يسكتوا أبا جهل بهذه الكلمات، إلا أن أبا جهل قال اتركوا هذه النقطة من المسألة لى أنا، وخرج من دار الندوة وتلاقى مع الأوس وقال لهم: «يا أعيان قبائل الأوس! قد عقدتم العقد والميثاق مع القرشيين، وإننى لفى شدة الأسف لعدم وجودى فى ذلك المجلس! وإذا كنت وجدت فى هذا المجلس لكنت عاهدتكم أنا أيضا، وكنت آتى لعونكم مع أبطال قريش! إذا قبلتم نعقد مقاولة أخرى لتحديد المعاهدة! أننا لا نخفى نساءنا وبناتنا عن بعض ونسمح لجوارينا بملاطفة الرجال بالسر فى أسواقنا! إذا اتفقتم معنا فى هذه الأفكار وسمحتم لنسائكم وجواريكم بملاطفتنا وملاعبتنا، فإننا نعينكم! وإذا لم توافقونا فى أفكارنا فمن العبث أن تنتظروا العون منا!!!.
وبهذه الكلمات قد كشف مسألة إباحة النساء التى كان يحترز منها أهالى المدينة، لأنه كان يعرف جيدا أن الأوس ينفرون من هذه المسألة غير المشروعة ويتجنبونها.
وصرف الأوسيون النظر عن عون القرشيين إذ فهموا أفكار أبى جهل الضارة وعادوا إلى أرض يثرب وحرصوا على عقد اتفاق مع القبائل اليهودية وأحدثوا «يوم الفجار الثانى» تلك الملحمة الكبرى.
يوم الفجار الثانى-ظهرت واقعة يوم الفجار الثانى عقب عودة الأوس إلى المدينة، وذلك عندما عرف الخزرج أن الأوس قد عقدوا الاتفاق مع «بنى قريظة، وبنى النضير» من القبائل اليهودية فأرسلوا إليهم شخصا يدعوهم إلى القتال معهم، فأجاب اليهود حتى لا تراق الدماء عبثا: «إننا لم نتفق مع الأوس ولم نفكر فى أن نتفق معهم واضعين أيدينا فى أيديهم»،وأرسلوا أربعين نفرا من اليهود رهائن حتى يطمئنوا الخزرج، ولكن بما أن قرى اليهود كانت منتظمة وفى أماكن حصينة طبيعية فإنهم طمعوا فى الحصول على قرى اليهود وأرسلوا رجلا آخر يقول لهم: «اتركوا مواقعكم ابتداء من هذا اليوم وهاجروا إلى أماكن أخرى!» وإذا رفضتم فإننا سنقتل رهائنكم فأجابهم اليهود قائلين: «إننا لا نرى
стр. 1052
سببا يجبرنا للجلاء عن وطننا!!» إذا أجريتم الإهانة فاقتلوا رهائننا وقد غضب الخزرج من هذه الإجابة وتهوروا وقتلوا اليهودى (١) الذى كان فى حفظ عمرو ابن النعمان، ولما رأى اليهود هذا من الخزرج اتحدوا مع الأوس.
وهجموا على القبائل الخزرجية وأحدثوا قتالا كبيرا وهذا القتال ملحمة يوم الفجار الثانى.
عندما قتل عمرو بن النعمان الرهينة الذى كان تحت يده وأبرز الإهانة قال عبد الله بن أبى بن سلول لقاتل اليهودى «إنك غدرت» وتخلى عن الاتفاق كما أطلق الأوسيون الذين يتبعون ابن سلول سراح رهائنهم وأرسلوهم إلى قراهم.
يوم بعاث-قد اندلعت ملحمة يوم بعاث بشدة بعد يوم الفجار الثانى وبعد هذه الحرب لم يقع قتال قط بين قبائل الأوس والخزرج.
سبب حدوث وقعة يوم بعاث هو سبب وقوع ملحمة يوم الفجار الثانى؛ لأن قبائل بنى قريظة وبنى النضير اتحدت مع قبائل الأوس واتفقت معها وجلبت رجال قبائل مزينة حليفها وجمعتهم، كما أدخل الخزرجيون فى دائرة اتفاقهم حلفاءهم من بطون بنى أشجع وجهينة، وأخذ أفراد الطرفين يستعدون للقتال ويهيئون أدوات وآلات أربعين يوما بعد حرب يوم الفجار الثانى وجهزوا مالا يحصى من الجيوش وتلاقوا فى النهاية فى مكان يسمى «بعاث» وشرعوا فى قتال شديد، وقد وقعت هذه الحرب فى شكل مفزع وصورة دامية.
وكان خضير الكتائب قائد الأوس وعمرو بن النعمان البياضى قائد القبائل الخزرجية، ولكن عبد الله بن أبى بن سلول ومن يتبعونه ومن كان تحت إدارة بنى حارثة كانوا على الحياد، وبذل أبطال الطرفين أقصى جهدهم وأظهروا غاية شجاعتهم وحرص كل واحد منهم على إهلاك الآخر وإتلافه، وطال القتال مدة وفى النهاية تفرقت فرق الأوسيين وشرعوا فى الهرب.
ولما رأى خضير بن سماك قائد الأوسيين أفراد المقاتلين الذين تحت قيادته أخذوا يفرون وقد تخلوا عن القتال وقد مالت أسباب النصر والظفر إلى طرف
стр. 1053
الخزرجيين قطعيا، فغرز رمحه فى رحله وبرك على الأرض مثل الجمل بناء على القاعدة العربية القديمة وقال: «إننى لا أرجع من هنا ما لم أقتل فإذا أردتم أن تتركونى فى حالتى هذه للعدو فاتركونى»،وأنشد بعض الأشعار المناسبة للموقف وهكذا شجع أبناء قبيلته، وقد أشفق رجال الأوس على حال خضير الذى يفكر فى وطنه وهو مجروح ويحرص على الدفاع عنه وحتى لا يتركوه ليد العدو وهو فى حالته هذه فاضطروا للثبات فى ميدان الوغى وأثبتوا شجاعتهم الفطرية بقتلهم قائد الخزرج عمرو بن النعمان (١) البياضى وهزموا عدوهم هزيمة شنعاء وأخذوا يتعقبونهم من خلفهم، وفى أثناء ذلك سمعوا صوتا هاتفيا يقول: «يا معشر الأوس لا يليق أن تقتلوا إخوانكم بهذا الشكل، إن مجاورتهم أولى من مجاورة اليهود» حينئذ تركوا الحرب ثم حملوا خضيرا الذى شجعهم بكل تعظيم وأوصلوه إلى منزله.
وقد فرح خضير بن سماك فرحا لا حد له لانتصار الأوس على الخزرج على الصورة المطلوبة، إلا أن الجرح الذى أصيب به لم يكن قابلا للالتئام فمات متأثرا به بعد مرور وقت قليل.
وكان هزيمة الخزرج وتشتتهم شيئا يبحث عنه الأوسيون ولا يجدونه؛ ولذا نهبوا الخزرجى الذى وقع تحت أيديهم وتركوه مجردا من كل شئ وهدموا منازلهم وشتتوا أسرهم وهدموا وأحرقوا بساتين نخيلهم وبهذا أظهروا دناءتهم التى لا توصف وجرحوا ثابت بن قيس بن شماس الذى قبضوا عليه وكان ذلك الجرح شارة حريته وأسرعوا فى قطع نخيل بنى سلمة وإحراقها؛ وأسرع سعد بن معاذ الأشهلى حتى أنقذ نخيل قومه.
وأخذت أضواء شمس النبوة تضئ آفاق المدينة المنورة عقب وقعة يوم بعاث وشرعت الدعوة المحمدية تنير أرض يثرب والبطحاء وبدأ السلطان الذى ظهر جديدا يرفع أستار الظلام والخصومة والعداوة بين قبائل الأوس والخزرج، ولم يبق لها أثرا واتحد أفراد جميع القبائل التى تنتسب وتنتهى إلى ثعلبة بن عمرو مزيقيا واتفقوا جميعا فى نصرة الدين الأحمدى واتحدت كلمتهم.
стр. 1054
الوجهة الخامسة
وتشمل ثلاث صور تعين إرسال مصعب ابن عمير إلى يثرب
ليقوم بإمامة موحدى أهل المدينة ووقائع الهجرة النبوية التى تستلزم الفخر.
стр. 1055
الصورة الأولى
فى ذكر بيعة السابقين من الأنصار للإسلام وفى دعوة مصعب بن عمير أهل
المدينة إلى الإسلام .
بينما كان الأوس والخزرج يحاربون بعضهما كان النبى ﷺ رئيس الذاكرين لنعم الله يتلاقى مع الحجاج الواردين من أقطار العالم إلى مكة المعظمة ويدعوهم إلى الإسلام الذى فيه خيرهم فى حياتهم ومعادهم ويبلغهم أحكام الشريعة، وفى السنة الحادية والخمسين من ولادته السعيدة ذهب إلى صحراء منى حتى يلتقى مع الحجاج الواردين وفق عادته وتقابل مع بعض الأشخاص من قبيلة الخزرج الذين يطلبون الهداية فى سفح جبل «ثبير».ولما عرف أنهم من قبيلة الخزرج أخذهم إلى ركن ليحدثهم قليلا ثم أخذ يبين الدين الحنيف ويعرفهم به وفق رجائهم وتلى لهم بعض الآيات الكريمة أيضا، وكان الخزرجيون يرغبون فى الدخول من قديم فى حصن الإسلام المتين، وقالوا لابد أن يكون نبى آخر الزمان الذى ينتظر اليهود ظهور نوره وأرادوا أن يسبقوا اليهود فى يثرب فى التصديق وأسلموا بلا تردد وعادوا إلى المدينة وأخذوا يذكرون اسم النبى ﷺ وأوصافه فأسعدوا كل بيت وقصر.
إن الذين يقال عنهم الأنصار السابقون يعنى أول من أسلم من أهل المدينة هم هؤلاء الأشخاص الذين ذكرناهم؛ ولكن اختلف فى عددهم، بناء على أشهر الروايات تقدم فى الإسلام أسعد بن زرارة وستة أشخاص معه، ولكن عند البعض سبعة أشخاص (١) خمسة منهم من الخزرج واثنان من الأوس، رغّبهم فى سبق اليهود فى الإسلام ما سمعوه من اليهود: «إننا نبايع نبى آخر الزمان قبلكم»،لأن يهود يثرب كلما كانوا ينهزمون فى المناقشة والجدال مع قبائل
стр. 1056
الأوس والخزرج يقولون: «قد اقترب زمن ظهور سيد البشر ﷺ وإننا سنجعلكم علفا للسيف بمعيته» ويعلقون انتقامهم إلى ظهور نور نبوة محمد-عليه وعلى آله صلوات الله الستار.
وفى العام المقبل أى فى السنة الثانية والخمسين من ولادة السلطان الجديد الذى سخرت له الرسالة ﷺ شرف أيضا صحراء «منى» حتى يدعو الحجاج الواردين إلى الإسلام وليهديهم إلى طريق النور المستقيم ويرحب بحجاج القبائل، وتلا الآيات البينات للذين رأى فيهم استعدادا لقبول الإسلام وتلاقى فى هذه المرة مع عشرة أنفار من قافلة المدينة عند العقبة عرضوا بيعتهم عليه بالشروط الآتية: «ألا يشركوا بالله، ألا يسرقوا وألا يقتلوا وألا يزنوا، وألا يفتروا على أحد وألا يرموه بالبهتان فى الحال والمستقبل، وألا يعصوا أوامر الشارع وأن يمتثلوا لأوامر النبى المطاعة فى العسر واليسر فى المنشط والمكره، وإن يحبوا النبى ﷺ بأن يقدموه على أنفسهم وألا ينازعوه فى أى شئ وأنه يقول الحق فى جميع الأحوال وألا يخافوا لومة لائم فى إظهار الأمر الحق».
وعقب هذه البيعة (١) فتح النبى ﷺ فمه الشريف ناصحا وقال: «إذا ثبتم فى أقوالكم موفين بعهدكم لكم الجنة، أما إذا تركتم أحد هذه الأمور فالله- -إما يعفو أو يعذب ويعاقب».
عاد الذوات الكرام الذين قبلوا الإسلام وفق الشروط المحررة وبعد أن ودعوا الرسول ﷺ وعندما وصلوا إلى المدينة المنورة أخذوا يظهرون شعار الإسلام وبادروا فى أداء الصلاة هنا وهناك.
وبعث معهم بناء على رجاء الأنصار السابقين مصعب بن عمير (٢) حتى يصلى مع المسلمين وليعلمهم أحكام الشريعة الغراء وتلاوة القرآن الكريم على طريقة صحيحة، وأمروا بأن يختاروا أسعد بن زرارة من بينهم لإمامة صلاة الجمعة.
ونزل مصعب بن عمير فى الدار التى يسكن فيها أسعد بن زرارة ونال شرف الإمامة الغالية للأنصار الذين قبلوا الإسلام بجهود مصعب بن عمير وترغيبه.
стр. 1057
وقد أخذ أسعد بن زرارة مصعب بن عمير عقب أداء صلاة الجمعة الأولى (١) إلى بيوت الأنصار فى قرية بنى عبد الأشهل ومن هناك أخذه إلى قرية بنى ظفر القريبة من القرية السابقة وطلب من حضرة مصعب أن يدعو أهالى القريتين المذكورتين إلى مائدة الإسلام ذات الفوائد العميمة بينما هو جلس فى ركن من الأركان، وأخذ الناس يقبلون على قبول الإسلام بجهود أسعد بن زرارة وغيرته، واجتمعوا حول مصعب وأقبلوا على استماع القرآن الكريم منه؛ إلا أن سعد بن معاذ وأسيد بن حضير من أشراف بنى عبد الأشهل غارا من استجابة أهالى القرتين إلى دعوة مصعب ودخولهم إلى الإسلام فرادى وولوجهم فى دائرة الإيمان الباهرة ذات الفيوضات وأخذا بفكران فى أسباب إخراج أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير (رضى الله عنهما) من القريتين سالفتى الذكر.
وكان سعد بن معاذ ابن أخت أسعد بن زرارة، وأحنى سعد رأسه مدة مفكرا قال رافعا رأسه: «يا أسيد! إنك شريف بين القبائل ورجل مع علية القوم! فإنك ترى أن مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة (رضى الله عنهما) يحسبان نفسيهما من يمثلان الحق وبهذا يغفلان سادة رجال القرية! عليك أن تزجرهما وتزعجهما وتخرجهما من حدود قريتنا وتطردهما! إن أسعد بن زرارة ليس منا بعد الآن وهكذا شجع رفيقه أسيد بن حضير.
وأخذ أسيد بن حضير حربته وتوجه بكل شدة وحدة إلى المنزل الذى شرفه مصعب بالإقامة فيه، وكان أسعد بن زرارة قد ركز أنظاره إلى الأطراف والأكناف حتى يعرف كيف سيتحرك سعد بن معاذ، ولم يعجبه وجهة توجه أسيد، ولما أطلع أسعد بن زرارة مصعبا على شأن أسيد قال مصعب بن عمير: إذا ما ألقى الله حب الإسلام فى قلبه تتيسر مهمتنا!! وبعد فترة وصل أسيد وقال وهو فى أشد غضبه ما غرضك من جلب مصعب بن عمير إلى قريتنا يا أسعد بن زرارة؟ وما هو قصدك من إضلال وخداع ضعفاء قومنا؟ إذا كانت لكم
стр. 1058
حاجة خاصة بكم بينها، وإلا فقوما وانصرفا من هنا وأراد أن يكدر أسعد بن زرارة بهذه الطريقة، إلا أن مصعب بن عمير قال له: «يا أسيد!! اجلس قليلا واستمع إلى الأقوال التى سأقولها فإذا ما رأيتها معقولة تقبلها وإذا رأيتها كريهة ترفضها!!» فأجابه قائلا: «فى الواقع إن قولك هذا حق» وجلس فى ركن من الأركان وآثار البشاشة التى شوهدت على بشرته كانت تدل قطعيا على أنه سيقبل الإسلام ويرضى به دينا.
وحينما رأى ابن عمير جلوس أسيد بن حضير تلا عدة آيات كريمة ودعاه إلى مائدة الإسلام عميم النوال، وظهرت فى قلب أسيد بن حضير آثار المحبة والقبول، وقال: «ما أحسنها من أقوال! وما أوضحه من طريق هذا الطريق الحق! يا ترى ما التكاليف الشرعية التى يكلف بها الذين يريدون أن يدخلوا فى هذا الدين المختار؟» فأجابه مصعب قائلا: «يجب على الذين يريدون الإسلام أن يغتسلوا أولا ثم يطهروا ملابسهم، ثم يعترفوا بوحدانية الله تعالى المطلقة ثم يصلوا».
وقد تأثر أسيد بن حضير من الإجابة الصحيحة وابتدر بتجديد ثيابه وفق تعليمات حضرة مصعب بن عمير وأقر بقلب نقى طاهر بتوحيد الله وتعلم أركان الصلاة ثم قال: «هناك بين قبائل الخزرج رجل شريف! إذا ما استطعتم أن تدخلوه فى دائرة الإسلام المنجية فثقوا تماما أن قبائل الخزرج كلها ستسلم. ها أنا ذاهب لأرسله إليكم، إن هذا الشخص ذات صفات مشحونة بالهداية هو سعد بن معاذ» قال هذا وقام وذهب.
ولما رأى سعد بن معاذ عودة أسيد بشوش الوجه ونور الإيمان يلمع فى وجهه أحس أنه صدق بالنبوة المحمدية وأدرك ذلك وقال لمن بجانبه من الأشراف: «إن الشخص القادم يشبه أسيد بن حضير، وإن مجيئه بهذا الشكل لا يسرنى، لا أظن إلا أنه قد عرض البيعة لمصعب بن عمير!! فليجعل الله- ألا يخفى أمره هذا منا عندما يأتى، لننتظر حتى يصل إلينا» وقد وصل أسيد بمجرد ما انتهى من أقواله فاستجوبه قائلا: «يا أسيد! ماذا فعلت؟ وكيف تعاملت
стр. 1059
مع هذين الشخصين؟ فمنذ أن فارقتنا فأنا قلق» وتلقى من جانب أسيد الإجابة الآتية: «إننى لم أتنسم من أقوالهم رائحة الفساد والغاية السيئة، وأقسم بالله إن قوليهما لا يتعدى التعريف بالإله الواحد واجب الوجود ووصف صدق النبوة المحمدية وبيانها!!» وحينما أخذ سعد بن معاذ هذه الإجابة فتحول إلى قطعة من نار تحرق العالم من شدة حدته ووثب من مكانه وخطف حربته وتوجه إلى مكان المشار إليهما.
وقد ارتعد أسعد بن زرارة واضطرب حينما رأى سعد بن معاذ مقبلا وهو ينشر إلى أطرافه شرارة الدهشة فأراه لمصعب قائلا: «إن هذا الشخص المقبل هو من يسمى بسعد بن معاذ الأشهلى وإنه آت بغضب شديد! إذا كان هذا أيضا يقبل الدين الحق ويصدق بنبوة النبى ﷺ لا شك فى أن القبائل الخزرجية كلها ستسلم كما قال أسيد بن حضير»،وعقب ذلك وصل سعد بن معاذ رافعا قامته وقال:
«يا أسعد! قد غضبت من جنبك شيئا ننفر منه وهو منكر عندنا بدرجة لو لم تكن بيننا نسبة القرابة لكنت أهلكتك ورميتك فى حفرة الدمار بهذه الحربة السامة»، ثم كدر مصعب بن عمير بذكر ألفاظ غير لائقة، فرد عليه مصعب بن عمير دون أن يضطرب قائلا: يا سعد! كان يجب عليك أن تجلس قليلا حتى تسمع ما سأتلوه من الآيات الكريمة ثم ترد على وتجرحنى وتقبح كلامى، إلا أنك عاتبتنى وكدرتنى بأقوالك دون أن تعرف ما سوف أقوله لك وجرحت الأقوال الشرعية على العمى وقبحتها وعاتبتنى وقلت عن النبوة أنها ليست حقا وقلت أننا نكره الأوامر، وهذا التصرف مناف لأحكام قانون المناظرة» وخجل سعد بن معاذ واستحيى مما قاله وقال: «فعلا هذا ما كان يجب أن يكون! إننى لم أفكر فى هذه الأشياء وتجاوزت دائرة الأدب فأرجو أن تعفو عنى وأن تغفر لى سلوكى ثم جلس فى جهة ما» وقد ظهرت عليه دلائل قبول الإسلام إذ أخذ نور الإيمان يتلألأ فوق بشرته ويلمع. واطمأن مصعب بن عمير من حركات سعد بن معاذ الملائمة ثم تلا آية أو آيتين مناسبتين للموقف.
ثم دعاه إلى دار ضيافة الإسلام وكلفه أن يطهر جسمه وثيابه حتى يدخل فى الطريق المستقيم، فما كان من سعد بن معاذ إلا أن غير ملابسه واغتسل وفق
стр. 1060
الصورة المسنونة ودخل فى حصن الإسلام المتين، ثم جمع أبناء قبيلته وقال لهم:
«يا بنى عبد الأشهل إننى اقتنعت بصحة الإسلام وقبلته! بعد هذا يقتضى أن تسلموا كلكم!!!» وبهذه الطريقة رغب جميع بنى عبد الأشهل فى قبول الإسلام، وبناء على إلحاح سعد بن معاذ المتكرر وتشويقه دخل بنو عبد الأشهل جميعا رجالا ونساء فى دائرة الإسلام المنجية وبناء على هذا ترك مصعب بن عمير القرى المذكورة وانتقل إلى دار أسعد بن زرارة رضى الله عنهما منزل الهداية وظل هناك حتى أسلم جميع قبائل الأنصار.
وفى الوقت الذى دخل فيه بنو عبد الأشهل إلى دائرة الإسلام المنجية باغت أفراد بنى النجار دار أسعد بن زرارة (رضى الله عنه) وأخرجوا منها مصعب بن عمير، وهكذا أرادوا أن يزعجوا ويقلقوا مصعب بارتكاب هذه الشرور، إلا أن سعد بن معاذ أخذه تحت حمايته حيث ظل إلى أن أسلم صناديد القبائل مثل عمرو بن الجموح وإلى أن كسروا أوثانهم وأهانوها وأصبح مصعب وهو فى حماية سعد بن معاذ مشعلا منيرا يهدى إلى طريق النجاة والسلامة وفى هذه الفترة دخل الأنصار الكرام كلهم فى حصن الإيمان المتين وظلوا ينتظرون الهجرة النبوية.
وقبل الهجرة النبوية المشحونة بالبركة أسلم قبائل الأنصار كلهم وكسروا أصنامهم وزاد عددهم بالنسبة لليهود، كما أنهم اكتسبوا شرفا من الناحية الأخلاقية والتقاليد والمدنية وانتظموا وأصبحوا يعدون من أعيان أهالى أرض يثرب عامة وأشرافها إلا أن القبائل التى كانت تحت إدارة الشاعر «أبو قيس بن صيفىّ ابن الأصلت» ترددت فى قبول الدين المبين دين الإسلام وتلك القبائل هى: «بنو أمية بن زيد، وبنو خطمة، وبنو وائل، وبنو واقد (١) «وظل أفرادها على دينهم القديم قرب وقائع بدر، أحد، والخندق» وذلك لعدم تخلى الشاعر المذكور عن ذم الدين الحنيف الأحمدى وتقبيحه، ولوم الذين أرادوا أن يسلموا وتوبيخهم.
стр. 1061
حكمة
إن إسلام الخزرج قبل قبائل الأوس يعود إلى أن الجدة الثانية لفخر الكائنات عليه أكمل التحيات سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن تيم بن النجار بن ثعلبة بن عمرو، وكانت من بنى النجار، من شعبة الخزرج إذ كانت علة القرابة سببا فى السبق فى البيعة.
سبب كون النبى ﷺ أنصاريا من الخزرج:
إن هاشم بن عبد مناف الذى نقل أسباب قرابة النبى ﷺ إلى القبائل الخزرجية والذى كان يسحر العالم بجماله الذى لا نظير له كما يقول المؤرخون إنه كان صاحب شهامة ومروءة لذلك عرف ب «عمرو العلى» وكان قد مر بيثرب حينما كان ذاهبا إلى الشام للتجارة وبنية التزوج من سلمى بنت عمرو النجارى بناء على الحكمة التى فى الرؤيا التى رآها والتى ذكرت فى الصورة السادسة من الوجهة الرابعة، ورأى بالصدفة سلمى وتعلق قلبه بجمالها الساحر ورائحة وجهها مثل السنبل وقال إنه يريد أن يتزوجها، كما أن سلمى حينما رأت جمال هاشم بن عبد مناف مثل البدر ولا سيما عندما رأت اللمعان الذى على جبينه لنور سيد البشر وعلمت أنه سيكون من أجداد النبى ﷺ .
وحينما أحست ذلك وأدركته؛ أو مأت عارضة أن درة هذه الصلة الغالية ستكون موجب فخرها ومباهاتها إذ سيكون رحمها صدفة لتلك الدرة الغالية، وبناء على رضا الطرفين أجرى عقد النكاح بشرط،إذا ما حبلت أن تضع حملها بين أقاربها.
لما كانت سلمى تعرف علم اليقين أن زوجها السابق أحيحة بن الجلاح سيطلقها كما ذكر آنفا بالتفصيل ومع ذلك أخبرت الخزرج بالليلة التى سيباغت الأوس الخزرج ومن هنا اكتسبت إعجاب قومها بها وخيرت، مكافأة لها فى اختيار زوجها ولما كان هذا الخيار خلاف الأصول المرعية فى القبائل وعاداتها فلم يحدث مثل هذا لأية واحدة جميلة من بكارى كبار العرب.
стр. 1062
ووفق ابن عبد مناف فى عقد النكاح وفق الدستور المسطور وسافر إلى الشام قبل الدخول بها وبعد مدة عاد إلى يثرب وزف إليها وأخذها إلى مكة المكرمة وحينما اقتربت ولادة عبد المطلب أخذها إلى يثرب حيث الاتفاق وسافر لأجل التجارة إلى الشام وارتحل إلى دار البقاء، فى بلدة غزة المشهورة وبما أن سلمى ولدت بعد فترة جد النبى الأول عبد المطلب ومن هنا أصبح النبى ﷺ أنصاريا خزرجيا من جهة جدته سلمى وأصبح من جهة أبيه عبد الله بن عبد المطلب قرشيا هاشميا مهاجرا.
وعلى هذا التقدير فجناب سلمى الثانية من جدات النبى ﷺ وعمرو بن أحيحة أخو عبد المطلب لأمه كما أنه عم والد النبى ﷺ عبد الله من جهة والدته.
стр. 1063
الصورة الثانية
فى هجرة النبى ﷺ إلى دار الأمن المدينة المنورة .
بعد أن أدخل-بتوفيق الله وإرادته-مصعب بن عمير كما ذكر فى الصورة السابقة كافة قبائل الأنصار إلى الإسلام ذهب إلى مكة المكرمة فى السنة الثالثة والخمسين من ولادة النبى ﷺ ومعه خمسة وسبعون نفرا من أهل المدينة والتقى بسلطان الرسل عليه صلوات الله فى اليوم الثانى من أيام التشريق من السنة المذكورة فى شعب عقبة وأسرع بتقديم من فى رفقته إلى النبى ﷺ بصورة عظيمة. وعقد البيعة (١) بناء على طلب رفقائه بشروط خاصة وذلك عند ما يشرف النبى ﷺ بأنواره البهية المدينة المنورة أن يحموه مما يحمون منه أولادهم وعيالهم من الحادثات الكونية وأنهم سيبذلون له عونهم حتى إذا حاربوا فى سبيل ذلك ملوك العرب والعجم.
وعقب البيعة-التى شرحت-مد النبى ﷺ يده التى أظهرت المعجزات فبادر بمد يده أولا أبو أمامة أسعد بن زرارة وعلى قول أبو الهيثم بن التيهان وعلى رواية أخرى براء بن معرور وقبل جميع الناس وعقدوا البيعة سبعين شخصا أو ثلاثة وسبعين رجلا شهما وامرأتين طاهرتى الذيل.
وكان أحد عشر منهم من القبائل الأوسية واثنين وستين منهم من خلفاء الخزرج الأربع وكانت إحدى النساء من سلالة بنى مازن وهى أم عمارة بنت كعب والأخرى أسماء بنت عمرو بن عدى التى ينتهى نسبها إلى بنى سلمة.
واختار النبى الأكرم عقب البيعة اثنى عشر رجلا من رؤساء القبائل ثلاثة منهم من الأوس وتسعة منهم من الخزرج وقال لهم: «كما كفل حواريو عيسى الأقوام
стр. 1064
الذين ينتسبون إليهم فيجب عليكم أن تكونوا كفلاء لأفراد قبيلتكم، وأخذ من كل واحد منهم إجابة تضمن كفالتهم فى أماكن مختلفة ثم فوق مجلس البيعة»، وبما أن تلك البيعة عقدت فى ظلام الليل حتى تخفى على قريش؛ إلا أن شيطانا اسمه «ابن أزب العقبة» نادى قائلا: «يا معشر قريش! فليكن فى علمكم أن حجاج المدينة أسرعت بعرض البيعة على ابن أخى أبى طالب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وبهذا هيئوا أسباب إشعال كانون الحرب معكم».وهكذا أعلن الأمر إلى مشركى مكة وأثار فى قلوب صناديد قريش الخوف والقلق وبناء على هذا ذهب بعض القرشيين صباحا إلى خيام قافلة المدينة وقالوا: «يا رؤساء الأوس والخزرج إنه من المحقق عدم حدوث ما يعكر الصفو بيننا من آثار الخصومة والعداوة إلى الآن؛ إلا أنه قد انتشرت شائعة أنكم عرضتم بيعتكم على محمد ﷺ لتحاربونا؛ وإذا كانت هذه الأحداث صحيحة فإننا مستعدون دائما وفى كل آن لمحاربتكم ومقابلتكم!» وهكذا أسرعوا فى استيضاح الأمر ولم يستطيعوا أن يتخذوا أى خبر عن هذا الموضوع من مشركى المدينة وعادوا وقد أخذوا ردا أن مثل هذا الاتفاق لم يتم.
وكان أحد الذين تصدى للإجابة فى الموضوع الذى يريده المكيون من أهل المدينة عبد الله بن أبىّ إذ قال: «يا معاشر قريش! إن ما تقولونه من القول إذا كان صحيحا يحتاج إلى قوة كبيرة ومن الواضح أننا لا نملك تلك القدرة؛ فلم نقم مثل هذه البيعة وكما أننا لم نعلم شيئا عن هذه البيعة!! إذا كان لنا علم فى هذا الأمر فلنحترق فى نار اللات والعزى!!».
وقد نال الأنصار الكرام شرف المثول بين يدى سيد الأنام مرة ثانية ورجوا من النبى ﷺ تشريف المدينة المنورة، ولكن بما أن سيد الأبرار-﵇-لم يرخص له بعد بالهجرة تحدث معهم على هذا المنهج: «إننى لم أتلق بعد الأمر الإلهى بالنسبة للهجرة إلا إننى أستطيع أن آذن بهجرة أصحابى وهكذا أفهمهم أن هجرته متوقعة على الوحى الإلهى ولكنه أذن بهجرة الأصحاب الكرام إلى المدينة المنورة، وبناء على هذا أسرع الأصحاب الكرام الذين يرغبون فى الهجرة إلى أرض يثرب ابتداء من بعد العودة من عرفات فى السنة المذكورة.
стр. 1065
وكان أول الأصحاب الكرام الذين هاجروا إلى مكة زوج أم سلمة-رضى الله عنها-أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومى، وكان هذا الشخص قد هاجر إلى الحبشة قبل بيعة العقبة بعام وعرف أن الأنصار السابقين قد أسلموا فعاد إلى مكة إلا أن مشركى قريش أزعجوه ولذا استفاد من الإذن النبوى فهاجر إلى مدينة الرسول ﷺ ؛ وهاجر بعد أبى سلمة: عامر بن ربيعة وزوجته ليلى وعبد الله بن جحش وحمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وعمر بن الخطاب وأخوه زيد، وعقب ذلك طلحة وصهيب وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعثمان بن عفان-رضى الله عنهم-وتركوا مكة المكرمة وهاجروا إلى قرى المدينة المنورة ونصب كل واحد منهم خيمة فى موقع حيث أقام واستقر.
واختار الأصحاب الكرام الذين أخذوا الإذن بالهجرة بعد أن أوصوا بكتمان هجرتهم عن مشركى مكة المكرمة وإخفاء السفر والهجرة إلى المدينة المنورة قرب حلول العام الرابع والخمسين للولادة النبوية. قد انهمك الأصحاب الكرام بأمر الهجرة بدرجة عظيمة إذ لم يبق فى مكة المكرمة فى أوائل السنة المذكورة أحد من أصحاب الرسول ﷺ غير الصديق الأكبر وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما.
وقد استولى على مشركى مكة الخوف والقلق نتيجة لترك الأصحاب الكرام مكة المكرمة وأصبحت نفوسهم السوداء المكروهة مضطربة كأنها ديست بسنابك الخيل، وفى النهاية عقدوا مؤتمر الفساد وقالوا: «إذا هاجر محمد-عليه سلام الله الأحد-إلى يثرب واتفق مع أهلها فلا تكون نتيجته خيرا فى حقنا».وبناء على هذا الرأى أغلقوا باب الندوة على أنفسهم وأخذوا يذاكرون هذا الأمر العسير لعلهم يجدون حلا له.
ولم يقبل التهاميون الذين كانوا فرقة سيد الأبرار المخلصين فى مجلس شياطين الإنس هذا وقد دخل الإبليس اللعين فى شكل أبى مرة الشيخ النجدى الذى كان معروفا لدى المشركين ووجد فى دائرة دار الندوة، وبعد مباحثات طويلة ومذاكرات كثيرة قرروا بناء على رأى أبى جهل وتصديق الشيخ النجدى القضاء
стр. 1066
على ورد البساتين، واستصوبوا على أن يقطع الرسول ﷺ فى ليلة من الليالى وهو نائم وذلك بواسطة بعض الملاعين البدائيين الذين سيحيطون دار النبى ﷺ من جهاتها الأربع، وعقب هذا القرار نزل جبريل الأمين باسطا أجنحته للنبى ﷺ وعرض عليه قرار هيئة الندوة وأفهمه أن وقت الهجرة إلى دار السكينة قد حان، عندئذ قرر النبى ﷺ أن يهاجر بعد أن يسلم الأمانات التى لديه إلى أصحابها.
فجعل على ينام على فراشه وأمنه من مكائد أعداء الدين، ونام ذلك البطل ذو قلب الأسد فى فراش الرسول ﷺ بائعا نفسه لله- -ليحمى نفس النبى ﷺ النفيسة مستجيبا لإرادة رسول الله ﷺ والتف ببردة رسول الله ﷺ الخضراء وراح فى نوم دون فتور، وأول من ضحى بنفسه فى سبيل إنقاذ حياة الرسول ﷺ من الأصحاب الكرام هو على بن أبى طالب-رضى الله عنه- وتتضمن أبياته الآتية تلك النكتة اللطيفة.
عربى
وقيت بنفسى خير من وطئ الحصا ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول الخلق إذ مكروا به ... فنجاه ذو الطول الكريم من المكر
وبت أراعيهم متى ينشروننى ... وقد وطنت نفسى على القتل والأسر
وبات رسول الله فى الغار آمنا ... موقى وفى حفظ الإله وفى ستر
رواية
حتى الملائكة قد استحسنوا تضحية على بن أبى طالب هذه! إذ يقول الإمام الغزالى فى إحياء العلوم: «قد أوحى الله- -لجبريل وميكائيل-
стр. 1067
عليهما السلام-فى الليلة التى نام فيها على بن أبى طالب على فراش النبى ﷺ » وقال لهما «فإذا ما جعلتكم إخوة وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأى واحد منكم كان يريد أن يكون عمره أطول من عمر أخيه؟»،عندئذ قال الله تعالى «إننى جعلت عليا أخا لحبيبى، قد ضحى على الليلة بعمره لأجل أخيه وقدم موته على حياة أخيه، لماذا لم تصلا إلى درجته فى كمال الأخوة؟ مادامت فضيلة هذه تفوق فضيلتكم، اذهبا الليلة واحفظاه من أعدائه واحمياه».
وبناء على هذا الأمر الإلهى وقف جبريل أمام رأسه كما وقف ميكائيل أمام قدميه وشغلا بحفظه، حتى إن جبريل-﵇-يهنئ تضحية على هذه قائلا: «يا أيها السعيد ابن أبى طالب، إن الله تفاخر بك على ملائكته».
وقد اجتمع فى تلك الليلة بعد أن أظلم الجو أبو جهل وأبو لهب، أبى بن خلف وبنيه، منية ابن حجاج، النضر بن الحارث، عقبة بى أبى معيط،الحكم بن العاص، طلحة بن عدى من قبل هيئة دار الندوة.
وبعض الملاعين من سائر أقوام العرب وتحت قيادة بعضهم اجتمعوا لينفذوا الفكرة المستحيلة وهى إعدام حبيب العلام وحاشا وتوجهوا نحو منزل سلطان الأنبياء، ليقوموا بإجراء ما فى ضمائرهم من الفكرة الخبيثة، وأحاطوا ببيت النبى ﷺ من جميع جهاته حتى لا يفلت من أيديهم وحرسوه حتى الصباح متناوبين، وكان ترك إجراء هذا الأمر دسيسة مدبرة من أبى لهب حتى يعلم أبطال بنى عبد المطلب وشجعان بنى هاشم أن العرب متفقون فى إجراء هذا الأمر، مع أن سلطان بلاد الرسالة (عليه أقوى التحية) خرج بكل وقار وإجلال من بيته فاتحا بابه مع أنه محاط بملاعين المشركين، وأخذ من الأرض حفنة من التراب وقرأ عليه سورة يس الجليلة ونثره فوق أذلة المشركين المحتشدين وخرج من بينهم كالروح السائرة وذهب إلى بيت الصديق الأكبر السعيد.
إن التراب المنثور فوق الكفار المحتقرين الذين يحيطون بدار النبى ذات الفيوضات الباهرة قد أعمى عيونهم بحكمة الله-تعالى-ولم يروا النبى ﷺ وكل من أصابه هذا التراب قد أصبحوا هدفا للمرض والموت.
стр. 1068
وكان الصديق الأكبر فى انتظار الهجرة (١) من مدة طويلة وقدم أحد الجملين اللذين يملكهما إلى قائد القوافل (عليه أقوى التحايا) بثمانمائة درهم.
كما نبه الدليل وعرفه أن يتواجد فى جبل الثور وهو عبد الله بن أريقط أو عبد الله بن أريقد من رجال قبيلة «دؤل» بعد ثلاثة أيام وخرج فى رفقة النبى ﷺ إلى الطريق ودخلا فى غار الثور خامس يوم الاثنين لبيعة الأنصار الأخيرة.
بعد أن ظل قائد جيش الأنبياء عليه سلام الله الأعلى فى غار الثور ثلاثة أيام توجه إلى المدينة المنورة يوم الاثنين (٢) الأول من شهر ربيع الأول وظهرت على يديه معجزات كثيرة فى أثناء الطريق.
وانحرفا عن الطريق المعهود الشهير سارا على شاطئ أرض عسفان مدة مديدة وفى النهاية وجهوا مطاياهم ناحية وادى القديد وبعد أن قطعوا مسافة قليلة فمروا بخيمة «أم معبد» الخزاعية التى كانت منصوبة فى ذلك الوادى.
كانت طائفة الجن أخبرت أهل مكة بنزول محمد ﷺ ضيفا على أم معبد، إذ يروى عن أسماء بنت أبى بكر بن قحافة-رضى الله عنهما-أنها قالت: «عندما خرج النبى ﷺ من مكة المكرمة لم نستطع أن نحدد خط سيره»،وأتى إلى منزلنا عدة أشخاص من المشركين الذين يبحثون عنه-﵇-ومعهم أبو جهل وسألونى عن والدى، وقد أجبناهم قائلين «والله إننا أيضا لم نعرف بعد مكان وجودهم» فصفعنى أبو جهل على وجهى صفعة عندما تلقى منى هذه الإجابة وكانت صفعة الخبيث شديدة بدرجة أنها أوقعت قرطى من أذنى، ثم تلا أحد الأشخاص البيت الذى يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد
وإذ سمع صوت قائل البيت المذكور ولم ير شخصه قد فهمنا أن القائل من طائفة الجن كما فهمنا من مدلول البيت السابق أن الرسول الأكرم فى خيمة أم معبد.
стр. 1069
إخطار
إن العجائب والأمور الخارقة للعادة التى ظهرت من صاحب المعجزات فى خيمة أم معبد غير قابل للتعريف والتفصيل ولا داعى لذكرها هنا لأن أكثرها قد ذكرت وحكيت فى كتب السير، إلا أننا رأينا لزوم ذكر المعجزة الآتية المنقولة عن هند بنت الجون لأنها غير مذكورة فى كتب السير التركية.
المعجزة
قالت هند بنت الجون: «إن الرسول الأكرم ﷺ غسل يدى إعجازه الشريفتين فى خيمة خالتى أم معبد ثم تمضمض ثم نثر المياه التى ملأ بها فمه المبارك بجانب جذور شجرة العوسج (١) التى فى خارج الخيمة؛ ولما خرج الرسول الكريم من الخيمة وآن وقت الليل نمنا كالعادة.
ولما أصبح الصبح رأينا أن العوسج قد أصبح شجرة كبيرة مثمرة وعليها ثمار فى لون «الورس» وفى حلاوة العسل ذات رائحة طيبة، ولما ثبت بالتجربة أن الذين يأكلون من ثمار هذه الشجرة يشبعون إذا كانوا جائعين ويرتوون إذا كانوا عطشى ويشفون إذا كانوا مرضى، والنياق والنعاج التى تأكل أوراقها تدر لبنا كثيرا ومن هنا أطلقنا عليها اسم المباركة، ولما انتشرت هذه المعجزة بين عربان البادية فإذا ما كان فى أية قبيلة أصحاب الأمراض المزمنة كانوا يأتون لزيارة الشجرة ويأكلون من ثمارها فيشفون من أمراضهم، وبعد خمسة أو عشرة أعوام سقطت جميع ثمار الشجرة وذبلت أوراقها وعقب ذلك تلقينا خبر ارتحال الرسول ﷺ عن دنيانا، وبعد فترة نمت الشجرة وكبرت وأدمت كذلك ما يقرب من ثلاثين عاما، فرأينا فى صباح يوم ما أن ثمارها سقطت وتحولت من أسفلها إلى أعلاها إلى شجرة الشوك، وذهبت عنها نضارتها واصفرت وإذا بعلى بن أبى طالب كان قد ارتحل عن دنيانا.
وبعد هذه الواقعة لم تثمر شجرة العوسج إلا أننا كنا نستفيد من أوراقها، وبعد
стр. 1070
مرور فترة من الزمن رأينا فى ليلة ما أن الدماء الغليظة تنبع من فروعها وذبلت أوراقها وسقط كلها، وهذا علامة شر ومن هنا أخذنا نستطلع الأحوال وننصت للأخبار فعرفنا بعد فترة استشهاد الحسين بن على-رضى الله عنهما-وبعد هذه الحادثة لم تفلح شجرة العوسج وقد جفت هذه الشجرة من بعد ذلك من جذورها وانمحت.
(ربيع الأبرار للزمخشرى).
إن أم معبد بنت خالد الخزاعى من الأصحاب الكرام وزوجة أبى معبد الخزاعى وهى الصحابية «عاتكة الخزاعية».
وجاء بعد نهضة النبى ﷺ وخروجه من الخيمة زوج عاتكة أبو معبد ورأى فى داخل الخيمة كثيرا من اللبن وهذا غير مأمول فقال متحيرا: «يا أم معبد! ما سبب كثرة هذا اللبن مع أن أغنامنا فى مراعى بعيدة، وكلها خالية من الحمل ولا نملك حيوانا يدر اللبن؟!»،ولما عرفت أم معبد زوجها بما وقع وما يتصف به رسول الله ﷺ من شمائل ممتازة بعبارات بليغة فصيحة بالتفصيل أصبح أبو معبد عاشق محبوب الصمد غيابيا وبعد مدة أسلم مع زوجته ونال شرف الصحبة، رضى الله عنهما.
ولما بحث مشركو قريش عن النبى ﷺ ولم يجدوه استولى عليهم اليأس والحرمان والحيرة ولم يدروا ماذا يفعلون، عندئذ أنشد الهاتف الغائب من فوق جبل أبى قبيس هذا البيت.
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... من الأمن لا يخشى خلاف المخالف
وقالوا عندما استمعوه؛ ليتنا نعرف من هو سعد هذا، فألقى لمشركى قريش هذين البيتين وبهذا أفهمهم أن ملك خطة الرسالة-عليه أكمل التحية-قد شرف المدينة المنورة.
стр. 1071
أيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعى الهدى تمنّيا ... من الله فى الفردوس زلفة عارف
وكان طلحة أو الزبير بن العوام-رضى الله عنهما-من أهالى مكة عائدين من الشام فى تلك الآونة، وقد تلاقى بقائد جماعة الأصفياء-عليه سلام الله الأعلى-فى مكان بين الحرمين فعرض عليه عددين من الخرقة الشامية البيضاء علامة للإخلاص والمخادنة ورجاه أن يتفضل بقبولهما.
وقبل سيد الأتقياء (عليه أزكى التحية) هاتين الخرقتين من ذلك الشخص قصد تلطيفه فلبس إحداهما وألبس الأخرى لجناب الصديق واستمرا فى طريقهما.
عندما وصل خبر قيام النبى ﷺ إلى أهالى المدينة المنورة غشيهم بحر من الفرح والسرور-المهاجرين والأنصار-وكانوا يذهبون إلى مكان يسمى «حرة واقم» وضيعهم وشريفهم كل صباح حتى ينالوا قصب السبق وهم متجهون لتلك القبلة التى تبشر بالمستقبل السعيد إلا أنهم كانوا يعودون وقت الزوال غير متحملين حرارة الشمس الشديدة.
وفى يوم الاثنين من أول ربيع الأول أو الثانى عشر منه من السنة الهجرية الأولى كانوا قد خرجوا أيضا لإجراء مراسم الاستقبال إلى الحرة المذكورة عند حلول وقت الزوال.
ورأى أحد اليهود الذين ظلوا خارج المدينة المنورة بغتة الموكب النبوى وبدلا من أن يقول: «يا معشر الكرام! قد شرف الشخص الذى أجلتم أبصاركم مدة مديدة منتظرين وصوله السعيد»،قال على طريق التنظيم «هذا جدكم» يعنى ظل بمجرد الصدفة ذلك اليهودى المذكور خارج المدينة وبينما يرسل نظراته المتجسسة إلى الأطراف والأكناف إذا به يرى فى طريق مكة عدة أشخاص بملابس بيضاء قد
стр. 1072
ظهروا منيرين الطريق وحينما أدرك أن الذى شرف النبى ورفيقه لم يمتلك صبره وصاح قائلا: يا بنى قيلة (١) هذا جدكم».
إن أخيار الأنصار وهم أفراد قبائل الأوس والخزرج قد سروا من الخبر الذى يجلب الصفاء والذى ينشره اليهودى بسرعة فتسلح جميعهم وامتطوا جيادهم حتى يكونوا فى شرف استقبال الركب المحمدى الذى يرسل أنواره كنور القمر وذهبوا إلى الحرة المذكورة من قبل وبعد أن نال كل واحد منهم شرف تقبيل قدم حبيب رب العزة قدم أهل المدينة الذين وصلوا واحدا تلو الآخر بإيراد خطب مناسبة، وقد أظهر المستعدون لقبول الإيمان الفرح والسرور وخرجوا خارج المدينة كما أن اليهود والمشركين قد خرجوا خارج المدينة مغتاظين متنفرين حتى خلت دار الهجرة فى ذلك اليوم المنير من الناس.
وأحنى الأنصار البررة جباههم لتراب أقدام سيد الكونين وعرضوا على رياحين إخلاصهم وطاعتهم وأظهر كل واحد منهم فرحته وسروره على طريقته، وأنشد من كان شاعرا فيهم ولا سيما الذين سروا من مقام سيدنا محمد فيهم قصائد مدح ممتازة للنبى ﷺ ، فسر النبى ﷺ من هذه الحالة وتحرك فرحا مسرورا وإذ رأى موحدى أرض يثرب عامة حالة الفرحة والصفاء التى سادت الموقف أخذ كل واحد منهم يأتى بحركة تدل على عدم المبالاة إلا أنها كانت فى حدود الأدب، وفى الواقع فإن تلك الساعة كانت من أجل أهل المدينة المحظوظين كانت ساعة من مسرة خاصة بهم حتى إن سكان الملأ الأعلى قد خرجوا لمشاهدتها ونشرت الشمس وأرسلت أضواء الفرحة والمباهاة فوق أهل يثرب، وحينما تحرك الموكب النبوى من موقع الحرّة، تقدمه أبطال الأوس والخزرج وقاموا بمهمة الدلالة، ووصل الذات النبوى العالى إلى منازل بنى عمرو بن عوف، ونزل فى ظل نخلة وقام من هناك ليضع ظله الجليل فى منزل «كلثوم بن هدم» من العرب المعروفين أو فى منزل «طاهر بن يحيى» فى القرب من بئر غرس، وكان يقول للصحابة الذين يرجونه أن يشرف منازلهم «إننى سأذهب إلى منازل بنى النجار
стр. 1073
أخوال جدى عبد المطلب حتى أجاملهم» وكان ذلك اليوم السعيد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول والثانى عشر من شهر أيلول من يوم انتصار الإسكندر فى سنة ٩٣٣ وكان فى وقت الظهر عند اشتداد الحرارة وكان قد مر منذ أن خرج من غار ثور إلى وصوله إلى قرية «قباء» ودخوله فيها اثنا عشر يوما.
بناء على هذا التقدير أنهم وصلوا إلى المدينة المنورة فى اليوم الخامس عشر منذ خروجهم من مكة المكرمة. لأنهم دخلوا فى غار ثور يوم الاثنين وخرجوا منه بعد ثلاثة أيام وظلوا فى الطريق اثنى عشر يوما، إن هذه الرواية باعتبار دخول سرور الموجودات (عليه أفضل التحيات) فى داخل المدينة! إذ قطعوا المسافة التى بين غار ثور والمدينة المنورة فى تسعة أيام، لأنهم كانوا قد وصلوا إلى قرية «قباء» قبل انتقالهم إلى المدينة المنورة بثلاثة أيام، بناء على هذا الحساب قد تفضلوا بالإقامة فى قرية «قباء» ثلاثة أيام. ومع هذا قال بعض المؤرخين أنه ظل فى قرية قباء أحد عشر يوما أو واحدا وعشرين يوما وقال ابن مالك ظل فى قباء أربعة عشر يوما وقول حضرة أنس يرجح على الأقوال الأخرى.
تصادف غريب-سئل أعلم الأنبياء-عليه أجمل التحايا-ما الحكمة من استمراركم فى صوم يوم الاثنين؟.فقال صاحب الرسالة: «إننى ولدت يوم الاثنين وأصبحت نبيا يوم الاثنين» وهكذا بين أن يوم الاثنين من الأيام المباركة، وفى الواقع ذلك اليوم يوم منير مشحون بالسعادة، لأن باعث إيجاد العالم ﷺ ولد يوم الاثنين، ولبس عباءة الرسالة المزينة يوم الاثنين، كما أنه وضع الحجر الأسود فى مكانه يوم الاثنين عندما حرر القرشيون الكعبة المشرفة وأبعد النزاع بين القبائل. ووفق فى فتح مكة يوم الاثنين وشرف عالم العقبى يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة فى يوم الاثنين.
مسألة
وليست هناك شبهة أن يوم الاثنين من الأيام المباركة الشريفة، إلا أن أفضل الأيام وأكثرها بركة لدى العلماء أيام العشرة المباركة لذى الحجة، وقد اجتمعت
стр. 1074
فى الأيام التى تكون فيها أمهات الطاعات والعبادات حتى إن الله- -قد أقسم بتلك الليالى إذ قال ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ (سورة الفجر أية ٢)،إن الإمام القسطلانى قد قدم أيام ذى الحجة العشرة على أيام رمضان العشرة الأخيرة.
ويروى العلماء: كما أن هناك أيام فضلى لأيام الدنيا هناك أيام مباركة وفضلى لأيام الآخرة، وقالوا عن أفضل أيام الآخرة: هو اليوم الذى سيتجلى فيه خالق الكائنات-تعالى شأنه عن الرواية والإدراك-لأهل الجنة دون حجاب، رزقنا بلطفه وفضله.
قال أئمة الدين هناك ليالى فضلى مقابل الأيام الفضلى، قال بعض أئمة الشافعية إن أفضل الليالى هى ليلة اليوم الذى شرف فيه الرسول الأكرم الدنيا، وبعدها ليلة القدر، وبعدها ليلة الإسراء والمعراج، وبعدها ليلة عرفات وبعدها ليلة الجمعة، وبعدها ليلة نصف شعبان، وبعدها ليلة العيد، هذا ما أحصوه، كما فضل مؤلف «كتاب النهر» وأئمة أخرى ليلة «المزدلفة» على ليلة القدر ورجحوها. والله أعلم بالصواب. انتهى.
حينما جلس سلطان الدين-عليه سلام الله المعين-فى ظل النخلة قد اختار السكوت، ومن هنا ذهب الذين لم يروا النبى ﷺ من الأنصار من قبل، إلى أن أبا بكر هو نبىّ آخر الزمان؛ لأن الصديق الأكبر كان فى سن واحدة مع سيد البشر وغير هذا فهو كان يتحدث مع الأنصار الذين يأتون ويذهبون، إلى أن زال ظل النخلة واشتدت الحرارة تحت الشمس، فخلع الصديق الأعظم (رضى الله عنه الأكرم) خرقته التى أهداها له الزبير بن العوام فى أثناء الطريق وظلل بها على النبى ﷺ ، فعرف أهل المدينة سيد الأنام من هذه الحركة وأخذوا يعظمونه ويحترمونه، وكان الخزرجيون يرغبون فى نزول النبى فى منازل الأوس، كما أن الأوسيين كانوا يودون نزول-النبى ﵇-فى دور الخزرج، وكان سبب ذلك وجود العداوة بين أبناء الأوس والخزرج.
стр. 1075
وقتل أسعد بن زرارة فى واقعة «يوم بعاث» نبيل بن الحارث ومع ذلك بقدوم النبى الميمون تبدلت تلك العداوة فى تلك الساعة والحين إلى المودة والمحبة.
ظل الرسول الأكرم-عليه سلام الله الأعظم-فى منازل بنى عوف ما يقرب من أربع عشرة ليلة (١) وفى هذه الفترة أسس مسجد قباء وأخذ يصلى فى داخله مع أصحابه الكرام علنا.
إن أول مسجد أسس فى الدولة الإسلامية الأبدية المعبد الذى طرح وبنى فى قرية قباء كما أن أول معبد شريف أقيمت فيه الصلاة علنا هو ذلك المسجد الأقدس.
وبعد أن أتم سلطان الأنبياء بناء مسجد قباء ركب ناقته الخاصة وخرج إلى الطريق مستصحبا بنى النجار وذلك ليشرف المدينة المنورة، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة ولما وصل إلى قرية بنى سالم بن عوف حل وقت صلاة الجمعة فنزل مع مائة نفر الذين كانوا فى ركابه المستطاب فى وادى «ذى صلب» الكائن داخل وادى «رانونا» وأدوا الصلاة فى هذا الوادى بادى السعادة.
بما أن صلاة الجمعة قد أديت فى هذا الموقع من المدينة المنورة فقد أحيط ذلك الموقع بجدار منخفض وأطلق عليه مسجد الجمعة فيما بعد.
ولهذا المسجد اسم آخر هو «عبيب» ويقع فى الجهة اليمنى من الذين يذهبون إلى قباء.
وبعد أن أدى سيد الزاهدين-عليه سلام الله المعين-صلاة الجمعة امتطى ناقته واستمر فى طريقه. وبعد مرور وقت قصير وصل إلى المدينة المنورة ومر من أمام منازل أشراف المدينة المنورة الذين رجوه أن ينزل عندهم ولكنه استمر فى طريقه وفى أثناء ذلك كان يصيب باليأس الذين يمدون أيديهم إلى زمام ناقته القصواء حبا فى نيل ضيافة النبى ﷺ إذ يقول: «إن زمام ناقتى مسلم ليد القدر
стр. 1076
لا تستطيع أن تتقدم خطوة من المكان الذى أمرت بأن تقف فيه، ولا تشغلوا أنفسكم ولا تتعبوها بغية ضيافتى واتركوا زمام ناقتى كما أمسك بزمام الناقة من سكان حى بنى سالم ومن أغنياء المدينة المنورة ورؤسائهم «عتبان بن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن عجلان» و «عبادة بن الصّامت بن نضلة» وقالوا:
«يا رسول الله! بما أننا نفوق البطون الأخرى كثرة فى العدد ووفرة فى الغنى فنحن أقدر على رعايتكم» وطلبوا نزوله عندهم راجين إلا أن الرسول ﷺ أجاب قائلا: «لا تتعرضوا لناقتى إذ إنها مأمورة من قبل الله تعرف مكان النزول».
وحينما وصل خطيب منبر الرسالة-عليه أكمل التحية-إلى مسجد بنى سالم، فألقى خطبة فى الأصحاب ذوى الاحترام الذين وجدوا فى ركاب النبى السلطانى ثم ركب راحلته وأمال زمامها إلى الجهة اليمنى من الطريق وكم كانت خطبته البليغة المعجبة فصيحة حتى إن سكان الملأ الأعلى صاحوا محسنين لها.
عندما وصل فى محاذاة منازل بنى حبلى أراد أن ينزل عند دار «عبد الله بن أبى»،إلا أنه أرخى عنان ناقته لعدم وجود صاحب الدار فى منزله وعندما وصل إلى محلات «سعد بن عبادة» وبنى ساعدة تلاقى مع «منذر بن عمرو» و «أبى دجانة» وفى الأمام مع «سعد بن الربيع» و «عبد الله ابن رواحة» و «بشر بن سعدة» وفى حى بنى بياضه مع «زياد بن وليد» و «فروة بن عمرو» و «عدى بن النجار» وإن كان هؤلاء أيضا أرادوا أن يستضيفوه إلا أنهم تلقوا نفس الإجابة التى سبق ذكرها.
وأراد جمهور المؤرخين أن يثبتوا أن الضيافة قد عرضت على النبى ﷺ أولا من بنى بياضة وبعدهم من بنى سالم وعقب ذلك من بنى عدى بن النجار إلا أن ابن إسحاق قال إنه قد عرض عليه ﷺ النزول أولا من بنى سالم ثم بنى بياضه وبعدها من بنى الحارث وفى النهاية من بنى النجار. وكلما كان النبى يركب البراق-عليه صلوات الله الرزاق-يجيب الذين يرجونه النزول عندهم الإجابة سالفة الذكر كانت الناقة كريمة الأطوار تنظر يمينا ويسارا، ونهاية الأمر بركت أمام بئر جمل وعندئذ أحاط به أبطال بنى النجار وأخذوا يزورون النبى ﷺ .
стр. 1077
وبعد أن وقفت الناقة عريقة الأصل أمام بئر «جمل» قليلا، قامت وسارت وبركت أمام باب دار أبى أيوب الأنصارى-رضى الله عنه-الذى كان فى اتصال منزلى ابن عائذ وسعيد بن منصور، وبعد عدة دقائق قامت لتبرك مكان المنبر الحالى لمسجد السعادة وأخرجت صوتا خاصا بالنياق ومدت رقبتها عندئذ ترجل النبى ﷺ قائلا: «هذا المنزل إن شاء الله»،وبناء على إذن الرسول ﷺ أخذه أبو أيوب الأنصارى إلى داره وقد ساعده زيد بن حارثة على حمل ملابسه ﵇-وأشياءه الخاصة.
عندما بركت ناقة النبى ﷺ أمام باب دار أبى أيوب الأنصارى خرجت جوارى بنى النجار فى الشوارع أخذن فى إنشاد.
نحن جوار من بنى النجار ... يا حبذا محمد من جار
ويضربن الدفوف (١) وأخذن فى إظهار سرورهن وقال ذلك النبى محبوب العالم ﷺ لهن هل تحببننى؟ فقلن: «نعم وإننا نعلن عن سرورنا بهذه الطريقة» فقال: «ثلاث مرات أقسم بالله وإننى أحبكن» وعلى رواية «يعلم الله إننى أيضا أحبكن» وزاد سرورهن بهذه الالتفاتة النبوية الكريمة فزدن فى إظهار علامات الفرح والابتهاج.
وقد زاد فرح وابتهاج أهالى دار الهجرة الكرام فى ذلك اليوم وقد تحولت دار القرار المدينة المنورة فى ذلك اليوم إلى منزل عرس وخرجت نساء الخدور إلى الشوارع وهن ينشدن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
стр. 1078
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة ... مرحبا يا خير داع
كما أن بعضهم أظهروا علامات سرورهم قائلين.
أشرق البدر علينا ... واختفت منه البدور
مثلك ما رأينا ... قط يا وجه السرور
لم يستطع سكان دار السكينة فى ذلك اليوم أن يتمالكوا حرية إرادتهم وأخذوا يظهرون فرحهم وسرورهم على طريقتهم ولا سيما الأطفال كانوا يهنئ بعضهم البعض ببشرى «جاء محمد رسول الله»،ولما لم ير كل الناس من شدة الازدحام صاحب الرسالة وجماله النبوى صعدوا فوق أسطح المنازل وأخذ يسأل بعضهم بعضا، هذا هو محمد؟ هذا هو رسول الله.
لما كانت ثنية الوداع مكانا فى الطرف الشامى من المدينة المنورة ذهب بعض المؤرخين إلى أن النبى ﷺ قد شرف المدينة المنورة من ناحية الشام؛ إلا أنهم مخطئون فى ذهابهم هذا؛ وفى الواقع وإن كانت ثنية الوداع فى ناحية الشام؛ إلا أن كل ثنية يودع فيها الناس بعضهم تسمى «ثنية الوداع» ومن هنا ففى المدينة عدة ثنيات للوداع، وليس هناك شك فى أن النبى ﷺ قد شرف مقبلا من ناحية مكة المكرمة حتى إن مصراع «من ثنيات الوداع» يدل على أن المدينة المنورة عدة ثنيات.
إن منزل أبى أيوب الأنصارى-رضى الله عنه-السعيد كان قصرا يجذب القلوب بناه تبع الحميرى لملك العالم- ﷺ -قبل وقوع الهجرة النبوية النافعة قبل سبعمائة سنة كما ذكر فى الصورة الثالثة من الوجهة الرابعة لمرآة مكة.
стр. 1079
وفى أثناء انتقاله من يد لآخر أخذ كل واحد من ملاكه يضيف إليه زينة حتى وصل إلى يد خالد بن زيد وتحت تصرفه وبناء على هذا التقدير قد شرف سيد العرب والعجم المنزل الذى أسس وطرح من أجله منذ سبعمائة عام.
وكانت منازل بنى النجار فى ذلك العصر فى غاية المتانة بالنسبة لمنازل الأنصار، والمكان الذى بركت فيه الناقة وهى ترعى هو الساحة التى بنى فيها فيما بعد المسجد النبوى الشريف.
وكانت ساحة مسجد السعادة فى مائة ذراع طولا وعرضا وكان مكانا مخصصا لتجفيف البلح وكان يمتلكها يتيمان وسيمان ابنا رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار واللذان تربيا فى حجر معاذ بن عفراء وعلى قول، أسعد بن زرارة وكان معاذ خال عبد المطلب بن هاشم، لأن كل واحد من أهل المدينة فى تلك الأوقات له ساحة لتجفيف البلح قدر حاله، وقد اشترى النبى ﷺ هذه الساحة بعشر قطع ذهبية وطرح عليها مسجده الشريف وأسسه.
قد امتلك منزل أبى أيوب الأنصارى عبدة بن أفلح وباعه فيما بعد لمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف قطعة ذهبية، وقد اشتراه بعد مدة الملك المظفر ابن أيوب بن شادى وهدمه وبنى على ساحته مدرسة مكتملة خاصة بعلماء المذاهب الأربعة وجعل فى داخلها مكتبة ووقف لها كتبا كثيرة نفيسة متنوعة.
كما أوقف مشروطا لتلك المدرسة والمكتبة بعض البساتين فى المدينة وعقارات متعددة فى الشام، كما اشترى كثيرا من الدكاكين والأراضى فى بلده وأوقفها، ولكن لشدة الأسف! أن تقلبات الزمان قد محت ولم تترك اسما ولا ذكرا لهذه الأشياء سواء أكانت تلك الكتب النفيسة التى أوقفها أو ما أوقفه من عقارات وأملاك شرط تعمير المدرسة وترميمها.
وكانت هذه المدرسة فى العصور القديمة عامرة ومشهورة بين الأهالى بالمدرسة «الشهابية» وقد خربت قبل عدة مئات من السنين، ويروى المؤرخون أن فى الميدان الصغير الذى كان فى داخل المدرسة «الشهابية» وفى الطرف الغربى
стр. 1080
الجنوبى من الميدان محراب وكانت ساحة هذا المحراب مستناخا للناقة النبوية وأن الحجاج الرائحين والآتين كانوا يزورون ذلك المحراب. وأدخل المحراب الشريف فيما بعد داخل كوخ للمحافظة عليه، إلا أن المدرسة الشهابية قد حولت من صفة المدرسة ووضعت لهيئة زاوية، كما أن تلك الزاوية خربت ومن هنا اقتنع المخلصون الذين حرموا من زيارة مستناخ الناقة النبوية أن هذا الموقع سيخرب بعد مرور فترة من الزمن. وفى سنة ١٢٥٩ هـ وجه الأمر السلطانى الصادر من أمانة البناء إلى عهدة شخص يسمى «خضير أفندى» هدمت تلك الزاوية وجددت فى صورة كاملة وتم التجديد فى أواخر ربيع الأول من سنة ١٢٦١ هـ.
وفتح فى وسط الأبنية الجديدة منفذا للريح كما فتحت فى ناحية الشارع نافذة كبيرة وبهذا دخلت زاوية الشهابية إلى هيئة تكية وكان أصحاب الاشتياق يزورونها، وهذه المدرسة تعرف فى أيامنا ب الزاوية الجنيدية.
إن التوفيق فى إحياء هذا الأثر اللطيف الذى ظل معطلا عن الزيارة منذ سنين وفيرة ستكون خدمة فريدة لصاحب الرسالة. إلا أن اتصاف خضير أفندى بضعف إخلاصه واعتقاده أضاع ذلك الأثر النبوى السعيد لأنه وسع محيط كوخ مستناخ ناقة الرسول عشرة أذرع وثلاثة أرباع ذراع طولا وخمسة أذرع وربع عرضا ولم يضع علامة يستدل بها على نقطة مستناخ الناقة وبهذا ضاع الموقع اللطيف لذلك الأثر الشريف.
وكان غرض السلطان عبد المجيد من إحياء المدرسة الشهابية المحافظة على مستناخ الناقة النبوية الشريفة إلا أن الحقير خضير أفندى لاحظ عند تجديد المدرسة نظام وانتظام الأبنية وسعتها وبهذا ارتكب دناوة الإساءة-تجاوز الله من سيئته.
إخطار
ولم يمح أصحاب الخيرات المآثر الجليلة، مثل خضير أفندى، ولكنهم بنوا أبنية فى الأماكن التى ثبت ولو بقول ضعيف كونها من الآثار واتخذوها زوايا بنية خالصة وفكر صحيح، حتى يعبد فيها الله إلى يوم القيامة.
стр. 1081
الصورة الثالثة
فى بيان وقائع سنين الهجرة وتفصيلاتها الإجمالية .
وعندما استقر النبى ﷺ وشرف المدينة طيبة وتم وقت اقتران فيض نوره ﵇. كان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة المكرمة، وذهب معهما عبد الله بن أبى بكر وهناك أخذوا معهم السيدة فاطمة وأم كلثوم وسودة وأسامة بن زيد وأم أيمن وأولاد وعيال الصديق الأعظم-رضى الله عنهم-ورجعوا إلى المدينة، وآخى النبى ﷺ بين المهاجرين والأنصار وعقد مع طوائف اليهود المعاهدة، وقد عاش فى المدينة المنورة بالإجماع، ما يقرب من عشر سنين وارتحل عن دنيانا يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول والسنة الحادية عشرة من الهجرة، ومرض فى الأيام العشرة الأخيرة من شهر صفر من تلك السنة وارتحل فى ربيع الأول، وصلى عليه بدون إمام فى داخل الحجرة المعطرة على رواية أو فى داخل الروضة المطهرة على رواية أخرى.
ولم يستطع الأصحاب الكرام أن يقتنعوا بارتحال النبى عن دنيانا، وقد مدت أسماء بنت عميس يدها إلى ظهر النبى وعرفت أن خاتم النبوة قد رفع وحكمت أن روح النبى ﷺ قد قبضت.
وظهرت عندئذ بعض علامات الموت على أظفاره المباركة نوع من الزرقة يعنى بدء تغير لون أظفاره-﵇-فحكم من قبل عامة الأصحاب الكرام أن النبى ﷺ قد ارتحل عن دنيانا ودفنوا نعشه المقدس اليوم الرابع من يوم ارتحاله وعلى قول فى الليلة الثالثة أو اليوم الرابع أو الثالث على رواية أخرى من يوم قبض روحه اللطيفة والمكان الذى قبضت فيه روحه-﵇-وقد تنافسّ الأصحاب الكرام فى تعيين موقع دفن جثمانه الشريف-﵇-طويلا فقال بعضهم يدفن فى «البقيع الشريف» وقال بعضهم يدفن فى المسجد اللطيف،
стр. 1082
وأخيرا قرروا دفنه فى داخل حجرته المعطرة. ودفنوه حيث قبضت روحه-﵇-وقد سطر هذا القرار بناء على رأى مذكور فى الصورة الثانية من الوجهة الثالثة.
السنة الأولى للهجرة
* سنة بناء مسجد قباء: إن هذا المعبد كان سبب نزول الآية الكريمة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾ (التوبة:١٠٨) وقد طرح أساس منبره المصون من الأندلس من طرف معمار منزل الدين ﵇.
*ومن أحداث تلك السنة: تأسيس مسجد المدينة.
*ورود فاطمة وأم كلثوم، وعائشة الصديقة، وأم أيمن (١) وأسامة بن زيد (رضى الله عنهم) وأم أيمن زوجة زيد بن حارثة ووالدة أسامة.
*وزفاف عائشة-رضى الله عنها-عقد على السيدة عائشة رضى الله عنها فى مكة المكرمة وعمرها ست سنوات وزفت فى السنة الأولى الهجرية.
*وفرض ركعات الصلاة حيث كانت الصلوات ركعتين فأصبحت أربع ركعات.
*المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد عقد خمسة وأربعون شخصا من المهاجرين والأنصار روابط الأخوة على التعاون والتناصر.
*معاهدة اليهود-القصد من هؤلاء اليهود قبائل بنى قريظة وبنى النضير وبنى قينقاع-التى كانت تسكن فى أطراف المدينة الطاهرة وقد عقدت معاهدة بشرط ألا يعينوا أعداء الموحدين وألا يهينوا حلفاء المسلمين.
*نقل وباء الطاعون.
стр. 1083
*نزول آيات القتال.
*بعث السرايا، وعقد رايات الغزوات، وقد صدرت فى هذه السنة الأوامر الإلهية بسل السيوف لمخاذيل المشركين فتفضل-﵊-بعقد رايات الغزوات وإرسال السرايا، والغزوات التى زينها بحضوره الشخصى (١٩) غزوة وقد حدث قتال فى تسع منها. والسرايا التى بعثها تحت قيادة أحد القواد (٤٧) غزوة أو سرية، ويروى أنها (٥٦) سرية.
لازمة-تطلق على الحروب التى قاد الكتائب فيها النبى ﷺ بالذات غزوة فى اصطلاح أهل السير، كما تطلق على الجيوش التى ساقها تحت قيادة أحد قواده سرية.
وعلى قول تطلق السرية على الجنود الذين يسيرون بالليل ويختفون نهارا سرية، وعلى الذين يسيرون نهارا تحت قيادة أحد القواد وجه تسميتها مأخوذ من كلمة السر، وسمى أهل السير الفرق العسكرية حسب مقدار الجنود وكميتهم الذين يساقون إلى الحروب «سرية»، «بعث»، «منسر»، «مقنب»، «كتيبة»،جيش وفريق، وجحفل، وخميس، والجيش العظيم، وقالوا للذين أرسلوا للجهاد ويقل عددهم عن ثلاثة «غزاة» وإذا كانوا راكبين «جزيرة» وإذا كان كلهم مشاة «بعث» وإذا كانوا من ثلاثين إلى أربعين نفرا وعلى قول من أربعين إلى ستين أو من مائة إلى مائتين من الفرقة الخيالة قالوا عنهم «المنسر» وقالوا لفرقة الفرسان بين مائة أو أربعمائة «مقنب» وإذا وصل الفرسان إلى خمسمائة «السرية» وألف نفر من المشاة «كتيبة» وفرقة مكونة من أربعة آلاف يطلق عليها «جيش»، «فريق» و «جحفل» والجيش المكون من اثنى عشرة ألف «خميس» ولأكثر من هذا قالوا عنه «الجيش العظيم».
*ومن أحداثها أيضا: ولادة عبد الله بن الزبير.
*عقد لواء لحمزة بن عبد المطلب-إن أول الجنود الذين جهزوا فى الدولة الإسلامية الأبدية سرية حمزة بن عبد المطلب، وكانت تتكون من ثلاثين من
стр. 1084
شجعان المهاجرين إذ تقابلوا مع القافلة القرشية التى تتكون من ٣٠٠ نفر وتحت قيادة أبى جهل ولكنهم صرفوا عن القتال بواسطة مجدى بن عمرو الجهمى.
*عقد لواء عبيدة بن الحارث، الجنود الذين بعثوا للمرة الثانية هم الذين كانوا تحت قيادة عبيدة بن الحارث، وكانوا ستين من المهاجرين إذ انتصروا فى موقع ودان الكائن فى بطن رابغ على أبى سفيان وعلى رأى آخر على جيوش قريش المائة تحت قيادة عكرمة بن أبى جهل وشتتوهم أيما تشتت، ويروى أن هذه السرية كانت فى الدفعة الأولى.
*عقد لواء سعد بن أبى وقاص قائد السرية التى أرسلت للمرة الثالثة، قد ذهب مع عشرين نفرا من المهاجرين وعاد دون أن يصادف أعداء الدين.
*وفاة أبى أمامة.
*وفاة أم كلثوم بنت هدم.
*هلاك وليد بن المغيرة.
*هلاك عاص بن وائل.
*إسلام سلمان.
*إسلام عبد الله بن سلام.
*إجراء اليهود عداوتهم فى حق محبوب الرب الودود.
وكان هؤلاء الأشخاص الذين أظهروا العداوة من أحبار اليهود وهم حيى بن أخطب، أبو رافع الأعور، كعب بن الأشرف، عبد الله ابن صوريا، زبير بن باطا، وليد بن أعصم، وهم هؤلاء الأنجاس المفسدون الذين ذهبوا إلى دار البوار كل واحد بطريقة ما كما هو مذكور فى أمهات كتب السير.
*التجاء المنافقين مثل أبى بن سلول مع آخرين من مخذولى المنافقين إلى الإسلام عن طريق النفاق.
سنة الأذان المحمدى:
المعلومات المهمة فى حق الأذان، إلى هذه السنة أنه كان يعلن عن وقت الأذان إذ ينادى المنادى قائلا الصلاة جامعة، وفى خلال هذه السنة علم عبد الله
стр. 1085
بن زيد فى رؤياه الأذان المحمدى وأصبح الأذان سنة على تلك الطريقة، إلا أن بعض كتب السير كتبت أن الواقعة المذكورة حدثت فى السنة الثانية الهجرية.
أول من أذن فى المدينة المنورة هو بلال الحبشى وأول من أذن فى مكة المكرمة حبيب ابن عبد الرحمن-رضى الله عنهما-وأول من أذن لصلاة الجمعة هو عبادة بن الصامت-وعلى قول هو أبو يعلى-وأول من أذن فى مصر فوق المئذنة هو شرحبيل بن عامر المرادى الصحابى.
والأذان الأول الذى يؤذن يوم الجمعة هو من سنة عثمان-رضى الله عنه-إذ كثر الناس فى عهده السامى وتفرقوا، وحتى يترك الناس أعمالهم ويسرعوا إلى المسجد الشريف اتخذ أن يتلى الأذان قبل الصلاة، وعين للقيام بهذه المهمة أشخاصا مكلفين وموظفين بهذا الأمر، وكان هذا الأذان يؤدى إلى عهد أبان بن عثمان كالأذان الثانى فوق المحفل ومقصورة المسجد وقد أحدث أبان بن عثمان أصول أداء الأذان فوق المآذن.
كما أن أمراء بنى أمية أحدثوا عادة أداء الأذان ثلاثة أنفار معا من فم واحد، ومازال هذا الأصل جاريا فى البلاد العربية.
وأحدث ناصر الدين محمد بن المنصور سيف الدين قلاوون فى خلال سنة ٧٠٠ الهجرية بتصويب المحتسب نجم الدين الطبندى وتشجيعه قراءة الصلاة والسلام قبل أذان الجمعة فوق المآذن، وكان قصده إسماع الناس قرب حلول وقت صلاة الجمعة، إلا أنه كان يقال (الصلاة والسلام على رسول الله) وبعد مرور ٦٧ سنة قرر الملك المنصور محمد بن مظفر بن ناصر الدين محمد بن قلاوون بناء على عرض وترتيب المحتسب صلاح الدين البرلسى أن يقال (الصلاة والسلام عليك يا رسول الله) وبعد مرور ٢٤ سنة قرر فى عهد الملك الصالح بن الأشرف شعبان بن حسين بن ناصر الدين محمد بن قلاوون أن تقرأ الصلاة عقب أذان صلوات الأوقات الخمسة ما عدا أيام الجمعة.
стр. 1086
أصول التسبيح فوق المآذن:
كان موسى-على نبينا وعليه السلام-يسبح فى الأوقات المباركة وقبل أذان صلوات الصباح بصوت مرتفع، وقد عين حضرة داود موظفين خاصين للاحتفاظ بهذه الأصول وجعلهم يسبحون الله فى الثلث الأخير من الليل حتى قرب الفجر، واستمر هذا النظام حتى وفاة يحيى ﵇، وقام اليهود ضد عيسى ﵇-عقب استشهاد يحيى-﵇-وتسببوا فى إبطال نظام التسبيح وتركه والعمل حسب أحكام شرائع بنى إسرائيل.
وقد جرى أصول التسبيح فى العهد الإسلامى أولا فى مصر وفى وقت إمارة مسلمة بن مخلد بن الصامت بن نيار الأنصارى، وفى سنة (٥٨)،لأن حضرة مسلمة قد صنع فى مسجد عمرو بن العاص مئذنة (١) واعتاد أن يعتكف فى هذا المسجد، وقال للمؤذن شرحبيل بن عامر فى أثناء اعتكافه يا شرحبيل، إننى أنزعج فى الصباح من دقات الناقوس، هل هناك حل لهذا الموضوع؟،فقال له نعم أبدأ فى الأذان من نصف الليل وأطيله إلى طلوع الفجر وبهذا سر مسلمة بن مخلد ووضع نظام قراءة الأذان من نصف الليل وبهذا النظام استطاع مسلمة بن مخلد أن يحافظ على سكينة قلبه درجة ما، وعندما أصبح أحمد بن طولون ملك مصر سنة (٢٥٤) رفع نظام أداء الأذان هكذا لفترة طويلة وعين مؤذنين متعددين وربط لهم المرتبات الخاصة ووضع نظام أن يصعدوا إلى المآذن قرب الصباح وأن يقرءوا القصائد الخاصة بالزهد والعشق الإلهى والأشعار، كما أن صلاح الدين الأيوبى قرر فى سنة (٥٦٨) قراءة القصائد والأناشيد الخاصة بالعقيدة الأشعرية بدلا من الذكر والتسبيح.
ومازال حكم هذا النظام جاريا فى جوامع مصر والشام.
السنة الثانية للهجرة
* عرس السيدة فاطمة رضى الله عنها.
*وغزوة أبواء، هذه الغزوة مقدمة الغزوات التى وجد فيها قائد المجاهدين
стр. 1087
نبينا ﷺ بذاته، وبما أنها وقعت على بعد ستة أميال لناحية ودان اشتهرت بغزوة «ودان» كما ذكر فى بعض كتب المغازى أنها حدثت قبل السرايا سالفة الذكر.
*غزوة «بواط» وهى الغزوة الثانية التى وقعت فى خلال السنة المذكورة، وبما أنه لم يتصادف لقافلة قريش رجوع وبما أنه قد نصبت الخيام فى مكان يسمى «بواط» بالقرب من ينبع سميت بذلك الاسم.
*غزوة العشيرة وهى الغزوة الثالثة فى السنة المذكورة، وذهب إلى بلاد قبيلة بنى مدلج فى ناحية ينبع وإلى منزل «عشيرة» لنهب القافلة التى تحت إدارة أبى سفيان التى تعود من الشام، ولما عرف أن القافلة قد فاتت رجع من هناك بعد عدة أيام، وقد لقب على المرتضى فى هذه الغزوة الغراء بكنية «أبى تراب».
*هجوم كرز بن فهر على المدينة.
*سرية بن أبى وقاص الثانية.
*سرية عبد الله بن جحش.
سل سيف جناب عبد الله مع ٨ - وعلى رأى ١٢ - نفر من المهاجرين وحربه الدامية مع قافلة قريش فى بطن نخلة وقهره لعمرو بن علاء الحضرمى وتدمير عثمان بن عبد الله، وأسر حكم بن الكيسانى وتكبيله بالسلاسل والاستيلاء على قافلة قريش، وهذه السرية هى أول سرية فى عصر السعادة حدث فيها قتل الأعداء وأخذ الأسرى واغتنام الأشياء.
*فرض الصيام.
*تحويل القبلة.
*وقعة بدر الأولى.
*غزوة بدر الكبرى.
*وجوب صدقة الفطر، أداء صلاة العيد.
*غزوة بنى قينقاع. كان يهود بنى قينقاع من القبائل اليهودية التى عقدت الصلح والاتفاق مع المسلمين فى السنة الأولى الهجرية وظلت ساكنة هادئة إلى
стр. 1088
شوال من السنة الثانية الهجرية، ونقضت العهد فى خلال شهر شوال إذ قتلت مسلما فى سوق المدينة، فبناء على ذلك حوصرت حصونهم وضيق عليها الخناق مدة خمسة عشر يوما وحوربت، وضبطت أملاكهم وصودرت أشياؤهم وأجلوا إلى ديار الشام.
*غزوة السويق.
*غزوة قرقرة الكدر، هناك من يروى أن الغزوة المذكورة وقعت فى السنة الثالثة.
*قتل عمير بن عدى العصماء (١).
*قتل سالم ابن عمير أبا غفل.
وفاة رقية بنت النبى ﵇.
السنة الثالثة الهجرية
* غزوة أنمار.
*سرية القردة.
كان زيد بن حارثة قائد سرية فى هذه الواقعة، فأغار على قافلة قريش فى مكان يسمى القردة واغتنم أمتعتها وأخرج ٢٥٠٠٠ ألف درهم خمسا.
*قتل كعب من الأشرف اليهودى، كان هذا الرجل رئيس قبيلة عمرو بن عوف وكان يؤذى النبى ﷺ .
*زفاف عثمان بن عفان-رضى الله عنه-بأم كلثوم بنت رسول الله ﷺ لما كان عثمان بن عفان تزوج برقية ثم بأم كلثوم-رضى الله عنهما-لقب بلقب ذى النورين.
*زفاف حفصة بنت عمر بن الخطاب وزينب بنت خزيمة رضى الله عنهما.
*وفاة السيدة زينب بعد مرور شهرين من زواجها.
*ولادة سبط النبى المكرم حضرة حسن بن على رضى الله عنهما.
*غزوة أحد.
стр. 1089
*غزوة حمراء الأسد.
*استشهاد حمزة، استشهاد عمرو بن الجموح.
*استشهاد أنس بن النضير، استشهاد سعد بن الربيع رضى الله عنهم.
*تحريم الخمر، وهناك من يروى أن الخمر حرمت فى السنة الرابعة الهجرية .
السنة الرابعة الهجرية
* وقعة بئر معونة.
*غزوة بنى النضير.
*ولادة الإمام حسين السعيدة.
*غزوة الرجيع.
*بدر الموعود (١).
*زفاف أم سلمة، وزينب بنت جحش رضى الله عنهما.
*غزوة ذات الرقاع ويروى أن هذه الغزوة وقعت فى السنة الخامسة.
*استشهاد عامر بن فهيرة، استشهاد عاصم بن ثابت، وفاة عبد الله بن عثمان.
السنة الخامسة الهجرية
* غزوة دومة الجندل ويروى أن هذه الغزوة وقعت فى السنة السادسة.
*غزوة بنى المصطلق وهناك من يرى أن هذه الغزوة أيضا وقعت فى السنة السادسة.
*رخصة التيمم.
*عتق سلمان الفارسى وتحريره.
*كسوف القمر.
*أداء صلاة الكسوف.
*وفود بلال بن الحارث المزنى، قدوم ضمام بن ثعلبة.
стр. 1090
*غزوة المريسيع.
*قصة إفك عائشة رضى الله عنها المؤلمة.
*غزوة الخندق.
*غزوة بنى قريظة استشهاد سعد بن معاذ.
*استشهاد خلاد بن سويد.
*هلاك أمية بن الصلت.
*مبارزة على، ضيافة جابر بن عبد الله عقب غزوة الخندق.
*حكم سعد بن معاذ على بنى قريظة، وفاة أم سعد بن عبادة.
*سرية عبد الله بن أنيس.
*وقعة عرنة.
*إسلام عمرو بن العاص وخالد بن سنان.
السنة السادسة الهجرية
* أسر شمام بن أنال.
*كسوف الشمس.
*نزول حكم الظهار.
*سرية محمد بن مسلمة.
*غزوة بنى لحيان.
*فرض الحج على أصح الأقوال، وهناك من يدعى أن الحج فرض قبل الهجرة أو فى السنة السابعة أو الثامنة.
*سرية زيد بن حارثة.
*سرية حيدر.
*سرية عبد الرحمن بن عوف.
*صلح الحديبية. يروى أن هذا الصلح وقع فى السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة.