← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

خصص لنا مكان عال يصدق سفراء أقوام العرب فضلنا ورحمائنا على الفقراء!» وتباهوا وتفاخروا بمثل هذه الكلمات. وقال سيدنا سرور الأنام-﵊ «إننى لا أستطيع أن أطرد المؤمنين من مجلسى» مجيبا، إلا أنهم قالوا إن مجالسة الفقراء تجلب لنا العار والحقارة والخجل، على الأقل فكلما نأتى إلى مجلسك فلينصرف هؤلاء الفقراء من مجلسك متعللين بأى سبب كان إذا ما روعى هذا النظام فنحن نعرض انقيادنا وطاعتنا لك وأرادوا بهذا النهج أن يحصلوا على رضا النبى ﷺ وأن يعطى لهم عهدا بذلك وإذ رجوا ذلك أحضر معدن الحلم والكرم ﷺ سيدنا على حيدر الكرار ليكتب لهم عهدا وفق مطالب المذكورين، ولكن عقب ذلك أنزل الله -الآية التى تقول ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. (الأنعام:٥٢).فصرف النبى ﷺ النظر عن كتابة العهد وأحضر أصحاب الصفة-رضى الله عنهم-وقرأ عليهم الآية التى نزلت فى حقهم. استطراد كان فى ذلك الوقت بين القبائل العربية وخاصة بين شعبتى بنى أمية بنى مخزوم كثير من الحمقى انتعلوا الغطرسة والتكبر والتعظم وهم من الطائفة العرشية. وقد وصل الغرور ببعضهم حد أنهم لم يجدوا فى هذه الدنيا الواسعة رجلا يستحق مصاحبتهم وقالوا: «لا يدانينا إلا فرقدا (١) السماء». وإنهم لم يدركوا أن الكبر يجلب غضب الحق ويستوجب نفرة الخلق وأنه عندما ينفر الناس من أحد لن يستطيع أن يعيش حياة طبيعية سليمة وبناء على القول الذى يقول فى حق المتكبر: «الكبر على أهل الكبر صدقة» فكل الناس سينظرون إليه بالحقارة ومن هنا لن تستقيم حياته.

стр. 1157

أنعم أشرف الأنبياء سيدنا محمد على وائل بن حجر واقتطع له قطعة من الأرض وكلف حضرة معاوية بكتابة وثيقة بملكيتها وأن يرى حدود هذا الموقع؛ وبعد أن أخذ وائل قطعة الورقة التى سطرت عليها ملكيته للأرض ركب جمله وخرج مع حضرة معاوية إلى الطريق. وقطعا مسافة لا بأس بها، وكان معاوية ماشيا على قدميه لأنه لا يمتلك جملا ولما اشتدت حرارة الشمس مع مرور الوقت وأصبح المشى فوق التحمل استأذن معاوية من وائل أن يكون رديفه فى ركوب الجمل كما جرت العادة بين العرب، وكان هذا الرجاء قد جرح عظمة وائل وكبره إذ قال له يا معاوية إنك لست جديرا بأن تكون رديفا لواحد من أعاظم العرب وأشرافهم وعندئذ قال له معاوية إذا كان كذلك فأعرنى نعليك فإنهما أكثر متانة من نعلى حتى لا تؤذى قدماى فقال له وائل: «يا ابن أبى سفيان، إننى لست رجلا بخيلا؛ ولكن الملوك الذين فى حوالينا إذا ما سمعوا الخبر سيؤذى كبريائى، كفى لك شرفا بأن تسير فى ظل جملى»،وبهذا بين له أنه لن يتنازل حتى عن نعليه، وبعد مدة استولى على عظمة وائل وأرضه جيوش الفقر وتبدلت أحواله بينما أصبح معاوية بن أبى سفيان واليا على معظم سواد الشام، وسافر ابن حجر إلى الشام ليشتكى تقلبات الزمان الظالمة وتلاقى بمعاوية مضطرا، فاستقبله معاوية باحترام عظيم وأجلسه على سريره الخاص وسره بأن أجزل له العطاء ولم يتذكر الواقعة السابقة بل أخجل ابن حجر وأومأ له بأن الذين يتخلقون بالأخلاق المحمدية يتصفون بهذه المزايا العظيمة. إذا ما وازنا مقابلة معاوية الجميلة لابن حجر فى ضمائرنا نحكم أن أخلاق أشراف القبائل العربية قد تبدلت فى عصر السعادة تبدلا جذريا. قد فهم متكبرو الطوائف العربية أن الكبر والعظمة من الصّفات التى توجب غضب رب العزة وأنهم لا شك قد أصلحوا من أخلاقهم فى عصر النبى ﷺ إلا أن المرويات الآتية تثبت أنه كلما ابتعد عصر السعادة حدثت تحويلات كبيرة فى حال متكبرى العرب وشأنهم.

стр. 1158

مثال-عندما قيل فى عصر الخلفاء العباسيين لأحد المتكبرين من بنى عبد الدار لماذا لا تسافر إلى الخليفة وتعمل على كسب حسن توجهه نحو قبيلتنا؟ فأجاب أخاف ألا يتحمل الجسر الذى سأعبر عليه أو الجمل الذى سأركبه ثقل شرفى ومزيتى وكأنه أراد أن يرمى إلى أن الخليفة إذا ما قصر فى حسن قبولى ورعايتى سيؤذى كبرى. وكان الحجاج بن أرطأة من متكبرى العرب القدماء يتجنب الصلاة مع الجماعة، ويقول للذين يسألونه عن عدم إتيانه إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة إننى أخجل أن يقف على جانبى رجال بسطاء لأداء الصلاة. وكان كبر ابن ثوابه يفوق جميع تكبر جميع متكبرى العرب وكان تعاظمه ونخوته أشنع وأقبح بدرجات عن غرور الحجاج بن أرطأة وهذا الأحمق الذى كان من عظماء العرب إذا ما أضطر لمكالمة أحد الزراع كان يغسل فاه بعد المكالمة. لمؤلفه الفقير: إذا ما عرف المتكبر مضرة كبره ... بقبضة الندامة يضرب صدره «انتهى» فهؤلاء وأمثالهم من المتكبرين من رجال قبائل العرب والمتعاظمين كانوا يعدون وجود جماعات أصحاب الصفة فى مجلس السعادة حقارة لهم وإقلالا من شأنهم؛ لذا سعوا معهم بطردهم منه؛ وكانت لهم وسائلهم وحيلهم الشيطانية وفى النهاية أطلعوا النبى ﷺ على ما فى ضمائرهم وطلبوا كتابة عهد بذلك؛ ولكن هذه الجماعة العظيمة كانت قد انصرفت سواء أكانت عن الدنيا أو عن مكاسبها كلية ولازموا مسجد السعادة وادموا فى عبادة رب العزة ومن هنا لم يستطع هؤلاء المتكبرون ترويج أفكارهم المسمومة، وقد صدقت الآية الجليلة (ولا تطرد الذين ... ) (الأنعام:٥٢) صدقهم وصفاء قلوبهم، ويعد بعض الناس عدد أهل الصفة أربعمائة نفر ويوصلهم البعض إلى ستمائة نفر، وبناء على تدقيق أبى نعيم الأصفهانى فى مؤلفه «حلية الأولياء» بغض النظر عما ورد فى أسماء

стр. 1159

أصحاب الصفة من الاختلافات أن بعض أصحاب الصفة قد تأهلوا وتركوا الإقامة فى الصفة الشريفة كما أن بعضهم خرجوا للسياحة ولم يقيموا فيها فى صورة دائمة ومن هنا لا يمكن تعيين عددهم بالضبط:ولكن سواء أكان المتزوجون فيهم أو من خرجوا للسياحة كانوا يعدون موجودين فى الصفة ويتساوون حسب المزية فى درجة واحدة، وكان بينهم من لهم نفوذ ومن يراعى جانبهم وكان أبو هريرة، كما أشير أعلاه، يعد رئيسهم ونقيبهم. حتى إن أبا هريرة كان يتولى تفقد أحوالهم والاستفسار عن شأنهم بموجب الأمر النبوى ويعرض أحوالهم إلى السدة النبوية وكان يعمل وفق الأوامر التى تصدر من النبى ﷺ . أصحاب الصفة الذين أورد أبو نعيم أسماءهم الجميلة ومناقبهم الجليلة من بين هؤلاء: أوس بن أوس الثقفى، أسماء ابن حارثة الأسلمى، أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، أبو سعد ثابت بن وديعة الأوسى، أبو ذر جندب بن جنادة الغفارى، أبو عبد الرحمن جرهد الأسلمى، أبو سريحه حذيفة بن أسيد الغفارى، أبو عبد الله حارثه بن النعمان الأنصارى، أبو عبد الله سلمان الفارسى، أبو عبد الرحمن سفينة، أبو كبشه سليم الفارس، أبو هريرة عبد الرحمن الدوسى، أبو رزين أبو فراس الأسلمى، ابن الخصاصية، بشير بن يزيد، أبو عبيده عامر بن عبد الله الجراح، أبو مويهبة، أبو ريحانة شمعون الأزدى، وبرة، نضلة بن عبيد الأسلمى، أبو عسيب أحمر، أبو عيسى بن مريم بن سالم، أبو اليقظان عمار بن ياسر، بلال بن رباح الحبشى، ثابت بن الضحاك الأشهلى، جرهم أبو ثعلبه الحسينى، جعيل بن شرأفة الضميرى الغفارى، جارية بن حميل الأشجعى، حبيب بن زيد الأنصارى، حازم بن حرملة الأسلمى، حنظلة بن أبى عامر، حجاج بن عمرو المازنى، حكم بن عمرو الثمالى (١)،حرملة بن إياس، خبيب بن إساف الخزرجى، الحسين بن على بن أبى طالب، حجاج بن عمرو الأسلمى،

стр. 1160

خباب بن الأرت التّميمىّ، خنيس بن حذافة السهمى، خالد بن زيد الخزرجى، خريم بن أوس الطائى، دكين بن سعيد الخثعمى، رفاعة بن عبد المنذر الأوسى، زيد بن الخطاب العدوى، سعد بن مالك أبو وقاص الزهرى، سعيد بن عامر الجمحّى، سعد بن مالك الخزرجى، سالم بن عبيد، سالم بن عمرو الأنصارى، سائب بن خلاد، سالم مولى أبى حذيفة، شداد بن أسيد السلمى، صالح شقران الحبشى، صفوان بن دهب الفهرى، صهيب بن سنان الرومى، طخفة بن قيس الغفارى؛ طلحة بن عمرو البصرى، عبد الله بن ذو البجادين المزنى، عبد الله بن حرام السلمى، عبد الله بن مسعود الهذلى، عبد الله بن عبد الأسد المخزومى، عبد الله بن حرام السلمى، عبد الله بن زيد الجهنى، عبد الله بن أنيس الجهنى، عبد الله بن حارث الزيدى، عبد الله بن عمر بن الخطاب، عبد الرحمن بن قرط الأزدى الثمالى، عبد الرحمن بن جبير الحارثى، عتبة بن غزوان، عقبة بن عامر الجهنى، عباد بن خالد الغفارى، عمرو بن تغلب النمرى، عويم بن ساعدة الأوسى، عويمر بن عامر الخزرجى، عبيد بن سليم، عكاشة بن محصن الأسدى، عرباض بن سارية السلمى، عبد الله بن حبيش الخثعمى، عتبة بن عبد السلمى، عتبة بن النّدّر السلمى، عمرو بن عبسة السلمى، عبادة بن قرط الليثى، عياض بن حمار المجاشعى، عبد الله بن طهفة الغفارى، عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، عبد الله بن منذر الجهنى، فضالة بن عبيد الأوسى العمرى، فرات بن حيان البكرى العجلى، كعب بن عمرو الخزرجى، كعب بن عمر السلمى، كناز بن حصين الغنوى، كنانة بن حصين العدوى أبو المدينة، مصعب بن عمير العبدرى، مقداد بن الأسود، مسطح بن أثاثه القرشى، مسعود بن ربيعة الهونى، معاذ بن الحارث النجارى، معاوية بن الحكم السلمى، مسعود بن ربيعة القارى وهو الهونى المتقدم، واثلة بن الأسقع الليثى، وابصة بن معبد الأسدى، هلال بن مولى المغيرة، هند بن حارثة بن هند، هبيب (١) بن يسار- رضى الله عنهم الستار.

стр. 1161

كيفية إعاشة أصحاب الصفة: تعرضت أشجار النخيل فى أواخر عهد السعادة لنوع من الآفات وأشجار النخيل التى أصابها الآفة عندما أشرفت على إظهار ثمارها ذبلت أزهارها وبليت وسقطت على الأرض وأصابت الآفة خمسة وتسعين فى المائة من النخيل، وبهذا الشكل كان رأسمال الملاك وثروتهم قد ذهبا هباء ومحيا تماما. وقام الزراع للقضاء على هذه الآفة بآلاف المحاولات حتى يجدوا حلا سريعا لهذه الآفة، وقاموا فى سبيل ذلك ببعض التضحيات إلا أن سعيهم وجهودهم ذهبت هباء، وإذا ما دامت هذه الحالة أصبح احتمال الحصول على المحاصيل من حدائق المدينة مستحيلا، ومن هنا راجعوا طبيب الكائنات-عليه أسبغ التحيات-راجين أن يجد دواء لدائهم. فما كان من النبى ﷺ الواقف على أسرار الحكمة إلا أن اتخذ قرارا بأن يأتى كل من أصابت الآفة نخيله بعنقود من البلح صدقة خالصة لأصحاب الصفة وبنية صحيحة، وامتثل للأمر النبوى معاذ بن جبل من سادات الأصحاب وكان أول من امتثل وأسرع بقطف عنقود من البلح الطازج وأتى به إلى مسجد السعادة وبما أن الآفة انقطعت من حديقة معاذ بن جبل إثر هذا العمل وأبلغ الأهالى الرسول ﷺ أصدر النبى ﷺ تعليماته أن يأتى كل من ابتلى بالآفة بعنقود بلح لتوزيعه على أصحاب الصفة وأعلن ذلك على الزراع. ومن هنا اتخذ أصحاب الحدائق عادة ألا يطعموا أولادهم وعيالهم قبل أن يقدموا عنقودا من البلح لأصحاب الصفة، واستمر أصحاب اليسار والثروة بعد زوال الآفة فى تقديم البلح إلى مسجد السعادة كصدقة لأهل الصفة متبركين وعدوا هذا العمل كنفع عام ومن هنا تنافسوا فى هذا العمل المبارك. وتولى معاذ بن جبل بحفظ ما يقدم من البلح وأخذ يوزعه على أصحاب الصفة فى أوقات معينة مخصوصة، وكان محمد بن مسلمة من أكابر الصحابة معروفا بالسماحة والسجايا السامية وكان رجلا فاضلا يسلك دائما أحسن المسالك، إذ كان فى باكورة مواسم البلح يأتى بعناقيد البلح التى يجمعها ويضعها

стр. 1162

بين عمودين من أعمدة المسجد ومن رأى ذلك اتخذ عادة الإتيان ببعض عناقيد البلح ويضعها بجانب عناقيد البلح المشار إليه، ولما كان هذا النظام الحسن سببا فى إعاشة أصحاب الصفة وتسهيل حياتهم فقد تعمم تقديم البلح حتى أصبح كقانون البلد، وعمل زراع البلد بهذا القانون ذو الفرائد واستمروا على ذلك فى عصر السعادة وهكذا أطعموا حضرات أصحاب الصفة. وعندما كثرت عناقيد البلح فى مسجد السعادة ربط معاذ بن جبل بين الأعمدة التى تراكمت فيها العناقيد حبلا وعلق عليه العناقيد وكان الأصحاب الكرام يهزون العناقيد بعصيهم ويدعون أصحاب الصفة وبعد تناول البلح كان أصحاب الصفة ينصرفون إلى الأروقة التى صنعت من أجلهم فى نهاية مسجد السعادة من جهة الشمال حيث يمضون أوقاتهم فى الطاعة والعبادة. واستمر توزيع البلح بهذه الصورة إلى أزمنة الخلفاء الراشدين، ولكن فيما بعد كثرت حقول البلح وكثر الغرباء من الوافدين إلى المدينة حيث أصبحت الصفة الخاصة بأصحاب الصفة لا تتسع لإيوائهم ومن هنا أخذ ولاة المدينة المنورة ما يتبرع به الزراع من بلح التبرك وباعوا بعضه واشتروا بعض قرب الماء والنعال وأشياء أخرى وأخذوا يطعمون الفقراء الوافدين فى مواسم الحج طول إقامتهم حسب النظام السابق وأسعدوهم عند عودتهم بإعطاء كل واحد منهم قربة ماء ومقدارا من البلح، وقد ألغى الولاة المتأخرون النظام السابق وأحالوا إدارة الزوار الفقراء إلى دار الضيافة النبوية، وبما أنه لم يبق الآن فى المدينة المنورة، لا الزراع الذين يقدمون البلح لإطعامهم ولا القادرون الذين يعنون بإطعام الفقراء ويفكرون فيه ومن هنا فالفقراء الذين نفدت نقودهم وطعامهم لم يجدوا إلا صاحب الرسالة عليه أكمل التحية يعرضون عليه حاجتهم وهكذا ينالون مطالبهم كما سيفصل فى المقال الذى فى خاتمة الكتاب. ومكان المظلة والرواق اللذان صنعا خصيصا من أجل أصحاب الصفة الذين يعيشون كما سبق ذكره فى الجهة الشمالية من محراب التهجد وتقع هذه الصفة

стр. 1163

المسعودة بين محراب التهجد الشريف إلى باب جبريل تظل مقصورة محراب التهجد فى الجهة اليمنى ومقصورة صفة أصحاب الصفة المباركة فى الجهة اليسرى. وأراد الأسلاف الكرام أن يحافظوا على مكان الصفة الشريف إلى يوم القيامة وبهذا التفكير المصيب رفعوا الصفة عن سطح المسجد الشريف بمقدار ذراع واحد وأحاطوا أطرافها بسور خشبى فى ارتفاع نصف ذراع وخصصوها لجلوس أغوات حجرة السعادة، ويقيم الزوار الأفاضل وشيخ الحرم والآخرون من الذوات الكرام ليصلوا الصلوات المفروضة فى صفة أصحاب الصفة كما أن حراس الحجرة المعطرة يمضون أوقات نوبتهم فى هذا المكان الجميل بقراءة أورادهم الخاصة، إن هذا المكان موضع مبارك فى غاية اللطف والروحانية ولا ينكر أهمية الصلوات التى تؤدى فى هذا المكان لشرفه إلا أن أداء الصلاة فى الروضة المطهرة ما دام يجد الإنسان مكانا خاليا أفضل من الصلاة فى الصّفّة. ولكن فى حالة ازدحام الروضة المطهرة بالمصلين وعدم وجود مكان للصلاة تؤدى الصلاة فى مقصورة أصحاب الصفة، وإذا ما تذكر الإنسان تراحم أحوال أصحاب الصفة ومناقبهم وفضائلهم فلابد أن يقدر أهمية موقع ذلك المكان. وكيف لا يبعث هذا المكان صفاء وسكونا للقلب؟ فمحراب التهجد أمامه ودار السيدة فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-خلف محراب التهجد والروضة المطهرة فى الجهة الشرقية القبلية منه وحجرة النبى ﷺ المعطرة فى التقاء الروضة المقدسة من الجهة الغربية.

стр. 1164

الصورة التاسعة فى تعريف الحجرة النبوية المعطرة . ترك بانى أساس الشريعة عديم الاندراس-عليه أكمل التحية-عندما تفضل بوضع أسس مسجد المدينة مكانا خاليا فى جهة من جهات المسجد ليبنى عليه لزوجاته المطهرات أمهات المؤمنين حجرة عالية لكل واحدة منهن، وبعد ما تم بناء المسجد الشريف ابتدر ببناء دارين للسيدتين سودة وعائشة (١) -رضى الله عنهما- وسواء أكانت عمق هاتين الدارين أو حجرات زوجات النبى الأخريات كاملة ملكا لحارثة بن النعمان، أو قدم حضرة حارثة العرصة المذكورة للنبى ﷺ ورحل إلى مكان آخر وهكذا نال شرف مجاورة النبى ﷺ الغالية لمدة مديدة. وقد كان لحارثة بن النعمان أولا عرصة الدارين سالفتى الذكر ورحل إلى الدار التى على اتصال بهذه الساحة، وتعود أن يعطى قطعة أرض للنبى ﷺ كلما احتاج لبناء دار ويرحل هو إلى دار أخرى وبهذه الطريقة كان قد تنازل عن جميع ما يملكه من الأرض عند ما تم بناء حجرات زوجات النبى ﷺ . إن الحجرات التسعة التى أسسها النبى ﷺ لزوجاته كان بعضها مبنيا من الحجر والطين اللبن وبعضها من جذوع النخيل قد طلى فوقها بالطين وصنعت أسقفها جميعا من جريد النخيل، وكان ارتفاع جدرانها عامة فى حدود ثلاثة أذرع، وكانت بين دار السيدة عائشة وباب الرحمة، أى حجرات نسائه جميعا كانت فى الجهة القبلية والشرقية والجهة الشمالية للمسجد الشريف، والدار التى كان يحبها النبى ﷺ وأكثر ما كان يسكن ويقيم فيها كانت دار عائشة-رضى الله عنها- وكان يفتح بابها إلى الساحة الرملية وكان مصراعه مصنوعا من خشب العرعر أو من خشب الساج على قول آخر، وكان الأصحاب الكرام والتابعين يدخلون فى

стр. 1165

حجرات النبى بعد ارتحاله عن دنيانا ويؤدون فيها ركعات التحية ويذكرون المحاسن النبوية وينتحبون متحسرين كما أن المشتاقين للجمال المحمدى يؤدون صلاة الجمعة فى داخلها، وهذا التصرف دليل كاف للدلالة على مدى حب أصحاب النبى الكرام لرسولهم. حكاية رأى النبى ﷺ يوما من الأيام ثوبان-رضى الله عنه-فى غاية الهم والغم وهو واقف فى حضرته فسأله قائلا: «يا ثوبان مالى أراك فى هذه الدرجة من الحزن والهم؟» فتحضر حضرة ثوبان للإجابة قائلا «يا رسول الله إنك ستكون فى مقام عال مع الأنبياء الكرام! ففكرت ماذا سيكون إلى فى ذلك الوقت إذا سأحرم من رؤية جمالك الكامل، ومن أجل ذلك ملأنى الهم والغم» وبناء على قوله هذا نزل قول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾.الآية (٦٩:النساء) ويروون هذه القصة فى حق زيد بن عبد ربه أيضا، كان زيد يحب النبى ﷺ حبّا جمّا، وعندما ارتحل النبى ﷺ كان زيد مشغولا فى حديقته، وعندما جاء ابنه وأخبره بهذا الخبر المؤثر رفع يديه عاليا وقال: «يا رب أزل نور عينى!!! حتى لا تريا بعد وجه رسول الله ﷺ أحد!» وأصاب سهم دعائه هدفه فعميت عيناه من تلك اللحظة؛ رضى الله عنه. حكاية أخرى كان زيد بن الدثنة من الذين يحبون الرسول الأكرم حبا مفرطا، ولما وقع فى يد مشركى مكة وأخرجوه من الحرم ليعيدوه جاء أبو سفيان وقال: «يا زيد قل لى بالله لما كنت تود أن يكون مكانك محمد وضرب عنقه بدل عنقك وتعود أنت إلى عيالك» فأجابه قائلا: «يا أبا سفيان لو شاكت شوكة الرسول ﷺ حيث يجلس وكنت أنا بين أولادى وعيالى، لكنت تألمت من ذلك» فقال أبو سفيان، إننى لم أر أحدا من أبناء آدم يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا وهكذا أظهر .. شدة تعجبه. انتهى.

стр. 1166

لما زادت الجماعات الإسلامية ووصل الأمر إلى درجة أنهم ملئوا حرم المسجد الشريف هدموا الحجرات العليا كلها وألحقوها بالمسجد الشريف، وكانت هذه الحجرات فى عهدة إحدى زوجات النبى المطهرات إلا أن دار زينب-رضى الله عنها آلت إلى أم سلمة-بعد رحيل الأولى، كما أن دار سودة-رضى الله عنها- آلت إلى عائشة-رضى الله عنها-كما أن دار صفية-رضى الله عنها-بعد مضى بعض الوقت بيعت إلى معاوية من قبل أوليائها. كما أن عائشة-رضى الله عنها-أعطت الدار التى انتقلت إليها لعبد الله بن الزبير بشرط أن يقيم فيها بذاته. وكانت السيدة سودة قد أوصت فى حياتها بإعطاء دارها لعائشة، إلا أن ابن أبى سفيان اشترى دار والدتنا صفية من ورثتها بمائة وثمانين ألف درهم. يروى بعض المؤرخين أن حضرة معاوية اشترى دار عائشة-رضى الله عنها- فى رواية بمائة وثمانين ألف درهم وفى رواية أخرى بثمانين ألف درهم فقط وكانت دار حفصة أصبحت من ميراث عبد الله بن عمر فانتزعها منه الحجاج الظالم بالقوة ليلحقها بالمسجد، إلا أن رواية شراء ابن أبى سفيان من عائشة غير صحيحة، لأن عائشة وهبت تلك الدار المذكورة وملكتها لعبد الله بن الزبير فقدم من شدة فرحته لأمنا المذكورة هدية حمل خمسة جمال كما رجاها ألا تغادرها مادامت حية.

стр. 1167

الصورة العاشرة فى تعريف دار فاطمة-رضى الله عنها-السعيدة . كان بين حجرتى السيدة فاطمة وعائشة-رضى الله عنهما-حيث تقيمان باب صغير، وكانت دار النبى ﷺ الطاهرة متصلة بهذا الباب الصغير، وكانت دار فاطمة-رضى الله عنها-مائلة نحو الحجرة المعطرة، ومن هنا كلما وجد نبينا ﷺ فى داره الطاهرة كان يستفسر عن حال السيدة فاطمة؛ وفى ليلة من الليالى حدث قيل وقال بين عائشة وفاطمة-رضى الله عنهما-فغضبت السيدة فاطمة من عائشة-رضى الله عنهما-ورجت من النبى ﷺ أن يسد ذلك الباب الصغير، وبناء على ذلك سد النبى ﷺ ذلك الباب. ودار فاطمة فى الجهة القبلية من محراب التهجد الذى يقع فى الجهة الشامية من الحجرة النبوية وبابها أمام مربعة القبر الجليل ولما كانت فخر النساء-رضى الله عنها-زفت فى داخل هذه الحجرة فأحيط حولها، لأجل التعظيم بسور خشبى، واستخدم فترة كالمقصورة وأخذ مؤخرا داخل شبكة السعادة. وبالنظر لهيئة مسجد السعادة الحالية فإن دار فاطمة بين مربع القبر الجليل وأسطوانة محراب التهجد وقد أصبحت ذاتها العالية عروسا بجانب أسطوانة محراب التهجد، ومن هنا فهذا المكان من جميع الوجوه جدير بالتعظيم والتقديس، والدار التى نحن فى صدد تعريفها بين باب دارى عثمان بن عفان وأسماء بنت حسن بن عبد الله وجهتها الشامية فى طرف باب النساء. وكلما عاد النبى ﷺ من سفر كان يدخل أولا فى المسجد وبعد أن يصلى ركعتين يزور حجرة فاطمة-رضى الله عنها-ثم يزور حجرات زوجاته بالترتيب، كل هذه الروايات مروية عن الحسن البصرى الذى كان من أجلة

стр. 1168

التابعين، كان يقول هذا الذات السامى كلما يتحدث عن الحجرات النبوية «إننى قد زرت حجرات زوجات النبى المطهرات قبل البلوغ وكنت أستطيع أن أمسك بيدى أسقف الحجرات بالرغم من صغر سنى». وبهذا القول كان يبين مدى انخفاض الحجرات العليا عندما أسست؛ رحمة الله عليه.

стр. 1169

الصورة الحادية عشرة فى تعريف كيفية إغلاق الأبواب التى تواجه مسجد النبى فى عصر السعادة . كان لكل واحد من المنازل التى تحيط بالمسجد الشريف فى عصر السعادة بابان كان يواجه أحدهما المسجد الشريف والآخر ينظر إلى جهات أخرى، وبناء عليه كان أصحاب تلك البيوت يستطيعون أن ينظروا داخل المسجد الشريف وقتما شاءوا. وصعد النبى ﷺ قبل ارتحاله إلى دار البقاء وقال: «إن الله- -قد خير عبده بين ذاته الوحدانية وبين زهرة الدنيا فاختار عبده ذاته الإلهية، وذلك قوله ﷺ : «لو كنت خيرت أن أتخذ غير الله- خليلا لاتخذت أبا بكر الصديق خليلا لما له من أيادى على أن أسعدنى بصحبته وساعدنى بماله، ومع ذلك بيننا الأخوة والمودة الإسلامية، وأوصيكم بأن تسدوا جميع الأبواب الناظرة إلى مسجدى غير باب أبى بكر الصديق»،وكانت الخطبة مؤثرة ذات معان بليغة وفى هذه الخطبة أمر بإغلاق جميع الأبواب الناظرة إلى المسجد الشريف إلا أنه حدث عقب هذه الخطبة بين الأصحاب قيل وقال ووصل ذلك إلى الرسول ﷺ . وبناء على ذلك استدعى يوما أصحابه وقال لهم قد سمعت أن الخطبة التى ألقيتها بالأمس بها أمر بأن تسد جميع الأبواب غير باب أبى بكر أدى إلى شيوع القيل والقال! إن النور الذى أبصره يقينى والذى أشاهده فى باب أبى بكر لا أشاهده فى أبواب سائر الأصحاب وكلمة العبد التى ذكرت فى الخطبة السابقة كانت المقصود بها الذات النبوى، وقد فهم أبو بكر الأمر، وعرف أن الوقت قد آن لانتقال الرسول ﷺ إلى الآخرة وتشريفها وإن أشار لذلك فى مبدأ الخطبة، ومن هنا حزن حزنا شديدا وأخذ يبكى بكاء شديدا من شدة ألمه حتى تحير وتعجب الأصحاب الذين فى المسجد، ولما أمر الرسول ﷺ بسد الأبواب الناظرة

стр. 1170

إلى المسجد فى خطبته الثانية فأسرع الأصحاب بسدها كلها وقال بعض الرواة إن الباب الذى استثنى عن السد هو باب على بن أبى طالب، ولما كان بيته بجانب المسجد لم يكن له باب آخر، ونقلوا بخصوص سد الأبواب كثيرا من الأحاديث المتباينة، وقد ورد فى بعض تلك الأحاديث استثناء باب أبى بكر الصديق وفى الأحاديث الأخرى استثناء باب على بن أبى طالب، وإذا ما قيل إن الأمر الذى صدر بسد الأبواب كان فى خطبتين استثنى فى الأولى سد باب أبى بكر الصديق وفى الثانية باب على بن أبى طالب، وبهذا نكون قد وفقنا بين الروايات المختلفة، وكان الأمر بسد الأبواب كان نظرا لما سيحدث من الانقلابات فى الأزمنة الآتية، لأنه كان قد فتح لجميع المنازل التى حول المسجد أبوابا تنظر إلى المسجد الحرام، فإذا لم تكن الأبواب قد سدت كانت المنافسة التى ظهرت قليلا رويدا كانت تؤدى إلى توسيع المنازل وعندئذ ستلتصق جدران المنازل بجدران مسجد السعادة، وهذا قد يؤدى إلى الحريق، كما أن صياح الأطفال ومشاجرتهم كانت ستسلب راحة بال جماعات المصلين كما أن ترك تلك الأبواب مفتوحة ستؤدى إلى محاذير مضرة، وإذا ما قيل إن فى هذه الحالة كان يقتضى الأمر سد باب على بن أبى طالب كغيره من الأبواب التى طلب ﷺ سدها فما السبب فى تركه مفتوحا؟ أجيب: إن دار على بن أبى طالب كانت متصلة بالمسجد الشريف ولم يكن لها باب آخر يفتح إلى جهات أخرى وبما أنه كان محتاجا لباب للدخول والخروج ترك بابه مفتوحا. وقد انزعج الأصحاب الكرام من انسداد الأبواب وتأثروا متألمين ومن هنا أخذوا من النبى ﷺ إذنا بفتح نوافذ صغيرة فى بيوتهم، وسدوا أبوابهم وفتحوا نوافذ صغيرة، ولكن النبى ﷺ أمر قبل وفاته بسد تلك النوافذ أيضا وترك نافذة أبى بكر الصديق مفتوحة، وكأنه ألمح بهذه الإشارة الخفية لزوم بيعة المشار إليه والإسراع بتصديق خلافته.

стр. 1171

الوجهة السابعة تجمع خمس صور تبين وتظهر عدد المرات التى جددت فيها حدود المسجد النبوى ووسعت ومن الذين حددوها وأشكال القبور الثلاثة فى حالتها الحاضرة.

стр. 1172

الصورة الأولى فى ذكر توسيع مسجد الرسول لأول مرة . انشغل حضرة الصديق فى زمن خلافته بحركات الردة التى ظهرت بين العربان فى شكل مفزع مخيف ولم يهتم بتجديد مسجد الرسول وتوسيعه إلا أنه أصلح وعمر بعض أماكنه، وتكاثرت فيما بعد الجماعات الإسلامية حتى أصبح المسجد الشريف لا يستوعبها، واستدعى الفاروق الأعظم فى السنة السابعة عشرة كبار المهاجرين والأصحاب وقال لهم: «إننى كنت قد سمعت من فم النبى ﷺ المحسن قوله يلزم توسيع المسجد الشريف» ولما رأيت الآن بعين الافتخار والمباهاة تكاثر الجماعات الإسلامية فأرغب فى توسيع حرم ساحة المسجد الشريف وقد تلقى العموم هذا الرأى بالاستحسان وتحمسوا له، وبناء على ذلك هدم الجدار القبلى دون أن يمس جهة حجرات النبى وسحب الجدار إلى الخلف ما يقرب من عشرة أذرع ووسع مسجد السعادة بقدر استيعاب الجماعات الإسلامية التى فى عهده وأعلى جدرانه قليلا، وأعلى أخشاب سقفه مقدار ذراعين وعلى قول آخر مقدار ثلاثة أذرع، وفتح ستة أبواب اثنان منهما فى جهة باب السلام واثنان فى جهة باب جبريل والاثنان الآخران فى جهة باب النساء، كما أنه بنى جدران المسجد بحجارة منحوتة قدر ارتفاع ذراعين من الأرض. وبناء عليه قد اكتسب مسجد السعادة فى ذلك الوقت شهرة بنظامه وانتظامه يمكن أن يقال إنه بالنسبة لزمنه أنه فوق العادة، وبلغ طول سطحه الداخلى أربعين ومائة وعمقه عشرين ومائة ذراع، وقد أضيف إلى المسجد فى هذا التعمير لتوسيعه من الجهة القبلية والشامية أرض تقترب من ثلاثين ذراعا. قال بعض الرواة إن الجهة القبلية من المسجد النبوى كانت فى طول أحد عشر ذراعا ومن الجهة القبلية إلى الجدار الشامى كان فى امتداد ما يقرب من أربعين ذراعا، فى ذلك الوقت وعلى هذا الحساب يكون حضرة الفاروق قد أضاف

стр. 1173

عشرين ذراعا عرضا؛ وبعد أن أنهى حضرة الفاروق عمليات التجديد والتعمير والتوسيع فرش جهة باب النساء بالرمل وجعلها مثل الساحة الرملية للمسجد الحرام، وكانت الساحة الرملية لمسجد السعادة متصلة بالرباط المنسوب لخالد بن الوليد وكان الصحابة الكرام يجتمعون فى هذه الساحة لإنشاد الشعر، وكانت هذه العادة غير مذمومة اقتداء بالرسول ﷺ الذى وضع كرسيا فى المسجد الشريف لحسان بن ثابت وجعله يلقى القصائد فى ذم الكفار، إلا أن هذه العادة أسئ استخدامها فيما بعد إذ أخذ فى إنشاد الأشعار فى كل مكان من المسجد بطريقة غير لائقة خارجة عن توقير المسجد واحترامه؛ لذا تأثر حضرة الفاروق من هذه الحالة وألغى عادة إنشاد الشعر فى مسجد الرسول توأم حرم الجنة وفى ذلك الوقت رأى سائب بن يزيد قد تمدّد فى المسجد وظل نائما فأيقظه وهو غاضب أشد الغضب وقال له: «لو لم تكن من أهل الطائف أى من قبائل مكة المعظمة لأوسعتك ضربا».وعاتبه بهذه الأقوال ثم فرش فى منتهى الجهة الشامية من المسجد الشريف رملا وحصر ذلك المكان لإقامة من يريدون إلقاء الشعر وفصله عن الحرم الشريف، وكان الجدار الذى أقامه حضرة الفاروق وما نصبه من الأساطين قد بنى على شكل مستحسن مطبوع، وكان أسفل الجدران من الحجارة وأعلاها من اللبن. إن الأساطين التى فى الصف الأول خارج السور الخشبى الذى فى الجهة القبلية من الروضة المطهرة حتى الآن من الأساطين التى نصبها عمر بن الخطاب، وبعد الحريق قد جددت على الشكل السابق وقد حولها السلطان عبد المجيد خان إلى الرخام وقويت وبدت فى غاية المتانة. استدعى حضرة الفاروق قبل أن يشرع فى توسيع المسجد العباس بن عبد المطلب ومهد لطلبه قائلا: يا عباس قد كثر المسلمون بفضل الله ولطفه وإحسانه، ومن هنا ظهرت الحاجة الشرعية لتوسيع المسجد. قد اشتريت جميع المنازل التى حول المسجد كلها ودفعت ثمنها، ولم تظل إلا دور أمهات المؤمنين ودارك، إننى أستحى أن أشترى دور أمهات المؤمنين التى تضارع الثريا؛ ولكننى آمل أن آخذ دارك، إذا ما بعتم دفعت لكم ثمنها وإذا ما تبرعتم بها أعرض لكم

стр. 1174

شكرى وحمدى، وبهذه المقدمة طلب منه داره، فأجابه العباس: «قد أعطانى الرسول ﷺ ساحة هذه الدار وساعدنى فى بنائها متنازلا؛ وأنى لكم الحق فى مطالبتى بها وأنت تعرف هذه الأمور؟!» وبعدما أدارا كئوس الحوار فترة أحالوا الأمر لفصل القضية لحكم أبى بن كعب من أفاضل الصحابة؛ وفتح أبى بن كعب فمه ناقلا عن النبى ﷺ أراد الله- -جل شأنه عن الشبيه- أن يبنى داود-﵇-مسجدا وطلب منه ذلك، وخط داود-﵇-حول عرصة بيت المقدس خطا مربع الأضلاع دائرا ما دار، وبما أنه سيتخذ هذه الساحة مسجدا فإنه يأمل أن يشترى جميع المنازل التى تقع فى داخل الدائرة التى خطها. وأنبأ أصحاب الدور بذلك، وتقبل جميع أصحاب البيوت التى فى داخل الدائرة عرض النبى داود قبولا حسنا وقبلوا أن يتنازلوا عن دورهم إلا واحدا منهم خالف داود-﵇-ورفض إعطاء منزله فبين له داود-عليه سلام الله الودود-أنه سيقدر لمنزله قيمة وسيدفع له هذا الثمن المقدر ويستولى على بيته جبرا، عندئذ صدر من الله-سبحانه-خطابه معاتبا يا داود هل تريد أن تدخل مالا مغصوبا فى البيت الذى ستؤسسه من أجلى وهذا لا يليق، وبهذا الخطاب أقلق داود ﵇، وهكذا جعل أبى بن كعب الحق بجانب العباس بن عبد المطلب، وقد سر العباس بن عبد المطلب من حكاية أبى بن كعب المحايدة وتنازل عن داره للمسجد الشريف بلا مقابل متبركا. وتقع هذه الدار فى مكان الأعمدة التى فى الصف الأول ابتداء من المنبر المنير والتى تنتهى إلى باب السلام فى مكان العمود الخامس من تلك الأعمدة التى ألحقت بمسجد السعادة والمكان المواجه لها دار مروان بن الحكم. ويروى البعض أن الدار التى كانت مثار المنازعة فى أخذها وشرائها هى الساحة التى كان النبى ﷺ قد اختارها لجعفر بن أبى طالب الذى كان فى الحبشة، واشترى نصف هذه الساحة عمر بن الخطاب واشترى نصفها الآخر عثمان بن عفان وألحقها بالمسجد الشريف، ويروون أن عمر بن الخطاب دفع لنصف هذه الساحة ألف درهم ومائة ثمنا لها.

стр. 1175

الصورة الثانية فى ذكر كيفية تجديد مسجد السعادة وتوسيعه للمرة الثانية . ظل مسجد السعادة ثلاث عشرة سنة وفى قول ثمانى عشرة سنة على الهيئة التى جددها الفاروق الأعظم إلا أن عدد المسلمين زاد رويدا رويدا حتى أصبح الحرم الشريف لا يستوعبهم؛ ولأجل ذلك هدم عثمان بن عفان مبانيه كلية فى السنة التاسعة والعشرين أو السنة الثلاثين وفى رواية فى السنة الحادية والثلاثين أو فى نهاية سنىّ خلافته فى خلال شهر ربيع الأول من السنة الخامسة والثلاثين ووسعه وجدده على أجمل شكل وهيئة منتظمة كما بنى لنفسه مقصورة وأتم عمليات البناء فى ظرف عشرة أشهر وهذا التعمير يعد التوسعة الثانية للمسجد الشريف. يبين بعض المؤرخين لهدم مسجد السعادة وتجديده أسبابا عدة، أحد هذه الأسباب بل أهمها قول بعض أهالى المدينة من أصحاب العز والمثول إن الجماعات يظلون خارج المسجد يوم الجمعة ولا يستطيعون أداء الصلاة، فإذا ما وسع مسجد السعادة قليلا لا ستوعب كل الجماعات الآتين للصلاة وقد استحسن عثمان بن عفان رأى من يريدون توسيع مسجد السعادة واستشار أصحاب الشورى، ثم قرر أن يهدم المسجد الشريف كله، وتوسيعه، وصعد يوما بعد أداء صلاة الظهر على منبر السعادة وألقى خطبة بليغة تحوى المعانى التالية يا أصحاب رسول الله، إننى سأجدد المسجد الشريف وأوسعه بعد هدمه، وقد تذاكرت مع أصحاب الشورى فى هذا الخصوص، فاستصوب كلهم رأيى وأقروا أن الحرم السعيد فى حاجة إلى التوسيع والتجديد. وقال للذين رفعوا قامتهم معترضين: (١) «إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول الذين يبنون مسجدا لوجه الله فإن الله- -سينعم

стр. 1176

عليهم فى الجنة مثل المسجد الذى أسسوه فى الدنيا وسيتبعنى سلفى فى هذا الخصوص وإننى سأموت وأقلده فى هذا، وأسكتهم بهذه الإجابة الصائبة. وقد أدت الخطبة التى ألقاها عثمان إلى قيل وقال إلا أن الجميع قد اتفق فى الاجتماع العام على لزوم توسيع المسجد وتوسيعه على صورة مطبوعة جميلة وصدقوه وبناء عليه جلب الخليفة القدر الكافى من العمال وابتدر بهدم المسجد بذاته وهو صائم، وترك الجهة الشرقية من المسجد على حالها، وهدم الجدار القبلى كاملا ووسعت هذه الجهة وجدد جدران جهاتها الأربعة بحجارة منقوشة بعد هدمها ونصب عمودا ذات قاعدة مربعة فى الجهة الغربية يعنى فى جهة «باب السلام». إن هذا العمود هو السابع إذا ما عد ابتداء من منبر السعادة ناحية باب السلام، وقد جعلت قاعدته مربعة للدلالة على أن هذا المكان منتهى توسيع حضرة عثمان مبتدأ تجديد الوليد بن عبد الملك، وقد بلغ طول المسجد فى هذا التعمير إلى ١٦٠ أو ١٧٠ ذراعا وعرضه إلى ١٥٠ ذراعا أى أن عثمان بن عفان قد وسع مسجد السعادة ثلاثين ذراعا عرضا وعشرين ذراعا طولا وأبقى على جميع أبوابه القديمة. وتوجد فى الجهة الشامية من المسجد الشريف منازل أبى سبرة بن أبى رهم وعمار بن ياسر وطلحة بن عبيد الله ومنزل حفصة بنت عمر بن الخطاب من زوجات النبى ﷺ ، وفى الجهة القبلية منزل العباس بن عبد المطلب، واشتهرت تلك المنازل كلها برصانتها فوق العادة ومتانتها، قد اشترى حضرة عثمان جميع هذه المنازل وأرضى أصحابها بطريقة ما وطيب خواطرهم وألحقها بساحة مسجد السعادة المشحون بالفيض. ولما قالت له زوجة الرسول حفصة بنت عمر-رضى الله عنهما-إذا ضممتم منزلى هذا إلى المسجد الشريف فأين المنزل الذى سأقيم فيه أجابها قائلا سنجد لك منزلا ونفتح له طريقا خاصا يفضى إلى مسجد السعادة وأعطاها دار عبد الله بن عمر وفتح منها طريقا واسعا يفضى إلى المسجد وهكذا أرضى أمنا حفصة رضى الله عنها-وطيب خاطرها. وكانت عمارة عثمان بن عفان للمسجد أن بدل الأعمدة الخشبية بالأبنية من

стр. 1177

اللبن وبدل الأعمدة المبنية باللبن بالحجر وجعل السقف من خشب الساج وجمع الجهة القبلية إلى شبكة الحجرة المعطرة، كما بنى المحراب المقدس الذى يشتهر «بالمحراب العثمانى» وهو من الآثار الجليلة التى زيدت فى المسجد وفى الجهة اليمنى من طاق ذلك المحراب الشريف كتب اسم الجلالة وفى الجهة اليسرى منه اسم النبى الطاهر وفى وسط هاذين الاسمين كتب اسم الجلالة الآخر. والمحراب العثمانى فى وسط الجدار القبلى للحرم الشريف وفى الجهة اليمنى منه كتبت أربعة أسطر كتابة بخط جلى نفيس وفى السطر الأول من هذه الكتابات الآيات ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:٥٦) وفى السطر الثانى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ (البقرة:١٤٤) وفى السطر الثالث ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ (البقرة:١٤٤) وفى السطر الرابع الحديث (قال رسول الله ﷺ ، إن سركم أن تقبل صلواتكم فليؤمكم علماؤكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم وفى رواية فليؤمكم خياركم) (حديث شريف) وكل هذه الكتابات قد زخرفت والحديث الذى سطر فى السطر الرابع قد كتب على ثلاثة أسطر ذات أربع زوايا، وفى الجهة اليسارية كما فى الجهة اليمنى أربعة السطر من الكتابة كتب على السطر الأول منها قول الله ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:١٢٨) وعلى السطر الثانى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ (البقرة:١٤٤) وعلى السطر الثالث ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة:١٤٤) وكتب على السطر الرابع (قال رسول الله ﷺ (أقيموا صفوفكم فإنما تصفّون كما تصفّ الملائكة وحاذوا بين المناكب ولينوا بأيدى إخوانكم وسدوا الخلل ولا تجعلوا فرجة للشيطان فمن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله (حديث شريف) والسطور الأولى من هذه الكتابات كتب بالخط الكوفى وكلها مزخرفة ومطلية بالذهب. وقد كتبت قصيدة البردة البليغة فى داخل القباب التى فى الصفين الأولين دائرا

стр. 1178

ما دار، وتمتد هذه القباب فى داخل حرم السعادة ابتداء من باب السلام إلى الجدار الشرقى الملاصق للمئذنة الرئيسية ذلك الجدار الذى به المحراب الأقدس المذكور، وقد بدأت هذه القصيدة البديعة من جهة باب السلام وتمت فى مواجهة السعادة التى تتصل بالجدار الشرقى ولأجل ذلك كتبت فى داخل بعض القباب المتبقية سورة يس وسورة الملك كما كتب فى بعضها الآيات القرآنية المناسبة ورئى فى سنة ١١٩٨ هـ فى جدران محراب عثمان علامات السقوط والأنهيار وأبلغ الأمر سريعا إلى السلطان عبد الحميد خان-طاب ثراه-بن السلطان أحمد خان فأمر بتجديده وتزيينه وأرسل الشخص الذى كلف بالبناء بلا تأخير إلى المدينة المنورة، وكشف هذا الشخص وتفقد المحراب المذكور مع سادات البلد وأشرافه وموظفى الدولة وبناء على القرار المتخذ أنزلت الحجارة الرخامية التى على طرفى المحراب المذكور ودون أن يفسدوا ما عليها من تاريخ قايتباى المصرى، وجددوا ما يلزم تجديده من الجدران القبلية ورتبوا تاريخ الملك قايتباى على شرطين ووضعوه فى مكانه كتبوا ما بين التاريخ المذكور بسم الله سورة الضحى الكريمة وكتبوا فى خاتمتها (صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم ﷺ سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ورضى الله عنهم وعن سادات أصحاب رسول الله أجمعين) وكتب فوق هذا التاريخ القصيدة البليغة (بنور الله أشرقت الدنيا، ففى نوره كل يحيى ويذهب وكتب فوق هذه القصيدة بعد بسم الله الآية الكريمة) ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ﴾ إلى قوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة:١٢٥) والآية الكريمة ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (إبراهيم:٣٧) وفى نهايتها الآيات البينات ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (يس:٥٨)، ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:١٢٨)، ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ إلى قوله ﴿وَضَعْتُها أُنْثى﴾ (آل عمران:٣٦) وكتبوا على ذيولها الآية الكريمة ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ﴾

стр. 1179

﴿تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢) ولذيلها بدء من الآية ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا﴾ إلى قوله ﴿عاقِرٌ﴾ (آل عمران:٤٠) وبعدها القول الجليل ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (البقرة:٤٣) وكتبت الآية الكريمة ﴿قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ﴾ وقد كتبت هذه الآيات الكريمة مرتبة على سطر واحد وانتهى السطر الطويل بخاتمة (صدق الله العظيم) كتبه الفقير نقشى الأسكدارى غفرت ذنوبه سنة ١١٩٨ هـ،وكتب فوق طاقة المحراب الشريف المذكور بعد البسملة الآية الكريمة ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ﴾ إلى قول الله تعالى ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (الأحزاب:٤٠) وقول الله تعالى بعد البسملة ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ﴾ إلى قول الله تعالى ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة:١٨) وكتب فى ذيلها (اللهم شفع هذا النبى فى مجدده السلطان عبد الحميد خان نصره الله)،هذه الجملة الدعائية وكتب على يمين المحراب الشريف بعد البسملة الآية ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ (البقرة:١٤٤). وكتب فى نهايتها على سطرين الحديث الشريف (قال رسول الله ﷺ إن سركم أن تقبل صلواتكم فليؤمكم) إلى آخر الحديث وعلى طرفى هذا الحديث الشريف كتبت أسماء النبى ﷺ وكتبت على الجهة اليسرى من المحراب الشريف المذكور (قال رسول الله ﷺ أقيموا صفوفكم) إلى آخر الحديث وقد وشحت أطراف هذا الحديث الشريف أيضا بأسماء النبى الشريفة وقد زينت أعلى وأسفل هذه السطور بأحجار منقوشة من الصينى. وهذا هو تاريخ قايتباى المصرى الذى أنزل دون أن يفسد ويتضرر فى أول التجديد ثم وضع فى مكانه فى ختامه دون إضرار. بعد البسملة (إنما يعمر مساجد الله) إلى قول الله الجليل (عنده أجر عظيم) صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم أمر بعمارة الحرم النبوى الشريف بعد

стр. 1180

احتراقه فى ليلة صباحها عند ثالث عشر رمضان المعظم قد جرى تعميره سنة ثمانمائة وثمانين، سيدنا ومولانا العبد الفقير المعترف بالتقصير الراجى عفو ربه القدير خادم الحرمين الشريفين الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عز نصره وذلك بنظارة العبد الفقير محمد بن زمن وأنشأ العمارة بالحرمين الأمير سنقر الحالى وذلك فى أيام الأمير شيخ الحرم الشريف غفر الله لهم. (بسم الله الرحمن الرحيم، إن الذين ينفقون أموالهم) إلى قوله الشريف (واسع عليم) صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم ورضى الله عن الصحابة أجمعين، أمر بعمارة هذا الحرم النبوى الشريف المعظم من فضل الله تعالى الفقير الملك المعترف بالتقصير الراجى عفو ربه القدير قايتباى وناظر العمارة محمد بن الزمن بمباشرة القاسم الفقير شيخ الحرم وأمير السادات الحالى سنقر غفر الله لهم وكان الفراغ من عمارة هذا الحرم الشريف فى شهر رمضان سنة ثمانمائة وثمانين. مقصورة مسجد السعادة تطلق المقصورة على المحافل التى تصنع فى محاذاة المحاريب فى المساجد الشريفة من أجل الملوك. وفى يمين ويسار أبواب المساجد عند الدخول مقصورتان وقد أحدثت هاتان المقصورتان قبل عصرنا بقليل. وذهب المؤرخون إلى أن أول من أنشأ مقصورة مسجد الرسول هو عثمان بن عفان (رضى الله عنه الرحمن) وقالوا بأن عثمان بن عفان عندما جدد المسجد الشريف طرح مقصورة أمام الجدار القبلى لمسجد السعادة أعلى من أرض المسجد مقدار ذراعين وكانت أطرافها مشبكة واختص بها نفسه حتى ينجو من شرور الخونة الذين اعتدوا على عمر الفاروق وأخذ يجرى الإمامة فى داخل هذه المقصورة، ويروى أن مروان بن الحكم هو الذى بنى هذه المقصورة ويعللون

стр. 1181

ذلك بقيام «دب» (١) التهامى ضده؛ لأن مروان بن الحكم كان قد أرسل إلى تهامة جابيا وكان هذا الموظف قد ظلم واحدا من آل تهامة يسمّى دبّا وحمله ما لا يطاق وجعله يمل حياته؛ ودب هذا قد تحير فيما يعمله وفى النهاية قرر قتل مروان بن الحكم وإعدامه، وذهب إلى المدينة ولكنه لم يوفق فى قصده وقبض عليه فى داخل المسجد، استنطقه مروان ووجه إليه سؤالا لماذا أقدمت على هذا الأمر الوخيم وأردت قتلى؟! فقال له: «إنك كنت قد أرسلت إلى تهامة عاملا ظالما، وبمجرد وصول هذا الرجل قد اغتصب زادى وذخيرتى واستولى على كل ما فى يدى وترك أولادى وعيالى جائعين بدون دواء وأنا أقسمت على قتل الآمر الذى أرسل هذا العامل، وهذا هو سبب الإقدام على قتلك».وبعد هذه الإجابة حبس الرجل وسجنه وبنى من خوفه مقصورة وهيأ مقدارا كافيا من الحجارة المنقوشة وصنع مقصورة وأوصل أطرافها ودعمها. ويروى أن حضرة معاوية صنع هذه المقصورة ليحمى نفسه من غدر برك بن عبد الله من الخوارج. واستهجن فيما بعد عمر بن عبد العزيز وجود مقصورة فى داخل المسجد فأمر بهدمها، إلا أن فريقا من المؤرخين قالوا: إن المقصورة التى صنعها ابن أبى سفيان جددها محمد المهدى بالله ابن أبى جعفر المنصور متخذا خشب الساج فى تجديدها، وإذا كانت هذه الرواية صحيحة ينبغى ألا يهدم عمر بن عبد العزيز المقصورة التى صنعها معاوية بن أبى سفيان، والمقصورة الآن هى الأماكن التى خصصت لأداء الملوك الصلاة فيها وهو المحل الموقر الذى يطلق عليه المحفل السلطانى، ويوجد فى جميع المساجد الكبيرة ويلاصق جدار القبلة وفى الجهة اليمنى أو اليسرى من المحاريب.

стр. 1182

الصورة الثالثة فى ذكر كيفية تجديد مسجد الرسول ﷺ وتوسيعه للمرة الثالثة . وسع المسجد النبوى فى المرة الثالثة الوليد بن عبد الملك وجدده، وظل المسجد الشريف إلى قرب عهد عبد الملك الشامى على الحالة والهيئة التى صنعها عثمان بن عفان وظل فى حالته تلك واسعا متين البناء لا يحتاج للتعمير، إلا أن الوليد ابن عبد الملك رغب فى توسيع مسجد السعادة وتجديده على شكل أكثر نظاما وزينه فى طرز جديد، فكتب إلى حاكم القسطنطينية فيلبوس طالبا منه أن يرسل مقدارا كافيا من العمال المتفننين المهرة وقدرا كافيا من الفسيفساء الجميلة، فأرسل فيلبوس ثمانين نفرا من مهرة العمال المشهورين نصفهم من القبط والنصف الآخر من الروم كما أرسل ثريّا نادرة تساوى أربعين ألف دينار. وسر الوليد بن عبد الملك من ورود الثريا والعمال المرسلين من القسطنطينية وأرسل هؤلاء العمال والنقود والمواد اللازمة لتجديد مسجد الرسول إلى ابن أخيه عمر ابن عبد العزيز (١) وأعطى رسالة مستفزة للشخص الذى كلفه بإيصال الأشياء المذكورة يقول فيها أرسلت إليكم النقود واللوازم الكافية لتجديد مسجد الرسول وتوسيعه وبعض العمال، وعند وصول هذه الأشياء اشتر منازل الزوجات المطهرات للنبى ﷺ ثم منازل المحترمين من الناس واشرع فى تجديد المسجد وتوسيعه على هذا الأساس وأعط بدلات قيمة المنازل التى اشتريتها، وإذا وجد من يخالف بيع منازلهم وإعطائه فأظهر لهم القوة الجبرية واهدم منازل هؤلاء الأشخاص وخربها، وإذا رفضوا أخذ المبالغ المقدرة فوزع النقود على فقراء

стр. 1183

الأرض وتصدق بها سريعا، ولما وصل الشخص المكلف بهذه المهمة من الخليفة إلى عمر بن عبد العزيز فى المدينة المنورة أعطاه رسالة الوليد فتسلم اللوازم والأشياء المرسلة بموجب سجل وأخذها وجمع سادات المدينة وعظماءها والأشراف. وأحضرهم وأظهر لهم الرسالة الى أرسلها الوليد بن عبد الملك وأوصاهم بأن يوافقوا على إجراء ما جاء فى مضمون هذه الرسالة وقال لهم: «إن كان مندرجات هذه الرسالة تحتوى على وجوب إجراء بعض الأمور الصعبة وغير اللائقة فيجب السكوت عليها، لأن واقعة الحرة لم تزل قريبة منا ولم يمر وقت طويل حتى تنسى». وبما أن رسالة الوليد قد أقلقت سادات المدينة الكرام ولا سيما جملة هدم حجرات نساء النبى العليا، فإن المضرة أصابت أذهانهم بالسوء فأسرعوا بتشكيل مجلس عام أداروا كئوس المذاكرة وأقداح المحاورة، وأبدى كل فرد رأيه فى حرية تامة فالتزموا فكر عدم السماح بهدم الحجرات وأصروا عليه، ولكن بعض القلقين من بينهم أرادوا أن يقنعوا هيئة الشورى قائلين: «إن الطريق الذى أراه لنا عمر بن عبد العزيز موافق للعقل والحكمة، إذا ما خالفنا رأيه السديد نكون لم نستفد بعد من واقعة الحرّة الأليمة ولم ننتبه بعد، وبدلا من أن نعرض الروضة المطهرة للتلويث تحت أقدام الشاميين النجسة فمن الخير أن نوافق على أمر الوليد». وبذلوا جهودا لذلك وساد المجلس هدوء طويل وبعده وافقوا على توسيع مسجد السعادة كما أراد الوليد قائلين: «إذا رفضنا نكون قد عرضنا الروضة المطهرة للتلويث وسلمنا أولادنا وعيالنا بأيدينا إلى أيادى الأعداء» وذلك حتى لا يتسببوا فى واقعة حرة أخرى، وعرضوا رسالة ابن عبد الملك للناس جميعا سائرين من الحى إلى الحى وأعلنوا القرار الواقع وأشاعوه. وكان أهل المدينة يريدون أن يتركوا للأخلاق أثرا عظيما يبين طرفا من حياة سلطان عرش الإسلام-﵇-يبين طريقة معيشة النبى-﵇ ومن هنا كان رفضهم الهدم لحجرات نساء النبى ﷺ .

стр. 1184

ولم يفكر الوليد فى مثل هذه الأمور الدقيقة بل طلب من عمر بن عبد العزيز هدم حجرات زوجات النبى ﷺ وإدخالها فى ساحة المسجد وهذا الطلب قد ملأ القلوب باليأس وجلب الحزن والهم والغم للجميع ومن هنا رجوا من عمر بن عبد العزيز أن يطلب من الوليد بن عبد الملك أن يترك حجرات نساء النبى ﷺ على حالها حتى يراها الزوار والحجاج ويعرضون عن زخارف الدنيا، وعرض عمر بن عبد العزيز ما اتفق عليه فقهاء المدينة وأجمعوا عليه، ولكن الوليد لم يرجع عن رأيه وأمر بأن تهدم مطلقا، فاضطر هنا عمر بن عبد العزيز إلى تنفيذ أمر وليد ولكنه أبقى حجرة السيدة فاطمة-رضى الله عنها-ولم يهدمها. وحينما عرضت رسالة الوليد الغير مهذبة الأسلوب على سكان دار السكينة فلا يمكن وصف ما أحدثته الرسالة من هياج بين أهل المدينة فى ذلك اليوم، وأخذ الذين سمعوا بهدم حجرات الآيات النبوية أخذوا يبكون وينتحبون ويصيحون بحالة قد ترق لها حتى الجمادات، وقد انسحب كل واحد منهم فى ناحية وأخذ يبكى مهموما حتى أقلقوا من بالملأ الأعلى وغشيتهم بحار الهموم، وقد بلغ مقدار ما أظهره الوليد من الوقاحة فى هذا الشأن درجة أنه أراد أن يشرف بنفسه على هذا العمل دون أن يهدم الحجرات ويثير القيل والقال، فذهب محرما إلى مكة المكرمة بنية الحج ومر بالمدينة عند العودة، ولما رأى أن الحجرات المطهرة قد هدمت كلها بالقوة وأبقى حجرة فاطمة دون هدم فغضب غضبا شديدا واعتلى المنبر السعيد وألقى خطبة شنيعة. وكان القائم على دار سعادة السيدة فاطمة فى ذلك الوقت هو «محسن بن الحسن بن على بن أبى طالب» -رضى الله عنهم-وكان محسنا يجلس فى منزله ويستمع إلى خطبة الوليد من نافذته. وبما أن موقف محسن بن الحسن هذا أثار خصومة الوليد وغضبه نزل من على منبر الرسول وقال لابن أخيه عمر بن عبد العزيز، بما أنك هدمت جميع حجرات نساء النبى فمن غير المناسب أن تبقى على منزل فاطمة-رضى الله عنها-قائما، ولهذا آمرك أن تهدمه أيضا وعلى قول، نزل من على المنبر النبوى وأمر بهدم

стр. 1185

ذلك البيت السعيد وأجاب على محسن بن الحسن الذى قال كيف تهدم البيت وأنا لن أخرج منه؟ أجاب إذن أهدمه على رأسك ثم أحضر مقدارا كافيا من العمال وأخذ فى هدم المنزل، فرأى الناس أن الوليد مصر على عناده ومحسن صابر وثابت فى عدم الخروج من ذلك المنزل، فأخذوا ينصحون محسنا بالخروج حتى لا تحدث نكبة أخرى للموحدين تظل ذكراها إلى يوم القيامة وأرضوه وأخرجوه مع جميع أفراد أسرته ونقلوا إلى دار لا عيب فيها يقال لها دار على فى ذلك الوقت. وينقل بعض المؤرخين هذه الواقعة بشكل آخر؛ إذ يقولون: «كان الوليد بن عبد الملك وصلته الأخبار وهو فى الشام بعدم هدم منزل فاطمة السعيد، فأرسل تعليماته إلى والى الحجاز عمر بن عبد العزيز بالإسراع فى هدمه لإدخاله فى حرم المسجد الشريف».فأعطى عمر بن عبد العزيز محسن بن الحسن بن على وفاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب مبلغ ثمانية آلاف دينار، وبما أنهما لم يرضيا فآثر السكوت متأدبا، وكتب ردا على رسالة الوليد يقول فيه: «قد أعطيت لأصحاب بيت السيدة فاطمة-رضى الله عنها-محسن بن الحسن وبنت عمه فاطمة بنت الحسين-رضى الله عنهم-ثماينة آلاف دينار فلم يقبلاه وبما أنك، صاحب الإمارة، تعرف أنهما من أعاظم سادات البتول، فلا يجوز أن نتجاوز حدودنا معهما وتعاملهما معاملة الناس العاديين وألمح له أن ترك ذلك البيت القيم على حاله أنسب، وكان عمر بن عبد العزيز يأمل أن يسكت الوليد بناء على هذه الرسالة، إلا أن الوليد قد غضب غضبا شديدا من محسن ابن الحسن بعد استلامه رسالة عمر بن عبد العزيز وكتب رسالة مسهبة أخرى قال فيها «يجب أن يرضى هذان أيضا ولا محالة وإذا لم يرضيا يجب أن تستعمل القوة الجبرية لأخذ منزلهما وهدمه» فأحضر عمر بن عبد العزيز المشار إليهما وأرضاهما ونقلهما إلى دار على المستقرة فى القرب من الحرة الشرقية وآواهما. وجمع عمر بن عبد العزيز لبنات هذه الدار السعيدة ولبنات حجرات زوجات النبى رضى الله عنهن-السليمة عند هدمها مع لبنات جدران مسجد الرسول، أى

стр. 1186

جمع لبنات مسجد الرسول مع أنقاض حجرات نساء النبى فى مكان واحد ثم نقلهن إلى مكان يطلق عليه حرة حيث بنى لنفسه من هذه اللبنات دارا متبركا بها. يقول الإمام السمهودى بناء على المعلومات الموثوقة التى حصل عليها، إن الجرأة (١) التى اتصف بها الوليد فى تجديد مسجد الرسول وأظهرها وكذلك فى هدم منزل فاطمة السعيد-رضى الله عنها-آتية من أن جاسوسا قال له: «إن فى المدينة شخص مليح المنظر ملائكى الوجه ومادام هذا الشخص ساكنا فى المكان الذي فيه فلا يمكن أن تسيطر على أهل المدينة» لأن الوليد كان يرسل كل سنة جاسوسا إلى المدينة ليطلع على أطوار أهل المدينة وأعمالهم، فقال له أحد جواسيسه الذين يأتون إلى المدينة ويذهبون «يا وليد! قد اطلعت فى المدينة على شئ، ومادام هذا الشئ باقيا هناك فلن ينفذ حكمك على المدينة والأرض» وعندما استوضح الوليد الأمر أجابه قائلا: «وجدت يوما فى مسجد الرسول، هناك فى الجهة الغربية من المسجد مكانا وكان متصلا به ومستورا، وفى أوقات الصلاة ترفع ستارة ذلك المكان ويصلى من بداخله مؤتمين بالإمام، وبعد أداء الصلاة يرخون الستارة، فأثار هذا العمل فضولى فألقيت نظرة لذلك المكان الذى يشبه الفردوس فرأيت فى داخله رجلا ذا وجه ملائكى محبوبا ممدوح الأخلاق، وكان فى يده مكحلة، والأخرى مرآة، فسألت عن كنهه، فقيل لى إنه محسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، والمكان الأنور الذى فيه داره التى انتقلت إليه من والدته وأظهروا له احترامهم، ومادام هذا الرجل فى داخل المسجد وظل منزله السعيد فى داخل المسجد كما هو الآن لا أظن أن حكمك سيسرى فى المدينة دار الميمنة». ولما سأله الوليد قائلا «وما هو الحل والتدبير؟» أجابه «إلحاق منزل فاطمة بالمسجد بوسيلة تجديد مسجد السعادة» فأمر الوليد عمر بن عبد العزيز توا بإجراء ما يقتضى بخصوص هذا الموضوع، ولم يكن منزل حفصة بنت عمر بن الخطاب رضى الله عنهما-إلى تلك الواقعة قد أخذ منها وبعد أخذ عمر بن عبد العزيز دار فاطمة-رضى الله عنها-وضمها إلى ساحة مساحة المسجد النبوى استدعى

стр. 1187

أسرة عمر بن الخطاب وخاطبهم قائلا: «قد أمر الوليد بن عبد الملك بإدخال منزل حفصة-رضى الله عنها-الجميل فى ساحة مسجد السعادة والذى يوجد على يمين الباب الصغير الخاص بآل عمر إذ تعرفون أن أبناء السبيل لا يراعون حرمة المكان وهم يمرون من بين المرقد النبوى الجميل والذى يقع بين منزل المشار إليها وحجرة عائشة-رضى الله عنها-وهذا غير لائق ويخالف قواعد الأدب والتعظيم وكان دهليز القبر الجليل ممرا لأبناء السبيل، ومن هنا أخذت المكان الذى كان ممرا وألحقته بالمسجد الشريف حتى أمنع تلك التصرفات التى لا تتسم بالرعاية لحرمة المقدسات، وعلى هذا يقتضى إلحاق دار حفصة-رضى الله عنها-بالمسجد الشريف أيضا»،وبهذه المقدمة طلب حجرة حفصة، ولما قال آل عمر إننا نتحاشى ونحترز من بيع بيت حفصة بالنقود أجابهم قائلا إننى أريد أن أضم ساحته إلى مسجد السعادة فقالوا له ذلك أمر يخصك ولكننا نريد طريقا خاصا بنا عندئذ أمر بهدم ذلك المنزل وإلحاقه بمسجد السعادة وفتح طريقا من أجل آل عمر وبهذا جعلهم رهن الفرح والسرور. وكان طريق آل عمر القديم شديد الضيق يكاد لا يسمح بمرور شخص واحد، ولكن المشار إليه فتح طريقا واسعا فقدره الأهل وأثنوا عليه. ويرى البعض أن الحجاج بن يوسف الثقفى أراد أن يأخذ ذلك المنزل الذى يشبه الثريا من عبد الله بن عبد الله ولما قال له عبد الله إننى لا أستطيع أن أبيع بيت رسول الله طمعا فى ثمن قليل، أجاب الحجاج لابد أن أهدم ذلك المنزل وأخرجه فقال له إنك لا تستطيع أن تهدمه إلا إذا هدمته فوق رأسى، إننى لن أخرج من دارى حتى تستطيع أن تهدمه وعندما أخذ الحجاج هذا الرد منه أحضر عمالا وأخذ يهدم فى المنزل وعبد الله بن عبد الله فى داخله، وإن كان عبد الله بن عبد الله أصر على عدم الخروج إلا أن أفراد بنى عدى توسطوا فى الموضوع وقالوا يا عبد الله مازلنا إلى الآن فى أشد الألم من نار فراق المرحوم والدك، فكيف لنا الصبر على النار التى ستفجعنا بها ذاتك السامية وأخرجوا المشار إليه. ظن الحجاج الصفيق أن عمله هذا أى إخراج عبد الله من بيته نجاحا كبيرا

стр. 1188

فأخبر الوليد بن عبد الملك بما فعله، وأجابه الوليد بأن يعطى النقود التى قدرت ثمنا لبيت حفصة إلى عبد الله وفى حالة رفضها أن تصرف تلك النقود فى أمور مسجد السعادة، إلا أن عمر بن عبد العزيز أعطى الجزء الذى لم يدخل فى ساحة مسجد السعادة لعبد الله بن عبد الله وفتح طريقا منتهيا إلى مسجد السعادة كما فتح بوابة من بيت المشار إليها إلى الطريق المذكورة وهكذا طيب خاطر عبد الله. ويفهم من كل هذه الروايات أن الوليد بن عبد الملك هو الذى اشترى الحجرات؛ إلا أن زين المراغى نقل رواية عن الإمام السهيلى تبين أن تلك المنازل قد اشتريت فى زمن عبد الملك بن مروان وأدخلت فى مسجد السعادة إلا أنها لم تهدم تبركا بها، ويتحقق من كل هذه الروايات أن عبد الملك ابن مروان سمح للمسلمين أن يدخلوا فى الحجرات ليؤدوا الصلاة فيها، كما أن ابنه الوليد هدمها كلها وضم ساحتها إلى مسجد السعادة وقد ثبت عن المؤرخين أن الناس كانوا يدخلون أيام الجمع فى حجرات زوجات النبى ويصلون فيها. وبعدما انتهت منازعات إعطاء البيوت كما سبق شرحه، هدم عمر بن عبد العزيز المنازل المشتراة وسطح ساحتها وضمها إلى مسجد السعادة، وابتدر فى وضع أساس البناء المقدس وبنى جدار القبلة فى مكانه الأول وجدار جهة باب السلام أوصل إلى الأسطوانة المربعة كما سحب جدار جهة الشام إلى العمود العاشر من الأساطين المربعة للقبر الجليل، وإذا عد هذا العمود من أعمدة الجدار الشامى فهو الرابع، وأضاف إلى الجهة الغربية أسطوانتين (١)،وبهذا أوصل طول مسجد السعادة إلى ١٦٧ ذراعا وعرضه إلى ١٣٥ ذراعا. وعند البعض أوصل طول مسجد السعادة إلى ٢٠٠ ذراع وعرض الطرف الشامى إلى ١٨٠ ذراعا وعرض الطرف القبلى إلى ٢٠٠ ذراع وأدخل قبر النبى الجليل ومقبرتى الشيخين الجليلين فى داخل المسجد وإدخال القبرين الشريفين فى المسجد الشريف يومئ إلى اتخاذ المقابر مسجدا وهو أمر غير مسموح شرعا من

стр. 1189

هنا اعترض على ذلك من قبل سعيد بن المسيب بعض الاعتراض إلا أن أحدا لم يعر له أذنا. وقد استخدمت الأحجار المنحوتة فى بناء الجدران كما أن الأعمدة قد دعمت بالحديد والنحاس وعلقت الثريا التى أرسلها الحاكم فيلبوس من القسطنطينية فى جهة مناسبة وزينت الجدران من الداخل والخارج برخام مجلى والذهب والفسيفساء، كما أن أسفل الأعمدة وأعلاها ذهبت بأنواع مختلفة من الذهب كما زينت عتبات الأبواب. معجزة جليلة: قال أحد عمال الروم الذين أرسلهم فيلبوس لزملائه إننى سأتبول فوق قبر محمد ﷺ الذى يحترمه المسلمون أعظم احترام ويعزونه كثيرا وأخذ يحل حزامه ولكن زملاءه منعوه عن ذلك فلم يستطع أن ينفذ ما فى ضميره، وبعد دقيقتين من هذا الحوار غير اللائق وقع هذا الشخص سخيف الأفكار على أم رأسه وذهب إلى دار البوار وبناء على ذلك أسلم جميع زملائه. وقطع عمر بن عبد العزيز واقتلع أشجار النخيل التى فى نهاية الجدار الشرقى للمسجد الشريف وأبطل نظام إقامة صلاة الجنازات فى داخل المسجد وألغاه (١)، وأتم بناء مسجد السعادة فى خلال سنة إحدى وتسعين (٢) وعرض الأمر على الوليد بن عبد الملك، وسافر وليد بن عبد الملك محرما بنية الحج إلى مكة المعظمة، ومر بعد الحج بالمدينة المنورة وأجال نظره فى حرم السعادة وأمر بأن تهدم جميع سقوف مسجد السعادة وأن يصنع سقف جديد مثل سقف المقصورة، فأجابه عمر بن عبد العزيز قائلا: «إن هذا المكان الذى لم يعجبك قد صنع بإنفاق خمسة وأربعين ألف دينار، واستنفذت كل المبالغ التى فى بيت مال المسلمين ولن تستطيع خزانة المسلمين أن تدفع مبلغا مثل هذا من أجل إرشائك» وقد انزعج وليد من هذه الإجابة وقال له «ما هذه الخسة؟ كأنك أنفقت هذا المال من جيبك» وأظهر غضبه بهذا العتاب وخاطب أبان بن عثمان الذى كان بجانبه «كيف ترى

стр. 1190

هذا المسجد فى حالته هذه وحالته القديمة» فأجابه قائلا: «كان يشبه فى حالته الأولى المسجد والآن تحول إلى كنيسة»،وعلى هذا عزل ابن أخيه من ولاية الحجاز وشفى صدره بهذه الطريقة. فائدة التوكل: عند عودة الوليد بن عبد الملك من الحج استقبله عمر بن عبد العزيز من وجهاء البلد وأعيانه وأدخله إلى المسجد الشريف رأسا وزار الوليد جهات المسجد الأربعة وأدى صلاة التحية فى بعض أماكنه، وكانوا قد أخلوا المسجد من الناس حتى يزور الوليد المسجد بمفرده إلا أن سعيد بن المسيب ظل فى ركن من أركان المسجد وقد لبس أسمى الألبسة. وكان عمر بن عبد العزيز يغير طريقه وسيره فى داخل المسجد حتى يخفى سعيد بن المسيب عن أنظار الوليد إلا أنه لمح سعيد بن المسيب وقال من هذا الشخص؟ ألا يكون سعيد بن المسيب؟ وقال عمر بن عبد العزيز لو كان قد عرفك لكان يقوم ويحييك، بما أن بصره ضعيف لم يستطع أن يعرف سيادتك!!! قال الوليد إننى أعرف أنه لا يعادينا، وإنه رجل عالم تقى، لنذهب ونزوره وذهب إلى المكان الذى يجلس فيه سعيد بن المسيب وسلم عليه وسأله عن أحواله وصحته ثم ودعه، ومدحه بعده قائلا إن هذا الرجل أفقه الناس. وأمر بتغطية قبر السعادة بقطعة قماش لطيفة. كان عمر بن عبد العزيز عين واليا للمدينة مكان الأول المعزول هشام بن إسماعيل سنة ٨٦ الهجرية، وعزل فى أواسط سنة ٩٣ الهجرية على الصورة التى ستذكر فيما بعد وعلى هذا الحساب قد دامت ولايته بين ما يقرب من سبع سنين، وقد عاش آل دار الهجرة فى تلك الفترة تحت حمايته فى أمن وراحة وطمأنينة وناموا مستقرين، وحينما جاء عمر بن عبد العزيز إلى المدينة نزل فى دار مروان واستقبل الذين أتوا لتحيته بسلامة الوصول فى هذه الدار، ولما حل وقت الظهر أدى فريضة الظهر ثم استدعى عروة بن الزبير، أبا بكر بن أبى خيثمة، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، سليمان بن يسار، قاسم بن محمد، سالم بن عبد الله ابن عمر، عبد الله بن عبيد الله بن

стр. 1191

عمر، عبد الله بن عامر ابن ربيعة، خارجة بن زيد من فقهاء المدينة وقال لهم إننى دعوتكم لأرجو عونكم فى تدبير أمور الحكومة وإدارتها. وإذا لم ينضم إلى رأيى رأيكم جميعا أو بعضكم فلن أتخذ أى قرار قط، وبناء عليه فإذا استمعتم إلى أى شئ يخرج عن الحدود الشرعية فعليكم فى المسارعة بإخطارى وشارك الفقهاء المشار إليهم بالمشاورة والمذاكرة. وحتى ذلك التاريخ لم يكن لمسجد السعادة لا محراب ولا شرفات، فأحاط عمر بن عبد العزيز حوائط مبانى المسجد دائرا ما يدور بالشرفات، وقوى ميزابه ودعمه وما برز من السقف بأن صب عليها الرصاص وبعد ذلك نصب محرابا فى غاية الجمال. وإن كان جمهور المؤرخين يصدقون أن عمر بن عبد العزيز هو أول من أمر بصنع محراب لمسجد السعادة، إلا أنهم اختلفوا فيمن صنع الشرفات، إذ قال بعض المؤرخين، إن الذى أمر بصنع شرفات مسجد السعادة هو عبد الواحد بن عبد الله النصرى والي المدينة فى سنة أربعمائة هجرية، وبما أنها احترقت فى الحريق الأول جددها فى سنة ٧٦٧ هـ الأشرف شعبان بن حسين بن محمد من ولاة المدينة إلا أن أكثر مؤرخى المدينة ولا سيما المشهورين منهم الذين يؤيدون أقوالهم بالأدلة الموثوقة ترددوا فى تصديق هذه الرواية وقروا أن الشرفات أيضا من آثار عمر بن عبد العزيز. المآذن: حتى عصر عمر بن عبد العزيز لم تكن للمسجد النبوى الشريف مئذنة وقد أمر المشار إليه بصنع أربع مآذن على زوايا المسجد الأربع على أن تكون مئذنتى زاويتى جدران القبلة أعلى قليلا من مئذنتى زاويتى جدران الجهة الشامية، وبهذا كان هو مؤسس مآذن مسجد الرسول إلا أن بعد ذلك غيرت أى فى خلال السنة الهجرية (٩١) أمر سليمان بن عبد الملك بهدم مئذنة باب السلام، لسفسطة تزعم أن المؤذنين يرون أهل دائرتى وعلى هذا ظل مسجد السعادة قائما بثلاث مآذن لمدة ستمائة وخمسة عشر عاما.

стр. 1192

مطالعة كان أمر هدم مئذنة باب السلام قد صدر من سليمان بن عبد الملك لأن تلك المئذنة تصادف اتصالها بمنزل مروان بن الحكم، هل من الممكن ألا يتأسف إنسان لمثل هؤلاء الحكام الذين يحافظون على حرمة منازلهم بهذه الدرجة ثم يقدمون على هدم حجرات النساء الطاهرات؟ وهل هناك وقاحة أكبر من ذلك؟ انتهى. وكان ارتفاع هذه المآذن الثلاث-كل واحدة منها-ستين ذراعا وكان سطح قاعدة كل واحدة منها أربعة وستين ذراعا مربعا وكان ارتفاع المئذنة الحبشية فى الزاوية الغربية خمسين ذراعا، وعلى قول البعض أن المئذنتين اللتين على زاويتى الجدار الشامى كانتا قصيرتين على شكل أبراج، وكانت المئذنتان اللتان على الجدار القبلى طويلتين مثل مآذن عصرنا هذا. وقال بعض المؤرخين إذا ما قيست هذه المآذن من قاعدتها إلى أعلى قمتها فإن المئذنة، الرئيسية يبلغ ارتفاعها ١٢٠ ذراعا والشرقية يعنى السنجارية ٧٩ ذراعا والمئذنة الغربية أى الحبشية ٧٢ ذراعا، إلا أن شيخ الخدمة فى عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملوك المصرية كافور المظفرى الحريرى (١) جدد بناء المئذنة التى هدمها سليمان بن عبد الملك فى سنة ٧٠٦ هـ فأصبح المسجد الشريف ذا أربع مآذن بعد أن ظل إلى سنة ٦١٥ هـ بثلاث مآذن بهدم سليمان بن عبد الملك مئذنة باب السلام، وبينما كان يحفر أساس مئذنة باب السلام ظهر باب صغير يفتح إلى باب مروان وكان هذا الباب منخفضا عن سطح المسجد الشريف قدر قامة رجل وكان مصراعه المصنوع من خشب الساج لم يبل بعد، وعندما عمقوا الحفرة أكثر من ذلك وجدوا مجرى ماء لا يعلم منتهاه، وكان هذا المجرى قد أدخل من ساحة الحرم الشريف الرملية القديمة ولما كان لون الرمال المفروشة فى هذا المكان شديد السمرة فهم أنه قد جئ به من جبل سلع.

стр. 1193

وأصبحت مئذنة باب السلام المجددة أعلى من جميع المآذن الأخرى، أى بلغ ارتفاعها إلى ٩٥ ذراعا إلا أن مئذنته الرئيسية قد أعليت عندما جددت بعد الحريق الثانى حتى بلغت مائة ذراع وبهذا أصبحت أعلى من مئذنة باب السلام، ولما كان السلطان قايتباى المصرى قد عمر المئذنة الرئيسية بشكل جميل فى سنة ٨٩٠ هـ وأعلى ارتفاعها عشرين ذراعا فتجاوز طول هذه المئذنة ١٢٠ ذراعا ثم بنيت بعد ذلك مئذنة أخرى بجانب باب الرحمة (١) فبلغ عدد مآذن مسجد السعادة إلى خمسة. ولما كانت مآذن مسجد السعادة قد عمرت ورممت عامة فى زمان السلطان عبد المجيد خان الذى تميز بالأعمال الخيرية تذكر تلك المآذن فى زمننا بأسماء الأبواب الرئيسية، باب السلام، باب الرحمة، المجيدية والعزيزية، ويعلن فى شهر رمضان حلول وقت الإمساك بواسطة قناديل المئذنة الرئيسية لأن فى أعلى المئذنة الرئيسية بكرات مربوطة وعندما ينزل رئيس المؤذنين من فوق المئذنة فى ليالى رمضان يرفع فوق ذروة المئذنة بواسطة تلك البكرات ثلاثة قناديل وعقب ذلك تطلق مدافع الإمساك. كان يطلق فيما مضى على مئذنة العزيزية الحبشية وعلى مئذنة المجيدية السنجارية وفيما بعد أطلق عليها الشكلية، ولما جدد السلطان عبد المجيد مئذنة السنجارية كأنه بناها من جديد فعرفت تلك المئذنة باسمه، أى أطلق عليها المجيدية وكان يطلق على مئذنة الحبشية السليمانية من سنة ٩٤٠ هـ إلى سنة ١٢٧٧ هـ،ولما كانت هذه المئذنة قد عمرت فى صورة تامة كاملة فى عهد عبد العزيز خان وأوائل سلطنته أطلق عليها العزيزية كما ذكر فى الوجهة العاشرة والصورة الثالثة منها، ولما كان المسجد النبوى خاليا من المآذن فى عصر الرسول لأجل ذلك كان بلال يصعد فوق سطح إحدى المنازل القريبة من منازل بنى النجار ويؤذن، وكان ذلك المنزل عاليا مباركا وكانت صاحبته امرأة من بنات بنى النجار، وقال بعض المؤرخين كان بلال يؤذن فيما بعد صاعدا فوق الأسطوانة

стр. 1194

العالية التى كانت بجانب عتبة المنزل الذى انتقل إلى ملكية عبد الله بن عمر، وقال المؤرخون الذين ادعوا هذا أن تلك الأسطوانة كانت مربعة الشكل تابعة للمنزل الذى يعرف فيما بعد بدار عبد الله بن عبد الله والذى يعرف فى زماننا بدار العشرة واشتهرت باسم أسطوانة المعمار. صورة أداء صلاة الجنازة فى مسجد السعادة وسبب منعه بعد ما أتم عمر بن عبد العزيز بناء مسجد السعادة على أكمل وجه، عين حارسا حتى يحافظ على نظافة المسجد الدائمة وأمره بألا يدخل الجنازات فى داخل المسجد ومن وقتها كانت صلوات الجنازات تؤدى خارج المسجد وإن كان هناك من اعترض على ذلك وخالفوا الأوامر إلا أن من كان يدخل جنازته إلى داخل المسجد تخرج إلى خارجه، وكان الذين يلحون على إبقاء جنازتهم داخل المسجد يضربون ويهانون، وظهر هذا النظام فى عصر الوليد بن عبد الملك وصلاة الجنائز إلى ذلك التاريخ كانت تؤدى فى داخل المسجد الشريف، وكانت صلوات بعض الذوات الذين توفوا فى عصر السعادة تؤدى أمام الحجرة النبوية ومن هنا كان أهل المدينة يضيقون بهذا المنع، لأن عمر الفاروق صلى على جنازة الصديق كما صلى حضرة صهيب على جنازة عمر الفاروق أمام المنبر المنير، كما أن جنازات بعض الصحابة أدخلت إلى داخل المسجد للصلاة عليها. وإن كانوا فى ذلك الوقت قد التزموا جانب عدم إدخال الجنازة إلى مسجد السعادة؛ حتى إن بعض الصحابة أرادوا أن يعترضوا على طلب زوجة الرسول عائشة-رضى الله عنها-قائلة لابد أن تؤدى صلاة جنازة سعد بن أبى وقاص فى داخل المسجد أولا أنها قالت عجبا لكم! ما أسرع ما نسيتم أن رسول الله ﷺ كان قد صلى على جنازتى سهل بن بيضاء، وعقب ذلك على أخيه فى داخل المسجد الشريف وأخجلت بهذا العتاب الذين يتحدثون بدون تفكير، ولما كان أهل المدينة واقفين على هذه الدقائق تمام الوقوف فلم يستحسنوا قانون المنع الذى وضع من أجل الجنازات.

стр. 1195

ومع مرور الأيام لم يبق حكم لهذا المنع وقرر أن تصلى على جنازات السادات العلوية والأشراف فى داخل الروضة المطهرة وعلى جنازات العامة خلف الجدار الشرقى للمسجد الشريف وأموات خاصة الناس تؤخذ داخل الحرم ثم قرر أن يصلى على جميع جنازات المسلمين داخل المسجد الشريف فى الروضة المقدسة ما عدا جنازات طوائف الخوارج (١) ومازال هذا النظام ذو المحاسن الشاملة باق. فتؤخذ جنائز من مات فى المدينة داخل الروضة المطهرة وتصلى عليها صلاة الجنازة إذا لم يكن الميت من طائفة الخوارج. وإن كان هذا النظام قد اتخذ صيانة لحق رسول الله ﷺ بما أن رجل الميت الذى سيصلى عليه ستوجه ناحية الرأس النبوى الشريف فهذا مناف للآداب الإسلامية، ولأجل ذلك كان بعض الذوات من علماء المدينة يوصون بأداء صلاة الجنائز فى موضع الجنائز وكان سبب منع أداء صلاة الجنازة لعمر بن عبد العزيز فى داخل المسجد هذه الفكرة وكأنه كان ينبئ إلى رعاية النعش النبوى العالى، وكما لم يكن فى عصر النبوة مكانا خاصا لأداء صلاة الجنازة كان النبى ﷺ يعود الذين يحتضرون وبعد وفاتهم يعود إلى مسجد السعادة ثم يذهب ويؤدى صلاة جنازاتهم. وقد رأى الأصحاب الكرام فيما بعد أن هذا الأمر شاق على النبى ﷺ فوضعوا نظام الصلاة على الموتى فى موضع الجنائز بعد الاستئذان من النبى ﷺ . وفى إستانبول يطلق موضع الجنائز على المكان الذى يسمى بمصلى وكان موضع الجنائز فى عصر السعادة فى مكان بين نخلتين كائن فى الجهة الشرقية من مسجد السعادة ولما رأى عمر بن عبد العزيز أن أداء صلاة الجنائز فى الروضة المطهرة إساءة إلى النبى ﷺ ، اشترى المكان المذكور من أصحابه وقطع أشجار النخيل وألمح إلى أنه يجب أن تؤدى صلاة الجنائز فى هذا المكان والذين لا يقبلون هذا الأمر كان يزجرهم ويهددهم بالضرب والإهانة.
следующие страницы →