← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وثوابهم وقد ذكر «ابن بلبان الفارسى» فى صدد تعريفه وتعيينه لميقات أهل اليمن أن المكان الذى يحرم عنده اليمنيون هو منطقة «أضاة اللبن» الواقعة على مسافة سبعة أميال من مكة المفخمة من جهة اليمن، وقد ركز هناك علمان لتعيين هذا المكان الذى يبدأ عنده ارتداء ملابس الإحرام. و «أضاة اللبن» لا بد وأنه الموضع المسمى «يلملم» على مسافة مرحلتين من مكة المعظمة. ومكان إحرام المصريين هو مدينة «رابغ» القريبة من الجحفة ميقات أهل الشام. أما المكان الذى يحرم منه أهل نجد فهو أعلى ربوة فى تهامة، أما الذيت يتوجهون للحج عن طريق الشام الشريف فإنهم يحرمون في المكان المسمى جحفة، وجحفة هذه أطلال قرية تقع على مسافة خمس مراحل وعلى قول ست مراحل من مكة المكرمة، والاسم الأصلى لقرية جحفة كان على وزن مهيعة، ذلك أن جماعة من العمالقة سكنوا فيه وذات ليلة اجتاحهم السيل وقضى عليهم تماما، لذا أطلقوا على سكان أطلال هذه القرية اسم جحفة. قال ابن بلبان الفارسى: رغم أن الرواية تقول إن الحجاج القادمين من طريق العراق يحرمون من نقطة «ثنية الهيك» الواقعة على بعد سبعة أميال من مكة المعظمة، إلا أن الإمام مالك قال-كما جاء فى كتاب-أحسن المسالك: إن قوافل حجاج العراق تحرم من موقع قرية قرن وهو المكان المسمى قرن المنازل. وقد استقر حول المكان المذكور جماعة «قرن» التى انفصلت من قبيلة «مراد» وحضرة «أويس القرنى» (١) من أفراد هذه الجماعة. وإذا قرئ لفظ قرن بسكون الراء فهو اسم جبل، وإذا قرئ بفتح الراء فهو اسم طريق يقع بجوار الجبل المذكور، وتقع مكة المشرفة شرق الجبل المذكور بمرحلتين. ورغم أن الإمام الفاكهى قد ذكر أنه يوجد جبل باسم قرن على بعد

стр. 142

ألف وخمسمائة ذراع من مسجد الخيف (١) إلا أنه غير «قرن المنازل» لأن ذلك الجبل يسمى، قرن الثعلب. وقد قام شخص بترتيب ونظم الأبيات الآتية للتوفيق بين الروايات المختلفة. شعر عرق العراق يلملم اليمنى ... وذى الحليفة يحرم المدنى للشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن وقد ذكر فى هذه الأبيات اسم الميقات الخاص بأهل كل جهة، وفى الأبيات التالية سنعرف أبعاد كل ميقات فى مكة. شعر وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر، ثم تسع جعرانة (٢) فتوح الحرمين إن جبل رابغ، هو ميقات حجاج بلاد الروم والأناضول ومن يتوجهون للحج بحرا عن طريق قناة السويس، وكل باخرة تحمل الحجاج عند ما تصل إلى محاذاة جبال رابغ، يبلغ الحجاج الذين على ظهرها مبدأ الإحرام ويستخدم مرشد ماهر من أبناء العرب فوق كل باخرة للقيام بهذه المهمة.

стр. 143

أسماء الذين جددوا أميال المواقيت: إن حدود حرم كعبة الله هى المواقيت التى ذكرت وعرفت فيما سبق، يقول الإمام الأزرقى أنه عند ما هبط آدم-﵇-على الأرض انتابه إحساس بالخوف والرهبة من وحشة الفراغ، واستعاذ بالله- -ولجأ إليه فأنزل الله إلى الأرض ملائكة كثيرين لإزالة هذا الخوف والرهبة من نفس آدم- ﵇-وأمر الله- -الملائكة أن يقيموا حول مكة المعظمة، وبذلك تعين حدود حرم كعبة الله، وهو المكان الذى أحاط به الملائكة من كل الجهات. وفى قول آخر أنه عند ما أنزل الحجر الأسود من خزائن الجنان فى البلدة المقدسة لكعبة الله، تحددت حدود الحرم بما بلغه من النور والضياء المنعكس من الحجر الأسود فى كل الاتجاهات، وهذه الحدود هى المواقيت المكانية السابق ذكرها. ويقول الإمام الأزرقى: إن آدم-﵇-ثبت علامات فى المواقع المذكورة لتعين حدود حرم الله، وللحفاظ على هذه الحدود أرسل الله- -كثيرا من الملائكة العظام للقيام بهذه المهمة. وقد طمست هذه العلامات التى وضعها آدم-﵇-ولم ير لها أثر، فعرف الله- -حضرة الخليل الأماكن التى وضعت فيها هذه العلامات من قبل أبى البشر-﵇-فأعاد إقامة الأحجار فيها مرة أخرى. وكان برفقة إبراهيم-﵇-عند ما أعاد وضع العلامات ابنه إسماعيل-﵇. وبمرور الوقت طمست الرمال الأحجار التى وضعها إبراهيم-على نبينا وعليه التفخيم-وغابت عن العيون، وفى عهد عدنان بن أد أصبح من الضرورى تعيين هذه الحدود بين مناطق الحل والحرم، لذا تقصى عدنان بن أد المشار إليه أماكن الأحجار التى وضعها خليل الرب الجليل حتى وجدها فأقام فى أماكنها مبان قوية

стр. 144

من الطين والحجارة هى تلك العلامات لكى لا تطمس بسهولة وبعد ذلك قام قصى بن كلاب بن مرة بإعادة ترميم العلامات وتجديد بناءها وجعلها أمتن وأقوى. وبعد قصى بن كلاب لم يتم ترميم العلامات وتعميرها، وفى يوم فتح مكة «ذلك اليوم الميمون» كلف الرسول- ﷺ -بوحى من قبل الله بترميم مبانى المواقيت وتقويتها. وبعد ارتحال النبى- ﷺ -قام عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان بن عفان ومن بعده معاوية بن أبى سفيان ومن بعده عبد الملك بن مروان، قاموا كلهم بتقوية مبانى العلامات التى بناها عدنان بن أد وذلك لتحديد المواقيت المكانية الشريفة. وفى عهد خلافة المقتدر بالله العباسى تم إصلاح وتصويب علامات مسافات الأميال المذكورة. وفى سنة ٣٢٥ هـ قام الراضى بالله من خلفاء العباسيين بوضع علامات «العمرة كما قام بعده بفترة مظفر حاكم أربل بوضع علامات «عرفات» وهذا لأنه لم تكن قبل عهد «الراضى بالله» علامات للعمرة، ولم تكن هناك علامات لتحديد أماكن عرفات قبل حكم المظفر. وكان للسلطان» أحمد خان الأول العثمانى-طيب الله ثراه-شرف تجديد علامات عرفات. ومن ذلك الوقت يطلقون اسم الحرم على المكان الذى داخل حدود العلامات الموضوعة لتحديد حدود الميقات، ويطلق اسم الحل على خارجها. ***

стр. 145

الصورة الخامسة فى توضيح المسائل الهامة الخاصة بإيجار واستئجار بيوت هذه المدينة المفخمة للإقامة فى مدينة مكة المعظمة الإقامة فى مكة المكرمة مكروهة عند العلماء، وقد قيل فى هذا أن طول فترة البقاء يورث فقدان حرمة بيت الله فى النفوس. وبمقارنة ما يشعره الإنسان من ألفة واستئناس عند ما يسكن فترة طويلة فى البلاد الأخرى يخشى أن الإقامة الطويلة قد تزيل من القلوب ما يجب من التعظيم والتوقير نحو كعبة مكة المعظمة، وهذا شئ طبيعى فى الناس. والأولى بأهل الإيمان أن يقيموا فى بلادهم مبدين الشوق والحب لكعبة الله من بعيد. وكان عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-فى زمن خلافته يأمر أن يعود الحجاج إلى بلادهم بمجرد عودتهم من عرفات حتى يحافظ على حرمة الكعبة فى قلوب الناس وهيبتها. وكان يستحث القوافل على الرحيل مرددا النداء يا أهل اليمن، يا أهل الشام، يا أهل العراق، سيروا إلى بلدكم، فإنه أبقى لحرمة بيت ربكم» وكأنه كان يعيد معنى الحديث الشريف: «من فرغ من حجه فليعجل بالرجوع إلى أهله» (حديث شريف). أصح مثال الذين يرومون مجاورة الحرم الشريف يستأنسون بغير الله بينما يقيم الرجال الصالحون في بلاد بعيدة وممالك نائية وقلوبهم أكثر قربا لبيت الله ممن يطوفون حول المقام السعيد. وحيثما يكون الإنسان فى أى مكان وتغويه نفسه بعصيان الله بارتكاب ما يحرمه ثم ينصرف عن هذه النية قبل أن يشرع فى تنفيذها أو القيام بما جال بخاطره فلا تكتب عليه سيئة. أما من يقيم فى مكة المكرمة ويجول بخاطره القيام

стр. 146

بما حرمه الله فيكون آثما، وإن لم يرتكب ما جال بخاطره وتكتب عليه سيئة فى صحيفة أعماله. وبناء على هذا الأمر استوطن عبد الله بن عباس الطائف، وقال ابن مسعود: «لا يوجد بلد غير مكة يؤاخذ فيه بالهمّ قبل الفعل-يعنى فعل السوء». حكاية: يقال إن رجلا استودع أحد أحبابه أمانة ليحفظها له لفترة، ولكنه كان امرأ سوء فقرر ألا يعيد الأمانة إلى صاحبها وأنكر أنه أخذها بل اجترأ على القسم بذلك أمام كعبة الله. وفي نفس الليلة التى أقسم فيها مات وتحول وجهه إلى وجه كلب. حكاية أخرى: يروى أن رجلا آخر فى أثناء طوافه بالكعبة لمح معصم امرأة جميلة كانت تطوف بجواره، فمد يده لذراع المرأة ليتلذذ بملامستها. ولأن المرأة كانت عفيفة صالحة فقد تضايقت من تصرف الرجل، وتعلقت بجدار الكعبة وهى تنوى أن تشكو هذا الأمر إلى الله- -صاحب البيت المشرف. ولكن الرجل لم يقتنع بالوقاحة التى ارتكبها، وسار فى أعقابها ومد يده إلى المرأة للمرة الثانية وعلى الفور شلت يده التى مدها فصار أكتع «نعوذ بالله تعالى» انتهت. وهكذا تكون نهاية من يرتكبون الآثام فى الحرم الشريف ويلقون جزاءهم بما اقترفوا-حفظنا الله جميعا-آمين. الحرم الشريف للمسجد الحرام ليس مكانا خاصا لأداء الصلاة فقط مثل سائر المساجد ولا يحد بجدران المسجد، بل يمتد ليحتوى كل الأراضى المقدسة داخل المواقيت المكانية المعلومة، لذا فإن الباحثين المدققين من الأسلاف الذين اختاروا المجاورة فى مكة المكرمة، كانوا يخدمونه بتبصرة تامة وانتباه كامل. قصة غريبة: كان وهب بن رودكى أحد أولياء الله الذين لهم باع طويل بحقائق المسجد الحرام، انتهز الفرصة المناسبة لتنبيه الذين اختاروا المجاورة في مكة المكرمة فقال: «كنت أصلى ذات ليلة فى حجر إسماعيل، وفجأة سمعت صوتا

стр. 147

من وراء ستار الكعبة، فأنصت إليه فإذا بالكعبة ذاتها تقول: «يا جبريل أشكو إليك بعد الشكوى إلى الله الحق من أهل الهوى الذين يتفوهون بكلمات تدل على انصرافهم للهو ولغو الكلام فى أثناء وطول مصاحبتهم، فإن لم يستغفروا ويتولوا عن ذنوبهم ويتخلصوا مما اقترفوا فسوف أنتفض انتفاضة قوية بحيث يتطاير كل حجر من أحجارى إلى الجبل الذى أخذ منه وهكذا أزول فى الحال «وما إن سمعت هذه الشكوى والحوار بين الكعبة والرسول الجليل حتى اعترانى الاضطراب والرجفة. ويتناقل هذه الحكاية الغريبة من سمعوها من وهب نفسه، ويوصون الحجاج بألا يحرصوا على الإقامة بمكة بعد الرجوع من عرفة. وقد أجاب الإمام مالك-﵀-على سؤال طرح عليه لتوضيح هذه المسألة وكان السؤال: هل العودة بعد الحج أفضل أم الإقامة بمكة للمجاورة؟ فأجاب: إن العودة بعد الحج أفضل. وإذا كان الإمام مالك يرى أنه يكره المجاورة، فإن الإمام أبا حنيفة يروى عنه فى رواية صحيحة أنه قال «يجب على الذين ينتهون من أداء الحج أن يعودوا إلى بلادهم وأولادهم وزوجاتهم» غير أن الإمام أبا يوسف والإمام محمدا والإمام الشافعى والإمام أحمد بن حنبل لم يتشددوا فى هذا الأمر اتفقوا بأن مجاورة مكة أمر مستحب. أما الإمام الأعظم فأفتى بكراهية مجاورة مكة المكرمة، وذلك لملاحظة أن عامة الناس يعجزون عن رعاية حقوق الحرم المحترم، وفى الواقع أن طوائف العامة لا يراعون حرمة الكعبة المعظمة حق رعايتها. والمقصود من كراهة المجاورة بالنسبة للإمام الأعظم ليس مجرد الإقامة في مكة المكرمة، بل إنه يذكر محظورين يجب اجتنابهما أحدهما: أنه كلما طالت الإقامة فيها يأنس القلب بالبيت ويألفه لأن تكرار المشاهدة وكثرتها تؤدى إلى

стр. 148

التقليل من حرمة بيت الله عند النظر إليه. والآخر الخوف من ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى فساد الأخلاق والفسق فى حرم الله نعوذ بالله تعالى من هذا وما أتعس المؤمن الذى تعرض لارتكاب هذين المحظورين. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج:٢٥) وما تفيده الآية الكريمة أن كل من يعدل عن الحق ويرتكب الظلم والجور قاصدا معصية الله فإن الله- -سيذيقه عذابا أليما. أما من كانوا مفطورين على إعزاز البيت الشريف وإجلاله عند ما يرونه كل مرة يعتريهم الخشوع والمهابة والدهشة. كأنهم يرونه أول مرة إذا كانوا قادرين على ذلك فمما لا شك فيه ولا شبهة أن نعمة المجاورة سعادة فوق الوصف ومبعث الفخر والسرور. ومع هذا فإن كراهية مجاورة مكة خاصة بالمسلمين الذين عاشوا فى العصور السابقة، وأما الآن فقد تغيرت الدنيا واضطر المسلمون أن يختلطوا بالأجانب وأن يتأثروا بأخلاقهم، كما أن أسباب المعيشة اضطرت الناس إلى المقابلة بالتقى والشقى، لذا فأولى بالنسبة لصفاء النفوس أن يلجئوا إلى بلدة الله أو إلى البلدة الطيبة لرسول الله حيث يلوذون إلى الله الغفار راجين عونه ورحمته. وبما أن الكعبة وما حولها مقر الأنبياء والأولياء فمن المرجو أن يتأثر هؤلاء الضعاف من المسلمين بهم ويقتدوا بهم وهم يداومون فى الطواف حول بيت الله. يقول الإمام اليافعى فى كتابه المسمى «روض الرياحين»: «يرى أحيانا الملائكة الكرام والأنبياء العظام وخاصة الأولياء الكرام ذوى الاحترام حول الكعبة وجوارها، وأكثر ما يرى فى ليالى أيام الاثنين والخميس والجمعة، ويروى أنه يشاهد إبراهيم-﵇-وأولاده عيسى ﵇ وجماعته فى حجر إسماعيل وفرق الملائكة عند الحجر الأسود، وسيد الأنبياء عليه وعليهم التحيات، وأهل بيته والصحابة والأولياء أمام الركن اليمانى.

стр. 149

وقد ثبت تضاعف الأجر والمثوبة الحسنة عند الأكثر فى مكة المكرمة، إلا أن السيئة تظل سيئة واحدة بينما الحسنة يضاعف ثوابها. ومن المتفق عليه أن أولياء الله يترددون على المسجد الحرام عند ما يكون خاليا، ومن يحظى بنظرة أو التفاتة من هؤلاء الصالحين ينل سعادة عظيمة كما برهن عليه كبار العلماء. نفعنا الله ببركات أنفاسهم. وقصر النظر على البقعة المقدسة للكعبة المعظمة هو عين العبادة، وتغفر ذنوب الذين ينظرون إليها بمحبة كاملة وإيمان صادق واحتساب، ومن يقصرون نظرهم على الكعبة وحدها فلهم أجر طاعة وعبادة سنة كاملة. وينظر الله الحق إلى الخلائق ٣٦٠ مرة كل يوم، وأول من يكون محط نظره- -هم أهل مكة، ومن ينل من هؤلاء نظرة الله وهو قائم يصلى أو فى حالة طواف أو حال استقبال الكعبة يغفر لهم ذنوبهم، أو حتى النائمين يلحقون بزمرة المغفور لهم. وثواب من يكون فى مكة المفخمة ويقضى أيام رمضان صائما ولياليه قائما يعادل ثواب من يقضى الليل قائما والنهار صائما فى رمضان مائة ألف رمضان فى غيرها من البلدان، وسوف تحشر مكة المعظمة يوم القيامة مثل العروس عند الزفاف ويتعلق بأستارها الحجاج والطائفون ويدخلون رياض الجنة وهم يطوفون حولها. نظم بما أنك تسكن هذا الدير بأدب ... فعليك أن ترعى أصول الأدب إن الشوق يزداد لأن ما كان إنما كان نارا ... أيما امرئ كان مجاورا في هذه المحلة

стр. 150

كان زواره أكثر من أحجارها ... يجدر بمن هو كامل الأدب أن يصل الليل بالنهار بشوقه ... يحكى أنه أكثر من ذلك من كثرة ما خربت بالدره ... من خلف عن قافلة الحج فلن يتسع العذر لذلك ... ولا يحترم حرمة هذا البيت حينما يفكر فى الطواف به ... لا يرعى أصول الأدب أنت تتغافل عن التشكيك ... وأصبحت بذلك آثما عاصيا لقد تجاوزتنا فى سوء الأدب ... وليس لنا موضع من هذا الوضع (فتوح الحرمين). خلاصة مسألة إيجار البيوت: بمراجعة الكتب الفقهية لمعرفة ما إذا كان إيجار البيوت والمنازل فى مكة المكرمة جائزا أو غير جائز شرعا، وإن فهم هذا الموضوع يكون ممكنا بالرجوع إلى الكتب الفقهية. ولما كان أخذ إيجار المنازل من الحجاج الذين يفدون إلى مكة ليس حلالا، لذا كان الأوائل يأخذون ثمن الإيجار فى السر والخفاء حتى أن عمر بن الخطاب أمر

стр. 151

أن تترك أبواب بيوت مكة مفتوحة فى موسم الحج حتى يسكن الحجاج فى المنازل الخالية، كما كان لعمر بن عبد العزيز أوامر مشددة إلى أمراء الإمارة الجليلة لمكة المكرمة بألا تؤجر بيوت مكة إلى الحجاج. وقد أجاز الإمام محمد والإمام أبو يوسف أن تباع بيوت مكة مع الكراهة، إلا أن الإمام الأعظم قال إنه مكروه فى كل الأحوال. وقد أفتى صاحب الواقعات فى هذه المسألة ورجح القول الأول. وحسب قول مؤلف «عيون المسائل» إن الإمام الأعظم قال فى رواية: «إن بيع بيوت مكة جائز».كما أن الإمام أبا يوسف قد رجح هذا القول على ما عداه من أقوال. وبالنظر إلى قول المرحوم «قوام الدين» فى شرح الهداية أن بيع بيوت مكة جائز باتفاق العلماء. وبما أن كل بناء ملك بانيه وأن المبانى التى أقامها الأشخاص على أراض موقوفة يستطيعون بيعها شرعا فبيع بيوت مكة جائز أيضا. وطبقا لما نقله ورواه صاحب التقريب، فقد رأى الإمام الأعظم أن إيجار بيوت مكة مكروه، وقال: والذين يفدون إلى مكة من خارجها. إذا لم يجدوا مبانى خالية لسكناهم أفلا يسكنوا فى بيت بالإيجار، كما أيد الإمام محمد هذا القول بما ورد فيما معناه «أن من يعيش حتى يأكل من ثمن إيجار بيوت مكة يدخل النار».إلا أن الدار قطنى عد هذا الحديث من الأحاديث الموقوفة. وفى رواية أخرى للإمام الأعظم عن كراهية الإيجار لمن يأتون فى مواسم الحج وليس للمقيم. فبما أنه لا توجد ضرورة بالنسبة للمقيم فمن الجائز إيجار المنازل لهم. ولا يجوز إيجار البيوت لمن تتبين حاجتهم الضرورية فى موسم الحج. وقال لنسكن هؤلاء فى المنازل الخالية رحمة الله-تعالى-عليه وعلى سائر الأئمة أجمعين رحمة واسعة. وفى عصرنا الحالى يؤجر أهل مكة بيوتهم للحجاج ويسكنون هم فى وقت الحج فوق أسطح منازلهم، وبهذه الطريقة يسكبون أموالا تكفى لإعاشتهم وأولادهم سنة كاملة.

стр. 152

الوجهة الثانية تحتوى على ثلاث عشرة صورة مرتبة تضم أقوال المؤرخين التى ذكرت حول تفاصيل بناء مكة المعظمة وعمارتها، وعن الذين قاموا ببناء هذه البقعة المقدسة المباركة، وأسباب تجديدها وتعميرها وإنقاص مساحتها وتوسيعها . الصورة الأولى تعرض الأقوال التى ذكرت فى أوليات بناء الكعبة ذكر مؤرخو السلف أقوالا متباينة كثيرة حول عدد مرات تجديد بناء كعبة الله العليا، واختلفوا فى أقوالهم وأطالوا فيها وقرروا أخيرا أنها جددت سبع مرات على قول بعضهم، وعشر مرات بناء على أقوال الآخرين. واعتمادا على الرواية المنقولة عن زين العابدين والد الإمام الباقر-رضى الله عنه-قال المؤرخون: «إن الملائكة هم البناة الأوائل لهذه البقعة المقدسة». والذين يقولون إنه تم تجديدها سبع مرات يذكرون أن تجديدها تم على النحو التالى: المرة الأولى بناها الملائكة الكرام، وفى الثانية جددها سيدنا إبراهيم، وفى الثالثة جددها العماليق، وفى الرابعة طائفة الجراهمة، وفى الخامسة قبيلة قريش، وفى السادسة عبد الله بن الزبير، وفى السابعة جددها الحجاج الظالم. أما الذين يقولون إنها أعيد بناؤها عشر مرات فيذكرون أن الملائكة العظام بنوها فى المرة الأولى وفى الثانية بناها أبو البشر آدم-﵇-وفى الثالثة سيدنا شيث وأولاده وأحفاده. وفى المرة الرابعة إبراهيم الخليل، وفى الخامسة أفراد قبيلة العماليق وفى السادسة عشائر جرهم، وفى السابعة قصى بن كلاب بن مرة وفى الثامنة قريش قبل البعثة النبوية وفى التاسعة عبد الله بن الزبير، وفى العاشرة جددها الحجاج بن يوسف الثقفى الظالم، كما قام السلطان مراد خان الرابع من سلاطين العثمانيين العدول بتجديد البناء الرصين الأركان لكعبة الله فى المرة الحادية عشرة، وما زالت على تلك الصورة التى جددها عليها إلى الآن.

стр. 153

شعر بنيت الكعبة أحد عشر مرة فاعلم ... الملائكة وآدم وأولاده والرابع إبراهيم والعمالقة وجرهم وقصى وقريش أقاموها ... وتاسعهم الزبير الذى أقامها وكرمها كذلك الحجاج شئ أتمه ... لقد فرق الحطيم وكأنما رممه وأرادها السلطان مراد التجديد ... وكان الحادى عشر بتاريخه المجيد سنة ١٠٤٠

стр. 154

الصورة الثانية فى تفصيل وبيان كيفية بناء الكعبة المعظمة للمرة الأولى خاطب خالق الأرضين والأفلاك تعالى شأنه عن الفهم والإدراك الملائكة العظام بقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠)،وذلك ليبدى لهم بأنه- -سيخلق أبا البشر آدم ليكون خليفة فى الأرض وأدركت الملائكة بشفافية وجدانهم الملائكة أو بإلهام رب العزة أو بالنظر فى اللوح المحفوظ،أن بنى البشر سيسفكون الدماء ويفسدون على وجه البسيطة، وأرادت أن تعرف الحكمة من إعطاء خلافة الأرض إلى بنى آدم الميالين إلى الظلم وسفك الدماء، ولم تعط إلى طائفة معصومة وتساءلت: لماذا تخلق من يفسد فى الأرض؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدسك بذكرك فأجابهم الله- حاسما الأمر بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٣٠)،ولم يكن الغرض من تساؤل الملائكة الاعتراض على أفعال الله حسب تقديرهم، ولكن فى هذا السؤال نوعا من الاحتجاج كما يفهم من قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ولذا ندم الملائكة ولاذوا بالعرش الأعظم يبكون ويتضرعون طلبا للعفو والصفح عما اقترفوه ليتجنبوا الغضب الإلهى، واستمروا لمدة ثلاث ساعات يطوفون بالعرش الإلهى ويستعطفون فى تذلل وخضوع وهم فى قلق وخشوع زائدين، وفى النهاية بلغ منهم الرجاء والتضرع العفو والمغفرة واستجلبت توسلاتهم شفقة ورحمة صاحب الكبرياء، وأمرهم أن يطوفوا بالبيت المعمور الواقع تحت العرش الأعظم، ثم أمرهم بأن يبنوا على وجه الأرض بقعة مقدسة فصدعوا بالأمر الإلهى، وقاموا ببناء ورفع بنيان الكعبة المعظمة التى أصبحت مطافا إلى الآن.

стр. 155

تفصيل: شاء خالق العالم أن يقام بيت مقدس على وجه الأرض، وأرسل كثيرا من الملائكة لإنجاز هذا الأمر، وخاطب الملائكة آنذاك بقوله: «شيدوا على وجه الأرض بيتا معظما وعند ما يطاف بالبيت المعمور فى السماء الدنيا، يطوف أيضا أهل الأرض بهذا المقام الرفيع الذى ستقيمونه على وجه الأرض، بناء على ذلك قام الملائكة الكرام الذين هبطوا إلى الأرض ببناء بقعة مفخمة مباركة فى الموقع المقدس للكعبة المعظمة. وعند ما صدر الأمر الإلهى للملائكة الذين سكنوا على وجه الأرض ببناء البيت الشريف تحت مستوى البيت المعمور ومحاذاته، وأن يقوموا بالزيارة والطواف حول هذا البيت لم يكن آدم-﵇-قد هبط على وجه الأرض. وإذا كانت هذه الروايات تشير إلى أن بناء البيت المعظم كان بعد خلق الأرضين فإن على بن أبى طالب-كرم الله وجهه-قال: إن البيت الشريف خلق قبل خلق الأرض والسماء بأربعين سنة، وكان فوق الماء مثل فقاعة بيضاء أو رغوة وبسطت الأرض من تحته وحفظ،وقال الإمام مجاهد مصدقا ما قاله الإمام على «إن خلق موقع بيت الله كان قبل خلق الأرض بألفى سنة، ثم بسطت الأرض تحت الكعبة» بناء على هذا فلا شك فى أن الموضع الطيب لبيت العزة خلق قبل الأرض وأن كعبة الله المقدسة قد شيدت بعد خلق السموات والأرض. وحسبما جاء فى الكتب الموثوق بها أن حضرة الخالق المطلق عند ما أراد خلق وجه الأرض وإيجادها بسط بيد الجلال وقبضة القدرة التى لا نظير لها تراب الموقع المبارك لكعبة الله بعد خلق وجه الأرض، وهكذا ظلت الكعبة المعظمة فى وسط الأرض تحيط بها القشرة الأرضية من جميع الجهات. وفى الواقع أن الساحة المفخمة للكعبة المعظمة كانت موجودة قبل خلق وجه

стр. 156

الأرض وقبل خلق طبقات الأرضين، وقام ملكان بأمر الله بالتسبيح والتقديس لله تعالى وتهليله لمدة ألفى عام فوق المساحة المباركة. ونقلت هذه الرواية من قبل الإمام الفاكهى عن طريق عبد الله بن أبى سلمة عن أبى هريرة-رضى الله عنه-لذا لا شك في صحتها. قد نقل حضرة أبو هريرة الكيفية بهذه الصورة: خلقت الكعبة المعظمة قبل الأرضين وكان تراب موقع الكعبة المعظمة من نفس تراب الأرض، وكان عليها ملكان عظيمان وكانا يسبحان الله- -لفترة ألفى سنة وعند ما تعلقت إرادة الله بخلق الأرض بسطها تحت الكعبة وجعل مكة فى وسط الأرض. وقال ابن خلدون مستشهدا بالحديث الصحيح لما سئل النبى- ﷺ -الواقف على أسرار الكتاب عن خلق مكة المكرمة والمدة بين خلقها وخلق بيت المقدس، أجاب بما يفيد بأن الله- -خلق البيت قبل السموات والأرض بأربعين سنة وهذا يدل على أن بين خلق البيت المعظم وخلق الأرض فترة أربعين عاما. ملاحظة: وبمقتضى هذه الإجابة السامية، لا بد وأن يكون بيت المقدس قد خلق بعد الكعبة المعظمة بأربعين سنة. والواقع أن حوالى ألف سنة تفصل بين سيدنا إبراهيم وسليمان بن داوود عليهما صلوات الله الودود. وإذا جال بالخاطر نوع من الالتباس بين ظاهر إحالة الرسول الجليل وبين هذا السؤال، فإن عقدة هذا الالتباس ليست صعبة الحل لأن ما يعنيه صاحب الرسالة ﷺ -أنه لم يكن البناء الظاهر للكعبة المعظمة، إنما المكان المخصص للعبادة على وجه الأرض، فقد تم تعيين بيت المقدس ليكون مكانا للعبادة قبل حوالى ١٠٠٠ سنة من سليمان وبعد البيت الأكرم بأربعين سنة. وفى تلك الأثناء وضعت القبائل الصابئة هيكل الزهرة على الصخرة وعبدوها.

стр. 157

وصادف هذا الأمر عصر الخليل الشريف، لذا يكون الفارق بين اتخاذ البيت المعظم قبلة واتخاذ البيت المقدس قبلة هو أربعين سنة. وكانت أرض الصخرة آنذاك خالية لا يبعد أن تبقى على هذه لصورة مدة من الزمن إلى أن قام سليمان ببناء المسجد الأقصى. ***

стр. 158

الصورة الثالثة توضح صورة بناء الكعبة المعظمة فى المرة الثانية قام أبو البشر سيدنا آدم-على نبينا وعليه الصلاة والسلام-بتجديد البيت المعظم فى المرة الثانية. إجمال- بناء على رواية الإمام أبو الوليد أحمد الأزرقى عن المرحوم ابن عباس، أن سيدنا آدم-﵇-أنزل به على وجه الأرض قبل الهجرة النبوية ب ٦٢١٦ عام. ولأنه لم يستطع سماع صوت تسبيح وتهليل ملائكة السماء بعد هبوطه بمدة اغتم لذلك فعرض ما فى ضميره على حضرة عالم السر والخفايا، وجأر بالشكوى قائلا: «يا إلهى، فضلا عن بقائى وحيدا فريدا على وجه الأرض، أصبحت لا أسمع صوت تسبيح وتهليل الملائكة الكرام». وبناء على هذه الشكوى، صدر الخطاب الشريف من الله «يا آدم إن الزلة الصادرة منك هى المانع من سماع صوت الملائكة المسبحين». لكن لى بيت على وجه الأرض، عليك أن تجد أساسه وتقيم عليه بيتا مباركا وبعد ذلك قدّسنى وطف حوله دائما فقام سيدنا آدم على الفور سائحا على وجه الأرض باحثا عن البيت إلى أن وصل إلى مكة المكرمة وعثر على أساس البيت الحرام فابتدر مع جبريل الأمين الذى نزل إلى الأرض لمعاونته-بتجهيز أساس كعبة الله وتعميقه. وفى قول آخر، إن جبريل-﵇-حفر حفرة بضربة من جناحه فشوهدت أحجار الأساس التى وضعها الملائكة الكرام فى الحفرة. وقام سيدنا آدم بتعلية الأساس للبيت الشريف إلى أن ظهر فوق وجه الأرض. واستخدم فى هذا الأحجار التى جلبتها الملائكة الكرام من جبال» لبنان

стр. 159

وطور سيناء وطور زيتا وجودى، وحراء» ثم وضع فوقه البيت المعمور الذى جئ به من الجنة. وقد ضبط» وهب بن منبه (١) «الجبال الخمسة المذكورة بحيث تكون جبال: لبنان، وطور سيناء، طور زيتا، أحد، وثبير» ووضع بعض الرواة فيما نقلوا جبل جودى مكان جبل «أحد» وجبل حراء مكان جبل ثبير. ويروى المؤرخون أن الحجر الأسود نزل أيضا مع البيت المعمور ليكون كرسى أبى البشر ﵇. تفصيل: كتب المؤرخون كلمات كثيرة فى كيفية تكليف سيدنا آدم ببناء البيت وتحديد الصورة التى سيكون عليها بناء بيت العزة وبمعاونة من سيكون تأسيس تلك البقعة السعيدة؟ وكيف حج سيدنا آدم ﵇؟ ولما كان هذا الموجز لا يكفى لاستيعاب كل الروايات المنقولة فقد رئى أنه من الصواب نقل وبيان الروايات باختصار، مازجا بين مختلف الروايات. عندما أمر موجد الكائنات-تنزهت ذاته عن الإدراك والإثبات-ببناء الكعبة المكرمة بواسطة أبى البشر-﵇-خاطبه قائلا: يا آدم ابن لى بيتا تحت العرش، وعليك بالطواف حول البيت الذى أمرتك ببنائه، مثل طواف ملائكة السماء بالعرش الأعظم، وإننى أستجيب لدعاء أولادك وأحفادك المطيعين والمنقادين الذين يتوجهون بالدعاء إلى بجوار هذا البيت الذى لا مثيل له». وعند ما تأوه سيدنا آدم مظهرا عجزه قائلا: «يا إلهى كيف يمكننى-بمفردى أن أبنى وأؤسس البيت الشريف الذى أمرت ببنائه وأنى لى أن أجد محاذاة العرش الأعلى؟! إن عجزى وعدم قدرتى واضح فى تنفيذ هذا الأمر». فأوحى الله- -له وأمره بالنهوض فورا والذهاب إلى وادى غير ذى زرع. فى مكة المكرمة برفقة ملاك وألهمه بالشكل الذى سيبنى عليه البيت الحرام. وبناء على ذلك تحرك آدم-﵇-من المكان الذى كان به، وكلما مر بمكان يرى فيه بدائع خلق الله وحسن تنسيقه والأشكال العجيبة كان يبدى رغبته

стр. 160

للملك الذى يصاحبه بالبقاء فى هذا المكان ويفصح عما فى نفسه قائلا: «أيها الملك اتركنى هنا» فيتلقى الجواب منه: «المكان الذى أمرنا بالنزول فيه ما زال بعيدا أمامنا».وفى النهاية، وصلا إلى مكة المكرمة وسارعا بنقل الأحجار من الجبال الخمسة على الوجه المذكور آنفا وقاما ببناء وتأسيس بيت الله قوى الأركان. وبعد الانتهاء ذهبا إلى عرفات، وأديا مناسك الحج وفقا لشروطه ورجعا. وفى أثناء عودة آدم-﵇-من عدفات. خرج الملائكة الأرض لاستقباله فى وادى «أبطح» (١) وقالوا: «يا آدم: كنا فى انتظار قدومك الموسوم باليمن. وقد كان لنا فخر الزيارة والحج والطواف بالبيت الشريف قبلك بألقى سنة. وبعد أن التقى حضرة أبو البشر بالملائكة الذين استقبلوه فى وادى أبطح، ذهب إلى مكة المكرمة، وأدى طواف الوداع بصحبة الملك الذى رافقه، ثم ذهب إلى بلاد الهند، وبعد ذلك اعتاد أن يأتى كل سنة للحج وزيارة كعبة الله. وقد كتب فى ترجمة الشفاء الشريف أن آدم-﵇-قد حج أربعين مرة سيرا على الأقدام، وكان طول قامته ستين شبرا، وعرض جسمه ستة أذرع أى تسعة أقدام وإحدى عشرة بوصة. ومع ذلك قال مؤلف «زين المجالس» لقد حج سيدنا آدم ثلاثمائة مرة واعتمر ألفى مرة إلى أن قبلت توبته. هل كان يحج سيدنا آدم راكبا أم ماشيا؟ وجه هذا السؤال إلى ابن عباس رضى الله عنهما فأجاب بقوله «كيف يمكن لحيوان أن يتحمل حضرة أبى البشر عند ركوبه؟! فقد كان يحج ماشيا وكان يقطع فى كل خطوة مسافة مسيرة ثلاثة أيام. وعند ما صدر الأمر إلى آدم-﵇-بتأسيس بناء الكعبة كان فى بلاد الهند التى تشرفت بموطئ قدميه مناطق عامرة والمكان الذى كان يطأه بقدميه أصبح بعد ذلك قرية، والأماكن التى أقام بها قليلا أقيمت بها مدن صغيرة

стр. 161

وكبيرة. والأماكن التى صلى بها أقيمت فيها الجوامع والمدارس والمساجد وكان فى كل خطوة يقطع فرسخا، إذ كانت الأرض تطوى تحت قدميه طيا، والأراضى التى لم يطأها بقدميه تحولت إلى الصحارى. قال كعب الأحبار عن البيت المعمور الذى أرسل من الجنة وهو يخبر سيدنا عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-بهذا الأمر: وعند ما هبط آدم-﵇-إلى وجه الأرض، أنزل الحق- -قطعة ياقوت حمراء، ذات بابين من الزمرد الأخضر، تفتح إلى الشرق والغرب وكانت الياقوتة على شكل خيمة. وبعث معها رسالة تقول: «يا آدم هذه الياقوتة هى بيتى، وكلما طيف بالعرش الأعلى وصلى حوله فليطاف ويصلى كذلك حول بيتى». وبعد إكمال آدم-﵇-قواعد بيت الله بمعاونة الملائكة وضع عليها الياقوتة المجوفة الحمراء المذكورة وأخذ يعبد الله حولها فى ذلّة وخضوع. وكان فى أركان الياقوتة الحمراء، أربعة أعمدة مستوية موزونة وكان داخلها مجوفا كقبة جامع. وقد استخدم فى إنزال هذه الياقوتة المجوفة على وجه الأرض سبعين ألفا من الملائكة العظام. أقوال الجمهور فى تعريف البيت المعمور: أقدم المفسرون الكرام على وصف البيت المعمور بنقل روايات مختلفة متباينة. وقد رئى أنه من المناسب تثبيت بعض هذه الروايات فى هذا الموضع على أمل نفع أهل الإطلاع. وهكذا بنى حضرة خالق الكاف والنون-تعالى شأنه عما يقولون-مقاما عاليا فوق أربعة أعمدة مستوية موزونة تحت العرش من أجل الملائكة الذين يطوفون بالعرش الأعظم، أعمدته من الزبرجد وغطاؤه من الياقوت الأحمر وسماه باسم «البيت المعمور» وبعده-كما ذكر من قبل-أوجد بواسطة الملائكة الكرام على وجه الأرض، وبمحاذاة البيت المعمور بيتا مكرما، وأمر أهل الأرض وسكانها

стр. 162

بزيارته والطواف حوله. وأصل اسم البيت المعمور «صراح» واسم خادمه الخاص «رزين» وأطلق عليه البيت المعمور لكونه مقر الملائكة، وبناء على ما كتب فى تفسير «السمرقندى» أن الملائكة الكرام بنوا البيت المعمور على وجه الأرض قبل خلق آدم ﵇، أو أن سيدنا آدم قد بناه بنفسه. وفى قول آخر أن البيت المعمور أرسل من الجنة لرفع وحشة فراق سيدنا آدم ليأتنس به وكان قطعة واحدة من الياقوت الأحمر، وقد أنزل فوق ساحة الكعبة المشرفة، ورفع إلى السماء فى طوفان نوح وكان ارتفاعه مثل ما بين الأرض والسماء (١). وحسب ما يفيده حديث المعراج الذى ورد فى صحيحى مسلم والبخارى، أنه الآن فى السماء السابعة، وتبعا لتفسير البيضاوى والكشاف، فى السماء الرابعة. وبالنظر إلى تحقيق تفسير «الكواشى» أنه فى السماء الثالثة أو فى السماء السادسة أو فى السماء السابعة. ويقول مؤلف تفسير (الواحدى) مؤيدا قوله بحديث خاص:- «إن البيت المعمور فى السماء الدنيا، وأن سيدنا جبريل يغوص كل يوم فى نهر الحياة الكائن فى السماء الرابعة ثم يخرج وينتفض فتنقطر من أجنحته حين يهزها سبعون ألف قطرة ماء، ويخلق من كل قطرة منها ملك ويقوم هؤلاء الملائكة المأمورين بزيارة البيت المعمور وأداء الصلاة ثم يعودون. والملائكة المشار إليهم لا يعدون ولا يحصون لدرجة أن من أدى الصلاة مرة واحدة هناك لا يأتى عليه الدور مرة أخرى إلى الأبد. وبناء على قول آخر أن اسم البيت الذى كان فى السماء الدنيا هو «صراح» وهو فوق الكعبة المشرفة وبمحاذاتها بحيث لو فرض سقوطه يسقط فوق السطح الشريف لبيت الله. وقد سطر فى تفسير «اللباب»:كان البيت المعمور بقعة مثيرة لامعة مصنوعة

стр. 163

من الياقوت الأحمر، ولها بابان من الزمرد يفتحان: أحدهما إلى الشرق والآخر إلى الغرب. وكان الحجر الأسود-أيضا-من ياقوتة بيضاء، وسبب تحوله إلى السواد هو لمس النساء الحائضات فأطلق عليه الحجر الأسود. وقد أنزل حضرة الحق البيت المعمور والحجر الأسود إلى وجه الأرض قبل هبوط أبى البشر بألفى سنة، وبعد هبوطه كان آدم يجئ من الهند ويحج ويطوف بالبيت المعمور ثم يعود، وقد تكرر منه ذلك أربعين مرة. وعند البعض أن البيت المعمور بنى فى السماء، وفى النهاية صدر الأمر ببناء البيت الحرام على سطح الأرض بمحاذاة موضعه فى السماء وبنفس الحجم. وحسب قول صاحب «المواهب» إن الملائكة المسبحين بجوار البيت المعمور لا يحصى عددهم وبعدد تسبيحات كل واحد منهم يخلق ملك. ويقول مؤلف «تفسير بحر العلوم» أنزل الحق- -على وجه الأرض، خيمة من خيام الجنة المتلألئة بالأشعة وأمر بوضعها فوق ساحة البيت المعظم فى مكة المكرمة، ولم يكن البيت الحرام قد بنى-بعد-آنذاك، وكانت الخيمة المذكورة قناديل واحدة حمراء مجوفة من يواقيت الجنان، وكان بالقرب منها ثلاثة قناديل من الذهب يعادل نورها مجموعة الثريا من النجوم، وبابا هذه الخيمة كانا مرصعين بلآلئ الجنة وكان أحدهما يفتح إلى الشرق والآخر إلى الغرب، وكان نور الجنان يلمع ويتلألأ فى داخلها. وقد أرسل مع الخيمة المذكورة الحجر الأسود لكى يكون كرسيا لسيدنا آدم يجلس عليه وهو من ياقوتة وضاءة ناصعة البياض شديدة اللمعان. وجاء فى الحديث الصحيح «أن البيت المعمور ياقوتة حمراء من قطعة واحدة لها بابان فى الجهتين مصنوعان من الزمرد، وداخلها مزين بالياقوت والجواهر بما يعادل عشرة آلاف قنديل مثل الثريا. وأمام بابها منبر ومئذنة من الفضة الخام الخالصة، وفى كل يوم يغوص سبعون ألفا من الملائكة فى بحر النور ويرتدون

стр. 164

ملابس الإحرام المنسوجة من خيوط النور فيزورون البيت ويطوفون به. مرددين «لبيك، لبيك» ثم يذهبون والملك الذى يطوف مرة لا يرجع مرة أخرى. ويحكى مؤلف «معارج النبوة»،ناقلا من بعض الكتب المعتمدة فيقول: اعتاد الملائكة العظام على الاجتماع داخل البيت المعمور فى أيام الجمعة. وفى أيام الاجتماع يصعد سيدنا جبريل فوق المئذنة، ويؤذن، ويخطب سيدنا إسرافيل، ويؤمهم سيدنا ميكائيل-﵈. ويتفاخر كل واحد منهم ملقيا خطبة مؤثرة تتضمن ما يهبونه إلى الأمة الإسلامية وبعد أداء الصلاة يقف جبريل الأمين ويهب ثواب آذانه إلى مؤذنى الأمة المحمدية، ويهب سيدنا إسرافيل ثواب خطبته إلى خطباء الأمة الإسلامية، ويقف سيدنا ميكائيل ويهب الأجر الجزيل الناتج عن إمامته إلى أئمة الأمة الإسلامية، يعلنون ذلك مفتخرين مباهين فى خطب بليغة مؤثرة، كما أن الملائكة الكرام يهبون ثواب صلواتهم التى أدوها إلى الأمة المحمدية ويشهدون على ذلك المقربين الكرام من الملائكة. وعندئذ يصدر الخطاب الإلهى إلى الملائكة-يا أصناف الملائكة!! هل أنتم تنفقون جواهر السماء التى أنعمت بها عليكم بالمباهاة والفخر بكرمكم وجودكم؟ ألا فاشهدوا أننى حفظت الأمة المحمدية من عذاب الآخرة، وهذا مقرونا برحمتى وعفوى الإلهى. وهكذا يعود الملائكة إلى أماكنهم محاطين بالألطاف الإلهية، وتنتهى إلى هنا أقوال المفسرين. وعلى حد قول الإمام الأزرقى أنه عند ما وطأت قدم آدم سطح الأرض صدر إليه الأمر الجليل من رب العزة قائلا: يا آدم إن لى بيتا فى الأرض فى حذاء بيتى الذى فى السماء. وإذا كانت الملائكة الكرام يطوفون حول عرشى فطف أنت وأولادك وأحفادك كذلك حول بيتى فى الأرض، وصل وتعبد حوله. يا آدم إنى أقمت أول بيت وضع للناس فى بطن مكة، يأتى الناس من كل فج

стр. 165

عميق لزيارته، وكل من جاءه معتمرا لا يبتغى إلا وجهى فقد زارنى وأكرمنى. يا آدم اعتمر ما دمت حيا، وسوف يعتمر أنبياء وأمم القرون القادمة من بعدك، وقد اخترت موضع ذلك البيت قبل خلق السموات والأرض، ونفخت فيه من جلالى وكرامتى. ولأن الله أرسل طائفة من الملائكة لمعاونة أبى البشر فى بناء البيت الشريف، ملأ آدم حفرة الأساس التى ذكرناها آنفا، ثم أقام على هذا الأساس الياقوتى هذا الجدار المتين الذى ارتفع عن الأرض قليلا. ويروى أئمة الحديث أن فى كل سماء بيتا يعلو البيت المعظم حتى السماء السابعة، وبيتا فى كل أرض تحته حتى الأرض السابعة. طبق هذا الحساب فإن «كعبة الله العليا» هى دار العبادة الخامسة عشرة. وإذا افترضنا أن سقط أحد هذه البيوت حل محله غيره على سطحها. لكل كعبة منها مخلوقات تطوف حولها من أهل السماء والأرض، ولا يمكن أن تخلو ممن يطوفون حولها. البيت المعمور الذى اشتهر ب «رضاض» أو «صراخ» حسب القول المشهور يعلو الكعبة المعظمة ويأتيه كل يوم سبعون ألف ملك لزيارته والطواف حوله بنية عدم العودة حتى تقوم الساعة، ثم يعودون بعد الطواف. وعلى الرغم من أن الروايات التى جاءت بشأن تأسيس الكعبة المعظمة للمرة الثانية مخالفة الإفادة إلى الآن، فإنه سواء ما قاله الأزرقى أو كعب الأحبار صفوة الرواة فهم يؤيدون قول عبد الله بن عباس سالف الذكر. وبعد أن أسس آدم-﵇-البقعة المقدسة للكعبة الشريفة على نحو ما سلف ذكره، التمس رحمة الله داعيا: يا رب إن كل من حج بيتك المعظم الذى بنيته امتثالا لأمرك وطاف حوله هل هو مثاب مأجور؟

стр. 166

فقال الله تعالى: يا آدم لقد تجاوزت عن ذنبك كما تجاوزت كذلك عن ذنوب أولادك الذين سوف يحجون بيتى. عاد آدم إلى بلاد الهند بعد أن تلقى جواب الرحمة هذا من الله. وجاء فى رواية أخرى أنه بعد أن أتم آدم-﵇-بناء الكعبة طلب مثوبة معطى العطايا مانح النعم، ولما كان آدم قد تلقى من رب العزة قوله: «سل منى أجرك حتى أعطيك». فإذا بآدم-﵇-يدعو الله أن يدخله الجنة ثانية فرد عليه الله قائلا: «يا آدم سوف أدخلك الجنة وكل من زار الكعبة من ذريتك وسأدخل الجنة كل من يزورون بيتى هذا» فظهرت علامات السرور عليه. فائدة: بعد الطواف صلى آدم-﵇-ركعتى الطواف ثم دعا فى مواجهة الملتزم (١) الشريف وقال: اللهم إنك تعلم سرى وعلانيتى فاقبل معذرتى وتعلم ما فى نفسى، وما عندى، فاغفر لى ذنبى، وتعلم حاجتى فأعطنى سؤلى. اللهم إنى أسألك إيمانا يباشر قلبى ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبنى إلا ما كتبت لى والرضا بما قضيت على. فتلقى خطاب ربه ذى العزة «يا آدم لقد قبلت دعاءك وكل من يعرض على من أولادك وأحفادك حاجة له، وهو يقرأ هذا الدعاء فإننى أستجيب لدعائه وأقضى حاجاته، كما أزيل همه وغمه وألبى له حاجات الدنيا والآخرة، وإذا لم يقبل هذا الدعاء فى الدنيا سيجده فى الدنيا والآخرة. ولأن هذا الطواف هو أول طواف لجنس بنى البشر فقد اتخذ آدم-﵇-الملائكة قدوة فى طواف بيت الله.

стр. 167

وعند ما أنهى أبو البشر-على نبينا وعليه صلاة الله-البناء الأول للبيت الشريف وبدأ الطواف. هنأه (١) الملائكة الذين استقبلوه فى وادى أبطح قائلين: حجك مبرور يا آدم وسعيك مشكور لقد طفنا بالبيت الحرام قبلك بألفى سنة. فإذا بآدم-﵇-يدعو الله أن يدخله الجنة ثانية فرد عليه الله قائلا: فلما سألهم سيدنا آدم قائلا: «وماذا كنتم ترددون فى أثناء الطواف؟» أجابوا: «كنا نردد فى أثناء الطواف التسبيح الجليل: «سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»،وبناء على هذا ردد آدم-﵇-التسبيح المذكور وبدأ الطواف لمدة أسبوع وكان يطوف ليلا سبع مرات، وفى النهار خمس مرات، وبهذا الحساب يكون قد طاف ببيت الله تسعا وأربعين مرة ليلا وخمس وثلاثين مرة بالنهار لأن كل سبعة أشواط حول الكعبة المعظمة تعد طوافا واحدا. ويروى أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت فى أثناء الحج لمدة أسبوع، سبع مرات ليلا وخمس مرات نهارا وذلك عملا بسنة أبى البشر. بشرى: ] إذا طاف أى إنسان سبع مرات بكعبة الله، مرددا التسبيح سابق الذكر غير متفوه بكلام متعلق بالدنيا إلى أن يكمل الطواف يعطى عشر حسنات ويرفع عشر درجات وتحط عشر من سيئاته. أما إذا تكلم فإنه فى تلك الحالة أيضا يدخل حوض الرحمة كأنه يغوص بالماء، وهذه البشرى هى مضمون الحديث الشريف الذى نقله ورواه الصحابى الجليل أبو هريرة: كما أنه منقول بالآثار الصحيحة، ويروى بسند موثوق به «إن ثواب الذين يصلون بعد الطواف ركعتى الطواف مثل ثواب تحرير رقبة»،. إخطار: لما كان طواف بيت الله عبادة خاصة مثل إقامة الصلاة، لذا يجب الامتناع عن الكلام فى أثناء الطواف وإذا اقتضى الأمر التكلم فيجب أن يقول خيرا» انتهى.

стр. 168

وفيما يتعلق باستقبال الملائكة الكرام لمن يدخلون المدينة المباركة مكة المكرمة قاصدين أداء حج البيت الحرام، فإن الملائكة الكرام يقومون فقط بإلقاء السلام عليهم وتكريم الذين يدخلونها وهم يركبون الإبل ويحيون من يدخلونها وهم يركبون الحمير بمصافحتهم، أما الذين يدخلونها سائرين على أقدامهم يظهرون لهم الترحيب الحار ويعلون قدرهم بمعانقتهم. وبناء على هذا الأساس فإن السلف الصالح كانوا عند استقبال الحجاج ذوى الابتهاج يسارعون بتقبيل عيونهم حتى ينالوا دعواتهم الصالحة قبل أن يتدنوا بارتكاب المعاصى والآثام. ***

стр. 169

الصورة الرابعة توضح كيفية تجديد الكعبة المحرمة فى المرة الثالثة بنى سيدنا «شيث» بن سيدنا آدم-﵉-بيت الله العالى المقام فى المرة الثالثة، وقام أولاد وأحفاد المشار إليه بتعميره إلى طوفان نوح. لأنه عند ما وضع آدم-﵇-قدميه على وجه الأرض، كانت ياقوتة منيرة على شكل الخيمة موضوعة فوق الموضع المبارك المقدس للبيت الأكرم على نحو ما أوضحت سالفا. وعند ما رفعت هذه الخيمة إلى السماء عقب وفاة أبى البشر-﵇-بنى سيدنا شيث بن آدم-﵉-بيتا من الحجر ليحل مكان الخيمة المذكورة. وإذا كانت واقعة الطوفان الهائلة التى أغرقت أقطار العالم قد دمرت أيضا البيت الحجرى الذى بناه سيدنا شيث وأزالت آثاره فإنه بعد انحسار الماء ظهر الأساس القديم للبيت الشريف المذكور. وكان أولاد وأحفاد المشار إليه يقومون بتعميره وترميمه من حين لآخر. حكمة: لدى وصول نوح-﵇-إلى أرض مكة، كان الموضع المبارك الذى كان فيه الأساس المنهار لبيت العزة معلوما وأكثر من هذا أن سفينة نوح-﵇-عند ما وصلت إلى حدود حرم الله، أخذت تطوف بالموضع السعيد لكعبة الله. وقد طاف سبع مرات كاملة، وفى أثناء هذا شرح سيدنا نوح طريقة الطواف للموجودين داخل السفينة وأمر ألا يقترب أى إنسان من زوجته تعظيما لبيت الله. وعند ما خالف حام بن نوح أمر والده، دعا نوح على ابنه حام بالسوء فتغيرت نطفة حام على أثر هذا الدعاء وبدأ فى إنجاب أبناء ذوى بشرة سوداء.

стр. 170

ونسى العباد طوفان نوح مع مرور الوقت، واتخذوا الأصنام آلهة وأهملوا العناية ببيت الله فقد غطت الرمال الأساس القديم لبيت الله الذى ظهر بعد الطوفان واختفى تماما عن الأنظار. والموقع اللطيف لبيت الله أصبح ربوة من الرمال الحمراء ومع هذا ظل الناس يعتقدون أن هذه الربوة الحمراء مكان مقدس، لذا كانوا يسعدون بالطواف حوله وزيارته وبهذا التقدير يحتمل أن الخيمة المذكورة الموضوعة فوق الأساس الذى بناه أبو البشر كانت البيت المعمور، أو أن فوق البيت المعمور خيمة مثل الخيمة المذكورة ويفهم من هذا أن الخيمة قد رفعت عقب وفاة آدم-﵇-وأن البيت المعمور ظل على الأرض حتى قبيل الطوفان، ورفع فى أثناء الطوفان حتى لا يتلوث بمياه الأرض القذرة. ***

стр. 171

الصورة الخامسة فى بيان ترجمة حال سيدنا إبراهيم عليه التحية والتكريم الذى وفق فى تجديد الكعبة المعظمة فى المرة الرابعة، وسبب ذهابه إلى مكة المكرمة، والقصة الهامة لذبح إسماعيل، والمهمة التى كلف بها لتأسيس البيت الحرام، وإقامة أولاد إسماعيل فى تلك البلدة المقدسة، وبيان أحوال تلك الأيام وكيفية معيشة الناس قال سيدنا على بن أبى طالب-رضى الله عنه-دون أن يخوض فى أوليات بناء البيت قبل إبراهيم-﵇ «أول من بنى البيت الشريف سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه التعظيم». وقد كذب ابن كثير وخرج الروايات التى تقول «إن الكعبة المفخمة قد جددت ثلاث مرات قبل بناء إبراهيم، كما جاء فى تفسيره الشريف (١) وبهذا صدق قول على بن أبى طالب، إلا أن الروايات المشهورة تؤكد أن سيدنا الخليل-﵇-قد بنى البيت المعظم للمرة الرابعة. وسواء صح القول الأول أو القول الأشهر فلا شك فى أن النبى المشار إليه قد جدد مقر العزة الإلهية. وهناك أسئلة كثيرة ترد فى الخاطر ومنها: كيف ترك إبراهيم-﵇ مسقط رأسه بابل؟ وكيف اتجه نحو واد غير ذى زرع؟ وأين قضى أوقاته قبل تشريفه إلى مكة المكرمة؟ وأين أقام بعد تأسيس البيت الشريف واستراح؟ وبما أن هذه الأسئلة فى حاجة إلى الحل والإجابة، وذلك يحتاج إلى تلخيص الأخبار الطويلة المبسوطة فى الكتب لذا رأينا أننا مضطرون لكتابة تاريخ حياة إبراهيم- ﵇-وترجمة حاله ملخصين تلك الأخبار الطويلة.

стр. 172

ترجمة حال سيدنا الخليل عليه سلام الله الجليل: سيدنا إبراهيم-على نبينا وعليه التفخيم-من الأنبياء أولى العزم من الرسل، يصل نسبه العالى إلى البطن الخامس من هود-﵇. ولد إبراهيم ﵇ فى قرية كوثى على وزن طوبا-مهد زينة الوجود- وكانت تابعة لمدينة «بابل» أو «برسد» الملحقة بالكوفة، وولد بعد هبوط الذات النبوية المتصفة بالهداية أبى البشر آدم ﵇-على وجه الأرض ب ٣٣٢٣ سنة وعلى قول ب ٣٣٦٣ سنة، وبعد واقعة طوفان نوح المفجعة ب ١٧١١ سنة، وقبل الهجرة النبوية ب ٢٨٩٣ سنة. وهناك من يقول إنه ولد قبل الهجرة النبوية ب ٢٥٩٦ سنة. ويخمن جماعة من المؤرخين الأجانب أن مولده كان قبل ميلاد عيسى ب ٢٣٦٦،أو ب ٢١٢٢ عند جماعة أخرى. ويروى أنه ولد فى مدينة حران وبعد ذلك هاجر إلى «بابل» وفى رواية أخرى أنه ولد فى مدينة «أورفة» فى تركيا ثم هاجر إلى حران ومنها إلى بابل. وقال بعض المؤرخين أيضا إنه ولد فى قرية برزة «من قرى دمشق بالشام، وأصبحت المغارة التى ولد فيها مزارا للعارفين، بل هناك من يقول إن الدعاء فى هذه المغارة يستجاب من الله . (بدايع الزهور) (١). كان وجهه الشريف أحمر مائلا للبياض، قامته متوسطة موزونة معتدلة أشهل العينين ضخم السرة، عظيم الصدر مستوى المنكبين. ولد فى زمن هاصر بن كوفى بن حام بن نوح-﵇-أو فى عهد نمرود بن كنعان الذى كان من جبابرة الملوك وتصادف ليلة ميلاده ليلة الجمعة فى يوم عاشوراء. وفى ذلك التاريخ خرج النمرود التعس عن الطريق المستقيم وجادة الصواب

стр. 173

بمساعدة الظروف، وأقام مجموعة من الأصنام على أشكال مختلفة وادعى الألوهية ودعا الناس إلى عبادته، وهكذا أضل الناس عن عبادة الملك المتعال ﷻ . وكان يقول: «إن الذين يعبدون صورتى، سواء خفية أو علانية ويتقربون إلي ينالون درجة الكمال وأعلى المناصب».وذات ليلة رأى فى منامه أن كوكبا لامعا براقا يضئ حتى أن نوره حجب ضياء القمر المنير فاختفى، فقلق قلقا شديدا وأحضر كبار الكهنة والمنجمين وأمرهم بتفسير ما تدل عليه الرؤيا وبناء عليه قال المنجمون: سيولد مولود ذو طالع ميمون مرتفع محمود العاقبة، وسيكون سببا فى تحطيم بنيان سلطنتك حتى تصير خرابا وأن هذا الطفل ما زال فى صلب أبيه. وتبعا لقول آخر أن (جليد بن عاص) وهو من أشهر الحكماء ومجموعة البؤساء الأشقياء التابعين له والذين اختصوا بتفسير رؤيا النمرود قالوا: «بالنظر فى أحكام كتبنا المتداولة، فإنه سيولد هذه السنة غلام محظوظ سعيد فى عاصمة بلدكم، وبعد أن يكبر هذا الغلام سيأتى بدين جديد وسيدعى أنه رسول لهذا الدين، وسيدعونا لاتباعه وإذا عجزنا عن إيجاد حل لهذا الأمر من الآن، فإن دولة النماردة ستزول وتمحى بلا ريب. وتحير النمرود التعس من هذه المعلومات الفلكية التى تلقاها من كهنته، وبدافع من حماقته وبلاهته هب ليغير حكم القضاء وأصدر أوامره بالتفريق بين الرجال والنساء لكى يحول دون اجتماع الأزواج فى الفترة التى جددها الكهنة، وعين لكل عشرة رجال رقيبا عليهم، وعلاوة على هذا التضييق على الناس أمر بقتل كل الأطفال الذين سيولدون في تلك السنة». وفى الواقع أنه لم يستطع تغيير القدر الإلهى، إذ التقى آزر (١) فى تلك الليلة بزوجته (٢) (أدنى بنت نمرة) وانتقل سيدنا إبراهيم إلى رحم أمه.

стр. 174

رباعية: إذا المولى أمرا من الأمور شاء ... فلا قدرة لأحد علي رده ولا القضاء ويثبت ذلك لمن أنكر ... حكاية البيت والولد وهمة العنقاء عرف المنجمون تلك الساعة التى انتقل فيها إبراهيم-﵇-إلى رحم أمه ليلا، وأبلغوا توا النمرود بالخبر، فقام الشقى متهورا وقد تحول إلى قطعة نار تحرق-فأمر بقتل آلاف من الأبرياء إذ أدرك أن المولود ذا العاقبة المحمودة سوف يولد ولم يقنع بهذا، بل عين موظفا لفحص السيدات الحوامل، وذلك بغية قتل كل طفل ذكر سيولد مستقبلا إلا أن حداثة حمل (ادنى ابنه نمرة) ساعدها على إخفاء علامات الحمل وبذلك نجت من تلك المعاينة الجبرية من أتباع نمرود، ورغم أن والدة سيدنا إبراهيم استطاعت إخفاء حملها (١) بسبب شبابها ونجت من الذين فحصوها، فإنها عند ما أتمت مدة حملها وبدأت مظاهر الحمل في الظهور عليها وكانت تعرف مصير فلذات الأكباد الذكور من القتل، حدثت نفسها قائلة: «إننى إذا وضعت غلاما فسوف يقتلونه، لذا يجب على أن أضعه فى مكان خال بعيدا عن العيون «وبناء عليه ذهبت إلى حافة واد بين جبلين خارج المدينة وبعد أن وضعت حملها، لفت ذلك المولود السعيد في قطعة قماش وتركته فى كهف داخل هذا الوادى، حتى لا يقتل، ثم رجعت وأقنعت زوجها آزر بأن قالت له «فى أثناء وجودى فى وادى بيابان وضعت غلاما، لكنه توفى فقمت بدفنه هناك ورجعت. أما آزر فقد أظهر السرور وقد اقتنع بما قالته الزوجة وشكر الأصنام التى كان يعبدها، وتمتم ببعض الكلمات مسريا عن نفسه.

стр. 175

فى الليلة تركت (أدنى ابنة نمرة) إبراهيم ﵇-فى الغار، ذهبت إليه وهى تردد سرا يا ترى كيف حال فلذة كبدى ألا أذهب إليه ثانية لأرى ما إذا كان حيا فأرضعه، وقد وجدته على قيد الحياة، فأرضعته ورجعت. وكان جبريل الأمين قد قطع حبل سرة سيدنا إبراهيم، وألبس على ظهره حلة بيضاء وأذن فى أذنه وأجرى الأصول الإسلامية المعتادة. ولدى مجئ أم سيدنا إبراهيم كان-﵇-يضع أصابعه فى فمه ويرضع منها وكان يقطر من أحد أصابعه عسل ومن الآخر ماء ومن الثالث سمن، ومن الرابع لبن، ومن الخامس لبن التمر. وتعجبت الأم من هذا الحال وسعدت به. وكانت تذهب دائما إلى الغار المذكور لإرضاع ابنها، لكنها اجتهدت فى كتم ما يحدث وإخفائه حتى عن زوجها آزر. أما سبب هذا التكتم والإخفاء، فقد كان لسلوك آزر غير المناسب، فعند ما علم بحمل زوجته-بدافع من إخلاصه للنمرود-فقرر تسليم المولود إذا كان غلاما للنمرود، وأخذ من زوجته عهدا وميثاقا في هذا الشأن. أما زوجته وبدافع من طبيعتها كامرأة، فقد اتبعت آزر وعقدت معه هذا العهد، ولكنها ندمت بعد ذلك وأخذت تفكر تفكيرا عميقا وتحدث نفسها قائلة: يا ترى كيف يمكننى أن أجد حلا لهذا الأمر؟ وكيف يمكننى أن أخلص فلذة كبدى -إذا جاء غلاما-من يد آزر. ولعلمها بمدى محبة آزر لها وميله نحوها، ولتأمن أيضا من قتل وليدها إذا جاء غلاما من قبل أبيه، أخذت تحدث نفسها عند ما اقترب أوان وضع حملها قائلة وإننى إذا وضعت غلاما فإنه سيقتل ساعة ولادته وهذا سيؤدى لفرط عطفى عليه وشدة حبى له لقتل نفسى ولا شك فى ذلك. وبدلا من التعرض لمخاطرة كهذه أقول فبحق الحب السائد بيننا أن تتجه إلى آلهتك وترجوهم ساجدا ألا أضع غلاما بل أنثى «وهكذا أرسلت آزر (١) إلى دار الأصنام معبد آلهتهم، بينما ذهبت

стр. 176

هى إلى حافة الوادى حيث وضعت حملها-كما سبق الذكر-وكانت قد أقنعت زوجها بما حدثت به نفسها. وبناء على ذلك كلما ذهب آزر إلى ديوان النمرود كانت (أدنى)،تذهب إلى الغار الذى به فلذة كبدها وترضعه لفترة ثم تعود. وقد امتد هذا الحال لمدة سنتين وحسب قول مؤلف «بدايع الزهور» استمر سنة واحدة. تفصيل فى هذا الموجز الذى كتبناه إلى هنا فإن أكثر الرواة يتفقون عليه فى لسان واحد، لكن صاحب الكتاب القيم المسمى «الأنس الجليل» الذى قام بالبحث والتدقيق أضاف إلى الموضوع رواية موثوقة إذ يقول: إن رئيس كهنة الشقى (حليد بن عاص) ذهب من رفقائه الضالين إلي ديوان النمرود فى تلك الليلة العجيبة التى انتقل فيها سيدنا إبراهيم إلى رحم أمه وقالوا له: «إن كل جهودنا إلى الآن لم تثمر، حيث إن ذلك الكيان الذى يجب أن نتخلص منه سينتقل هذه الليلة إلى رحم أمه، فإذا اتخذت جميع الاحتياطات الشديدة هذه الليلة وبذلنا كل جهدنا محاولين تغيير خط سير القدر ربما حققنا آمالنا». بناء على تحريض «حليد بن العاص» وأتباعه من الكهنة الضالين وحثهم المستمر للنمرود» أمرا قاطعا بأن يخرج من عاصمة ملكه كل الذكور ويبعدوا عنها، وأن يعين على كل بوابة من مداخل المدينة مراقبون من أهل الثقة، وأمرهم بألا يسمحوا بدخول أى رجل إلى داخل المدينة فى ذلك اليوم ليلا ونهارا، حتى لا يجتمع زوج بزوجته. وفى أثناء تلك الفترة المذكورة أبعد كل الذكور عن مساكنهم وبيوتهم، وكلف المنجمون بتحرى دقائق أحكام النجوم. واختبأت (أدنى بنت نمرة) لفترة بجوار باب المدينة الواقع بمحاذاة البيت الذى تسكن فيه وركزت تفكيرها لفهم نتائج ما يجرى ورآها زوجها آزر بطريقة ما وضاجعها فانتقل سيدنا إبراهيم إلى رحم أمه. وعرف (حليد) الشقى من رؤية إشارات النجوم وعلامات الكواكب أن سيدنا

стр. 177

إبراهيم قد انتقل إلى رحم أمه فذهب إلى قصر «النمرود» عقب افتراق (أدنى) عن آزر صائحا صارخا يخبر جماعة النماردة الضالين وقال: «مولانا يائسا» لقد قضى الأمر-الآن وذهبت جميع الجهود والمساعى هباء، فذلك الكيان محمود العاقبة قد انتقل فى هذه الساعة-إلى رحم أمه، وأشار إلى نجم لامع ليريه للنمرود (١).وكانت أضواء شعاع هذا النجم قد غطت الشرق والغرب ما بين السماء والأرض، ولم يكن قد رأى أو سمع-حتى ذلك اليوم المنير-عن بزوغ كوكب سعيد كهذا. وأفاق نمرود بعد فترة من دهشته وسارع بإجراء التحقيقات والبحث اللازم وسعى للقبض على الرجل الذى ضاجع امرأته فى اللحظة التى أنبأ عنها حليد بن عاص الشقى. ولما لم يستطع أن يتبين ما جرى رأى أن يترك هذا الأمر لحين ولادة الغلام، مع اتخاذ جميع الاحتياطات. وقال: «إذا كنا لم ننجح فى منع انتقال هذا الكيان السعيد إلى رحم أمه فعلى الأقل علينا أن نبذل كل الجهود لنهتدى إليه فى وقت ولادته». وعند ما آن أوان ولادة سيدنا إبراهيم-﵇-علم المنجمون الأمر، وأبلغو النمرود اللعين قائلين: «سيولد ذلك الكيان السليم الجسم فى أسبوع كذا وفى يوم كذا وساعة كذا». ورغم الاستمرار فى اتخاذ لوازم الحيطة؛ إلا أن أدنى عند ما أحست بآلام الوضع وأوجاعه ومقدمات الولادة أرسلت زوجها آزر إلى بيت الأصنام لكى

стр. 178

يتضرع للآلهة على الوجه الذى أوضحناه آنفا، وخرجت من بيتها عازمة على وضع حملها فى حافة واد جاف يقع خارج المدينة. وفى طريقها قابلت ملكا منير الوجه، جميل المنظر، قادها إلى الغار وقال لها: «كونى يقظة ولا تقلقى من أن ينال الطفل الذى ستضعينه أى أذى أو ضرر، فهذا الطفل خليل صاحب الكبرياء، والجد الجليل لخير الأنبياء، لذا فهو مصون فى كل الأحوال من ضرر ومن كيد الأعداء، ثم انسحب من الغار بعد أن أعد لها كل لوازم الوضع». واستقر حضرة خليل الله على مهده المزين الذى نزل به جبريل-﵇ -وقرأ الأذان فى أذنه بعد أن قطع حبل سرته وألبسه الحلة. وبعد أن ألبسه الرداء الذى أتى به من الجنة، دخل الملك سالف الذكر إلى الغار وظل لفترة بجوار (أدنى ابنة نمرة).وفى الساعة التى ولد فيها إبراهيم-﵇-تزلزل القصر الذى أقامه النمرود العنيد، وسمع هاتف بصورة تثير الفزع والدهشة قال: «لقد اقترب أوان هلاك ذلك الخبيث الذى أنكر إبراهيم» وجن جنون جماعة الشرك النماردة. وتبعا للبحوث التى قام بها مؤلف «بدايع الزهور» فقد نتج عن اهتزاز قصر «النمرود» سقوط بعض شرفاته فجأة كما انقلبت الأصنام الموجودة به رأسا على عقب. وقد سمع صوت ذلك الهاتف عدة مرات فى ذلك اليوم المذكور وبعد هذا اليوم كان نمرود يسمع مقولة الهاتف فى كل مكان يذهب إليه. وذات ليلة رأى فى رؤياه أن ضوء قمر يسطع من ضلع «آزر» ويغمر الأرض والسماء، نور بهى وأقلق سكان الأرض، وترددت فى أنحاء العالم وسمعت (جاء الحق وزهق الباطل) فأسقطت معابد الأصنام على الأرض. وأوقعت النماردة-ذوى العاقبة السيئة-فى يأس وحرمان، وطاش صواب النمرود من هذه الرؤيا المخيفة وعند ما أفاق واسترد وعيه استدعى «آزر» وبادره بقص تفاصيل حلمه المخيف الذى رآه. إلا أن «آزر» دفع الهواجس عنه إذ قال: إن رؤياك تشير وتلمح إلى شدة عبوديتى لكوكب القمر.

стр. 179

بقى إبراهيم-﵇-فى المغارة المذكورة مدة خمسة عشر شهرا-على اختلاف الروايات. وعند ما بلغ سن التمييز وجال بخاطره فكرة الخروج من المغارة قال لوالدته جاء الأوان للخروج من هذه المغارة. يقول مؤلف «بدايع الزهور» بقى سيدنا إبراهيم فى الغار اثنى عشر شهرا، ولما كان يكبر فى كل شهر مقدار سنة، كان مظهره فى مظهر الأطفال البالغين عشرة أعوام من عمرهم عند ما أراد الخروج من الغار. وبهذا أيد الرواية السابقة. ولما رجا إبراهيم-﵇-من أمه أن تخرجه من الغار، رجعت (أدنى) إلى بيتها وبعد تأمل عميق قالت لزوجها: قد ذكرت لك فيما مضى أن ابنك مات، ولم أكن صادقة فابنك لم يمت، وقد أصبح الآن شابا ملائكيا جميل الطلعة وهو الآن فى الغار وشرحت له الأمر كله. وذهب آزر إلى الغار المذكور ولما رأى إبراهيم أعجب به وأحبه لجماله وكماله وقال لأمه: أخرجي الآن هذا الطفل لنقدمه للنمرود. وأخرجت الأم ذلك الغلام الموسوم بهداية البشر إلى خارج الغار. ولما خرج إبراهيم من الغار تأمل فى الكون، ورأى عجايب الأرض والسموات وأدرك بعلم اليقين وأذعن أن هناك مبدع وموجد حقيقى للأجرام العلوية والسفلية، فسارع بالاعتراف والإقرار بوجود الحق الذى ليس له مثيل من خلال هذا القول: «إن الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى الذى ليس لى إله غيره. ولم يكن فى ذلك الوقت فرد واحد على وجه الأرض يعترف بوجود إله واحد قهار». وكان آزر كغيره من بنى البشر فى تلك الأوقات يعبدون النمرود ويشربون من كأس الندامة المتصف بالكفر. وكانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب والأصنام المنحوتة ويقدمون نجوم السماء ويهتمون بعبادة الكواكب لتوهمهم أن لها تأثيرا فى سير الكون وإحداث الأشياء. وكان أهل بابل-آنذاك على دين الصابئة يعبدون الشمس وضوء النجوم ويسجدون لنهرى دجلة والفرات.

стр. 180

كما أنهم عبدوا حكامهم وأقاموا لهم التماثيل، واتخذوا هذه التماثيل آلهة وشغلوا بعبادتهم كانوا يعتقدون أن الروح شمعة فريدة منبثقة من النور الأصلى. والطائفة الخبيثة التى كانت تعيش في بابل فى زمن النمرود هم جماعة معلومة متفرعة من أولاد سام وكانت لغتهم السريانية ودينهم الصابئة. وكان الصابئة قديما تابعين لشريعة شيث وإدريس-﵉-وكانت كتبهم فى الصحف الشريفة التى نزلت على سيدنا شيث، وكان كتاب شيث- ﵇-يتضمن محاسن الأخلاق، ويدعو إلى الصدق والشجاعة ونجدة الغريب، وينهى أهل الإيمان عن الميل إلى الباطل والانغماس فى الرذائل. ويصلى الصابئة علاوة على الأوقات الخمسة فى وقت الضحى الأولى، وفى الساعة السادسة من الليل ويصلون على الجنازة بدون ركوع أو سجود ويصومون فى السنة ثلاثين يوما وأحيانا تسعة وعشرين يوما. وبالنسبة لوقت الصوم يحرصون على أن يبدأ من الثلث الأخير من الليل حتى غروب الشمس. والعيد عندهم فى ختام الصوم، ويهتمون بمكة المعظمة وتفخيمها. ويحرصون على أداء الحج، بزيارة مكان فى مدينة حران ويقدرون قبرين فى مصر، إذ يظنون أن أحد هذين القبرين لسيدنا «شيث» والآخر قبل الصابئى «ابن شيث». ولما كان الدين الذى ينتسبون إليه غاية في القدم وكان دينا حقا لم يستطيعوا أن يستمروا على مبادئه، بل ضلوا فى النهاية وأخذوا يعبدون الأصنام والشمس والنجوم وتماثيل الحكام. ولما لم يستطع إبراهيم-﵇-أن يجد بين الصابئة مرشدا يدله على الطريق المستقيم راح يبحث بنفسه عن حقيقة وحدانية الله. وقد رأى أولا «الزهرة» أو الكوكب المضئ و «المشترى» ومن بعده «القمر» ثم رأى بعد ذلك «الشمس المشرقة»،وقال بأسلوب الاستفهام الإنكارى: هذا ربى؟! وعند ما رأى أن هذه الكواكب قد توارت خلف حجاب الأفول وغابت، اتجه
следующие страницы →