← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المعتزلة والفلاسفة حملت حديث الأحجار والحبوب، والأشجار والنباتات على المجاز وتجرءوا على تأويل معجزة حنين الجزع وقالوا إن حنين جذع النخلة وأنينه قد أسمع للنبى ﷺ وأصحابه المختارين سماعا باطنيا وملكوتيا مع أن القول الصحيح سماع أنين ذلك العمود وصياحه ظاهرا بالأذن، وبعض العلماء الذين يشغلون أنفسهم بتأويل هذا القول وتوجيهه ينكرون مثل المعتزلة والفلاسفة أن الجمادات والنباتات والحيوانات يعرفون الله ورسوله وأنها تسبح الله تسبيحا حقيقيا، لأن أكثر علماء الكلام الذين اختاروا مذهب المعتزلة والفلاسفة حملوا الكلام والصيحة اللذين ظهرا من الجزع على المجاز قطعيا وقالوا، لم يكن فى الجزع شعور حتى يصدر منه صوت، يمكن أن الله- -أظهر الكلام كمعجزة للنبى ﷺ فى ذلك الوقت، لأن النطق والكلام والتقديس والتسبيح والخوف والخشية فى حاجة إلى العقل والعقل فى حاجة إلى الحياة والحياة فى حاجة إلى اعتدال مزاج وجوارح وأجهزة مستعدة للنطق والكلام، وإن التسبيح فى قول الله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء/٤٤) تسبيح بلسان الحال، وأولوا الخشية التى فى قول الله تعالى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:٧٤) إنها انقياد وطاعة بناء على فحوى أن الخشية مجاز عن الانقياد وحملوها على الانقياد كما حملوا ما صدر من عمود الحنان من صياح على المجاز. مثنوى قل ما تقول ما لم يكن من يعلمون ... ولك أن ترد كل ما يقولون ما أكثر هؤلاء المتشككين ... وهم فى شكهم يعمهون

стр. 1122

ومع هذا فقد رد أصحاب المشاهدة والمشايخ الصوفية كما بين فى تفسيرى معالم التنزيل، وأبى الليث ردا قويا على جماعات الفلاسفة والمعتزلة وأبطلوا تأويلاتهم فى هذا الخصوص وأظهروا الحقيقة. مثنوى فى مجلس وعظ يختص بالحاضرين ... فيه ترى الشباب والشيوخ مزدحمين وقع فى الحيرة أصحاب الرسول ... من صيحة عمود ذى عرض وطول وقد عرف كاشف الأسرار مولانا جلال الدين الرومى وهو من كبار أهل المكاشفة والمشاهدة وبين فى كثير من مواقع كتابه المثنوى الشريف أن الجمادات والنباتات والحيوانات تنطق وتسبح وتهلل. مثنوى كما تعلم من يتجه بالخطا إلى الله اعلم ... أنه من يقطع العلائق بينه وبين دنياه كل من كانت له صلة بالله وجد ... الحبيب وانقطع عن كل ما سواه حكاية قال أحد الأشخاص من كبار المشايخ لإخوانه حتى يبين لهم درجة فيكنون له من المحبة-بقدر إدراكهم وفهمهم-ويبين لهم ماهية المحبة فى الحقيقة ويرشدهم كلهم مرة واحدة: «إذا كنتم تحبوننى، اخرجوا لهذه الصحراء وهاتوا لى زهر الشتاء على قدر محبتكم لى»،وقد جمع كل واحد من الدراويش الذين خرجوا إلى الصحراء بنية خالصة لكسب محبة شيخهم ما استطاعوا وحملوه إليه. وقد أحضر أحد الدراويش غريب الأطوار وأكثرهم عشقا وقلبه مكشوف وكبده محروق بنار الحب الإلهى نبتة واحدة جافة خالية من الرائحة وعرضها على

стр. 1123

شيخه، وعندما قال له شيخه يا ترى أنك تحبنى بهذا القدر فقط؟ ألا ترى أن إخوانك أتى كل واحد منهم بحزم من الزهر؟،فقال له الدرويش: «يا سيدى إن الحقير يحبكم أكثر من جميع الإخوان، إلا أننى كلما مددت يدى لأقطف زهرة وجدتها مشغولة بذكر الله وتسبيحه ورأيت ذلك بعينى وسمعت بأذنى، ومن هنا خفت من أن أكون مانعا فى الاستمرار فى تسبيحها وذكرها فلم أتجرأ على قطفها، وهذه النبتة التى تجرأت على تقديمها لك كانت قد فرغت عن التسبيح والتهليل فاصفرت وذبلت وجفت فأخذتها وأتيت بها!!!» وبهذا بين أن النباتات تسبح الله وتذكره وتنطق وهى حية فصّل ذلك. انتهى. وخلاصة الكلام إذا أراد الإنسان أن يسمع نطق النباتات بأذنه حقيقة يجب عليه أن يرفع من نفسه الموانع المعنوية والحجب البشرية وستائر العقلانية وهو يسعى لمعاشه أن يزيلها من فوق أسماع روحه وأن يجرد بصيرته من غشاء الغفلة والعمى وغطاء البطالة والكسل وإلا فالذين قد سدت أسماع عقولهم بسدادة الغفلة فلابد وأن ينكروا ذلك السر الجليل حاملين ذلك على المجاز. انتهى. استطراد اختلف المؤرخون فى الشخص الذى صنع منبر السعادة وقال بعضهم «أنه من صنع معمارى الكعبة المعظمة باقوم»،وقال بعضهم صنعه نجار يسمى «ميمونة» وقال بعضهم صنعه عبد العباس، فقابله قائلا: «بما أن حضرة عثمان بن عفان خليفة رسول الله ﷺ قد خلص من اختيار عمل مرهق صعب فمن هنا فله عليكم حقوق كثيرة! لو لم يكن عثمان بن عفان على الدرجة الثالثة من منبر خطيب الإسلام ﷺ الزم على ذات عظمتكم أن تخطبوا فى أسفل السافلين من قبر الأرض» وبهذه الإجابة المح بأن طعن عثمان بن عفان-رضى الله عنه-غير لائق؛ رحمة الله عليه رحمة واسعة.

стр. 1124

الصورة السادسة فى ذكر عدد المرات التى جدد فيها منبر السعادة وعدد المرات التى عمر . ظل المنبر الشريف إلى عهد الحكم ابن أبى سفيان على الهيئة التى صنعها باقوم النجار، كما ذكر من قبل. أراد معاوية عندما عاد من مكة المكرمة أن يأخذ المنبر الشريف إلى الشام بعد أن أضاف إليه درجتين إلا أنه لم يوفق فى ذلك، وأحد أسباب عدم نجاحه فيه بل سببه المستقل المهم هو كسوف الشمس؛ لأنه قد حدث كسوف مفزع، عندما أمر بفك المنبر الشريف وحله فأظلمت الدنيا حتى ظهرت النجوم فى السماء وتحولت مدينة الرسول إلى سجن مظلم واستولى الفرع والقلق على أهل المدينة وأخذوا يطلقون ألسنتهم ضد ابن أبى سفيان، وإذ رأى ابن أبى سفيان أن سكان دار السكينة سيقومون كلهم ضده وأن نقل منبر السعادة سيؤدى إلى شر عظيم وسيحطم القلوب، غير أفكاره بسرعة ومهد لها قائلا: «ليس قصدى نقل المنبر الشريف إلى الشام! إذ رأيت بعض أجزاء منبر السعادة قد بليت بمرور الزمن، وخفت من سقوطه؛ لذا أردت أن أطهر وأسوى تحته وأن أصلح وأرمم أجزاءه التى مالت للسقوط والانهدام!!!» وبسط عذره بهذا الشكل فسكن من ثائرتهم وطمأن علماء المدينة بهذه الطريقة ثم قفل راجعا إلى الشام فى سنة ٤٩ هـ. وكان غرض معاوية من محاولة نقل منبر السعادة إلى الشام، بناء على قول ابن الأثير، هو أن يجافى أهل المدينة ويهينهم لأنهم تغافلوا عن قتل عثمان بن عفان وتهاونوا فى قتله، وحاول أن يأخذ عصا النبى ﷺ المحفوظة لدى سعد القرظى أيضا، وكان أبو هريرة وجابر بن عبد الله قالا له لا يجوز انتزاع منبر النبى الذى وضعه بنفسه من مكانه إلا أنه لم يعر سمعا لأقوالهما، إلا أن كسوف الشمس التى تنير العالم-كما عرف آنفا-وظهور النجوم الزاهرة وانكشافها نهارا

стр. 1125

جعله ترك التعرض لمنبر السعادة ولم يستطع أن ينفذ ما فى ضميره ومن هنا فهم أنه غير مصيب فى رأيه ومخطئ فى اجتهاده. وقال بعض المؤرخين الذين ذهبوا إلى أن الذى أراد أن يقلع منبر السعادة من مكانه هو مروان بن الحكم. أمر ابن أبى سفيان واليه فى المدينة المنورة مروان بن الحكم أن يقلع المنبر الشريف من مكانه وأن يرسل به إلى الشام وذلك من خلال الرسائل الخاصة، وقد فتح مروان ابن الحكم رسائل معاوية وقرأها وتجرأ أن يرسل بعض النجارين على أن ينتزعوا منبر السعادة من مكانه ليرسل إلى الشام، وذلك دون أن يخبر أحدا، إلا أن الجو اكفهر فجأة وأظلمت الدنيا حتى أصبحت العيون ترى عيونا كما أن عاصفة هو جاء ثارت وملأت قلوب الناس رعبا فاستغرقوا فى بحار الهم والغم ومن هنا غير ابن الحكم رأيه بناء على هذا وغير الأمر الذى أصدره للنجارين وطلب منهم أن يضيفوا إلى المنبر ثلاث وعلى قول ست درجات وهكذا أوصل درجات المنبر إلى تسع درجات. وأكثر المؤرخين على أن أحدا لم يزد من درجات منبر السعادة قبل ابن الحكم كما أن أحدا من بعده لم يتجرأ على أن يقوم بهذا العمل المستكره وأثبتوا ذلك بإيراد أدلة مقنعة. واستأذن المهدى العباسى الإمام مالك قائلا: «إننى أريد أن أعيد المنبر الشريف لسابق عهده» وتصور أنه يستطيع أن يهدم الدرجات التى أضيفت من قبل مروان ابن الحكم وأراد أن يعيده لحالته الأولى على الهيئة التى صنعها باقوم النجار؛ إلا أنه قد تخلى عن فكرته هذه بناء على قول الإمام مالك: «قد صنع المنبر الشريف من خشب شجرة الطرفاء وسمر ما أضافه مروان على المنبر القديم» وبهذا قد أفهم المهدى أن ترك المنبر الشريف على حالته هذه لا يخلو من الحسنات، وبناء على هذه الرواية فإن الأمر يقتضى قبول الرواية الثانية وتصديقها، والتى مفادها أن مروان بن الحكم هو المتشبث بنقل منبر السعادة إلى الشام.

стр. 1126

وقال ابن الأثير مبينا أن عبد الملك بن مروان وابنه الوليد حاولا أن ينقلا المنبر الشريف إلى الشام إلا أنهما لم يوفقا فى ذلك، حينما أصبح عبد الملك بن مروان ملكا على بلاد الشام قام محاولا لنقل منبر السعادة إلى الشام إلا أن حضرة قبيصة بن ذؤيب قال له يا عبد الملك تذكر ما حدث فى عهد معاوية، وقرأ له الحديث الذى ورد فى حق المنبر الشريف. وبناء على هذا تراجع عبد الملك عن فكرته هذه، وأراد الوليد بن عبد الملك أن يحقق فكرة أبيه فى أثناء حجه إلا أنه لم يوفق أيضا فى مسعاه. إن قاعدة منبر السعادة، الذى كان من اختراع باقوم ذراع مربع واحد وكان ارتفاعه ذراعين وكان له ثلاث درجات مع مقعده وتبتعد كل درجة عن الأخرى مقدار شبر واحد وفى الوسع شبرين وأضاف مروان بن الحكم فيما بعد لدرجاته ست درجات من الأسفل وبهذا ابلغ ارتفاعه إلى سبعة أذرع من حيث قاعدته كما أبلغ درجاته إلى تسع درجات؛ وبناء على هذا الحساب يلزم أن تصل درجات المنبر المنير مع مقعده إلى تسع درجات وارتفاعه إلى ستة أذرع، ولكن بما أن للمنبر القديم أساس طوله ذراع واحد فارتفاع المنبر ستة أذرع وطول سطحه ستة أذرع. كان عرض باب المنبر القديم السعيد أى ما بين عموديه خمسة أشبار، وقد كسا مروان بن الحكم جميع درجات المنبر من جهاتها الأربع بخشب أبنوس فى غاية الرقة ما عدا الدرجة الثالثة التى كانت خاصة لجلوس النبى ﷺ ، إذ غطاها بقطعة واحدة من خشب الآبنوس اللامعة كما رفع فوقها قبة حتى يحفظ مجلس النبى ﷺ من جلوس الآخرين. والقباب المزينة التى ترفع فوق المنابر فى أيامنا هذه فكأنما للإشارة إلى الدرجة التى كان يجلس عليها صاحب الرسالة ﷺ . قد قام الإمام البخارى «عليه رحمة البارى» بزيارة المنبر القديم الذى أعلى ارتفاعه وعمر درجاته مروان بن الحكم ذاتيا وبين لأحبابه أن المنبر الشريف

стр. 1127

محفوظ بألواح خشبية من الآبنوس وذكر لهم ذلك، وكان زوار تلك الأيام يحرصون على زيارة تلك اللوحة التى تشبه المسلة والتى وضعت فوق الدرجة الثالثة ويقتحمون المكان للتبرك، وهذا الحرص لاقتحام المكان يدل على أن المنبر القديم كان قد حفظ بألواح خشبية من الآبنوس. وخلاصة القول بناء على تحقيقات المؤرخين ورواية الإمام البخارى وتعريفاتهم يثبت أن المنبر القديم قد رفع فوق المنبر الجديد الذى صنع فى عهد مروان بن الحكم، وقد أشرف المنبر الذى صنع فى عهد مروان بن الحكم على السقوط والخراب ومال للانهدام ومن هنا قد هدم حتى الأرض وجدد فى سنة ٥٧٨ هـ وقد صنع من قطع خشبه غير الصالحة للاستعمال أنشاطا وأرسل لأشراف المماليك والبلاد للتبرك بها. قد وضعت لوحة خشبية أخرى فوق مستراح النبى فى المنبر المجدد وترك مكانا مكشوفا حتى يستطيع أن يتبرك به الناس وترك باب المنبر مفتوحا أيام الجمع ليتبرك الناس بمستراح النبى وأغلقت بقية الأيام الأخرى، واحترق المنبر الشريف فى سنة ٦٥٤ هـ مع مستراحه وظل المسجد الشريف بدون المنبر ومن هنا أرسل حاكم اليمن السلطان مظفر منبرا جميلا بعد سنتين من الحريق. وكان للمنبر الذى أرسله الملك المظفر عمودان منحوتان من خشب الصندل فى غاية الجمال، وقد وضع اللآلئ مكان المنبر القديم وألقيت الخطب عليها ما يقرب من عشر سنوات، وفى سنة ٦٦٦ هـ رفعوا هذا المنبر ووضعوا مكانه المنبر الذى أرسله «الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى». وكان ارتفاع المنبر الذى أرسله ركن الدين البندقدارى أربعة أذرع وكان طوله يتجاوز سبعة أذرع وكان له تسع درجات وكان هذا المنبر بالنسبة للمنابر الأخرى ذات مميزات تستحق التقدير والثناء من وجوه شتى، وكان لهذا المنبر باب ذو مصراعين وفوق كل مصراع رمانة فضية وكانت الرمانتان تظهران فى داخل المسجد النبوى كجسمين فضيين محبوبين وكان فوق رمانة الباب الأيسر اسم صانعه وشهرته؛ وكان فى صحبة المنبر الشريف أحد صلحاء النجارين يطلق عليه

стр. 1128

أبو بكر النجار حتى يضع المنبر فى مكانه ويركزه بالضبط،وكره هذا الشخص العود إلى بلاد مصر بعد أن وضع المنبر فى مكانه وظل فى المدينة المنورة إلى آخر عمره. وقد وضع المنبر الذى أرسله ركن الدين البندقدارى فى مكانه ورصنت وأصلحت الأماكن التى تحتاج للترصين والإصلاح إلا أن أماكنه الملاصقة للأرض أخذت تبلى فى سنة ٧٩٧ هـ وعلى هذا أرسل من قبل «الظاهر برقوق المصرى» (١) منبرا فى غاية التزيين والترصيع وانتزع المنبر الذى أرسله «ركن الدين البندقدارى» من مكانه فى أواخر السنة المذكورة ووضع مكانه المنبر الذى أرسله «الظاهر برقوق» وبناء على هذا الحساب فإنه ما أمكن استخدام منبر ركن الدين البندقدارى الجميل أكثر من ١٣١ سنة. وبعد أن وضع منبر «الظاهر برقوق المصرى» مكانه بثلاث وعشرين سنة أرسل «الشيخ المؤيد المصرى» (٢) منبرا لطيف المظهر فرفع منبر برقوق ووضع مكانه منبر الشيخ المؤيد وذلك فى سنة ٨٢٠ هـ. وكان المنبر الذى أرسل من قبل الشيخ المؤيد غاية فى جمال الصنعة ولا مثيل له ومزينا وأجمل من المنبر القديم من حيث الصنعة ولكن لشدة الأسف قد احترق مع المسجد الشريف فى حريق سنة ٨٨٠ هـ وانمحى ذكره بعد وضعه فى مكانه لستين سنة. وكان المنبر اللطيف سالف الذكر زاد ارتفاعا ستة أذرع وثمانية أصابع وكان طوله السطحى ثمانية أذرع واثنى عشر إصبعا وله تسع درجات وبين كل درجة فاصلة ذراع ونصف ذراع وكان موضوعا فى جهة السور الخشبى الذى فى الناحية القبلية من الروضة المطهرة أى فى خارج الجدار القبلى الذى صنع فى عصر السعادة بثلاثة أذرع. وظل مسجد المدينة بعد حريق ثمانمائة وثمانين مدة ست سنوات بدون منبر،

стр. 1129

وبما أن ملوك البلاد الإسلامية لم يرسلوا خلال هذه الفترة منبرا ليوضع فى مسجد المدينة فبنى سكان دار السكينة فى مكان ما من المسجد منبرا من اللبن ظانين أنه محل المنبر القديم وجصصوا داخله وخارجه وذلك فى سنة ٨٨٦ هـ وأخذ خطباء مسجد السعادة يخطبون فوق هذا المنبر، وبعد سنتين هدم هذا المنبر وقلع من مكانه وركز مكانه المنبر الذى أرسله «قايتباى» المصرى وبهذا تغير مكان المنبر الذى صنع فى عصر السعادة؛ لأن السلطان قايتباى المصرى كان قد صنع منبرا حجريا وأرسله، وذلك فى سنة (٨٨٨) هـ وقرر هدم المنبر الذى صنعه أهالى المدينة المنورة فى خلال شهر رجب الفرد من نفس العام، وحفروا الأساس ليوضع مكانه المنبر الجديد ولم يجدوا حيث حفروا أساس المنبر القديم فتركوا هذا المكان وحفروا مكانا آخر؛ وظهرت بقية أساس المنبر القديم فى الجهة الشرقية من المكان المحفور للمرة الثانية، إلا أن القائمين لم يطمئنوا أن هذا المكان هو مكان الأساس القديم فتركوه وأمروا بحفر مكان آخر إلا أن علائم الأساس القديم لم تظهر فى هذا المكان أيضا، وعلى هذا أصر شمس الدين بن زين متعمدا على أن يوضع المنبر حيث حفر أول مرة أى فى المكان الذى بنى فيه أهل المدينة المنبر الترابى قبل سنتين مع أن أهل المدينة لم يفكروا فى التحرى عن أساس المنبر القديم كما أنهم لم يحاولوا بناء منبرهم على أساس المنبر القديم. وقد أتى الإمام السمهودى بأدلة واضحة على أن المكان الذى حفر للمرة الثانية حيث وجدت بقايا الأساس القديم أنه المكان الذى وضع فيه باقوم النجار أساس المنبر الذى صنعه فى عصر السعادة، وبين أن المنبر الذى أرسله السلطان قايتباى المصرى يجب أن يوضع فوق تلك الحفرة وكسب فى هذا الصدد كثيرا من المؤيدين له من العلماء إلا أن «شمس الدين بن زين» أصر على فكرته وتنفيذ رأيه الفج، وادعى أن أهل المدينة حينما بنوا منبرهم فى سنة ٨٨٦ هـ بالتخمين بنوه على أساس المنبر القديم، وعلى هذا يجب أن يوضع هذا المنبر فوق أساس منبر أهل المدينة ولن أتنازل عن هذا، وابتدأ فى تنفيذ رأيه وأمر بردم الحفرة التى أشار إليها الإمام السمهودى وركز المنبر فى المكان الذى حفر أولا ثم ترك بناء على

стр. 1130

الشك فيه، لأجل ذلك وضع المنبر الجديد بعيدا عن أساس المنبر القديم بثلاثة وعشرين أصبعا فى الجهة القبلية يعنى قد أدخل المنبر الجديد مقدار ٢٣ إصبعا فى داخل الروضة المطهرة بناء على إصرار شمس الدين بن زين فضاقت ساحة الروضة المطهرة مقدار ٢٣ أصبعا عن مساحتها الأصلية وخلاصة القول أن المنبر الجديد قد أدخل قدر خمسة أصابع من المنبر القديم إلى الجهة الشرقية من المسجد الشريف وضع طول المنبر الجديد السطحى أطول من طول المنبر العتيق قدر ثمانية عشر أصبعا ومن هنا صغرت الروضة المطهرة قدر ٢٣ أصبعا. استخدم المنبر الذى وضعه السلطان قايتباى المصرى تحت نظارة شمس الدين بن زين ما يقرب من مائة واثنتى عشرة سنة ولم يتقدم أحد بهذه الفترة لصنع منبر آخر أو إرساله، ولكن السلطان مراد خان-عليه الرحمة والغفران-من السلاطين العثمانيين المعروفين بكثرة خيراته وميراثه أراد أن يقوم بخدمة خاصة بنية خالصة للمدينة المنورة؛ ولذا أرسل منبرا مزينا فى غاية الجمال والصنع وأرسل معه كثيرا من النجارين المهرة والمهندسين المتفننين وأمر أن يوضع هذا المنبر مكان منبر السلطان قايتباى المصرى وأن يعمر ويجد له ما يقتضى تعميره وتجديده من مسجد السعادة بهذه المناسبة. وبين أهالى المدينة للسلطان أن مسجد السعادة ليس فى حاجة إلى التعمير والتجديد وإن كان تنفيذ الأمر السلطانى واجبا على كل فرد إلا أن تجديد المسجد بدون مسوغ شرعى لا يجوز، إلا أن السلطان أمر مؤكدا أن يوضع المنبر الجديد الذى أرسله فى المكان الذى عينه مطلقا وأن تصلح الآثار الأخرى التى تحتاج التجديد والإصلاح ومن هنا قلعوا المنبر القديم ووضعوا مكانه المنبر الجديد الوارد من استانبول وذلك فى سنة ٩٩٨ هـ. وكان للمنبر الذى أرسل من قبل السلطان مراد تسع درجات فى داخل بابه وثلاث درجات فى خارجه وكانت جملة درجاته اثنتى عشرة درجة ويصعد إلى

стр. 1131

باب المنبر من الأرض بثلاث درجات وكانت ظلة علمه من الفضة وكان غطاؤه من جوخ أحمر وستارة بابه من الأطلس الأخضر. بعد وضع المنبر الذى أرسل من باب السعادة فى مكانه نقل المنبر الذى أرسله السلطان قايتباى إلى مسجد قباء وبعد ما تم وضع ذلك المنبر فى مكانه، أصلحوا وعمروا المساجد التى تحتاج إلى الإصلاح وكذلك الأماكن المقدسة الأخرى، والمنبر الكائن الآن هو ما أرسله السلطان مراد خان-عليه الرحمة والغفران-من باب السعادة ومازال جديدا كأنه صنع اليوم. قد جدد المنبر الذى صنعه وجدده مروان بن الحكم سنة ٥٧٨ هـ ومع ذلك جدد وبدل ثمانى مرات فى خلال ثلاثمائة وإحدى وسبعين سنة، وقد أرسل منبر السلطان مراد قبل يومنا هذا ب ٣٠٣ سنة ومع ذلك ظل سليما متينا وكأن النجارين قد انتهوا من صنعه اليوم، وإذا ما نظر لهذا يفهم مدى متانة هذا المنبر ورصانته. إن المنبر اللطيف الذى أرسل ليوضع فى ساحة مسجد السعادة ذات الفيوضات بكل تعظيم وتوقير من باب السعادة صنع من رخام مجلى وحك أعلى طاقته هذا التاريخ بعبارة سلسلة. أرسل السلطان مراد بن السليم ... مستزيدا خير زاد للمعاد دام فى أوج البلاد سلطاننا ... آمنا فى ظله خير البلاد نحو رضى المصطفى صلى الله على ... ربنا الهادى به كل العباد منبر قد أسست أركانه ... بالهدى واليمن من صدق الفؤاد

стр. 1132

منبر يعلى الهدى أعلاه ... دام منصورا لأصحاب الرشاد قال سعد ملهما تاريخه سلطان مراد ... منبر عمر سنة ٩٩٨ وبعد وضع منبر السلطان مراد فى موضعه تم نقل منبر السلطان قايتباى إلى مسجد قباء، وتمت إقامة مدرسة تقابل مسجد قباء ومدرسة أخرى بالقرب من مسجد الصديق، وتم بناء رباط وخصصت واردات كافية لمعاش سكانه، وبعد المحاسبة وجد أنه قد بقيت مبالغ كثيرة ورخام ولما تحقق ذلك استخدم هذا الرخام والعقود فى بناء محفل لمؤذنى حرم باب السعادة للتكبير محفلا فى غاية الجمال فى سنة ٩٩٨ هـ. إن مقصورة المؤذنين كانت مصنوعة من الرخام الخالص وبما أن مسجد السعادة كان خاليا من المقصورة للمؤذنين فى ذلك الوقت، سر جميع مسلمى الأرض من بناء هذه المقصورة وقرءوا الفاتحة داعين للسلطان، ولما جدد والد السلطان كثير المحامد السلطان عبد المجيد بصورة أجمل من المقصورة سالفة الذكر أسس مكبرية من الخشب أيضا فى سنة ١٢٦٧ هـ. والمقصورة الرخامية فى داخل الروضة المطهرة والمكبرية الخشبية فى نهاية الحرم الشريف، وإن كانت المقصورة الرخامية خاصة بالأيام العادية، والمقصورة الخشبية للتكبير خاصة بالمواسم وأيام الأعياد والحج إلا أنه فى الأعياد والمواسم يقوم المؤذنون بالتكبير فى كلتا المقصورتين ليسمعوا أصوات التكبير لجماعات المصلين كلهم. إخطار يطلق على الأماكن التى تمتد من صفة أصحاب الصفة إلى المئذنة السليمانية ومن هنا إلى المئذنة المجيدية ومن المئذنة المجيدية إلى باب الرحمة، تحت القبة وقد زينت نوافذ هذه وجميع القباب بالزجاج الملون ليمنع دخول المطر والغبار

стр. 1133

وتركت أطراف بعضها مكشوفة لدخول الضوء والنور وكلها قد صنعت فى صورة محكمة رصينة قوية. بدل الخلفاء العباسيون ستارة باب منبر السعادة وأعدوا ستارة من الحرير الأسود المنسوج واتخذوا تعليق الستارة السوداء عادة لهم، واستصوبوا ترك الستارة معلقة ليلا ونهارا وتركوا إجراء ذلك لشيخ خدم الحرم الشريف؛ وبعد ذلك تذكروا الحادث الذى وقع فى أيام عبد الله بن الزبير وقرروا أن تعلق الستارة فى أيام الجمع خائفين من وقوع تلك الحادثة مرة أخرى؛ لأنه حدث أن سرقت امرأة فى عهد عبد الله بن الزبير ستارة المنبر الشريف وأقيم عليها الحد الشرعى وقطعت يدها. اعتاد البغداديون تجديد ستارة المنبر الشريف وكانوا يرسلون ستارة كل سنة، وتكاثرت مع مرور السنين الستائر فى خزانة النبى ومن هنا تقرر فى خلال سنة ١٣٨ هـ وفى عهد عبد الله الحارثى أمير المدينة إرسال ستارة كل ست سنوات مرة، وأرسلت فيما بعد كل سبع سنوات، وفيما بعد كل عشر سنوات. إلا أنه فى زماننا ترسل من عيد الجلوس إلى عيد الجلوس، إلا أن السلطان محمود بن عبد الحميد والسلطان عبد المجيد خان المرحومين أرسلا مرتين كل سنة. كانت هذه الستائر ترسل إلى المدينة فى صورة غير منتظمة إلى دور إسماعيل بن محمد ناصر الصالحى من الملوك المصريين وهذا الشخص قد أخذ من بيت مال الحكومة المصرية قرية ووقفها لصنع كسوة لمنبر السعادة والحجر الشريف فى مصنعها وجعل ذلك من عاداته الحميدة وبناء على هذا كانت هذه الستائر تبدل كل خمس سنوات أو ست سنوات على قول آخر، أما فى زماننا فلا ترسل كسوة بل ترسل ستارة وكانت هذه الستائر تعلق يوم الجمعة إلى الانتهاء من إقامة صلاة الجمعة وبعد ذلك كانت ترفع بواسطة موظفين خاصين وتوضع فى المخزن الذى بجانب باب جبريل، وإن كان حفظ ستائر المحاريب والستائر التى تعلق فى شبكة حجرة السعادة حفظها فى المخزن سالف الذكر من الأصول المتبعة؛ إلا أنها لا

стр. 1134

تعلق فى أيام الجمع بل ينحصر تعليقها على أيام مواسم الحج إذ تعلق عندما يأتى الزوار لزيارة المدينة المنورة وكانت هذه الستائر كلها مصنوعة من الأقمشة الغالية ونقشت على الأطلس الأخضر بخيوط من ذهب خالص العيار ونقشت عليها الأماكن الخاصة بتعليقها كما أن فى زواياها نقشت أسماء الخلفاء الراشدين. إلى قرب تولى مشيخة شيخ الحرم المرحوم حافظ محمد باشا لم يكن تعليق الستائر فى شبكة السعادة من الأصول المتبعة ومن هنا كلما كنس مسجد السعادة امتلأت شبكة الحجرة الشريفة بالغبار، وبلغ المرحوم حافظ باشا والأهالى عتبة باب السلطان وعرض عليه أن تعلق حول شبكة السعادة ستارة كما أرسل مقاييس الستائر اللازم صنعها من حيث الطول والعرض والارتفاع. وبناء على الأمر الصادر من السلطان صنعت ستائر من أطلس أخضر فى غاية جمال الصنع والزينة وأرسلت إلى المدينة المنورة فى سنة ١٢٨٢ هـ. وكانت هذه الستائر مكونة من أربع قطع كل قطعة من جزئين منفصلين إلا أنها حينما وصلت إلى المدينة الطيبة كان حافظ باشا قد ودع الحياة، وقد سمر العدد الكافى من المسامير إلى الكمر التى تحمل قبة السعادة أى القبة الصغيرة الجميلة التى تحت القبة الخضراء وعلقت الستائر الواردة على هذه المسامير فى سنة ١٢٨٢ هـ.

стр. 1135

الصورة السابعة فى بيان الأساطين التى ركزت فى مسجد السعادة فى عصر النبى السامى ﷺ . كانت الأساطين الأصلية لمسجد السعادة ثمانية أعمدة موزونة متساوية، وقد زيد مؤخرا عدد أساطين المسجد الشريف المنيفة إلا أننا سنذكر هنا عدد الأساطين الشريفة التى كانت فى عصر السعادة فقط وسنخبر عن عدد الأساطين التى فى زماننا فى ذيل الصورة على شكل استطراد. ١ - الأسطوانة المخلقة: هى الأسطوانة الأولى التى كانت فى عصر النبوة والتى كانت علامة على مصلّى النبى ﷺ وقد اشتهرت بالأسطوانة المخلقة لأنها قد عطرت بالطيب. كانت النخلة التى يستند إليها سلطان الأنبياء-عليه أجمل التحايا-متصلة بهذه الأسطوانة، وبناء على ما عرف قبل هذه الصورة وفى الصورة السابقة كان كرسى الشمعة الذى يقع يمين الإمام الذي يقف على محراب النبى مكان النخلة التى سبق ذكرها. كان سلمة بن الأكوع يصلى دائما فى هذا المكان اللطيف وإذا ما سئل عن سبب ذلك يجيب قائلا: إننى رأيت النبى ﷺ يصلى فى هذا المكان، يروى عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: «إن أقدس مكان لأداء النوافل هو المكان الذى كانت فيه الأسطوانة المخلقة»،إلا أن فى الفرائض يلزم أن تصلى فى الصف الأول، قد كتبت على هذا العمود «هذه الأسطوانة المخلقة وتعرف الأسطوانة المخلقة بهذه الكتابة من بين الأساطين وبعض أجزاء هذه الأسطوانة ملصقة بجدار المحراب النبوى». ٢ - أسطوانة عائشة: ولهذه الأسطوانة الموزونة ثلاثة أسماء أخرى وهى:

стр. 1136

«أسطوانة القرعة، وأسطوانة المهاجرين، وأسطوانة المخلق» وقد كتب عليها بخط جلى جميل: «هذه أسطوانة عائشة رضى الله عنها» وهذه العبارة قد ذهّبت وزينت بحالة جيدة ومن هنا نستطيع أن نحكم بأن هذه الأسطوانة لائقة بأن تكون أسطوانة عائشة. إن هذا العمود المبارك كان فى وسط المسجد الشريف وكانت هذه الأسطوانة قبل توسيع المسجد الشريف الأسطوانة الثالثة من منبر السعادة كذلك الأسطوانة الثالثة من قبر الرسول وكذلك الثالثة من جدار القبلة وكذلك الأسطوانة الثالثة من جهة الشام، وكان فخر العالم ﷺ يؤدى صلاته فى هذا المكان المقدس بعد تحويل القبلة بعشرة أيام وكان يخاطب أصحابه مستندا لهذا العمود، ونقل مكانه فيما بعد إلى المحراب القديم السعيد. وقد اعتاد كل من الصديق والفاروق الأعظم وعبد الله بن الزبير بن العوام وعامر بن عبد الله بن الزبير-رضى الله عنهم-أداء الصلاة بجانب هذا العمود كما اعتاد المهاجرون الكرام أن يجتمعوا محلقين حول هذا المكان ليتداولوا الأفكار، وقد قال ملك ممالك الرحمة-عليه أجمل التحية-فى حق الأسطوانة المذكورة «إن فى مسجدى بقعة إذا كان الناس يعرفون قيمة هذا المكان وقدره لكانوا يجرون القرعة ليصلوا إلى هذا المكان محرمين» وهذا القول كان سببا فى اشتهار ذلك العمود بأسطوانة المهاجرين وأسطوانة القرعة. عندما نقلت أمنا عائشة زوجة الرسول ﷺ هذا الحديث أسرع أبناء الأصحاب الكرام الذين كانوا عندها باستكشاف ذلك المكان إلا أنهم لم يجدوا ذلك المكان بعد ما بذلوا جهودا مضنية وإذا بعبد الله بن الزبير كان قد ظل فى المكان المشار إليه ليعرف ذلك الموقع المبارك، وقال أبناء الصحابة من الممكن أن تكون السيدة عائشة قد عرفت بمكان تلك البقعة المباركة لعبد الله بن الزبير ومن هنا جلسوا فى مكان خفى بعد أن تشاوروا فيما بينهم ليروا أين سيصلى عبد الله بن الزبير بعد خروجه من بيت السيدة عائشة-رضى الله عنها-وبعد مدة دخل عبد الله بن

стр. 1137

الزبير فى مسجد السعادة واستقبل أسطوانة المهاجرين وعلى قول آخر صلى على يمين تلك الأسطوانة وعلى هذا فهموا أن تلك البقعة المباركة التى ذكرت فى الحديث الشريف المكان الذى ركبت فيه أسطوانة المهاجرين فاعتادوا الصلاة فى ذلك المكان طول حياتهم. وذهب بعض الرواة إلى أن البقعة المباركة المذكورة فى الحديث الشريف فى وسط قبر السعادة والمنبر الشريف، وقالوا، إن الدعاء الذى يقال فى هذا المكان يستجاب ويقبل لدى الله . ٣ - أسطوانة التوبة: يقال لهذا العمود الشريف أسطوانة أبو لبابة (١) أيضا. وسبب تسميتها بهذا الاسم أنه ربط نفسه بهذه الأسطوانة، إذ كان أبو لبابة يتلاقى كثيرا مع بنى قريظة فى الجاهلية. ولما عجز بنو قريظة فى غزوة بنى قريظة عن مقابلة قائد كتيبة العز والعلا- ﷺ -طلبوا من النبى ﷺ راجين أن يرسل لهم أبا لبابة حتى يستعلموا منه طريق السلامة والنجاة، وقد استجاب لرجائهم فأرسل أبو لبابة داخل حصن بنى قريظة حيث استقبل بصيحات اليهود وعويلهم الرذيل ومزقوا وجوههم نادمين متحيرين وارتموا على الأرض من مكان لآخر وقالوا لأبى لبابة أبا لبابة! قل لنا الحقيقة حتى لا نضيع حقوقنا السابقة عليك، ما رأيك فى هذا الخصوص؟ هل نخرج من حصننا بناء على حكم محمد العالى؟ أم نستمر فى مقاومتنا؟ كيف ستنجو سفينة حياتنا؟ ما الرياح التى نتبعها حتى نرسل إلى ساحل السلامة؟ كيف يمكن النجاة من هذا الطوفان الذى سيغرق المال والثروة؟ وما الجهة التى يجب أن نتجه إليها حتى يمكن النجاة؟.وتعلقوا بأطراف ثوبه صائحين متضرعين. وبما أن تعبيرات اليهود الرقيقة وكلماتهم التى تثير الشفقة والرحمة قد أثرت فى ضمير أبى لبابة فقال لهم: «يا قوم شؤم! ليس هناك طريق للسلامة غير الانصياع لحكم الرسول والخروج من الحصن وتسليم أنفسكم إلى الرسول ﷺ »

стр. 1138

وبعد هذه الإجابة أشار إلى حلقة، وكأنه يريد أن يلمح ويومئ أنهم حتى إذا خرجوا إلى الخارج من حصونهم ليسلموا أنفسهم لن ينجوا أن يكونوا طعما لحد السيف وكان غرضه من هذه الإشارة أن يشفق لحالة اليهود الميئوسة؛ ولكنه فى النهاية فهم الخطأ الذى وقع فيه سهوا وندم قائلا يا ويلاه! إننى خنت الله ورسوله ثم عاد إلى المدينة المنورة دون أن يظهر لرسول الله، وجعل نفسه مقيدا لتلك الأسطوانة، وقرر فى نفسه ألا يحل قيده حتى تقبل توبته وألا تطأ أقدامه حيث وجد بنو قريظة، حتى إن فى أوقات الصلاة كانت زوجته العفيفة تأتى وتحل قيوده وبعد أداء الصلاة كانت تربطه مرة أخرى، ودامت هذه الحالة أكثر من عشر ليال حتى أصاب أذنيه الصمم من صوت السلاسل وأصبحت عيناه لا تبصران ولما عرض أمره على قائد جنود الأنبياء-عليه أفضل التحايا. وظل مربوطا ست أو خمس عشرة ليلة على اختلاف الروايات إلى أن قبلت توبته وأبلغت الكيفية بالآية المنزلة للنبى ﷺ فتفضل النبى ﷺ ، بحل سلاسل يديه المباركتين، حتى إن بعض الأصحاب الكرام قد أخطروا أبا لبابة بنزول الآية بخصوص إطلاق سراحه وأرادوا أن يفكوا سلاسله إلا أنه قد أقسم قائلا لا، يجب أن يفك النبى السلاسل بذاته فلا أقبل أن يحلها الآخرون وبناء على هذا تلطف معدن الرحمة والشفقة بحل سلاسله بذاته وإطلاق سراحه، وأطلق بعد هذه الحادثة المشهورة على هذا العمود أسطوانة أبى لبابة بن المنذر. قالت طائفة من المؤرخين إن سبب حدوث هذه الواقعة أى أن قيد أبى لبابة نفسه إلى أسطوانة التوبة وربطه نفسه هو تخلفه عن الاشتراك فى غزوة تبوك لأن النبى ﷺ عندما عاد قال لأبى لبابة لماذا تخلفت عن هذه الغزوة؟ فاضطرب أبو لبابة من السؤال ولم يجد جوابا وذهب إلى الأسطوانة التى أمام غرفة أم سلمة رضى الله عنها-وربط نفسه وأخذ يتجرع مصاعب الصبر والتحمل وأخذ يستغفر ما يقرب من سبعة أيام وفى النهاية نزلت الآية الكريمة التى تفيد قبول توبته فحلت سلاسله بواسطة السيدة أم سلمة، وقال بعضهم أيضا إن ثمامة بن أثال الحنفى أيضا قد قيد لتلك الأسطوانة.

стр. 1139

كان إمام صف الأنبياء-عليه لوائح التحايا-كان يؤدى صلوات النوافل عند أسطوانة التوبة وفى كل صباح عقب الصلاة يتكئ على تلك الأسطوانة الموزونة ويحادث أصحابه. وكان المساكين الضعفاء ومرضى المدينة والمسافرون والمؤلفة القلوب من الموحدين والمسلمون بلا مأوى ولا مسكن يجلسون بعد أداء صلاة الصبح وكان طبيب مرضى قلوب الأمة-عليه أطيب التحية-يشرف هذه الجماعة ويستند على تلك الأسطوانة ويقرأ الآيات التى نزلت تلك الليلة أو يفسر الرؤيا للذين رأوا الرؤيا فى تلك الليلة ويعرضونها على النبى-﵇-ويستمر جالسا فى ذلك المكان إلى طلوع الشمس. وزادت تلك الجماعة وازدحم المكان إلى درجة لم يجد بعض الناس مكانا للجلوس حتى أصبح التنفس صعبا، وفى يوم من الأيام ضاق أشراف المدينة من كثرة الازدحام وتضايقوا، وأظهر بعض الناس سأمهم ومللهم فأنزل الله : «الآية الكريمة» ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾. (الكهف:٢٨). فشغل الذين أظهروا مللهم وضيقهم بعرض ندمهم الشديد واستغفارهم. كان سيد الخلق سيدنا محمد يعتكف بجانب هذه الأسطوانة وكان يأمر ببسط فراشه خلف أسطوانة أبى لبابة وفى رواية أخرى أن سرير فرشه يبسط فى الجهة القبلية من تلك الأسطوانة وكان يستند فى أيام اعتكافه على ذلك السرير. وبين أسطوانة التوبة والقبر الجليل أسطوانة أخرى. وبناء على قول عبد الله بن عمر أن أسطوانة أبى لبابة هى الأسطوانة الثانية من جهة القبر النبوى والرابعة من جهة المنبر الشريف ومن جهة الساحة

стр. 1140

الرملية الثالثة وتبعد عن المضجع النبوى عشرين ذراعا، وتقع أسطوانة أبى لبابه بين أسطوانة عائشة والأسطوانة الملاصقة لشبكة الحجرة المعطرة وفى وقتنا هذا فهى الأسطوانة الرابعة من جهة المنبر المنير النبوى ومن جهة قبر النبى الجليل الثانية ومن الجهة القبلية الثالثة ومن جهة الساحة الرملية الأسطوانة الخامسة. يروون وجود محراب بجانب عمود التوبة كعلامة مميزة له قبل الحريق إلا أن ذلك المحراب قد احترق فى الحريق الثانى ولم يصنع بعد ذلك، وإن كان قد ذهب بدر بن فرحون من علامة المؤرخين إلى أن المحراب وهو العلامة المميزة لأسطوانة التوبة كان ملاصقا لشبكة حجرة السعادة إلا أن مؤرخى الأسلاف جرحوا رأى ابن فرحون وقالوا إن المحراب المذكور كان بجانب أسطوانة أبى لبابة، وأتوا بدلائل مقنعة تحمل على تصديق أقوالهم ومن هنا فقول ابن فرحون موضع شك وشبهة. قد حكّت على هذه الأسطوانة بخط جلى نفيس عبارة «هذه أسطوانة أبى لبابة وتعرف بالتوبة» بذهب خالص العيار ونقشت بذهب. ٤ - أسطوانة السرير: وبما أنّ سرير سيد البشر المصنوع من خشب النخلة بناء على قول الأكثرية كان بجانب الأسطوانة الرابعة ذات إعجاز ظل اسم هذه الأسطوانة أسطوانة السرير وكتب عليها بخط جلى نفيس عبارة «هذه أسطوانة السرير» حلّيت بذهب والعمود المذكور بين القبر الشريف وقناديل الروضة المنيفة وبناء على تعريف الإمام السمهودى فهى الأسطوانة التى فى الجهة الشرقية من أسطوانة التوبة والملاصقة للشبكة السعيدة. ظل السرير النبوى قبل توسيع المسجد الشريف فى صورة دائمة بجانب أسطوانة التوبة وبعد أن تفضل معمار بنيان الدين-عليه سلام الله المعين-بتوسيع الجهة

стр. 1141

الشرقية من المسجد الشريف نقل السرير بجانب أسطوانة السرير، والأسطوانات الثلاث التى عرفت قبل هذه الأسطوانة قد ركزت من جهة المنبر الشريف إلى جهة قبر السعادة فى صف واحد؛ وليست هناك أسطوانة ملاصقة بالشبكة الشريفة بين هذه الأسطوانات إلا هذه الأسطوانة النصفية أى الأسطوانة التى نحن بصدد تعريفها وهى أسطوانة السرير، وإن هذه الأسطوانة النصفية من المحقق أنها ركزت عندما أسس الأشرف قايتباى المصرى القبة الجسيمة فوق حجرة السعادة وبما أنها كانت تجاور حجرة السعادة كتبت عليها عبارة هذه أسطوانة السرير. ٥ - أسطوانة المحرس: إن هذه الأسطوانة فى الجهة الشمالية من أسطوانة التوبة فالذين يذهبون من دار عائشة-رضى الله عنها-إلى الروضة المطهرة تقابلهم هذه الأسطوانة. وكان سادات المدينة يجتمعون فى الأوائل لأداء صلواتهم بجانب هذه الأسطوانة. ولما كان على بن أبى طالب يداوم على أداء الصلاة بجانبها وكان يقوم الليالى على حفظ النبى ﷺ من مكائد الأعداء بجانبها عرفت هذه الأسطوانة باسطوانة على بن أبى طالب كما نقش عليها بماء الذهب عبارة «هذه أسطوانة الحرس»، وذهّبت. ٦ - أسطوانة الوفود: (١) هذه الأسطوانة خلف أسطوانة المحرس من جهة الشمال أى أنها أمام المكان الذى أضيف إلى المسجد الشريف لتوسيعة، وفى اتصال الشبكة التى بين مربع القبر الجليل والحجرة المعطرة، وكان النبى ﷺ يستقبل وفود العرب أى السفراء الذين بعثتهم القبائل العربية بجانب هذه الأسطوانة وقد أدى اجتماع أفاضل الصحابة الكرام بجانب هذه الأسطوانة إلى اشتهارها بمجلس القلادة كانت أسطوانة الوفود قد نقش عليها عبارة بخط جلى لا مثيل له «هذه أسطوانة الوفود» وأطلق على باب الشبكة الذى بين أسطوانة المحرس وهذه الأسطوانة باب الوفود.

стр. 1142

إخطار مؤلف تاريخ «نزهة الناظرين فى مسجد سيد الأولين والآخرين» وهو آخر مؤرخى المدينة ومسقط رأسه مهجر النبى-﵇-يقول مخطئا المؤرخين القدماء فى الأساطين المأثورة، إن الذين عينوا الأساطين التى كتبت عليها أسماؤها مثل الوفود والمحرس يعنى الذين كتبوا على الأسطوانات هذه الأسطوانات أسطوانات الوفود والمحرس بما أنهم كلفوا كتابتها دون أن يطالعوا كتب ابن زبالة، ابن النجار، والمطرى والسمهودى من المؤرخين القدامى كذلك كتب المؤرخين الذين أتوا قرب الألف من الهجرة النبوية، لذلك ارتكبوا خطأ كبيرا، وهاتان الأسطوانتان اللتان كتبا عليهما أسماءهما ليستا الوفود والمحرس المأثورتين إننى قمت بمطالعة عريضة وعميقة بقراءة كتب المتقدمين ورسائل المتأخرين، وطالعت تاريخى المطرى والإمام السمهودى وكتاب الجوهر المنظم للعلامة ابن حجر وشرح ابن علاء على إيضاح النووى «والدرة المضيئة» للعلامة على القارى «والذخر النافع» للعلامة محمد بن سليمان الكردى المدنى وأمررت نظرى على الآثار النفيسة للأشخاص الآخرين على حدة، وكل هذه الكتب من الآثار النادرة التى ألفها العلماء الأعلام من الحنفية والشافعية والمالكية، وكلها يصدق فكرى، وإن كان العلامة القليوبى يدعى صحة الأسماء التى كتبت على الأسطوانتين الوفود والمحرس إلا أنه أخطأ فى مذهبه هذا؛ إذ زار هذا الشخص المدينة المنورة ورأى الكتابة فوق هاتين الأسطوانتين وظن أنها كتبت بعد التحقيق فمن هنا أدرج فى كتابه ونقله بعينه، مع أن هذه الكتابات كتبت بناء على الأمر الصادر من السلطان سليم مع قصيدته التى نظمها بالذات على الأسطوانات عندما أمر بتعمير أسطوانات مسجد السعادة فى خلال سنة ألف وزار ابن حجر المكى المدينة ذاتيا فى سنة ٩٥٦ هـ وألف كتابه نادر الذكر «الجوهر المنظم» ووجد الأسطوانتين المذكورتين بعد تدقيقات كثيرة وأدرجهما فى كتابه بعد ذلك، لأنه بالذات ولا العلماء الذين أتوا قبله لم يقتنعوا بصحة العبارات التى كانت مكتوبة عليها وبما أن العلامة ابن سليمان قد كتب أثره الذخر النافع فى المدينة سنة ١١٥٨ هـ،وكتب

стр. 1143

عن الأسطوانتين السابقتين ما يؤكد تحقيقنا، وقد بين ابن سليمان فى كتابه المذكور ما كتب على هاتين الأسطوانتين ولم يعرف جهتهما، إذ قال: «إن أسطوانة المحرس التى خلف أسطوانة التوبة من الجهة الشمالية كتب عليها هذه أسطوانة على-رضى الله عنه-كما كتب على أسطوانة الوفود التى تقع خلف هذه الأسطوانة: «هذه أسطوانة الوفود» ويفهم من تعريف ابن سليمان أنه قد تبدلت مواقع الأسطوانتين وغيرت كتاباتها خطأ، إذ كتبت على الأسطوانة التى خلف أسطوانة السرير من الجهة الشمالية عبارة «هذه أسطوانة الحرس» والأسطوانة التى خلف هذه الأسطوانة من الجهة الشمالية كتبت عبارة «هذه أسطوانة الوفود» إن خطأ نقل هذه المكاتبات إلى الأسطوانتين سالفتى الذكر حدث من ذهاب ابن فرحون إلى أن الأسطوانة الملاصقة بالشبكة أسطوانة التوبة، لأن الذين كلفوا بكتابة هذه الكتابات ظنوا أن أسطوانتى الوفود والحرس خلف أسطوانة التوبة من الجهة الشمالية فكلفوا بكتابة العبارات السابقة فوق الأسطوانتين الملاصقتين خلف الشبكة وهذا يؤيد رأى ابن فرحون ويصدقه، مع أن الأسطوانة الملاصقة بالشبكة أسطوانة السرير، وإننى قد راجعت الباشا شيخ الحرمين لنقل هذه الكتابات إلى الأسطوانتين اللتين خلف أسطوانة التوبة بعد أن استشرت أفاضل علماء أهل المدينة وذلك فى سنة ١٢٨٧ هـ. وقد استصوب فكرى سواء أكان أمين باشا أو قاضى المدينة محمد توفيق أفندى ولم يعيرا آذانا صاغية لوشايات الفرقة المخالفة، ولكن بما أن أمين باشا قد انفصل عن المشيخة لم يتيسر تحقيق المرام. ٧ - أسطوانة مربعة القبر: إن أسطوانة مربعة القبر الجليل فى مكان يطلق عليه مقام جبريل أى فى اتصال الانحراف الغربى الشمالى وهو عمود موزون. وبما أنه بين أسطوانة الوفود وأسطوانة مربعة القبر الشريف وفى اتصال شبكة الحجرة المعطرة أسطوانة أخرى، فأسطوانة الوفود، الأسطوانة الأولى وأسطوانة مربعة القبر الثالثة والأسطوانة الموجودة بين الاثنين الأسطوانة الثانية بالنسبة

стр. 1144

للأسطوانتين وبما أن باب دار سعادة السيدة فاطمة-رضى الله عنها-كان بجانب أسطوانة مربعة القبر الجليل كان النبى ﷺ يفتح باب الدار المشار إليها كل صباح ويورد بالآية الجليلة. ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. (الأحزاب: ٣٣).وعلى قول يقول ملاطفا كريمته المحترمة الصلاة الصلاة ويلمح أن الوقت قد حان لإيقاظ الحسنين لأداء الصلاة. قال العلامة ابن سليمان يجب ألا ينسى أداء الصلاة فى هذا المكان؛ لأن باب دار السيدة فاطمة كان هنا، هذا ما قاله لى مسلم. وبما أن أسطوانة مربعة القبر الجليل والأسطوانة غير المسماة سالفة الذكر قد أدخلتا داخل الحجرة المعطرة لا يستطيع الزوار الكرام أن يتنعموا بزيارة هاتين الأسطوانتين ومحراب فاطمة والأسطوانة التى تحمل هذا المحراب وبما أن ذلك المكان المذكور يحاذى قبر السعادة لا يستطيعون حتى أداء الصلاة فيه. وكان علماء الأسلاف قد اعترضوا على عمل الشبكة التى تحيط بحجرة السعادة كما اعترضوا على غلق الأبواب التى تفتح لهذه الشبكة وسدها حين صنعها ولكن اعتراضهم لم يفد شيئا. ٨ - أسطوانة التهجد: بما أن إمام المجتهدين-﵇-قد اعتاد أداء صلاة التهجد بجانب هذه الأسطوانة اشتهرت بأسطوانة التهجد. كان سيد الأبرار بعد أداء صلاة العشاء وانصراف الأصحاب الكرام إلى منازلهم يفرش بجانب أسطوانة التهجد قطعة من الحصير ويداوم على أداء صلاة الليل، وكان ينصب فى هذا المكان خيمة من الحصير ويعتكف فيه فى الأيام العشرة الأخيرة من رمضان، وقد أطلع على هذا الأمر المدققون من الأصحاب فأخذوا يؤدون صلاة الليل مقتدين بالنبى والذين رأوهم فعلوا مثلهم فزاد عدد المصلين صلاة الليل مع مرور الأيام ورفع سيد الواقفين على أسرار الحكمة ﷺ حصيرته فى ليلة من الليالى ودخل إلى حجرته، وقال لأصحابه الكرام الذين

стр. 1145

استقصوا على الأمر متأسفين: «خفت من أن تفرض عليكم صلاة الليل! لأنكم غير قادرين على أداء صلاة الليل».وهكذا بين لهم ما فى ضميره. تقع أسطوانة التهجد خلف الجهة الشمالية من المنزل الخاص بالسيدة فاطمة رضى الله عنها-وبنى فى المحل المذكور مؤخرا محراب أشار إلى المكان الذى كان يتهجد فيه النبى ﷺ والذين يستقبلون ذلك المحراب يكونوا قد جعلوا باب جبريل على شمالهم وباب الرحمة على يمينهم. يخبرنا المؤرخون مؤكدين على صحة إقامة محراب فى المكان الذى كان يتهجد فيه النبى ﷺ وأنه قد أطلق على هذا المحراب محراب التهجد، فالذين يقفون فى محل المحراب المنير المذكور متجهين إلى جهة الشرق يلزم أن يظل باب جبريل على الجهة اليسرى منهم، إلا أن ذلك المقام ذا الفيوضات ظل فى داخل شبكة السعادة وقد كتبت عبارة: «هذا متهجّد النبى ﷺ » فوق الرخام الذى وضع فوق طاق محراب التهجد الذى يرى خلف المحراب من خارج الشبكة وقد حدد هذا المحراب فى عهد الإمام السمهودى ووضع فوق قطعة الرخام سالفة الذكر رخام آخر وكتب عليه برز الأمر بتجديد أعمدة الحجرة الشريفة من السلطان الأشرف قايتباى أعز الله أنظاره وتم ذلك على يد ابن الخواجة الشمس بن زمن وكتب فوق هذه العبارة تاريخ تعميره، إلا أن حريق سنة ٨٨٦ هـ قد محا الخطوط المنقوشة فوق الأعمدة وأزالها وأبدلت أساطين حجرة السعادة القديمة، وأسس مكان محراب التهجد القديم محراب جديد. والمحراب الجديد ملاصق لمقبرة السيدة فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-من ناحية قدميها وترتفع مقدار ذراعين والمحل المعد للصلاة منخفض قليلا وأعلاه عمودى وشكله مربع. ٩ - محراب باب الجنائز: يقع هذا المحراب على يسار من يتجهوا إلى الجهة القبلية وبما أنه فى داخل شبكة السعادة فمن المتعسر زيارته، وبما أن المحراب الشريف مستور وتلك الجهات من شبكة السعادة مظلمة فسيضطر خدام المسجد أن

стр. 1146

يفتحوا باب حجرة السعادة عندما يصنعون فتائل وزيوت قناديل المسجد، فالذين يريدون أن يسعدوا بزيارة المحراب الشريف ينتظرون فتح باب الحجرة اللطيفة كما سبق ذكره، لعلهم يوفقون فى زيارته، وإلا فزيارته فى الأوقات العادية غير محتمله، إلا إذا وجدوا طريقا آخر بإعطاء جوائز وفيرة أو بإيجاد واسطة ما، وفى جانب هذا المحراب المقدس وفى خارج شبكة السعادة محراب صغير أيضا وما سبق ذكره عاليه بمحراب التهجد إنه ذلك المحراب الشريف وكتب على جناحه اليمين واليسار. «أمر بعمارة هذا المتهجد الشريف العبد الفقير المعروف بالتقصير السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله سنة ٨٨٨» كما كتب فوق طاقة المعلا بخط جلى «بسم الله الرحمن الرحيم» وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾. (الإسراء:٧٩). كتبت تلك الآية مذهبة كما علقت فوق هذا الخط اللوحة المزينة التى كتبت بخط يد السلطان محمود خان العدلى ابن السلطان عبد الحميد خان المرحوم «حسبنا الله ونعم الوكيل». إن المحراب الشريف الذى عرف على قدر الإمكان هو المحراب الذى يزوره الزوار متبركين على أنه محراب التهجد، وإن هذا الأثر الذى أثبت المؤرخون بالأدلة القطعية أنه أثر مقدس هو الأسطوانة النفيسة والمسعودة التى ظلت فى داخل الشبكة وقد جددت فى عصر السلطان عبد المجيد وكتب فوقها آية التهجد، ومع هذا ففضل كل مكان وموقع وشرفه غير قابل للاعتراض عليه، فأى مكان من المسجد لو شرف بالزيارة فمن المأمول الحصول على أجر عظيم ومكافأة روحية كبيرة. إن الأعمدة التى كانت فى عصر السعادة تلك الأعمدة الثمانية التى ذكرناها وقد بلغ عددها فيما بعد إلى ثلاثمائة عمود وسبعة أعمدة، وكلما وجد مسوغ

стр. 1147

شرعى لتوسعة المسجد الشريف زاد عدد أساطينه، ولكن بما أن المهاجرين والأنصار من الصحابة العظام قد تقيدوا ووصلوا حول هذه الأعمدة الثمانية فعلى الذين يريدون أن يزوروا حجرة السعادة أن يقفوا وأن يصلوا بجانب كل واحد من تلك الأعمدة الثمانية على حدة محرمين. وفى الروضة المطهرة للنبى ﷺ ثلاثة صفوف من الأساطين التى لا تقدر بثمن على أن تدخل فيها بعض الأساطين المشروحة وفى كل صف أربعة أعمدة. وقد كتبت فى عهد السلطان سليم خان الثالث فوق أربعة من هذه الأعمدة المباركة أربعة أبيات وعلى سبع منها بيتان وعلى واحد منها بيت واحد بديع التركيب وزينت بالتذهيب وهذه الأبيات فاضت بها قريحة السلطان سليم الثالث بن السلطان مصطفى خان الثالث وهى مما يدل على تقواه وورعه وشعار تدينه- عليهم الرحمة والغفران. الأبيات التى سطرت على الأساطين الأربع من الصف الأول: الأسطوانة الأولى (١) السلام عليك يا مهبط الوحى الأمين ... يا من يعشقك بروحه الروح الأمين إنما الأرض على السماء فخرت ... لأنها جسمك الطهور حوت عماد شوكتك طاق الفلك ... لذا أصبح الركن الركين بك لتكن لسليم خان نعم المعين ... إنه وطد الأساس للملك والدين

стр. 1148

الأسطوانة الثانية (١) يا مليك الكرم أيها السلطان الكريم ... بعبوديتك يفخر السلطان سليم كأنما يتمسك بقائمة عرشك ... وهو يعظم أركان شرعك أنا عبد لك جد بالإحسان على ... وليكن فى الدنيا والآخرة لدى على روضتك المطهرة صلوات وصلوات ... وعلى كل صلاة تسليمات وتسليمات الأسطوانة الثالثة (٢) يا زهرة روضة دين الإسلام ... عليك فى كل لحظة سلام وسلام كيف لا يكون من الياقوت جسد ... ولقصرك من الرخام عمد طوبى للسلطان سليم الأجل ... الذى أنجز هذا العمل الأمثل أكرمه يا من أنت سيد الكرام ... فاللطف بالعبيد من الكرام يرام الأسطوانة الرابعة (٣) رفيع الروضة فخر الرسالات ... تحت عرشه روضة الجنات

стр. 1149

أيما إنسان إلى عمودك نظر ... أمن من كل ضجر وكدر سليم خان ابن مصطفى خان المؤيد ... يا حبّذا ما قدم من يد هبه يا رسول الله بركتك فى دنياه ... وأنله سعادتك فى أخراه إن الأساطين الآتية الذكر أمام محراب النبى وإنها مرتبة فى صف واحد من منبر السعادة إلى شبكة الحجرة المعطرة. الأسطوانة الخامسة (١) أجرى أن يكتب النعت القلم ... واصفا به رسول الله الأعظم حبذا حبيب الحق منقطع القرين ... كأنه سرة نور فى عين الناظرين الأسطوانة السادسة (٢) كانت ذاته الطاهرة لخلق الكون السبب ... بين علو قدره والعرش الأعلى نسب حمد الله الذى جعلنا من أمته قدرا ... أنى يؤدى على تلك النعمة شكرا الأسطوانة السابعة (٣) شراء الناس من أهل الجهل والكفر ... إن آمنوا عرفوا يا له من قدر

стр. 1150

إثمد بصرى ما تحت قدمه من رغام ... غبار طريقه يبدد يوم الحشر الظلام الأسطوانة الثامنة (١) أنت شمس العالمين يا خير الرسل ... شعار شمسك منه الدين والدنيا فى أبهى الحلل أنت لا تضن على عبدك بلطف ورحمة ... يا ملك الكون فاقض له الحاجات وهذه الأساطين الأربع المباركة تقع أيضا خلف الأسطوانات التى فى الصف الأول وتعد كذلك ابتداء من منبر السعادة. الأسطوانة التاسعة (٢) ألهمت ذكر ألف صفة من صفاته ... فنظمت نعته الطاهر أملا فى شفاعته كيف أستطيع وصفه بما به يليق ... الحق من يصفه بما هو به حقيق الأسطوانة العاشرة (٣) يا معدن الكرم أطلقتنى من ظلمة الغم ... أنا ملك ولكن لست من عبده من رحمة حرم شمعة شوقى إليك لها فى القلب شعاع ... وزاد بكرمك ما لها من حرقة واندلاع

стр. 1151

الأسطوانة الحادية عشرة (١) فى الأفلاك التسعة كل إنس وجن وملك له عبد ... ونجدته كان لكل مليك ما له من سؤدد ومجد فليكن وردى دائما ذكرت صلاته ... سيد الرسل إن بركته منحنى الأسطوانة الثانية عشرة على روحه الطاهرة ألف صلاة وسلام ... تلهمنى الرجا فى نيل رخصة شفاعته إن هذه الأساطين الأربعة هى الأساطين المباركة التى فى الصف الثالث وبما أن الأسطوانة الثانية عشرة ملتصقة بمقصورة المؤذنين يطلق عليها أسطوانة المكبرين أيضا. استطراد فى زماننا هذا فى مسجد السعادة ٢٢٩ أسطوانة بما فيها الأساطين المباركة، خمس وعشرون منها فى داخل الروضة المطهرة وما حولها والبقية فى الجهات الأخرى من المسجد الشريف، ولكن أسس الركائز التى ظلت فى داخل الجدران لا تدخل فى هذا الحساب.

стр. 1152

الصورة الثامنة فى ذكر وبيان المقام واجب الاحترام الذى يطلق عليه «الصفّة» وأين تقع هذه الصفة فى مسجد السعادة ومما تتكون ومن هم الأشخاص الذين يطلق عليهم «أصحاب الصفّة». كانت الصفة الشريفة التى كانت محل إقامة أصحاب الصفة بناء على تحقيق المرحوم القاضى عياض وروايته فى نهاية مسجد المدينة السعيد الشمالى، وكان الصحابة الفقراء الذين يردوا إلى المدينة المنورة المهجر النبوى يسكنون فى الصفة الشريفة، وكانوا يعبدون الله ليلا ونهارا، لما كانت الصلاة تؤدى فى اتجاه البيت المقدس كان محراب المسجد الشريف مكان الصفة المسعودة، وبعد أن تحولت القبلة إلى مكة المعظمة أصبح ذلك المكان وقفا لإقامة المهاجرين الغرباء، وبما أنه بعد تحويل القبلة لم يبق فى ذلك المكان محراب مخصوص فعقب تحويل القبلة صنع فى ذلك المكان مظلة لإقامة الأصحاب الغرباء واعتاد بناء على ذلك أن يقيم فى هذه المظلة من لا مأوى ولا سكن ولا عيال ولا أولاد لهم. وكما أوضحنا فى الصورة الأولى من الوجهة السادسة عند ما تكاثر المهاجرون الكرام الذين لا صلة لهم بأهالى المدينة رأى النبى ﷺ الذى يطيب خاطر أمته أن يؤوى هؤلاء الضعفاء فى هذا المكان المبارك ويحدثهم ويخفف عنهم كربهم ويرفع من معنوياتهم إلى أعلى مكانة، ولما زاد إحسان النبى ﷺ لمهاجرى دار ضيافة المدينة ولسكان الصفة المباركة ساعة بعد ساعة حتى تمنى أهالى المدينة وأغنياء المهاجرين أن يكونوا من أصحاب الصفة، وأخذ فقراء المدينة يداومون على الإقامة مع أهل الصفة حتى يشاركوا أهل الصفة فيما يتناولونه من آيات الغفران، وهكذا عدوا من أصحاب الصفة وبناء على ذلك كان العبيد الذين يحررهم النبى ﷺ ويعتقهم والذين كانوا يفتخرون بخدمة النبى يصرون على ألا ينفصلوا عن قرب النبى لأجل ذلك يفضلون أن يصبحوا من أصحاب الصفة كما كان يعد

стр. 1153

أقرباء سلطان الدين والسادات والأنصار والمهاجرون وأشخاص آخرون أن يجلسوا ويحادثوا أصحاب الصفة من أقصى آمالهم، وبهذا أدخلوا ضمن الجماعة السعيدة من أصحاب الصفة وعدوا منهم. وكان فقر أصحاب الصفة وشدة حاجاتهم فى حالة تجل عن الوصف، وبناء على ما يرويه الصحابى أبو هريرة كان بينهم بعض الأشخاص الذين كادوا أن يكونوا عراة من شدة حاجتهم وإنهم استطاعوا أن يتداركوا بعد آلاف المشقات والصعوبة قطعة من قماش لا تكاد تستر محال عوراتهم، ولم تكن قطعة القماش التى اتخذوها ملابس على طول واحد إذ كان بعضها أميل إلى الطول وكان بعضها قصير، وكانوا يسترون بها ما تحت خصورهم، وكان الذين لهم أقمشة قصيرة يغطون بها جسمهم من خصورها إلى ركبهم فقط ومن كان قطع أقمشتهم أطول كانوا يغطون إلى سيقانهم، وكان أداء الصلاة بهذه الحالة وفقا للآداب الشرعية يكاد أن يكون مستحيلا لأجل ذلك كانوا يدخلون قطع القماش ما بين سيقانهم بصعوبة كالإزار وبهذا ينقذون صلواتهم من الكراهة وبعد أداء الصلاة كانوا يلفون بهذه الأقمشة خصورهم. وكانت أقوات أصحاب الصفة اليومية من الأشياء الرخيصة مثل البلح، إلا أنهم عند ما تقوم الحروب كانوا يشاركون فيها غالبا وكانوا يقاتلون فى منتهى الشجاعة. قال أحد فضلاء الأصحاب وهو فضالة بن عبد الله: كنت أصلى يوما فى زاوية من الزوايا الشمالية من المسجد، وفجأة قام أصحاب الصفة على أرجلهم ووقفوا وقفة الاحترام والتعظيم وفى سكوت تام، إذ كان سلطان عرش الدين- عليه صلوات الله المعين قد شرف المكان، وقال فريد العالم ﷺ فى أثناء تقربه من صفوف أهل الصفة، «لو وقفتم على مدى حب الله لكم لتمنيتم أن تزدادوا فقرا وحاجة». وكان أصحاب الصفة فى غاية الفقر وكانوا فى حاجة إلى نصف لقمة من الخبز ومن هنا كان معدن السخاء-عليه وعلى آله أصفى التحايا-يطعمهم صباحا

стр. 1154

ومساءا وكان الأصحاب الأغنياء يمتثلون لأوامر النبى ﷺ التى يطيعها العالم كله ويصحبون معهم اثنين أو ثلاثة من هؤلاء إلى منازلهم لإطعامهم كل على قدر ثروته. وإن كان ما يرويه حضرة فضالة كافيا لإيضاح مدى فقر أصحاب الصفة وشدة جوعهم وشدة تحملهم للحاجة والفقر إلا أن أبا هريرة بما أنه كان معينا للاطلاع على أحوالهم وشئونهم من قبل الرسول ﷺ ؛ لذا فهو يعرف أحوالهم أكثر من الأصحاب الآخرين. يتفضل حضرة أبو هريرة قائلا: «رأيت أن بين رفقائى سبعين نفرا كانوا عراة تمام العرى إذ لم يكن معهم إزار أو رداء وإن كان بعضهم قد وجد قطعة من القماش وستروا أماكن عوراتهم إلا أن أكثرهم لم يستطيعوا العثور على قطعة قماش قديمة فغطوا أمامهم بأيديهم وستروا عوراتهم بهذا الشكل. أقسم بالله الذى لا إله غيره-تعالى شأنه عما يقولون-إننى لم أستطع أن أتحمل يوما الجوع وأسندت بطنى على الأرض متصورا أنه يساعدنى على الصبر والتحمل ومع مرور الزمن اشتد جوعى وزاد اضطراب جسمى فالتقطت من الأرض حجرا وشددت به بطنى، كان غرضى أن أجد حلا للجوع وقد وصلت حالتى لدرجة أنى يئست من الحياة، وخرجت إلى الطريق لعلى أجد أحدا من أهل المروءة يمر من الطريق، وبعد وقت قصير ظهر الصديق الأكبر وبعده ظهر الواقف على أسرار البشر، ونظر إلى بابتسامة تبعث الحياة وأجال نظره ثم قال: «تعال يا أبا هريرة» فمشيت خلفه ودخلت بيته بعد الاستئذان ووجد قدحا من اللبن وسأل عن الذى أتى بهذا اللبن فقيل له إن أحد خدم الحرم أهداه وقدمه، ثم توجه إلى بالحديث قائلا: «إن هذا اللبن من حق أصحاب الصفة! اذهب وائت بجميع إخوانك إلى هنا، إنكم ضيوف المسلمين الأعزاء والمحترمين؛ إنكم لا تملكون أهلا ولا عيالا ولا أموالا وليس لكم مأوى ولا مسكن!» وكان جوعى قد تجاوز حده ورأيت اللبن فى القدح قليلا ومن هنا قلت يا رسول الله كيف يشبع قدح من اللبن هؤلاء! إنهم سبعون رجلا بالتمام والكمال وأردت بهذا أن

стр. 1155

أشير إلى عدم كفاية اللبن، إلا أننى قد أخذت منه الجواب المعجز إذ قال: «ما عليك إلا أن تأتى بهم فالله- -ينعم بالبركة للبن» فذهبت إلى أصحاب الصفة وسحبتهم خلفى حتى عفرت وجهى بتراب أرجل الرسول ﷺ وشربنا من ذلك اللبن حتى شبعت بطوننا وقدح اللبن ينتقل من يد إلى يد ولم تنقص قطرة من لبن القدح، إلا أننا لم نستطع أن نشرب أكثر مما شربنا وقد شبعنا إلى درجة أنه بعد أن شربنا بحرص الجائع أصبحنا نتنفس بصعوبة. يفهم من تعريف أبى هريرة هذا أن فقر أصحاب الصفة وشدة حاجتهم لم يكونا ينقصان من قدرهم لدى النبى ﷺ بل كان يزيد قدرهم عنده كلما زاد فقرهم وحاجتهم وكلما كان حامى دين الإسلام-﵊-يشرف مسجد السعادة كان يلاطف المشار إليهم ويطيب خاطرهم بالحديث إليهم وعقب الصلوات كان يستدعى كل واحد منهم على حدة إلى مجلسه مجلس الملائكة ويستفسر عن أحوالهم. فى الوقت الذى أخذت القبائل ترسل سفراءها لغرض قبول الإسلام، وعندما كثر القرشيون فى المدينة دار السكينة متحيرين بين قبول الإسلام ورده، حسد أشراف قريش ما يظهره النبى ﷺ نحو أهل الصفة من آيات المودة وأخذوا يتقولون فى طرد المشار إليهم من المجلس النبوى وإبعادهم منه، حتى إن الأقرع بن حابس التميمى وعيينة بن حصن الفزارى والآخرين نالوا شرف حضور المجلس النبوى ورأوا أن ثلاثين من أصحاب بدر الفقراء يحيطون بالنبى ﷺ كهالة القمر فأخذتهم العزة والغرور بالإثم وخرجوا عن شعورهم ووعيهم وقالوا: «يا رسول الله أبعد عن مجلسك العالى ابن مسعود، وبلال الحبشى ومقداد بن الأسود وسلمان الفارسى وصهيب بن سنان الربيعى وأمثالهم من الغرباء! إننا من العظماء الذين يرعى جانبهم بين الأقوام القرشية فيجب رعاية جانبنا، نحن نتحادث مع ذاتك الكريمة ونستفسر عن الإسلام ونستمع إلى الأحاديث والقرآن، إن الوفود العربية تأتى وتذهب بكثرة ويروننا بين أسافل الناس، وإن هذه الحالة تجلب لنا العار!! إننا ذوو قدر وتوقير بين الناس، فإذا ما

стр. 1156

خصص لنا مكان عال يصدق سفراء أقوام العرب فضلنا ورحمائنا على الفقراء!» وتباهوا وتفاخروا بمثل هذه الكلمات. وقال سيدنا سرور الأنام-﵊ «إننى لا أستطيع أن أطرد المؤمنين من مجلسى» مجيبا، إلا أنهم قالوا إن مجالسة الفقراء تجلب لنا العار والحقارة والخجل، على الأقل فكلما نأتى إلى مجلسك فلينصرف هؤلاء الفقراء من مجلسك متعللين بأى سبب كان إذا ما روعى هذا النظام فنحن نعرض انقيادنا وطاعتنا لك وأرادوا بهذا النهج أن يحصلوا على رضا النبى ﷺ وأن يعطى لهم عهدا بذلك وإذ رجوا ذلك أحضر معدن الحلم والكرم ﷺ سيدنا على حيدر الكرار ليكتب لهم عهدا وفق مطالب المذكورين، ولكن عقب ذلك أنزل الله -الآية التى تقول ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. (الأنعام:٥٢).فصرف النبى ﷺ النظر عن كتابة العهد وأحضر أصحاب الصفة-رضى الله عنهم-وقرأ عليهم الآية التى نزلت فى حقهم. استطراد كان فى ذلك الوقت بين القبائل العربية وخاصة بين شعبتى بنى أمية بنى مخزوم كثير من الحمقى انتعلوا الغطرسة والتكبر والتعظم وهم من الطائفة العرشية. وقد وصل الغرور ببعضهم حد أنهم لم يجدوا فى هذه الدنيا الواسعة رجلا يستحق مصاحبتهم وقالوا: «لا يدانينا إلا فرقدا (١) السماء». وإنهم لم يدركوا أن الكبر يجلب غضب الحق ويستوجب نفرة الخلق وأنه عندما ينفر الناس من أحد لن يستطيع أن يعيش حياة طبيعية سليمة وبناء على القول الذى يقول فى حق المتكبر: «الكبر على أهل الكبر صدقة» فكل الناس سينظرون إليه بالحقارة ومن هنا لن تستقيم حياته.

стр. 1157

أنعم أشرف الأنبياء سيدنا محمد على وائل بن حجر واقتطع له قطعة من الأرض وكلف حضرة معاوية بكتابة وثيقة بملكيتها وأن يرى حدود هذا الموقع؛ وبعد أن أخذ وائل قطعة الورقة التى سطرت عليها ملكيته للأرض ركب جمله وخرج مع حضرة معاوية إلى الطريق. وقطعا مسافة لا بأس بها، وكان معاوية ماشيا على قدميه لأنه لا يمتلك جملا ولما اشتدت حرارة الشمس مع مرور الوقت وأصبح المشى فوق التحمل استأذن معاوية من وائل أن يكون رديفه فى ركوب الجمل كما جرت العادة بين العرب، وكان هذا الرجاء قد جرح عظمة وائل وكبره إذ قال له يا معاوية إنك لست جديرا بأن تكون رديفا لواحد من أعاظم العرب وأشرافهم وعندئذ قال له معاوية إذا كان كذلك فأعرنى نعليك فإنهما أكثر متانة من نعلى حتى لا تؤذى قدماى فقال له وائل: «يا ابن أبى سفيان، إننى لست رجلا بخيلا؛ ولكن الملوك الذين فى حوالينا إذا ما سمعوا الخبر سيؤذى كبريائى، كفى لك شرفا بأن تسير فى ظل جملى»،وبهذا بين له أنه لن يتنازل حتى عن نعليه، وبعد مدة استولى على عظمة وائل وأرضه جيوش الفقر وتبدلت أحواله بينما أصبح معاوية بن أبى سفيان واليا على معظم سواد الشام، وسافر ابن حجر إلى الشام ليشتكى تقلبات الزمان الظالمة وتلاقى بمعاوية مضطرا، فاستقبله معاوية باحترام عظيم وأجلسه على سريره الخاص وسره بأن أجزل له العطاء ولم يتذكر الواقعة السابقة بل أخجل ابن حجر وأومأ له بأن الذين يتخلقون بالأخلاق المحمدية يتصفون بهذه المزايا العظيمة. إذا ما وازنا مقابلة معاوية الجميلة لابن حجر فى ضمائرنا نحكم أن أخلاق أشراف القبائل العربية قد تبدلت فى عصر السعادة تبدلا جذريا. قد فهم متكبرو الطوائف العربية أن الكبر والعظمة من الصّفات التى توجب غضب رب العزة وأنهم لا شك قد أصلحوا من أخلاقهم فى عصر النبى ﷺ إلا أن المرويات الآتية تثبت أنه كلما ابتعد عصر السعادة حدثت تحويلات كبيرة فى حال متكبرى العرب وشأنهم.

стр. 1158

مثال-عندما قيل فى عصر الخلفاء العباسيين لأحد المتكبرين من بنى عبد الدار لماذا لا تسافر إلى الخليفة وتعمل على كسب حسن توجهه نحو قبيلتنا؟ فأجاب أخاف ألا يتحمل الجسر الذى سأعبر عليه أو الجمل الذى سأركبه ثقل شرفى ومزيتى وكأنه أراد أن يرمى إلى أن الخليفة إذا ما قصر فى حسن قبولى ورعايتى سيؤذى كبرى. وكان الحجاج بن أرطأة من متكبرى العرب القدماء يتجنب الصلاة مع الجماعة، ويقول للذين يسألونه عن عدم إتيانه إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة إننى أخجل أن يقف على جانبى رجال بسطاء لأداء الصلاة. وكان كبر ابن ثوابه يفوق جميع تكبر جميع متكبرى العرب وكان تعاظمه ونخوته أشنع وأقبح بدرجات عن غرور الحجاج بن أرطأة وهذا الأحمق الذى كان من عظماء العرب إذا ما أضطر لمكالمة أحد الزراع كان يغسل فاه بعد المكالمة. لمؤلفه الفقير: إذا ما عرف المتكبر مضرة كبره ... بقبضة الندامة يضرب صدره «انتهى» فهؤلاء وأمثالهم من المتكبرين من رجال قبائل العرب والمتعاظمين كانوا يعدون وجود جماعات أصحاب الصفة فى مجلس السعادة حقارة لهم وإقلالا من شأنهم؛ لذا سعوا معهم بطردهم منه؛ وكانت لهم وسائلهم وحيلهم الشيطانية وفى النهاية أطلعوا النبى ﷺ على ما فى ضمائرهم وطلبوا كتابة عهد بذلك؛ ولكن هذه الجماعة العظيمة كانت قد انصرفت سواء أكانت عن الدنيا أو عن مكاسبها كلية ولازموا مسجد السعادة وادموا فى عبادة رب العزة ومن هنا لم يستطع هؤلاء المتكبرون ترويج أفكارهم المسمومة، وقد صدقت الآية الجليلة (ولا تطرد الذين ... ) (الأنعام:٥٢) صدقهم وصفاء قلوبهم، ويعد بعض الناس عدد أهل الصفة أربعمائة نفر ويوصلهم البعض إلى ستمائة نفر، وبناء على تدقيق أبى نعيم الأصفهانى فى مؤلفه «حلية الأولياء» بغض النظر عما ورد فى أسماء

стр. 1159

أصحاب الصفة من الاختلافات أن بعض أصحاب الصفة قد تأهلوا وتركوا الإقامة فى الصفة الشريفة كما أن بعضهم خرجوا للسياحة ولم يقيموا فيها فى صورة دائمة ومن هنا لا يمكن تعيين عددهم بالضبط:ولكن سواء أكان المتزوجون فيهم أو من خرجوا للسياحة كانوا يعدون موجودين فى الصفة ويتساوون حسب المزية فى درجة واحدة، وكان بينهم من لهم نفوذ ومن يراعى جانبهم وكان أبو هريرة، كما أشير أعلاه، يعد رئيسهم ونقيبهم. حتى إن أبا هريرة كان يتولى تفقد أحوالهم والاستفسار عن شأنهم بموجب الأمر النبوى ويعرض أحوالهم إلى السدة النبوية وكان يعمل وفق الأوامر التى تصدر من النبى ﷺ . أصحاب الصفة الذين أورد أبو نعيم أسماءهم الجميلة ومناقبهم الجليلة من بين هؤلاء: أوس بن أوس الثقفى، أسماء ابن حارثة الأسلمى، أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، أبو سعد ثابت بن وديعة الأوسى، أبو ذر جندب بن جنادة الغفارى، أبو عبد الرحمن جرهد الأسلمى، أبو سريحه حذيفة بن أسيد الغفارى، أبو عبد الله حارثه بن النعمان الأنصارى، أبو عبد الله سلمان الفارسى، أبو عبد الرحمن سفينة، أبو كبشه سليم الفارس، أبو هريرة عبد الرحمن الدوسى، أبو رزين أبو فراس الأسلمى، ابن الخصاصية، بشير بن يزيد، أبو عبيده عامر بن عبد الله الجراح، أبو مويهبة، أبو ريحانة شمعون الأزدى، وبرة، نضلة بن عبيد الأسلمى، أبو عسيب أحمر، أبو عيسى بن مريم بن سالم، أبو اليقظان عمار بن ياسر، بلال بن رباح الحبشى، ثابت بن الضحاك الأشهلى، جرهم أبو ثعلبه الحسينى، جعيل بن شرأفة الضميرى الغفارى، جارية بن حميل الأشجعى، حبيب بن زيد الأنصارى، حازم بن حرملة الأسلمى، حنظلة بن أبى عامر، حجاج بن عمرو المازنى، حكم بن عمرو الثمالى (١)،حرملة بن إياس، خبيب بن إساف الخزرجى، الحسين بن على بن أبى طالب، حجاج بن عمرو الأسلمى،

стр. 1160

خباب بن الأرت التّميمىّ، خنيس بن حذافة السهمى، خالد بن زيد الخزرجى، خريم بن أوس الطائى، دكين بن سعيد الخثعمى، رفاعة بن عبد المنذر الأوسى، زيد بن الخطاب العدوى، سعد بن مالك أبو وقاص الزهرى، سعيد بن عامر الجمحّى، سعد بن مالك الخزرجى، سالم بن عبيد، سالم بن عمرو الأنصارى، سائب بن خلاد، سالم مولى أبى حذيفة، شداد بن أسيد السلمى، صالح شقران الحبشى، صفوان بن دهب الفهرى، صهيب بن سنان الرومى، طخفة بن قيس الغفارى؛ طلحة بن عمرو البصرى، عبد الله بن ذو البجادين المزنى، عبد الله بن حرام السلمى، عبد الله بن مسعود الهذلى، عبد الله بن عبد الأسد المخزومى، عبد الله بن حرام السلمى، عبد الله بن زيد الجهنى، عبد الله بن أنيس الجهنى، عبد الله بن حارث الزيدى، عبد الله بن عمر بن الخطاب، عبد الرحمن بن قرط الأزدى الثمالى، عبد الرحمن بن جبير الحارثى، عتبة بن غزوان، عقبة بن عامر الجهنى، عباد بن خالد الغفارى، عمرو بن تغلب النمرى، عويم بن ساعدة الأوسى، عويمر بن عامر الخزرجى، عبيد بن سليم، عكاشة بن محصن الأسدى، عرباض بن سارية السلمى، عبد الله بن حبيش الخثعمى، عتبة بن عبد السلمى، عتبة بن النّدّر السلمى، عمرو بن عبسة السلمى، عبادة بن قرط الليثى، عياض بن حمار المجاشعى، عبد الله بن طهفة الغفارى، عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، عبد الله بن منذر الجهنى، فضالة بن عبيد الأوسى العمرى، فرات بن حيان البكرى العجلى، كعب بن عمرو الخزرجى، كعب بن عمر السلمى، كناز بن حصين الغنوى، كنانة بن حصين العدوى أبو المدينة، مصعب بن عمير العبدرى، مقداد بن الأسود، مسطح بن أثاثه القرشى، مسعود بن ربيعة الهونى، معاذ بن الحارث النجارى، معاوية بن الحكم السلمى، مسعود بن ربيعة القارى وهو الهونى المتقدم، واثلة بن الأسقع الليثى، وابصة بن معبد الأسدى، هلال بن مولى المغيرة، هند بن حارثة بن هند، هبيب (١) بن يسار- رضى الله عنهم الستار.
следующие страницы →