بينما تصدر الأمور الخارقة للعادة من الإمام النووى والآخرين ممّن يتباهون بانتسابهم إلى الرسول ﷺ فكيف يجوز التردد فى تصديق ما ينسب إلى الرسول ﷺ ، ملك جنود الملائكة من الخوارق هذا النبى الذى اتخذه خالق العالم-جل شأنه-حبيبا له.
كن مجذوبا بحب الله ... وكن فى كمال الأدب أمام النبى.
стр. 1367
الوجهة الثانية عشرة
تشتمل على ثلاث صور
فى ذكر الوقت الذى احترق فيه مسجد السعادة
وكيف احترق ومن الذى جدده
стр. 1368
تعرف كيفية احتراق مسجد السعادة للمرة الأولى وكيف جدد
دخل أبو بكر بن أوحد (١) من فراشى المسجد النبوى فى ليلة يوم الجمعة الأولى سنة ٦٥٤ الهجرية (٢) إلى مخزن القناديل الكائن بالزاوية الشمالية لجدار المسجد الغربى ليخرج قناديل المآذن ووضع الشمعة التى فى يده فوق قفص أحد القناديل ونسى أنه ترك الشمعة فوق قفص القناديل ولما كان ذلك القفص قابلا للاحتراق فاحترق فجأة وانتقل الحريق إلى الأقفاص الأخرى للقناديل ومن هناك سرت النار إلى حصير المخزن ثم إلى سقف المسجد الشريف وتركت المسجد فى ظرف ساعة فى حالة أليمة من شدة الحريق واللهيب، وأخبرت الإدارة الحكومية قبل أن تسرى النار إلى الأطراف فجاء أهل المدينة مع السادات والموظفين وبذلوا الجهود لإطفاء الحريق ولكن محاولاتهم ذهبت سدى فاحترق الحرم الشريف تماما ولم يمكن إخراج شئ من داخله.
ولم يصب الحريق المسجد النبوى وحده، إذ كان فى ذلك التاريخ فوق صندوق قبر النبى ﷺ إحدى عشرة قطعة غطاء بعضها فوق بعض ومصاحف شريفة وكتب نفيسة وأشياء ذهبية ثمينة فاحترقت كلها فظهرت عظمة الأنوار الإلهية كالشعلة الملتهبة.
وقد وقع هذا الحريق بعد نار الحجاز المنذرة وكان هذا الحريق إشارة إلى ما ارتكبه الخوارج فى داخل مدينة الرسول وسوء عاقبة الذين يتصرفون خارج الآداب الشرعية هؤلاء الخوارج الذين فصلت أحوالهم وجرمهم وعرفت فى الصورة العاشرة من الوجهة الثالثة وفى الصورة العاشرة من الوجهة الأولى، إذ
стр. 1369
ظهر بعض الزنادقة عقب نار الحجاز المنذرة، كما فصل فى الصور المذكورة، وأحدثوا بدعا كثيرة خارج الأدب المشروع للشريعة الإسلامية.
وقد رأى أهل المدينة هذين البيتين قد كتبا عل جدران مسجد السعادة فملأهم خوفا ورهبة وخشية.
لم يحترق حرم النبى لحادث ... يخشى عليه وما به من عار
لكنما أيدى الروافض لا مست ... تلك الرسوم فطهّرت بالنار
إن البيتين اللذين رؤيا بعد الحريق على جدران مسجد السعادة يدلان على أن الروافض كانوا سببا فى الحريق بسلوكهم المشين إلا أن الأبيات الآتية التى ذكرت بعد الحريق ب ٦٥٠ سنة توضح أسباب الحريق فى صورة أكثر وضوحا.
وكان يقضى أن الروافض هم الذين يتحملون عذاب تلك النار، فأفهمهم بطريقة ظريفة حكمة احتراق مسجد السعادة وقائل الأبيات محمد أبو الهدى الجالس على صدر ديوان الأدب وزينة مجمع البلغاء.
تجاوز فى المقام حدود شرع ... أناس غافلون عن الإشاره
أراد الحق إعظاما لحقه ... عقابهم فأرسل عز ناره
فقال بغيرة رب اهد قومى ... فرد النار عنهم للحجاره
стр. 1370
ولم يبق فى الحريق المذكور غير القبة (١) التى أمر بصنعها الناصر لدين الله لحفظ لوازم مسجد السعادة، فالصناديق التى كانت موجودة فى المخازن الموجودة فى خارج مسجد السعادة، وفى الجهات الأخرى من مسجد السعادة احترقت كلها.
وكانت القبة التى بناها الناصر لدين الله فى وسط المسجد وكان فى داخل القبة المصحف الشريف العثمانى، وبعض الصناديق الكبيرة التى صنعت فى السنة الثلاثمائة من الهجرة فنجت النصاديق المذكورة من النار بحرمة المصحف الشريف الذى كتبه حضرة عثمان بيده، وبعد أن انطفأت النار تماما كانت الأعمدة التى ظلت فى الساحة تهتز كأنها أشجار النخيل وتتمايل على جهتين وقد ذاب الرصاص الذى فيها وأخذت تسقط على الأرض واحدة تلو الأخرى.
وكان بين هذه الأعمدة أعمدة لم يذب رصاصها ولم تقع إلا أنها تأثرت من صدمة وقوع الأعمدة الأخرى وأخذت تسقط واحدا تلو الآخر ولم يبق عمود يمسك سقف المسجد الشريف فوقع سقف المسجد الشريف فوق الحجرة المعطرة كما أن سقف الحجرة المعطرة وقع على مرقد النبى الجليل، وفى اليوم الثانى نظف من ساحة المسجد الشريف المحترق ما يستوعب عدد مصلى صلاة الجمعة وأبلغ الأمر إلى المستعصم بالله بن المنتصر بالله البغدادى وبعثوا المحضر العمومى الذى كتبه الأهالى راجين من الخليفة سرعة تعمير المسجد.
وبعثت الأشياء اللازمة من قبل المستعصم من بغداد مع قافلة حجاج بغداد مع الأمر بسرعة الشروع فى تجديد البناء فبدئ فى إجراء عمليات البناء وفكروا فى تجديد حجرة السعادة أولا ورفع الردم الذى وقع فوق القبور الشريفة وتطهير
стр. 1371
داخل الحجرة المعطرة قدر الإمكان وفعلا فهذا ما كان يجب عمله، ولأن سقف الحجرة المعطرة كان قد احترق ووقعت الحجارة والتراب وما يشبههما فوق القبور الشريفة، ولكن مهابة القبور الشريفة والرهبة منها حالت دون ذلك، فلم يتجرءوا عل تنفيذ ذلك؛ ومن هنا اجتمع مجلس شورى برئاسة والى المدينة منيف بن شيخة بن هاشم بن قاسم بن مهنى الحسينى وقرر فى هذا المجلس بموافقة أكابر المدينة كتابة عريضة وإرسالها إلى بغداد لتبليغ الأمر إلى الخليفة ولما كان ذلك فى أثناء استيلاء التتار على بغداد لم يأخذوا أى رد فتركوا مسجد السعادة على حالته تلك.
لما كان الضمير لن يقبل ترك مسجد السعادة فى حالة خراب كما أن ورود الإذن بخصوص تعمير المسجد قد تأخر كثيرا فعمر ورمم سادات المدينة وعلماؤها وأعيانها جهات الحجرة المعطرة الثلاث تاركين الجهة الشامية، وفهموا أن الحكومة البغدادية وموظفيها لن يستطيعوا تعمير مسجد السعادة لما ابتلوا بهجوم التتار فى المحرم الحرام من سنة ٦٥٦ هـ،فراجعوا ملوك المسلمين الآخرين فى الأطراف، وكانت تعميرات الأهالى لحجرة السعادة مقتصرة على تغطيتها فقط،وقد بدئ فى هذا التعمير سنة ٦٥٥ هـ فصنعوا غطاء من قماش يسمى محايس يمنية وغطوا فوقها، وكانت بطانة هذا الغطاء من قماش أزرق وكانت الستارة أربع قطع وكانت كل قطعة على شكل باب فضموا بعضها ببعض وألصقوها بلوحة خشبية مصنوعة من خشب يسمى الساج الهندى ولم تكن فى هذه اللوحة زينات ونقوش وكان اسم عاملها محكوكا عليها.
إن أول من استجاب لطلبات الأهالى لتجديد المسجد الشريف صاحب مصر المنصور نور الدين على بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحى وأرسل الأشياء اللازمة للبناء، ثم وصلت اللوازم التى أرسلها صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور بن عمر بن رسول فقرر بناء مسجد السعادة من جديد وشرع فى العمل بناء على أمر صاحب مصر وإشعاره وبعد أن بنيت الجهة القبلية
стр. 1372
إلى باب السلام تولى ملك مصر المظفر سيف الدين محمود بن ممدود خوارزم شاه، بدلا من منصور نور الدين على مظفر بن الملك عز الدين أيبك الصالحى للتعطيل، وبذل سيف الذين المعزى أيضا لإعمار مسجد السعادة جهده، فبنى الجهة الشرقية من باب السلام إلى باب الرحمة والجهة الغربية من باب جبريل إلى باب النساء فى صورة متينة، إلا أنه مات فى نهاية السنة المذكورة مقتولا فتعرضت مبانى الحرم الشريف للتعطيل ثانية.
وتولى حكم مصر والشام بعد سيف الدين الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى البندقدارى، ولما كان يرجو أن يكمل بناء مسجد السعادة عيّن جمال الدين محسن الصالحى من رجالات مصر لأمانة البناء وأرسله إلى المدينة المنورة فى رفقة ثلاثمائة وخمسون نفر من العمال المهرة كما دبر له المال اللازم والأشياء الأخرى وأرسلها إلى جمال الدين محسن دون تأخير.
عندما وصل جمال الدين إلى دار الهجرة بنى المسجد الشريف للمرة الثانية من باب الرحمة إلى باب النساء وجعل للجهات الغربية والشرقية والقبلية سقفين لطيفين فأعاد أبنية المسجد لحالتها الأولى.
وظل مسجد السعادة تسعة وأربعين عاما إلى أوائل عصر الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحى على هيئة بناء الظاهر ركن الدين، وفى سنتى ٧٠٥، ٧٠٦ هـ هدم محمد بن قلاوون الصالحى السقوف التى على يمين جهة الساحة الرملية ويسارها وجددها بأن جعلها سقفا واحدا (١) مثل الجهة الشمالية وبعد ٢٣ سنة أضاف عقدين إلى الجهة القبلية فوسع المسجد الشريف قليلا ورمم الجهات التى فى حاجة إلى التعمير وجعلها فى غاية المتانة وذلك فى سنة ٧٢٩ هـ ولكن العقدين اللذين أقامهما محمد بن قلاوون لحق بهما البلى ولم يعودا صالحين وخيف من سقوطهما بغتة فيكون ذلك سببا فى هلاك الناس وهذا ما أزعج الناس وأقلقهم، ولما عرف الأمر الملك الأشرف برسباى بعث أمين البناء مقبل
стр. 1373
القائد وأعطى له مقدارا من النقود التى حصل عليها من حوالى جزيرة قبرص فجدد العقدين المذكورين كما جدد الأماكن التى فى حاجة إلى التجديد فى السقف الشمالى، وذلك فى سنة ٨٣٧ هـ.
ولما لزم تعمير بعض أماكن المسجد الشريف بعد ٢٢ عاما بعث الظاهر جقمق المصرى فى سنة ٨٥٣ هـ المهندس أمير برد لتجديد سقوف الروضة المطهرة وسقوف الأماكن الأخرى المباركة كما أن الأشرف قايتباى جدد فى سنة ٨٧٩ بعلم شمس بن زمن بعض أماكن السقف الشرقى بعد هدمها إلى المئذنة الشرقية.
وجدد شمس بن زمن بعد سنتين سقف الجهة القبلية وبدل قبة الحجرة المعطرة (١) بقبة حجرية وهكذا رصن حجرة السعادة.
ولكن عندما ضاقت جهة مسجد السعادة الشرقية كثيرا أضاف إليها من الخارج ذراعين وربع ذراع فوسع حرم السعادة كما أن هذا الجدار قد سحب إلى الخارج عند التعمير الأخير أى فى عصر السلطان عبد المجيد قدر خمسة أذرع ولم يكن لذلك الوقت قبة فوق الحجرة المعطرة فكان بناء عمر بن عبد العزيز متصلا بسقف مسجد السعادة على شكل سقف مستو ولكى ينفصل عن سقف المسجد الحرام أقيمت حظيرة من الآجر بارتفاع ذراعين، وحوّل الملك المظفر هذه الحظيرة إلى قبلة مثمنة فى أعلاها ومربعة فى أسفلها، وغلفها من أعلاها بألواح خشبية وغلف الألواح الخشبية بألواح رصاصية ثم غطاها بستارة من المشمع.
وفى سنة ٧٥٦ جدد تلك القبة المذكورة الملك الناصر حسن بن محمد قلاوون وجددها مرة أخرى بعد اثنتى عشرة سنة إلا أنها حولت فى سنة ٨٨٦ هـ إلى قبة حجرية فى عهد الأشرف قايتباى المصرى.
стр. 1374
فى تعريف احتراق مسجد السعادة للمرة الثانية
وكيفية وصورة تجديده
فى الليلة الثالثة، وعلى رواية فى الليلة الثالثة عشرة، من رمضان سنة ٨٨٦ هـ وفى الثلث الأخير منها بينما كان رئيس المؤذنين شمس الدين بن الخطيب يهم بالطلوع على المئذنة الرئيسية والمؤذنون الآخرون إلى المآذن الأخرى للتهليل والتذكير والترحيم.
ظهرت فجأة على وجه السماء غيوم سوداء مخيفة وظهرت أصوات مدهشة كأنها طلقات المدافع فأصبحت دار العزة ونواحيها المتجاورة داخل نار ملتهبة، وزادت أصوات الرعود والصواعق بالتدريج فأصابت صاعقة شديدة مئذنة رئيسية فهدمت أعلى شرفتها والجهة الشرقية من المسجد الشريف وخربته وقتلت شمس الدين بن الخطيب وعشرة من الخدم والجماعة وكان من ضمنهم نائب خازن الحرم.
والصاعقة التى هدمت المئذنة الرئيسية وخربتها سرت نيرانها إلى سقف مسجد السعادة ومن هناك دخلت داخل المسجد بحيث أصبح مسجد السعادة فى وسط النيران فجأة.
وإن كان أغوات حجرة السعادة فتحوا أبواب الحرم الشريف وأخبروا الأهالى بالحادث فتكاثروا وتكاتفوا لإطفاء الحريق وبذلوا كل جهودهم، ولكن النيران الملتهبة قد أحاطت بجهات مسجد السعادة الأربعة بشدة حالت بين من يحاول أن يدخل إلى داخل المسجد ومع هذا فمن دخلوا داخل المسجد مضحين بأرواحهم اندفعوا خارج المسجد بطريقة شديدة حتى ينجوا بأرواحهم وزادت النار التهابا واشتعالا فلم يبق أمام الأهالى إلا أن ينسحبوا بعيدا وأن يتفرجوا على النار.
стр. 1375
بينما كان مسجد السعادة يحترق والنار تنتقل من هناك لهنا أخذ الأهالى ينقلون أشياءهم إلى خارج المدينة وفى نفس الوقت ينظرون إلى النار المخيفة نظرة حيرة ودهشة؛ ولم يخرج من داخل المسجد إلا بعض المصاحف الشريفة فى أول الحريق، واحترقت الكتب النادرة القيمة والأشياء الثمينة وكل ما أهدى من قبل السلاطين والأسلاف من الأشياء الذهبية الثمينة ولم ينقذ إلا القبة التى كانت فى وسط الحرم الشريف واحترق عشرة أنفار من الذين دخلوا داخل المسجد بغتة لنقل بعض الأشياء وماتوا متأثرين من النار.
استطراد
اسم القبة التى ذكرت اسمها قبة الشمع وقد بنيت من قبل الناصر لدين الله لتوضع فيها لوازم حرم السعادة وهى الأشياء التى ترد منذ ثلاثمائة سنة حتى مصحف عثمان بن عفان كان محفوظا فى داخل هذه القبة، ولما ساءت حالتها مع مرور الزمان وخربت، هدمها السلطان سليمان بن السلطان سليم حتى سوّيت بالأرض وبناها من جديد فى تاريخ ٩٧٤ هـ وكتب على القطعة الرخامية التى وضعت خارج جدارها الخارجى بخط جلى مذهّب (لمولانا السلطان الملك المظفر ملك البرين والبحرين، السلطان سليمان أعز الله نصره)،ولما رأى محمد رائف باشا الذى عين لأمانة البناء من قبل السلطان عبد المجيد سنة ١٢٧٤ هـ أن إبقاء القبة داخل مبانى حرم السعادة مضرا، رفع تلك القبة من ساحة الحرم الشريف الرملية وأخرجها إلى خارج الجدار الشامى كما ذكر فى الصورة الثالثة من هذه الوجهة، وفعلا قام بعمل مناسب. انتهى.
وقد اتسعت تلك النار واشتدت واشتعلت حتى إنها جعلت المسجد الشريف يتحول إلى بحر من شعل ولهيب حتى ظن الناس أنها ستحرق جميع حوانيت المدينة المنورة ومنازلها فهربوا إلى أماكن بعيدة، إلا أنها لم تسر خارج المسجد.
стр. 1376
معجزة باهرة
رأى أحد الصالحين فى رؤياه أن بعض الجراد ينتشر إلى الأطراف وعقب ذلك شاهد ظهور شرارة النار وأن النبى ﷺ يقول: «إننى أمنع هذه النار وفعلا منع انتشار النار إلى الأطراف، هذا ما نقله هذا الرجل الصالح»،وفعلا قد رئى فى أثناء الحريق ظهور طيور بيضاء لا حصر لها وتمنع بأجنحتها انتشار النار خارج مسجد السعادة.
وقد رئيت تلك الرؤيا فى الليلة الثانية من رمضان أو الليلة الثانية عشرة ونقلت إلى أمير المدينة السيد الشريف زين الدين ابن الشريف زين بذاته أن الشخص الذى رأى الرؤيا من صلحاء العرب ونال حسن ظن جميع الناس.
حرم النبى محمد فيما مضى ... مسته من أثر الصواعق نار
ما تلك صاعقة ولكن لمعة ... نورية قدحت بها الأنوار
وسرى زفير المذنبين ملامسا ... لحبالها فبدى لها الآثار
وهذه الأبيات ارتجلها بداهة بسبب احتراق الحرم السعيد للمرة الثانية مفخرة العلماء وسند الفضلاء صاحب السماحة أبو الهدى أفندى ولا نبالغ إذا قلنا إنه لا نظير لمثل هذه الموهبة الشعرية فى شعراء الأسلاف.
بعد انطفاء الحريق بعدة أيام أطفأ أهالى دار الهجرة النار الباقية فوق القبة الخضراء، وعجبوا لما رأوا أن القبة المزينة التى بنيت قبل الحريق فوق الحجرة المعطرة لم تحترق واحترقت فقط القبة الخضراء التى فوقها وذاب الرصاص الذى فوقها وأخذ يسيل فوق قبة حجرة السعادة ولكنه لم يضر الأشياء التى كانت فى داخل الحجرة المعطرة.
стр. 1377
عبرة
والغريب فى الأمر أن القبة الكبيرة التى تحيط بالقبة الصغيرة والمخازن التى فى داخل مسجد السعادة والمصاحف الشريفة و ١٢٠ من الأساطين الحجرية ومقصورة مرقد السعادة ومنبر النبى المنير وصندوقه مصلى السعادة قد احترقت كلها وانمحت الأعمدة المتصلة بالحجرة اللطيفة المسعودة، ورفعت بعد الحريق الأشياء التى كانت فى الجهة القبلية من الحجرة المعطرة ونجت بعض أجزائها كالأشجار والبقايا الأخرى من الحريق إلى جهة الجدران الشامية وكتب الأمر إلى السلطان قايتباى المصرى وقد حزنت قوافل الزوار التى وردت من مكة وتكدرت.
ظهور السيل المروع بجوار مسجد الحرم
عند عودة الذين احترقت قلوبهم بنار احتراق مسجد السعادة كانت تنتظرهم مصيبة أخرى عند عودتهم إلى مكة المكرمة، وذلك بظهور سيل عظيم وكأنه بحار متلاطمة، ملأت الصحارى والأودية وفى النهاية ملئ حرم الكعبة المعظمة فهدم كثيرا من المنازل والدكاكين وليس فى الإمكان إحصاء من غرقوا فمن قائل أنهم كانوا ثمانين غريقا ومنهم من يقول مائة ووجدت جثثهم بعد انقطاع السيل، وروى أنه لم يقع مثل هذا السيل العظيم بعد الجاهلية.
تجديد مسجد السعادة وقصر عزة الوحدانية
لما أطلع السلطان قايتباى على تعرض الكعبة العلياء موئل الرحمة والوحدانية الحرم المحترم لهجوم السيل وخرابه حتى تحول كل ركن منه إلى عش بوم أو غراب، فعين سيفى سنقر الجمالى لأمانة بناء الكعبة المعظمة وشمس بن زمن لأمانة بناء المدينة المنورة وأخرجهما إلى الطريق وأمر بأن يبعث الأدوات اللازمة للبناء عن طريق جبل الطور وينبع البحر وهما فى مصر وأن يصاحب كلا من سنقر الجمالى وشمس بن زمن أربعمائة من مهرة العمال وكذلك الدواب اللازمة للنقل.
وتوجه سنقر الجمالى وشمس بن زمن نحو مكة المكرمة فى خلال شهر ربيع
стр. 1378
الأول سنة ٨٨٦ هـ،وحيثما نزلوا فى الطريق أو قضوا ليلهم وجدوا كثيرا من الموظفين المكلفين بحمل الأدوات اللازمة للبناء كما أرسل موظفون لإحصاء المكلفين بقطع الخشب اللازم من حوالى المدينة المنورة والأخشاب التى وردت من المدينة المنورة ونواحيها ولوازم البناء قد تحولت إلى جبال راسيات وامتلأ الطريق البحرى والبرى بالأشياء اللازمة لتعمير الأماكن المقدسة، ورأوا أن أهالى كل بلدة وضيعهم أو شريفهم مشغولين بنقل مهمات البناء.
وبمجرد أن وصل شمس بن زمن إلى دار العز المدينة المنورة شرع فى هدم الجهة القبلية للمسجد ابتداء من المئذنة الرئيسية إلى باب السلام وهدم الجهة الشرقية إلى باب جبريل وأخرج الجهة الشرقية إلى خارج ما يقرب من ذراع ونصف ذراع ووسع محراب عثمان الشريف وجعله فى صورة جميلة وطبيعية وجدده، ورفع عليه قبة جميلة وقصر من طول الأعمدة ووضع عليها عقودا من اللبن ورفع هذه العقود بالأخشاب وصنع عليها سقوفا كاملة منتظمة، وصنعوا قبابا عالية متينة على الأساطين التى بجانب محراب عثمان والأساطين التى تحيط بحجرة السعادة وغيروا الأعمدة التى فى مقصورة الحجرة المعطرة فى شكل جميل.
ولما كانت القبة التى أقيمت فوق حجرة السعادة أعلى من القباب الأخرى وضع مهندسو التعمير عقودا محكمة فوق الأساطين التى على جوانب الجدار الشرقى الأربعة والشمالى حول هذه القبة وبنوا فوق تلك العقود أربعة أعداد من القباب المتينة وفتحوا منافذ بين المئذنة الرئيسية والعقود سالفة الذكر لتيار الهواء، عند ما كانت تمد عقود القباب الجديدة أضيف للجهة الشامية لمثلث حجرة السعادة عمود وعندما كان يحفر أساس هذا العمود ظهرت علامة قبر، ولما حكم أمين البناء شمس بن زمن أن هذا القبر قبر حضرة (فاطمة) رضى الله عنها فجعل ذلك القبر داخل علامة خاصة، وبعد وضع هذه العلامة أخذ زوار الرسول ﷺ يزورون هذا المكان أيضا.
стр. 1379
كان مكان باب المئذنة الرئيسية قبل الحريق فى الطرف الغربى أى فى المكان الذى يوجد الآن فأداره شمس بن زمن إلى جهة الشام وأسس صفة أمام الأبواب الجديدة ذات الأربع درجات خصصت هذه الصّفة لاستراحة الأئمة يوم الجمعة إلا أن شاهين الجمالى عندما جدد المئذنة الرئيسية فى سنة (٧٩٨) هدم تلك الصفة وأعاد باب المئذنة إلى مكانه القديم أى الجهة الغربية.
والآن يجلس خطباء مسجد السعادة قبل الخطبة أمام هذا الباب، وبعد أن أتم شمس بن زمن عمليات المواقع المذكورة زين باب السلام بقطع رخام ملونة، وبنى قبتين رصينتين فى جهة الباب الداخلية فقوى ورصن ذلك الباب، ثم أمر بحفر أطراف الروضة المطهرة الأربعة وسوى أرضية المسجد وسطحها، وركز محل الصندوق الذى كان علامة مصلى النبى عمودا وزين أعلاه بالحجارة الملونة الخاصة بالمحراب النبوى، وفرش أطراف الحجرة المعطرة بالرخام كشكلها القديم، ثم أتم عمليات المقصورة ومنبر السعادة والمحفل، وعقب ذلك أمر بصنع صفة صغيرة فى المحل الذى بين باب السلام ونهاية المسجد، ولكن الصفة التى فى الجهة الشمالية أعلى قليلا من الصفة التى صنعها شمس بن زمن.
بعد ما تمت عمليات المحلات المشروحة هدم رباط الحصن العتيق الذى فى جهة باب السلام ثم هدم مدرستى دار شباك وجوبانية وبنى على ساحتيهما مدرسة جميلة باسم السلطان قايتباى، وبنى كذلك رباطا، وقد أقيمت مبانى هذه المدرسة والرباط المذكور فوق ثلاثين عقدا وكانت ذات ثلاثة طوابق وكان بناء ضخما له ثلاثة أبواب، والنافذة التى تنسب إلى أسبق المهاجرين وأفضل أصحاب الدين حضرة أبو بكر الصديق أحد أبواب ذلك المبنى الضخم وهو الباب الذى استثنى عندما أمر النبى ﷺ بسد الأبواب الأخرى.
كان شمس بن زمن أمر ببناء عقود كثيرة على جدار مسجد النبى القبلى وهو يتصور أنه سيبنى الرباط والمدرسة المنسوبين إلى السلطان قايتباى فى الجهة القبلية لحرم السعادة، ولكنه غير فكره مؤخرا وسد جميع العقود التى صنعت فى الجهة
стр. 1380
القبلية ما عدا العقود التى تحاذى المحراب العثمانى، ولذلك زينها كلها بقطع زجاج ملونة بمختلف الألوان وشبك طرفها الخارجى بأسلاك نحاسية، ثم شرع فى تأسيس الرباط والمدرسة (١) سالفى الذكر وبنى مئذنة فى جهة باب الرحمة للمدرسة كما بنى حماما وعمارة وسبيلا وطاحونة (٢) ومخبزا ومطبخا للدشيشة (٣) ووكالة، وأتم كل هذه الإنشاءات فى سنة ٨٨٨ هـ وأبلغ الأمر إلى مصر وعرضه، وعاد ولكن السلطان قايتباى قد أبلغ أن تزيينات مسجد السعادة الداخلية وتذهيباته ليست منسقة وجميلة فأرسل فى سنة ٨٨٩ هـ بعض النقاشين والرسامين من مهرة العمال والأشياء اللازمة لذلك فزينوا داخل الحرم الشريف فى صورة غاية فى جمال الصنعة، وأرسل من مصر مصاحف شريفة وكتبا نادرة لتقوم مقام المصاحف المحترقة والرسائل النفيسة، وهكذا أكمل وظائف عبوديته، وأرسل بعد مدة لأجل الرباط سالف الذكر عشرة أعداد من القدور الكبيرة وجميع أنواع لوازم الطبخ، وأصدر أوامر مشددة بخصوص إبطال ال مكوس وأنه سيبعث بدل المكوس ألف إردب من قمح لولاة المدينة سنويا كما كتب أن القمح سيرسل سنة عن طريق ينبع.
مكوس
جمع مكس وهو أخذ الخراج من الأشياء التى تباع فى الأسواق والطرق ومن الأشياء التى تخرج من المعايير وشراء شئ أقل ثمنا من الآخر ويروى أنه من مخترعات النمرود وقبله لم يكن هذه الأشياء موجودة.
وبعد ما أتم السلطان قايتباى آيات بره المشروحة، أو لم وليمة لأهالى دار العز لم يروا مثلها من قبل، ثم اشترى من يد السادات المنازل التى تسمى عباسا وما حولها من المساكن والبيوت وبنى مكانها الرباط والوكالة سابقتى الذكر وأوقف لأهالى المدينة ألف وخمسمائة إردب قمح سنويا واللوازم الأخرى وعين لكل
стр. 1381
واحد من أهالى المدينة شهريا سبع أرادب مصرية قمح وهى تساوى خمسة أمداد مدنية، كما عين؟ للمجاورين كل يوم قطعتين من خبز ومقدارا كافيا من طعام الدشيشة وجعل للأغنياء والفقراء معينات وافية لكل واحد حسب حاله، وصار عطاءه هذه الأشياء كل سنة عادة.
يقول الإمام السمهودى: إن السلطان قايتباى المصرى أنفق لأجل اللوازم والأدوات وأجور الدواب فى سبيل تجديد المبانى المقدسة مائة وعشرين ألف دينار.
وأخبر مؤلف روضة الأبرار: أنه أنفق مائتى ألف قطعة ذهبية خالصة العيار تقربا للرسول الله ﷺ وأتم عمليات تجديد وتعمير الأبنية المقدسة فى حوالى سنتين. وهذه الأخبار أخبار دقيقة.
ذيل
ولا ينكر أن ما قام به قايتباى المصرى فى إيجاد العمارات والوقف شئ لم يسبق إليه من قبل وأن هذا العمل تضحية عظيمة، إلا أنه فى عهد السلطنة العثمانية والخلافة الكبرى قد زادت المرتبات الحجازية وترقت وقد روعى جانب سكان المدينة بدرجة لو كان السلطان قايتباى حيّا وعرف ذلك لشعر بالخجل، وكل ما يقال عن خدمة الخلفاء العثمانيين للأماكن المقدسة بشهادة صفحات التاريخ وباعتراف أولى الأبصار.
وبناء على ما فصل فى الصورة الثامنة من الوجهة الأولى فإنه قد طرأ فى فترة ما تقصير وإهمال فى توزيع الصدقات فأعطيت مخصصات الأهالى أربعة أشهر وتركوا ثمانية أشهر مكشوفين؛ ولما سمع ذلك بعث بالموظفين المخصوصين لتحرى الأسباب المؤدية لذلك، ثم عين شيخ الحرم المتصف بالعدل والتزام الحق، فأعطيت مخصصات الأهالى شهرا بشهر فدعوا للسلطان بالخير.
كان السلطان قايتباى المصرى أرسل سنة ٨٩١ هـ شاهين الجمالى إلى المدينة المنورة ونصبه شيخ الخدم وتولى سماطا وطعاما وأودعه الأدوات والأشياء اللازمة لتعمير وتشييد مئذنة السعادة، وجددها فى صورة متينة رصينة جميلة بأحجار
стр. 1382
منحوتة وبعد ست سنوات أصابت الصاعقة تلك المئذنة وخربت وأصبحت مأوى للبوم والغربان فهدمها حتى الأرض وجددها فى شكل منسق جميل بعد الاستئذان.
فى بيان عرض الخدمات والعبودية
من قبل السلاطين المشار إليهم إلى المسجد النبوى
أو شكت بعض جدران مسجد السعادة وقبة حجرة السعادة ومبانى مسجد قباء على الانهيار ومالت إلى الانهدام والسقوط حتى أصبحت الصلاة فى داخل الحرم النبوى الشريف خطرا، وبلغ الأمر إلى باب أصحاب القرار، ولما كان هدم حرم السعادة هدما كاملا غير مستساغ شرعيا طلب أن يسمح بهدم بعض الأماكن الآيلة إلى السقوط من المواقع الشريفة.
وقد وصل الطلب الذى أرسل من قبل سادات وأعيان المدينة باهرة السكينة فى خصوص الأمر المعروض فى الوقت الذى يعمر فيه سور المدينة المنورة فصدر الفرمان السلطانى إلى والى مصر أن يبلغ المكلفين بتعمير السور بهذا الأمر، وأن يعد الأدوات اللازمة والمبالغ الكافية والعمال ورؤساء العمال وأن يرسل سريعا إلى المدينة المنورة، وأرسل الأمر السلطانى بعد أن كتب فى قلم الديوان السلطانى إلى والى مصر، ولما كانت الإدارة السلطانية الهامة ومطالبها قد فصلت فى كشف خاص وعرف بها الوالى المذكور فهيأ والى مصر المهندسين والمعماريين ورؤساء العمال والبناءين والمبالغ الكافية وأرسل جميع المطالب برا وبحرا بكل احترام وتعظيم كما بعث رسالة إلى أمناء البناء بها تعليمات خاصة. وتفقد أمين البناء كافة المواقع مع السادات والأعيان بناء على ورود الأشياء اللازمة والتنبيهات التى وردت من والى مصر.
وشيد وأصلح داخل الحجرة المعطرة وخارجها كما سبق أن عرف فى بحث حجرة السعادة ثم هدم باب مسجد السعادة المشهور ب (باب السلام) وبنى مكانه بابا عظيما من الرخام المجلى يجذب الأنظار وذلك فى سنة ٩٤١ هـ.
стр. 1383
وبعد هذا التعمير بست سنوات هدم ابتداء من الباب الذى يطلق عليه باب الرحمة إلى المئذنة الشكلية مع المئذنة والجدار الواقع فى الجهة الغربية وجدد كل هذه الأماكن فى صورة رصينة محكمة وذلك فى سنة ٩٤٧ هـ،وبعد أن جدد هذا الجدار الشريف على الوجه المطلوب فهدم الجدار الشرقى الذى يمتد من باب النساء إلى آخر الحرم مع مئذنته وجدده.
وبنى قبة الشمع وبنى فوقها مكان خلوة عاليا كما أسس بجانب مئذنة الشكلية واتصالها دار خلوة أخرى فشيد تلك المئذنة من جديد على شكل مآذن بلاد الروم؛ وذلك فى سنة ٩٤٨ هـ.
وبعد أن تغير شكل هذه المئذنة أصبح الأهالى يذكرون مئذنة الشكلية باسم المئذنة السليمانية (١).
وبعد التعمير المذكور بست وعشرين سنة أخذت بعض أماكن الجدار الغربى لامعة الأنوار تخرب، فأمر السلطان سليمان-عليه رحمة الله المنان-بهدم الجدار الذى يمتد من باب الرحمة إلى آخر حرم السعادة وجدده كما جدد تلك الأماكن التى مالت للخراب وغير أعلام محراب النبى ﷺ والمنبر النبوى والمآذن التى هى من شعائر الدين المصطفوى، وأضاف إلى قناديل وشمعدانات الروضة المطهرة والحجرة المطهرة كثيرا من القناديل والشمعدانات الأخرى، فأضاء مسجد السعادة كقلوب الموحدين، ثم اشترى بيوت الديار العشرة المشهورة وأسس رباطا خاصا بالفقراء والغرباء.
كما بنى عشرين رباطا أخرى غير هذا الرباط إلا أن كلها قد اندرس وزال؛ وخرج رباط الديار العشرة من شكل العمارة وجعل مكانه مخازن لوضع لوازم مسجد السعادة ودائرة خاصة لإدارة شيخ الحرم وسبيلا وحديقة جملية.
وليس إشراف رباط الديار العشر على الخراب حالة يؤسف عليها حالته هذه
стр. 1384
أنفع لمسجد السعادة؛ من حالته الأولى؛ لأنه قد فتحت فى الجدار القبلى للمسجد الشريف نافذة كبيرة تحاذى نافذة المواجهة الشريفة وهذا ما زاد حرم السعادة جمالا على جمال؛ ولو كانت أطراف المسجد كلها حديقة لما بقى أثر للعفونة ولما وجد فى مسيرة الكائنات مكان أكثر بهجة وانشراحا من هذا المكان.
عندما جدد باب الرحمة كتبت على يمينه ويساره التواريخ بعد البسملة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أمر بتجديد هذا الباب الشريف سيدنا ومولانا السلطان الملك المظفر؛ السلطان سليمان بن السلطان سليم ابن السلطان بايزيد خان، ابن السلطان أورخان خان ابن السلطان عثمان خان، خلد الله ملكه وأعز نصره، بمحمد وآله وذلك فى شهر رمضان المعظم سنة سبع وأربعين وتسعمائة، كما كتب على يمين ويسار باب السلام الذى صنع مجدّدا أيضا بعد البسملة.
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب:٤٠)
اللهم أدم له العزة والتمكين والنصر والفتح المبين بقاء عبدك ومولانا السلطان سليمان شاه ابن السلطان سليم خان بن بايزيد خان بن السلطان محمد ابن السلطان مراد ابن السلطان محمد بن السلطان بايزيد ابن السلطان مراد بن السلطان اورخان بن السلطان عثمان خان، أعز الله نصره وخلد الله ملكه وختم بالصالحات أعماله بمحمد وآله وصحبه وسلم.
وذلك مع تاريخ سنة إحدى وأربعين وتسعمائة فى شهر صفر، كما كتب على الجهة اليمنى لهذه التواريخ مولانا السلطان الملك المظفر سليمان شاه بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد خان ملك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين، خلد الله ملكه.
شعر
رسول الله إنى مستجير ... بجاهك والزمان له اعتداء
стр. 1385
وجاهك يا رسول الله جاه ... رفيع ما لرفعته انتهاء
كتبت هذه القطعة، كما كتب على رواقها الخارجى الآية الكريمة الجليلة.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (الرعد:٢٤).
والآية:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:٥٦).
وبعد ذلك كتب النعت الشريف
وظنى فيك يا طه جميل ... ومنك الجود يعهد والسخاء
وحاشا أن أرى خزيا وذلا ... ولى نسب بمدحك وانتماء
وكم لك يا رسول الله فضل ... كقدر الأرض لابل والسماء
وكم لك معجزات ظاهرات ... كضوء الشمس ليس له خفاء
وفوق هذا البيت كتب على طاق الرواق المذكور حديث «من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى»،صدق رسول الله ﷺ وعلى أصحابه الطاهرين.
وطهر محمد باشا، وهو من وزراء السلطان سليمان بن السلطان سليم، مجرى عين الزرقاء ووكل فى ذلك السيد أحمد بن سعد الحسينى نقيب أشراف المدينة المنورة وطلب منه راجيا أن يعمر ويحيى تلك الأماكن، وأخذ السيد أحمد أفندى بستان عيينة المشهور وعقب ذلك بئر الخاتمى وهى فى جهة قباء باسم محمد
стр. 1386
باشا وأجرى مياه هذه الأماكان إلى مجرى عين الزرقاء وحتى يزيد من مياهها قد حفر عدة آبار أخرى فوسع وطهر مجرى العين المذكورة إلى باب الرحمة، وصنع سبيلا بالقرب من باب الرحمة، ومن هنا فتح طريقا إلى حى الأغوات وجعل منهلا فى ذلك الحى ينزل إليه بسلم والماء الذى أوصله إلى هذا المنهل، أجرى مياه هذا المنهل إلى حوش المغاربة بحفر مجرى خاص، وصنع فى داخل أربطة الديار العشر والمغاربة سبيلا لكل واحد منهما كما صنع حماما بجوار القلعة وطهر بئر على وعمقها فى النهاية.
بعدما انتهى سيد أحمد أفندى من هذه الأعمال، بنى سبيلا أمام مسجد قباء وميضأة ثم اشترى بستانا أوقفه للحمام، ثم بنى بيتا فى منصة بئر خاتمى ثم أمر بحفر حوض بالقرب من هذا البيت، ثم اشترى البيت المتصل بهذا البيت ووضع فى طرف من أطرافه محرابا فجعله على شكل المسجد، ووقف المنزل الذى يمتلكه لإقامة الفقراء والغرباء واشترط ذلك، وكل ذلك رعاية للصاحب القديم لذلك البيت وذلك فى سنة (٩٩٢ هـ) لأن ذلك المنزل كان المنزل السعيد الذى كان يسكن فيه الصديق الأكبر.
ولكن لشدة الأسف أن مدير الحرم الشريف جدد مسجد أحمد أفندى باسم محمد باشا والنزل الذى بنى باسم سيد أحمد أفندى ثم وقف، جددهما وجعلهما مسكنا لأهله وترك الفقراء المجاورين فى العراء وأظهر دناءته إذ بنى على الساحة التى تنسب للصديق الأكبر حماما وميضأة وذلك فى سنة (١٢٥٤ هـ).
وكان السيد أحمد أفندى قد اشترى البستان الذى أمام حمام محمد باشا وبنى أمامه حوضا يملأ بمياه عين الزرقاء وحصر المياه الزائدة لهذا الحوض لرى البستان المذكور ثم وقف سواء أكان البستان أو الحوض لحمام محمد باشا.
إن الحوض الذى حفر مقابل بستان حمام محمد باشا كان غاية فى الكبر وبما
стр. 1387
أنه فى طرف الساحة الواسعة التى ينصب عليها قوافل محامل مصر والشام خيامها كان أهالى القافلة يستخدمون هذا الماء وما زالوا يرتوون منه.
ولا يعرف الآن ما حدث لحمام محمد باشا إلا أنه يوجد فى زماننا فى المدينة المنورة حمامان يستخدم أحدهما فى دائرة الترجمة للحرم النبوى وهو حمام أحمد نظيف أفندى فى المناخة والنزل الذى اتخذ مستشفى للعساكر النظامية السلطانية مقابل هذا الحمام، وأحد الحمامين المذكورين فى حى حارة الزوران التى تلاصق السور الداخلى لمسجد السعادة من الجهة القبلية، وهو الحمام الذى ينسب إلى الشهيد نور الدين. انتهى.
لقد أقام السيد أحمد أفندى أيضا مستشفى على اسم محمد باشا خاصة لعلاج غرباء دار السكينة، ولقد كفل لها الأطباء والخدم اللازمين وأوقف لها مقدارا كافيا من العقارات والأملاك، ومع مرور الأيام انهارت أكثر أماكن هذه المستشفى وخربت؛ وإن لم ترمم أبنيتها لقد خصص فى سنة ١٢٥٥ هـ جراية خبز لمرضاها، ومن هنا كان المرضى الذين ملوا من حياتهم لشدة حاجتهم وامتداد عللهم يدخلون فى هذه المستشفى حتى يسلموا أرواحهم فيها.
وقد عمر والد السلطان كثير المحامد الأماكن الخربة من هذه المستشفى وألحق بها صيدلية ومخزن أدوية وخصص لها الأدوية الطبية واللوازم الجراحية كما هيأ لها ما يلزمها من أطباء وجراحين وصيادلة والخدم، وكانت هذه المعدات كافية لعموم أهالى المدينة والحجاج، وبهذا أحيا أهالى المدينة من هذه الجهة أيضا.
وقد أدخل السلطان مراد خان الثالث بن السلطان سليم خان الثانى شونة مخزن ينبع البحر داخل السور حفظا لها من هجمات العربان وأسس مخزنا آخر لوضع ما خرب من الجدار القبلى ومحرابه وأصلح جدرانه الأخرى وشيدها فى غاية من المتانة والإحكام وأعاده إلى حالته الأولى، كما عمر وأحكم المرفأ الذى على شاطئ البحر والذى يبلغ عرضه ٥٣ ذراعا وطوله ٢٤ ذراعا والذى كان
стр. 1388
أشرف على الانهيار، وخصص بعد ختام هذه الأعمال صرة سلطانية تحتوى على أربع وأربعين قطعة ذهبية على أن يكون أحد عشر ألف دينار منها لأهل مكة وباقيها لسكان دار السكينة المدينة المنورة، وذلك كل سنة، كما عين بعد ذلك لجيران رسول الله أربعة آلاف إردب قمحا وللحجاج الذين انقطع بهم الطريق خمسمائة إردب قمحا وذلك فى سنة (٩٨٦ هـ) وكانت هذه الذخيرة ترسل من مصر إلى ينبع ومن هناك إلى المدينة المنورة وتوزع على الأهالى المحتاجين وتقسم عليهم.
وقد جدد السلطان المشار إليه فى سنة ٩٨٨ هـ مطبخ الدشيشة «وهى عبارة عن نوع من الحساء المصنوع من القمح المدشوش» وسر خدمته بإعطائهم قطعة ذهبية يوميا كما سر طباخيه بإعطائهم إردب قمح فوق القطع الذهبية؛ وذلك فى سنة ٩٨٨ هـ.
وعانى فى هذه الفترة أهالى المدينة فى محلاتهم مضطربين من العطش، ولما أبلغ الكيفية إلى مسامع السلطان أسس فى القرب من باب المضر سبيلا وخصص لكل واحد من خدمه ونظاره مقدار ستين درهما من النقود وعين لهم سنويا خمسين اردبا قمحا لكل واحد منهم وأمر أن يملأ هذا السبيل يوميا بواسطة السقائين ليروى عطاشى المسلمين وذلك فى عام ٩٩٠ هـ.
وبعده بعام خصص لأغوات الحرم الشريف (حب الجراية) يوميا كما خصص لعبيد عين الزرقاء (حب الجراية) (١) يوميا وعين لفقراء المجاورين والعلماء الصالحين ألف إردب حنطة سنويا وكان ذلك فى سنة ٩٩١ هـ عندما كان عدد أغوات الحرم الشريف سبعة وخمسين وعبيد عين الزرقاء سبعة عشر نفرا.
وكان المسجدان الشريفان اللذان لأبى بكر الصديق وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما-أشرفا على الخراب وحرم الزوار الكرام من شرف زيارتهما،
стр. 1389
ولما وصلت الكيفية إلى أسماع السلطان أمر بترميم وتعمير هذين المسجدين كذلك ما بجوارهما من الأربطة القديمة الخربة، وجامل خدمها بأن خصص لهم عامة رواتب كافية، وذلك فى سنة ٩٩٤ هـ،وفى خلال تلك السنة كان الجدار الذى فى جهة باب النساء من حرم السعادة قد مال للسقوط وأصبح تعميره واجبا ورجى من السلطان صاحب القرار أن يأذن بإجراء ما يقتضى عمله، وبناء على الأمر السلطانى الصادر هيئ الموظفون والعمال والأدوات اللازمة للبناء وأرسلوا عن طريق مصر القاهرة، وعندما وصل أمين البناء إلى المدينة المنورة وتفقد المسجد الشريف بناءا على آراء السادات والأهالى، وقرر أن يهدم الجدار الشرقى للمسجد ابتداء من باب النساء إلى نهاية حرم السعادة، ولما استلم القرار من قبل العلماء هدم المكان المذكور من أساسه وأبلغ وجوب تجديده إلى عتبة الباب العالى السامى، ووافق هذا القرار رأى وأفكار السلطان، وبناء على ذلك أبلغ الأمر كتابيا إلى أمين البناء وطلب منه الإسراع فى تجديد المكان المذكور وفقا لإرادة الأهالى الكرام كما أرسل قطعة من التاريخ محكوكة على رخام، وبين فى الرسالة الكتابية أن وضع هذا التاريخ فى مكان مناسب وإلصاقه من بعض الأوامر السلطانية.
وشرع أمين البناء بناء على التعليمات السلطانية العالية فى أداء مهمته وفى ختام العمليات وضع حجر التاريخ فى ركن من أركان الجدار المجدد، وبين الأمر وأبلغه إلى مركز السلطنة ولأجل ذلك أرسل لأمانة البناء وسائر الموظفين وأعيان البلدة خلعا فاخرة وعطايا وفيرة وذلك فى سنة ٩٩٥ هـ.
وكان طول الجدار الذى جدد ٩٥ ذراعا وارتفاعه ١٧ ذراعا والتاريخ الذى أرسل من باب السعادة لإلصاقه على الجدار المذكور يتضمن الآتى: «اللهم خلد ملك من جدد هذا الجدار المحترم وهو مولانا السلطان الأعظم والخاقان الأكرم، سلطان القبلتين وخادم الحرمين الشريفين، السلطان مراد خان».
стр. 1390
تاريخه:
جدد جدار المسجد النبوى، السلطان مراد لوجه الله، سنة خمس وتسعين وتسعمائة فى سنة ٩٩٥.
وبعد سنة خمس وتسعين ببضع سنين تعرضت ثلاثة صفوف من سقف حرم السعادة للضرر إذ أصابها حريق ورعود فاكتست منظرا قبيحا مخيفا، واستحال أداء الصلاة فى تلك الجهات، وإن إبقاء حرم السعادة على حالته الحاضرة إلى أن تنهار تلك الأسقف كليا سيؤدى إلى هدم وخراب حجرة السعادة، ولما كان هذا غير جائز أبلغ الأمر بمحضر كتابى إلى الباب العالى، ودرس الموضوع طويلا فى الباب العالى، وبعد أن خمن الأضرار التى ستتسبب عن هذا الأمر فى المستقبل والخسائر التى سيؤدى إليها، عرض الأمر على السدة السلطانية فأمر السلطان بإرسال أحد الأمراء الصالحين، بعد تعيينه لأداء هذا العمل وتدبير الأدوات اللازمة التى تقتضيها المهمة وإرسالها سريعا إلى دار العز المدينة المنورة وأبلغ هذا الأمر إلى والى مصر وأرسل الأمر الصادر من قبل السلطان أيضا إليه، فأرسل أمين البناء المعين مع المهمات التى دبرت ومهرة العمال إلى دار السكينة.
ولما وصل الموظفون الذين أرسلوا من مصر إلى المدينة المنورة تفقدوا الأماكن التى تحتاج للتعمير والتجديد من حرم السعادة وذلك مع موظفى الحكومة فى المدينة وسادتها، وبناء على الإرادة السلطانية وآراء العلماء والأهالى قوضت ثلاثة صفوف من الأسقف التى اقتضى الأمر هدمها، وبنى مكانها ثلاثة صفوف من القباب الخشبية بمبان حجرية.
وكتب فوق الجدار الشامى الذى فى ناحية الساحة الرملية: هذا تاريخ بناء الروضة الشريفة روضة النبى خير العباد قام بتجديده السلطان مراد، فى سنة ٩٩٩ هـ.
وأبلغ الأمر بواسطة والى مصر إلى عتبة صاحب القرار، ومن هنا جزا السلطان من يستحقون المكافأة بالعطايا السلطانية وبالخلع الفاخرة التى لا مثيل لها.
стр. 1391
والثلاثة صفوف التى جددت كان كل صف منها يتكون من تسعة قباب، وفتحت فى محاذاة الصف الأول من القباب وفى التقاء سطح حجرة السعادة هوايتين لتلطيف جو حرم السعادة فى أيام الصيف وتبريده وقد اكتسب مسجد السعادة بهاتين الهوايتين زينة أخرى.
وقبل أن تختتم عمليات بناء القباب المذكورة، صدرت الإرادة السلطانية السنية لشراء ساحة كبيرة فى غاية الوسع لبناء عمارة منسوبة لاسم السلطان السامى، وبعد إتمام عمليات مسجد السعادة قد دبروا الساحة فى خارج المدينة وبنوا هناك عمارة كبيرة عظيمة جميلة كما أسس فى قرية قباء رباطا خاصا بالفقراء وعين له الموظفين اللازمين وذلك فى سنة ٩٩٨ هـ ولم يسمع أهالى الحرمين حتى ذلك اليوم عن مثل هذه العمارة ولم يروا مثلها.
وقد بنيت هذه العمارة بطلب الأهالى وإرادتهم وأنشئ لإسكان خدمها أربعة عشر بيتا مستقلا، فأطلق أهالى المدينة المنورة على تلك العمارة التكية المرادية لإظهار مدى سرورهم القلبى وابتهاجهم.
وعندما يقال لهذه العمارة تكية، فلا يفهم أنها تكية عادية للذكر والفكر، والتى يطلق عليها خانقاه، ولم تكن هذه التكية من التكايا التى نعرفها بل كانت عمارة خاصة بجميع الأهالى.
وكانت ثمانية أو أربعة عشر منزلا خاصة لسكنى المتزوجين من الخدم وستة فيها خاصة لسكنى الخدم العزاب.
وكانت تلك التكية فى ناحية باب المضر وخارج السور وكان لها مخزن كبير ومطبخ ومخازن صغيرة متعددة وفى داخلها طواحينها وعدة مخابز وحجرات لوضع اللوازم الأخرى، وكان يخبز الخبز كل يوم فيها وكانت تصنع الحلوى فى ليلتى الجمعة والاثنين أكثر مما اعتيد.
ويطبخ فيها الأرز والزردة (وهو طعام حلو يطبخ بالزعفران) ويوزع على الفقراء، وكانت هذه العمارة تعد مبرة خيرية لا مثيل لها فى البلاد العربية كما كانت تقدم ما تقوم به حياة كل الفقراء من الأهالى.
стр. 1392
وكانت الأطعمة التى تطبخ فى التكية المرادية نفيسة وكثيرة بدرجة حتى إنها كانت توزع فى ليلتى الاثنين والجمعة ما عدا الغرباء والفقراء على جميع أهالى المدينة، وبناء على الروايات الموثوقة أن فقراء أهالى المدينة كانو يصفّون ما يحصلون عليه من التكية من طعام الأرز ويئتدمون بزيته عدة أيام، وقد اشترى السلطان فى مصر عدة قرى وأوقفت محاصيلها على تلك العمارة، وكان يرسل من مصر سنويا محاصيل تساوى خمسة وعشرين ألف قطعة ذهب.
وبناء على المعلومات التى أفرها مؤلف لطائف الأخبار من مؤرخى مصر أن القرى التى شريت لأجل التكية المرادية ووقفت لها هى: لفلا، ظاهرية (١) سبك الأحد، شبرا زنجى (٢)،طنان، كفر زريق، طوخ الملقة، سد طنان، سهرا (٣)، سندوب، زريبة، بهداد، بلو صوره، سفط الخمارة، كفر حيدره، قيس، انسوح، ريده منية سمنود، أبو الحسن (٤)،كوم برا، تهيا (٥)،بلقيا، دنديل، حكامنا، دشنا، ضوابط،أهناس المدينة أهناس الخضراء، وكانت الحكومة المصرية تدرّ من محاصيل هذه القرى واحدا وعشرين ألف إردب من الحبوب وترسلها إلى بندر السويس ومن هناك إلى ينبع بواسطة نوع من المراكب تسمى سبنودا من هناك إلى المدينة المنورة محملة على الجمال وكانت هذه الحبوب وقف دشيشة التكية المرادية.
إلى هذا التاريخ لم تكن فى المدينة المنورة مؤسسة خيرية مثل هذه وكان أهل المدينة محتاجين لمثل هذه التكية حقا لأجل ذلك يهدى أهل المدينة إلى الآن لروح السلطان المغفور له المشار إليه الفاتحة بكل إخلاص.
стр. 1393
نكتة لطيفة
كان قد خصص للبغلين اللذين يستخدمان لإدارة الطاحونة التى فى داخل العمارة المرادية إردبين من الشعير يوميا لكل واحد منهما، ولما كان إردبان من الشعير اللذان خصصا بالإرادة السلطانية كثيرا جدا، سأل رجال الدولة السلطان قائلين: «ما الحكمة فى تخصيص إردبين من الشعير يوميا لكل واحد من البغلين مع أنكم تعرفون أن إردبين من الشعير يكفيان لإطعام ثمانية وأربعين بغلا فى اليوم؟ فأجابهم قائلا: «يأتى يوم لا يقدم لهذين البغلين المسكينين من هذين الإردبين حتى حفنة واحدة» وفعلا هذا ما حدث فيما بعد.
تأسف
ولم تبق من العمارة العظيمة المذكورة فى زماننا غير خرابة وليس فيها قطرة ماء فى خزانة سبيلها فضلا عن المأكولات والمشروبات، وكان قد اتخذ ركن فيها قبل يومنا هذا مدرسة يعلم فيها ثلاثة أو خمسة من الأطفال، والآن يقيم فيها العساكر السلطانية من ركاب الهجين.
وكان السلطان مراد المرحوم قد أسس بجانب التكية مدرسة مشترطا أن يدرس فيها خمسون طفلا سنويا، ويأخذ مكان الأطفال الذين يحفظون القرآن الكريم ويغادرونها أطفال آخرون وما خصص لمدرسى هذه المدرسة وطلابها من المخصصات لإعاشتهم والملابس كانت توزع عند حلول مواعيدها.
وعقب ختام بناء تلك المدرسة بنيت زاوية، وعمرت بعشرة من المتصوفة وشيخهم، وخصصت لهم الأشياء اللازمة لإعاشتهم من العمارة سالفة الذكر ثم أضيف لها عدد من الخبز لتحسين أحوالهم وذكر الله فيها صباحا ومساءا.
وفى ختام مبانى تلك الزاوية المذكورة وظف من الصلحاء أربعون نفسا نفيسا وخصص لكل واحد منهم اثنى عشر دينارا سنويا، وكان هؤلاء الصلحاء
стр. 1394
يجتمعون فى داخل الروضة المطهرة يتوغلون فى تلاوة سورة الأنعام ويهدون أجر ذلك للروح المحمدية اللطيفة وكانوا يتوسلون بالروح النبوية من أجل نصرة الجنود المسلمين، كما وظف مؤخرا ثلاثون فقيها وخصص لكل واحد منهم قطعتين من الذهب سنويا وكلفوا قراءة القرآن فى داخل الروضة المطهرة كل يوم، وهؤلاء أيضا كانوا يرفعون أياديهم بالدعاء ويهبون أجر مثوبة قراءاتهم لأرواح سلاطين المسلمين.
وقد رتب كذلك ثلاثون من قراء أجزاء القرآن بشرط أن يختم القرآن فى داخل الروضة كل يوم مرة، على أن يأخذ كل واحد منهم سنويا ثلاثة دنانير ونصف دينار كما عين مائة نفر لأداء الحج لابسين ملابس الإحرام واقفين على جبل عرفات فى مواقيت الحج على أن يأخذوا سنويا عشرة دنانير، وكان قراء أجزاء القرآن يختم كل واحد منهم القرآن على الوجه المشروع كما أن الذين وظفوا لأداء الحج كانوا يلبسون ملابس الإحرام فى مواقيت الحج ويسافرون إلى مكة وكانوا يواظبون فى أثناء وقفة عرفات على الدعاء لترقى الدولة وسعادتها ولزيادة شوكة الدولة العثمانية.
وكان السلطان مراد وظف خمسة من المدرسين من المذاهب الأربعة وخصص لهم رواتب كافية، بشرط أن يكون أحدهم من خطباء الشافعية وكان لكل واحد منهم وظيفة تدر عليه أربعين درهما سنويا.
ولا تقتصر الخدمات التى أداها مراد الرابع للبلدة النبوية المسعودة على هذا، بل رمم سطح الحرم النبوى الشريف كاملا لاقتضاء الأمر ذلك، كما جدد آجر الروضة المقدسة، وغير صبغة جدران مسجد السعادة لتوأم حرم الجنة الأربعة وأمر بطلاء عدد أسطوانات مسجد السعادة البالغة ثلاثمائة أسطوانة على لون واحد.
والفنانون الذين استخدموا فى طلاء هذه الأعمدة بشموس ونجوم كل واحدة
стр. 1395
منها تختلف عن الأخرى قد أظهروا فى عملهم هذا مهارة جعلت الذين يدخلون إلى حرم السعادة السعيدة يرتعشون من شدة التعجب ويتحولون إلى الجدران الساكنة ويبتهلون.
من مؤلف طبقات ابن سعد نقلا عن محمد بن عبد الرحمن أن محمد بن عبد الرحمن قال: «كان أبى حاضرا عندما انهار الجدار الذى فى مربع السعادة فى عهد عمر بن عبد العزيز؛ وكان يقول: عندما انهار جدار مربع قبر السعادة كنت بجانب حجرة السعادة، فنظرت من مكان السقوط داخل مربع القبر الجليل. كان من بين مرقد السعادة وحجرة عائشة-رضى الله عنها-المنيرة قدر شبر واحد، فأنا أيضا أصدق أن نعش النبى ﷺ قد وضع إلى اللحد الشريف من الناحية القبلية وأؤيد تلك الرواية، وبما أن روح النبى ﷺ قبضت فى هذا المكان فالمكان الذى توفى فيه أشرف بقاع الأرض فمن هنا يؤخذ أنه ﷺ دفن فى هذا المكان لذلك».انتهى.
بعد أن كنس سطح حجرة السعادة وأخرجت أنقاض الجدار المنهار إلى الخارج شرع شمس بن زمن فى بناء الأماكن المنهدمة ذاكرا اسم الله وجعل عرض الجدار الشرقى فى عرض أساسه الأصلى يعنى فى سمك ثلاثة أذرع كذلك ذراعين ونصف من السمك، وأدخل العمود الملاصق للجدار الشامى فى داخل الجدار المذكور، ومن هنا جاء سمك الجدار الشامى لمربع قبر السعادة أكثر سمكا من جدران الجهات الأخرى وأصبحت جدران جميع الجهات يختلف بعضها عن البعض فى السمك، وكان اليوم الذى بدأت فيه العمليات يوافق السابع عشر من شهر شعبان من السنة المرقومة.
ولما كان ما بين الجهة الغربية والشرقية على شكل طولى، وكان بناء القبة عليه يرى غير قابل للتنفيذ ولكن بما أن قرار اقتضاء إنشاء قبة فوق مربع القبر الجليل كان قطعيا والتحرك خارج هذا القرار غير ممكن فقد جعل شمس ابن زمن-بناء
стр. 1396
على تصويب المهندسين ورأيهم-حجرة السعادة مربعة وذلك بفتح باب من جهة قدمى السعادة من الحجرة المعطرة، فى ارتفاع اثنى عشر ذراعا، يعنى قد ضيق وقصر طول الجدارين والباب المفتوح وجعل داخل مربع حجرة السعادة فى شكل مربع ولما بنى الجدار الشامى بأحجار منحوتة شيد فوقه قبة فى ارتفاع ثمانية عشر ذراعا آدميا عن سطح الأرض وفتح فى وسط الجدار الشامى بابا صغيرا وأدخل الحجرة الشريفة ابن أخيه وصهره لتسوية ما فوق القبور الثلاثة، والرجلان اللذان أدخلا داخل قبر السعادة قد فرشا فوق القبور الثلاثة رملا على شكل ظهر السمك مثل قبور بلاد الروم. انتهى.
بعد أن وقف السلطان محمد خان القرى المصرية ضعف مرتبات الحرمين حسب الترتيب، ثم أرسل إلى الروضة المطهرة سجادة منسوجة من الحرير وسجادة أخرى لتفرش على محراب النبى وكسا مرقد السعادة بكسوة مزخرفة جميلة وذلك فى سنة ١٠٠٣ هـ وكانت فوق الكسوة الشريفة التى أهداها لمسجد السعادة، قد كتبت الكلمة المنجية الشهادتان والصلاة والسلام وأسماء أصحاب النبى الكرام نسجا، كما رسم فى ذيلها اسم السلطان وما اشتهر به من الألقاب.
وأراد السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان الثالث أن يلاطف ويجامل أهالى الحرمين الشريفين من جديد، فوحد إدارات دشيشة الحرمين فى سنة ١٠١٣ هـ وأعطى نظارتها لشخص اسمه داود أغا وأحال الإشراف على حسن تسوية الأمور وتمشيتها فى جميع ما يتعلق بهذه الإدارات لمحافظ مصر إبراهيم باشا، وسبب هذه التعيينات وحكمتها ما عرف من ضياع حقوق سكان مدينة الرسول بسبب عدم اهتمام محافظى مصر ووقاحة نظار الدشيشة وطمع مشايخ العربان إذ كانت الدشائش التى اعتيد إرسالها إلى أهالى الحرمين الشريفين مثل الدشيشة الكبرى، والمرادية والمحمدية والخاصكية ودشائش الأوقاف وأخرى من غلال الجراية والصدقات فضلا عن عدم إرسالها فى وقتها كانت المقرّرات ترسل ناقصة وغير منتظمة ومن هنا تعرض أهالى الحرمين لمضايقات شاقة، ولما
стр. 1397
وصلت هذه الفوضى لأسماع السلطان أدركته الغبرة وأراد أن يقف دون هذه الشرور وأن ينقذ أهالى البلدتين الطيبتين من بلاء القحط والغلاء فألغى نظارات الدشيشة كلها، ورفعها ثم أمر بأن تضم جميع النظارات تحت نظارة واحدة بعد أن خصص ألف إردب قمحا لهذه النظارة كما عرف صورته فى الأمر العالى الذى سيأتى فيما بعد، وهذا التصرف دليل واضح على ما أولاه السلاطين العثمانيون من الرعاية والحرمة نحو الحرمين الشريفين ولا شك أن رعاية هذه البقاع المقدسة وتطييب خاطر سكانها فرض عين على العامة والخاصة ولا سيما الملوك العظام.
صورة الأمر المرسل إلى المحافظ إبراهيم باشا من قبل السلطان والخاصة
بنظارة الدشيشة الكائنة فى مصر:
هذا الحكم الصادر لإبراهيم باشا وزيرى فى محافظة مصر، لما كانت مكة ووادى البطحاء غير ذى زرع ولما كان انتعاش سكان الحرمين ومعاشهم متوقفا على الجراية والحبوب التى ترسل من الديار المصرية ووصولها إليهم، وأن دشائش الأوقاف مثل الدشيشة الكبيرة والمحمدية والخاصكية وغلال الجراية والصدقات لم تكن ترسل فى وقتها منذ عهد المرحوم المغفور له والدنا العظيم، وذلك لعدم اهتمام أمير الأمراء بإرسالها وبسبب كثرة أطماع النظار ومشايخ العربان وقلة تدينهم، فضلا عن إرسالها ناقصة، فزادت حالة فقراء الحرمين الشريفين والخدم والمجاورين بؤسا بسبب القحط والغلاء وصاروا يعانون الآن جميعا من الضيق الشديد، لمّا ألقى إلى مسامعنا السلطانية بحثنا عن سبب هذا الإهمال فوجدنا أن لكل دشيشة ناظرا ومباشرا خاصّا وأن النظار وأمراء الحج لا يحرصون على إيصال العربان الدشائش وغلال الصدقات ونقلها بجمالهم فى أوقاتها، بل يحرصون على نقل غلالهم الخاصة التى سيبيعونها كما أن بعض الأشخاص من الخارج يؤجرون جمال العربان لينقلوا غلالهم الخاصة.
стр. 1398
وعدم نقل غلال الدشيشة فى وقتها وأكلها بالاتفاق بين النظار والعربان من الأمور التى اعتادوا عليها، ورأينا أن حل هذه المشكلة أن تلغى نظارات الدشيشة الكبيرة، والمرادية والمحمدية والخاصكية وغلال الصدقات والجرايات، وأن توحد نظارتها وتسند إلى إنسان موثوق فيه، يعتمد عليه، رجل متدين قانع يكتفى بما يأخذ من الرسوم العوائد العادية، فلا يطمع فى حق الفقراء ولا يتجاوز حقه، كما أن مشايخ العربان عندما يرون قناعة الناظر وعفة نفسه فإنهم لا يخونون ولا يتجاوزون الاعتدال فى تعاملهم، وبهذا يمكن أن تنقل غلال الدشيشة والجراية والصدقات إلى أماكنها فى أوقاتها تماما هذا ما نهاه إلينا بعض أهل الخير وأصحاب العارفين بحقيقة الأمر، والآن لما كان احترام أقدس بقاع الأرض الحرمين الشريفين ورعاية جانب سكانهما ومساعدتهم من واجب العامة والخاصة ولا سيما السلاطين العظام، ولما كان أجدادنا السلف الصالح قد حملوا لقب خادم الحرمين الشريفين واستحقاق هذا اللقب قائم على رعاية سكان الحرمين الشريفين واحترام وتحسين حالتهم المعيشية بتوسيع أرزاقهم ونفقاتهم وأن ثبات هذه النعمة السلطانية العظيمة ودوامها لا يتيسر إلا بإقبال هذه الطائفة من الناس الصالحين بالدعاء المجاب لها فارغى البال ومترفى الحال، وهذا ما جزم به اعتقادى السلطانى، لذا فأقصى مرادى ومبتغى فؤادى أن تصل غلال الدشائش والصدقات والجرايات إلى أصحابها فى وقتها فى عز سلطنتى الميمونة فمن هنا قررت أن تلغى جميع نظارات الدشائش المذكورة وتجمع كلها تحت نظارة واحدة، وإننى أرى أن يكون هذا الشخص داود أغا من خدم الحرم المحترمين سابقا ومعتمد المتقاعد حاليا فى المحمية المصرية قدوة الخواص، والمقربين ومعتمد الملوك والسلاطين، وبما أننى أعتمد على وفرة تدينه وأمانته وفرط استقامته رأيت أن أعينه ناظرا على جميع الدشائش، وكذلك رأيت أن توضع دشيشة الملك قايتباى تحت نظارة المشار إليه داود أغا بناء على رأيك وبناء على شرط الواقف؟ الذى جعلنى ناظرا عليه أصالة وجعلك ناظرا بالوكالة، وصدر أمرنا عليه أن توضع جميع الدشائش تحت نظارة داود أغا.
стр. 1399
ولتوزع بعد ذلك دشائش الحرمين الشريفين على جمال العربان التى ستحمل غلال الدشيشة والصدقات والجراية على قدر ما تتحمل جمالهم، ويجب ألا يتعدى أمير الحاج أو غيره على جمل واحد من جمال العربان أو يتعرض إليه قبل أن تنقل الأشياء المذكورة إلى بندر السويس، كما يدبر من مخازن مصر ألف إردب قمحا وصدقة باسم جلالتى وتنقل إلى الحرمين الشريفين قبل جميع الدشائش التى ترسل عقب إرسال صدقتى، هذا ما صدر به أمرى العالى مقرونا برسالتى.
وقد تفضلت بمجرد وصول أمرى هذا أن توضع دشائش الدشيشة الكبيرة، والأشرفية، والمرادية والمحمدية والخاصكية وكذلك نظارة الصدقات الأخرى والجرايات تحت تصرف المشار إليه، وتوزع الدشائش التى عينت إلى مشايخ العربان لتنقل بواسطتهم إلى ميناء السويس، ولتحرص على ألا يتعرض أمير الحاج أو شخص آخر إلى جمل من جمال الحمل والنقل وما عين من قبل جلالتى مجددا من ألف إردب قمحا من مخازن مصر صدقة لأهل الحرمين وأن تنقل بعدها الدشائش الأخرى وغلال الصدقات والجراية، منبها بألا ينقص قدح قمح واحد عند إرساله ونقله وإننى أعتمد فى هذا الخصوص على تدينك وأمانتك ومهارتك واستقامتك وحسن فراستك ومزيد كياستك وإن ثقتى فيك لا يعلو عليها شئ.
وزد اهتمامك بهذا الموضوع لأن الدشائش والصدقات والجرايات من حق الفقراء فإذا ما وصلت تامة كاملة وفى وقتها المحدد، أنقذ فقراء الحرمين من القحط والغلاء ويعمهم الرخص والسعة ويخلو بالهم وتتحسن حالتهم المعيشية فيقبلون على الدعاء بالغدو والآصال لدولتى وعلو شأنها.
وإذا ما أبرز أحد من أغوات الحرمين المحترمين أو واحد من أمراء مصر أو غيرهم أمرا أو إذنا من قبل ديوانى السلطانى أو إدارتى المالية، بعد فرمانى السلطانى هذا، فلا يلتفت إليه ويسحب منه رخصته ويرسل إلى عتبتى
стр. 1400
السلطانية، وابعث إلىّ بأسماء الذين يعوقون وصول الدشائش أو يؤخرون وصولها، والذين يتدخلون فى أمور جمال العربان ويتعرضون لهم، ويجب عليك أن تتخذ حكمى السلطانى هذا دستور عملك وأن تصونه من التغيير والتبديل وقف دون الذين يريدون مخالفة ما جاء فى مضمونه.
تحريرا فى سنة ثلاث عشرة وألف. انتهى.
وقد جدد السلطان أحمد خان فى يوم جلوسه الميمون أبسطة حرم السعادة وستائر الكعبة المعظمة والحجرة المعطرة المزركشة، والكسوة التى فوق قبر حضرة فاطمة-رضى الله عنها-وغطاءى (١) عمودى الحنان والمنان وأرسل خمسة آلاف دينار لتوزيعها على أهالى الحرمين الشريفين كصدقة سلطانية، وأرسل لوحة غالية الثمن تتكون من ٢٢٧ قطعة ماسية، وقد سبق تعريفها فى مقالة خاصة، على أن تعلق مكان الكوكب الدرى الذى فى ضريح السعادة وذلك فى سنة ١٠١٢ هـ.
وبعد أن علق لوحة الكوكب الدرى المزينة، دليل حبه السلطانى الذى يفوق الحد للنبى ﷺ ، فى ضريح ظاهر الأنوار كشارة لوحة النبى الكريم، فى تعليقها فوق الباب الذى يطلق عليه باب التوبة، وكانت لوحة جميلة مصنوعة من الفضة الخالصة ومزينة غاية التزيين، وذلك فى سنة ١٠٢٦ هـ،وكان طول اللوحة ذراعين وعرضها ذراع واحد كتب عليها تاريخها باللغة العربية.
لوح السلطان أحمد أهداه حبا خالصا وقطع وقفا على أعتابك يا سيدى لتقبيل تراب عتبتك وياله من تراب، وقمنا تجاه الوجه نرجو الشفاعة إلى الله فى بحر الإساءة والذنب.
وقد علقت هذه اللوحة على الكمر الخارجى لباب التوبة وكانت ترى من داخل الروضة المطهرة.
وقد ضم السلطان أحمد خان لصرة الحرمين ألف قطعة ذهبية سنويا، وأنعم بعطايا كثيرة لأيتام السادة والأشراف لا تعد ولا تحصى، وأمر رجال الدولة أن
стр. 1401
يقتدوا بآثاره السلطانية، وبناء على هذه الإرادة السلطانية وبهذه المعونات الكافية زوجت بنات السادات بأكفائهن.
كما بنى مؤخرا منسوبا للاسم السلطانى الكريم سبيل بالقرب من باب الرحمة كما بنى للطلاب الذين ينتمون للمذهب الحنبلى مدرسة خاصة لإقامتهم، كما صنع حوض وبركة فى طريق المحمل المصرى لسقيا الحجاج، وخصص لتعميرها كثير من النقود، وما زالت البركة والحوض موجودين مع السبيل الذى لا مثيل له بالقرب من باب الرحمة وأبناء السبيل ينتفعون منه إلا أن المدرسة التى أنشئت من أجل الطلبة فى المذهب الحنبلى خربت مع مرور الأيام ولم تعمر بعد ذلك.
كان السلحدار مصطفى باشا المغفور له قد أرسل بواسطة قاضى مصر شعبان أفندى لوحة فى غاية الزينة زينت أطرافها الأربعة بأحجار ملونة لوحة ماسية كبرى وذلك فى عهد السلطان مراد برجاء تعليقها فى ذيل الكوكب الدرى سالف الذكر، وعندما وصل المرحوم شعبان أفندى إلى المدينة علق اللوحة التى حملها تحت لوحة الكوكب الدرى هدية السلطان أحمد فى سنة ١٠٤٧ هـ.
وفى عهد السلطان محمد خان بن السلطان إبراهيم أشرفت مئذنة باب السلام وبعض أماكن حرم السعادة على الانهيار والسقوط،وقد أبلغ إلى السلطان صاحب القرار فى حزن وألم فما كان إلا أن أمر والى مصر أحمد باشا بأن يرسل إلى دار الهجرة من يقومون بإصلاح ما يقتضى إصلاحه مع تدبير المبالغ اللازمة والأدوات إلى المدينة فأرسل الباشا المشار إليه الأشياء اللازمة إلى دار السكينة متتالية فهدمت مئذنة باب السلام من أساسها وجددت فى صورة جميلة وطراز بديع وفرشت الساحة الرملية التى حول الروضة المطهرة بقطع رخام مجلاة وذلك فى سنة ١٠٦٠ هـ.
غريبة
كان أحمد باشا سالف الذكر الذى قد وفق فى فرش الساحة الرملية بالرخام كان قد نوى أداء الحج فى حين ولايته لديار بكر ومصر إلا إنه ذهب إلى مكة
стр. 1402
المكرمة بعد عزله، بينما كان أحمد باشا ذاهبا إلى المدينة المنورة مع قاضى مكة محمد بن إسماعيل أفندى فى يوم من الأيام قال مخاطبا محمد أفندى إننى أريد أن أعرض على أعتاب الومضات النبوية خدمة، وحصول أملى هذا يتوقف على أن أتولى ولاية مصر، فأرجو منك إذا ما قدر لنا أن نتعبد فى الحجرة المعطرة واضعين جباهنا على ساحتها ساجدين لنستدر من الله شفاعة الرسول ﷺ لهذا العبد العاصى العاجز وأن تدعوه-تعالى-أن يشفعه ﷺ فى تحقيق ما فى ضميرى بأن يسند إلى عهدة هذا العبد العاجز ولاية إيالة مصر ولما وصلا إلى المدينة المنورة وأخذا فى زيارة حجرة السعادة، تذكر محمد أفندى بن إسماعيل رجاء المرحوم أحمد باشا وشرع فى دعاء مخلص محرق قائلا: «يا رسول الله! إن عبدك الذى يقف أمامك رافعا يديه معظما من عبيدك يتمنى أن ينال شفاعتك يوم القيامة، وإنه يريد أن تطلبوا أن توجه إليه ولاية إيالة مصر حتى يقوم بخدمة لعتبة مرتبتك النبوية!!! «ولم يكن محمد أفندى قد أنهى دعاءه بعد إذ استولى على أحمد باشا حالة وجدانية خاصة وقال لمحمد أفندى: «كفى، كفى قد استجيب دعاؤك، من قبل الله» فقال له محمد أفندى متعجبا، «ماذا حدث؟» قال له: «ما أعجبك!! ألم تر الهياكل النورانية التى أمامنا؟ وقد رأيتها أنا ولله الحمد والمنة! بينما كنت تدعو كانوا يؤمنون على دعائك» وعرف ما حدث وفى ختام كلامه استولت على الزوار حالة غريبة؛ والله على كل شئ قدير. انتهى.
وصار أحمد باشا بعد هذه الغريبة بمدة حسب القدر واليا على مصر، وأمر من قبل السلطان محمد خان بتجديد مئذنة باب السلام بعد هدمها وقام بالمهمة التى أحيلت إليه خير قيام ولم يطمع فى غلال صرة الحرمين أدنى طمع وأرسلها فى وقتها وزمانها وأخيرا أصبح صدرا أعظم وارتحل عن الدنيا مقتولا شهيدا رحمة الله عليه.
وبناء على إبلاغ مقام الخلافة العليا بأن جدران سور المدينة احتاجت إلى تعمير شامل فى خلال سنة ١٠٧٧ هـ وأن الباب الذى فتح فى جهة البقيع ساء حاله وأصبح لا يفتح ولا يغلق صدر الأمر السلطانى إلى مدير حرم السعادة إبراهيم
стр. 1403
أغا بتعمير سواء أكان الباب المذكور أو جدران السور التى أشرفت على الانهيار فى صورة لائقة كما أرسل مقدارا كافيا من النقود والمهمات فعمر ورمم إبراهيم أغا أماكن السور التى تحتاج إلى التعمير تعميرا جيدا، كما قوى وشيد باب البقيع بلوحات حديدية وكتب تاريخ التجديد فوق أكماره.
جدده السلطان الغازى محمد خان ابن إبراهيم خان، سنة ثمان وسبعين وألف وأبلغ ما تم عمله مركز السلطنة السنية فى سنة (١٠٧٨).
وبعد فترة أخطر باب السعادة برسائل متعددة ومحاضر أن مؤخرة حرم السعادة وسقوف دكة الأغوات قد خربت وأشرفت على الانهيار فجأة، وفهم من المضبطة التى صدرت من المجلس الذى انعقد لدراسة هذا الموضوع أن ترك المواقع المقدسة على حالتها تلك سيؤدى إلى فتح باب نفقات كثيرة، فى المستقبل كما أن سقوطها فجأة سيؤدى إلى إتلاف نفوس كثيرة فوجه إلى مدير حرم السعادة سابق الذكر أمانة البناء بتعمير وتقوية الأماكن التى تحتاج إلى التعمير بالفرمان السلطانى الصادر إليه.
وأرسل مهندسا ماهرا والمبالغ المقتضية ولوازم الأبنية، وجدد إبراهيم أغا بقرار الأهالى ورأيهم السقوف اللازم تجديدها بعد هدمها وشيد بعضها بالترميم ثم كتب التاريخ على مؤخرة سقف الحرم السعيد:
«جدد الحرم الشريف من فضل الله تعالى وعونه وجزيل عطائه العميم السلطان محمود خان بن السلطان إبراهيم خان كان له ناظرا إبراهيم أغا وكان الفراغ فى سنة ألف وثلاث وتسعين».
كما كتب عليه قصيدة مناسبة ثم أبلغ الأمر بواسطة شيخ الحرم عثمان أغا إلى مركز السلطنة، ولما حظى هذا العمل باستحسان السلطان أكرم كثيرا من سادات البلاد والموظفين الحكوميين الكثيرين وذكر ما بذله الأغا المذكور من سعى وجهد وذلك فى كشف مخصوص وقدر عمله وذلك فى سنة (١٠٣٩ هـ).
كما أحيا إبراهيم أغا كثيرا من الآثار الجليلة باسم المرحوم السلطان محمد
стр. 1404
خان، إلا أن مرور الأيام ودوران الزمن خرب جميع هذه الآثار ولم يبق أحد يعرف حتى أماكن هذه الآثار الخربة، إلا أن إبراهيم أغا قد صنع صهريجا كبيرا وحوضا واسعا عميقا فى جهة المساجد الأربعة التى تقع فى ناحية جبل سلع وخلفه وذلك بناء على الأمر السلطانى الذى تلقاه، وأسس فوق هذا الضريح قصرا مرتفعا بهيجا، وكانت أطرافه الأربعة محاطة بحقل أخضر خال من الجبال والمنازل على مدى الرؤية، واشترى لزوار المساجد الأربعة وأبناء السبيل.
ومازال الصهريج الذى صنعه إبراهيم أغا قائما ينتفع منه المارّون إلا أنه أشرف على الخراب والانهيار.
وإذا ما ترك فترة مهملا فمن اليقين أنه سيصبح غير صالح للاستخدام.
ومن السلاطين الذين رعوا حرمة أهالى الحرمين السلطان مصطفى خان الثانى.
وقد راعى جانب أهالى الحرمين وقدم لمبانى مسجد السعادة خدمات كثيرة، فإلى عهده لم تكن الحفلات تقام بمناسبة الولادة النبوية مرة فى السنة وقد استن فى عهده انعقاد الجمعيات مرة فى السنة لقراءة منظومة المولد النبوى وأمر بتدبير ٣٣٠٠ قرش من الخزانة المصرية وإرسالها إلى المدينة وذلك فى سنة ١١١٣ هـ.
وكانت هذه المجالس تنعقد بعد إشراق شمس اليوم الثانى عشر من ربيع الأول كل سنة، وتعقد الاحتفالات بالمولد النبوى الباهر فى زماننا فى الليل.
صورة انعقاد مجالس الاحتفالات بالمولد النبوى الميمون
كان مدير حرم السعادة قبل ليلة تلاوة المولد بيوم يجهز مشروبات حلوة ويملأ بها زوارق حرم السعادة ويرسل إلى منازل أعيان البلاد وموظفى الحكومة وأصحاب الخواطر عدة زوارق من الشراب يشير بذلك إلى انعقاد جمعية الاحتفالات بالمولد النبوى فى حرم السعادة ويعلنه ويفرش على ساحة مسجد
стр. 1405
السعادة-حسب عادة البلد-الأغطية والسجاجيد والمقاعد ويأتى بالكراسى ويزين المكان، وبما أن كل من أرسل إلى بيته الشراب يعدّ مدعوا للاشتراك فى الجمعية ففى القرب من مساء اليوم الثانى، يأتى المدعوون الكرام أفواجا إلى مسجد السعادة، وأفراد الجماعات الذين يرون هؤلاء المدعوين يتركون أعمالهم ويتجهون إلى مسجد السعادة حتى يكونوا فى هذا المجلس البهيج ويجلسون فوق الأغطية والوسائد والسجاجيد التى فرشت.
وقد توضع فى ساحة مسجد السعادة كراسى ذات غطاء (١) أبيض تكون الوسائد التى بالقرب من دكة الأغوات قد غطيت بأقمشة حمراء فيجلس شيخ الحرمين ومدير الحرم ونائب الحرم والمفتون والقضاة والأغوات وأعاظم السادات، وموظفو الحكومة فوق هذه الوسائد ويوقدون أعواد العود والعنبر فى المباخر الفضية ويستغرق الجماعات عامة فى بحار السكوت والحيرة نتيجة لهذه الروحانية المدهشة التى يكتسبها المكان، وبعد ما يستمر هذا الصمت فترة يجلس أربعة من الخطباء ذوى أصوات رخيمة حزينة فوق الكرسى سالف الذكر بعد أداء مراسم الصلاة والسلام ويشرعون فى تلاوة منظومة المولد النبوى، وبعد الحمد والصلاة يدعون دعاء مؤثرا مناسبا للسلطان مؤسس هذه الجمعية وللسلطان الذى ما زال حيّا، ثم ينزلون من الكرسى.
وبعد أن ينزل هؤلاء الخطباء الأربعة من فوق الكرسى يصعد خطيب آخر ويدعو على الطريقة التى سبق ذكرها وينزل، وبعده يصعد خطيبان واحد تلو الآخر ويكملان الدعاء الخاص بمجلس الجمعية النبوية لمولد النبى وينزلان، وبعدهما يصعد خطيب آخر يتلو منقبة ولادة سيد العالمين وعقب ذلك يلقى قصيدة (٢) بليغة فيملأ قلوب الحاضرين بالبهجة والسرور.