← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

التى بين الجدار القديم والجديد من الباب الصغير الذى فتح فى سقف حجرة السعادة إنهم لم يصيبوا الحقيقة فى ذهابهم هذا وابتعدوا عن الصحة. وإن أراد ابن رشد أن يرد الأقوال المشهورة إذ ادعى أنه لم يكن فوق القبر الجليل سقف وقال لم يكن قديما فوق القبر الشريف سقف غير سقف مسجد السعادة، وبما أنه قد مات سنة ٥٢٠ هـ فادعاؤه هذا يشير إلى هيئة المسجد الشريف قبل الحريق، ومع هذا فرواية الإمام مالك-عليه الرحمة-بخصوص الكسوة الشريفة تؤيد أن الحجرة المعطرة كانت مسقوفة قبل الحريق الأول، حتى إنهم وجدوا بقية ميزاب السقف العتيق عندما كانوا يجددون المسجد فى عصر الأشرف قايتباى وبهذه العلامة والدليل حكموا أن حجرة السعادة كانت مسقوفة فى الصدر الأول وأن الميزاب العتيق كان مصنوعا من خشب شجرة الساج، جاء فى صحيح الدارمى أنه قد وقع فى حياة السيدة عائشة الصديقة-رضى الله عنها-زوج النبى قحط وغلاء اشتكى الناس ذلك لذاتها السامية ورجوها أن تجد لها حلا. قالت السيدة عائشة: «افتحوا نافذة فوق قبر السعادة حيث لا يبقى شئ يحول بين سقف القبر الجليل وبين السماء! وبهذا أمرت أن تفتح نافذة صغيرة فوق سقف القبر الجليل وقد استحسن أهل المدينة رأى والدتنا المشار إليها وقرروا فى النهاية فتح نافذة صغيرة فوق قبر السعادة وأطلق عليها «قبة النور»، «قبة المجرة». وفى أثناء فتح سكان المدينة، بناء على توصية الصديقة-النافذة فوق قبر الرسول ظهرت فى السماء علامات المطر وأخذ المطر فى النزول وغرقت الغبراء بالمياه ونمت الحشائش فى الأودية والصحارى وأخذت الدواب فى الرعى. وقد سر أهل المدينة من هذه الحالة وسموا تلك السنة ب (عام الفتق) وكانوا بعد ذلك كلما احتاجوا إلى شئ أو المطر فتحوا النافذة التى فوق قبر الرسول، وقد دام هذا النظام إلى الحريق الثانى، حتى إنهم كانوا قد فتحوا منفذا فوق القبة الخضراء المصنوعة من الحجر كالحالة السابقة بعد الحريق الأول، وتركوا فيما بعد هذه

стр. 1227

الأصول، لسبب ما، وأخذوا يدعون فاتحين باب الرحمة المقابل لوجه النبى ﷺ فى مقصورة النور التى تحيط بالحجرة المعطرة، ودام هذا النظام إلى عهد شاهين إلى وقوع الحريق الثانى لأن شاهين الجمالى قد بنى فوق سقف مسجد السعادة قبة حجرية كما فتح فوق ذروتها نافذة وركب عليها قفصا حديديا كما ركب فوق النافذة التى صنعت فوق سقف الحجرة الشريفة اللطيفة قفصا آخر، وركب فى وسطه منفسا مغلقا، وكلما كان أهل المدينة يتعرضون لداهية دهياء يفتحون ذلك المنفس، بما أنهم كانوا يستسقون واقفين بجانب المنفس المذكور فى سنين القحط والغلاء. وإن كانت قبة النور التى هى نافذة قبة السعادة موجودة فى أيامنا هذه إلا أن نظام فتحها لأجل الدعاء غير حاصل، والآن يدعون فاتحين الباب المعلا الذى يطلق عليه باب الوفود الذى يقابل أسطوانة الوفود التى توجد فى جهة الروضة المطهرة من حجرة السعادة، وبناء على ما أخبره مسنو المدينة وأصحاب العلم أنه كلما دعى وذلك الباب مفتوح فلابد أن يظهر أثر الاستجابة سريعا. قد اختلف مؤرخو الأسلاف كثيرا فى تعيين مراقد المدفونين فى داخل الحجرة المعطرة وفى نهاية القيل والقال بينوا اقتضاء تصديق سبع روايات، وادعت كل فرقة صحة روايات رواتها ولكننا حينما رأينا أن أربعا من هذه الروايات لا تستند على حجة قوية تركناها وذكرنا صور الروايات الثلاث المؤيدة بأقوى الأقوال. الصورة الأولى: أن قبر النبى الأقدس أمام قبرى حضرة الصديق وعمر بن الخطاب قليلا، يعنى أن رأس الصديق الأكبر فى محاذاة منكبى الرسول ﷺ ورأس الفاروق الأعظم فى محاذاة منكبى جانب الصديق الأعظم ولما كانت هذه الصورة أكثر وجاهة وافق على تصديقها وصحتها أغلب العلماء. كان الوليد بن عبد الملك قد ذهب إلى المدينة المنورة فى أثناء تجديده لمسجد السعادة ليرى مدى متانة صنعه ورصانته وليرى إذا كان منزل فاطمة-رضى الله

стр. 1228

عنها-قد ألحق بساحة المسجد أو لم يلحق، وفى أثناء المعاينة أمسك بيد عمر بن عبد العزيز وسأله مشيرا إلى حجرة السعادة هل أبو بكر وعمر وسيد البشر فى هذه الحجرة؟ فرد عليه قائلا نعم قال: أين عثمان بن عفان؟ أننى لا أغادر هذا المكان إلى أن أخرج هذين الشخصين من الحجرة المعطرة، وأنقلهما إلى مكان آخر وظل واقفا فترة لينفذ ما فى ضميره، فقال له: عمر بن عبد العزيز عندما استشهد عثمان بن عفان كان الناس مشغولين بإطفاء نار الفتنة وكانوا يدفنونه قطعا فى حجرة السعادة إذا كان الاستقرار سائدا وبهذا القول أومأ إلى أن رأى الوليد غير صحيح، وبعد أن سمع الوليد هذا القول سكت قليلا وتخلى عن إيفاء ما فى ضميره. الشكل الأول قبر النبى ﷺ قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه ... قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه الصورة الثانية: كما نرى فى الشكل الآتى: أن رأس أبى بكر الصديق فى محاذاة منكبى رسول الله ﷺ وأن رأس عمر بن الخطاب فى وصف قدمى النبى ﷺ الأنورين قد صدق أبو داود والحاكم هذه الصورة ورجحاها على الصورة الأخرى ومن هنا أراد بعض الذوات ترجيح الصورة الثانية على الصورة الأولى، إلا أن قاسم بن محمد بن أبى بكر قال: لأصحابه؛ حينما كنت أزور القبر الجليل كنت أرى رأس جدى أبى بكر خلف منكبى الرسول ﷺ وأرى رجليه فى محاذاة رأس الفاروق الأعظم وقول قاسم هذا يؤيد حكم الرواية التى ترجح الصورة الأولى على الصورة الثانية لأن جناب قاسم بن محمد ذهب إلى بيت أخت أبيه عائشة-رضى الله عنها-وقال لها: «يا أم المؤمنين، إذا أذنت لى سأزور القبور الثلاثة وفتحت أمنا المشار إليها باب مدفن السعادة وسمحت لابن أخيها قاسم بن محمد بالزيارة».

стр. 1229

وبناء على رواية قاسم بن محمد فإن القبور الثلاثة منفصلة عن بعضها قليلا وفرش فوقها برمل أحمر ذات حصاة كبيرة جلبت من وادى الحمراء. الشكل الثانى قبر النبى ﷺ /قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه الصورة الثالثة: وبناء على ما يرى فى الشكل الآتى أن رأس الصديق المبارك فى محاذاة قدمى سلطان عرش الإسلام-﵊-وقبر عمر بن الخطاب لامع الأنوار خلف قبر النبى ﷺ هذا ما روى عن السيدة عائشة-رضى الله عنها-أمنا إلا أن رواة هذا القول مجروحون بتهمة النسيان وهذا ما يحكم عنهم. الشكل الثالث قبر النبى ﷺ /قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهذا الشكل يكذب ويخرج القول الذى روى بأن قدمى عمر بن الخطاب رئيتا فى أساس الجدار الذى تهدم فى عصر عمر بن عبد العزيز، لأن الجدار الذى سقط فى ذلك الوقت كان الجدار الشرقى وإن كانت هذه الرواية قد رويت ونقلت عن عائشة-رضى الله عنها-فبناء على هذه الرواية يقتضى أن يكون القدمان اللذان ظهرا قدمى جناب الصديق المباركين ولما كانت هذه الصورة تثير الشك والشبهة فأبو داود والحاكم قد صدقا الصورة الأولى والثانية وترددا فى صحة الصورة الثالثة. وقول عبد الله الذى كان عنده معلومات صحيحة عن قبر عمر بن الخطاب لامع الأنوار من بين القبور الثلاث لعمر بن عبد العزيز: «يا عمر! لا تخف إن القدمين الشريفين اللتين رأيتهما قدما جدك عمر بن الخطاب كانتا قد ظلتا داخل

стр. 1230

أساس الحجرة المنيفة» يصدق صحة الصورة الثانية، ويصرح بأن الرواية الثالثة ليست صحيحة ولما كان مكان الجدار الشرقى الذى سقط فى ناحية الركن الشامى لابد وأن ترجح الرواية الأولى على الصور الأخرى. الهيئة المرئية للقبور الثلاث المقدسة فوق الأرض: وقد انقسم المؤرخون على فرقتين فى تعيين شكل القبر الجليل هل هو مسنم (١) أم مستو قال الفريق الأول إن قبر السعادة مسنم وهو مثل المقابر التى نعرفها أعلى من الأرض قليلا وعاليه مدبب قليلا وقال الفريق الثانى ليس بمسنم ولكنه مستو ومع هذا فالفريقان صادقان فى أقوالهما إذ الذين يدعون أنه مستوهم الذين شاهدوا شكله الأول والذين قالوا مسنم شاهدوا طرزه الجديد؛ لأن المرقد الشريف ظل مستويا إلى قرب عهد عمر بن عبد العزيز؛ فعندما تهدم الجدار الشرقى لحجرة السعادة فسنم القبر الجليل المنيف، وكان قبرا الشيخين إلى سقوط الجدار الشرقى مستويين وجعل سقوط الجدار الشرقى قبريهما مسنمين. وعند إجالة النظر لهذه الصور الثلاثة يرى فى داخل حجرة السعادة مكانا خاليا يكفى لدفن جنازة، ويروى أن هذا المكان سيكون مدفن عيسى بن مريم، وكان كل من عبد الرحمن بن عوف وحضرة الحسن بن على-رضى الله عنهما- استحصلا على إذن بدفنهما فى هذا المكان الخالى من السيدة عائشة-رضى الله عنها-ولكنهما عندما توفيا اعترض أمراء بنى أمية على ذلك ودفنت جنازتاهما فى بقيع الغرقد، وهذه حكمة تؤيد أن الاعتراض كان بسبب أن هذا المكان مدفن عيسى. شبكة قبر السعادة حجرة السعادة-كما عرف آنفا طراز وهيئة-فوقها قبة كبيرة وحولها-دائرا ما دار-سور شبكى أخضر اللون، إن القفص الذى يحيط بممر قبر السعادة مصنوع من الصلب، إلا أن واجهتها حيث يقف الزوار على شكل باب صغير مصنوع من

стр. 1231

الفضة وقد سطرت على طاقة العبارة المنجية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والزوار الكرام يزورون القبر من خارج هذا القفص ويطلقون على هذا القفص شبكة قبر السعادة. وإن كان بين القفص الذى عرف والمرقد السعيد مكانا خاليا لإيقاد الشمعدانات ليلا إلا أن الجهة التى فيها مرقد السعادة قد غطيت بقماش ذهبى فلا يستطيع أن يرى داخل الغطاء فرد فريد. والغطاء المزركش الذى فوق مرقد السعادة قد نسج على أعلى مستوى من الدقة والمهارة فهو قطعة قماش نادر-كتب عليها نسجا العبارة البديعة الله محمد، لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله الملك الحق المبين، محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين وبعض أسماء النبى. رواية يروى عن كعب الأحبار أنه قال: أنه سيتواجد فى حجرة السعادة كل يوم إلى صباح يوم الحشر ما يقرب من سبعين ألف ملك لعرض باقات ورد الصلاة والسلام من هنا يتنزل كل يوم من السماء سبعون ألف ملك يظلون يقومون بالصلاة والسلام وفى غروب الشمس يعرجون إلى السماء ويهبط مكانهم نفس العدد يظلون حتى الصباح يصلون ويسلمون.

стр. 1232

الوجهة الثامنة وتحتوى على تسع صور وتشمل تفصيلات عن علامات رأس النبى الشريف ومقام جبريل الأمين السامى وكيف تحفظ وتعلق الهدايا الواردة وفى أى عصر وتاريخ أسست القبة الخضراء ومقصورة القبر الحديدية

стр. 1233

الصورة الأولى فى ذكر علامة الجهة التى يوجد فيها رأس الرسول ﷺ كانت العلامة الفارقة لرأس النبى الشريف فى الصدر الأول صندوقا مغطى بألواح فضية، وكان هذا الصندوق بجانب العمود الملاصق لجدار القبر وكان ذلك العمود فى منتهى الناحية الغربية لجدار الحجرة المعطرة وفى محاذاة أسطوانة التوبة وأسطوانة السرير، وزمن وضع ذلك الصندوق وتاريخه يكاد يكون مجهولا فى نظر التاريخ إلا أنهم يروون أنه قد وضع قبل حريق سنة خمسمائة وثمانين رواية قوية ولا شك فى صحة هذه الرواية، وكانت فى جهة رأس الرسول شجرة مزينة فوق الصندوق الصغير تحيط بالأسطوانة المثبتة بجانب الرأس، ولما احترقت هذه الشجرة من الصندوق فى الحريق الثانى ركزوا مكانها عمودا رخاميا وكتبوا عليه بخط جميل البسملة الشريفة والصلوات المنيفة ووضعوا بجانب العمود صندوقا صغيرا، والآن فعلامة الرأس الشريف النبوى هذا العمود. ومازال ذلك الصندوق الصغير موجودا ولكنه تحت غطاء قبر السعادة، ويوضع فيه كل سنة خشب الصندل الهندى ويؤخذ القديم منه وبقيت هذه العادة من عهد عمر بن الخطاب وقد حفظ بالصندوق ماء الورد والعنبر والصندل لتبخير المسجد والأشياء الأخرى فى داخل ذلك الصندوق وقد أصبح وضع الأشياء المذكورة فى داخل ذلك الصندوق فى حكم العادة لدى الخلفاء والملوك الذين بعده؛ ولكن مسجد السعادة اتسع وكثرت تلك الأشياء الواردة لتبخير المسجد فاستصوبوا وضع تلك الأشياء فى أماكن أخرى مكتفيا بوضع الصندل الهندى فقط داخل ذلك الصندوق علامة رأس النبى الشريف ﷺ .

стр. 1234

أصول تجديد الصندل: هناك نظام جميل بين أغوات حرم السعادة خاص بصورة تجديد الصندل الموضوع فى داخل الصندوق، وهذا النظام جار إلى يومنا هذا، عندما يحين الوقت المعين للتجديد تولم وليمة ويقدم طعام من قبل شيخ الحرم أو نائبه فى دائرة الحرم لبعض أهل حرم المدينة. ولكن جميع المدعوات من النساء يطحن الصندل المجهز وهن يصلين ويسلمن على النبى بالفقرات المسجوعة طحنا جيدا قبل الطعام وعندما تنتشر رائحته إلى الجهات الأربعة يخلطنه بماء الورد أو أنواع أخرى من العطور وفى ختام ذلك يتناولن الطعام الذى أعده صاحب البيت ويرسلن ما جهزنه إلى أغوات الحجرة المعطرة ليضعوه فى الصندوق الذى تحت غطاء قبر السعادة، ويعبئ الأغوات الصندوق المذكور بالصندل الجديد بعد أن يفرغوه من الصندل القديم وفى أثناء ذلك يهللون ويكبرون ويصلون على النبى ﷺ ويسلمون ويرسلون الصندل القديم لأحبائهم للتبرك. والفقرات المسجوعة التى ترددها النساء فى أثناء وجودهن فى جمعية دق الصندل الذى يستلزم المفخرة هى: لما بدينا*على النبى صلينا*العادة يا سادة. والوقت المعين لتجديد الصندل الليلة التاسعة عشرة من ذى القعدة كل سنة، وبعد ما يدق بأدوات مزينة ويغربل بغرابيل فضية يمزج بعطور مثل ماء الورد، عنبر ودهان الورد ثم يعجن كالعجين ثم يوضع فى صحون ذهبية وفضية ويحمل إلى حجرة السعادة التى تغسل وفى اليوم الثانى يدخل فى داخل شبكة السعادة فى موكب خاص، ولا يدخل من هذا الموكب فى داخل حجرة السعادة غير شيخ الحرم، ونائبه، وخازن الحرم. والصندوق الذى يضعون فيه الصندل تحت عقد الجدار الذى بناه عمر بن عبد العزيز والغطاء الذهبى لقبر السعادة فوق هذا العقد فالصندل الجديد يوضع من ناحية الرأس الشريف النبوى للقبة التى تحيط بمرقد النبى الجليل.

стр. 1235

إخطار وليس الصندوق الذى يوضع فيه الصندل هو الصندوق الخاص بوضع المصحف الشريف عليه بل هو الصندوق الذى وضع بجانب أسطوانة السرير فى داخل المقصورة، وإن كان بعض الرواة يروون أن المصحف الشريف الذى يوضع فوق ذلك الصندوق هو المصحف الذى كان فى يد حضرة عثمان بن عفان حين استشهاده، إلا أن هذه الرواية غير صحيحة. وبناء على قول ابن النجار أو بعض كتب تاريخ المدينة أن ذلك المصحف المنيف هو الذى أرسله الحجاج من الشام وكان قد وضع فوق الصندوق الذى أمامه المصلى؛ لأن مصحف الشهيد عثمان انتقل إلى يد ابنه خالد وظل فى يد أولاده من بعده. وبناء على القول الذى نقله بعض مشايخ الشام لابن قتيبة أن المصحف المذكور نقل إلى أرض طوس فى فترة ما، كما ادعى الإمام مالك أن البلد الذى يوجد فيه ذلك المصحف غير معروف، مع أن ابن سلام قال: «إننى رأيت فى خزانة بعض الأمراء المصحف الذى تحدث عنه الإمام مالك حتى كان فى بعض أماكنه آثار دم وبهذا أراد أبو جعفر النحاس أن يرد رواية الإمام مالك وادعائه، إلا أن احتمال الحصول على ذلك المصحف المنيف بعد موت الإمام وإرساله إلى المدينة جائز ومن هنا فهناك نظر فى تخريج رواية الإمام مالك، وإن كان فى زماننا ثلاثة مصاحف فى كل من المدينة ومكة المكرمة ومصر وعلى الآية الكريمة: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]. آثار دماء، إلا أن هذه المصاحف ليست المصحف الشريف الذى لطخ بالدم فى أثناء شهادة حضرة عثمان بل أنها مصاحف كتبت تقليدا لذلك المصحف والآية الجليلة لونت بلون أحمر فى لون الدم. وبناء على ذلك فالمصاحف الموجودة سواء أكانت فى المدينة أو مكة أو مصر باسم المصحف العثمانى فهى المصاحف التى أرسلها الحجاج إلى بلاد مختلفة، لأن عند استشهاد عثمان بن عفان كان

стр. 1236

يمسك بين يديه مصحفا واحدا، وغير هذه المصاحف ففى مسجد السعادة كثير من المصاحف التى كتبت بخط نفيس جميل مزينة مذهبة بأجمل الزينة والتى أرسلت من الملوك والسلاطين، وأصحاب الخير. وأجزاء لطيفة من القرآن الكريم، ومن ضمن هذه المصاحف مصحف مرسل فى سنة (١٢٥٠) هـ بين المصاحف المرسلة من ملوك الهند كهدية مصحف فى غاية الكبر فى الحجم وحتى يزار عند إهدائه وضع فوق كرسى خاص بجانب باب السلام وأغلق بالقفل من الأعلى، إلا أنه نقل عند التعمير الأخير مع كرسيه إلى المخزن القريب من الباب المذكور، وقد حررت فى الوجهة الخاصة أسماء مهدى هذا المصحف والمصاحف الأخرى وتاريخ إهدائها وعددها وصفاتها.

стр. 1237

الصورة الثانية ترى وتعرف علامة جهة وجه النبى اللطيف فى الجهة القبلية من الشبكة الشريفة التى تحيط بحجرة السعادة مسمار ساطع الأنوار من فضة علامة جهة وجه النبى ﷺ هى هذا المسمار الذى يبعد عن الزاوية الغربية قدر خمسة أذرع، وقد بين علماء الأسلاف جهة وجه السعادة قائلين: «كل من يقف تحت القنديل الذى فى مواجهة رأس السعادة واستقبل العمود الرخامى يكون قد توجه إلى الوجه اللطيف النبوى، إلا أن هذا التعريف خاص بوضع الحجرة النبوية قبل الحريق إذ لم يكن حينئذ فى محاذاة وجه السعادة إلا قنديل واحد معلق، وبما أن القناديل كثرت فيما بعد فما كان يعرف أى القناديل المعلقة يلزم الوقوف تحتها. والآن فمن يريد أن يكون فى مواجهة وجه السعادة، يقتضى أن يستقبل العمود الأحمر الرخامى فى محاذاة مسمار الفضة، إن هذا المسمار علامة الوجه الشريف، وقد سقط المسمار المذكور سنة (٧١٠) هـ وخلا المكان منه فترة وبعد عشر سنوات وضع فى مكانه سنة (٧٢٠) هـ. وعندما فرش رخام أرضيته الحجرة المعطرة فى (٢٣٢) نزع المسمار المذكور وعندما تم الفرش وسوى أضيف ثلاثة مسامير فضية أخرى بحيث وضع أحدها فى الجدار القبلى والاثنان فى الجدار الغربى ووضعت الأربعة كلها مرة واحدة فى أماكنها، وللأسف الشديد احترقت المسامير الثلاثة الجديدة وبقى المسمار القديم، وبما أن الشخص الذى كان أمين البناء قد ركب على باب المقصورة قفصا غليظ الصنع كما كان لا يمكن رؤية المسمار العتيق ولا تشخيص وتمييز مكان مواجهة رأس السعادة، وكان زوار ذلك الوقت يقفون فى الجهة القبلية ويستقبلون قبر السعادة وبحسّ وجدانى يشيرون إلى جهة المسمار القديم قائلين

стр. 1238

إن هذه الجهة هى جهة وجه النبى ﷺ ، إلا أن شاهين الشجاعى الذى عين أمينا للبناء فى عهد السلطان قايتباى المصرى قد بدل قفص المقصورة ذلك بالنحاس وأظهر المسمار المذكور وأبرزه فأبهج زوار مرقد السعادة وملأهم فرحا وسرورا. ﵀.

стр. 1239

الصورة الثالثة فى تعريف مقام جبريل الأمين وتعيينه . كان مقام جبريل الأمين السامى بجانب مربع القبر الشريف، إن ذلك المسمار الفضى الذى وضع لتعيين المقام الشريف وعلامة خاصة لذلك كان فى انحراف زاوية الجدار الشمالى لمربع الحجرة الشريفة، وفى النهاية سقط ذلك المسمار ولم يوضع فى موضعه مرة أخرى وستر مكانه، من هنا ليست هناك علامة خاصة بمقام جبريل، ويعد هذا المكان-بناء على قول ابن جبير-من الحجرة المعطرة النبوية، ومن هنا يطلق على الغطاء الذى وضع فوقها مهبط جبريل-﵇ إذ يدعى أن جبريل-﵇-كان ينزل غالبا فى هذا المكان المقدس باسطا أجنحته. اختلف المؤرخون فى وجه تسمية هذا المكان المقدس، وقال بعضهم إن جبريل ﵇-ظهر فى هذا المكان فى غزوة بنى قريظة، وقال بعضهم تسمى كذلك لقربه من باب جبريل، ومن المحتمل أن باب جبريل كان أولا متصلا بهذا المقام الشريف ثم نقل إلى مكانه الأول.

стр. 1240

الصورة الرابعة فرش حجرة السعادة وتعميرها وتجديدها كان فى الزمن القديم حجر ألصق بالجدار القريب بمربع القبر الجليل، ويروى أن النبى ﷺ كان كلما زار دار فاطمة-رضى الله عنها-كان يصلى بجانب ذلك الحجر نظير الجوهرة، وعلى قول آخر أن أمنا فاطمة-رضى الله عنها-كانت تؤدى الصلوات الخمسة بجانب ذلك الحجر. ويروى أن ذلك الموقع اللطيف هو المكان المنيف الذى ولد فيه السبطان المحترمان. وبناء على ذلك كلما أحس الحسين بن عبد الله بجسمه بمرض أو وجع كان يذهب ويحك محل الوجع بذلك الحجر ويحظى بالبرء والشفاء عقب ذلك، ولكن لشدة الأسف عندما فرش داخل الحجرة المعطرة بالرخام ضاع ذلك الحجر ولم يعثر عليه بعد، وفى الأوائل لم يكن فى داخل أو خارج حجرة السعادة فرش رخامى؛ وفى سنة (٢٣٢) هـ وفى عصر المتوكل بالله العباسى فرش داخل الحجرة الشريفة وخارجها بالرخام من قبل إسحاق بن سلمة من كبار معماريى ذلك العصر، وفى سنة ٥٨٤ هـ جدد حجرة السعادة قرب الحريق الأول فى غاية الرصانة والزينة. ومد جمال الدين المشار إليه حول أطراف الحجرة المقدسة الأربعة جدار فى ارتفاع قامة إنسان من الرخام، ولم يمس أية جهة من الحجرة أحد إلا أنها جددت فى سنة (٨٨١) هـ (١) وسنة (٨٨٧) هـ (٢) مرتين على صورة مطلوبة. وكان الفرش الرخامى سواء أكان فى داخل حجرة السعادة أو خارجها أو الأماكن الأخرى من المسجد الشريف كل هذا فرش بعد الحريق الثانى؛ ولم يكن إلى ذلك الحريق فرش رخامى فى غير مكان المحراب العثمانى، والآن الفرش

стр. 1241

الرخامى على يمينه ويساره، وحولت جميع الأماكن التى بين مآذن الركن الشرقى والغربى والأعمدة التى حول باب السلام والمنبر المنيف والحجرة اللطيفة ومحفل المؤذن إلى أعمدة رخامية، فى أزمنة الظاهر جقمق والسلطان قايتباى المصرى، وإن كان داخل الحجرة المعطرة فى عهد قايتباى المصرى قد فرش بالرخام إلا أن السلطان مراد الرابع قد بدل جميع قطع الرخام تلك بالقيشانى وجدد السلطان عبد الحميد جميع قطع القيشانى التى فرشها السلطان مراد مزينة بقطع أخرى بشكل أجمل. ينقل عن أحد الذوات الذين قاموا بأنفسهم بتعمير الحرم النبوى الشريف فى العمارة الأخيرة-إذ كان من موظفى الحرم النبوى الشريف-هذه الحكاية الغريبة: «لما كان السلطان عبد المجيد خان-عليه الرحمة والغفران-قد أرسل جميع الأشياء اللازمة لفرش حجرة السعادة من باب السعادة وأمر بأن تفرش هذه الأشياء من قبل الأشخاص الذين كسبوا احترام الأرض والذين عرفوا بينهم بالزهد والتقوى ومن هنا فرشها الأشخاص الذين عرفوا بشدة تدينهم وبسماتهم الفاضلة من بين آل المدينة إذ كان اثنان أو ثلاثة منهم يدخلونها مناوبة». قال راوى هذه الحكاية الغريبة: «قمت أنا أيضا بهذه الخدمة المقدسة، وكنت يوما عجزت عن أن أضع إحدى قطع القيشانى فى مكانها، فأتيت بشمعة وعاينت مكانها، فرأيت أن قطعة القيشانى مزينة مجلاة وكانت خالية من العيوب، فقلبت ظهرها فوجدت أنها محلاة ومصقلة مثل وجهها وقد سطرت فى وسطها عبارة» المست عبد المجيد؛ «فنظرت إلى القطعة فكانت كتلك التى افتقدتها». ألا فلينل الله- -شفاعة الحبيب الأكرم ذلك السلطان المشار إليه، وإن كانت تلك الحكاية صحيحة يفهم منها مدى حب الملوك العثمانيين لسلطان الأنبياء-عليه أفضل التحايا-ولا سيما السلطان عبد المجيد خان-جعل الله مثواه الجنة-ومدى إخلاصهم فى هذا الحب، من تلك الحكاية الغريبة.

стр. 1242

ذيل ولما رويت ال حكاية الآتية تأييدا لصحة الرواية الغريبة التى ذكرت فأدرجناها هنا لتوضيح المدعى. حكاية قال أحد الذين يثنون على والد السلطان كثير المحامد إنه سمع هذه الحكاية من الكاتب السلطانى الأسبق فريد أفندى ذاتيا: «قد اعتاد السلطان عبد المجيد خان-جعل الله مثواه الجنة-فى مرض موته أن يقرأ المعروضات التى ترسل إليه من الباب العالى فى حجرة نومه وهو مستلق على فراشه، وأن يضبّط أوامره السلطانية، ويوما ما ظهرت بين المعروضات بعض الأوراق الخاصة بالمدينة المنورة فأمر أن يؤتى بمخدتين توضعان على جانبيه ثم جلس على ركبتيه واضعا يديه عليهما فى أدب، مع أنه كان عاجزا عن القيام من الفرش ليقرأ تلك الأوراق حتى غير المهمة منها وأمر رأسا بإجراء ما يقتضى إجراؤه، ثم غير وضعه وأعيد رأسه إلى الوسادة؛ رحمة الله عليه رحمة واسعة.

стр. 1243

الصورة الخامسة فى تعريف ستارة الحجرة المعطرة . كان جمال الدين الأصفهانى قد صنع حول حجرة السعادة سورا مشبكا من خشب الصندل والأبنوس، كما سبق ذكره فى الصورة الخامسة من الوجهة السابقة، وقد دامت هذه الشبكة الخشبية فترة، وفى سنة ٥٦٦ هـ جهز حسين بن أبى الهيجاء صهر صالح الوزير-من وزراء الملوك المصريين-ستارة من الحرير الأبيض مزركشة وأرسلها إلى المدينة المنورة تتعلق تبركا فى حجرة السعادة، تحدوه نية خالصة. وبعد استأذن أمير المدينة المنورة قاسم بن مهنى المستضئ بأمر الله العباسى وعلق تلك الستارة فى حجرة السعادة. كانت تلك الستارة البيضاء منسوجة من الحرير الأحمر والأصفر ومزينة بخرز مختلف الألوان ومطرزة بلآلئ ذات قيمة غالية، وسطرت على حزامها المصنوع من الحرير منسوجا بالحرير الأحمر سورة يس الشريفة؛ ولما أرسل بعد سنتين من بغداد دار الخلافة ستارة نفيسة أخرى منسوجة بحرير بنفسجى وخيوط ذهبية فأنزلت الستارة التى أرسلت من طرف حسن بن أبى الهيجاء وعلقت الستارة الجديدة. وأرسلت الستارة القديمة إلى مشهد على بن أبى طالب؛ وكانت عبارة المستضئ بالله مكتوبة على الستارة التى أرسلت من بغداد، وكانت هذه الستارة بنفسجية اللون وكانت على أطرافها أطر قد رصت بلآلئ وكتبت على جوانبها أسماء النبى ﷺ ، كما أن الناصر لدين الله أرسل ستارة منسوجة من حرير أسود فى أثناء خلافته كما أن والدته أرسلت ستارة أخرى جميلة عقب ذلك، وبما أن هاتين الستارتين علقتا فوق بعضهما فاجتمعت فوق حجرة السعادة ثلاث ستائر فى وقت واحد وظلت حجرة السعادة إلى عصر هارون الرشيد بالستارتين اللتين أهداهما المستضئ بأمر الله والناصر لدين الله، وزار هارون الرشيد مع والدته

стр. 1244

الخيزران القبر النبوى الجليل وعلقا على الحجرة الشريفة ستارة نفيسة وأظهرا احترامهما ورعايتهما لهذه الحجرة وذلك فى سنة (١٧٠) هـ. واشترى الملك الصالح بن الناصر محمد المصرى فى سنة (٧٦٠) هـ ثلاث قرى من قرى مصر المعمورة، وأوقفها بشرط أن يصنع بإيرادها كسوة للحجرة المعطرة والكعبة المعظمة وعلى أن يكون لون هذه الستارة أسود ويشغل بالحرير الأبيض وأن تحاط بإطار مصنوع ومطرز بخيوط ذهبية وأن يحيط طولها وعرضها بحجرة السعادة، وكان يبعث بعد ذلك كل خمس سنوات كسوة للكعبة المعظمة وحجرة السعادة. وقال تقى الدين الفاسى وزين المراغى من المؤرخين، وترسل كل ست سنوات إلى الحجرة الشريفة ستارة من قماش أسود ويكتب فوق هذه الستارة بعض الآيات الشريفة بحرير أبيض وكانت طرزها (شراشيبها) مصنوعة من خيوط ذهبية (صرمه) وكان حكم الكسوة القديمة فى حكم الكسوة القديمة للكعبة الشريفة وتقسم بين الخدم (١)،ولكنهما قالا بأن الستارة الخاصة بمنبر السعادة يشترط فى صنعها أن تكون بيضاء اللون. وقد اتخذت عادة إرسال ستائر خضراء فيما بعد إلا أنه قد أرسلت ستائر فى ألوان أخرى حتى إنه قد أرسل فى سنة ١٢٩٧ هـ من باب السعادة مع محمل الشام ستارة مطرزة مزينة فى غاية الجمال ذات حزام أحمر، وكان فوق الستارة التى أرسلت من باب السعادة قطعا مزينة من الأطلس الأحمر كتب فوق كل قطعة اسما من أسماء النبى ﷺ واسم المرحوم السلطان عبد المجيد خان وإن كانت هذه الستارة أرسلت فى عهد عبد العزيز خان وأهديت؛ إلا أنها كانت قد صنعت فى عهد السلطان عبد المجيد المميز بالبر والخير، والآن ترسل ستائر غير ستارة قبر السعادة، إلى تابوت فاطمة ومحاريب القبلة الثلاثة وباب مئذنة جدار القبلة الرئيسى ومقام جبريل والألوان الخمسة.

стр. 1245

وكلها فى شكل واحد عام، كما أن هذه الأقمشة يطلق عليها بين الأهالى ستارة تعلق فى أماكنها من أول رجب إلى نهايته ومن عشرين ذي القعدة إلى عشرين من محرم الحرام وفى غير هذه المواسم تحفظ فى دواليب حجرة السعادة. وفى كل جهة من جهات الحجرة المعطرة ولا سيما على أبوابها وعلى المنبر المنير النبوى ستائر وتعليق هذه الستائر خاصة بالأيام التى ذكرت، وكل هذه الستائر من قماش أطلس أخضر وعليه خطوط جميلة وأزهار مرسومة. أصول تعليق ستارة قبر السعادة وتجديدها والقاعدة تغيير ستارة حجرة السعادة كل ثلاثين عاما أو أربعين عاما وعندما يراد تعليق الستارة الجديدة يصعد فوق مربع قبر السعادة لامع الأنوار من السلم الملاصق لأعمدة الجدار الذى تحت الستارة القديمة والذى أقامه عمر بن عبد العزيز ويربطون حبال الستارة الجديدة بالحلقان الخاصة لتعليق الستائر ويحلون حبال الستارة القديمة ويعلقون الستارة الجديدة فى محلها الخاص وينزلون الستارة القديمة. وعندما يراد إنزال الستارة القديمة يقف الشخص الذى صعد فوق الجدار ليربط حبال الستارة الجديدة على أرض الحجرة وينتظر بجانب الطرف الشامى من الشبكة السعيدة، فتؤخذ الستارة القديمة على الأرض من حيث يقف هذا الشخص رويدا رويدا. ومن العادات القديمة المرعية أن يكون الشخص الذى يصعد فوق جدار مربع قبر السعادة الذى تحت الستارة القديمة وكذلك الشخص الذى يكلف بالصعود فوق الجدار الشريف لإنزال الستارة القديمة أن يكونا من أغوات حجرة السعادة المسنين والمعروفين بالصلاح، ولا يخرج هذان الشخصان من حجرة السعادة قبل أن يكنسا التراب المتراكم بين قبر السعادة والستارة القديمة منذ أعوام طويلة. الجوهر الشريف-الجوهر الشريف يطلق على التراب الذى يخرج من كناسة ما بين قبر السعادة والستارة القديمة بين الأرض ولما كان هذا التراب قد جاور مربع

стр. 1246

قبر السعادة ما يقرب من ثلاثين عاما أو أربعين عاما ومن هنا اكتسب التوقير والقداسة. وكل من ينال شرف هذه الخدمة التى تدعو إلى الفخر من أغوات الحرم يشترون ثلاثة أو أربعة من العبيد ويحررونهم، وإن كان من يحرر أكثر من هؤلاء فالذين لا يستطيعون ذلك يذبحون ثلاثة أو أربعة قرابين ويتصدقون بلحمها. تعريف حجرة السعادة بالإجمال-قد عرفت الحجرة المعطرة بالتفصيل فى الوجهة الخاصة بها. إلا أن هذا التفصيل لم يكن بشكل متسلسل بل كتب كل ما جاءت المناسبة، لذلك استصوبنا إضافة بند خاص بعنوان (تعريف حجرة السعادة مجملا) متذكرين لزوم تعريف الحجرة المعطرة بحيث يفهمها كل فرد فهما جيدا. الحجرة المعطرة-هى دار أمنا السيدة عائشة-رضى الله عنها-لما كان النبى ﷺ قد ارتحل فى داخل هذه الدار السعيدة عن الدنيا كان قد دفن فى المحل الذى فيه قبضت روحه الشريفة. وأحاط عمر الفاروق هذه الدار حتى يحافظ على هيئتها الأصلية بجدار، ومد عمر بن عبد العزيز خارج جدار عمر بن الخطاب جدارا آخر، ولكن حتى لا يكون على شكل الكعبة المعظمة ذات أربع زوايا دبب الجهة التى تقع ناحية الساحة الرملية لمسجد السعادة على شكل مثلث؛ وبنى فوق سقفه قبة غاية فى الصغر وأطلق على هذه القبة قبة الحجرة، قبة النور وعلى القبة الكبيرة التى فوق هذه القبة الخضراء والكسوة الشريفة التى ترسل من قبل الملوك إلى قبر السعادة تغرس فوق تلك القبة الصغيرة. وقد مد فيما بعد حول حجرة السعادة قفص ويطلق على هذا القفص شبكة السعادة وفى داخل شبكة السعادة ستارة خضراء وفى خارجها ستائر ذات أهداب من خيوط ذهبية وفى غاية الجمال والزينة وتطلق عليها ستارة والستائر الخضراء تعلق من عند العقود التى تحمل القبة الخضراء. وشبكة السعادة مصنوعة من حديد عادى ومدهون باللون الأخضر وتتكون من الشبكة ودار السيدة عائشة. التى هى مربع قبر السعادة أى ما بين الجدران

стр. 1247

الأربعة يطلق عليه الحجرة المعطرة ولكنها فى الأصل داخل دار السيدة عائشة. ويقال للجهة القبلية من شبكة السعادة المواجهة الشريفة وعلى جهتها الغربية قدم السعادة وعلى جهتها الشرقية الروضة المطهرة على طرفها الشامى دار فاطمة السعيدة وقد نسجت فوق شبكة المواجهة بسلك أصفر شبكات صغيرة وكتبت فوق كل واحدة من هذه الشبكات عبارة لا إله إلا الله الملك الحق المبين، سيدنا محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين. وتطلق على الأبواب التى فى الجهة الشرقية من شبكة حجرة السعادة والغربية والشامية أبواب الحجرة ومفاتيحها من الفضة. لا يستطيع أحد أن يدخل فى حجرة السعادة غير أغوات الحرم الشريف، إلا أن من يريدون أن يزوروا النبى ﷺ من داخل الشبكة يستطيعون أن يدخلوا مع الأغوات الذين يدخلون داخل الشبكة قبل عشرين دقيقة من صلاة المغرب لإيقاد القناديل. ولا يستطيع أن يعرف ما بين الكسوة الشريفة والجدار الذى مده عمر بن عبد العزيز لا أغوات الحرم الشريف ولا أى شخص آخر، لأنه لا يوجد بين هذا الجدار والجدار الذى سبق تعريفه آنفا منفذ من باب أو نافذة غير تلك القبة الصغيرة التى سبق ذكرها، إلا أنه فتح ثقب صغير لتلك القبة فوق محاذاة قبر السعادة وحتى يمنع دخول الحمام أو الحيوانات الأخرى أو سقوطها قد سد بقفص منسوج بالسلك. وبناء على بعض الروايات أن قبة النور داخل هذا الثقب؛ والغاية من فتح هذا الثقب ألا يترك حائل بين مرقد السعادة والسماء وحتى يؤمن هذا الأمر فتح منفذ آخر للقبة الخضراء فى محاذاة ذلك الثقب وعندما تكون الشمس المنيرة فى وسط النهار تدخل أشعتها إلى منفذ القبة الخضراء بين هذا المنفذ إلى منفذ قبة الحجرة ومن هنا ينشر الضوء فوق قبر السعادة وينير داخل مربع قبر السعادة، ولما كان المطر ينزل كان ولابد أن ينزل فوق قبر السعادة.

стр. 1248

والفرجة التى بين شبكة السعادة وبيت فاطمة قد فرشت بالرخام والجهة العليا من هذه الفرجة حصرت لتعليق الأشياء التى يتبرك بها. بين حجرة السعادة ودار السيدة فاطمة شبكة حديدية وفى هذه الشبكة باب صغير تدخل منه الشمعدانات التى اتخذ إدخالها إلى حجرة السعادة ليلا عادة، وهى من الذهب. لحجرة السعادة مائة قنديل ذات سلاسل ذهبية وفضية كما أن حول مرقد فاطمة أربعون قنديلا ذات سلاسل ذهبية وفضية وهذه القناديل توقد كل ليلة؛ الكسوة التى فوق مرقد السيدة فاطمة هى كنفس الكسوة التى فى حجرة السعادة والأعلام التى ركزت على طرفى المزار الشريف قد زينت ورصعت بمجوهرات متنوعة، وهذه الأعلام قد أهديت من قبل والدة السلطان عبد العزيز-أسكنه الله فسيح جناته.

стр. 1249

الصورة السادسة فى تعريف صورة تخليق (١) حجرة السعادة . ذهبت والدة هارون الرشيد من خلفاء بنى العباس السيدة خيزران إلى الحجاز سنة (١٧٠) هـ وذلك بنية أداء فريضة الحج وهى محرمة وعند عودتها مرت بالمدينة وتسمى مؤنسة حتى تشرف على ذلك العمل. وكانت مؤنسة تلك قد وضعت نظاما معينا لتخليق قبر السعادة وأسطوانة التوبة، وعلامة مصلى النبى ﷺ بناء على التعليمات التى وجهت إليها. وقال إبراهيم بن فضل من صلحاء العصر لمؤنسة (إنك أبدعت قاعدة لم تر من قبل، وهذا شئ لا احتمال لنا بقبوله!!!) وأراد بهذا أن يمنع استمرار هذا النظام، إلا أن المشار إليها قالت له: هذا العمل ليس من رأيى، مادامت والدة الخليفة ترغب فى ذلك فلابد من أن نستمر فى ذلك، وبهذه الإجابة ردت ما عارضه إبراهيم بن فضل ومع هذا فقد تركت هذه القاعدة بعد مرور بعض الوقت.

стр. 1250

الصورة السابعة فى بيان وتعريف قناديل الحجرة الشريفة . لا يعرف مهدى القناديل الذهبية والفضية ووقت إهدائها وتعليقها لمسجد السعادة والحجرة المعطرة، وقال: ابن النجار بعد أن أجرى التدقيقات التامة وهو يبين ويعرف عدد تلك القناديل وأنواعها وأماكن تعليقها. كان فى صدر الإسلام بين شبكة الحجرة المنيفة والجدار القبلى للمسجد الشريف (١) أكثر من أربعين قنديلا معلقا على سقف المسجد الشريف، وكان بعض هذه القناديل من الذهب والأخرى مصنوعة من الفضة وكان بعضها كبيرا وكان بعضها فى حجم صغير وكانت أهديت من قبل حكام الزمان والأصدقاء المخلصين. وكان أحد هذه القناديل مصنوعا من البلور والآخر من الذهب كانا ثريتين فى غاية من الجمال وكان مرغوبا فيهما لعدم وجود مثيل لهما فى ذلك العصر، وفيما بعد زادت رغبة أهل الإيمان فى إهداء القناديل إلى الحجرة المعطرة وزادت القناديل التى وردت حتى ضاقت الحجرة النبوية بها حتى لم يبق مكان فى داخلها لتعليق القناديل فيها. وحينما رأى السادة وموظفو الحكومة أن الهدايا ترد واحدة تلو أخرى ولم يبق فى داخل حجرة السعادة مكان لتعليق القناديل، عندها أخذوا يخرجون القناديل القديمة فى قبة المسجد الشريف، والهدايا التى أرسلت فى خلال سنة (٨١٠) هـ زادت إلى حد أنه إذا سرقت إحداها فلا يعرف الشئ المسروق أى وصلت الهدايا المرسلة بحيث تزيد على العد والإحصاء، ومن هنا رأى المشار إليهم من أصحاب الرأى حفظ هذه القناديل فى داخل الصناديق المعدة لها حتى يحموها من سرقة عربان البادية الذين يردون فى مواسم الحج على أن يخرجوها فى الليالى المباركة

стр. 1251

لإيقادها مناوبة، ولكن حدث فى الوقت الذى قرر تنفيذ القرار السابق أن الشريف حسين بن عجلان الحسينى الذى عين لإمارة الحجاز من قبل ملك مصر الناصر فرج لبعض الأسباب عزل والى المدينة حجاز بن هبة الحجاز بن منصور الحسينى ونصب مكانه ثابت بن نصير المنصورى واليا وعينه، إلا أن ثابت بن نصير مات قبل الوصول إلى المدينة، وعرف حجاز بن هبة الحجاز، أنه سيعين مكان ثابت بن نصير المتوفى شخص آخر بعزله، فأظهر عصيانه وضم إلى تبعيته بعض العربان الجهلة الحمقى وداس على شرف الإسلام ونهب منازل أعيان المدينة وسادتها بإغراء كلاب العربان ونباحهم. واستولوا على القناديل الذهبية والفضية التى فى داخل مسجد السعادة والتى توضع بعد فى الصناديق المعدة لذلك وبهذه الطريقة أعلنوا عن عداوتهم وأظهروا شقاوتهم. هل أكتفى حجاز بن هبة بهذا القدر من الشقاوة واقتنع بها؟!! لا- وبعد هذه الوقاحة والسفالة أحضر سلما خاصا لإنزال القناديل المعلقة وستارة مرقد السعادة الثمينة ولكنه لم يوفق فى ذلك وأخذ ستائر أبواب الحجرة المعطرة التى فى الخزانة النبوية وهرب من المدينة المنورة سنة (٨١١) هـ. وإن كانت الحكومة المصرية استطاعت أن تقبض على السافل حجاز بن هبة بعد سنتين وقتلته إلا أن ذلك الخائن لم يكشف عن الأماكن التى دفن فيها الأشياء المنهوبة سواء أكان وقت عصيانه أو وقت استجوابه ومن هنا لم يخرج شئ منها إلى حيز الوجود. والأشياء التى نهبها حجاز بن هبة الحجاز من مسجد السعادة صندوقان ذهبيان، خزانة صغيرة ذات درجين المملوءة بالذهب، وقناديل من الفضة تزن سبعة عشر قنطارا و ٧٤٨٥ درهما. وتراكمت كثير من الهدايا فى خزينة حجرة السعادة بعد هذه الواقعة الأليمة إلى سنة (٨٢٤) الهجرية فى ظرف ثلاث عشرة سنة إلا أن عزيز بن هبازع الذى كان واليا فى خلال تلك السنة استولى على هذه الهدايا قائلا: «فلتبق هذه

стр. 1252

الأشياء عندى على طريق الأمانة ولم يبق شيئا سواء أكان فى الحجرة المقدسة أو الخزانة النبوية، وسيق عزيز بن هبازع تحت الحراسة إلى مصر بناء على إخبار بعض الذوات من السادات، وفى أثناء الاستجواب والتعذيب لم يؤخذ منه شئ. مع أنه قد ثبت بأدلة قاطعة أنه استولى على تلك الأشياء الثمينة وبناء على ذلك ظل مسجونا إلى أن توفى. ومن سنة ٨٢٤ هـ إلى سنة ٨٦٠ هـ لم يمد أحد يد الإساءة والعدوان إلى ما أهدى إلى حجرة السعادة من قناديل ذهبية أو فضية، وفى خلال ٨٦٠ هـ مضى إلى المدينة المنورة شخصان بقصد زيارة المرقد الجليل وهما دبوس بن سعد الحسينى الطفيلى وبرغوث بن ثبير بن جريس الحسينى، إن هذين الخبيثين قد مدا نظرهما بالطمع إلى القناديل المعلقة فى حجرة السعادة، وفى الليلة السابعة والعشرين من ذى الحجة من سنة ٨٦٠ هـ دخلا فى الدار التى يطلق عليها «دار شباك» (١) وعرجا من هناك إلى جدار مسجد السعادة ودخلا من تحت الطنف داخل المسجد الشريف طمعا فى سرقة قناديل قيمة وذلك بأخذ قنديل من بين كل قنديلين، وبما أن القناديل كانت كثيرة ومعلقة ملاصقة بعضها لبعض لم يحس أحد لمدة طويلة أن القناديل سرقت من مسجد السعادة وأخيرا فهم الأمر وقبض على الرجلين وأخذ ما فى أيديهم من قناديل وقتلوهما جزاء وفاقا. غريبة عندما سرق برغوث المنحوس قناديل مسجد السعادة هرب إلى ينبع ولما عرف ذلك كتب إلى مديرية ينبع البحر وألقى القبض عليه وألقى فى السجن إن هذا الشخص أليف الشقاوة هرب من سجن ينبع البحر وعاد إلى المدينة وحرص على أن يختفى فى مكان خفى. إلا أن محل اختفائه أبلغ إلى الحكومة فقبض عليه وأخذت القناديل التى تحت

стр. 1253

يده ثم أرسل إلى دار البوار، وعندما ألقى السارق المذكور إلى السجن فى المدينة المنورة لاستجوابه سأله أحد المسجونين يا برغوث! بينما نجوت هاربا من سجن ينبع البحر ما سبب مجيئك إلى المدينة؟ فأجابه قائلا فى الواقع هذا سؤال وجيه مع أننى حينما هربت من سجن ينبع البحر وأردت أن ألجأ إلى الجبال كلما اتجهت إلى جهة ما قوبلت بسد حديدى سديد أمامى، كأن هناك من يدفعنى ناحية المدينة المنورة ويشوقنى للذهاب إليها وكلما توجهت ناحية المدينة أحسست فى قلبى انشراحا عجيبا، إننى لم آت هنا طلبا للمدينة ولم أتوجه أبدا ناحية طريق المدينة وللأسف الشديد وجدت نفسى وأنا أجول هنا وهناك، فى داخل حصن المدينة فاضطررت لأن أختفى فى جهة ما وأنا نفسى متحير فى الموضوع. انتهى. وقد رأى شمس الدين زين الذى أرسل إلى المدينة المنورة من مصر مسندا إليه مهمة إمارة البناء قبل الحريق الثانى أن القناديل الذهبية والفضية قد كثرت فى مسجد السعادة وأن اللصوص يسرقونها كلما وجدوا فرصة سانحة أن يرسل القناديل التى تفيض عن الحاجة إلى مصر القاهرة لتذاب هناك وتضرب سككا لإنفاقها فى تجديد وتعمير مبانى مسجد السعادة وعرض ذلك على السلطان قايتباى المصرى وأعلمه وقد حازت تلك الفكرة من القبول لدى الحكومة المصرية وكتبت إلى والى ولاية المدينة بعمل ما يقتضى إجراؤه ومنها جمع كل ما أهدى إلى حجرة السعادة من الأشياء الثمينة ما عدا الستائر المهداة من قبل الملوك العلية واللوحة المرصعة والمزينة بالجواهر المعلقة على جدار ضريح السعادة وإرسالها إلى خزانة مصر فى سنة (٨٨٤) هـ. وأنفق ما ضرب من المسكوكات فى تعمير الأبنية السعيدة، إلا أنهم-فى رأى خالفوا أحكام الشريعة الإسلامية الغراء لأن الإمام السبكى يقول فى كتابه «تنزيل السكينة على قناديل المدينة»: «يجوز إهداء القناديل القيمة إلى حجرة السعادة وتعليقها إلا أن استيلاء الحكومة عليها لصرف قيمتها إلى مسجد السعادة غير جائز».

стр. 1254

يدعى بعض المؤرخين بناء على ما تلقوه من المنابع الموثوقة من الأدلة المروية أنه عندما أخرجت تلك القناديل من خزانة حجرة السعادة قد احتفظ أحد المشايخ من مشايخ الحرم النبوى المرعى الخاطر ببعض تلك المعاليق وأنفقها فى وجوه البر والخير. وبعد عهد شمس بن زمن اتخذ ملوك الزمان مرة عادة إهداء الهدايا إلى حجرة السعادة ومن هذا القبيل ما أرسله إلى المدينة المنورة ناصر بن محمد بن قلاوون المصرى فى زمن سلطنته قنديلا فى غاية الجمال فى الصنع وفى الزينة ليعلق فى وسط قبة حجرة السعادة. وفعلا علق ذلك القنديل وفق رأى ذلك الملك وتصويبه فى قبة الحجرة المسعودة ثم علق فى مكان مقابل محراب النبى بناء على استئذان شيخ الحرم شاهين جمالى بعد فترة. كان ذلك القنديل الذى لا مثيل له قد صنع من صلب مذهب مزينا فى غاية الزينة وكتب على أطرافه دائرا ما دار قد جاء بهذا القنديل محمد بن قلاوون وعلقه وكلما أوقد كان يصدر من صقل صنعه نور مشع كأنه مصباح مصنوع من الجوهر وكان يغشى داخل حرم السعادة بأمواج الأنوار. وإن كانت القناديل التى قدمت بعد ناصر بن قلاوون لا يعرف من أهداها ولا تاريخ إهدائها إلا أنه فى عصر الإمام السمهودى كان فى الحجرة المعطرة ثلاثون قنديلا من ذهب والباقى من الفضة ويبلغ عدد القناديل الكلية إلى ثلاثمائة خمسة وسبعين قنديلا وكان ثقل القناديل الفضية ستة وأربعين ألفا وأربعمائة ألف درهم، وورد فوق هذا فى سنة (٨٦٧) هـ ذهبا فى ثقل (١١٥٥) درهم ذهبا فى ثقل (٨٨٥) درهم فضة، ومن سنة (٨٦٢) إلى سنة (٨٦٩) ذهب فى ثقل (٢٢٥) درهم وقناديل فضية فى ثقل (١٢٧٥) درهما كما ورد فى سنة ثمانمائة إحدى وثلاثين (٤٢) درهما ذهبا و (٩٥٠) درهما من الفضة وبعده بسنة (١١٥٥) درهما فضة وفى ثمانمائة ثلاثة وثمانين ورد (٢٠) درهما ذهبا و (١١١٣) درهما

стр. 1255

من الفضة وفى سنة ثمانمائة أربع وثمانين أيضا (٧٤٥) درهما من قنديل فضى وفى ظرف هذه المدة أرسلت (١٣٠٠٠) قطعة عملة ذهبية وظل مهدى هذه المبالغ مجهولا فى نظر التاريخ ويا للأسف!! أن أمير المدينة حسن بن الزبير بن المنصور قام فى سنة (٩٠١) هـ ضد شريف مكة محمد بن بركات وأعد بعض المجرمين المسلحين فى السادس من ربيع الأول من نفس السنة وفى وقت الظهر دخل الحرم الشريف وقد أعد أدوات الحفر مثل الفأس والمجرفة وكسر باب خزانة حجرة السعادة ونهب جميع تلك الأشياء الثمينة كما أخذ مبلغ (١٣٠٠٠) المحفوظ فى الخزانة لصرفه على لوازم مسجد السعادة وانسحب إلى قلعته التى تسمى حصن الأمير ومعه تلك الأموال وأحضر الصياغ من السوق وأذاب جميع القناديل المصنوعة من الذهب والفضة. وأدخل حسن بن الزبير كثيرا من أراذل الناس فى الحرم الشريف لينهبوا الخزانة النبوية وحملهم ما اغتصبه من القناديل كما حمل حصانين وبغلا بما اغتصبه ولما كان قد بقى تسعة أجولة من الفضة جاء بالحمالين من السوق وحملهم بها، هذا ما يروون. قد جمع بعد هذا الحادث الحزين كثيرا من الأشياء النفيسة تزيد على العد والإحصاء فى حجرة السعادة وقد ذهب أكثر هذه الأشياء فى فتنة (١٠٩٩) وذلك بسبب إساءة محافظ جدة فى ذلك الوقت محمد بك أبو الشوارب. لأن الشريف أحمد بن زيد الذى نال منصب الإمارة الجليلة فى عصر السلطان أحمد خان الثانى ابن السلطان إبراهيم مرض فى سنة (١٠٩٩) هـ واستدعى أشراف مكة قبل وفاته ووصاهم بأن ينصبوا نائبا له باتفاقهم قبل أن يرد الأمر من السلطان بذلك وأن يبذلوا جهودهم لحفظ حوالى الحجاز وحراسته بهذه الطريقة، ونصب محافظ جدة أبو الشوارب نائبا قبل أن ترد الإرادة السنية من باب السعادة وذلك باتفاق الأشراف ووصية الشريف أحمد بن زيد. وأخذ-ليس من الشريف الذى بعث الأهالى طلبا إلى باب السعادة يرشحونه

стр. 1256

لمنصب الإمارة متحدثين عن صلاحيته واستحقاقه للإمارة وتنصيبه شريفا، بل من خصمه الذى يناصبه العداء وهو الشريف أحمد بن غالب كثيرا من الأموال وقدم بعض ما أخذه من النقود الذهبية لأعيان مصر راجيا منهم أن يعملوا على إرسال الأمر العالى بإمارة الحجاز باسم أحمد بن غالب، وحتى لا يطلع الأشراف على هذا الأمر وكيفية سير الأمور أبرز أمر سلطانى مزيف وهرب الشريف القائم مقام (النائب) إلى اليمن وهكذا قد حصل الشريف أحمد بن غالب على منصب الإمارة قبل أن يرد الأمر السلطانى بذلك وأخذ يمد يده إلى أموال الأهالى بحرص شديد وتكتم فاستولى على جميع أموال التجار من سكان مكة المكرمة المجاورين وقتل كثيرين منهم فأخافهم، أرسل رسله إلى المدينة المنورة واغتصب كثيرا من النقود والمجوهرات عن طريق القرض، ثم هرب إلى البلاد العثمانية حتى ينجو من سطوة السلطان القاهرة. أخذ الشريف أحمد بن غالب فى هذه الواقعة واغتصب كل ما جمع فى الخزانة النبوية من أشياء غالية نفيسة والمعاليق كلها، إلا أنه لم يستطع أن يمد يده للوحة الكوكب الدرى التى كان قدمها السلطان أحمد خان الثالث ابن السلطان محمد خان الرابع بعد أن نظمها. إن الجوهر الذى يلمع ليلا والذى يشتهر بالكوكب الدرى ظل ماكثا من سنين طويلة فى الناحية التى تواجه الوجه النبوى الكريم من جدار ضريح السعادة لامع الأنوار فجلبه السلطان المشار إليه إلى خزانته على وجه التبرك وأرسل مكانه لوحة ذات جوهر منير. كان السلطان أحمد خان الثالث أضاف إلى اللوحة المرصعة قطعة كبيرة من الماس، وكانت هذه القطعة من الماس بشدة لمعانها تملأ الجدار بالنور والضياء ومن هنا أطلق عليها (شب جراغ) أى منير الليل وكانت قد اشتريت فى عصر والد السلطان محمد خان الثالث بخمسين ألف دينار خالص العيار وقد أهداها بعد أن وضعها فوق لوحة ذهبية وزين أطرافها (٢٢٧) قطعة ذى قيمة من قطع ما سبق

стр. 1257

لتعليقها مكان الكوكب الدرى وهو يقول بدلا ما تكون زينة الدنيا الزائلة أى بدلا ما يصنع منها فصا لخاتم يلبسه على إصبع أخرى أن تكون زادا للآخرة وذخيرة عافية وكان قد أرسلها مع حسن باشا الذى كلفه توصيل ميزاب الرحمة وأشياء أخرى لبيت الله. وأكمل حسن باشا مهمته الخاصة بمكة المعظمة أوصل تلك اللوحة المرصعة نادرة المثال إلى دار الهجرة النبوية ووضعها على جدار المرقد النبوى ساطع الأنوار وقلع الجوهر والكوكب الدرى، الذى اكتسب قيمته بوجوده فى ذلك المحل ذو المكانة العالية واكتسب شرفا بقطع النظر عن قيمته المادية التى لا تدانى اللوحة المشار إليها وحمله إلى باب السعادة وأتى به. وقد نقل مؤرخو الإسلام كل واحد منهم طريقا خاصا به ولكن أصح الروايات فيما بينهم رواية مؤلف «نزهة الناظرين» إذ قال والكوكب الدرى، قطعة من الماس الفاخرة وأصغر قليلا من بيض الحمام، وتحتها قطعة من الماس الأخرى وإن هذه الأخرى أكبر من الجوهرة التى فوقها، ويقدرون قيمة الكبيرة منها بثمانين ألف قطعة ذهبية. قال العلامة الشيخ مرعى بن يوسف الحنبلى فى كتابه «كانوا وضعوا الكوكب الدرى مكان المسمار الفضى أى وضعوه فى محاذاة مواجهة السعادة، كان المسمار المذكور مزينا بالذهب وكان فوق رخام أحمر اللون وكان يقال لهذا الرخام الكوكب الدرى أيضا والمسافة بين هذا الرخام والمبدأ الغربى لحجرة السعادة خمسة أذرع وكل من يستقبل هذا الكوكب يكون قد اتجه نحو وجه السعادة والذين يريدون أن يعرضوا على النبى صلوات كباقات الورد ويريدون أن يقفوا فى هذا المكان عليهم أن يتخذوا الكوكب المذكور أمامهم، وما من مؤرخ أنكر أن هذا المكان يحاذى وجه السعادة إلا أن الشبكة التى مدت حول الحجرة الشريفة حالت دون رؤية ذلك المكان».

стр. 1258

والآن إذا وقف أمام المصراع الأيمن لباب الشبكة الذى يسمى باب التوبة، نكون قد وجدنا فى مكان يحاذى وجه السعادة. وكان السلطان مراد بن السلطان أحمد خان بعث مع السلحدار مصطفى باشا فى سنة ألف وأربعين لوحة مزينة، وبما أن هذه اللوحة كانت مزينة بجواهر متنوعة علقت تحت الكوكب الدرى أى على جدار ضريح السعادة، وفى سنة ١١٥٤ جاء إلى المدينة مشير جيش بلغراد على بن عبدى باشا وهو أمير حاج لمحمل الشام، وقدم المذكور عدة قطع جواهر مرصعة من جملة غنائم بلغراد إلى حجرة السعادة وعلقوا تلك الجواهر تحت اللوحة التى وردت فى تاريخ ١٠٤٠. وكان قد كتب على هذه اللوحة التى وضعت عليها تلك الجواهر أسماء النبى ﷺ وكريمته فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-وأسماء أصحابه الأربع المختارين الشريفة-رضى الله عنهم-. وإنه مما لا شك فيه أن حجرة سيد الأنبياء-عليه ألمع التحايا-المعطرة من أسباب الاحتشامات الإضافية أى أن المرقد النبوى السعيد ذا نور باهر لا يحتاج إلى تزينه بالذهب والنقود إلا أن غرض المرحوم السلطان الذى اعتاد على الإخلاص أن يوقف إلى الحجرة المعطرة أثرا يكفى ثمنه لتعمير وتجديد مبانى الحرمين الشريفين فلا أحوجنا الله لذلك. انتهى. وعرض على حجرة السعادة بعد واقعة الشريف أحمد بن غالب من قبل الملوك العثمانيين أيضا هدايا كثيرة وقدمت حتى إن السلطان محمود خان الأول ابن السلطان مصطفى خان الثانى أهدى فى سنة ١١٦٢ هـ مائدتين مزينتين بالذهب وعدد من الشمعدانات الذهبية وثريا ذكر شكلها وهيئتها فى الوجهة الحادية عشر والصورة الثالثة منها ثريا لا مثيل لها. وقد قدم فيما بعد من قبل السلاطين الآخرين كثير من التحف النفيسة النادرة وكثير من ثريات مرصعة ذات سلاسل ذهبية وشمعدانات ذات جواهر وكثير من سلاسل مرصعة لتعليق الثريات فزينت سواء أكان ضريح السعادة أو خزانة حرم

стр. 1259

الرسالة حتى صارت فى غاية الروعة وبهذا قد تراكمت فى الحجرة المنورة ذات الفيوضات الباهرة أشياء نفيسة وثمنية أكثر من العصور السابقة. وكان فى خدمة الحجرة الطاهرة ضابط يسمى «مستلم» مكلف بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفائس التى سرقت من دار السكينة وقام ذلك الشخص بمهمته وأنقذ بعض ما يمكن إنقاذه، وبعث السلطان محمود رسولا خاصا لجلب ما أضير من قطعتين من الثريا المرصعتين بالزمرد والجوهر إلى إستانبول وبعد تعميرهما أعادهما إلى موقعهما المحترمين كما أرسل معهما ثلاث قطع من الثريا نفيسة من عنده دليلا على مناقبه العالية. وكانت إحدى الثريتين اللتين بعثهما السلطان محمود بعد صنعها مرصعة بماسة عريضة على مينا زرقاء وبنية ومزينة بالطغراء ذات سلسلة ذهبية وطرة على شكل بيض النعامة والأخرى قد رصعت من قطع الماس فوق الذهب وذات قطع ثلاث من الزمرد وذات طرة لؤلئى وسلسلة ذهبية. ولها أرضية مصنوعة من قطعة واحدة من زمرد حتى يعلق عليها وأعلاها مرصع بالماس والياقوت على شكل غطاء علبة وذات تعليقه على شكل تاج، وكانت الثالثة على أرضية من مينا بنفسجى وعليها قطع مصنوعة من ماس «روزة» ذات سلسلة ذهبية وطرة لؤلؤية وعلى شكل بيض النعامة. ولما كانت تلك الثريات غاية فى النفاسة والقيمة استقبلت فى حين وصولها إلى مدينة الرسول بتعظيم كامل وتفخيم وتبجيل وعلقت فى الأماكن المناسبة، كما أهدى فيما بعد السلطان عبد المجيد خان زوجا من شمعدان مرصعتين بالذهب وذات سمات ملكية تليق بالخليفة. وهذه الأشياء سواء أكانت القناديل والثريات أو ما أرسل من طرف السلطان مراد الرابع والسلطان أحمد خان-عليهم الرحمة والغفران-من القناديل الذهبية والشمعدانات أو ما أرسله السلطان عبد المجيد خان والسلطان الحالى صاحب المفاخر من شمعدانات مرصعة من الذهب والفضة وأشياء أخرى ذات قيمة

стр. 1260

موجودة كلها فى الخزانة النبوية، وتوقد بالمناوبة فى الحجرة المعطرة بصاحب الرسالة. وعلى كل حال فقد كتب عن مقدار هذه الأشياء وكميتها، وأنواعها وأجناسها فى صور الوجهة التاسعة كل واحد على حدة. وإن كان مؤلف «نزهة الناظر» يذكر أن الكوكب الدرى الذى أخذ أهدى إلى شاه إيران وأرسله هذا بدوره بعد مدة إلى حجرة السعادة وفى زماننا تحت قباب مسجد السعادة ستمائة وعشرون قنديلا غير قناديل الحجرة المعطرة، وسلاسل المعلقة منها فى الجهة القبلية من الجدار من فضة خالصة، وما علق منها فى الجهات الأخرى سلاسلها من النحاس الأصفر وبين أعمدة شبكة حجرة السعادة مائة قنديل وستة والقناديل التى فى مواجهة القبر عددها واحد وثلاثون ومرصعة وقد علقت بسلاسل بعضها ذهب خالص والبقية بسلاسل فضية. وما علق على يمين ويسار السيدة فاطمة-رضى الله عنها-من قناديل ذات سلاسل فضية تدخل هذا الصف. والشمعدانات الذهبية التى أهديت من قبل والد الخليفة كثير المحامد فى سنة (١٢٧٤) هـ تدخل كل ليلة قبل صلاة المغرب إلى حجرة السعادة وتوقد مناوبة من قبل شيخ الحرم ونائبه ومدير الخزانة، وينحصر إيقادها فى ليالى الجمع لقضاة المدينة، وتظل تلك الشمعدانات موقدة حتى الصباح فى الوجهة الشريفة وفى وقت السحر تخرج بواسطة الخدم وتوضع فى المخزن الذى يتصل بحجرة الأغوات وغير هذه القناديل كثير من الثريات وسواء أكانت هذه أو بعض القناديل المزينة معلقة فى حرم السعادة وبعضها محفوظة فى المخازن. وتطلق على الثريات والقناديل المزينة المعلقة فى اصطلاح أهل المدينة (زينة الحرم)،ومن جملة ذلك ما علق فى وسط القباب التى من باب السلام إلى مواجهة السعادة من ثريات، يوقد كل ليلة فى كل ثريا خمس شموع أو قنديل هذه قاعدة متبعة. وقد زين مسجد السعادة فى صورة كاملة وذلك بتعليق ثريا ذات أربعين شمعة فى قبة المحراب العثمانى وفى أسفل منها ثريا ذات ثلاثين

стр. 1261

شمعة وفى محاذاة المواجهة الشريفة وفى جهة قدم السعادة ثريات متعددة من الفضة والفوانيس، وفى الساحة الخالية بين باب فاطمة وحجرة الأغوات وفى الروضة المطهرة ولا سيما جهة محراب النبى ومن باب السلام إلى باب الرحمة قد علقت كثير من الثريات البلورية والفوانيس، وكل هذه الثريات ذات شموع وإن كان بعضها أكبر من الأخرى إلا أن الثريا التى وضعت فى نقطة قريبة من قبر فاطمة-رضى الله عنها-لامع الأنوار أكبر الثريات جميعا لها أمكنة لوضع سبعين شمعة، وإن كان هناك شمعدانان من ثريا مذهبين إلا أن إيقادهما وتسريجهما كان يقتصر على ليالى المواسم والأعياد. ومن باب السلام إلى المئذنة الرئيسية ومنها إلى مئذنتى المجيدية والعزيزية ومن هذه المآذن إلى القباب الموجودة إلى باب السلام قناديل معلقة بسلاسل فضية وتحت العقود التى تتصل دائرا ما دار بالساحة الرملية قناديل ذات سلاسل من النحاس الأصفر التى كانت قبل ذلك من الفضة ولكن بعضها سرقت من مؤخر حرم السعادة فنقلت البقية من السلاسل الفضية المعلقة إلى الخزانة النبوية وعلقت مكانها سلاسل من النحاس الأصفر. ويبلغ عدد القناديل التى توقد سواء أكان فى الأماكن التى ذكرت أو فى داخل الأبواب وخارجها إلى ستمائة وأربعين قنديلا وتوقد فى ثلاثمائة منها الشموع وتسرج بقيتها بزيت زيتون، أما الفوانيس التى ركزت على السور الخشبى الذى بين حدود الحرم الشريف وشموع المحاريب الشريفة والشموع الخاصة بقراءة أجزاء القرآن فى الروضة المطهرة وقناديل الحجرة المعطرة والقناديل التى توقد فى ليالى رمضان والمواسم وفى الليالى التى تصل المحامل فيها إلى المدينة والقناديل التى توقد حتى الصباح فوق المآذن يصل عددها إلى ثمانمائة قنديل وهو خارج هذا الحساب.

стр. 1262

الصورة الثامنة فى تعريف الشبكة الشريفة التى تحيط بالحجرة المعطرة ودار فاطمة-رضى الله عنها-السعيدة . تصور السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس المصرى الذى أدى فريضة الحج سنة ٦٦٧ هـ أن يحيط الحجرة الشريفة بسور خشبى بشرط أن تؤدى الصلاة بداخله وعند عودته إلى مصر أمر بصنع ذلك السور الخشبى وفق رأيه وبعثه إلى المدينة المنورة فى سنة ٦٦٨ هـ فأحاط حجرة السعادة دائرا ما دار بشبكة خشبية فى ارتفاع قامة رجل وأطلقوا لهذه الشبكة المقصورة ولما استحال أداء صلاة حيث تمر الشبكة أراد العلماء أن يصرف النظر عن وضع هذه الشبكة وبلغوا بعد ذلك معرّضين بهذا العمل محاولين أن يثيروا الأهالى إلا أن أحدا لم يعر أذنا صاغية لتلك التبليغات والتعريضات. وكانت للشبكة التى تطلق عليها المقصورة ثلاثة أبواب يفتح أحدها إلى الجهة الشرقية والآخر إلى الجهة الغربية والثالث إلى الجهة القبلية، وبعد ست وعشرين سنة رفع زين الدين كتبغا العادل الشبكة التى أرسلها الظاهر ركن الدين إلى سقف المسجد وفى سنة (٧٢٩) هـ فتح باب آخر إلى الجهة الشامية، وفى سنة ٨٥٣ هـ يعنى فى عهد الظاهر حسن المصرى صنع سقف لطيف أمام الباب الذى فتح مجددا عرضه ستة أذرع وفرش ساحته الأرضية برخام مجلى، واحترقت كل هذه الأشياء فى حريق ٨٨٦ هـ ومن هنا صنعت شبكة جهتها القبلية مصنوعة من النحاس وجهاتها الأخرى الثلاث من الحديد شبكة ملاصقة لسقف المسجد الشريف وغطى أعلاها بقفص مصنوع من أسلاك نحاسية. والشبكة التى صنعت وفق التعريف المشروح كان بابها فى الجهة القبلية من خشب الساج وأبوابها الأخرى مصنوعة من ألواح حديدية، وقد بدلت مصاريع

стр. 1263

الشبكة الشريفة مؤخرا بأقفاص مصنوعة من النحاس وصنعت شبكة أخرى للجهة الشامية من المقصورة وكان ما بين الشبكة الجديدة وحجرة السعادة منفصلا، وكان لهذه الشبكة بابان أحدهما على يمين مثلث الحجرة الشريفة والآخر على اليسار، ولأن جزءا من حجرة السعادة ظل فى داخل الشبكة التى صنعت مؤخرا كان الدخول إلى شبكة الحجرة الشريفة من شبكة ذلك المثلث وتحفظ دار فاطمة-رضى الله عنها-السعيدة بهذه الصورة. وقد سرد بعض المؤرخين بعض الأدلة والبراهين حتى لا يحملوا الظاهر ركن الدين جريرة استحالة الصلاة فى بعض أماكن الروضة المطهرة بسبب هذه الشبكة وقالوا إن الظاهر ركن الدين قد أمر بصنع تلك الشبكة تغطيا للحجرة الشريفة ومقتديا فى ذلك بعمر بن عبد العزيز وذكروا أن هذه الأدلة غير قابلة للاعتراض عليها إلا أن خطأ هؤلاء الذين يرون هذا الرأى واضح، لأن عمر بن عبد العزيز أحاط مدفن السعادة بجدار حتى لا يشبه البيت الحرام وترك أبواب هذا الجدار مفتوحة ليكون لأداء الناس الصلاة فى داخله فى غير مواسم الحج وهذا لا ينكره أحد. وكانت أبواب الشبكة التى أرسلت من قبل الظاهر ركن الدين مغلقة فى عهد برسباى لغير أرباب اليسار والثروة. وبناء على ذلك فالذين يدخلون فى الحجرة المعطرة معدودون ويزورونها خفية ليلا، وإن أرسل كثير من الطلبات لرفع مثل هذه البدعة إلا أن جميع هذه الطلبات قوبلت بالصمت والسكوت ولم يستجب إلى ما طلبه الراجون وكان الفساد هو السبب فى ظهور هذه البدعة السيئة فى ذلك العصر لأن كل امرأة كانت يرخص لها فى جميع الأوقات بالدخول فى داخل المقصورة وكان ذلك قاعدة ذلك العصر كنّ يصحبن معهن أولادهن وكان الأولاد بحكم طفولتهم يلعبون فى داخل المقصورة ويحطمون ما بأيديهم فيملئون الحجرة المعطرة بالكناسة، وبناء على ذلك اتخذت بدعة عدم إدخال الزوار فى داخل الحجرة المعطرة حتى تحفظ داخل المقصورة الشريفة نظيفة وكم كتبوا من طلبات راجين

стр. 1264

رفع السور إلا أنهم فهموا استحالة ذلك وتمنوا على الأقل أن تظل أبواب السور مفتوحة، وفى الواقع أن إنشاء هذه المقصورة منع كثيرا من الشرور. وقال المؤرخ ابن فرحون وهو يعرف الشرور التى حدثت بعد صنع شبكة المقصورة «ووقت فتح الأبواب كان شر المقصورة التى أحدثت فى الطرف الغربى من حجرة السعادة شرا عامّا، ولما كانت طائفة الإمامية قد اعتادت أن تجتمع داخل هذه المقصورة لأداء الصلاة وكانوا يظنون أن المقصورة مكان صنع من أجلهم وخاص بهم، من هنا كانوا يشقون صفوف المصلين ويمرون من أمامهم ولا يراعون الأصول. وفى الواقع قد ندم صانع المقصورة وقد رأى هذه الحالات إلا أن الأمر كان قد حدث ومن هنا لم يملك غير السكوت». والطائفة الرذيلة التى حصرت داخل المقصورة لجماعتها كان أفرادها يؤذنون بصوت عال ويقولون بدلا من «حى على الصلاة»، «حى على خير العمل» وكان مدرسوهم يعقدون الحلقات ويعظون ويبذلون جهدهم لنشر مذهب الرفض والإباحة وتعميمه، وفى الحقيقة قد انكسر نفوذ الطائفة المذكورة ولم تبق لهم أى قيمة، إذ فتحت أبواب المقصورة وضم بعض أماكنها إلى حجرة السعادة. وكان ركن الدين بيبرس قد بنى هذه المقصورة بنية عرض تعظيمه وتوقيره لحجرة السعادة، ولكن القضية قد انعكست لأن طائفة الإمامية اتخذت شبكة المقصورة نقطة اجتماع لها. وبعد أحداث شبكة المقصورة بأربعة وستين سنة يعنى فى سنة ٧٣٢ هـ الهجرية ذهب الملك الناصر إلى الحج أيضا ومر بالمدينة المنورة حين العودة وأمر بغلق أبواب الحجرة المعطرة متبعا آثار أسلافه فظهرت فى عهده بدعة منع الدخول فى حجرة السعادة فى غير أوقات تعمير القناديل. ولما ظلت دار فاطمة-رضى الله عنها-ومقام جبريل داخل شبكة حجرة السعادة حرم الناس من زيارتها، وكان سبب حرمان الناس من زيارة دار فاطمة

стр. 1265

-رضى الله عنها-ومقام جبريل قاضى الشام نجم الدين أفندى، إذ جاء نجم الدين أفندى لأداء الحج مع قافلة الشام ورأى اقتحام الناس حجرة السعادة مزدحمين فأفتى بغلق الأبواب، وإن كان ولى الدين العراقى أفتى بعد فترة بفتح الأبواب ففتحت أبواب الحجرة الشريفة إلا أن نجم الدين أفندى أفتى فتوى جديدة فى سنة ٨٢٨ هـ وأغلق أبواب حجرة السعادة. واستصوب فى تلك الفترة الإمام السمهودى أن تظل أبواب الحجرة الشريفة مفتوحة لزيارة الناس، ووقف كثير من علماء المدينة الميمونة ضد الفتوى الصادرة من قاضى الشام نجم الدين أفندى وأيدوا الفتوى التى أصدرها ولى الدين أفندى العراقى وصدقوا الإمام السمهودى إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا موظفى الحكومة فظلت أبواب الحجرة المعطرة مغلقة. قال الإمام السمهودى لأحد أحبابه وهو يبين وجهة نظره فى فتح أبواب الحجرة المعطرة «يا أخى، إن إغلاق أبواب حجرة السعادة يؤدى إلى تعطيل ذلك المكان والناس يمسون هذا المكان أو ذاك بنية الاستعارة ويعطون ظهورهم لشبكة السعادة وهذا غير لائق، ورأيى أن تفتح أبواب حجرة السعادة حتى يحال بين الناس وبين ارتكاب الحرام، وهذا موافق لحكم الشرع وبهذا ندفع المكروه، وكنت أبحث عن طريقة للحصول على إرادة سنية من الملك الأشرف قايتباى الذى أتى إلى المدينة سنة ٨٨٠ هـ للزيارة لفتح أبواب حجرة السعادة وقد قام بأداء مراسم الزيارة من مكان قريب من باب السلام ناهيك عن دخول الحجرة المعطرة، وفى النهاية تقربت منه وقلت له بعد أن مهدت بمقدمة مناسبة لو كنت دخلت فى الحجرة المعطرة لنلت من الفوائد الدينية والدنيوية وأردت بهذا النهج الإشارة إلى لزوم دخوله إلى الحجرة المعطرة. فقال لى «إذا أمكن زيارة صاحب الرسالة-﵇-من مكان أبعد لما تجرأت أن أقترب منه بهذا القرار» ولما سمعت رد قايتباى المصرى هذا اضطررت للسكوت وإذا كنت قلت له لو أمرت برفع بدعة إغلاق الأبواب كان من البديهى أن إجابته بجواب الرفض وهذا لا يحتاج إلى تفكير عميق. انتهى.
следующие страницы →