 991

وبناء على ما رواه الإمام أحمد بواسطة رجال ثقاة عن سهل بن سعد أن منبر السعادة قائم على ترعة تثير الشوق. وبناء على قول أبى واقد الليثى أن أرجل المنبر فوق أرض الجنة الساحرة وأن الروضة المطهرة والمنبر المنير المزهر مهما مدحا وأثنى عليهما يستحقان ذلك، وقال معاذ بن الحارث من أصحاب النبى ﷺ الكرام إننى سمعت رسول الله ﷺ وهو فوق منبره يقول «إن قدمى على ترعة (١) من ترع الجنة» ونقل أبو سعيد الخدرى أنه سمع النبى ﷺ فى أثناء خطبة فوق منبره يقول «أنا قائم الساعة على (٢) حوضى» كما نقل ابن زبالة أن النبى ﷺ قال «أنا على الحوض (٣) الآية» كما نقل نافع بن جبر هذا الخبر الصحيح «أحد شقى المنبر على عقر الحوض فمن حلف عنده يمين فاجره يقطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» وروى أبو داود وابن حبان وحاكم هذا الحديث. نقل النسائى حديث «من حلف عند منبرى هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل» ونقل الطبرانى حديث «منبرى على ترعة الجنة وما بين منبرى وبيت عائشة روضة من رياض الجنة» وقد نقلا هذين الحديثين الشريفين ليعرفا أن الروضة المطهرة والحجرة المعطرة والمنبر اللطيف أماكن واجبة الاحترام. بيان المصلى النبوى وبيان حدوده قال خاتم الأنبياء ﷺ ليعين حدود مصلاه الميمونة «ما بين حجرتى ومصلاى روضة من رياض الجنة» ومن هنا اختلف علماء السلف فى تعيين حدود مصلى النبى ﷺ .

стр. 992

قال بعض الأئمة الكرام: المقصود بهذا اللفظ هو مسجد السعادة وقال الآخرون المقصود من المصلى هو مصلى العيد النبوى إذا ما نظر إلى ما رواه راوى الحديث الثانى عقب حديثه أن أباه يحيى قال إننى سمعت عندما، سمع سعد بن أبى وقاص هذا الحديث سارع بشراء بيت فخم بين المسجد الشريف ومصلى العيد وبالنظر أيضا إلى ما قاله، جناح النجار كنت ذهبت مع عائشة بنت أبى وقاص إلى مكة فسألتنى ونحن نخرج من المدينة قائلة «يا جناح أين يقع المنزل الذى تسكنه؟» فلما أجبت قائلا «فى بلاط المدينة» فقالت: «أحذر من التفريط فى هذا المنزل لأن والدى سعد بن أبى وقاص كان يقول إنه سمع الرسول ﷺ يقول: «بين مسجدى ومصلاى روضة من رياض الجنة».ومن هنا يلزم المصلى التى وردت فى الأحاديث أن يكون مصلى العيد. التوضيح: بما أن الموقع المسمى ببلاط قد عرف فى بحث (أرواق المدينة) فهو رصيف الجادة الواسعة الذى يبدأ من المسجد النبوى وينتهى عند مصلى العيد. وبما أنه قد ثبت أن ما بين مصلى العيد ومسجد السعادة روضة من رياض الجنة فمن هنا يلزم أن يكون مسجد السعادة كله الروضة المطهرة ويومئ ما ذكره طاهر بن يحيى وجناح النجار اقتضاء هذا الحكم. وعلى هذا التقدير قد بين أفضل الناس (عليه الصلوات) أن منبر السعادة سيحشر يوم القيامة مثل سائر المخلوقات وأنه سيوضع فى محله الذى فيه الآن وأن الذين أدوا الصلاة بجانب المنبر ذى الفيوضات سيكونون كالذين أدوا الصلاة فى عقر الكوثر فالذين يداومون على أداء الصلاة فى الروضة المطهرة كأنهم يتعبدون فى جهة من حوض الكوثر وقاموا بأعمال صالحة تتيح لهم شرب الماء من ذلك الحوض، قد بين ذلك فى الأحاديث التى سطرت فيما سبق وبهذه الإشارة الواضحة رغب ضعفاء أمته للتعبد بجانب منبر السعادة وقد اتفق العلماء فى نقل منبر السعادة إلى عرصة العرصات فى يوم القيامة إلا أنهم اختلفوا فى كون المنقول المنبر الحالى أو سيخلق ويصنع منبر آخر لائق بخطيب منبر اللاهوت ﵇؟ قال فريق من العلماء إن المنبر الحالى سينقل كما هو إلى أرض

стр. 993

المحشر وأنه سيركز فى عقر حوض الكوثر وقد قرر فريق آخر أنه سيخلق منبر آخر قد رجح ذلك ابن عساكر ومن يوافقون رأيه من الأكابر كما أن ابن النجار قبل ذلك الرأى ونشره. وقد حمل الإمام مالك فى بحث تعريف الروضة المقدسة الحديث السالف على ظاهره وقال: الروضة المطهرة روضة نفيسة من رياض الجنان، لأجل ذلك لن تمحى وتباد مثل المنازل الأخرى وستنقل إلى أرض الجنان الساحرة على هيئتها، وقد قبل أكثر العلماء هذا الرأى المصيب حتى قال برهان بن فرحون ناقلا عن ابن الجوزى وآخرين إن الصلوات التى تؤدى فى الروضة تستلزم دخول الجنة المطهرة وتنزل أقسام الرحمة فإنها مثل رياض الجنة من حيث المداومة فى العبادة فى الروضة المطهرة وملازمتها. وقال إن استمرار النبى ﷺ فى العبادة والطاعة فى ذلك المكان المطهر محمول على هذا السر وبهذا أيد قول الإمام مالك. وأن الحكم على موقع بأنه مسعود ومبارك يتوقف على أن ذلك الموقع قد اكتسب شرفا وسعادة بطاعات رسول الله ﷺ وعباداته، وإذا قيل بمقتضى (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) إن العبادة لله- -حيثما تكون تؤدى إلى دخول الجنة يلزم منه أن تخصيص المنبر المنير والروضة المطهرة بزيادة الشرف الثابت بدلالة الأحاديث الصحيحة لا فائدة منه ولا قيمة له، وهذا لا يجوز، ومن هنا فمن الأولى أن يحكم أن الروضة المطهرة جزء من الجنة بناء على قول الإمام مالك كما يقال إن الحجر الأسود من حجارة الجنان. يقول ابن زبالة إن أسامة بن زيد بن حارثة رأى ناقل الحديث إبراهيم مصليا فى ركن من أركان المسجد الشريف وبعد السلام أمسكه من يده وذهب به إلى المنبر الشريف وقال يلزم عليك أن تصلى ها هنا فمن المحتمل أن يكون هذا المكان بالذات من رياض الجنة، كما أن الحجر الأسعد من أحجار الجنة! إن الروضة المطهرة ستنقل إلى الجنة فى يوم الحشر إن هذه المزيه تدل على منزلة نبينا ﷺ ،

стр. 994

كما تدل على متابعته لإبراهيم (على نبينا وعليه التسليم).قد أنعم الله على إبراهيم بالحجر الأسود وهو من حجارة الجنة كما أنعم على نبينا ﷺ بالروضة المطهرة. كما لا يخفى على أهل الفهم والذوق أن هناك فرق بين التخصيص والتنصيص فإذا حمل الحديث السالف الذكر على ظاهره وفق قول الإمام مالك المختار فرجحان المدينة المنورة على سائر البلاد وفضلها ومزيتها يصل إلى درجة اليقين والثبوت نورها الله تعالى إلى يوم القيامة. إن الروضة المطهرة التى ثبت بالبراهين المقنعة أنها جنة من رياض الجنان إلا أن العلماء قد اختلفوا فى تعيين وتعريف حدودها، فقال بعضهم إنها من المنبر المنير إلى أن يتصل بالجهة القبلية والشمالية من الجهة القبلية والشمالية للحجرة المعطرة بالتدريج. ولما كان طول منبر السعادة خمسة أشبار تظهر الروضة المطهرة تقريبا مثلثا ذى أربعة أضلاع، وبناء على هذا التعريف يلزم أن يكون داخل الخطوط الأربعة فى الشكل الأول الروضة المطهرة وبناء على هذا يقتضى ألا تكون مقدارا من الأرض التى توجد فى الجهة القبلية بين القبر الشريف والحجرة اللطيفة يعنى المحل الذى يتسع لصف من المصلين وألا يعد من الروضة المطهرة، مع أن هذا المكان الذى ما بين الصف الأول من الأساطين التى فى الجهة القبلية للروضة المقدسة والسور الخشبى الذى أمام محراب النبى ولما كان وجود مكان سجود النبى ﷺ يكسب الروضة المطهرة مزية فلا يحكم على صحة القول المذكور. وقال بعض العلماء إن الجهات الأربعة للروضة المطهرة متساوية إلا أن محاذاة الحجرة المعطرة التى هى بيت عائشة-رضى الله عنها-من الشمال والجنوب فى محاذاة منبر السعادة فى الناحية الشمالية والجنوبية. وبناء على ما يظهر فى الشكل الثانى فإنه عندما تعرض المنبر الشريف مع جدرانه ومسجد السعادة للحريق مرة ثانية ورئى تجديدهما سحب الجدار الجديد

стр. 995

ناحية الحجرة المعطرة وبهذا قد خرج عن محاذاة الجدار القديم قليلا ومد ناحية الجنوب وبهذا أخذت هيئة الروضة المطهرة شكلا مربعا ولما كان المحل الملحق مسقفا فى عصر السعادة فحكم على أنه من الروضة المطهرة. قد ذهب بعض الناس من المؤرخين العلماء إلى أن بعض محراب النبى- وعلى قول-كله أنه الطرف الخارجى للروضة المقدسة، ولم يرد دليل قوى يؤيد هذه الرواية وتردد العلماء قديما فى التصديق على أن يكون محراب النبى خارج الروضة المطهرة وبناء على هذا فلابد أن يكون المؤرخون مخطئين فى ذهابهم إلى هذا إذا ما نظر إلى الشكل الثالث بدقة يرى أن المصلى الشريف فى داخل الحجرة المعطرة فيفهم من أول نظرة أن الرأى الذى ذهب إليه حكم باطل. وإن كان هناك اختلاف فى المسافة التى بين مرقد النبى والمنبر الشريف من حيث مساحته الذراعية إلا أن هذا الاختلاف فى تعيين مدى سمك جدران حجرة السعادة وقد ذهب فريق من المؤرخين إلى أن المسافة بين المنبر المنير ومرقد السعادة أربعة وخمسون ذراعا وستة أصابع وذهب فريق آخر إلى أن المسافة ثلاثة وخمسون ذراعا وستة وشبر واحد وفى الحقيقة أن المسافة ثلاثة وخمسون ذراعا وستة أصابع وبناء على هذا الحساب فإن الفريق الثانى قد قاسها من داخل الحجرة الشريفة.

стр. 996

الوجهة الثالثة تحتوى على ثلاث صور فى تعريف أسماء المدينة الطاهرة وفضائلها التى ترجحها على البلاد الأخرى وخصائصها الفائقة وبعض أحكامها التى توحى بحكم جليلة.

стр. 997

الصورة الأولى فى بيان أسماء المدينة المنورة الجميلة وألقابها الجليلة (على صاحبها أفضل التحية). ذكر العلماء الكرام للبلدة الطيبة دار هجرة النبى ﷺ ما يقرب من سبعة وتسعين اسما ساميا مستخرجين ذلك من الكتب المقدسة والأحاديث الشريفة، ومن الواضح أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ومن البديهى أن لتلك المدينة المفخمة أسماء كثيرة إلا أن مجد الدين اللغوى قد ذكر الأسماء التى اتفق عليها العلماء وميزها بحرف [ز] وهذه الأسماء لم تتجاوز سبعة، ولكننا كتبنا جميع الأسماء التى صادفتنا متبركين بها والأسماء التى ميزت بحرف [ز] أشرنا إليها بنفس الحرف كذلك وقد رتبناها حسب ترتيب حروف الهجاء وكتبناها: حرف الهمزة: ١ - أثرب: هذه الكلمة على وزن أسعد بفتح الهمزة، وفى فترة ما أبدلوها بياء وقالوا يثرب، وأثرب اسم شخص من أبناء سام بن نوح-﵇-الذى سكن أول واحد فى أرض المدينة. يثرب: لما كان لفظ يثرب يتضمن معنى الفساد فاستهجنه الواقف على الحكم الخفية (عليه أجمل التحية) فبدله طابه وطيبة وعند البعض أن النبى ﷺ ذكر هذه المدينة باسم (يثرب). توجيه وجيه: إذا ما قيل أبقيت المدينة أولا باسمها القديم ثم استهجن ذلك الاسم فألغى نكون قد وفقنا بين الأقوال. وعند أبى عبيدة أن يثرب، يطلق على جميع جوانب المدينة وهو المحل الذى يقع بين الناحية التى يطلق عليها «جرب وقناة»،و «يثرب» فى زماننا اسم موضع

стр. 998

يقع جهة مشهد حمزة (رضى الله عنه) وفى الطرف الشرقى لبركة نصر وبجانب العين الأزق، إن هذا المكان هو بستان النخيل الذى يعرف باسم «أثاب» وكان ساحة قرية بنى الحارثة، وقد نزلت الآية الكريمة الآتية: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾. (الأحزاب:١٣). فى هذا الموضع فى يوم الأحزاب وكان مشركو قريش قد احتشدوا هناك لضرب خيامهم ونصبها وعلى هذا التقدير يقتضى أن يطلق اسم يثرب على هذا المكان أى محل بستان النخيل السالف الذكر، إلا أن نبى الله ﷺ أطلق اسم يثرب على مكان فى موقع «زباله» والذى يعرف إلى الآن بموقع يثرب والآية المذكورة قد نزلت فى حق منافقى المدينة. ٢ و ٣ - أرض الله، أرض الهجرة: [ز] وهذا الاسم اللطيف الذى ثبت بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾. (النساء:٩٧). لأن بعض المفسرين فسر «الأرض الواسعة» بالساحة الواسعة للمدينة المنورة. ٤ و ٥ - أكالة البلدان [ز]،أكالة القرى [ز]: إن هذين الاسمين يدلان على أن المدينة الطاهرة تفوق المدن الأخرى فى الفضل والمزية. وهما مستنبطان من الحديث الشريف «أمرت بقرية تأكل القرى» (١). ٦ - الإيمان [ز] وهذا الاسم كناية عن أن تلك المدينة ستكون مظهر الإيمان ومصيره، وقد عين بالآية الجليلة: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي﴾

стр. 999

﴿صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. (الحشر:٩). وما قاله عثمان بن عبد الرحمن وعبد الله بن جعفر «بما أن هذه المدينة مظهر الإيمان فتسمية الله- -لها ب «دار إيمان» محمول على هذه النكتة. حرف الباء: ٧ و ٨ - البارة [ز] وهذا يومئ بأن مدينة الرسول منبع فيض وبركات وأنها مصدر خير لجميع الكائنات. ٩ و ١٠ و ١١ - ومن أسمائها الشريفة بحره، بُحيرة، بَحيرة [ز] وهذه الأسماء الثلاثة تدل على فضل وبركة تلك المدينة. ١٢ - بلاط [ز]: بمعنى الرصيف وكان اسم الرصيف القائم بين المسجد الشريف والسوق وفيما بعد أصبح من أسماء المدينة. ١٣ - بلد [ز]: هذا الاسم مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾. (البلد). وقالت طائفة من المفسرين الكرام أن «بلد اسم مكة المكرمة» إلا أن طائفة أخرى قالت إنه اسم المدينة المنورة. ١٤ - بيت الرسول، ﷺ [ز]: وهذا الاسم ثابت بقول الله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾. (الأنفال:٥) لأن المقصود بالبيت المذكور فى الآية المدينة المنورة. حرف التاء: ١٦،١٥ - تندر [ز] تيدر [ز]: وإن كان كلا الاسمين على وزن جعفر من أسماء

стр. 1000

المدينة الجليلة إلا أن بناء على قراءة ابن عباس وابن جماعة يلزم أن يكون نيدر على أنه نداء وسيأتى ذكره فى حرف الراء. حرف الجيم: ٢٠،١٩،١٨،١٧ - جابرة [ز] جبار، جبابرة [ز] جبّارة: وينقلون أن هذه الأسماء مستخرجة من التوراة الشريفة. ٢١ - جزيرة العرب [ز]: وهذا الاسم ثابت بالحديث الشريف الذى يقول «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». حرف الحاء: ٢٣ - الحبيبة: وسبب تسميتها بهذا الاسم مدى حب حبيب الله لهذه المدينة. ٢٤ - حرم: وهذا الاسم ثابت بالحديث الشريف «المدينة حرم آمن» قال النبى ﷺ «إن حرم ابن آزر مكة المكرمة وحرمى المدينة وكل من يخيف ويحذر أهل المدينة يخيفه». ٢٦،٢٥ - حرم رسول الله [ز]،حسنة: وهذا الاسم مأخوذ من الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. (النحل:٤٢). حرف الخاء: ٢٨،٢٧ - خيره، خيره: وهذان الاسمان اللطيفان ثابتان بالحديث «المدينة خير لهم». حرف الدال: ٣٧،٣٦،٣٥،٣٤،٣٣،٣٢،٣١،٣٠،٢٩ - الدار [ز] دار الأبرار، دار الأخيار [ز] دار الإيمان [ز] دار السلام [ز] دار السنة [ز] دار السلامة [ز] دار الفتح [ز] دار الهجرة: ولما كانت هذه الأسماء من الأسماء المعروفة فوجه تسميتها

стр. 1001

بها ظاهر. لأن جميع البلاد والأمصار قد فتحت وسخرت بسوق الجنود الأبرار من مدينة دار الهجرة، كما أن شمس السنة السنية أشرقت من آفاق المدينة وأضاءت أقطار العالم والممالك، لأن النبى ﷺ هاجر إلى المدينة بعد أن ظهرت الدعوة فى مكة المكرمة. ٣٨ - درع، الحصينة [ز]: ودرجة التسمية بهذا الاسم يعود على قول سلطان الدين-عليه صلوات الله المعين- «قد رأيت نفسى فى رؤيا داخل درع محكم الصنع وأولت هذا الدرع بأنه المدينة». حرف الذال: ٣٩ - ذات الحجر [ز]: وسبب تسميتها بهذا الاسم وجود المدينة داخل جبال حجرية. ٤٠ - ذات الحرار [ز]: وسبب تسميتها بهذا الاسم أن المدينة محاطة بالتلال. إن كاهنا من كهنة اليمن الذى يطلق عليه ضافير الحميرى قال «كنت سألت عن أحد أفراد الجن فى أى بلاد أتحرى عن الدين الحق فقال هذا الجن: ابحث عن هذا الدين الحق فى الحرار»،وبهذا الاسم أومأ الجن إلى المدينة المنورة. ٤١ - ذات النخل [ز]: وقد ثبت هذا الاسم بالحديث الشريف «أريت دار هجرتى ذات نخل». حرف السين: ٤٢ - سلق: إن هذا الاسم مسطور فى التوراة ويقرأ على ثلاثة وجوه سلق، ٤٣ - و ٤٤ سلق وسلق وكون هذا البلد فى موقع واسع وجبال بعيدة بعضها عن بعض ومتجاورة. وكونه ذا حرارة شديدة فهذا هو وجه تسميتها بهذا الاسم. ويروى أن لفظ (سلقه) يجمع بين معنى الوسع والحرارة. ٤٥ - سيدة البلاد [ز]: وقد نقل ابن عمر (رضى الله عنه) مرفوعا عن-النبى ﷺ -أنه قال «يا طيبة يا سيدة البلدان» وكان هذا الحديث الشريف سببا فى تسمية المدينة المنورة بهذا الاسم.

стр. 1002

٤٦ - شافية [ز]: وهذا الاسم مأخوذ من الحديث الشريف «ترابها دواء من كل داء». حرف الطاء: ٥٠،٤٩،٤٨،٤٧ - طابه، طيبه، طيبة، طائب [ز]: يروى أن هذه الأسماء منقولة من كتاب التوراة المقدسة ووجه تسميتها بهذا الاسم بناء على قول وهب بن منبه كونها ذات رائحة طيبة ولطهارتها من دنس الشرك والنفاق وانتسابها الطيب بهجرة الرسول الموقر، كما أن مطيبه (٥١) وطبابا (٥٢) من أسماء المدينة الجليلة. حرف الظاء: ٥٤،٥٣ - ظيابا [ز] ظبابا: وقد سميت بهذين الاسمين لكونها قطعة مستطيلة مسعودة فى أراضى الحجاز المقدسة. حرف العين: ٥٥ - عاصمة: سبب تسميتها بهذا الاسم لأنها حمت المهاجرين الكرام عن تسلط الأعداء كالدرع أو لأنها معصومة من الطاعون والدجال. ٥٦ - عذراء: لأنها مصونة من شر الأشرار لرصانتها الجغرافية ومتانتها الطبيعية أو أنها تحمل معنى البكارة لأنها استسلمت للنبى ﷺ دون حرب وقتال. والاسم مأخوذ من التوراة. ٥٧ - عراء [ز]: عدم ارتفاع مبانيها القديمة سبب تسميتها بهذا الاسم. ٥٨ - عروض: لكونها على أرض مستوية ولوجود أودية السيول ومجاريها فيها. حرف الغين: ٦٠،٥٩ - غراء [ز]:غالبه [ز]: وسبب تسميتها بهذين الاسمين تغلب قبيلتى الأوس والخزرج عندما نزلتا فى المدينة على طوائف اليهود. وتفوقها فى العهد الإسلامى على القرى الأخرى.

стр. 1003

حرف الفاء: ٦١ - فاضحة [ز] سميت كذلك لتملكها خاصية فضح أهل البدعة. حرف القاف: ٦٢ - قاصمة [ز]: وهذا الاسم منقول من التوراة سميت بهذا الاسم لهلاك الذين يسيئون إلى أهلها. ٦٧،٦٦،٦٥.٦٤،٦٣ - قرية [ز] قرية الأنصار [ز] قبة الإسلام، قرية الرسول، قلب الإيمان [ز] وجه تسميتها بهذه الأسماء ظاهر، إلا أن الدجال هو الذى سيطلقه عليها «قرية الرسول» لأنه عندما يصل إليها سيعرف أعوانه بأنها دار هجرة الرسول قائلا «هذه قرية ذلك الرجل». حرف الميم: ٦٨ - مؤمنة [ز]: وقد أخذ هذا الاسم من التوراة ويومئ بأن سكنتها سينجون من شرور الأعداء الأشرار والأمراض والكوارث والطاعون والأوبئة ودخول الدجال. ٦٩ - ١٠٣ مباركة [ز] متبوئ الحلال والحرام [ز] مبين الحلال والحرام [ز] مجبورة، محبة، محبّبة، محبوبة، محبورة، [ز] محرمة [ز] محروسة [ز] محفوفة [ز] محفوظة [ز] ممتازة [ز] مدخل صدق [ز] مدينة، مدينة الرسول، مرحومة، مرزوقة [ز] مسجد الأقصى [ز] مسكينة، مسلمة [ز] مضجع الرسول [ز] مطيبة، مرجية [ز] مقدسة [ز] مقر [ز] مكتان [ز] مكينة [ز] مهاجر الرسول [ز] موفية: ولا حاجة لتعريف وجه تسمية هذه الأسماء. حرف النون: ١٠٦،١٠٥،١٠٤ - ناجية [ز] نبلاء [ز] نجر [ز] وسبب تسميتها ظاهر.

стр. 1004

حرف الهاء: ١٠٨،١٠٧ - هرزاء [ز] هز: بعض هذه الأسماء مأخوذة من التوراة الشريفة وبعضها من الكتب المقدسة الأخرى. حرف الياء: ١١١،١١٠،١٠٩ - يثرب، يندد [ز]: إن هذه الأسماء الشريفة أخذت أكثرها من التوراة ومن الكتب الأخرى كما ذكر أعلاه وبناء على قول الدراوردى إن فى التوراة أربعون اسما آخر لدار الهجرة الطيبة-نورها الله تعالى إلى يوم القيامة- وبما أن أكثرها يتغير ويتميز بتخالف الحركات، لذا صرف علماء الأسلاف النظر عن ذكرها وعددها.

стр. 1005

الصورة الثانية فى ذكر الروايات التى نقلت من الآثار الموثوقة والأخبار الصحيحة فى فضل ورجحان المدينة المنورة على سائر الممالك . لا يخفى على أهل الرأى المخلصين أن التراب الطاهر الذى التصق بجسم نافع الكونين المحمدى فى المدينة المنورة أفضل من جميع بقاع الأرض وحتى من البيت الأعظم والعرش المعظم، ولأجل ذلك يفضل العلماء الأجلاء المضجع الجليل المقدس على السماء التى تفوق الأرض فى الأفضلية والرجحان. وإن كان لا يشك فى أفضلية مكة المكرمة والمدينة المنورة على البلاد الأخرى ورجحانهما، إلا أن المسألة الأصلية فى رجحان أحدهما على الأخرى وترجيحها. بعد أن اختلف علماء الأسلاف فى هذه المسألة كثيرا رأى عمر بن الخطاب وكثير من الذوات المحترمين من الأصحاب الكرام وعلماء البلدة المقدسة الطيبة تفضيل المدينة المنورة على مدينة مكة المعظمة وقال الإمام أحمد إن هذا الاختلاف فى الأماكن الأخرى من مكة المكرمة، لأن البقعة المحترمة (كعبة الله) أفضل من مرقد رسول الله. وبهذا الحكم فضلت مكة المكرمة على المدينة المنورة، قد رأى الإمام مالك صواب القول الأول وقال إن المدينة أفضل من مكة المكرمة لأن التراب الذى يلتصق بجسم صاحب الرسالة محمد ﷺ أشرف وأجل من رجحان جميع بقاع الأرض المنيرة، والفقرة الثانية من ادعائه أى أن التراب العاطر الذى يلتصق بجسم المصطفى ﷺ مفضل على جميع البقاع الأرضية قد صدقت من قبل جميع الأئمة. إن البلدة المقدسة البطحاء قد اكتسبت شرفا سابقا بالاستناد إلى حضرة إبراهيم

стр. 1006

وابنه إسماعيل-عليهما صلوات الله-إلا أن مجاورة حافظة الجواهر والبر والفضل-عليه التحية-بالغدو والآصال عندما أسندت إليه الرسالة أضافت علوا وشرفا لهذه البلدة وإن كان هذا لا يقبل الإنكار إلا أن شرف مجاورة النبى ﷺ قد زال بعد الهجرة، واكتسبت المدينة المنورة بالهجرة مزية حقيقية فوق العادة. وإذا قيل، لماذا لم تنل الأشياء الأخرى التى جاورت النبى ﷺ هذا الشرف ولعل الأفضلية ليست وقفا على الملاصقة بل إن هذه الأرض التى دفن فيها الرسول ﷺ أصبحت جزءا من جسم الرسول ولأجل ذلك كسبت المدينة المنورة أفضلية ورجحانا على الأماكن الأخرى لأن الملك الموكل بعجن طينة الإنسان قد قسمها إلى ثلاثة أقسام فيضع أحدها فى رحم الأم عند سقوط النطفة ويضع الثانى فى الأراضى الخصبة التى سيعيش عليها فى حياته، ويلقى بالقسم الثالث فى المكان الذى سيدفن فيه، ومادام التراب الذى التصق بأعضاء النبى المكرم قد كان جزءا انفصل من جسمه فمرقد صاحب الرسالة المؤيد بالفيض النبوى، يرجح قطعا من حيث الشرف على مكة المكرمة. وهذا هو سر رجحان تراب المدينة المنورة العاطر الذى التصق بالجسم النبوى الميمون، من المدينة التى دفنت فيها الرحمة، وحكمة هذه الأفضلية ترجع إلى أن أجر ومثوبات الأعمال الصالحة فى إحداهما أكثر من الأخرى. وقال الرواة الذين أيدوا الإمام مالك فى رجحان المدينة المنورة على مكة المكرمة فى ضمن إثبات مدعاه-قال مؤلف كتاب الوفاء-نقلا عن كعب الأحبار عندما أراد الله القادر المطلق أن يخلق ويوجد نور صاحب الرسالة الأقدس أمر جبريل الأمين أن يجهز ويهيئ العنصر المحمدى اللطيف-عليه أفضل التحية- وجد جبريل الأمين قبضة من التراب الأبيض وأحضره، ولما كان هذا التراب الطاهر موقع مرقد سيد البشر خمر وعجن جبريل ذلك التراب بماء الجنة الزلال وعرف أنه عنصر محبوب الله-عليه أجمل التحايا-وامتلأ عجبا إذ تأمل أهمية قدره وجلالة وعظمة وفضل جوهره، ولم يكن سكان عالم السماء حتى ذلك الوقت قد سمعوا حتى اسم أبى البشر-عليه سلام الله الأكبر.

стр. 1007

وقال ابن جرير ونقل فى إثبات مدعاه أن كل شخص يدفن فى المكان الذى خلق منه وذلك من مقتضى الحكم الإلهى. ما قاله ابن سيرين إننى إذا أقسمت أن الله- -قد خلق النبى ﷺ وأبا بكر وعمر من نوع من تراب ثم ردهم إلى نفس التراب أكون قد أقسمت يمينا صادقا. ونقل ما قاله ابن عباس آتيا بالحديث الشريف إن الطين العطر النبوى من تراب الكعبة المعظمة التى تمثل سرة الأرض. وقال العلماء الكرام إن الله- -عندما خاطب السماوات والأرض. ﴿اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ (فصلت ١١). فأول من لبى الخطاب الإلهى من الأرض أرض موقع الأنور الكعبة ومن السماء المكان الذى يحاذى البيت الأكرم ومع ذلك فإن التراب المطهر الذى استجاب من موقع الكعبة المعظمة كان التراب الذى اختلط بالعنصر النبوى وبالمادة اللطيفة المصطفوية، ثم انفصل عن أرض الغبراء المبسوطة من تراب الكعبة المكرمة ثم بسط وفرش وعلى هذه الرواية يقتضى الأمر أن يدفن ماء وطين- عليه سلام الله المعين-فى داخل الكعبة ودفنه فى تراب المدينة المنورة العاطرة أى دفن صاحب الرسالة فى مكان بعيد عن مكة المعظمة وإفراده يظهر عظمته وفضله وأنه متبوع وليس بتابع. عندما تموجت مياه طوفان نوح وهاجت المياه فوق ذروة الكعبة فصلت الطينة الطاهرة النبوية ونقلت إلى المكان الذى يرقد فيه سيد الأنام الآن وهكذا ثبت أن المرقد المقدس للنبى ﷺ جزء من جسم النبى اللطيف، لأجل ذلك دفن فى هذا المكان فأصبح محل راحته مضجعه الأقدس الذى كان أصل طينته الطيبة. ويثبت هذا المدعى ما يروى أن حضرة سليمان-على نبينا وعليه السلام- حينما مر من أرض يثرب محل مرقد السعادة قال إنه سيكون هنا مدفن ملك يثرب وبطحاء-عليه أفضل التحايا-وقد ترك ما يقرب من أربعمائة حبر من أحبار اليهود آراءا قوية فى هذا الخصوص. وإن كان يلزم أن يتساوى فضل ومزية الحرمين من حيث مبدأ الخلقة إلا أن

стр. 1008

فصل أمواج الطوفان المادة النبوية اللطيفة من بطن الكعبة وحملها إلى مضجع السعادة القدسية، وبهذا الفضل والمزية رجحت المدينة المنورة من حيث جيرتها لمرقد السعادة الذى يحتوى على الجسم اللطيف النبوى يقتضى تفضيلها على مكة المعظمة. عندما توفى صاحب المقام المحمود-عليه سلام الله الودود-اختلف العلماء فى المكان الذى يلزم دفنه فيه-﵇-عندئذ قال سيدنا على «إن المكان الذى قبضت فيه نفس الرسول النفيسة أجمل وأفضل من جميع الأماكن التى على وجه الدنيا» وكان أبو بكر الصديق فى هذا المجلس وقال «سمعت من فم سيد الأخيار نفسه» أن الأنبياء يدفنون فى المكان الذى يقبضون فيه» وقد وافقت آراء الأصحاب الكرام رأى المشار إليهما ومن هنا قرروا دفنه فى منزله اللطيف، إن سبب تأكد العلماء الكرام وجرأتهم على تفضيل المدينة المنورة على مكة المكرمة هو وقوفهم على هذا السر الجليل. وإنه لا شك فى أن المحل الذى أحبه النبى ﷺ سيكون أحب عند الله عن سائر الأماكن. ألا يرجح المحل الذى أحبه الله واختاره النبى ﷺ على المكان الآخر؟ وفى هذه الحالة ألا يرجح مضجع السعادة المنيف على الكعبة المعظمة؟ قد دعا فخر الكونين-عليه أكمل التحايا-حينما كان يغادر مكة «يا إلهى مادمت أخرجتنى من مكان أحبه فأسكنى فى مكان تحبه!!» وإذا ما نظر إلى اتخاذ أرض يثرب بعد هذا الدعاء دار الهجرة النبوية بعد أن دعا قائلا «يا رب أسكنى فى بلاد تحبها» واختياره الإقامة لآخر عمره فى مدينة طيبة الشهيرة يظهر من هذا أن المدينة المنورة أحب إلى الله من البلاد الأخرى. إنها تلك البلدة المقدسة قد هاجر إليها خلاصة الماء والتراب-عليه سلام الله خالق الأفلاك-وارتحل عن دنيانا فى هذه البلدة كما حرص أصحابه الكرام على الإقامة فيها، هل ينكر بعد كل هذا مزية رجحان هذه البلدة وأفضليتها على البلاد الأخرى؟

стр. 1009

وقد رجح بعض العلماء مكة المكرمة على المدينة المنورة مستدلين بالأحاديث «إن مكة أحب بلاد الله إلى الله» و «إن مكة خير بلاد الله»،وإن كان الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعى رأيا هذا الرأى وصدقا العلماء المشار إليهم إلا أن هذين الحديثين قد صدرا قبل أفضلية مكة المكرمة-عند سائر الأئمة-طالما كان صاحب المعجزات مقيما فى مكة المكرمة، وقالوا إن رجحان المدينة دار السكينة بعد الهجرة وفضلها قد ثبتا بعد الهجرة. وإن كان ثبت تضاعف الأجر والمثوبة فى مكة المكرمة إلا أن هذا الأمر لا يقتضى أفضليتها، فمثلا يلزم للذين يذهبون إلى عرفات أن يصلوا خمس أوقات فى منى، ومع هذا فإن مكة المكرمة أكثر ثوابا وأجرا من الصلوات التى تؤدى فى منى وهذا الأمر محقق ومصدق لدى العلماء. ولأجل ذلك قال ابن عمر، إن تضاعف الثواب والأجر فى مكة ثابت ومع ذلك لا ترجح على المدينة دار السكينة وهكذا بين أن تضاعف الثواب لا يقتضى الأفضلية والرجحان وأن المفضول قد يرجح على الفاضل أحيانا. وبناء على هذا الفهم الدقيق أجاب الإمام مالك على سؤال: أى الحرمين أولى بالمجاورة فى رأيك؟ فقال لهم بناء على رأيى إن المجاورة فى المدينة الطاهرة أولى من المجاورة فى مكة المقدسة وأوجب. كيف لا تكون دار الهجرة المحترمة أفضل من مكة المكرمة وكيف لا تكون المجاورة فى تلك البلدة أحب وأجمل؟ وقد مر الجالس على سرير الأمراء المصطفى-عليه أكمل التحية-بكل شوارع تلك البلد. المباركة ذهابا وإيابا، بما أن جبريل الأمين نزل فى أكثر بقاعها باسطا أجنحته وأوصل الوحى الجليل ومن هنا قال الواقف على خفايا الحكمة-عليه بدائع التحية-المدينة خير من مكة والمدينة أفضل من مكة، وقد أخبر بهذا الحديث الصحيح عن لزوم تفضيل المدينة المنورة على مكة المعظمة نورها الله تعالى إلى يوم الآخرة.

стр. 1010

الصورة الثالثة فى ذكر الأحاديث الشريفة التى وردت فى حق الذين اختاروا الإقامة فى المدينة الطاهرة والذين أحدثوا البدعة والمبدعين والذين يعاونونهم . وقد فتح سلطان الرسالة-عليه أسمى التحية-فاه الشريف مبينا عظمة وقدر وفضل المدينة المنورة وقال ما معناه أنه سيأتى زمان على الناس سينقل فيه كل شخص أولاده وعياله وقومه وقبيلته إلى أماكن رخيصة وذات سعة فى العيش وكما تدخل الثعابين فى جحرها خائفة من أعدائها هكذا سينسحب نور الإيمان فى ذلك الوقت من البلاد الأخرى وسيتوجه نحو مدينة دار السكينة، وأقسم بالله الذى نفسى بيده بأن الذين لا يقدرون عظمة وخيرية المدينة المنورة ولا يذعنون لذلك ويغادرون المدينة المنورة ويفارقونها إلى البلاد الأخرى فسيأتى مكانهم من هو خير منهم، وإن كل نفر يعرض عن المدينة ويهاجر إلى البلاد الأخرى إلا وبدله الله بشخص يرغب فى الإقامة فى المدينة ويصبر على بلائها وعنائها. يعنى يرسل إليها من هم خير من القادرين، وكل من يتحمل ضيق وعناء وشدة دار السكينة فإنه ﷺ يشهد فى يوم القيامة ذى الأهوال الشديدة على طاعة أهل الصبر ويبالغ فى شفاعته لأمته. ذهب حضرة سعيد مولى المهرى إلى أبى سعيد الخدرى عقب توالى الظلم والغدر أيام واقعة الحرة فشكى من ضيق الحال وكثرة العيال ونقل إليه رغبته فى الهجرة إلى بلاد أخرى بهدف معايشة عياله وأولاده فى رفاهية وسرور. فأجابه أبو سعيد الخدرى قائلا «أوه لحالك هذه إننى «لا أرى من المناسب أن تترك هذا البلد وتضحى به» فأورد له الحديث الشريف الذى يقول حق المدينة «لا يصبر على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» (١) وفى نفس ذلك الوقت

стр. 1011

المشحون بالفيض الإلهى لقى شخص آخر عبد الله ابن عمر وقال «يا أبا عبد الرحمن. قد حل زمن زاد فيه الجور والظلم وزادت حالة العباد ضيقا واشتدادا وبناء على هذا فأنا أريد أن أهاجر إلى بلد ذى شهرة بالرخص».فذكر له عبد الله بن عمر الحديث الطويل سالف الذكر وقال له لا تفارق مكانك الذى أنت فيه ولو خطوة واحدة. إن تفضل الآمر بالحكمة-عليه أفضل التحية-قائلا «أكون إما شفيعا أو شهيدا على من يتحملون بلايا المدينة المنورة بالصبر عليها» لا يشك فيه لأن معناه أكون شاهدا للمطيعين وشفيعا للعصاة ولما كانت هذه الشفاعة أخص من الشفاعة العامة فإن ذلك الحديث يدل على أن سكنة تلك المدينة المذكورة يتوفون على إيمانهم ومعلوم أن الشفاعة ستكون فى حق أهل الإيمان. إن تبشير متوفى المدينة جعل سكان دار السكينة رهن السرور ومما لا شك فيه أن الحديث الشريف (من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة) (١) سيسر الذين يؤثرون الفداء بأرواحهم فى المدينة المنورة، ويروى ابن عمر أن النبى ﷺ كان يدعو فى أثناء وجوده فى مكة قائلا «نرجو من المعطى ألا يتوفانا فى مكة المكرمة» وذلك عن صحبته له-﵇-ويروى من مصدر موثوق أن صاحب الآيات-عليه أفضل التحيات-يقول «إن الذين لهم ملك فى المدينة يجب أن يحرصوا على المحافظة على أملاكهم وأن يسعى الذين لا يملكون شيئا فى المدينة لبذل الجهود على أن يمتلكوا شيئا فيها»،كما أنه-﵇-نبه المهاجرين إلى البلدة الطيبة أن يهيئوا لأنفسهم ولو شجرة نخلة (٢) واحدة. وقد روى الإمام الزهرى مرفوعا «لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها فى دار هجرتكم فإن الرجل مع ماله» كما روى ابن عمر الحديث اللطيف «لا تتخذوا من وراء الرق حاملا ولا ترتدوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء

стр. 1012

أهل مكة» وبهذا ينقلون أن النبى ﷺ حض على عدم امتلاك الأموال فى مكة بل فى المدينة لأن مال كل إنسان يكون بجانبه. إن مدينة دار السكينة مثل (١) كير الحداد يفرق بين المخلصين من الموحدين وأهل النفاق وتفصل بينهما، كما أن الكير يفصل بين الحديد وخبثه وهكذا تفصل المدينة المنورة تمحص قذارة ووسخ أهل النفاق وتبعدهم عنها وتصفى وتبقى على أهل الإخلاص. قال أحد الأعراب-وكان قد مرض بالمدينة-للرسول ﷺ يا رسول الله! أقلنى عن بيعتى (٢). فأبى الرسول ﷺ وأعرض عنه، وغادر الأعرابى المدينة. عندئذ قال خير البرايا-عليه أكمل التحايا- «وإن المدينة المنورة مثل كير الحداد يزيل الخبث ويصفى الطيب» (٣) يفهم من هذا الحديث أن المدينة المنورة لا تقبل أهل الفساد والبدعة وتطردهم بعيدا، وما زالت هذه الخاصية فى المدينة الشهيرة ومشهورة بها. وإن قال بعض الذوات أن الخاصية بالمدينة تنحصر فى عصر السعادة فبناء على حكم القول الشريف «لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها» (٤) وبناء على ما قاله عمر بن عبد العزيز عند ما كان يفارق المدينة المنورة «أخاف أن أكون من الذين تبعدهم المدينة وتطردهم» فخاصية المدينة المنورة ستستمر إلى ظهور الدجال، ولكن الأشخاص الذين ستطردهم المدينة هم الكفار الذين يتصفون بالخبث الكامل، أما العصاة الذين لم يصلوا إلى درجة الكفر ينقلون إلى أماكن مناسبة بواسطة الملائكة بعد ارتحالهم وموتهم، ويفهم من هذا أن أهل المدينة الذين لا

стр. 1013

يستحقون الشفاعة ينفون إلى أماكن أخرى لإزالة ومسح ذنوبهم أو أنهم يمحون ذنوبهم بزيادة أجورهم ومثوباتهم كما تفيد الآية الجليلة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾. (هود:١١٤). أو أنها تظهر خباثة وفساد من فى قلوبهم الفساد والخبث. وقد ثبت بحكم الأحاديث الشريفة أن الذين يحدثون البدعة فى المدينة أو يعينون على ذلك سيلعنون من قبل الرحمن، وأن صلوات مثل هؤلاء الرجال المفروضة ونوافلهم لن تقبل منهم فالآثام الصغيرة التى ترتكب فى المدينة المنورة تعد من الكبائر بناء على الإفادة العاتبة لله- -إن الله- -يمحو الذين يسيئون إلى أهل المدينة المنورة كما يذيب الماء الملح يذيبهم فى جهنم مثل الملح والرصاص (١). هناك اختلاف فى مدلولى لفظى المحو والإذابة إذ قال بعضهم إن الذين يتعرضون بالسوء إلى أهل المدينة المنورة سيؤاخذون على فعلتهم يوم القيامة، كما حكم بعضهم على أن هؤلاء سيؤاخذون على أعمالهم فى حياتهم، وإذا ما نظر إلى تلف المسلم الذى يناقض اسمه-أى مسلم بن عقبة (٢) -والذى تجرأ فى ارتكاب حادثة الحرم الشهيرة، وكذلك إلى تلف يزيد (٣) المفضوح الذى عينه للقيام بهذه المهمة الحزينة متعاقبين ترى صحة مؤدى القول الثانى وأصالته، وإذا ما نظر إلى تأخير مؤاخذة بعض الظالمين يرى أن القول معقول كذلك، ولا سيما إذا نظرنا إلى مصير طوائف القرامطة الباغية، ولكننا إذا ما نظرنا إلى مصير المغاربة الذين كانوا سببا فى إحاطة الشهيد نور الدين مرقد السعادة بجدار من الرصاص وإلى مصير المخذولين الأذلة الذين أساءوا إلى المدينة إذ تعرضوا-إن عاجلا أو آجلا-إلى أنواع المصائب والبلايا يقتضى ترجيح صحة القول الثانى. وبما أنه قد ثبت أن الجبابرة الذين أساءوا إلى دار الهجرة المدينة المنورة قد نالوا جزاءهم من الآلام والعذاب حتى كانوا عبرة لأمثالهم ومثار الانتباه فلا شبهة أنهم

стр. 1014

سيصيرون إلى الدرك الأسفل من النار ويذوبون مثل الرصاص. وقال الفرد الأكمل والأجمل-عليه سلام الله «يا إلهى!! استعجل فى هلاك كل واحد يسيئ إلى أو إلى المدينة المنورة بلدى وحرمى، وكل من يظلم أهل المدينة يخيفهم فأخفه» (١)،وبهذا يومئ بهذا الدعاء أن الذين يظلمون أهل المدينة أو يخيفونهم سيتعرضون للعنة الله ومذمة الناس ويستحقونها. الاستطراد: كان بسر بن أبى أرطاه أحد أمراء الفتنة، فلما قدم المدينة كان بصر جابر بن عبد الله قد ذهب، فقيل لجابر: لو تنحيت عنه؟ فخرج يمشى بين ابنيه فنكّب. فقال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ ؛ فقال ابناه أو أحدهما يا أبت وكيف أخاف رسول الله ﷺ وقد مات؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبى (٢). إفادة مخصوصة: كان بسر بن أبى أرطأة ذهب إلى مكة لإجراء التعليمات التى يحملها فى خلال السنة التاسعة والثلاثين الهجرية بعد المرور بالمدينة المنورة، وأقدم على هتك حرمة الحرمين الشريفين على سبيل الإهانة. وبعد أن أتلف بسيف الغدر كثيرين من أهل الحرمين الذين لا يوافقونه فيما يرتكب وأعدمهم ثم ذهب إلى ديار اليمن وهناك أيضا جعل رءوس مئات من المسلمين ذوى العقيدة الطاهرة والمساكين ضحية سيفه الغادر الظالم. وكان أبو أيوب الأنصارى والى المدينة قد ترك دار السكينة المدينة المنورة فى اليوم الذى دخل ابن أرطأة فيها. جمع ابن أرطأة أهالى المدينة المنورة فى مكان واحد وقال مخاطبا لهم «قد هرب أبو أيوب من هنا حتى لا يبايع معاوية ابن أبى سفيان مع أنى سأقبض عليه بأى طريقة كانت فأقتله! يجب عليكم كلكم أن تضعوا رءوسكم فى ربقة بيعة معاوية وأن تطيعوه، يجب عليكم أن تبحثوا عن جابر بن عبد الله وأن تسوقوه إلى،! وقال يا أفراد بنى سليم. إذا لم تأتوا إلى بجابر لن أقبل بيعتكم وسأقتلكم كلكم بالسيف وسأظهر لكم سطوتى وجلادتى».

стр. 1015

بناء على ما حققه ابن عبد البر فيما كتبه أن الخائن ابن أبى أرطأة قد بعث لدعوة الناس إلى مبايعة معاوية وفى حالة عدم مبايعتهم فإنه مأذون أن يستخدم معهم الشدة والغلظة، مع أن الذين رأوا ما أظهره حضرة جابر من شجاعة فى هذا الموضوع أعجبوا بها وقالوا لا يستطيع أن يقبل هذه البيعة وانسحب إلى حرة بنى سليم رافضين عرضه واتحد جابر مع أفراد بنى سليم ونجى من يد غدر ابن أرطأة وظلمه. ومع هذا لما فهم حضرة جابر أنه لن ينجو من يد بسر إذا لم يبايع معاوية وأن غرض بسر الحقيقى كان أن يقبض على جابر مهما بذل فى سبيل ذلك من تضحيات أو مال وفعلا بدأ فى التحريات فى هذا الخصوص. ولما اطلع جابر على ذلك لقى أم سلمة-رضى الله عنها-من أمهات المؤمنين وقال لها إن البيعة التى يطلبها بسر بيعة ضالة باطلة، ولكننى إذا رفضتها فلا شك بأنه سيقتلنى فما رأيكم فى هذا الخصوص؟ فقالت له: «على رأيى يجب أن تذهب بنفسك وتبايعه حتى تمنع وقوع نار الفتنة! فقد بعثت بابنى عبد الله (١) بن أبى سلمة أيضا لذلك وإنه سيذهب للمبايعة».وبما أن أم سلمة رضى الله عنها أفتت بلزوم البيعة فبايع مضطرا وهكذا نجى بنفسه من يد ظلم ابن أرطأة. وكان من عادة رسول الله ﷺ أن يوصى برعاية أهل المدينة ويحذر من إخافتهم وقد ورد فى ذلك أحاديث كثيرة ومن ضمن ما قاله أمير الممالك والشفقة-عليه أطيب التحية- «المدينة دار هجرتى والمكان الذى رحلت إليه، فمن واجب أمتى اجتناب الكبائر ومراعاة جانب جيرانى، وكل من لا يحترمهم ولا يرعاهم يسقيهم الله يوم القيامة من عصارة أهل النار. والحديث إن المدينة مهجرى ومضجعى! إننى سأبعث من هناك فالذى يليق بأمتى رعاية جيرانى والمحافظة عليهم! وكل من يحافظ على وصيتى فإننى سأكون له شهيدا يوم القيامة، والذين يضيعون وصاياى فالله يسقيهم يوم القيامة من

стр. 1016

حوض الخبال (١) ويرويهم». والحديث «جعل الله المدينة دار هجرة لى! إننى سأبعث من المدينة وسأحشر منها، فيجب على أمتى اجتناب الكبائر والمحافظة على جيرانى وكل من يحترم أهل المدينة ويرعاهم فى سبيل حرمتى وتعظيمى أكون له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة. وكل من يضيع حرمتى فالله- -يسقيه من حوض خبال». وبناء على هذا حينما طلب المهدى العباسى من الإمام مالك أن يوصيه فقال له «أوصيك بالاعتراف بوحدانية الله وأن تبذل من لطفك وعطفك لأن الرسول ﷺ قال المدينة دار هجرتى، فى صحراء القيامة سأبعث من المدينة قبرى فى المدينة، وأهل المدينة جيرانى والواجب على أئمتى أن يتقيدوا بالمحافظة على أمتى! كل من يرعاهم ويحافظ عليهم يحافظون على حقوقى! ومن يحافظ على حقوقى أكون شفيعا له فى يوم القيامة وشهيدا. والذين لا يحافظون على وصيتى يسقيهم الله من طينة الخبال يوم القيامة ويرويهم». عند ما زار الخليفة المهدى المدينة المنورة وذهب لزيارة الحجرة المعطرة، استقبله الإمام مالك وسادات البلد وأشرافه وجملة الأعيان وكبار موظفى الحكومة من عدة أميال من المدينة. وعندما رأى المهدى الإمام الجليل فاحتضنه وعانقه، ثم استدعى من معه واحدا تلو الآخر وصافحهم بحرارة. وعندما رأى الإمام مدى التفات الخليفة لأهل المدينة ورعايته لهم وقف ناصحا له وقال يا أمير المؤمنين «إنك ستدخل الآن إلى المدينة وسترى فى يمينك ويسارك بعض الناس، وبما أن جميع هؤلاء الذين سيراهم بصرك من أحفاد المهاجرين والأنصار-رضى الله عنهم-فيلزم عليك أن تحيى كل واحد منهم متفردا وتسلم عليهم وتعرض عليهم

стр. 1017

احترامك لهم، لأنه لا توجد على وجه الأرض عشيرة خير وأفضل منهم. كما لا توجد بلدة أفضل من بلادهم «وقد رد الإمام على سؤال المهدى الذى قال له» وما هو دليلك الذى تستند عليه فى هذا القول «وليس على وجه الأرض قبر معلوم لنبى من الأنبياء غير قبر الرسول-﵇-وإن هذه الطائفة التى استوطنت على أطراف المرقد النبوى ففضلهم ورجحانهم على سكنة البلاد الأخرى ظاهران. وإذا ما نظرت إلى نصائح الإمام مالك للخليفة المهدى وأمعنت النظر فيما قاله محبوب الأنبياء-عليه أعظم التحية: «ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١) يفهم بداهة أفضلية مجاورة قبر الرسول- ﷺ -اللامع. ورأيت ما للمدينة المنورة من الفضل والمزية، وأمكنك ترجيح سكنتها على سكنة مكة المكرمة التى تمتاز بتضاعف الأجر والمثوبة لسكانها. وبناء على وصية الإمام مالك قد راعى الخليفة جانب سكان دار السكينة ولاطفهم وسرهم ببذل عطايا كثيرة لهم. فلتسر روح المرحوم دده عاشق الرب فما أجمل منظومته هذه ذات المعانى الكثيرة فى مدح المدينة المنورة: المدينة هى مدينة المصطفى الطاهرة ... إنها محل نظر الله المتكبر المدينة هى منزل القرآن والوحى ... وهى أيضا مهبط رسول الله المدينة هى مضجع المختار أحمد ... وهى مطاف الإنس والجن وأّهل السماء

стр. 1018

فى حديثه قال فخر العالم ... كان ترابك شفاء للعليل المدينة هى منبع الفيض والإحسان ... وهى راوية المحتاج لمراجعة الحقيقة المدينة هى فاتحة بلدان الإسلام ... خصوصا فاتحة أم القرى وهى مكان الغفران لقضاة المؤمنين ... مدينة محو العصيان والخطأ وهى حديقة الورد وهى فريدة ... وهى كشف الغطاء عن شهود المعرفة ترى هل نفس عيسى ترابها الطاهر ... فهى تعطى الروح للقلب الميت أنت سريد بيضاء لموسى طاهرة ... أنت مليئة بالنور للقلب المظلم المدينة مرقد خير البشر ... وشفيع المؤمنين يوم الجزاء أنت سرير سلطنة النبوة ... المدينة هى العرش المجتلى إنه الحريم المحرم لولاك لولاك ... فالمدينة مجتلى سر الأم المدينة دار الأنصار والمهاجرين ...

стр. 1019

هذا مكان الدين والإيمان والحياة المدينة هى ناشرة الرحمة للعالم ... وخيرها دائم خاصة لأهلها فالذى يراها مرة يتحسر قائلا ... ليتنى أراها مرة أخرى فلقاؤها محبوب هكذا انظر كم من مشكلات يحلها ذلك السلطان فمن الصعب أن يحلها العالم فى الحقيقة وإن كان لا ينكر ما خص به أهل مكة من مزايا مثل تضاعف الأجر والثواب فيها ومجاورة بيت الله الوهاب إلا أن أهل المدينة يرجحون ويفضلون على أهل مكة بسبب مجاورتهم وقربهم من حبيب رب العزة والطبيب المداوى قلوب أمته، وتؤيد الحكم السابقة ما قاله أحمد بن حنبل لما سأل أبو بكر بن حماد «يا أبا عبد الله! ما هو أولى والأحب بالنسبة لك المجاورة فى مكة المكرمة أم السكنى فى المدينة المنورة؟» قال له «المجاورة أولى وأحب بالنسبة للذين يختارون السكنى بالمدينة صابرين على مصائبها وبلاياها». والقول المختار فى هذا الموضوع أن اختيار المجاورة فى أى من البلدين مستحب لحبه ذلك البلد ولما يوجبه من مزية زيادة الأجر والثواب، إلا أن الذين ذهبوا إلى أولوية المجاورة فى المدينة على مكة المكرمة كرهوا مجاورة مكة المعظمة (١) رغبو فى الإقامة فى المدينة الأمينة وأحبوها.

стр. 1020

الوجهة الرابعة تشمل خمس صور تفصل أوائل حال المدينة المنورة وسكانها القدماء والقبائل التى انتشرت من سلالة «أوس بن ثعلبة» مساكنهم ومأواهم، والحروب التى قامت قبل الإسلام بين قبائل الأنصار.
следующие страницы →