← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

عمر، عبد الله بن عامر ابن ربيعة، خارجة بن زيد من فقهاء المدينة وقال لهم إننى دعوتكم لأرجو عونكم فى تدبير أمور الحكومة وإدارتها. وإذا لم ينضم إلى رأيى رأيكم جميعا أو بعضكم فلن أتخذ أى قرار قط، وبناء عليه فإذا استمعتم إلى أى شئ يخرج عن الحدود الشرعية فعليكم فى المسارعة بإخطارى وشارك الفقهاء المشار إليهم بالمشاورة والمذاكرة. وحتى ذلك التاريخ لم يكن لمسجد السعادة لا محراب ولا شرفات، فأحاط عمر بن عبد العزيز حوائط مبانى المسجد دائرا ما يدور بالشرفات، وقوى ميزابه ودعمه وما برز من السقف بأن صب عليها الرصاص وبعد ذلك نصب محرابا فى غاية الجمال. وإن كان جمهور المؤرخين يصدقون أن عمر بن عبد العزيز هو أول من أمر بصنع محراب لمسجد السعادة، إلا أنهم اختلفوا فيمن صنع الشرفات، إذ قال بعض المؤرخين، إن الذى أمر بصنع شرفات مسجد السعادة هو عبد الواحد بن عبد الله النصرى والي المدينة فى سنة أربعمائة هجرية، وبما أنها احترقت فى الحريق الأول جددها فى سنة ٧٦٧ هـ الأشرف شعبان بن حسين بن محمد من ولاة المدينة إلا أن أكثر مؤرخى المدينة ولا سيما المشهورين منهم الذين يؤيدون أقوالهم بالأدلة الموثوقة ترددوا فى تصديق هذه الرواية وقروا أن الشرفات أيضا من آثار عمر بن عبد العزيز. المآذن: حتى عصر عمر بن عبد العزيز لم تكن للمسجد النبوى الشريف مئذنة وقد أمر المشار إليه بصنع أربع مآذن على زوايا المسجد الأربع على أن تكون مئذنتى زاويتى جدران القبلة أعلى قليلا من مئذنتى زاويتى جدران الجهة الشامية، وبهذا كان هو مؤسس مآذن مسجد الرسول إلا أن بعد ذلك غيرت أى فى خلال السنة الهجرية (٩١) أمر سليمان بن عبد الملك بهدم مئذنة باب السلام، لسفسطة تزعم أن المؤذنين يرون أهل دائرتى وعلى هذا ظل مسجد السعادة قائما بثلاث مآذن لمدة ستمائة وخمسة عشر عاما.

стр. 1192

مطالعة كان أمر هدم مئذنة باب السلام قد صدر من سليمان بن عبد الملك لأن تلك المئذنة تصادف اتصالها بمنزل مروان بن الحكم، هل من الممكن ألا يتأسف إنسان لمثل هؤلاء الحكام الذين يحافظون على حرمة منازلهم بهذه الدرجة ثم يقدمون على هدم حجرات النساء الطاهرات؟ وهل هناك وقاحة أكبر من ذلك؟ انتهى. وكان ارتفاع هذه المآذن الثلاث-كل واحدة منها-ستين ذراعا وكان سطح قاعدة كل واحدة منها أربعة وستين ذراعا مربعا وكان ارتفاع المئذنة الحبشية فى الزاوية الغربية خمسين ذراعا، وعلى قول البعض أن المئذنتين اللتين على زاويتى الجدار الشامى كانتا قصيرتين على شكل أبراج، وكانت المئذنتان اللتان على الجدار القبلى طويلتين مثل مآذن عصرنا هذا. وقال بعض المؤرخين إذا ما قيست هذه المآذن من قاعدتها إلى أعلى قمتها فإن المئذنة، الرئيسية يبلغ ارتفاعها ١٢٠ ذراعا والشرقية يعنى السنجارية ٧٩ ذراعا والمئذنة الغربية أى الحبشية ٧٢ ذراعا، إلا أن شيخ الخدمة فى عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملوك المصرية كافور المظفرى الحريرى (١) جدد بناء المئذنة التى هدمها سليمان بن عبد الملك فى سنة ٧٠٦ هـ فأصبح المسجد الشريف ذا أربع مآذن بعد أن ظل إلى سنة ٦١٥ هـ بثلاث مآذن بهدم سليمان بن عبد الملك مئذنة باب السلام، وبينما كان يحفر أساس مئذنة باب السلام ظهر باب صغير يفتح إلى باب مروان وكان هذا الباب منخفضا عن سطح المسجد الشريف قدر قامة رجل وكان مصراعه المصنوع من خشب الساج لم يبل بعد، وعندما عمقوا الحفرة أكثر من ذلك وجدوا مجرى ماء لا يعلم منتهاه، وكان هذا المجرى قد أدخل من ساحة الحرم الشريف الرملية القديمة ولما كان لون الرمال المفروشة فى هذا المكان شديد السمرة فهم أنه قد جئ به من جبل سلع.

стр. 1193

وأصبحت مئذنة باب السلام المجددة أعلى من جميع المآذن الأخرى، أى بلغ ارتفاعها إلى ٩٥ ذراعا إلا أن مئذنته الرئيسية قد أعليت عندما جددت بعد الحريق الثانى حتى بلغت مائة ذراع وبهذا أصبحت أعلى من مئذنة باب السلام، ولما كان السلطان قايتباى المصرى قد عمر المئذنة الرئيسية بشكل جميل فى سنة ٨٩٠ هـ وأعلى ارتفاعها عشرين ذراعا فتجاوز طول هذه المئذنة ١٢٠ ذراعا ثم بنيت بعد ذلك مئذنة أخرى بجانب باب الرحمة (١) فبلغ عدد مآذن مسجد السعادة إلى خمسة. ولما كانت مآذن مسجد السعادة قد عمرت ورممت عامة فى زمان السلطان عبد المجيد خان الذى تميز بالأعمال الخيرية تذكر تلك المآذن فى زمننا بأسماء الأبواب الرئيسية، باب السلام، باب الرحمة، المجيدية والعزيزية، ويعلن فى شهر رمضان حلول وقت الإمساك بواسطة قناديل المئذنة الرئيسية لأن فى أعلى المئذنة الرئيسية بكرات مربوطة وعندما ينزل رئيس المؤذنين من فوق المئذنة فى ليالى رمضان يرفع فوق ذروة المئذنة بواسطة تلك البكرات ثلاثة قناديل وعقب ذلك تطلق مدافع الإمساك. كان يطلق فيما مضى على مئذنة العزيزية الحبشية وعلى مئذنة المجيدية السنجارية وفيما بعد أطلق عليها الشكلية، ولما جدد السلطان عبد المجيد مئذنة السنجارية كأنه بناها من جديد فعرفت تلك المئذنة باسمه، أى أطلق عليها المجيدية وكان يطلق على مئذنة الحبشية السليمانية من سنة ٩٤٠ هـ إلى سنة ١٢٧٧ هـ،ولما كانت هذه المئذنة قد عمرت فى صورة تامة كاملة فى عهد عبد العزيز خان وأوائل سلطنته أطلق عليها العزيزية كما ذكر فى الوجهة العاشرة والصورة الثالثة منها، ولما كان المسجد النبوى خاليا من المآذن فى عصر الرسول لأجل ذلك كان بلال يصعد فوق سطح إحدى المنازل القريبة من منازل بنى النجار ويؤذن، وكان ذلك المنزل عاليا مباركا وكانت صاحبته امرأة من بنات بنى النجار، وقال بعض المؤرخين كان بلال يؤذن فيما بعد صاعدا فوق الأسطوانة

стр. 1194

العالية التى كانت بجانب عتبة المنزل الذى انتقل إلى ملكية عبد الله بن عمر، وقال المؤرخون الذين ادعوا هذا أن تلك الأسطوانة كانت مربعة الشكل تابعة للمنزل الذى يعرف فيما بعد بدار عبد الله بن عبد الله والذى يعرف فى زماننا بدار العشرة واشتهرت باسم أسطوانة المعمار. صورة أداء صلاة الجنازة فى مسجد السعادة وسبب منعه بعد ما أتم عمر بن عبد العزيز بناء مسجد السعادة على أكمل وجه، عين حارسا حتى يحافظ على نظافة المسجد الدائمة وأمره بألا يدخل الجنازات فى داخل المسجد ومن وقتها كانت صلوات الجنازات تؤدى خارج المسجد وإن كان هناك من اعترض على ذلك وخالفوا الأوامر إلا أن من كان يدخل جنازته إلى داخل المسجد تخرج إلى خارجه، وكان الذين يلحون على إبقاء جنازتهم داخل المسجد يضربون ويهانون، وظهر هذا النظام فى عصر الوليد بن عبد الملك وصلاة الجنائز إلى ذلك التاريخ كانت تؤدى فى داخل المسجد الشريف، وكانت صلوات بعض الذوات الذين توفوا فى عصر السعادة تؤدى أمام الحجرة النبوية ومن هنا كان أهل المدينة يضيقون بهذا المنع، لأن عمر الفاروق صلى على جنازة الصديق كما صلى حضرة صهيب على جنازة عمر الفاروق أمام المنبر المنير، كما أن جنازات بعض الصحابة أدخلت إلى داخل المسجد للصلاة عليها. وإن كانوا فى ذلك الوقت قد التزموا جانب عدم إدخال الجنازة إلى مسجد السعادة؛ حتى إن بعض الصحابة أرادوا أن يعترضوا على طلب زوجة الرسول عائشة-رضى الله عنها-قائلة لابد أن تؤدى صلاة جنازة سعد بن أبى وقاص فى داخل المسجد أولا أنها قالت عجبا لكم! ما أسرع ما نسيتم أن رسول الله ﷺ كان قد صلى على جنازتى سهل بن بيضاء، وعقب ذلك على أخيه فى داخل المسجد الشريف وأخجلت بهذا العتاب الذين يتحدثون بدون تفكير، ولما كان أهل المدينة واقفين على هذه الدقائق تمام الوقوف فلم يستحسنوا قانون المنع الذى وضع من أجل الجنازات.

стр. 1195

ومع مرور الأيام لم يبق حكم لهذا المنع وقرر أن تصلى على جنازات السادات العلوية والأشراف فى داخل الروضة المطهرة وعلى جنازات العامة خلف الجدار الشرقى للمسجد الشريف وأموات خاصة الناس تؤخذ داخل الحرم ثم قرر أن يصلى على جميع جنازات المسلمين داخل المسجد الشريف فى الروضة المقدسة ما عدا جنازات طوائف الخوارج (١) ومازال هذا النظام ذو المحاسن الشاملة باق. فتؤخذ جنائز من مات فى المدينة داخل الروضة المطهرة وتصلى عليها صلاة الجنازة إذا لم يكن الميت من طائفة الخوارج. وإن كان هذا النظام قد اتخذ صيانة لحق رسول الله ﷺ بما أن رجل الميت الذى سيصلى عليه ستوجه ناحية الرأس النبوى الشريف فهذا مناف للآداب الإسلامية، ولأجل ذلك كان بعض الذوات من علماء المدينة يوصون بأداء صلاة الجنائز فى موضع الجنائز وكان سبب منع أداء صلاة الجنازة لعمر بن عبد العزيز فى داخل المسجد هذه الفكرة وكأنه كان ينبئ إلى رعاية النعش النبوى العالى، وكما لم يكن فى عصر النبوة مكانا خاصا لأداء صلاة الجنازة كان النبى ﷺ يعود الذين يحتضرون وبعد وفاتهم يعود إلى مسجد السعادة ثم يذهب ويؤدى صلاة جنازاتهم. وقد رأى الأصحاب الكرام فيما بعد أن هذا الأمر شاق على النبى ﷺ فوضعوا نظام الصلاة على الموتى فى موضع الجنائز بعد الاستئذان من النبى ﷺ . وفى إستانبول يطلق موضع الجنائز على المكان الذى يسمى بمصلى وكان موضع الجنائز فى عصر السعادة فى مكان بين نخلتين كائن فى الجهة الشرقية من مسجد السعادة ولما رأى عمر بن عبد العزيز أن أداء صلاة الجنائز فى الروضة المطهرة إساءة إلى النبى ﷺ ، اشترى المكان المذكور من أصحابه وقطع أشجار النخيل وألمح إلى أنه يجب أن تؤدى صلاة الجنائز فى هذا المكان والذين لا يقبلون هذا الأمر كان يزجرهم ويهددهم بالضرب والإهانة.

стр. 1196

وصلى إمام محراب الدين- ﷺ -فى هذا المكان كثيرا من صلوات الجنائز وأصبح فى حكم العادة بين الأصحاب أن تؤدى صلاة الجنازة فى الموضع المذكور قرب وفاة سعد بن أبى وقاص. وبما أن النبى ﷺ كان يصلى نادرا صلاة الجنائز فى داخل مسجد السعادة بناء على الواقع الذى أخطرت به السيدة عائشة، أجاز أئمة المذاهب الثلاثة الصلاة على الجنائز فى داخل المسجد كما بينه ابن حجر بعد التدقيق، وإن كان أئمة الحنفية يعترضون على ذلك إلا أنهم يجيزون تقليد أئمة المذاهب الثلاثة بشرط أداء صلاة الجنائز فى الحرمين فقط،وبناء على هذا يؤتى بالجنائز داخل مسجد السعادة ويصلى عليها فى المحراب العثمانى ثم تمرر من داخل الروضة المطهرة وتدفن فى القبر الذى فى البقيع الشريف، كما أن أموات الغرباء تغسل وتجهز وتكفن فى مكان يسمى شر شورة وتصلى على جنازاتهم خارج المسجد وفى جهة باب جبريل ثم تدفن فى البقيع. ولكن جنائز الخوارج لا يصلى عليها فى المصلى، إنما يصلى عليها فى خارج المدينة فى مكان خاص بهم بواسطة جماعاتهم وبما أنه لا يشاركهم فى ذلك شخص غريب عنهم فلا يطلع أحد من غيرهم على كيفية الصلاة والتكفين والدفن. اللائحة: قال علماء المذهب الحنفى كما ذكر آنفا بما أن المساجد قد بنيت لأداء الصلوات الخمس من هنا يلزم أداء صلاة الجنائز خارجها ولكن أئمة المذهب الشافعى رأوا أداء صلاة الجنائز فى داخل المسجد أولى. وقال الإمام أبو يوسف: «أداء صلاة الجنائز فى داخل المسجد اقتداء بأهل الحرمين الشريفين» وأفتى بناء على قوله. وبما أن الصلوات التى تؤدى للجنائز فى داخل أحد الحرمين ستتميز بكثرة الجماعة وسيكون ذلك موضع شرف للميت فلا يعترض على أداء أهل الحرمين الشريفين صلوات الجنائز بهما إذ يغلب على الظن أن الجنائز التى دخلت فى

стр. 1197

الروضة المطهرة دخلت الجنة فى الدنيا ويؤمل من اللطف الإلهى ألا يخرج من الجنة من دخل فيها. ومن هنا ندعو الله- -أن الذى يصلى على جنازته فى داخل أحد الحرمين أن ينعم الله- -عليه بالجنة وأن ينال شفاعة حبيب رب العزة، ألا فليجعل الله- -مؤلف هذا الكتاب من زمرة هؤلاء السعداء؛ آمين بحرمة سيد المرسلين. ويروى المؤرخون بخصوص هذا الموضوع أقوالا كثيرة، يقول ابن النجار فى كتابه مازال نظام أداء صلاة الجنائز فى الحرمين فى موضع الجنائز باقيا، إلا من يرغب من سادة العلويين والسادة والأعيان الذين يراعى خاطرهم يصلى على جنازتهم فى داخل المسجد النبوى، وغير هؤلاء من عامة الناس يصلى على جنازتهم خلف الجدار الشرقى لمسجد السعادة ويظل قبر الرسول ﷺ على يمين الإمام الذى يؤم الناس. وقال الإمام السمهودى موضحا إن ما ذكره ابن النجار سقط عن الحكم الآن، أما الآن فمعظم الجنازات تدخل فى المسجد النبوى وتصلى صلاة جنازاتهم فيه، إلا أن جنازات الأعيان والوجهاء يصلى عليها بين منبر السعادة وقبر الرسول كرعاية خاصة لهم، وتؤدى صلوات جنائز عامة الناس أمام الروضة المطهرة، وفى سنة ٨٤٢ هـ منع إدخال جنائز الخوارج فى داخل مسجد السعادة بناء على الأمر الذى ورد من الملك جقمق إلا إذا كان بينهم أسرة علوية وماتوا يصلى على جنازاتهم فى داخل المسجد ومازالت هذه العادة جارية فتدخل جنازات أفراد المذاهب الحقة عامة فى المسجد ويصلى عليها ما عدا أموات الفقراء والغرباء يصلى على جنازاتهم فى المكان الذى ذكر من قبل. ويدخل أهل المدينة جنازاتهم فى المسجد الشريف من باب الرحمة وإن كانت منازلهم فى جهات أخرى. وغرضهم من ذلك التيمن وتمنى رحمة الله والتفاؤل. وتمرر الجنازة من باب الرحمة يؤتى بها فى مواجهة قبر الرسول، وبعد أن

стр. 1198

يستشفع من الرسول ﷺ يضعون الجنازة فى مواجهة قبر الصديق وبعد مواجهة قبر عمر بن الخطاب-رضى الله عنهما-ثم توصل أمام المحراب العثمانى حيث يصلى عليها ثم يمر بين الروضة المطهرة وتخرج من باب جبريل وتدخل فى مقبرة بقيع الغرقد، والجنازة التى يصلى عليها أمام المحراب العثمانى تظل رجلاها فى يسار الإمام وإذا ما صلوا عليها فى داخل الروضة المطهرة يجعلون رجليها يمين الإمام حتى يكون رأس الجنازة ناحية قبر السعادة. وهذا النظام خاص بالشافعية وإذا صلى للجنائز، سواء أكانت فى داخل الروضة المطهرة أو أمام المحراب العثمانى يجعلون الجنازة دائما على الشكل المذكور. إلا أن وضع جنازة المرأة التى يصلى عليها فى الروضة المطهرة لا يكون على وضع الذكور، إنهم يجعلون رأسها فى يسار الإمام؟ لأن فى وضع رجليها نحو قبر السعادة إساءة للأدب. قال الإمام السمهودى فى كتابه «ذروة الوفاء» وإن لم يكن أداء صلاة الجنازة فى الروضة المطهرة بدعة إلا أنه يقتضى ألا تمد رجلا الجنازة التى تقام لها الصلاة ناحية قبر السعادة». وكانت أول جنازة تستوقف فى مواجهة قبر السعادة للاستشفاع جنازة سبط النبى الحسن بن على-رضى الله عنهما-لأنه كان قد أوصى أخاه الحسين بن على-رضى الله عنهما-قائلا: «إذا لم يسمحوا بدفن جنازتى بحجرة السعادة فخذوها إلى مواجهة الحجرة حيث تقفون بها قليلا ثم ادفنى بجانب والدتى فى البقيع» ولما كان سيدنا الحسين أوفى بوصية أخيه أصبح أخذ الجنازة أمام قبر الرسول ﷺ وطلب الشفاعة منه-﵇-عادة بين أهل المدينة. استطراد ظهرت عداوة بنى أمية للسادة الكرام منذ الوقائع المؤسفة التى برزت على منصة الأحداث منذ أن اعتلى على بن أبى طالب عرش الخلافة، إذ يعتقد هؤلاء الأشقياء ويزعمون أنهم من فروع أحفاد عبد مناف بن قصى ويلزم ألا يزيد فضل

стр. 1199

وشرف وسيادة أبناء عبد المطلب بن هاشم على فضل وشرف وسيادة أبناء أمية بن عبد شمس ومع أنهم يعرفون جيدا أن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف لا يعادل ولا يماثل هاشم بن عبد مناف كما أن حرب بن أمية لا يعادل عبد المطلب بن هاشم وأن أبو سفيان صخر لا يماثل أبا طالب وأن عبد الملك بن مروان لا يعادل أبناء السبطين العظام ومع هذا كانوا يسعون إلى إخفاء فضائل حيدر الجليلة ومناقبه الجميلة. ولجئوا فى هذا السبيل إلى حيل ودسائس كثيرة حتى يقنعوا الناس بصواب أفكارهم وتصوراتهم ولما كانت حكومة بنى أمية أسست على فكرة حمل الناس على نسيان خصال المرتضى ذات الدلائل الباهرة أخذوا يضيقون على الذين ينتسبون إلى آل النبى وأسرته ذات الأركان الرصينة ويزعجونهم كما أنهم منعوا ذكر اسم فارس المشارق والمغارب أبى الحسنين على بن أبى طالب فى أى مكان لأى إنسان طول مدة حكمهم، ومنعوا ذكر محاسن أهل البيت فى المحافل والمجالس. وإن قتل البطلين المكرمين بصورة شنيعة، وحبس الذين يؤيدون على بن أبى طالب والذين يثنون على أهل البيت ويمدحونهم مدة طويلة، وإخراج محسن بن الحسن وفاطمة بنت الحسين-رضى الله عنهم-من المنزل الذى كانا يسكنان فيه فى حقارة وامتهان وهدم البيت الذى ينسب إلى فاطمة-رضى الله عنها-بدون إرضاء أصحابه وتطييب خاطرهم وجعل المدينة المنورة منهبا للشوام ووقوع أمثال هذه الإساءات والسماح لها كل هذه نتيجة مؤلمة لتلك الدعوى الباطلة. وكان غرض الوليد الأساس ومن تبعوا غرض الوليد الذى جدد مسجد السعادة نبى الزهد فى الدنيا والابتعاد عن زينتها، والإبقاء على سلطنة الدنيا سريعة الزوال فى يد الأمويين والسعى من أجل ذلك، مع أن كل هذه المساعى من الوليد أو ممن سبقوه من الحكام أو أتوا بعده كانت سببا فى زيادة شرف أهل البيت وتعالى أفضالهم وغلبة شهرتهم وبناء على هذا كانت هذه الكيفية مثارا لوفور وقاحة الأمويين وانتشار فضائحهم.

стр. 1200

ولا يقل العباسيون فى تحقير العلويين عن الأمويين، ومن الأعمال غير اللائقة والحركات الوحشية فى عهد بنى العباس؛ حتى لا يخرجوا زمام الخلافة من أيديهم وهو خيال محال، سقوا بقايا الأئمة الكرام من آل البيت سم الهلاك قتلوا أولادهم وأحفادهم وساموهم أنواع التعذيب الذى لا يخطر على البال. وإن كانت الآثار النبوية الصريحة والأخبار المصطفوية الصحيحة التى تزين الصدور والسطور زائدة عن العدّ والإحصاء فى المناقب الجليلة التى تفوق إدراك عقول البشر لوارث العلوم النبوية حضرة الإمام على-كرم الله وجهه ورضى الله عنه-إلا أننا لو نظرنا إلى صفحة من صفحات التاريخ نظرة إمعان وجدنا أن عهد السلاطين العثمانيين مصون عن الجور ورأينا أن أكثر السادات العظام كانوا قبل سلاطين آل عثمان نافرين من الملوك ومغضوب عليهم من السلاطين الذين يفتقرون إلى السلوك الإسلامى، والمقالة الآتية موازنة واضحة فى هذه المسألة. موازنة تاريخية إن الموازنة بين طرق المعاملة لآل بيت النبوة الذين اكتسبت بهم مكة المكرمة والمدينة المنورة القدسية من قبل الخلافات المتقدمة مثل الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية والخلافة العثمانية تكون مدارا عظيما على إثبات قياسها بالرعاية التامة لمنصب الخلافة الجليلة حاملة لقب خادم الحرمين الشريفين. كما أن هذه الموازنة تظهر مامدى صدق روايات بعض المؤرخين القدماء؛ لأن حكم الشئ الذى يقال له التاريخ لا يثبت عن طريق الرواية فقط بل يجب أن تؤيد الأقوال التى قيلت فى التاريخ والمدائح والثناءات لابد وأن تتحول إلى الأفعال، لأن الأقوال التى لا تؤيد بالأفعال تظل ألفاظا لا معنى لها. إن الأعمال التخريبية التى قام بها القادة مثل ابن ارطأة والحجاج الظالم ومسلم بن عقبة على مكة المكرمة والمدينة المنورة فى عهد الأمويين قد وصل إلى درجة التواتر، حتى إننا نرى تفصيلها من قبيل إعلام المعلوم، وإن معاملة القادة

стр. 1201

مثل الحجاج الظالم وابن أرطأة ومسلم-يفتضح اسمه-معاملة حسنة لسادات الحرمين الشريفين وأشرافها يقتضى عدها من الأمور المستغربة. وإلا فمن المحال أن ينتظر خير عندما يذكر أسماء الحجاج الظالم وابن أرطأة ومسلم لأجل الآل والمحال المباركة وهذا ما يميزه حتى أصحاب العقول القاصرة ويفرقونه إن الجرم الذى ارتكبه عبد الملك بن مروان الأموى ضد الكعبة المكرمة عندما أراد قتل ابن الزبير قد وصل إلى درجة الإخلال بسلامة البيت المعظم الذى روعى جانبه حتى فى عهد الجاهلية، إن سيف الجور والتعدى الذى سحبه من غمده دون مراعاة امتياز المكان وقدسيته لم يقتل فقط جناب ابن الزبير بل قتل آلافا من الذوات الكرام وسفح دماءهم وأجرى هذه الشدة ضد المبانى المقدسة عمّتها حتى لم تترك مساجد جليلة ولا آثار شريفة دون التخريب والتدمير. وأظهر سليمان بن عبد الملك، وهو أقل خلفاء الأمويين إساءة عداوته بهدم مئذنة باب السلام لمجرد حجة قربها من بيته الفاخر وأنها تكشفه. واشتهر من الأمويين وخاصة الوليد بن عبد الملك بظلمه لآل البيت إذ حول إلى الحجاز قوة تخريبية إحدى المرات وأمر أن تهدم منازل زوجات النبى ﷺ على رءوس أصحابها وهم بداخل المنازل وكيف يتفق تخريب هذه المنازل ومبادئ الإسلام وكيف يتقبل محبو آل البيت مثل هذه الأعمال؟ ولا يعد ما قام به الوليد الظلم الوحيد الذى ارتكبه الأمويون إذ يجب أن يتذكر ما ساقه يزيد بن معاوية على دار الهجرة من الجنود الفاجرين الذين اعملوا سيوفهم فى رقاب أحد عشر ألفا وسبعمائة من المدنيين والذى ثبت بروايات متواترة. وكان ضمن هؤلاء كثير من أصحاب رسول الله ﷺ وكثير من التابعين والبقية الباقية من أولاد وأحفاد صحابة النبى ﷺ وكان سبعمائة منهم يحفظون القرآن الكريم. وسيق بقية آل المدينة إلى خارج المدينة وقد قيدت أياديهم وأرجلهم بسلاسل الجور ولم تحل أكبالهم من رقابهم وأيديهم إلا بعدما أقسموا أنهم سيسيرون وفق

стр. 1202

إرادة الملك الأموى وقد استحى المحررون الخوض فى تفصيل ما ارتكب فى أثناء تلك المظالم من انتزاع الأصحاب الكرام وإباحة أعراض النساء للجنود. وبما أن الملل الإسلامية لم ترض فى صورة عامة عن الأمويين يلزم ألا يستغرب من مثل هذه الأعمال التى صدرت منهم ولكنه من الضرورة بمكان الاستغراب مما صدر من الخلفاء العباسيين من المساوئ فى هذا السبيل، هذا هو السفاح الذى أراد أن يعلن عن سطوته الملوكية على الجميع، بعد ضعفه وعجزه اللذين قد يجران استخفاف الناس له يعذب الآلاف ويؤذى لدرجة القتل ولم ينج أهل الحجاز المباركة من هذا الظلم الذى يعد أوائل مظالم العهد العباسى، وحينما سبقت الجنود فى زمن المنصور إلى المدينة للقبض على أحد المخالفين وهو على الرضا من السادة الكرام وقد قبض عليه مع أولاده وعياله وأصحابه ومحبيه وقتلهم جميعا واحدا تلو آخر ولم يكتف بذلك بل أراق دماء كثير من آل المدينة الآمنة ودخلت هذه الحادثة ضمن الأحداث التى أبكت آل الحرمين دما بدل الدموع. ولم يتأخر آل عباس بعد المنصور عن منافسة السادة الكرام من آل النبى ﷺ والسبب الأصلى للمنافسة بينهما ما أشير إليه فى الاستطراد السابق، شرف النسب إذ حسدوا السادات الكرام الذين يعدون من آل النبى وأولاده بدون واسطة رأسا، وادعوا أنهم يتفوقون عليهم نسبا وأقبلوا كلما وجدوا فرصة على أن يعدموا السادة الكرام إما بالسم وإما بالخنق وجعلوا هذا دينهم. ولم يكن السادات الذين اكتسبوا شهرة طيبة فى سبيل الاستشهاد من النوادر، كما أن العباسيين الذين لوثوا سمعتهم بإيقاع المظالم عليهم لم تبق أعمالهم فى حكم النوادر. وكان أحد أسباب إهانة العباسيين لآل بيت النبى قضية الاستيلاء على ما يمتلكه هؤلاء من الأملاك والأراضى حول مكة المكرمة والمدينة المنورة بمد يد الاغتصاب إليها، وبناء عليه فإن أى واحد من آل البيت يقع فى يد العباسيين الغادرة تقع أملاكه تحت يد اغتصاب غادرة، ومن هنا ساءت أحوال السادات

стр. 1203

الكرام يوما بعد يوم. حتى هارون الرشيد الذى اشتهر بين الخلفاء العباسيين بالقوة والعظمة والشوكة لم يخل عهده من الظلم واللوث والتحقير لمشكلة نور الإسلام، إذ قبض على الإمام موسى الكاظم فى مسجد السعادة بملابسه الليلية بكل عنف وشدة وقيد رجليه وكبل من رقبته بالسلاسل وأرسل إلى البصرة فعاقبه عيسى بن جعفر بن المنصور بإلقائه فى السجن. وقد بعث أبو جعفر المنصور العباسى إلى المدينة فرقة عسكرية قوامها أربعة آلاف جندى تحت قيادة عمه عيسى بن موسى، وأمره بأن يقبض على النفس الزكية من أبناء على بن أبى طالب وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين وجعله شهيدا مع ثلاثمائة من أشراف الحرمين وسادتهم بأن قتلهم بسيف الغدر، وضم فوق هذا الظلم تحقير الموتى بأن منع دفن هؤلاء الشهداء فى مقابر المسلمين وأمر بدفنهم فى مقابر اليهود. وكأن هذا التصرف مدادا للافتخار إذ جاء برءوس الشهداء إلى بغداد وشهر بهم بأن غرس الرءوس على رءوس الأوتاد وهذا العمل من المظالم الملعونة التى تجعل أصحاب الحمية الإسلامية يتقيئون دما، ونضيف لهذه الفاجعة أنه فى أثناء تلك الأحداث رجح بأن يقتل بعض السادة والأشراف فى بغداد بدلا من المدينة وذلك تهديدا لأهل بغداد وكان من ضمن هؤلاء والد النفس الزكية عبد الله وقد استشهد هؤلاء فى بغداد بطريقة لا تليق حتى بالمجرمين وسط أذى عظيم وتعذيب شديد. وإننا نكتفى بذكر هذه الأمثلة فيما تعرض له الحرمان الشريفان وأهاليهما وأشرافهما تحت حكم خلفاء الدولة الأموية والعباسية من الجور والظلم والتحقير، ولما كانت غايتنا الأصلية هى بيان ما قام به سلاطين آل عثمان نحو الأماكن المباركة قبلة المسلمين ونحو السادة الكرام والأشراف ذوى المقام العالى من معاملات طيبة جميلة وجليلة سنسرع فى تحويل القول إلى ذلك الوادى، ولا يظن أن الحقارة اقتصرت على ما ذكرناه، فقد اغتر بعض منهم بتمزيق القرآن وافتخر قسم منهم بمسألة خلق القرآن وهكذا كان الأمويون والعباسيون دائما فى منافسة شديدة مع آل النبى ﷺ وكانوا يستفيدون من أقل شئ للإخلال-حاشا

стр. 1204

-بشأنهم، وإذا ما نظرنا إلى طورهم الدائم كانت الإساءة إليهم، وإن وجد من بينهم من لم يسئ إلى أحد، إلا أنهم كذلك لم يحسنوا لأحد وهذا ما يجب أن نعتبر به. والحقيقة أن العباسيين، ما عدا بضعة منهم لم يقوموا بخدمة عظيمة للحرمين الشريفين، وأهم هذه الأعمال تعمير السيدة زبيدة للعين المنسوبة إليها وتعبيد الطريق من بغداد إلى مكة فوق الصحراء يستطيع أن يسير عليها حتى الأعمى ويعد من الأعمال السهلة التى لا تقاس بالطرق المعبدة فى الأماكن الجبلية من بلادنا. وقد حكم الفاطميون، مكة والمدينة باغتصاب عنوان الخلافة قبل أن تنتقل الخلافة من العباسيين إلى العثمانيين إلا أنهم عدوا أنفسهم من أولاد النبى بشرط عدم علم مدى أحقيتهم فى ذلك ومع ذلك لم يتركوا فسادا لم يرتكبوه، مثل ارتكاب الأشراف الذين فى منصب الإمارة جميع أنواع الجور لإبعاد الشريف الآخر من منصبه إذ كانوا ضحايا لمؤامرة الفاطميين، أو وجود شريفين فى منصب الإمارة فى نفس الوقت من الأحوال التى حدثت بسبب الفاطميين. وعندما نصل إلى العائلة العثمانية عالية العنوان، نجد أن أولاد أرطغرل اعتادوا حتى قبل تسلم السلطان سليم خان عصا الخلافة وصولجان السلطة على أن يرسلوا مستلزمات المحبة والإسلام وذلك بإرسال الصرة إلى الحرمين الشريفين، وقد ثبت بما قيد فى صفحات التاريخ أنهم بعد أن نالوا لقب الخلافة بعد فتحهم مصر، لم يسيئوا فى استخدام سلطتهم واستقلال حكومتهم الذى نالوه فى ظل الدولة المحمدية وذلك بإظهار قوتهم وعرضها على أهالى الأماكن المقدسة كما فعل الملوك السابقون كما أنهم لم يخدموا الحرمين الشريفين من أجل الأغراض الدنيوية مخالفين بذلك الشريعة الغراء الأحمدية جاحدين لمآثرها، بل ليخدموا الحرمين الشريفين حق الخدمة بدون أى غرض دنيوى. حتى يروى أن السلطان سليم خان حينما أحضر أمامه مكنسة من المكانس

стр. 1205

الخاصة داخل البيت المعظم رفع تلك المكنسة عاليا كأنه يريد أن يعلقها على تاجه وبهذا أظهر أن هذا هو شأن من يلقب بخادم الحرمين المحترمين، وأن هذا الاحترام حركة مناسبة لما أظهره أجداده الأماجد من غيرة نحو الحرمين الشريفين كما أن أولاده وأحفاده ذوى الأصول العريقة اتخذوه قدوة لهم. ولم يسمع من أحد عن وقوع أى قدر من الجفاء والجور ولو بمقدار ذرة صغيرة سواء أكان على الحرمين المحترمين أو الأرض الحرام من قبل الأسرة العالية بعنوان السلطنة السنية بل على العكس فإن كافة آل عثمان قد بذلوا خدمات حسنة قليلة كانت أو كثيرة وهذه الأعمال تزين صفحات شكر لتاريخ المحال المقدسة، ونحن نقول إذ نذكر ببعض هذه الأعمال: كانت عين عرفات قد سدت تقريبا سدا كليا فى عهد السلطان سليمان خان، وأوشك أهل مكة الذين تعودوا على أن يرووا ظمأهم من مائها اللذيذ على الهلاك مثل شهداء كربلاء من العطش، فتحمل ذلك السلطان الخير نفقات باهظة فطهر عين عرفات وأجراها إلى مكة المكرمة بعد تطهيرها وتوسيعها، ومن ذلك الوقت إلى زماننا هذا فالعين المذكورة هى التى تروى وتسقى مكة المكرمة ولما خربت فى الأيام الأخيرة كان تجديدها وتعميرها بصورة أفضل وتوسيعها من نصيب ملكنا السلطان عبد الحميد خان الذى مازال جالسا على الأريكة السلطانية القوية، إن هذا الماء الزلال الذى به الحياة لم يسق مكة المكرمة فقط ويرويها بل كاد أن يغرقها بفضله وهذا ما سيشهد به من رأوا العين المذكورة رؤية العين. والحكم الذى ينطبق على عين عرفات فى مكة المكرمة هو نفس الحكم الذى ينطبق على عين الزرقاء فى المدينة المنورة، ولما كانت هذه العين أيضا على وشك الانسداد فقد طهر مجراها ووسع قدر ضعفه فى عهد السلطان عبد المجيد خان الغازى والد سلطاننا كثير المحامد. ولم يكتب لأية دولة إسلامية القيام بمثل هذين العملين الذين قامت بهما الدولة العثمانية التى لا تنكر خدماتها فى أحباء الحرمين الشريفين ومع هذا فلما

стр. 1206

أشرفت مبانى البيت الأعظم على الانهيار والخراب فى سنة ١٠٤٢ الهجرية فتجديده من أساس مبانيه قد انتظم ضمن جملة الأعمال التى قام بها السلاطين العثمانيين وهذه الخدمة لم تتيسر لأية واحدة من الدول الإسلامية وكانت من نصيب دولتنا وولى نعمتنا والتى ترفع شأن آل عثمان إلى أعلى عليين. ولما كان غرضنا هنا عقد مقارنة بين الخلافات المتقدمة والخلافة الجليلة والإسلامية العثمانية فيما قدمت من الخدمات الجليلة للحرمين الشريفين وإلا فالتفصيل ذكر ودرج فى الصورة الثالثة من الوجهة التاسعة فى قسم مرآة المدينة من مرآة الحرمين، فالذين يريدون أن يعرفوا مدى ما وصلت إليه محبة السلاطين العثمانيين للنبى ﷺ صاحب الرسالة ووفرة عبوديتهم عليهم أن يراجعوا الوجهة المذكورة. ولما كان عرض الحال الذى قدمه السلطان محمود خان إلى عتبة صاحب الرسالة العالية بمناسبة إهدائه شمعدان إلى الحجرة المعطرة سنة ١٢٣٥ هـ يدل على محبة ذلك السلطان وإخلاصه فرأينا إدراجه فى هذا المكان. لقد تجرأت بإهداء هذا الشمعدان يا رسول الله ... وغرضى هو خدمة الدرجة العليا يا رسول الله ولا تليق بروضتك هديتى المتواضعة أنا العاجز ... لتشملنى بإحسانك وعنايتك بقبولها يا رسول الله فمن غيرك أكشف به يا رسول الله ... فالإحسان والمروءة من ديدنك يا رسول الله دخيلك الأمان ثم الأمان قد وقفت على عتبتك ... فلترحمنى وتشفع لى يا رسول الله فاستصحب محمود عدلى فى الدارين ... فالدولة لك فى الأولى والآخرة يا رسول الله

стр. 1207

إن التضرع الذى صدر من السلطان محمود خان فى عرض الحال هذا على شكل منظوم من مقتضيات التضرع الذى يليق بالمسلمين وتذلل المحبين من شأن الأسرة العثمانية ولا مجال لقياسها بسلوك الملوك الآخرين الذى اتسم دائما بالتكبر والتفاخر، وخارج عن حد إمكانية مقارنتهما بسلوك الملوك الآخرين. ولما كان ما قام به السلطان محمود من تعمير مجرد تعمير لم يصل إلى درجة التزيين يليق بشأن الحرمين الشريفين إذ لم تسمح مشاغله الكثيرة بهذا العمل، ويلزمنا أن ندقق النظر فيما نقوله من كلمة «مشاغل» ولم تكن هذه المشاغل عبارة عن الألفاظ المجردة، بل كان العصيان الذى عم فى مصر، وألبانية، وإلغاء الانكشارية، وهجمات روسيا، وكانت مشكلة واحدة منها كافية لأن تترك عدة السلاطين العظام عاجزين عن العمل، وهذه المشاغل التى فى خلالها قام السلطان محمود بإجراء تعميرات كانت كافية لجعل مكة والمدينة أجمل من ذى قبل، إلا أن عبد المجيد خان لم يكتف بذلك، فتح جيب حميته وسماحته ليعمر من جديد مكة والمدينة ويزينهما ويكمل تجديدهما على أكمل وجه. ولا تكفى هذه المقالة المختصرة لتعداد المساجد المباركة التى قام بتزيينها فى أثناء هذا العمل، وحتى نكون قد قلنا كلاما للعموم نقول: «إن جميع المساجد التى توجد فى تلك الجهات من المسجد النبوى قد أخذت حصتها من التزيين الذى وفق إلى إجرائه السلطان عبد المجيد خان». والمسكنة التى أظهرها السلطان عبد المجيد فى أثناء الترتيبات الجليلة الجميلة فاقت المسكنة التى أظهرها والده وبهذا أثبت أنه خير خلف للسلطان محمود العدلى. وقد كتب بخط يده تحت الذى سيفرش فى الحجرة المنيفة اسمه وشهرته بعبارات تدل على الذلة وصفحات متواضعة وبهذه الصورة يكون قد مسح وجهه على ذلك التراب بالواسطة. ولا سيما أنه لم يقبل الأوصاف السلطانية والتعبيرات الملوكية التى كتبت على

стр. 1208

قطعة تاريخية ونظمت، على أن يعلق فوق طاق باب السلام بما أن السلطنة خاصة بصاحب الرسالة حضرة محمد فى الدارين فاستحى من عرض خدمته أمام النبى ﷺ بصفته السلطانية، وإن مبلغ هذا التعظيم للنبى ﷺ لم ير فى أحد من الملوك ما عدا السلاطين العثمانية. وبما أن الخلافة تستلزم الخدمة والحماية، فالموازنة التى عقدناها بين الخلافات المتقدمة والخلافة العثمانية تبين لنا بالبداهة أى الخلافتين كان أكثر رعاية لهذا الشأن. ولكن سلطاننا الكريم سلطان المسلمين وقرة عين آل عثمان ملك ملوكنا الغازى الذى لا يدانى، السلطان عبد الحميد خان الثانى قد فاق والده فى تعظيمه للحرمين الشريفين والذى جلب لهما الشفاعة ﷺ ، على أسلافه من الملوك حقا. وقبل أن نعرض الخدمات التى قام بها ولى نعمتنا فى حق الحرمين المعظمين المحترمين نذكرهم بمراعاة جانب آل الأماكن المباركة، وقد بلغت مروءته السلطانية ولطفه الملوكى إلى الدرجة القصوى ليس فقط فى حق آل بيت رسول الله ﷺ رأسا بل لكافة أصحاب اللياقة من آل الحرمين المباركين، إذ دعا بعض هؤلاء إلى باب السعادة فى صورة خاصة وأقامهم بجانب سلطنته وأنعم عليهم بمرتبات مستوفاة وأحسن إليهم فجعلهم كلهم ممتنين بكرمه ولطفه وهذه المزية لم تر إلا فى آثار هذا السلطان العادل كالفاروق، وعندما نعرج على بحث التعميرات والتزيينات فتعمير المسجد الحرام وتزيينه اللذان يصلان إلى درجة إبهار العيون من الآثار الحميدة لذلك السلطان، كما أن تزيينه لضريح خديجة الكبرى ومولد النبى ومولد فاطمة-رضى الله عنها-ترك الذين قارنوا حالتها الأولى بحالتها الحالية فى حالة الذهول، وقد ذكر إجراؤه لعين عرفات إلى مكة المكرمة من قبل، وأما الصهريج وعين الماء ذات الستة عشر صنبورا اللذان بناهما فى منى فقد أحيت آلافا من الحجاج كل عام خلا الأرض.

стр. 1209

وكان ما أحصيناه من الأشياء التى يفتخر بتعميرها وتزيينها أحد الملوك ليس كل ما قام به إذ كان سلطاننا القوى حريصا على حب التعمير مثل والده فشملت حميته الدينية المبسوطة كافة الآثار الجليلة للحرمين، فقد عمّر مقام يحيى-﵇-واجب الاحترام وضريح السيد بلال وأضرحة الأنبياء الآخرين، ومقامات الأولياء ورتبها وزينها لا يشك فى خدمة من تلك الخدمات، وإحياؤه وإنشاؤه زاوية لا مثيل لها بدلا من التكية الخربة بعد ٥٠٠ عام. وبناء على المعلومات التى أمدنا بها الإمام تقى الدين عبد الرحمن أبو الفرح الحواسبى فى حق هذا المقام فى كتابه النفيس: «ترياق المحبين فى ذكر طبقات المشايخ العارفين»،أن التكية الرفاعية أربعة مبان متداخلة بعضها فى بعض وكانت قد بنيت على أربعة آلاف عقدة، وكان مائة ألف زائر يجتمع فيها وكانت التكية تستوعبهم كلهم، وكانت سماحة القطب الجليل وكرمه يكفيان لإطعام الضيوف كلهم وكان يطعم فى التكية الشريفة ما عدا هؤلاء المجتمعين عشرون ألفا من المريدين، وإن كانت قضية الإطعام هذه تعلن عن وجود ثروة عظيمة فى الميدان إلا أن انتفاع الشيخ وأولاده وأخلافه الكرام ندعه جانبا إذ كانوا بسطاء بدرجة لا تفرقهم عن مريديه، وفى هذه الحالة لا يشك أن تلك الثروة مجرد رزق للفقراء وأنهم مفتقرون لذلك الرزق. والغرض من هذا الإيضاح هو لفت الأنظار إلى الزاوية الرفاعية وعرض أهميتها وأهمية أحبائها من قبل السلطان وبناء على ذلك نستمر فى الإيضاح ونقيد الآتى: «قد تولى المعين مهمة الإرشاد فى سنة ٥٤٠ الهجرية وقد بلغ عدد الرسائل التى تلقاها من مريديه الذين وصلوا إلى أربعين فردا بعد سبع سنوات، سبعمائة ألف رسالة، وكثرة إرشاداته لهذه الدرجة هى محل موازنة للفيوضات الإلهية التى وهبها الله لذلك الشخص عالى المقام، وقد بنى التكية بناء على توسع جمعية وكثرة مريديه وقد قيد فى التواريخ أنه لم يبق فرد فريد فى قرى ومدن، واسط وبطايح من لم يمد يد العون لهذه التكية. وكان سبب انقراض تلك التكية الوباء الذى ظهر فى سنة ثمانمائة الهجرية؛ وبما أن الوباء المذكور لم يترك قرية أو مدينة فى نواحى واسط وبطايح دون أن

стр. 1210

يهلك أهاليها، وكان سببا فى هلاك عمومى ومن هنا قد خربت التكية الرفاعية أيضا ومن ذلك الوقت إلى زماننا هذا لم يوفق أحد فى تعميرها وها هو ذا سلطاننا الغازى عبد الحميد خان الثانى ييسر له تعميرها. إن لذلك المقام الجليل أهمية سياسية غير أهميتها الروحانية ومن هنا احتاج بيان ذلك للتفصيلات الآتية: وكانت بلدة واسط تشمل على بطايح، فم الصلح، نهر دقلى، حدادية، عثمانية، ملحا، رقة، داور دان، برقة الجوز، هرث، شحينة، حارزة، همامية، أونية، بدورة، جعرا، فاروث من المدن الشهيرة والنواحى المعمورة وحينما ساق المستنصر بالله معدن الحاكم بأمر الله المنصور جيشا إلى نواحى بغداد للاستيلاء عليهم ظل سكان واسط من فرط جهلهم فى الضلالة، وحينما كان المصريون يهزون هزا تحت قيادة بساسيرى الذى تجرأ على أن يخترع بدعة حى على خير العمل بدلا من حى على الفلاح فى الأذان المحمدى يهزون نواحى واسط والبصرة دخل معظم سكانها فى دائرة الإلحاد والرفض وكادت تلك المنطقة الواسعة أن تخرج من تحت إدارة دار الخلافة فى بغداد. واستطاع القائم بأمر الله عبد الله السابع والعشرون من الخلفاء العباسيين أن يقبض على بساسيرى ويقتله ووفق فى كسر شوكة المستنصر بالله العلوى وقوته ونصب السيد يحيى المكى المغربى الحسينى نقيبا للأشراف فى البصرة-وهذا الشخص عالى القدر أول من شرف البصرة من السادات الحسينية والجد الأمجد للسيد أحمد الرفاعى الكبير، ولما كان هذا الشخص عالى القدر يشتهر بالصلاح والزهد واتباع الأثر المميز للنبى ﷺ ومقتديا بأبيه عينه نقيبا للأشراف حتى يطفئ بالشريعة الغراء وما بها من ماء الحياة نار الرفض والإلحاد التى انتشرت فى أطراف واسط وبغداد وعين خط حركة بإعطائه أمرا بذلك. إن التوفيق الذى حدث بجهود السيد يحيى المكى ليس فقط طرد ودفع الرفض والإلحاد كليا من تلك النواحى، بل إعداد مئات من الذوات الكرام الذين كانوا

стр. 1211

ثمرة إرشاد التكية الرفاعية والتى أصبحت فيما بعد منبع العلماء ومنشأ الأولياء وضمن هؤلاء الذوات الكرام شيخ الكل الحافظ الإمام تقى الدين الواسطى، وشيخ الطوائف وإمام الطرائق تاج العارفين أبى محمد طلحة الشنبكى الأنصارى الحدادى الحسينى، والأستاذ الكبير شيخ القوم الإمام الأجل أبى بكر بن هواز البطايحى، والفقيه الصوفى أبو محمد الداور دانى والشاعر الشهيد أبو الغنايم نجم الدين الهرثى الواسطى وشيخ البقرى الصوفى. الجاروزى، والشيخ حسين بن الحليم المحدث الجليل والحافظ قاسم بن محمد الشافعى الواسطى، والحافظ قاسم بن الحجاج الواسطى والشيخ الكبير أبو بكر الهمدانى والحافظ شيخ الإسلام جمال الدين أبى محمد الخطيب الأونيوى الفقيه والشيخ الكبير ثابت بن الصالح الحدادى الصوفى، والإمام الحافظ المفسر وحجة المحدثين عز الدين أحمد بن محيى الدين إبراهيم ابن الشيخ عمر أبى الفرج الفاروثى الواسطى والعلامة ابن سعدويه الواسطى وأبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار الواسطى، وتقى الدين إبراهيم بن على الواسطى، والحافظ الإمام الكبير تقى الدين عبد الرحمن الأنصارى الواسطى، وشيخ القراء الإمام المحدث أبو القراء محمد بن الحسين الواسطى، والعلامة مجد الدين يحيى بن الربيع الواسطى والحافظ ابن محمد الواسطى، والإمام مهذب الدولة سيد على بن عثمان الرفاعى الواسطى، وأخوه، والسيد عبد الرحيم، قدس الله أسرارهم. والمؤرخون مثل: الذهبى والبرازانى، وابن كثير، وابن خلكان والعينى، وابن حوزى، وابن شحنة والصفدى، وابن حماد، وابن المهذب والآخرون قد زينوا الصحائف بترجمة أحوالهم. وهكذا كانت التكية الرفاعية موقعا مهما عاليا وظلت متساوية مع الأرض مئات السنين وهذا ما أثار نخوة السلطان الدينية وحميته الإسلامية وقد عنى بإحيائها على أحسن صورة وأجملها فى هذه المرة ويرجى أن يعيد هذا التعمير والتجديد أهمية التكية الأولى.

стр. 1212

وقد أراد السلطان صاحب الحكمة أن يوضح مدى رعايته للقطب الجليل واحترامه له فأمر بألا يجند أولاد السادة الذين من سلالة أحمد الرفاعى، كما أمر بإعمار حول مرقده المبارك بإسكانه بالناس، وهذا التوفيق العظيم أثار رضا وسرور جميع سكان البلاد العراقية من القبائل والعشائر واستفادوا من هذا التعمير؛ لذا بعث إلى مقام الخلافة الجليلة نقيب الأشراف فى ولاية البصرة السلطانية والسكان فى التكية الرفاعية السيد سعيد أفندى وعشرون شخصا من أكابر السادات الرفاعية ببرقية عارضين عليه شكرهم وثناءهم، إن هذا الكرم السلطانى الذى لا مثيل له لدليل واضح على عودة العمار والانتعاش اللذين كانت تتمتع بهما واسط وبطائح وما حولها، كما يذكر لنا التاريخ. وفى ضمن إنشاءات سلطاننا العظيم التى وفق فيها ثكنتان للمشاة وثكنة للمدفعية فى مكة المكرمة المسميتان بغيرتية والحميدية نسبة لاسمه ودائرة حكومية ومركز كبير للشرطة، ولما كانت مكة المكرمة قد تعرضت لهجمات الأشقياء والظالمين فى عهد الدول الإسلامية الأخرى فإن هذه الإنشاءات السياسية والعسكرية ستؤمن هذه البلاد وبهذا نستطيع أن نقول إن هذه المدينة المباركة ستظل مصونة من هجمات الأشرار إلى الأبد. والآن إن حمل لقب خادم الحرمين الشريفين يقتضى القيام بمثل هذه الحماية الجليلة والخدمات المهمة ومن هنا يتضح أن أية دولة إسلامية أخرى لم تقم بإحياء منبع زلال الإسلام مثل السلاطين العثمانيين ولما كان سلطاننا قد تفوق على أسلافه الكرام فى هذا الخصوص فمن واجبنا نحن العثمانيين بل من واجب جميع المسلمين الذين يسكنون على وجه البسيطة أن يرفعوا أياديهم بدعاء الخير المترتب على ما قدمته الذات السلطانية من خدمات شاكرين له.

стр. 1213

الصورة الرابعة فى تعريف تجديد مسجد السعادة وكيفية توسيعه للمرة الرابعة وقد وسع المسجد الشريف للمدينة للمرة الرابعة المهدى بالله ابن أبى جعفر المنصور من خلفاء بغداد. كتب حضرة حسن بن زيد بعد تجديد الوليد بن عبد الملك مسجد السعادة رسالة إلى أبى جعفر المنصور وهو ثانى الخلفاء العباسيين وبين له أن بعض أماكن مسجد السعادة فى حاجة إلى التعمير والترميم، وذكر له إذا ما أضيف إليه بعض المحال فى الجهة الشرقية أن قبر السعادة الجليل سيظل فى نقطة تتوسط مسجد السعادة. ورغب المنصور أن يوسع المسجد ويجدده فى صورة طبيعية فأسند إلى الحسن بن زيد أمانة البناء وأمره أن يجدده ويوسعه كما يريد، ولما توفى عقب ذلك لم يشرع الحسن بن زيد فى إجراء عمليات التجديد، وفى ذلك الوقت سافر المهدى بن أبى جعفر إلى مكة المكرمة محرما بنية، الحج، وبعد الحج أسند ولاية المدينة إلى جعفر بن سليمان وأمره بأن يعين، عبد الله بن عاصم بن عمر ابن عبد العزيز الذى أحال له أمانة البناء لتوسيع مسجد السعادة أن يعينه ماديا ومعنويا وعاد إلى دار الخلافة بغداد فى سنة ١٦٠. ومات عبد الله بن عاصم مؤخرا وعين مكانه عبد الله بن موسى الحمصى وقد أسرع المشار إليه إلى القيام بمهمتهما وأضافوا ابتداء من العمود الخامس عشر من الجهة الشامية إلى باب النساء فى مربع قبر السعادة خمسة عشر عمودا وجعلوا

стр. 1214

قاعدة العمود الخامس عشر القديم مربعا لتكون علامة على مبدأ تجديد المهدى وأبلغوا طول الجهات الثلاث لحرم السعادة إلى ٣٠٠ ذراعا وعرضه إلى مائة وثمانين ذراعا. إخطار إن الذراع الذى ذكر إلى الآن والذى سيذكر فيما بعد والذى يسمى ذراعا آدميا فى البلاد العربية هذا الذراع يساوى سبعة أجزاء من ثمانية من المقياس الحديدى الذى يستعمل إلى الآن فى البلاد المصرية والبلاد الحجازية وقدره شبر تقريبا، ويطلق على ضعف مثله أو على أربعة أشبار ذراع معمارى انتهى. والمنازل التى ألحقت بمسجد السعادة كانت دور خادم الآخرة عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف وشرحبيل بن حسنة ومسور بن مخرمة وكان يطلق فى ذلك الوقت على دار ابن مسعود دار قرى وعلى دار ابن عوف دار ملكية. وشرعت فى هذا التعمير فى خلال سنة ١٦١ وأتم سنة ١٦٥ وسد باب عمر بن الخطاب الذى فتحه عمر بن عبد العزيز ناظر دار حفصة-رضى الله عنها- والمقصورة التى بناها عثمان ابن عفان أو مروان بن الحكم قد جددت وزينت فى صورة مطلوبة. وإن كان ما ألحقه المهدى القدر الذى حرر آنفا إلا أن الأماكن التى جددت قد زينت فى صورة فوق التعريف وذهّب ونقش طلاؤها وقد زينت جميع أماكنها على طراز جديد وثمين وفرشت؛ ولكن للأسف الشديد قد احترق كل شئ ولم يبق له أثر. وقال بعض المؤرخين إن الخليفة المأمون كان قد وسع المسجد الشريف وزينه فى سنة ٢٠٢ هـ إلا أن المأمون لم يضف شيئا لمسجد السعادة واكتفى بتجديد بعض أماكنه وتعمير المواقع التى تحتاج إلى ذلك. وبعد تعمير المأمون كانت الحكومات البغدادية ترسل إلى ولاة المدينة المبالغ الكافية والأوامر الأكيدة ويصلحون الأماكن المحتاجة للتعمير والتسوية؛ ولما

стр. 1215

أصبح الناصر لدين الله خليفة جعل من عادته أن يرسل كل سنة ألف قطعة ذهبية وبعض العمال المهرة واتبع الخلفاء الذين أتوا بعده أثر الناصر لدين الله، وكان أجر عمال اليومية يزيد على ألف قطعة ذهبية وتؤدى من قبل حكومة المدينة وكلما احتاجت مبانى مسجد السعادة والآثار المسعودة إلى التعمير ترمم بلا استئذان. وتعهد الملوك المصريون بتعمير الحرمين بعد انقراض الخلفاء العباسيين، وقاموا بترميم السبيل بهمم عظيمة وخدمات جليلة، والملك الأشرف قايتباى كان أكثر من خدم الحرمين الشريفين من سلاطين مصر وانتقلت خدمة الحرمين الشريفين بعد انقراض هؤلاء إلى السلاطين العثمانيين-أيد الله ملكهم إلى يوم الآخرة- وقد قام السلاطين المشار إليهم بخدمات جليلة تخجل أرواح ملوك الأسلاف كما سيذكر فيما بعد.

стр. 1216

الصورة الخامسة فى تعريف الحجرة المعطرة والقبور الثلاثة المنورة إن الموقع الذى يطلق عليه الحجرة المعطرة هو الساحة المباركة لحجرة حبيبة حبيب الله السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق-رضى الله عنها وعن أبيها- وهذا القبر ظاهر الأنوار يصدق عليه هذا البيت الذى يثير الأشواق. إنه قطعة من الجنة ... المسكن الممزوج بالرحمة إنه هبة العرش المشرف والفرش واللوح والقلم وكان ارتفاعها فى حياة الرسول ثمانية أذرع وأكثر من ستة أذرع فى العرض وكان لها بابان هما باب الرحمة. والحجرة اللطيفة كانت قد بنيت باللبن ومن سعف النخيل وظلت على تلك الحال إلى قرب خلافة عمر الفاروق، وأراد عمر بن الخطاب أن يعرض تعظيمه وتوقيره للسيدة عائشة فأحاطها بسور منخفض وقد هدم هذا الجدار والسور عبد الله بن الزبير فيما بعد وقد دعت الحاجة إلى تجديده. كان الجدار الذى أحاط به عمر بن الخطاب حول المقبرة النبوية والذى جدده عبد الله بن الزبير مكشوفا وكان له باب فى الجهة الشامية للدخول منه لزيارة قبر الرسول ﷺ . كان ريحانة النبى السيد الحسن بن على قد أوصى أخاه حين احتضاره أن تؤخذ جنازته داخل المربع الذى فيه قبر الرسول وتعرض هناك قد أوصى بذلك أخاه الحسين بن على-رضى الله عنهما-وقد أخذ حضرة الحسين رضى الله عنه-جنازة أخيه كما ذكر فى ذيل الصورة الثالثة من هذه الوجهة بناء على وصيته إلى مربع قبر الرسول لإيفاء الوصية وقد ظن بعض السفلة أن حضرة الحسين يريد أن يدفن أخاه فى داخل حجرة السعادة فقاموا ومنعوا إدخال الجنازة

стр. 1217

فى داخل المربع وأوصلوا المنازعة إلى درجة المقاتلة؛ وفى النهاية انتهى الأمر بتدخل بعض الذوات ذوى الهمة نهاية حسنة ودفن حضرة الحسن فى مقبرة بقيع الغرقد، وحتى لا يحدث مثل هذه الأمور أغلق باب مربع قبر السعادة وسد تماما. ولما كانت هذه الواقعة من تدبير الوليد إذ رفع الجدار الذى كان يحيط بمربع قبر السعادة وغطاه وهكذا أخفى القبور الشريفة عن أعين الخلق وسترها، وكان غايته كما ذكر عاليه ألا يترك مجال فيما بعد لإيقاع الفتنة والفساد. وعندما أعلى الجدار المذكور وسقف وكان باب المربع قد سد من قبل فى الواقعة المؤسفة فنمت فى داخل كل إنسان أمنية زيارة قبر رسول الإنس والجن من داخل السور الذى بنى ورفع. الحجرة المسعودة: يعنى الدار المقدسة التى تنسب للسيدة عائشة-رضى الله عنها-كانت دويرة صغيرة ولم يكن سقفها عاليا حتى لا يمسه ولا يتبرك به إنسان بيده، وقال حسن البصرى سواء أكانت فى حق هذه الحجرة اللطيفة أو حجرات النبى الأخرى، كنت فى طفولتى أدخل فى حجرات زوجات النبى المطهرات وكنت أرفع يدى وأمسك بأسقفها، كانت جميع منازل النبى حجرات معطرة صغيرة وقد روى هذا القول موثقا، وكانت كل حجرة مصنوعة من اللبن وسعاف النخيل، وكان فوق أبوابها ستائر قديمة من الملس، هذا ما رواه كما روى أن للحجرة المعطرة بابين يفتح أحدهما ناحية الغرب والآخر ناحية الشام وكانت الأبواب ذات مصراع واحد مصنوع من خشب شجر الساج أو العرعر والباب الذى يسمى الآن باب محرس من الأبواب التى كانت فى عصر السعادة. وكان بين بيت حضرة الصديقة-رضى الله عنها-وبيت حفصة-رضى الله عنها-طريق (١) وكانتا كلما تتلاقيان تتحدثان معا. وكان بيت حضرة حفصة-رضى الله عنها-الذى ذكر فى الجهة اليمنى لنافذة آل عمر التى ذكرت أعلاها وساحة هذه الدار المسعودة هى الموقف الذى يزوره زوار زماننا سواء أكانوا فى داخل الشبكة أو خارج الشبكة.

стр. 1218

وحينما ارتحل النبى ﷺ شرع أهل المدينة عقب ذلك يأخذون من ترابه العنبرى مقدارا من التراب للاستشفاء وبهذا جعلوا قبر الرسول منقوبا محفورا، ولما كانت هذه الحال مخلة بأدب التعظيم، فقامت الصديقة-رضى الله عنها- ببناء حائط حول مضجع السعادة حتى يحافظ عليه، وقام أصحاب الإخلاص بثقب هذا الحائط أيضا إلا أن الصديقة قد سدت هذه الثغرة أيضا ومن هنا ظل قبر الرسول فى جهة من الجدار المبنى وذاتها السامية فى جهة أخرى من الجدار، وبهذا قسمت الحجرة المعطرة إلى جزأين، وكانت المشار إليها حينما تزور قبر الرسول وتنظفه بالكنس لم تكن تتستر وتظل مكشوفة، ولما توفى والدها ودفن بجانب النبى ﷺ ظلت على تلك الحالة إذ كانت تدخل فى الحجرة بدون حجاب، ولكن بعد ما دفن فيها عمر بن الخطاب بعد موته كلما كانت تذهب ناحية قبر السعادة كانت تتستر لأن حضرة الفاروق لم يكن محرما، أى أنها لم تزر الحجرة بعد دفن عمر فيها مكشوفة دون حجاب. وظل مربع مرقد السعادة إلى أن وسع عمر بن عبد العزيز المسجد الشريف على الهيئة التى جددها عبد الله بن الزبير عليها يعنى ظل مكشوفا وبالباب، وقد أحاط عمر بن عبد العزيز كما سبق ذكره أعلاه، السور المنخفض الذى بناه عمر بن الخطاب حول مرقد السعادة بجدار متين؛ وحتى لا يكون هذا الحائط شبيها بالكعبة المعظمة بناه على شكل شبه مثلث. ولما كان الجدار الذى أقامه عمر بن عبد العزيز فى غاية الارتفاع ومسقوفا فكانت رؤية القبور من الخارج غير ممكنة، وقد جعل أحد جهات ذلك الجدار على شكل شبه مثلث بناء على رأى عروة بن الزبير واجتهاده، إذ تذكر الوليد بن عبد الملك الإهانة التى لحقت بالحسين بن على-رضى الله عنه-من أسافل الناس بسبب جنازة أخيه الحسن بن على-رضى الله عنهما-وفكر فى إحاطة مربع مرقد السعادة بجدار قوى الأساس ليحجب القبور الثلاثة عن أعين الناس، ويخيفها وكتب الأمر والكيفية إلى أمير المدينة عمر بن عبد العزيز، وحينما أخذ عمر بن عبد العزيز الرسالة التى كتبت بهذا الخصوص استهجن تنفيذ هذا الأمر

стр. 1219

غير اللائق مع ذلك راجع عروة ابن الزبير قائلا له: «إننى أحترز من إحراز هذا الأمر الخطير ولكن الوليد يصر على ذلك، فما رأيك فى هذا الخصوص فأجابه عروة قائلا: «ما دام الوليد يصر كما أن مولانا يرغب فى تنفيذ أمر الوليد مع الكراهية له، يجب أن تأمر أن يكون البناء الذى سيبنى على شكل شبه مثلث ويتجه طرفها المدبب ناحية بيت السيدة فاطمة»،وكان الوليد أمر فى الرسالة التى كتبها هدم الحجرات العاليات وضم ساحاتها إلى مسجد السعادة، وقد فكر عمر بن عبد العزيز فى هذا الأمر كثيرا وفى يوم من الأيام جلس فى مكان مناسب فى حيرة واضطراب وأصدر أمره بهدم الحجرات العاليات وهدم سكان أهل المدينة وهم ينتحبون ويصيحون من الحسرة وجعلوها أثرا بعد العين وشرعوا فى وضع الأساس وفق رأى عمر بن عبد العزيز وتعريفه. وفى أثناء هدم الجهة التى فيها المدفن الأقدس لحجرة السعادة انهارت الجهة الشامية من الجدار الذى أقامه عبد الله بن الزبير قضاء وقدرا ونتيجة لذلك سقط مقدار من السور القديم الذى كانت أقامته حضرة الصديقة، ولما ظهرت فى داخل مربع قبر السعادة ثلاثة قبور قد فرش فوقها بالرمل قال عمر بن عبد العزيز، «إن هذه القبور هى قبور الرسول ﷺ الذى نال حياة أبدية وأبى بكر وعمر رضى الله عنهم، يا مزاحم (١) يجب أن تسوى هذا المكان بنفسك ذاتها».ثم ظهرت عليه علامات الندامة وقال لا، لا، إننى سأسويه بنفسى وسواه بنفسه، إلا أنه فى أثناء ذلك قد سقطت الجهة الشرقية لأحد القبور وانتشرت رائحة طيبة فى شوارع دار السكينة وستر ذلك المكان بقطعة قماش وجدد ذلك المكان فى اليوم الثانى تجديدا جيدا. قال عبد الله بن محمد: «كان جدى عقيل يذهب إلى مسجد السعادة فى الثلث الأخير من الليل وبعد أن يسلم على النبى الجليل يدخل إلى الحرم الشريف، وفى ليلة من الليالى توجه إلى مسجد السعادة وشم رائحة طيبة لم

стр. 1220

يشمها طيلة عمره أمام بيت المغيرة بن شعبة رائحة تثير الأشواق وتسحر القلوب فمثل وغاب عن نفسه، وإذا بتلك الليلة كانت الليلة العجيبة التى تهدم فيها بيت عائشة-رضى الله عنها-وظهرت القبور الثلاثة المشحونة بالنور! واقترب جدى وهو مغمور بهذه الفرحة والابتهاج من مرقد السعادة ورأى أن الجدار الشرقى لمربع القبر الجليل قد انهار وأن عمر بن عبد العزيز كان منهمكا بتعليق ستارة للجهة المنهارة من مربع القبر وعرف أن الرائحة التى غمرت دار الهجرة المدينة المنورة قد انتشرت من مرقد السعادة وعندئذ عاد إلى بيته وجمعنا حوله وأخبرنا بما حدث». واستدعى عمر بن عبد العزيز صباح الليلة التى انهار فيها جدار مربع قبر السعادة ابن الوردان (١) وأمره بأن يدخل فى داخل مربع قبر السعادة ليعاين ويتفقد الجدار المنهار، ولما بين له ابن الوردان أنه فى حاجة إلى من يعينه فى داخل المربع فشمر عمر بن عبد العزيز ساعديه وأراد أن يدخل فى داخل المربع، ولما رأى قاسم بن محمد وسالم بن عبد الله يستعدان أيضا قال لهما: «لماذا تستعدان؟» فأجاباه قائلين: «نريد أن نعين ابن الوردان». فقال إننى أحترز أن أقلق أهل القبور بكثرة الازدحام؛ يا مزاحم ادخل بمفردك وأعن ابن الوردان وبهذا تخلى عن الدخول بنفسه وبموقفه هذا أراد أن يومئ ويشير إلى عدم جواز دخول الشخصين الذين رغبا فى الدخول فى مربع قبر السعادة. وبينما كان ابن الوردان منهمكا بإجراء اللازم بعد أن وجد أساس الجدار المنهار قد رأى فى داخل القبر الشريف الذى سقط من صدمة الجدار المنهار قدمين توأمين فانسحب إلى جهة وأخذ يرتعش من الخوف والفزع وقلق، واضطرب اضطرابا شديدا. وعندما رأى عمر بن عبد العزيز قلق ابن الوردان واضطرابه فتقدم إلى الأمام ليتحقق من الأمر فرأى فى داخل القبر الشريف الذى كان تهدم من قبل القدمين

стр. 1221

الشريفين، القبر الذى كان فى اتصال أساس مربع قبر السعادة فرجع وهو فى شدة الدهشة وغاب عن شعوره ووعيه. وكان عبد الله بن عبيد الله جهة قبر عمر بن الخطاب لامع الأنوار، وعرف الأمر الذى أخاف ابن الوردانى وملأ قلب عمر بن عبد العزيز بالرهبة والقلق وقال أى عمر! لا تخف! إن القدمين اللذين رأيتهما فهما قدما جدك عمر بن الخطاب وكانا قد بقيا فى داخل أساس جدار الحجرة المنيفة، وهكذا وضح الأمر عندئذ قال عمر بن عبد العزيز لابن الوردان، يا ابن وردان! خف واستر ما رأيته أى قدمى ابن الخطاب-وبهذا القول أظهر فرحته وسروره؛ لأنه كان قد ظن أن القدمين اللذين رآهما قدمى رسول الله ﷺ من هنا استولت عليه الحيرة والدهشة. وبعد أن بنى ابن الوردان الجدار المنهار، أحاط الجهات الأربع للجدار القديم بحائط أعلى وأوضح من الجدار الأول، وسقف مربع قبر السعادة كسابق عهده ثم أمر ببناء الباب الذى كان قد سد عقب الحوادث التى وقعت ضد جنازة الحسين بن على، بشكل متين محكم وصبغه والجدران التى كانت جددت فى عصر عبد الله بن الزبير كانت قد بنيت بحجارة سوداء صبغت صبغة جيدة وجعلت الجهة القبلية أكثر ارتفاعا من الجهات الأخرى وسد باب الرحمة الذى فى الجهة الشامية. ولم تكن الفاصلة التى كانت بين الحائط القديم والحائط الذى مده عمر بن عبد العزيز متساوية فى جهاته الأربعة، فقد كانت الجهة الشرقية ذراعين، والطرف الغربى ذراع واحد، والطرف القبلى شبرا واحدا، أما جهة الشام فكانت واسعة جدا وبما أن عمر بن عبد العزيز أمر بطلاء الجهات الأربع لجدران حجرة السعادة طلاء جيدا وأخفى الباب المسدود بحيث لا يميز فمن هنا لم يستطع أحد أن يعين مكان الباب المذكور. وإن يروى المؤرخون أن أبا غسان قال: «قد عمر سقف مسجد السعادة سنة ١٩٣ هـ،وإننا كنا قد عرفنا مكان الباب المسدود إلا أن الإمام السمهودى قال قد

стр. 1222

جدد المسجد الشريف والحجرة اللطيفة فى زماننا وعمر، ولكن ما أمكن أن يعيّن الباب المسدود فضلا عن مكانه وهذا القول يؤيد الرواية الأولى ويؤكدها، وإن كان غرض الإمام السمهودى أن يشير إلى أن الباب المسدود قد أصبح مجهول المكان بمرور الزمان فمن المحتمل أن يكون قد شوهد مكان الباب المذكور فى سنة ١٩٣ هـ حتى يقترن قول أبى غسان بالصحة. يقول أبو غسان وهو يخبرنا أن الفاصلة التى بين الجدار الذى مده عمر بن عبد العزيز وجدار الحجرة المعطرة القديمة قد مسحت سنة ١٩٣: «قد مسحت، فى زماننا، الفاصلة التى بين جدران الحجرة المقدسة ووجد طرفها الشرقى ٣ أذرع وطرفها الغربى ذراعا واحدا وبلغت فى هذا الوقت الجهة الشرقية من الطرف القبلى ذراعا واحدا، إلا أن جميع أماكن هذه الجهة لم تكن متساوية فالمحل القريب من وجهة السعادة كان فى اتساع شبر والأسفل منه فترة ما بين الإبهام والسبابة-وكانت نهاية الجدار الشرقى ضيقة بحيث لا تسمح بالمرور. وكان بعض أماكن جدار الحجرة الشريفة القديم قد انهارت تقريبا فى سنة خمسمائة أو ٦١٣ أو ٦٤٠ وعمرت مستأذنا من مركز الخلافة وأصلحت دون تأخير، وبينما كان الجدار ينهار فى خلال سنة ٥٢٠ سمع صوت من داخل مربع القبر الجليل إلا أن سكان أهل المدينة لم يتجرءوا أن يخبروا به أحدا رعاية للنبى ﷺ مدة أربعين عاما، وفى النهاية أخبروا وعرضوا الأمر فى سنة ٥٧٠ على المستضئ بالله العباسى. وبناء على القرار الذى اتخذه المجلس الذى عقده المستضئ بالله سنة ٥٧٠ تحت رياسته والذى ضم أكابر العلماء وأفاضل الفقهاء أمر واليه فى المدينة أن يدخل فى داخل حجرة السعادة واحدا من فضلاء خدام الحرم النبوى ومتبحريهم لأجل الفحص، واتحدت آراء أهل المدينة على أن يوكل هذا الأمر إلى شخص زاهد من بنى العباس يسمى بدر الدين. ودخل حضرة بدر الدين من الباب الصغير الذى فتح فى الجهة الشرقية إلى

стр. 1223

الحجرة الشريفة ورأى أن بعض الأماكن فى الجهة الغربية من السور القديم الذى فى داخل الجدار الذى بنى فى عصر عمر بن عبد العزيز قد انهار، فصنع مقدارا كافيا من اللبن من تراب مسجد السعادة وعمرت الأماكن المنهدمة من الجدار وأخذ منه الصحن الخشبى الذى وجده بجانب الجدار المنهار وأخرجه وبعثه إلى بغداد، وكان هذا الصحن قد ظل فى داخل الجدار الذى جدده عبد الله بن الزبير، ولما انهار الجدار انكسر أحد جوانبه وظل الباقى فى داخل الجدار فبدر الدين الضعيف أخذ معه الجزء المنكسر فيه كما أخذ من تراب الجدار المنهار قدرا من التراب بقصد التبرك فقط وذهب، وقد عرضت الكيفية إلى مقام الخلافة الجليلة مفصلا من قبل إلى المدينة. اليوم السعيد الذى دخل فيه بدر الدين إلى بغداد كان عيدا كبيرا وعظيما فترك الجميع أعمالهم واستقبلوا جناب بدر الدين وأوصلوه إلى دار السلام فى تعظيم وتوفير واحترام. وقد سمع أيضا فى سنة ٥٤٨ هـ صوت انهيار الجدار فى داخل الحجرة المعطرة الشريفة وأبلغ الأهالى أمير المدينة قاسم بن مهنى الحسينى، وأمر قاسم بن مهنى بإنزال شخص يتصف بالزهد والصلاح والعفة والاستقامة ومتدينا فى داخل القبر الجليل وقد قوبل هذا الرأى الرزين باتفاق الجميع ورئى أن من المناسب تعيين عمر النسائى الموصلى من المشايخ الصوفية وأفاضل المجاورين والذى عرف فى المدينة بالزهد التام والتدين والتقى وبلغ المشار إليه الفاضل بهذا الأمر (١). ولما كان حضرة عمر النسائى مصابا بمرض سلس البول استمهل لبعض الوقت حتى يستجمع قوة بدنه لتكفى للدخول والخروج فى قبر السعادة، وذلك بالتريض. وبعد ذلك ربط حضرته بحبل وأخذ معه شمعة وأدوات أخرى لازمة ودخل فى الفاصلة التى بين غطاء مربع قبر السعادة وحجرة السعادة ومن هناك من قبة

стр. 1224

الحجرة أى من المتنفس الذى فوق سقف الحجرة المنورة إلى داخل مربع القبر وأوقد الشمعة وألقى نظرة حول القبور ورأى أن بعض الأتربة قد سقطت من سقف الحجرة، فكنس التراب المذكور بلحيته وخرج من حيث دخل. المعجزة: قد نجا حضرة عمر النسائى بعد خروجه من حجرة السعادة من علة سلس البول وعاد إلى آخر عمره مستريحا. قال ابن النجار «شمّ قاسم بن مهنى الحسينى فى سنة ٥٥٤ هـ فى ربيع الآخر من تلك السنة رائحة عفنة من داخل الحجرة الشريفة فأنزل بيان الاسم من خدمة الحجرة الشريفة، وأصغى الموصلى بقولى المسجد الشريف والشيخ هارون الشادى من أفاضل الزمان فى داخل الحجرة المنيفة ووجد الذوات المشار إليهم بين الفاصلة التى بين الجدران جيفة هرة ميتة وأخرجوها، وكان اليوم الذى دخل فيه هؤلاء داخل حجرة السعادة وخرجوا منها يوم الجمعة الحادى عشر من ربيع الآخر من السنة المذكورة، وبعد ذلك إلى زماننا هذا لم يدخل أحد فى قبر السعادة ولم يخرج، وأراد بهذه الرواية أن يسقط القول الذى قيل فى حق عمر النسائى عن الاعتبار وليس بعيدا أن تكون الحكاية التى نقلت عن عمر النسائى نفس القصة التى رواها ابن النجار إلا أنها رويت بطرق مختلفة. وإن كانت أبنية الحجرة المعطرة مربعة إلا أن هناك من يدعى أنها مخمسة، مع أن الإمام السمهودى الذى يرد ادعاءات هؤلاء ويخرجها قائلا: «إن أبنية الحجرة المعطرة المقدسة مربعة، فالذين اعتقدوا أنها مخمسة قد أخطئوا، إننى دخلت فى داخل الحجرة الشريفة وقمت بمسحها بنفسى». وبناء على حسابى داخل الجهة الشامية من حجرة السعادة أحد عشر ذراعا بثلاثة أرباع ذراع وكل واحد من عرض الشرقى والغربى سبعة أذرع خمسة أرباع ذراع وعلى كل حال فهذا الحساب يشير إلى مقارنته لمسح ابن شيبة ويحيى، وعرض الجهات الثلاث غير داخل الجدار القديم الشرقى الذى حدد ذراع ونصف ذراع وعقدتان كما أن الجدار الشرقى المجدد ذراع وخمسة أرباع، وارتفاع

стр. 1225

الجدران ثلاثة أذرع وثلاثة أرباع لكل جهة، إلا أن بعض أماكنها قد رفعت قليلا وبما أن أعلاها قد صنع من الآجر قدر ذراع واحد قد فهم أنه قد أضيف فيها بعد. السور الخشبى الذى حول حجرة السعادة، لم يكن أى شئ حول الجدار الخارجى لحجرة السعادة حتى عصر جمال الدين الأصفهانى وقد أحاط جمال الدين الأصفهانى الجدار الذى بناه عمر بن عبد العزيز حول الحجرة المعطرة بسور مصنوع من خشب شجرة الصندل والآبنوس، وأوصل ارتفاع هذا السور إلى سقف المسجد الشريف وألصقه به، إلا أنه قد احترق فى الحريق الأول كما سيحرر فى الصورة الثامنة من الوجهة الثامنة فجدد سنة ٦٦٨ هـ وسمى بالمقصورة وبعد ذلك قد جدد وعمر مرارا. انتهى. جدران أبنية الحجرة المعطرة القديمة أعلى من الجدران التى مدها عمر بن عبد العزيز قدر خمسة عشر ذراعا بما أن أرض الجدار الجديد أعلى من أرضية الجدار القديمة فمن هنا تظهر الجدران فى ارتفاع واحد. وبناء على أرجح الروايات بين الجدارين فاصلة ما تقرب من ذراع ونصف ذراع. والجدار الذى مده عمر بن عبد العزيز-كما يرى فى الشكل الآتى: مثلث الشكل فى الجهة الشمالية وهذا الشكل المثلث ما بين الجدار القديم والجديد فالفاصلة التى تمتد من الزاوية الشمالية إلى الجدار القديم ثمانية أذرع، وكان فوق سقف الحجرة المعطرة اللطيف قطعة قماش مشمع على شكل الخيمة وكان فوق هذا الغطاء سقف مسجد السعادة وفوق هذا السقف يعنى فوق سقف المسجد الشريف باب (١) صغير وبين القماش المشمع وسقف المسجد فاصلة قدر ذراعين، الشكل والهيئة التى ذكرت كانت الحالة التى عليها قبل الحريق الأول؛ لأن ما بين سقف المسجد الشريف وغطاء الحجرة المعطرة قد أغلق ببعض الألواح الخشبية التى كسيت بالمشمع وفتحت نافذة وسط سقف الحجرة الشريفة تسمى قبة النور (٢) وأغلق بالقفل بعد الحريق، وإن كان بعض المؤرخين قالوا كان يدخل للفاصلة

стр. 1226

التى بين الجدار القديم والجديد من الباب الصغير الذى فتح فى سقف حجرة السعادة إنهم لم يصيبوا الحقيقة فى ذهابهم هذا وابتعدوا عن الصحة. وإن أراد ابن رشد أن يرد الأقوال المشهورة إذ ادعى أنه لم يكن فوق القبر الجليل سقف وقال لم يكن قديما فوق القبر الشريف سقف غير سقف مسجد السعادة، وبما أنه قد مات سنة ٥٢٠ هـ فادعاؤه هذا يشير إلى هيئة المسجد الشريف قبل الحريق، ومع هذا فرواية الإمام مالك-عليه الرحمة-بخصوص الكسوة الشريفة تؤيد أن الحجرة المعطرة كانت مسقوفة قبل الحريق الأول، حتى إنهم وجدوا بقية ميزاب السقف العتيق عندما كانوا يجددون المسجد فى عصر الأشرف قايتباى وبهذه العلامة والدليل حكموا أن حجرة السعادة كانت مسقوفة فى الصدر الأول وأن الميزاب العتيق كان مصنوعا من خشب شجرة الساج، جاء فى صحيح الدارمى أنه قد وقع فى حياة السيدة عائشة الصديقة-رضى الله عنها-زوج النبى قحط وغلاء اشتكى الناس ذلك لذاتها السامية ورجوها أن تجد لها حلا. قالت السيدة عائشة: «افتحوا نافذة فوق قبر السعادة حيث لا يبقى شئ يحول بين سقف القبر الجليل وبين السماء! وبهذا أمرت أن تفتح نافذة صغيرة فوق سقف القبر الجليل وقد استحسن أهل المدينة رأى والدتنا المشار إليها وقرروا فى النهاية فتح نافذة صغيرة فوق قبر السعادة وأطلق عليها «قبة النور»، «قبة المجرة». وفى أثناء فتح سكان المدينة، بناء على توصية الصديقة-النافذة فوق قبر الرسول ظهرت فى السماء علامات المطر وأخذ المطر فى النزول وغرقت الغبراء بالمياه ونمت الحشائش فى الأودية والصحارى وأخذت الدواب فى الرعى. وقد سر أهل المدينة من هذه الحالة وسموا تلك السنة ب (عام الفتق) وكانوا بعد ذلك كلما احتاجوا إلى شئ أو المطر فتحوا النافذة التى فوق قبر الرسول، وقد دام هذا النظام إلى الحريق الثانى، حتى إنهم كانوا قد فتحوا منفذا فوق القبة الخضراء المصنوعة من الحجر كالحالة السابقة بعد الحريق الأول، وتركوا فيما بعد هذه

стр. 1227

الأصول، لسبب ما، وأخذوا يدعون فاتحين باب الرحمة المقابل لوجه النبى ﷺ فى مقصورة النور التى تحيط بالحجرة المعطرة، ودام هذا النظام إلى عهد شاهين إلى وقوع الحريق الثانى لأن شاهين الجمالى قد بنى فوق سقف مسجد السعادة قبة حجرية كما فتح فوق ذروتها نافذة وركب عليها قفصا حديديا كما ركب فوق النافذة التى صنعت فوق سقف الحجرة الشريفة اللطيفة قفصا آخر، وركب فى وسطه منفسا مغلقا، وكلما كان أهل المدينة يتعرضون لداهية دهياء يفتحون ذلك المنفس، بما أنهم كانوا يستسقون واقفين بجانب المنفس المذكور فى سنين القحط والغلاء. وإن كانت قبة النور التى هى نافذة قبة السعادة موجودة فى أيامنا هذه إلا أن نظام فتحها لأجل الدعاء غير حاصل، والآن يدعون فاتحين الباب المعلا الذى يطلق عليه باب الوفود الذى يقابل أسطوانة الوفود التى توجد فى جهة الروضة المطهرة من حجرة السعادة، وبناء على ما أخبره مسنو المدينة وأصحاب العلم أنه كلما دعى وذلك الباب مفتوح فلابد أن يظهر أثر الاستجابة سريعا. قد اختلف مؤرخو الأسلاف كثيرا فى تعيين مراقد المدفونين فى داخل الحجرة المعطرة وفى نهاية القيل والقال بينوا اقتضاء تصديق سبع روايات، وادعت كل فرقة صحة روايات رواتها ولكننا حينما رأينا أن أربعا من هذه الروايات لا تستند على حجة قوية تركناها وذكرنا صور الروايات الثلاث المؤيدة بأقوى الأقوال. الصورة الأولى: أن قبر النبى الأقدس أمام قبرى حضرة الصديق وعمر بن الخطاب قليلا، يعنى أن رأس الصديق الأكبر فى محاذاة منكبى الرسول ﷺ ورأس الفاروق الأعظم فى محاذاة منكبى جانب الصديق الأعظم ولما كانت هذه الصورة أكثر وجاهة وافق على تصديقها وصحتها أغلب العلماء. كان الوليد بن عبد الملك قد ذهب إلى المدينة المنورة فى أثناء تجديده لمسجد السعادة ليرى مدى متانة صنعه ورصانته وليرى إذا كان منزل فاطمة-رضى الله

стр. 1228

عنها-قد ألحق بساحة المسجد أو لم يلحق، وفى أثناء المعاينة أمسك بيد عمر بن عبد العزيز وسأله مشيرا إلى حجرة السعادة هل أبو بكر وعمر وسيد البشر فى هذه الحجرة؟ فرد عليه قائلا نعم قال: أين عثمان بن عفان؟ أننى لا أغادر هذا المكان إلى أن أخرج هذين الشخصين من الحجرة المعطرة، وأنقلهما إلى مكان آخر وظل واقفا فترة لينفذ ما فى ضميره، فقال له: عمر بن عبد العزيز عندما استشهد عثمان بن عفان كان الناس مشغولين بإطفاء نار الفتنة وكانوا يدفنونه قطعا فى حجرة السعادة إذا كان الاستقرار سائدا وبهذا القول أومأ إلى أن رأى الوليد غير صحيح، وبعد أن سمع الوليد هذا القول سكت قليلا وتخلى عن إيفاء ما فى ضميره. الشكل الأول قبر النبى ﷺ قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه ... قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه الصورة الثانية: كما نرى فى الشكل الآتى: أن رأس أبى بكر الصديق فى محاذاة منكبى رسول الله ﷺ وأن رأس عمر بن الخطاب فى وصف قدمى النبى ﷺ الأنورين قد صدق أبو داود والحاكم هذه الصورة ورجحاها على الصورة الأخرى ومن هنا أراد بعض الذوات ترجيح الصورة الثانية على الصورة الأولى، إلا أن قاسم بن محمد بن أبى بكر قال: لأصحابه؛ حينما كنت أزور القبر الجليل كنت أرى رأس جدى أبى بكر خلف منكبى الرسول ﷺ وأرى رجليه فى محاذاة رأس الفاروق الأعظم وقول قاسم هذا يؤيد حكم الرواية التى ترجح الصورة الأولى على الصورة الثانية لأن جناب قاسم بن محمد ذهب إلى بيت أخت أبيه عائشة-رضى الله عنها-وقال لها: «يا أم المؤمنين، إذا أذنت لى سأزور القبور الثلاثة وفتحت أمنا المشار إليها باب مدفن السعادة وسمحت لابن أخيها قاسم بن محمد بالزيارة».

стр. 1229

وبناء على رواية قاسم بن محمد فإن القبور الثلاثة منفصلة عن بعضها قليلا وفرش فوقها برمل أحمر ذات حصاة كبيرة جلبت من وادى الحمراء. الشكل الثانى قبر النبى ﷺ /قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه الصورة الثالثة: وبناء على ما يرى فى الشكل الآتى أن رأس الصديق المبارك فى محاذاة قدمى سلطان عرش الإسلام-﵊-وقبر عمر بن الخطاب لامع الأنوار خلف قبر النبى ﷺ هذا ما روى عن السيدة عائشة-رضى الله عنها-أمنا إلا أن رواة هذا القول مجروحون بتهمة النسيان وهذا ما يحكم عنهم. الشكل الثالث قبر النبى ﷺ /قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهذا الشكل يكذب ويخرج القول الذى روى بأن قدمى عمر بن الخطاب رئيتا فى أساس الجدار الذى تهدم فى عصر عمر بن عبد العزيز، لأن الجدار الذى سقط فى ذلك الوقت كان الجدار الشرقى وإن كانت هذه الرواية قد رويت ونقلت عن عائشة-رضى الله عنها-فبناء على هذه الرواية يقتضى أن يكون القدمان اللذان ظهرا قدمى جناب الصديق المباركين ولما كانت هذه الصورة تثير الشك والشبهة فأبو داود والحاكم قد صدقا الصورة الأولى والثانية وترددا فى صحة الصورة الثالثة. وقول عبد الله الذى كان عنده معلومات صحيحة عن قبر عمر بن الخطاب لامع الأنوار من بين القبور الثلاث لعمر بن عبد العزيز: «يا عمر! لا تخف إن القدمين الشريفين اللتين رأيتهما قدما جدك عمر بن الخطاب كانتا قد ظلتا داخل

стр. 1230

أساس الحجرة المنيفة» يصدق صحة الصورة الثانية، ويصرح بأن الرواية الثالثة ليست صحيحة ولما كان مكان الجدار الشرقى الذى سقط فى ناحية الركن الشامى لابد وأن ترجح الرواية الأولى على الصور الأخرى. الهيئة المرئية للقبور الثلاث المقدسة فوق الأرض: وقد انقسم المؤرخون على فرقتين فى تعيين شكل القبر الجليل هل هو مسنم (١) أم مستو قال الفريق الأول إن قبر السعادة مسنم وهو مثل المقابر التى نعرفها أعلى من الأرض قليلا وعاليه مدبب قليلا وقال الفريق الثانى ليس بمسنم ولكنه مستو ومع هذا فالفريقان صادقان فى أقوالهما إذ الذين يدعون أنه مستوهم الذين شاهدوا شكله الأول والذين قالوا مسنم شاهدوا طرزه الجديد؛ لأن المرقد الشريف ظل مستويا إلى قرب عهد عمر بن عبد العزيز؛ فعندما تهدم الجدار الشرقى لحجرة السعادة فسنم القبر الجليل المنيف، وكان قبرا الشيخين إلى سقوط الجدار الشرقى مستويين وجعل سقوط الجدار الشرقى قبريهما مسنمين. وعند إجالة النظر لهذه الصور الثلاثة يرى فى داخل حجرة السعادة مكانا خاليا يكفى لدفن جنازة، ويروى أن هذا المكان سيكون مدفن عيسى بن مريم، وكان كل من عبد الرحمن بن عوف وحضرة الحسن بن على-رضى الله عنهما- استحصلا على إذن بدفنهما فى هذا المكان الخالى من السيدة عائشة-رضى الله عنها-ولكنهما عندما توفيا اعترض أمراء بنى أمية على ذلك ودفنت جنازتاهما فى بقيع الغرقد، وهذه حكمة تؤيد أن الاعتراض كان بسبب أن هذا المكان مدفن عيسى. شبكة قبر السعادة حجرة السعادة-كما عرف آنفا طراز وهيئة-فوقها قبة كبيرة وحولها-دائرا ما دار-سور شبكى أخضر اللون، إن القفص الذى يحيط بممر قبر السعادة مصنوع من الصلب، إلا أن واجهتها حيث يقف الزوار على شكل باب صغير مصنوع من
следующие страницы →