العنب:
يرى الأطباء أن الطازج منه يبرد الدم ورغم أن ضرره أقل من الفواكه الأخرى فإن الإفراط فى أكله يسبب إسهالا مؤلما. والعنب الموجود فى مكة المزروع فى الطائف له قشرة سميكة بعض الشئ وهو لذيذ الطعم.
التمر:
رغم أنه لذيذ الطعم ولزج فإذا ما أكله سكان البلاد الباردة بكثرة وشربوا الماء عقب أكله شعروا مباشرة باضطراب فى القلب فأكله بإفراط مضر.
اللوز:
وهو بطئ الهضم لكن منقوعه يمنع الحرارة ويسكن الألم.
الجوز:
ويزرع فى الطائف وأكل قدر كاف منه بعد نزع قشرته الداخلية لا ضرر منه ومع هذا فإن أكل الجاف منه مضر فى الأراضى الحجازية.
التوت:
يمكن أن يعثر فى الحجاز على التوت الأسود فقط وبما أنه سريع التلف لا بد من توخى الحرص عند أكله.
العناب:
ويجلب من الشام الجاف المطبوخ منه مفيد لمرضى الصدر، يطبخه أهل جدة ومكة مع الكمون الأسود أو الكزبرة ليتناوله من يصاب بالحمى الصفراء.
البطيخ والشمام:
وأكل البطيخ فى الأيام الحارة يرطب الجسم ويسكن فورة الدم وسخونته، ومع هذا فإن الإسراف فى أكله يسبب الانتفاخ والضيق للإنسان.
أما بالنسبة للشمام فإن أكله أحيانا يسبب تعبا فى القلب، لذا لا يصح أكله طالما أنه غير ناضج.
البرتقال:
رغم أنه يزرع فى الأراضى الحجازية منذ عدة سنوات إلا أن أغلبه يجلب من مصر وأكل ثمرته أمر طيب وشرب عصيره فى أوقات القوة والصحة لا مثيل له فى خفض الحرارة وإزالة جفاف الحلق وتنقية الدم.
الليم ون:
ويضاف إلى الأطعمة المناسبة له ويعمل منه عصير الليمون ويشرب.
ولكن الإفراط في أكل الليمون الحلو ضار.
الليم:
نوع من النارنج، وفير الماء حامض الطعم وتختص به مكة المكرمة ويستعمل بها بدلا من الليمون.
стр. 107
وليكن معلوما لدى الذين يشربون «الليمونادة» المعمولة من الليم أن هذا المشروب أفضل من عصير الليمون من حيث الرائحة وملائمته للمعدة. وعند عصره ينزع قشره الخارجى وإذا لم ينزع القشرة تزيد من مرارة الشراب.
الرمان:
وفائدته كبيرة إذا ما شرب معصورا سواء المر منه أو الحلو، فشراب المر منه يرطب الدم ويسكن السخونة. ومع هذا فإن أكل الحلو منه ببذوره يفسد المعدة.
الموز:
ويشبه فى الطول والعرض الخيار الروسى الطازج والذى يسمى الخيار البرى أفضله ما يزرع فى الأراضى اليمنية. والموز الذى يزرع فى منطقة الحجاز ويستساغ أكله بعد نزع قشرة الناضج منه مع السكر. الإفراط فى أكله مضر لصعوبة هضمه.
الخيار:
ملين وملطف وأكله أثناء الطعام مع السلاطة فاتح للشهية.
العجور:
وهو من فصيلة الخيار وتأثيره يشبه تأثير الخيار ويستعمل الطازج منه فى جزيرة العرب فى «السلاطة» مثل الخيار ويؤكل بعض أنواعه مطبوخا مثل القرع.
ويصنع منه نوع من المحشى، لكن نظرا لصعوبة هضمه، فالإكثار من تناوله ضار بأهل البلاد الباردة.
الهندباء:
أحد أنواع الخضر في مكة المعظمة، وطعمها لطيف وهضمها سهل وجيد، ورغم مرارة مذاقها بعض الشئ عند أكلها فإنها تكسب المعدة قوة لأنها تساعد على هضم الطعام.
الخرشوف:
رغم حداثة زراعته فى حدائق الطائف فإن أهل مكة يعتبرونه من الخضر وهو مستساغ الطعم. وإذا طبخ جيدا يلذ مذاقه ولا ضرر منه لسرعة هضمه.
البامية:
وهى ملينة وإذا طبخ الطازج منها بطريقة جيدة لا ضرر من أكلها وذلك
стр. 108
لسرعة هضمها. ولا تخلو منها مكة المكرمة صيفا وشتاء وهى مستساغة بين أهل مكة.
الكرفس:
إذا طهيت جذوره وأوراقه بشكل جيد يكون طعمه مستساغا وسريع الهضم.
الفاصوليا الخضراء:
وهضم الطازج منها ليس عسيرا وإذا طبخت بطريقة جيدة فأكلها شهى جدا.
السلق:
يجب الحذر من أكله بسبب بط ء هضمه.
الجزر اليمانى:
هو الخضار المعروف باسم «الجزر اليمانى» وبما أنه يحتوى على مادة الدقيق لذا يشعر الإنسان بالشبع عند أكله. ويؤكل مسلوقا أو مطبوخا وفى كلتا الحالتين يشبه مذاقه مذاق الكستناء. ومع هذا فإن الإكثار فى أكل النوع البرى منه المسمى «جزر المدينة» يوجع البطن لأنه بطئ الهضم.
الباذنجان:
بما أنه بطئ الهضم فهو يسبب عسر الهضم، لذا وجب التحرز من أكله فى الأراضى المباركة.
الفاصوليا الجافة والفول الجاف:
والحبوب المذكورة إذا أكلت قبل طهيها جيدا تسبب الانتفاخ فى البطن وعسر الهضم، كما أن أكلها مطبوخة يسبب الرياح لذا أكلها فى الأراضى الحجازية ضار.
الفجل:
رغم أنه مهضم إلا أنه مدر للبول ومسبب للرياح لذا فأكله بكثرة مضر حتى لو كان فى «السلطة».
شبت:
مصلح للمعدة، إذا أضيف إلى أى نوع من الأطعمة يكسبها نكهة لذيذة ورائحة طيبة. ويساعد على سرعة الهضم لأنه يفقد خواصه عند طبخه يجب إضافته إلى الطعام بعد طهيه.
الثوم:
رغم أنه عند طبخه يساعد على هضم الطعام؛ إلا أن رائحته قوية ولا
стр. 109
تزول بسرعة. كما يحظر أكله فى المناطق الحارة وذلك لأنه يكسب الجسم حرارة عند تناوله.
الكمون:
عند ما يضاف إلى الأطعمة فإنه يقوى المعدة ويفتح الشهية.
أسباب ظهور الأمراض فى مكة المفخمة
فيما مضى كان الحجاج الذين يأتون مع المحمل الشامى ينصبون خيامهم بجانب الآبار التى فى طريق العمرة، كما كان حجاج المحمل المصرى ينصبون الخيام فى السطح أى المسطح الذى أمام الموقع المسمى «الشيخ محمود»،وكانوا يتركون فى الميدان مخلفات الأغنام التى يذبحونها مكشوفة، كما كانوا يتركون بين الخيام جيف الإبل والخيول التى تنفق من المرض والتعب فى أثناء الطريق.
وكان الحجاج الذين يهبطون إلى منى لرمى الجمرات فى أثناء عودتهم من عرفات يتركون مخلفات الأضحيات فى المكان المخصص للذبح أمام الخيام، وأما من يذبحون الماعز فكانوا يتركون أجساد الماعز كاملة فى المكان الذى كانوا يذبحونها فيه وكانوا يتركون جيف الإبل التى تنحر خلف الجمرة الكبرى فى مكان نحرها وعند ما يتفق وجود الفضلات المتراكمة والقمامات من جيف الحيوانات وسط الخيام المنصوبة بين طريق العمرة وساحة «الشيخ محمود» كان المارة يعجزون عن المرور يسبب الرائحة الكريهة المنبعثة منها، ويصاب أغلب سكان الخيام بالأمراض مثل الصداع والغثيان. ولهذا كان الحجاج المساكين يعانون بجانب شدة الحرارة من تعفن جثث الأضحيات الملقاة هنا وهناك بين الخيام، وهذه الحالة الكئيبة يعجز القلم عن وصفها.
وهكذا كان الحجاج يتعذبون ثلاثة أيام مدة مكثهم فى منى. ولا يخلون من الشعور بالغثيان ويظلهم الخوف والتفكير فى الموت.
ولما كان المراد أن يقضى الحجاج الكرام فى هذا المكان الكئيب الموبوء الأيام الثلاثة فى صفاء الخاطر وطمأنينة، وأن يؤدوا مناسكهم فى هدوء بال وراحة وأن يصانوا من المخاطر القاتلة، اقترحت بعض الجهات المهتمة بالأمور-نتيجة
стр. 110
للتصور الحكيم السابق أن يحفر بجانب كل خيمة بئر يلقى فيها مخلفات الأضحيات ثم تغطى بعد ذلك؛ ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بالقبول بين جماعات الحجاج-لأنه من قبيل-التكليف بما لا يطاق-ورفضوه قائلين إننا لن نظل هنا بصفة دائمة.
وقد فطن فى النهاية إلى أن الإصابة بالعلل الضارة مثل: الحمى والغثيان والصداع كان نتيجة لعدم الاهتمام بالأمور الصحية وعدم المبالاة بالنظافة والطهارة.
لذا كان من الإرادة السنية العادلة الكثيرة المحامد أمر السلطان «عبد المجيد» - جعل الله مثواه الجنة-أن تحل جميع المشكلات التى يشاع وقوعها فى أثناء موسم الحج، وأن يبحث عن حلول مناسبة للقضاء على جميع متاعب الحجاج الكرام الطالبى المغفرة.
وبما أن أغلب الحجاج-فى زماننا-يذهبون لأداء فريضة الحج عن طريق البحر فقد قل عدد الحجاج المشتركين فى قوافل المحامل، كما أنه قد تم حفر كثير من الحفر فى أماكن الحجاج بين طريق العمرة وميدان «الشيخ محمود»،ودفن فيها مخلفات الأضاحى المذبوحة فى «منى» عند العودة من «عرفات» ابتداء من سنة ١٢٦٧ هـ،وهكذا خلت أماكن تجمع الحجاج من المخلفات التى كانت تفسد الهواء فى الماضى.
والآن قد اختفت تماما آثار التعفن ولم يعد لها أدنى أثر فى أماكن تجمع الناس فى مدينة مكة المعظمة، فى عهد السلطان-ظل الله على أرضه-واستراح الحجاج المسلمون وسكان البلد الأمين من المنغصات، وأصبحوا فى مأمن من كل الأمراض.
ومع هذا فإن أغلب الحجاج الذين يتوجهون لأداء فريضة الحج جهلة لا يعرفون أن كل ما ينفق فى سبيل زيارة أراضى الحجاز المقدسة تعد بمثابة صدفة.
كما لا يعرفون أن الإقامة فى الأماكن المكشوفة الجيدة التهوية للمحافظة على
стр. 111
صحة الأبدان، قدر المستطاع والاهتمام بنظافة أماكن إقامتهم وتطهيرها من القاذورات من الأمور التى أوجبها دينهم.
ونتيجة لهذا الجهل وطمعا فى تقليل النفقات يستأجرون غرفا صغيرة ضيقة، ويسكن سبعة وثمانية منهم فى هذه الغرف السيئة التهوية، حيث لا يستطيعون أن يتنفسوا إلا بصعوبة، ويأخذون فى طهى طعامهم فوق «الكانون» وهم أحرص الناس على شراء العطور والهدايا التى سيحملونها إلى بلادهم.
نعم يطبخون ويرمون فضلات أطعمتهم أمام الباب لكنهم يغفلون عن أن هذه الفضلات ستفسد بفعل الرطوبة وتصيبهم بالعلل والأمراض فيمرض الواحد منهم تلو الآخر. وهكذا يحرمون من زيارة أكثر الأماكن المقدسة.
إن ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف من لحظة لأخرى ورائحة الطعام المطبوخ فوق «الكانون» فضلا عن حرارة الموقد كل هذا يجعل الغرف تلتهب مثل الآسن المسلوق، ومع زيادة آثار الروائح العطرية والماء القذر الذى يسكب أمام الأبواب، مع القاذورات التى تتراكم بعضها فوق بعض تفسد وتتحلل بتأثير الرطوبة فتزيد عفونة المكان، فتنتشر جميع أنواع الحمى وكل الأمراض الضارة وسرعان ما تنتقل العدوى من أحد المقيمين فى هذه الحجرات إلى زملائه فيمرضوا كلهم دفعة واحدة ويعانون من قسوة المرض.
وبناء على هذا الوصف فإن مكة المعظمة لا تخلو فى أى وقت من الأوقات من الحمى، ويلزم أن يتعرض أكثر الحجاج لهذا المرض ويصبحون على مشارف الموت. إلا أن هواء هذه البقعة المقدسة جاف ونقى وصحى لذا، فمن النادر أن يتطور المرض تطورا شديدا فيتحول إلى الحمى المهلكة كما يحدث فى الأماكن الرطبة، وذلك بلطف الله وفضله.
وبالرغم من أن أمراض الرقعة الحجازية السعيدة كلها من أنواع الحمى؛ فإن هذه الأمراض تنتشر فى أوقات الجفاف عند ما يقل معدل هبوط الأمطار. وعلى العكس من هذا إذا انهمر المطر بغزارة وتصادف معه ظهور الأمراض فإن المطر
стр. 112
يقضى عليها لأن المطر عند ما ينزل كالرذاذ يبلل القمامات والمخلفات المتراكمة حول الأحياء السكنية، فتتخمر بتأثير الحرارة وتتصاعد منها أبخرة ضارة وعند ما تغيب الشمس فإن المواد الضارة المذكورة تهبط فى الليل على هيئة الندى فتصيب الذين يتعرضون لها بالعلل والأمراض.
ولكن إذا ما انهمر المطر بغزارة فإن السيل الناجم عنه يدفع القمامات والمخلفات المتراكمة من الطرقات إلى أماكن بعيدة ولا يبقى أثر للعفونة. كان فيما مضى ناحية «المعلى» حوض كبير قديم خرب يسمى «بركة مصر» وكان هذا الحوض الواسع جديرا بأن يسمى منبع مرض الحمى، فقد كانت قمامة البيوت والحوانيت الموجودة بجواره وجثث الحيوانات النافقة مثل الإبل والخيل والقطط والكلاب التى تهلك فى المناطق القريبة منه تلقى فى هذا الحوض، وأصبح هذا الأمر بمثابة العادة المرعية لدى الناس؛ لذا كلما هطلت الأمطار تتراكم المياه فى الحوض وتؤدى بتأثير حرارة الشمس إلى تحلل الجيف وتتصاعد منها رائحة العفن، وتنتشر الأبخرة فى كل الأماكن مما يفسد نقاء الهواء وصفاء الجو فى تلك المنطقة ويكون سببا في ظهور الأمراض القاتلة.
ولما كان مصطفى جامى باشا-المغفور له صاحب التصانيف التى لا حصر لها -ياورا فى إمارة الحجاز، قام بسد الحوض المذكور ومقالب القمامة القريبة منه وملأها بالحجارة والتراب، واقتلع تماما الأسباب التى تؤدى إلى ظهور كل أنواع الأمراض، التى يروى أنها تظهر فى مكة المكرمة متبعا القواعد الصحية فى هذا ولهذا لم يبق في الأرض العطرة لكعبة الله أى من الأسباب الظاهرة التى تؤدى إلى انتشار الحمى وكل أنواع الأمراض.
نصائح لمن يذهبون إلى الحجاز:
أن يكون طعام الإنسان وشرابه ولبسه وتنزهه ونومه وقيامه يوافق عادات موطنه الذى تربى فيه، بل إن مزاجه وميوله وطباعه تكون متوافقة لهواء هذا الموطن. وبناء على هذا عند ما يغادر الإنسان المكان الذى ولد فيه وعاش وتربى
стр. 113
فيه فعليه أن يتخذ الاحتياطات التى تنجيه من المخاطر والمهلكات، وأن يحرص على قضاء مدة رحلته بالشكل الذى اعتاده جسمه فى وطنه لأن جسمه قد يضطرب بسبب التغيرات التى سيتعرض لها.
واتخاذ كل الإجراءات السابقة أوجب بالنسبة للذين اتجهوا محرمين إلى أرض الحجاز أرض المغفرة، حتى لا يقضى على آمالهم وحلمهم بالحج إلى الأراضى المقدسة تعريض أنفسهم للأمراض المهلكة.
وبعض الأشخاص من أهل البلاد الباردة لا يراعون اتباع التوجيهات المذكورة فى تلك المناطق فيعرضون للإصابة بكل صنوف الأمراض والعلل فى الأراضى الحجازية المباركة، وبالتالى يعجزون عن زيارة الأماكن المقدسة.
ويتعرض المسافرون إلى أرض الحجاز لتعب شديد، لأنهم عزموا على زيارة بلاد لم يمروا بها من قبل عن طريق البحر أو البر، بلاد يتعرضون فيها لتقلب الجو برودة وحرارة ويضيقون ذرعا كذلك من كثرة النوم أو قلته.
أما بالنسبة للطعام فإن الحجاج يعانون مشقة فائقة يعجزون عن الحفاظ على صحة أبدانهم؛ وينجم عن هذا الأمر تغيرات كبيرة وخيمة فى أبدانهم مما يؤدى إلى اضطراب أمزجتهم وفساد أمعائهم، وبما أن كل إنسان ينام ويستيقظ وفق نظام اعتاده فى بلده ويأكل ويشرب حسبما يرغب إلا أنه فى هذا الطريق يتعرض لحرارة لم يعتدها فى بلده ويظل لمدة عشرين أو ثلاثين يوما على التوالى يأكل الجبن والزيتون وما شابههما من أنواع الطعام فعليه أن يراعى ما اعتاده.
عند وصول الحجاج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة من الطبيعى أن يستفيدوا من جودة الهواء ونقائه، لكن لانعدام المعلومات عندهم عن طبيعة المنطقة الحجازية وجوها، واستغراقهم فى العبادة بشكل مبالغ فيه يفوق التحمل وبتناولهم الأطعمة الضارة بهم والفواكه المتنوعة بدون نظام فإن ذلك يسبب أضرارا كثيرة للحجاج ذوى الابتهاج ويعرضهم للأخطار.
وقد ثبت فى الآثار الصحيحة والأخبار المتوافرة تضاعف ثواب أداء العبادات
стр. 114
فى الحرمين وتزايد ثوابه ولما كانت عبادة الله الواحد الأحد تعتمد على صحة الجسم يلزم الحفاظ على صحة الجسم وقوته للمواظبة على أداء العبادات.
وبناء عليه يجب على الحجاج الكرام أن يحملوا معهم ملابس مناسبة لجميع الأجواء، وأن يرتدوا من الملابس ما يناسب طقس كل مكان يحلون فيه، وأن يبذلوا عناية فائقة للحفاظ على أبدانهم حتى لا يصابوا بالمرض المفاجئ فى أثناء ذهابهم أو عودتهم.
ويجب عليهم أن يأخذوا معهم أشياء مثل: الحبوب الملينة والأدوية القابضة للإسهال وأنواع الشاى وزهور التليو وأن يواظبوا على شرب الشاى فى الصباح والمساء فى البر والبحر.
وإذا أمكنهم المواظبة على تناول الماء والأطعمة المطبوخة صباحا ومساء يجب ألا يمتنعوا كما اعتادوا ذلك فى بلادهم.
وإذا حدث نوع من الإسهال أو الإمساك بتقصير الجسم فى وظيفته الطبيعية يجب أن يقضى على أسبابه قبل أن تمر ٢٤ ساعة.
وإذا شعر الحاج بالتدهور فى صحته على الباخرة بتأثير البرودة أو الحرارة يجب عليه أن يدخل القمرة فورا، ولا يلتفت إلى الأموال التى سينفقها فى استئجار القمرة محافظة على صحته، أليس هذا أفضل من ضياع صحته فلا يستطيع تحقيق أمله فى أداء فريضة الحج، إن النقود التى تنفق من أجل المحافظة على صحة الجسم والبدن تدخل ضمن المبالغ التى تدخر لأداء فريضة الحج كما سبق أن ذكرناه من قبل.
ولا يتطرق أدنى شك إلى الحاج فى أن الحافظ والحامى الحقيقى هو «الله »،لكن الأخذ بالأسباب فى كل شئ شرط أساسى؛ لذا يجب بعد الإحرام الامتناع عن النوم فى العراء، وعند الوصول إلى جدة يجب عدم تناول الأطعمة بلا داع.
стр. 115
ويجب للحفاظ على صحة المعدة وسلامتها سلق اللحم فى الماء وتناول حسائه والامتناع عن تناول الفاكهة التى لا يوجد منها فى وطنه، ويجب أن يحترس فى كل الأحوال من الإفراط فى أكل الأطعمة مثل البلح والفطائر.
وبمجرد أن تظهر علامات المرض على الجسم أو المعدة يجب عليه أن يسرع فورا وبلا تراخ إلى الأطباء المتخصصين والذين لهم دراسة بمياه تلك المناطق وهوائها والانصياع بعد ذلك لنصائحهم.
وعند الخروج للطريق للذهاب من جدة إلى مكة المعظمة يجب على الحاج المداومة على تناول الماء والأرز واللحم المقلى، ويجب الاحتراس والتريث أثناء ركوب الجمل أو النزول منه حتى لا يؤلم أحد أطرافه أو يصيبها بأذى.
وعند ما يتيسّر الوصول إلى مكة المكرمة يتحلل من الإحرام بعد الانتهاء من أداء شعائر الطواف والسعى.
وحسب عادات هذه البلدة يقيم السادة الأدلاء والسقاة مأدبة.
ولأن هذه المآدب قد تكون ضارة بالحجاج لما تحتويه من أنواع الطعام الشهية والتى يعدونها على أكمل وجه؛ يجب الاحتراس من تناول الأطعمة مثل الفطائر والحلوى والأطعمة التى تحتوى على دهون زائدة، ويكتفى بتناول أقل القليل منها، وإذا ظهر اضطراب فى معدته يجب عليه أن يحرص على علاج معدته دون إضاعة وقت وذلك بتناول الأدوية المناسبة.
ولأن الإمساك ضار بذوى البدانة لذا يجب عليهم الامتناع عن تناول الأطعمة التى تفسد المعدة والعناية بهذا الأمر أعظم عناية فى هذه البلاد.
ويحدث اضطراب المعدة من تناول مختلف الأطعمة والمشروبات بغير نظام.
ولأن شدة الحرارة تعطش الإنسان لذا يجب الابتعاد عن تناول الطعام بلا داع وكذلك عن شرب الماء أكثر من اللازم ويشرب الشاى من حين إلى آخر على ألا يؤدى إلى الإصابة بالإمساك.
وعلى الحجاج-ليلا ونهارا-الاكتفاء بتناول طعام مفيد للجسم والابتعاد عن النوم تحت الشمس.
стр. 116
ومن الأمور الجديرة بالعناية اختيار حجرات ذات تهوية جيدة وفى الطبقات العليا أو الوسطى من المبنى عند الاستئجار وألا يزيد عدد المقيمين فى حجرة واحدة عن ثلاثة أشخاص، ويجب على الحاج عدم شرب الماء عند العرق وكذلك عدم النوم فوق الأسطح ليلا كما يجب مراعاة المداومة على الاستحمام.
ولأن أجسام المقيمين فى منطقة الحجاز تتعرض للعرق كثيرا ويؤدى هذا العرق إلى ظهور مادة دهنية فوق سطح الجلد. فتنغلق مسام الجلد وتحول دون خروج العرق إلى سطح الجلد.
وبالتالى تظهر على الجلد حبوب حمراء دقيقة تؤدى إلى ظهور بثور ممتلئة بالماء.
وحتى لا تتحول هذه البثور الصغيرة إلى قراح (خراج) يجب الاستحمام مرتين أو ثلاث مرات على الأقل فى الأسبوع والاهتمام بتغيير الملابس باستمرار.
وطوال فترة الإقامة فى وادى عرفات ومنى يجب الجلوس فى الخيام، وعدم تناول الفاكهة والأطعمة الضارة بالجسم وعليه تجنب السير تحت أشعة الشمس وهذا من الأمور اللازمة للحفاظ على صحة الجسم. وعند الإقامة فى منى لا بأس من الأكل من لحم الأضحية لكن من اللحم المشوى فى السفود بلا دهون وسلق اللحم فى الماء مع الأرز وتجنب أكل اللحم فى الزيت وكل أنواع الطعام الأخرى لضررها ويجب إحضار اللحم الذى يؤكل فى هذا المكان المقدس من عرفات أو من مكة المعظمة لأن لحم الماشية التى ترعى فى هذه الصحراء المباركة يؤدى إلى الإصابة بالإسهال؛ لأن صحراء منى ينتشر بها عشب السنامكى.
ولأن الإنسان يتردد فى الطريق بين الحرمين بصورة دائمة لذا يجب قبل التحرك من مكة المكرمة أو المدينة المنورة إعداد القدر الكافى من اللحم المقلى والأرز ويكون الطعام الذى يؤكل أثناء الطريق عبارة عن ماء اللحم المقلى والليمونادة وما شابههما من أنواع الأطعمة.
стр. 117
الصورة الثالثة
ونتعرض فيها لتعريف وذكر لماذا أطلق على البيت المعظم اسم الكعبة وما كانت عليه الأحوال فى البلدة المفخمة مكة المكرمة فى العصور الأولى.
فى الأزمنة القديمة كانت القاعدة المرعية أنه ممنوع بناء أبنية داخل المدينة المقدسة مكة المكرمة أعلى من البناء الشريف لكعبة الله. وقد سمع من الحجاج الذين يترددون على تلك الأماكن أن من يخالف هذه القاعدة سرعان ما يتهدم ما شيدوه من مبانى ويصير جزازا.
اتخذ هذا المنع حكم الاعتقاد العام بين أهل مكة لذا كانوا يمنعون إقامة أى أبنية ترتفع عن بناء البيت المعظم وقوى هذا الاعتقاد عندهم وأن من يتجرءون على إقامة أبنية تعلو على الكعبة ممن يرفضون هذا الاعتقاد كانوا يرون أن ما يشيدون سرعان ما يتهدم ويصير جزازا.
واستمر هذا الاعتقاد سائدا لفترة بين أهل مكة فى صدر الإسلام أن ابنا لشيبة بن عثمان-رضى الله عنه المنان-صعد جبل أبى قبيس، وأمر بهدم المبانى التى رآها أعلى من بناء الكعبة المعظمة، كما أمر بهدم المنزل الفخم الذى بناه محمد بن على بن عبد الله بن عباس أمام الحرم المحترم فى شارع المسعى الشريف، لأنه يرتفع على البناء السعيد للبيت الأكرم. واهتم أهل مكة بالمحافظة على هذا الاعتقاد القديم السائد بينهم بشأن البناء الفخم للبيت المعظم.
وبناء على هذا الاعتقاد لم تظهر فى مكة المعظمة طوال عدة قرون أى مبان تعلو على بناء البقعة المشرفة للكعبة المكرمة. ولأنها ظلت تتميز على كافة الأبنية الموجودة لأزمنة طويلة بعلوها وارتفاعها، لذا أطلق اسم الكعبة على البيت الأعظم. وذكروا أن هذا الاسم الشريف مشتق من كلمة كعب وإذ يوجد بعض
стр. 118
الرواة ممن يقول بأن تسمية الكعبة يرجع إلى أنها ذات أربعة زوايا أو أنها مرتفعة عن سطح الأرض مثل كعب الرجل، لكن جمهور المؤرخين يصدقون القول الأول. ولأن الكعبة هى أشرف من كل البيوت والقصور الموجودة على وجه الأرض.
كما أنها من ناحية القدم الأفضل والأقدم كان ذلك سبب إطلاق هذا الاسم الشريف «البيت العتيق» على البيت المحترم وهو الدليل المطلق على شرف وارتفاع مكانة هذه البقعة المقدسة لأن البيت العتيق أحد أسماء البيت المكرم.
ويروى الحسن البصرى أن سبب إطلاق هذا الاسم أنه أول بيت أسس ليزوره بنو البشر، وهو عند الإمام مجاهد أن الله حفظه وحماه من الجبابرة الذين أرادوا هدمه وتخريبه، وفى قول قتادة سببه أن الله حفظه من طوفان نوح ﵇.
وقال الفخر الرازى إن هناك عدة وجوه لاشتقاق هذا الاسم والقول أنه قديم له علاقة بكونه أقدم البيوت على وجه الأرض والسماء، وأن الله قد حفظه من الطوفان وأهلك كل من أراده بسوء وأنه وجد قبل أن يكون لأحد مكان. والله تعالى يعتق من نار جهنم عباده الذين يزورون هذه البقعة المباركة.
وهذه الأقوال وما شابهها من أسباب كانت تقتضى أن يطلق على البيت المحترم اسم البيت العتيق.
وإلى أن انتقل حكم مكة المكرمة من أجداد حضرة الرسول عريق الأصول ذوى المعالى إلى قصى بن كلاب لم يكن فى هذه المدينة المعظمة بيوت أو مساكن. وكما وضحنا فى الصورة الثانية من الوجهة الثانية أنه عند ما أصبح ابن كلاب حاكما لمكة المكرمة ارتضى بإنشاء بيوت حول الكعبة، وإذا كان رضاء ابن كلاب هذا قد جاء شديد الوطأة على الناس. ولم يجرؤ أهل مكة على بناء منازل بجوار كعبة الله دفعة واحدة رعاية للقاعدة القديمة إلى حد ما فإن عمرو بن السهمى لم يرع هذه القاعدة فبنى لنفسه منزلا خاصا بناه بناء على رأى وتصويب قصى بن كلاب واتبعه آخرون بعد ذلك فى هذه الخطوة الجريئة. وبدأ واحد تلو
стр. 119
الآخر فى بناء بيوت لهم. وسرعان ما أقيمت بيوت وحوانيت كثيرة لا مثيل لها واتسعت هذه المدينة المقدسة وملأها العمران.
الشكل الأول:
لم يكن العمران فى المدينة المقدسة مكة المشرفة عمرانا دائما، فكانت فى بعض العصور حافلة بالعمران وفى البعض الآخر تعانى من الخواء وتصبح منازلها خاوية مهجورة، وفى أوقات خلوها تكون خالية من الأهالى لدرجة أن حركة البيع والشراء فى الحوانيت التى فى شارع المسعى الشريف تتوقف تماما، فتهبط الظباء من الجبال وتدخل الحرم الشريف ثم تخرج منه بعد الطواف وتعود من حيث أتت، حتى إن قوافل بجيلة لا تجد إنسانا واحدا حتى تبيع له بضاعتها التى أتت محملة بها فتضعها فى مكان ما وترجع.
أما سبب كل هذا الفراغ فيرجع إلى أن أهل مكة لا يستطيعون تحمل ارتفاع درجة الحرارة؛ فيهجرونها إلى الأطراف المحيطة بها.
وتراوحت أحوال هذه البلدة المشرفة بين القحط والرخاء والبركة والغلاء، ولم يكن الأمر فيها يسير على وتيرة واحدة فتارة لا يوجد بها شئ يؤكل وتارة أخرى لا تستوعب الأسواق ما يرد إليها من حبوب ومواد غذائية. ويذكر فى تاريخ القطب المكى أحد مؤرخى مكة وهو يصف ويذكر أحوال مكة المعظمة قائلا: «إنى فى مرحلة الصبا كنت كثيرا ما أرى المطاف السعيد خاليا من الناس فكنت أطوف بمفردى».، وهو يريد بهذه العبارة الإشارة إلى الفترات التى كانت مكة المكرمة خاوية بشكل ملحوظ،وإلى المعاناة الكبيرة التى قاستها من القحط والغلاء فى الأوقات التى ذكرها القطب المكى، كان أهل مكة قلة قليلة، وكانت النقود المتداولة التى تزين الصناديق نادرة، لذا لم يكن فى حوزة أحد من الأهالى قطعة نقود واحدة، كما انتهت البضائع التى فى الأسواق ولم يكن يوجد فيها شئ من البضائع والأغذية.
واستمرت هذه الحال إلى عام ٩٥٠ هـ وعند ما انتقلت الإدارة المقدسة
стр. 120
للحرمين الشريفين إلى سلاطين آل عثمان، بدأ الأهالى المجاورون فى التقاطر عليها يوما بعد يوم فتوفرت الأطعمة والبضائع بالتدبير وأصبحت هذه البلدة المشرفة فى موسم الحج تستوعب كل قوافل الحجاج التى ترد إليها واتسعت أرجاؤها وأصبحت قادرة على إيواء وإسكان كل الحجاج الذين يفدون إليها.
الشكل الثانى:
ما يقصده القطب المكى من قوله «إننى كنت أطوف بمفردى» هو إيضاح أن أجره وثوابه يكون أكبر لكونه يطوف منفردا، والواقع أن الطواف عبادة خاصة فإذا استطاع إنسان أن يوفق فى طواف البيت الأكرم منفردا فلا شك أنه لن يحرم من ثواب كبير يكفى لطواف كل المؤمنين، وخلو الحرم الشريف يكون قاصرا على بنى البشر فقط إنما لا يمكن أن تمر دقيقة واحدة عليه يكون خاليا من تدفق الملائكة الكرام وأصحاب الأجسام الشفافة اللطيفة، ومن الأولياء ذوى الاحترام الذين تخطوا مراتب الزمان والمكان العالية.
ولأن هذه الحال فى الظاهر مخالفة لعادات واعتقاد أهل الاستدلال، فإن كثيرا من الأشخاص قضوا أعمارهم كلها للحصول على لحظة واحدة للطواف بمفردهم حول الكعبة الشريفة.
لما كانت جميع العبادات وأقسام الطاعة الإلهية يشترك فيها الناس، فطواف الكعبة منفردا يعتبر عبادة لله بدون شريك وإذا استطاع إنسان ما أن يطوف الكعبة بمفرده يكون قد عبد الله تعالى بدون أن يشاركه فيها أحد حسب ظاهر الأمر.
حكاية:
يروى أن واحدا من الأولياء كانت لديه رغبة حقيقية فى أن يطوف بالكعبة المعظمة بمفرده، وظل يتحين الفرصة لمدة أربعين سنة وفى النهاية وجد المطاف خاليا ذات ليلة فأخذ يطوف بمفرده. وفجأة رأى حية ضخمة تطوف معه فسألها قائلا «من أنت»؟ فأجابته الحية «إننى أتحين الفرصة التى تنتظرها من أربعين عاما بمائة عام من قبلك.
стр. 121
فأجابها الرجل الصالح: «أنت لست من بنى البشر لذا أعتبر من المحظوظين بنيل هذه الأمنية، ثم أكمل طوافه.
ينقل أهل مكة هذه الحكاية ويروونها بشكل آخر فيقولون إن عبد القادر الجيلانى-قدس الله روحه-ظل يقيم بجوار العمود الأحمر الواقع أمام باب الزيارة لمدة سبع سنوات، حتى يتمكن من الطواف بمفرده ولم يستطع أن يبلغ مراده طول هذه المدة وفى النهاية حدث سيل عظيم وبلغ ارتفاع الماء داخل المطاف السعيد حوالى ثلاثة أذرع، ووجدها القطب الجيلانى الوقت المناسب لتحقيق أمنيته وبدأ الطواف سابحا لكنه رأى ثعبانا كبيرا يطوف معه سابحا فتأسف قائلا» وأسفاه لم أتمكن من تحقيق أملى».
ويروى محيى الدين بن عربى فى المسامرات نقلا عن طلق بن حبيب رواية قريبة من هذه الرواية، يقول ابن حبيب بينما كان يجلس معه عبد الله بن عمرو بن العاص فى الحجر العظيم بدأ فجأة ظلام شبح داخل الحرم الشريف وأثار الموجودين فيه، وإذا بثعبان عظيم دخل من باب شيبة، واتجه نحو البيت الأكرم، وخاف الذين شاهدوه وأفسحوا الطريق أمامه، فطاف الثعبان سبع مرات ثم وقف خلف مقام إبراهيم مدة أداء ركعتين ثم بعد ذلك انصرف إلى جهة، واقترب ابن حبيب وعبد الله بن عمرو بن العاص من الثعبان وقالا: أيها المعتمر تقبل الله نسكك وعبادتك، فى بلدتنا بعض السفهاء ونحن ننذرك من عدم حذرك شرهم.
ما إن قلت هذا حتى راح واختفى فى طرفة عين ولم يعد له أى أثر وما كان الطواف حول الكعبة المشرفة للبشر وحدهم بل للحيوان كذلك، كان يطوف طبق أصول مرعية.
(الإمام الأزرقى).
ولكى يثبت هذا الأمر فى تاريخه المسلسل الذى كتبه عن أحوال مكة، يذكر صورة غريبة نقلها عمن رأوه يطوف بالبيت المحترم كما يطوف الناس.
стр. 122
طواف طائر بالبيت المعظم:
يقول الإمام إنه فى يوم السبت السابع والعشرين من شهر ذى القعدة فى العام السادس والعشرين بعد المائتين من الهجرة بينما الحجاج يطوفون فى وقت السحر إذا بطائر عجيب الهيئة يخطف البصر يدخل الحرم الشريف للمسجد الحرام مع طلوع الشمس عن طريق أجياد الصغير ويحط بجوار أحد قناديل زمزم الشريف الذى يقع بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم، ويظل واقفا لمدة طويلة وأكثر الظن أنه من طيور البحر، وبعد ذلك طاف وحط فى مكان بين الحجر الأسود الذى فى الكعبة والركن اليمانى، ولكنه كان أقرب إلى الحجر الأسود. وكانت أجنحة هذا الطائر سوداء ممزوجة بالحمرة، وكانت قدماه طويلتان دقيقتان وكذلك منقاره وعنقه. وطار من المكان المذكور يحط فوق كتف حاج يقف بمحاذاة الحجر الأسود ثم طار من فوق كتفه ليحط فوق الكتف الأيمن لحاج من حجاج خراسان. وبما أن الخراسانى كان محرما أخذ يلبى بصوت مرتفع وعند اللزوم يجرى ويدور فى وسط الحجاج.
وظل الطائر فوق كتف الخراسانى غير خائف من الحجاج وكان الحجاج الذين يطوفون مع الخراسانى ينظرون إلى تصرفاته بتعجب أما الطائر فكان يزداد سكونا وهدوءا رغم ازدياد تعجب الناس ودهشتهم، ويبدو أن حال الطائر قد أثر فى الخراسانى لأن المسكين كان يطوف ويبكى والدموع التى تسيل من عيونه تبلل لحيته وتسقط على الأرض.
قال محمد بن أبى عبد الله بن ربيعة الذى رأى بنفسه هذا الحادث الغريب:
«لقد رأيت ذلك الطائر فوق الكتف الأيمن للحاج الخراسانى وكان الناس يتدافعون لرؤيته. أما هو فلم ينفر ممن يتفرجون عليه بل أنه لم يول لهم أى اهتمام.
وكنت فى ذلك اليوم من الطائفين وكنت كل سبع مرات من الطواف أصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم ثم أستأنف الطواف حتى أكملت واحدا وعشرين
стр. 123
شوطا حول الكعبة، وكنت فى كل مرة أرى الطائر فوق كتف الخراسانى، ومد أحد الطائفين يده ليلمس الطائر لكنه لم يطر، وفى النهاية طار من تلقاء نفسه واستقر فى مكان بالجانب الأيمن من بناء المقام الشريف، وحشر منقاره تحت جناحه ووقف لفترة طويلة، واجتمع الناس حوله ليتفرجوا عليه وفجأة مد أحد أغاوات بيت الله يده وأمسك به ليريه لأحد أصدقائه، فخاف الطائر وصاح صيحة مفزعة، وكان الصوت لا يشبه صيحة الطائر.
وفزع الرجل من صوت الطائر وأطلقه فطار الطائر وحط فوق العمود الأحمر القريب من دار الندوة، ثم طار من بين باب «زيادة الندوة» وباب العجلة فتوجه إلى نواحى جبل قعيقعان.
طواف الجن:
جاء فى رواية أبى الطفيل المدرجة فى كتاب المسامرات، أن الكعبة كانت مطافا للإنس والجن قبل البعثة النبوية قال: كانت امرأة من الجن ساكنة فى الجاهلية فى مكان يسمى. «ذى طوى» ولم يكن لهذه المرأة سوى ابن واحد فقط وربت المرأة المذكورة ابنها حتى كبر وأصبح من أشراف القوم وتزوج، وبعد سبعة أيام من ليلة زفافه أراد أن يدخل مدينة مكة المعظمة ليطوف بالبيت العزيز.
وأرادت الأم ألا تأذن لابنها بالذهاب فقالت «يا ولدى إننى أحفظك من سفهاء» قريش وأضن بك» ولكنها فى النهاية سمحت له استجابة لتوسلاته، وبما أنها كانت تحب ابنها حبا جما ولن تستطيع على فراقه صبرا فقالت.
أعيذه بالكعبة المستورة ... ودعوات ابن أبى محذورة
وما تلا محمد من سورة ... إنى إلى حياته فقيرة
وإننى بعيشه مسرورة
وما أن أخذ الابن الإذن من والدته وسمحت له بالذهاب حتى تحولت هيئته إلى جنى وتوجه إلى الحرم الشريف، وبعد الطواف عاد من طريق حى «بنى
стр. 124
سهم» فقابل فى الحى المذكور رجلا أحمر الوجه أحول العينين، مفتوح الحاجبين، أعسر اليد فقتله بدون وجه حق.
وعند ما علمت الأم بقتل ابنها وموته دعت أبناء قومها وشرحت لهم الأمر، وحرضتهم على أهل مكة فانطلق داخل مكة فجأة ضجيج مدو وغمر المدينة تراب كثيف ودخان أسود واختفت تحته كل البيوت والجبال، فلم يعد يرى شئ.
وكانت طوائف الجن وراء هذا العمل، ضد قبيلة «بنى سهم» حتى إن رجال هذه القبيلة كانوا يموتون فجأة وهم فى فرشهم.
وأخيرا أدرك ما يقرب من سبعين شيخا أولى بأس لا يعرف الخوف سبيلا إلى قلوبهم حقيقة الأمر، فجمعوا أفراد قبائلهم وصعدوا الجبال وظلوا هناك ثلاثة أيام متتالية، مشغولين بقتل كل ما يرونه من الحيات والعقارب وسائر الحيوانات المؤذية وفى الليلة الثالثة سمعوا نداء من فوق جبل أبى قبيس يقول:
الإنصاف يا معشر قريش أصلحوا بيننا وبين رجال «بنى سهم» فقد قتل رجال القبيلة المذكورة الغالبية منا. بناء على هذا النداء عقد أكابر قريش صلحا بين «بنى سهم» وقبيلة الجان وأخذوا من كل واحد فيها العهد والميثاق على الآخر بألا يتعدى أحد على الآخر، وقد أطلق بنى سهم على هذه الواقعة اسم عياطلة.
***
стр. 125
الصورة الرابعة
التعريف بحدود كعبة الله بالفضائل الجليلة لمكة المكرمة
اتفق جمهور العلماء على أن الله- -خلق البلدة المفخمة مكة المعظمة، كما خلق المدينة المنورة، وهما أفضل من كل بلاد الدنيا وممالكها وبالتالي فليس هناك بلد على وجه الأرض أجمل وأشرف من هاتين المدينتين المشهورتين.
يقول القاضي عياض في مؤلفه «الشفاء الشريف»:إن المدينة المنورة دار حضرة صاحب الرسالة هي أفضل وأشرف من كل البلاد والممالك ومن بعدها البلدة المفخمة «مكة المكرمة» وهو بهذا القول يريد أن يرجح «المدينة المنورة» على «مكة المعظمة» جاعلا حجته بأنها تضم قبر الرسول.
نظم
جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفي وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت مأواها
وإذا كان هناك من يؤيد القاضى المشار إليه فى هذا الشعر الصحيح المعنى، إلا أن علماء السلف يختلفون فى تحديد صحة هذه المشاركة أى فى ترجيح كفة أى من «مكة المشرفة» والمدينة المنورة على الأخرى.
فيرى الإمام الأعظم أبو حنيفة والإمام الشافعى والإمام أحمد بن حنبل وكل التابعين لهم، أن الحديث الصحيح القائل «بأن الصلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، والصلاة فى المسجد
стр. 126
الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فى مسجدى» هذا يعنى أن مكة المكرمة أفضل من المدينة المنور.
ويقولون إنها أفضل لأن ماء الحياة الطاهر تفجر من هذا المنبع، وأن نور الإسلام الذى أشرق على الكون من ذلك البرج الرفيع انتشر وأضاء ولقد أنعم خالق الكون على هذه البقعة المقدسة بكثير من الفضائل الجليلة والخصال الحميدة.
كما أن المسجد الحرام سيد كل المساجد، وكما أن موضع الكعبة المباركة قبلة الأحياء والأموات وهى سيدة كل البيوت المقدسة. وهو مهبط الوحى الجليل ومجمع الأنبياء وفيه دفن الرسل والأنبياء كما أنه يفضل كل البلدان بموجب الآية الآتية: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (سورة آل عمران:٩٦).
وفى هذا المقام لا تستطيع أن تستبعد هذا السؤال الذى قد يجول بذهننا وهو هل يمكن الجمع بين هذه الآية الكريمة والآية العظيمة ﴿طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ (سورة البقرة:١٢٥).
بمعنى أن ملكية البيت المعظم أضيفت إلى الناس فى الآية الأولى وفى الثانية أضيفت إلى الله .
وإذا أمعنا النظر فى هذا الموضوع وفكرنا قليلا يمكننا الإجابة على هذا السؤال على النحو الآتى:-
كان الله- -يشير فى هاتين الآيتين إلى الآتى: «أيها المؤمن الموحد إذا كان البيت الحرام هو بيتى فإننى لم أضعه ولم أقمه لنفعى لأننى لست بحاجة إليه بل إننى وضعته لك أنت حتى يكون قبلتك عند ما تتوجه إلى بالدعاء.
ويذكر البيت الشريف فى الآية الكريمة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ (سورة آل عمران:
٩٦) بلفظ مبارك ويفهم من هذا أن للبيت الأكرم أفضال أكثر من أى بيت.
стр. 127
ويقول سيدنا على-كرم الله وجهه- «ومن دخله كان آمنا» أنه أول مكان اختصه الله- -بالأمان وبالبركة ويقول الحسن البصرى-رضى الله عنه-إن البيت الأكرم هو أول بيت خلق للعبادة على وجه الأرض ويقول الإمام مطرف إن البيت المحترم جعل أول قبلة للناس.
وكل هذه الأقوال تؤكد أن فضائل الكعبة المعظمة لا تعد ولا تحصى.
وفى الآية الكريمة-سالفة الذكر-كلمة «مبارك» الشريفة وهذا اللفظ الجليل يعنى أن هذه البقعة الشريفة مباركة إلى الأبد وأن بركتها فى تزايد مستمر فى كل لحظة وفى كل زمان وستدوم إلى الأبد.
ولأن الماء يدخلها باستمرار يشبهونها بحوض ماء العرض الإلهى، من استخدام لفظ البركة وتشبيه البيت الأعظم بالحوض هو الإخبار عن دوام وبقاء وزيادة ونمو خيرات بيت الله والفضائل التى تدل على ذلك لا حدود لها وإنه بركة ونمو وتزايد.
وفضل الطاعة والعبادة بها يفوق أداء الطاعات والعبادات فى بقية البلدان وهذه الزيادة سمة جليلة يختص بها البيت الحرام.
هناك أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى والأحاديث الآتية التى سنذكرها تبين اثنان منها تزايد بركة الصلاة، والآخران يبينان تزايد بركة الحج. وهذه الأحاديث هى قوله ﷺ فيما معناه.
«أن فضل المسجد الحرام بالنسبة لمسجدى هذا كفضل مسجدى على سائر المساجد» و «أن الصلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه» و «من حج فلم يفسق ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» و «وأجر الحج المبرور الجنة» (حديث شريف).
وعلى هذا التقدير يجب علينا أن نتصور أن المؤمنين الذين يقفون للصلاة جاعلين الكعبة الشريفة نقطة التوجه ويحيطون بها فى صفوف متلاحقة، يجب
стр. 128
أن نتخيل ونتذكر أن المسلمين فى جميع أنحاء العالم، متوجهين إلى تلك النقطة للصلاة فيزيد من عدد الصفوف فى أذهاننا قدر ما نستطيع.
بناء على هذا الحساب فإن الدوائر التى تحيط بالكعبة تخرج عن حصر عددها.
وإن بين هؤلاء المحيطين بالكعبة مكان وجود بعض الصالحين المتوجهين نحو كعبة المعرفة.
لذا يجب على كل مصل عند ما يقف للصلاة أن يعرف أنه يقف بين كثير من أولياء الله الذين يتجهون بقلوبهم إلى كعبة المعرفة، بينما يتجهون بأجسادهم لتلك النقطة المحسوسة، وعليه أن يستفيد من أنوار أرواحهم العلوية.
إن هؤلاء الذوات الذين أردنا أن نحترمهم يتمتعون بنيات منيرة وقلوب وضمائر مقدسة طاهرة، وأنهم بأجسادهم الظاهرة يتوجهون إلى تلك النقطة الموهومة أى الكعبة المشرفة بينما تتجه أرواحهم الضالة إلى كعبة المعرفة.
وأى إنسان نالت روحه فضل الاتصال بهذه الأرواح النيرة تزيد فى قلبه الأنوار الإلهية، وتعظم فى أعماقه لمعات احتوائه للروحانية وأسرارها، وهذا أكبر دليل على أن بيت الله مكان مبارك، بما يحتوى من أسرار الهيبة وبقاؤه دائم وأبدى.
لأنه لا يخلو لحظة من العاكفين والساجدين والراكعين من الموحدين المؤمنين.
وفى كل لحظة وآن يتجه الناس إلى كعبة الله للصلاة وقد قرر بقاؤه منذ أن خلق.
إذا ما تناولنا بالبحث لفظ «هدى» فكعبة الله كانت هدى للعالم بصورتين.
الصورة الأولى: أنها قبلة العالم التى يهتدى إليها فى الصلاة أو دلالتها على وجود صانع مختار، وصدق نبوة نبى الله، أو أنها تهدى إلى جنة الفردوس لأن الصلاة التى تؤدى بالتوجه إلى ناحية الكعبة الشريفة تدخل الجنة.
الصورة الثانية: لأنها تحتوى على الآيات البينات، وإن كان المقصود بالآيات
стр. 129
البينات أن كل من وجد فى داخل حدود حرم كعبة الله المحرمة يتمتع بالأمن والذين يهتكون حرمة بيت الله يهلكون .. إلا أن الآيات المذكورة عبارة عن مقام إبراهيم ﵇.
وإن كان المقام الشريف قطعة من الحجر، إلا أنها تجمع كثيرا من الآيات من هذه الآيات وجود آثار أقدام خليل الله فوق قطعة الحجر، وانغراس قدميه الشريفتين فى هذا الحجر إلى الكعبين.
وبقاؤه محفوظا آلاف السنين خلافا لمعجزات الأنبياء الآخرين، رغما على وجود كثير من الأعداء مثل اليهود والنصارى والمشركين والملحدين وكل ما ذكرناه من الآيات العجيبة الخاصة بالمقام الشريف، يدل على أن المقام الشريف يشتمل على آيات كثيرة.
هناك ثلاث روايات عن مقام إبراهيم
الرواية الأولى:
عند ما كان إبراهيم-﵇-يبنى الكعبة، استخدم حجرا كسقالة وقد طبع عليه آثار أقدامه.
الرواية الثانية:
عند ما ذهب إبراهيم-﵇-من الشام للحجاز لرؤية ابنه إسماعيل غسلت زوجة ابنه قميصه وهو واقف على حجر آثار قدميه المباركتين فوق الحجر.
الرواية الثالثة:
أنه هو الحجر الذى صعد فوقه إبراهيم-﵇-حينما دعا الناس لأداء الحج والذى أطلق عليه مقام إبراهيم وقد انطبعت آثار قدميه المباركتين فوق الحجر.
النتيجة:
وتبعا للأبحاث التى قام المفسر «القفال» رحمة الله عليه، يقرر أن هذه الوقائع الثلاث كلها صحيحة لأنها كلها وقعت فوق حجر واحد، لكن الرواة لم يستطيعوا أن يبينوا الحقيقة فى أثناء نقل الروايات.
انتهى.
стр. 130
والذين يزورون المشاعر ويؤدون مناسك الحج ثم يعودون، وعد الله برفع وإعلاء درجاتهم ومحو ذنوبهم.
والحج مرة واحدة فرض عين على المستطيعين وحج جميع الناس فرض كفاية ولقد جعل الله المسجد الحرام حرما يوم خلق السموات والأرض.
والمقام الشريف لسيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل-﵉-من المسجد الحرام، ومكة المكرمة هى مسقط الرأس الشريف لمفخرة الأنبياء ﷺ .
أقام النبى- ﷺ -فى هذه البلدة، ونشر الدعوة فيها بعد البعثة مدة ثلاثة عشر عاما على اختلاف الروايات وقد أشرقت شمس أفق الإيمان في هذه المدينة المشهورة، ونزلت فيها أكثر آيات القرآن الكريم.
وهذه المدينة مقر «الحجر الأسود» والحجر السعيد وبئر زمزم، ومع أنه فى واد غير ذى زرع إلا أن الأرزاق فيه متوفرة تأتيه من كل أقطار العالم وأهله فى تزايد مطرد يوما بعد يوم.
إخطار:
في مكان غير ذي زرع]
تكمن حكم كثيرة خفية وراء وجود مكة المكرمة فى واد غير ذى زرع، ولكن العلماء الأعلام اكتفوا بذكر الحكم الخمس التالية.
الحكمة الأولى:
أن مجاورى البيت الحرام يقطعون الأمل من التعلق بغير الله، وذلك بإظهار التوكل التام عليه تقدست ذاته.
الحكمة الثانية:
عدم طمع أحد من الأكاسرة وملوك الدنيا والحكام والجبابرة، فى الإقامة حول بيت الله أو من السكنى بجوار كعبة الله.
ولا يمكن لهؤلاء الجبابرة أن يجدوا المتعة واللذة الدنيوية التى يسعون إليها فى واد غير ذى زرع.
стр. 131
وهكذا طهر الله- -الكعبة الشريفة، ونزهها من لوث بنى البشر الذين يعبدون الدنيا.
الحكمة الثالثة:
حتى لا تتحول الكعبة إلى متجر لأنها خلقت للحج والزيارة فقط.
الحكمة الرابعة:
لتقديس مكانة الفقر وشرفه.
الحكمة الخامسة:
من أجل إبراز أن كعبة المعرفة لا تحل إلا فى قلب خال من حب الدنيا وزخرفها، وهذا يدل على علو فضل الكعبة المباركة علوا فوق العادة انتهى.
وإذا وضع مفتاح باب المعلا مفتاح مصباح السعادة فى فم طفل ألثغ (١) فبقدرة الله تحل عقدة لسان هذا الطفل.
ولا تحلق طيور السماء فوق الكعبة، والحمام المريض يرقد فوق الكعبة فيشفى. تظل ساكنة بلا حركة فوق الكعبة المعظمة إلى أن تشفى. وبعضها يرقد فوق ميزاب الرحمة ليشفى، وإذا هبطت الأمطار من أى جهة من أركان الكعبة المعظمة تعم البركة، وتفيض بالخير والنماء البلاد التى فى تلك الجهة.
وأقصى ما يستوعبه بيت الله-المملوء بالفيض-خمسمائة شخص كما ذكرنا فى الصورة السادسة من الوجهة السادسة لأن مساحته ٦٥٦ قدم مربع، ومع هذا إذا دخله بضعة آلاف من البشر دفعة واحدة، فإنه يستوعبهم ويمكنهم أن يؤدوا عبادتهم فرحين فخورين.
وفى موسم الحج تدخله أعداد غفيرة من البشر، ولو دخلت هذه الأعداد الكبيرة إلى أن مكان آخر لا بد أن يموت عدد منهم بأى حال من الأحوال. أما
стр. 132
فى البيت الحرام، فلم يحدث هذا إلا فى عام ٥٨١ هـ فقط،ولأسباب قهرية توفى فيه أربعة وثلاثون شخصا.
ويقول «نورشتى» ﵀ من شراح «المصابيح» فى إطار حديثه عن فضائل بيت العزة: «لقد رأيت الكثير من كرامات البيت الكريم فى فترة وجيزة منها: أن حمام الحرم الشريف لا يحلق فوق كعبة الله في أثناء طيره لا يعلو أكثر من ارتفاع تلك البقعة المباركة وبعد التقاط الحبوب التى تلقى له فى كل وقت يحلق فى الهواء، ويطوف بالكعبة الشريفة ولا يرتفع بأى حال من الأحوال أعلى من بيت الله، ومع هذا فإنه يقف فوق الشرفات والقباب التى بداخل الحرم الشريف. ولا يحط فوق سطح الكعبة الشريفة.
وقد رأيت عدة مرات أن المريض من هذا الحمام يرتفع فوق الأرض ارتفاعا مساويا لسطح بيت الله ويحلق بجناحيه. ويقف فوق الميزاب الذهبى أو فوق أحد أركان الكعبة، ويظل واقفا هناك لفترة فى خشوع تام وخضوع.
وهو يرتعد. وبعد ذلك يتحرك معافى فيسلم تماما لكنه لا يطير أعلى من مستوى السقف الشريف» انتهى.
وفى أثناء الطوفان كان السمك الكائن في داخل حدود الله كان الكبير منه لا يأكل الصغير.
وعند حلول أوقات الصلاة، وفى النصف الأخير من ليالى الأعياد وفى المناسبات التى يكثر فيها الناس فإن الحرم الشريف للمسجد الحرام يستوعب طولا وعرضا أية جماعة من الناس مهما زاد عددهم. كما لا ينبعث دخان من النيران التى توقد فى الشوارع وخاصة في البيوت والمساكن.
ومبانى بيت العزة ما زالت قائمة إلى الآن على صورتها وهيئتها التى أسسها عليها سيدنا إبراهيم-عليه وعلى نبينا التكريم-وهذا فى نظر أهل الاستدلال علامة وإشارة وضاءة تسترعى الانتباه يرتجف معها الوجدان، لأن المبانى التى لم توضع تحت غطاء لا يمكن أن تحتمل تأثير الرياح والأمطار بضع مئات من السنين،
стр. 133
مهما كانت درجة متانتها وقوتها. وإذا تم تجديدها مرة فإنها لا تبنى على نفس الشكل السابق لها.
وما زالت الأبنية المفخمة الشريفة حتى هذه اللحظة عرضة للرياح العاصفة والأمطار الغزيرة المستمرة، وقد تم تجديدها لمسوغ شرعى إحدى عشرة مرة، فلم يحدث أى خلل فى جدرانها كما لم يتغير شكل أصغر حجر وضعه عند التجديد فالركن اليمانى قد ارتج فى سنوات ٥٩٢،٥١٥،٤٣٣،ورغم أنه فى المرة الأولى سنة ٤٣٣،سقط منه قدر أصبع بعد أن تشقق؛ إلا أنه لم يتغير أى طرف منه اكتفى فقط بإصلاح الموضع الذى سقط منه الحجر.
ومن خواص الكعبة المقدسة أن من يراها أول مرة إما يضحك أو يبكى.
وقد انتابنى البكاء-أنا الفقير كاتب هذه الحروف-عند رؤيتى الكعبة وظللت أبكى فترة. وكل من يتواجد حدود حرم الله، سواء كان إنسانا أو شجرا، أو حيوانا ينعم بالأمن التام بفضل الله تعالى.
وقال المفسر «النقاش» عليه رحمة القادر: «يا إلهى إنك تفضلت قائلا إن الداخل فى حرم المسجد الحرام يكون آمنا، ولقد تحيرت فى فهم هذا الأمر!! فمم أكون آمنا؟! ودار هذا الخاطر فى وجدانى ذات ليلة؟ وعقب ذلك سمعت من ورائى من يقول «آمنا من النار» وعند ما لم أجد خلفى أو حولى أحدا أدركت أنه جواب من عند الله».
هذه الرواية تشير إلى المعنى الحقيقى للآية الكريمة: ﴿مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (آل عمران:٩٧) ويرى فحول العلماء فى هذه الآية معان كثيرة مثل: من اعتمر بنية التقرب إلى الله فهو يأمن نار جهنم يوم القيامة وقال خاتم الأنبياء-عليه أفضل السلام: «كل من يموت فى أحد الحرمين يحشر يوم القيامة فى زمرة الآمنين». (حديث شريف).
«وكل من يصبر على حر مكة المكرمة ساعة واحدة فى اليوم يباعد بينه وبين نار جهنم مسافة مائتى سنة».
стр. 134
«من حج فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (حديث شريف).وأن الله تعالى يلقى الرحمة والشفقة بقلوب الناس تجاه من يلجئون إلى كعبة الله.
ومن هذا القبيل: أن صحابة الرسول الكرام الذين كانوا فى معيته المباركة السعيدة- ﷺ -عند أداء العمرة، أمنوا عند دخولهم الكعبة من أذى المشركين والذين يحجون مرة واحدة فى العمر لا يعاقبون على ذنوبهم التى ارتكبوها قبل الحج. أما من أمن الحيوانات والأشجار، فإن قطع النباتات والأشجار وصيد الحيوانات حرام تماما فى أرض حرم الله السعيدة.
وعلى هذا فالحيوانات الموجودة داخل الحرم الشريف. لا تخاف ولا تنفر من بعضها البعض، فعلى الحيوانات أيضا أن تراعى الحكم الإلهى، ولو أن كلبا تعقب غزالا وطارده، واستطاع الغزال أن يلوذ بحدود الحرم، فإن الكلب ينصرف عن مطاردة الغزال وينتظر إلى أن يخرج بعيدا عن الحرم. وإذا دخل الكلب أيضا أرض الحرم، فإنه يمشى بجانب الغزال، يتحاشى أن يصيبه بأذى.
ومن يدخل فى حدود الحرم من بنى البشر لا يحاسب على ذنبه وهو داخل الحرم.
وبما أن هذا الأمر كان مرعيا فى صدر الإسلام وكذلك فى الجاهلية، فلو ارتكب شخص إثما أو قتل إنسانا ثم دخل المسجد الحرام لائذا به فيكون فى أمن من سلطة الدولة، أو من ورثة القتيل وهكذا ينجو من المطاردة والفزع، وتقى الحيوانات إضرار بعضها بعض فما بالك بإضرار بنى البشر، وفى أيام «منى» التى هى أيام رمى الجمرات لا يهاجم النمل. والحشرات الطعام الملقى هنا وهناك ولا يلوثه، رغم وجود كل أنواع الطعام مثل: العسل، والمربى، فإنها تلف حوله ولكنها لا تدخل فيه.
ومهما زاد عدد الحجاج، فإن الأحجار التى يلقونها والجمرات، لا تزيد، ومعروف أن هذه الجمرات ترمى منذ آلاف السنين. ففى كل سنة، يلقى حوالى
стр. 135
ستمائة ألف إنسان بالجمار أى يلقون حوالى سبعين حجرا لكل منهم ومع هذا فإنه لا تتراكم هناك الجمرات.
وإذا افترضنا أن الأماكن التى تتجمع فيها الجمرات في مجرى السيل أو فى مهب الرياح الشديدة، لقلنا إن الماء الذى يسيل والرياح التى تهب تحمل الحجارة التى يلقيها الحجاج بعيدا إلا أن هذا المكان ممر ضيق بين سلسلة جبال ولا يتعرض للسيول ولا للرياح الشديدة العاصفة.
وهذه المميزات تدل على الأفضال المعنوية التامة لكعبة الله وهى مؤيدة بالخبر الصحيح الذى يقول: «كل من كان حجه مبرورا مقبولا فالجمرات التى يلقيها ترفع إلى السماء» (حديث شريف).بناء على بحث عبد الله المرجانى أنه لو نزف أنف إنسان وكتب على جبهته بدمه عبارة «مكة وسط الدنيا والله رؤف بالعباد» فإن النزيف ينقطع بإذن الله.
لو إن كان اليهود والنصارى يقدمون بيت المقدس على الكعبة فإن بانى بيت المقدس سليمان-﵇-وبانى الكعبة خليل الرحمن الذى يفوق من حيث المناقب سيدنا سليمان، ويلزم أن تكون الكعبة أشرف وأفضل من بيت المقدس.
أليس من الخطأ المحض أن يتصور أن هناك بيت أشرف وأفضل من بيت مالكه هو صاحب الجلالة الرب الكريم، ومهندسه جبريل-﵇-وبانى جدرانه خليل الرحمن، وجالب أحجاره ولوازم بنائه وخادمه. إسماعيل ﵇.
استطراد
الميزات الخاصة ببيت الله-الكعبة-لا تعد ولا تحصى. ومما يختص به هذا البلد الأمين أن أحدا من السياح الأجانب لا يجرؤ على اقتحام حدودها.
وفى الرسالة التى نشرها سائح أوربى اسمه «جبون» تحامل على الإسلام واستخدم لهجة شديدة إذ قال «بما أن أهل مكة لا يسمحون للسياح الأجانب بالدخول إليها فإنهم يضطرون فى الكتابة عن وقائع الحجاز أن يستمدوا أخبارهم
стр. 136
من التواريخ الإسلامية، أو من هؤلاء الذين يترددون على الحجاز «غير أن عددا من السياح المشهورين مثل: برق جارد من إيطاليا، لودو ويقو بارتاما من روما وجوزيف تبس من أهل اكستر (١) قد زاروا المناطق الحجازية، وسجلوا مشاهداتهم، ووصفوا مشاهداتهم وصفا كاملا. وهذا يبين كذب ادعاء المدعو «جبون» من أخطائه. وترهاته نجمت عن تعصبه الفطرى الشديد.
لودو ويقو بارتاما-قد طاف فى عام ٩٢٠ هجرية بالأراضى الحجازية المباركة، وكذلك «جوزيف تبس» فى عام ١١٠٧ هجرية وتجولا فى كل أرجائها وبعد عودتهما، سجل كل منهما رسالة شاملة، مفصلة فى معلوماتها عن أحوال منطقة الحجاز.
وكانت رسالة لودو ويقو بارتاما» التى طبعها عام ٩٢٨ هـ مكتوبة باللغة الإيطالية، وقد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية، وطبعت ونشرت عام ٩٧٢ هـ،كما طبعت رحلة «جوزيف تبس» باللغة الإنجليزية ونشرت فى إنجلترا عام ١١١٧.
وقد جاء فى رسالة «لودو ويقو بارتاما» أنه تظاهر بالإسلام ودفع إلى أحد الجمالين أموالا كثيرة، ليرافق قافلة الشام إلى الحجاز حتى يستطيع أن يطلع بنفسه على أحوال الحجاز.
أما «جوزيف تبس» فقد ذكر فى رسالته أنه وقع أسيرا فى طفولته فى يد أحد الجزائريين، وظل لفترة طويلة فى خدمته، ثم رافق سيده فى رحلة الحج إلى الحجاز، وعند عودته سجل مشاهداته كلها.
وقال «برق جارد» فى كتابه الذى نشره: «فى أثناء عودتى من واد فاطمة، إلى مكة مررت بمكان يسمى وادى النعمان، وكان مزدحما أشد الازدحام بالمترددين هناك من الحجاج أو المعتمرين، رغم أنه مكان موحش مخيف وهبت عاصفة فاحتميت بسفح جبل لعدم استطاعتى الاستمرار فى السير، وبقيت محتميا بسفح الجبل إلى أن هدأت شدة السيل والعاصفة».
стр. 137
ويقول مؤرخ آخر هو (يوما): «لا يسمح لغير المسلمين بدخول مكة»،ونحن شاكرون لهذا لأن برق جارد، ذهب إلى هناك، وجاء فى رسالته أن مكة المكرمة محاطة بمجموعة من الجبال السوداء والوديان خالية من الأشجار والأزهار.
والذى يرى منازل مكة وبيوتها-لأول وهلة-بعد الخروج من بين الجبال لا يستطيع إلا أن يشبه هذه المدينة بخزينة مجوهرات وضعت فى داخل محفظة خشنة غليظة سوداء، لا يستطيع أن يقدر قيمة هذه الخزينة إلا المسلمون.
فشوارعها متوسطة، ومبانيها منتظمة عالية والذى يرى مكة بعد رؤيته لبلاد أخرى لا يمكنه إلا أن يعجب ويتحير من انتظام مبانيها ودقة ترتبيها. وهذا القول منه يوضح خطأ ما ادعيناه فى هذا الأمر. وهذه العبارة المليئة بالثناء الجميل توضح كذب ادعاء الأوربيين.
وبناء على الفقرة الواضحة لبرق جارد والإفادة المفصلة ل «يوما» نستطيع أن نحكم أن الدخول فى مكة المعظمة ليس ممنوعا، سواء كان من قبل الحكومة أو من قبل الأهالى. فإذا كان بعض السياح الأجانب لم يجدوا فى أنفسهم الجرأة الكافية لدخول حدود مواقيت مكة المكرمة فإن ذلك يرجع إلى الرهبة الإلهية المعنوية للبيت المعظم.
نعم لم يمنع أحد من زيارة الحرمين المعظمين، حتى لو كان هدف الزائر هو الخيالة والسخرية والاستهزاء، لكن فى هذه الحالة تأديب ذلك الشخص ومنعه من الزيارة يكون أمرا واجبا.
نعم باب الزيارة مفتوح فى كل لحظة وساعة، إلا أن الزائر يجب أن يراعى لبس ملابس أرض الحجاز مثل الجبة والعباءة الطويلة والعمامة والكوفية حتى يحظى باحترام الناس، وأما الأجانب بملابسهم الغربية لا ينالون التوقير بل يتعرضون للسخرية والاستهانة بهم وهذا أمر طبيعى.
لذا فالأمر يتطلب ممن يذهبون إلى تلك البقعة المباركة أن يلبسوا ملابسهم وهذا الأمر لمن يجوبون الوديان والصحارى فى غير أوقات الحج، ولكن الذين
стр. 138
يقيمون فى مكة المكرمة أو المدينة المنورة يستطيعون أن يرتدوا الملابس الخاصة ببلدانهم دون أن يتعرضوا لسوء معاملة من الأهالى بل على العكس يلقون منهم ترحيبا واحتراما.
وكل أهالى الحرمين الكرام مجبولون على حسن استقبال الضيف فهذا من طباعهم الفطرية، وهو أمر لا مجال لإنكاره ومن ينكر هذا فعليه أن يتذكر مجاورى الحرمين.
ورغم تحقيق الإمام مالك-رحمة الله عليه-صحة ما ذكر عن فضائل مكة المكرمة وآثارها المتدثرة بآيات الحكم، إلا أنه يرى أن المدينة المنورة أفضل من «مكة المكرمة» ويؤيد رأيه قائلا: «إن المدينة المنورة مدفن رسول الرحمن أفضل من مكة المكرمة، لأن رسولنا باعث خلق العالم- ﷺ -دعا الله بقوله يا ربّ أنت تعلم أن قريشا أخرجتنى من البلدة التى أحبها فأسكنى يا رب البلدة التى تحبها» وكرر هذا الدعاء فاختار الله- -معطى العطايا المدينة المنورة دارا للهجرة النبوية. وإذا كان المكان هذا أحب البلدان إلى الله- -فلا بد أن يكون ذلك المكان أفضل وأشرف من سائر البلدان.
وقد رأينا أنه من الأفضل التزام الصمت بخصوص هذه المسألة قائلين: الله أعلم ببواطن الأمور.
شعر
مكة التى هى قبلة أهل النجاة ... حرسها الله من الحادثات
ترابها يبعث الحياة فى الموات ... إن الورد خجل من شوكه وغثائه
لأن حصباء أرضه نجوم سمائه ... حقا إنه لمن ضل الطريق دليله
стр. 139
جعل الأرض القاحلة جنة ... جمع الدر وأصبح نعيم الجنة
ليس وردا ولكن نسيم سحره ينفح عطرا ... ليس خمرا ولكن حانته تموج بالضجّة
ليس زرعا ولكن بيدره يهب الحب ... ليس عرشا ولكن طوباه وارفة الظلال
ليس بستانا ولكن ثمره موفور ... ليس سهلا ولكن زرعه مخضوضر
ليس زهرة حمراء مشتعلة ولكن فيه نبراسا ... فى قلبه جراحات من الحسرات
حدود حرم الله ومواقيت كعبة الله المكانية:
قال المؤرخون: إن حدود الحرم الشريف لكعبة الله، تبلغ ستة أميال من ناحية الشرق، وثمانية عشر ميلا من ناحية الغرب، واثنى عشر ميلا من ناحية الشمال وأربعة وعشرين ميلا من ناحية الجنوب.
أما مؤلف «تاريخ خميس»،فقد قال: «لقد قست بنفسى بقياس المسافة، ووجدتها ثلاثة أميال من طريق المدينة المنورة وتسعة أميال، من طريق شعب آل عبد الله بن خالد الواقع ناحية جعرّانة».
وفى قول آخر: «عشرة أميال وسبعة أو تسعة أميال من طريق عرفات المسمى بطن نمرة».
وكتب مؤلف «نخبة الدهر» فى كتابه المذكور:
أنها ثلاثة أميال من جهة مدينة الرسول ﷺ وعشرة من طريق جدة، وأحد
стр. 140
عشر ميلا من طريق الطائف، وستة أميال من ناحية العراق. والأرض التى خارج هذه الحدود ليست من الحرم (١)».
وهذا الاختلاف لم يكن فيما يتعلق بتحديد أماكن ومواقيت مكانية أو تعريف نقاطها وإنما فى مقياس المساحة، لذا فالمساحة بالنسبة لكل واحد منهم تخضع لحسابه وكلها صحيحة بالنسبة لحساب كل واحد منهم.
ويقول على بن بلبان الفارسى الحنفى مؤلف الكتاب المستطاب المسمى «عمرة السالك فى المناسك» نقلا عن الإمام الأزرقى (٢):إن ميقات أهل المدينة عند التنعيم وهو مكان قريب من «بيوت تغاره» الواقعة جهة المدينة على مسافة ثلاثة أميال من مكة المعظمة.
ويقول: الإمام مالك رضى الله عنه: إن أهل المدينة المنورة يحرصون ويبدءون فى التلبية من قرية ذى الحليفة.
وهذا المكان اللطيف يقع عند البئر المسمى بئر على ومسجد الشجرة وهو على مسافة تسع-وعلى رواية عشر-مراحل من مكة المعظمة من ناحية المدينة المنورة ويقول البعض عن سبب تسمية بئر على أن الكرار-عليه رحمة الله- قاتل الجن هناك، لذا أطلق على هذا البئر اسم بئر على، لكنها رواية مختلقة لا أصل لها.
و «ذو الحليفة» أبعد مكان عن مكة من ناحية الميقات وهى أطلال قرية مشهورة، وقد أراد رسول الملك المتعال أن يحرم أهل المدينة هناك تعظيما لأجرهم
стр. 141
وثوابهم وقد ذكر «ابن بلبان الفارسى» فى صدد تعريفه وتعيينه لميقات أهل اليمن أن المكان الذى يحرم عنده اليمنيون هو منطقة «أضاة اللبن» الواقعة على مسافة سبعة أميال من مكة المفخمة من جهة اليمن، وقد ركز هناك علمان لتعيين هذا المكان الذى يبدأ عنده ارتداء ملابس الإحرام.
و «أضاة اللبن» لا بد وأنه الموضع المسمى «يلملم» على مسافة مرحلتين من مكة المعظمة. ومكان إحرام المصريين هو مدينة «رابغ» القريبة من الجحفة ميقات أهل الشام. أما المكان الذى يحرم منه أهل نجد فهو أعلى ربوة فى تهامة، أما الذيت يتوجهون للحج عن طريق الشام الشريف فإنهم يحرمون في المكان المسمى جحفة، وجحفة هذه أطلال قرية تقع على مسافة خمس مراحل وعلى قول ست مراحل من مكة المكرمة، والاسم الأصلى لقرية جحفة كان على وزن مهيعة، ذلك أن جماعة من العمالقة سكنوا فيه وذات ليلة اجتاحهم السيل وقضى عليهم تماما، لذا أطلقوا على سكان أطلال هذه القرية اسم جحفة.
قال ابن بلبان الفارسى: رغم أن الرواية تقول إن الحجاج القادمين من طريق العراق يحرمون من نقطة «ثنية الهيك» الواقعة على بعد سبعة أميال من مكة المعظمة، إلا أن الإمام مالك قال-كما جاء فى كتاب-أحسن المسالك: إن قوافل حجاج العراق تحرم من موقع قرية قرن وهو المكان المسمى قرن المنازل. وقد استقر حول المكان المذكور جماعة «قرن» التى انفصلت من قبيلة «مراد» وحضرة «أويس القرنى» (١) من أفراد هذه الجماعة.
وإذا قرئ لفظ قرن بسكون الراء فهو اسم جبل، وإذا قرئ بفتح الراء فهو اسم طريق يقع بجوار الجبل المذكور، وتقع مكة المشرفة شرق الجبل المذكور بمرحلتين. ورغم أن الإمام الفاكهى قد ذكر أنه يوجد جبل باسم قرن على بعد
стр. 142
ألف وخمسمائة ذراع من مسجد الخيف (١) إلا أنه غير «قرن المنازل» لأن ذلك الجبل يسمى، قرن الثعلب.
وقد قام شخص بترتيب ونظم الأبيات الآتية للتوفيق بين الروايات المختلفة.
شعر
عرق العراق يلملم اليمنى ... وذى الحليفة يحرم المدنى
للشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن
وقد ذكر فى هذه الأبيات اسم الميقات الخاص بأهل كل جهة، وفى الأبيات التالية سنعرف أبعاد كل ميقات فى مكة.
شعر
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه
وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر، ثم تسع جعرانة (٢)
فتوح الحرمين
إن جبل رابغ، هو ميقات حجاج بلاد الروم والأناضول ومن يتوجهون للحج بحرا عن طريق قناة السويس، وكل باخرة تحمل الحجاج عند ما تصل إلى محاذاة جبال رابغ، يبلغ الحجاج الذين على ظهرها مبدأ الإحرام ويستخدم مرشد ماهر من أبناء العرب فوق كل باخرة للقيام بهذه المهمة.
стр. 143
أسماء الذين جددوا أميال المواقيت:
إن حدود حرم كعبة الله هى المواقيت التى ذكرت وعرفت فيما سبق، يقول الإمام الأزرقى أنه عند ما هبط آدم-﵇-على الأرض انتابه إحساس بالخوف والرهبة من وحشة الفراغ، واستعاذ بالله- -ولجأ إليه فأنزل الله إلى الأرض ملائكة كثيرين لإزالة هذا الخوف والرهبة من نفس آدم- ﵇-وأمر الله- -الملائكة أن يقيموا حول مكة المعظمة، وبذلك تعين حدود حرم كعبة الله، وهو المكان الذى أحاط به الملائكة من كل الجهات.
وفى قول آخر أنه عند ما أنزل الحجر الأسود من خزائن الجنان فى البلدة المقدسة لكعبة الله، تحددت حدود الحرم بما بلغه من النور والضياء المنعكس من الحجر الأسود فى كل الاتجاهات، وهذه الحدود هى المواقيت المكانية السابق ذكرها.
ويقول الإمام الأزرقى: إن آدم-﵇-ثبت علامات فى المواقع المذكورة لتعين حدود حرم الله، وللحفاظ على هذه الحدود أرسل الله- -كثيرا من الملائكة العظام للقيام بهذه المهمة.
وقد طمست هذه العلامات التى وضعها آدم-﵇-ولم ير لها أثر، فعرف الله- -حضرة الخليل الأماكن التى وضعت فيها هذه العلامات من قبل أبى البشر-﵇-فأعاد إقامة الأحجار فيها مرة أخرى. وكان برفقة إبراهيم-﵇-عند ما أعاد وضع العلامات ابنه إسماعيل-﵇.
وبمرور الوقت طمست الرمال الأحجار التى وضعها إبراهيم-على نبينا وعليه التفخيم-وغابت عن العيون، وفى عهد عدنان بن أد أصبح من الضرورى تعيين هذه الحدود بين مناطق الحل والحرم، لذا تقصى عدنان بن أد المشار إليه أماكن الأحجار التى وضعها خليل الرب الجليل حتى وجدها فأقام فى أماكنها مبان قوية
стр. 144
من الطين والحجارة هى تلك العلامات لكى لا تطمس بسهولة وبعد ذلك قام قصى بن كلاب بن مرة بإعادة ترميم العلامات وتجديد بناءها وجعلها أمتن وأقوى.
وبعد قصى بن كلاب لم يتم ترميم العلامات وتعميرها، وفى يوم فتح مكة «ذلك اليوم الميمون» كلف الرسول- ﷺ -بوحى من قبل الله بترميم مبانى المواقيت وتقويتها.
وبعد ارتحال النبى- ﷺ -قام عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان بن عفان ومن بعده معاوية بن أبى سفيان ومن بعده عبد الملك بن مروان، قاموا كلهم بتقوية مبانى العلامات التى بناها عدنان بن أد وذلك لتحديد المواقيت المكانية الشريفة.
وفى عهد خلافة المقتدر بالله العباسى تم إصلاح وتصويب علامات مسافات الأميال المذكورة. وفى سنة ٣٢٥ هـ قام الراضى بالله من خلفاء العباسيين بوضع علامات «العمرة كما قام بعده بفترة مظفر حاكم أربل بوضع علامات «عرفات» وهذا لأنه لم تكن قبل عهد «الراضى بالله» علامات للعمرة، ولم تكن هناك علامات لتحديد أماكن عرفات قبل حكم المظفر. وكان للسلطان» أحمد خان الأول العثمانى-طيب الله ثراه-شرف تجديد علامات عرفات.
ومن ذلك الوقت يطلقون اسم الحرم على المكان الذى داخل حدود العلامات الموضوعة لتحديد حدود الميقات، ويطلق اسم الحل على خارجها.
***
стр. 145
الصورة الخامسة
فى توضيح المسائل الهامة الخاصة بإيجار واستئجار بيوت هذه المدينة المفخمة
للإقامة فى مدينة مكة المعظمة
الإقامة فى مكة المكرمة مكروهة عند العلماء، وقد قيل فى هذا أن طول فترة البقاء يورث فقدان حرمة بيت الله فى النفوس. وبمقارنة ما يشعره الإنسان من ألفة واستئناس عند ما يسكن فترة طويلة فى البلاد الأخرى يخشى أن الإقامة الطويلة قد تزيل من القلوب ما يجب من التعظيم والتوقير نحو كعبة مكة المعظمة، وهذا شئ طبيعى فى الناس. والأولى بأهل الإيمان أن يقيموا فى بلادهم مبدين الشوق والحب لكعبة الله من بعيد.
وكان عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-فى زمن خلافته يأمر أن يعود الحجاج إلى بلادهم بمجرد عودتهم من عرفات حتى يحافظ على حرمة الكعبة فى قلوب الناس وهيبتها. وكان يستحث القوافل على الرحيل مرددا النداء يا أهل اليمن، يا أهل الشام، يا أهل العراق، سيروا إلى بلدكم، فإنه أبقى لحرمة بيت ربكم» وكأنه كان يعيد معنى الحديث الشريف: «من فرغ من حجه فليعجل بالرجوع إلى أهله» (حديث شريف).
أصح مثال الذين يرومون مجاورة الحرم الشريف يستأنسون بغير الله بينما يقيم الرجال الصالحون في بلاد بعيدة وممالك نائية وقلوبهم أكثر قربا لبيت الله ممن يطوفون حول المقام السعيد.
وحيثما يكون الإنسان فى أى مكان وتغويه نفسه بعصيان الله بارتكاب ما يحرمه ثم ينصرف عن هذه النية قبل أن يشرع فى تنفيذها أو القيام بما جال بخاطره فلا تكتب عليه سيئة. أما من يقيم فى مكة المكرمة ويجول بخاطره القيام