← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

يقتدوا بآثاره السلطانية، وبناء على هذه الإرادة السلطانية وبهذه المعونات الكافية زوجت بنات السادات بأكفائهن. كما بنى مؤخرا منسوبا للاسم السلطانى الكريم سبيل بالقرب من باب الرحمة كما بنى للطلاب الذين ينتمون للمذهب الحنبلى مدرسة خاصة لإقامتهم، كما صنع حوض وبركة فى طريق المحمل المصرى لسقيا الحجاج، وخصص لتعميرها كثير من النقود، وما زالت البركة والحوض موجودين مع السبيل الذى لا مثيل له بالقرب من باب الرحمة وأبناء السبيل ينتفعون منه إلا أن المدرسة التى أنشئت من أجل الطلبة فى المذهب الحنبلى خربت مع مرور الأيام ولم تعمر بعد ذلك. كان السلحدار مصطفى باشا المغفور له قد أرسل بواسطة قاضى مصر شعبان أفندى لوحة فى غاية الزينة زينت أطرافها الأربعة بأحجار ملونة لوحة ماسية كبرى وذلك فى عهد السلطان مراد برجاء تعليقها فى ذيل الكوكب الدرى سالف الذكر، وعندما وصل المرحوم شعبان أفندى إلى المدينة علق اللوحة التى حملها تحت لوحة الكوكب الدرى هدية السلطان أحمد فى سنة ١٠٤٧ هـ. وفى عهد السلطان محمد خان بن السلطان إبراهيم أشرفت مئذنة باب السلام وبعض أماكن حرم السعادة على الانهيار والسقوط،وقد أبلغ إلى السلطان صاحب القرار فى حزن وألم فما كان إلا أن أمر والى مصر أحمد باشا بأن يرسل إلى دار الهجرة من يقومون بإصلاح ما يقتضى إصلاحه مع تدبير المبالغ اللازمة والأدوات إلى المدينة فأرسل الباشا المشار إليه الأشياء اللازمة إلى دار السكينة متتالية فهدمت مئذنة باب السلام من أساسها وجددت فى صورة جميلة وطراز بديع وفرشت الساحة الرملية التى حول الروضة المطهرة بقطع رخام مجلاة وذلك فى سنة ١٠٦٠ هـ. غريبة كان أحمد باشا سالف الذكر الذى قد وفق فى فرش الساحة الرملية بالرخام كان قد نوى أداء الحج فى حين ولايته لديار بكر ومصر إلا إنه ذهب إلى مكة

стр. 1402

المكرمة بعد عزله، بينما كان أحمد باشا ذاهبا إلى المدينة المنورة مع قاضى مكة محمد بن إسماعيل أفندى فى يوم من الأيام قال مخاطبا محمد أفندى إننى أريد أن أعرض على أعتاب الومضات النبوية خدمة، وحصول أملى هذا يتوقف على أن أتولى ولاية مصر، فأرجو منك إذا ما قدر لنا أن نتعبد فى الحجرة المعطرة واضعين جباهنا على ساحتها ساجدين لنستدر من الله شفاعة الرسول ﷺ لهذا العبد العاصى العاجز وأن تدعوه-تعالى-أن يشفعه ﷺ فى تحقيق ما فى ضميرى بأن يسند إلى عهدة هذا العبد العاجز ولاية إيالة مصر ولما وصلا إلى المدينة المنورة وأخذا فى زيارة حجرة السعادة، تذكر محمد أفندى بن إسماعيل رجاء المرحوم أحمد باشا وشرع فى دعاء مخلص محرق قائلا: «يا رسول الله! إن عبدك الذى يقف أمامك رافعا يديه معظما من عبيدك يتمنى أن ينال شفاعتك يوم القيامة، وإنه يريد أن تطلبوا أن توجه إليه ولاية إيالة مصر حتى يقوم بخدمة لعتبة مرتبتك النبوية!!! «ولم يكن محمد أفندى قد أنهى دعاءه بعد إذ استولى على أحمد باشا حالة وجدانية خاصة وقال لمحمد أفندى: «كفى، كفى قد استجيب دعاؤك، من قبل الله» فقال له محمد أفندى متعجبا، «ماذا حدث؟» قال له: «ما أعجبك!! ألم تر الهياكل النورانية التى أمامنا؟ وقد رأيتها أنا ولله الحمد والمنة! بينما كنت تدعو كانوا يؤمنون على دعائك» وعرف ما حدث وفى ختام كلامه استولت على الزوار حالة غريبة؛ والله على كل شئ قدير. انتهى. وصار أحمد باشا بعد هذه الغريبة بمدة حسب القدر واليا على مصر، وأمر من قبل السلطان محمد خان بتجديد مئذنة باب السلام بعد هدمها وقام بالمهمة التى أحيلت إليه خير قيام ولم يطمع فى غلال صرة الحرمين أدنى طمع وأرسلها فى وقتها وزمانها وأخيرا أصبح صدرا أعظم وارتحل عن الدنيا مقتولا شهيدا رحمة الله عليه. وبناء على إبلاغ مقام الخلافة العليا بأن جدران سور المدينة احتاجت إلى تعمير شامل فى خلال سنة ١٠٧٧ هـ وأن الباب الذى فتح فى جهة البقيع ساء حاله وأصبح لا يفتح ولا يغلق صدر الأمر السلطانى إلى مدير حرم السعادة إبراهيم

стр. 1403

أغا بتعمير سواء أكان الباب المذكور أو جدران السور التى أشرفت على الانهيار فى صورة لائقة كما أرسل مقدارا كافيا من النقود والمهمات فعمر ورمم إبراهيم أغا أماكن السور التى تحتاج إلى التعمير تعميرا جيدا، كما قوى وشيد باب البقيع بلوحات حديدية وكتب تاريخ التجديد فوق أكماره. جدده السلطان الغازى محمد خان ابن إبراهيم خان، سنة ثمان وسبعين وألف وأبلغ ما تم عمله مركز السلطنة السنية فى سنة (١٠٧٨). وبعد فترة أخطر باب السعادة برسائل متعددة ومحاضر أن مؤخرة حرم السعادة وسقوف دكة الأغوات قد خربت وأشرفت على الانهيار فجأة، وفهم من المضبطة التى صدرت من المجلس الذى انعقد لدراسة هذا الموضوع أن ترك المواقع المقدسة على حالتها تلك سيؤدى إلى فتح باب نفقات كثيرة، فى المستقبل كما أن سقوطها فجأة سيؤدى إلى إتلاف نفوس كثيرة فوجه إلى مدير حرم السعادة سابق الذكر أمانة البناء بتعمير وتقوية الأماكن التى تحتاج إلى التعمير بالفرمان السلطانى الصادر إليه. وأرسل مهندسا ماهرا والمبالغ المقتضية ولوازم الأبنية، وجدد إبراهيم أغا بقرار الأهالى ورأيهم السقوف اللازم تجديدها بعد هدمها وشيد بعضها بالترميم ثم كتب التاريخ على مؤخرة سقف الحرم السعيد: «جدد الحرم الشريف من فضل الله تعالى وعونه وجزيل عطائه العميم السلطان محمود خان بن السلطان إبراهيم خان كان له ناظرا إبراهيم أغا وكان الفراغ فى سنة ألف وثلاث وتسعين». كما كتب عليه قصيدة مناسبة ثم أبلغ الأمر بواسطة شيخ الحرم عثمان أغا إلى مركز السلطنة، ولما حظى هذا العمل باستحسان السلطان أكرم كثيرا من سادات البلاد والموظفين الحكوميين الكثيرين وذكر ما بذله الأغا المذكور من سعى وجهد وذلك فى كشف مخصوص وقدر عمله وذلك فى سنة (١٠٣٩ هـ). كما أحيا إبراهيم أغا كثيرا من الآثار الجليلة باسم المرحوم السلطان محمد

стр. 1404

خان، إلا أن مرور الأيام ودوران الزمن خرب جميع هذه الآثار ولم يبق أحد يعرف حتى أماكن هذه الآثار الخربة، إلا أن إبراهيم أغا قد صنع صهريجا كبيرا وحوضا واسعا عميقا فى جهة المساجد الأربعة التى تقع فى ناحية جبل سلع وخلفه وذلك بناء على الأمر السلطانى الذى تلقاه، وأسس فوق هذا الضريح قصرا مرتفعا بهيجا، وكانت أطرافه الأربعة محاطة بحقل أخضر خال من الجبال والمنازل على مدى الرؤية، واشترى لزوار المساجد الأربعة وأبناء السبيل. ومازال الصهريج الذى صنعه إبراهيم أغا قائما ينتفع منه المارّون إلا أنه أشرف على الخراب والانهيار. وإذا ما ترك فترة مهملا فمن اليقين أنه سيصبح غير صالح للاستخدام. ومن السلاطين الذين رعوا حرمة أهالى الحرمين السلطان مصطفى خان الثانى. وقد راعى جانب أهالى الحرمين وقدم لمبانى مسجد السعادة خدمات كثيرة، فإلى عهده لم تكن الحفلات تقام بمناسبة الولادة النبوية مرة فى السنة وقد استن فى عهده انعقاد الجمعيات مرة فى السنة لقراءة منظومة المولد النبوى وأمر بتدبير ٣٣٠٠ قرش من الخزانة المصرية وإرسالها إلى المدينة وذلك فى سنة ١١١٣ هـ. وكانت هذه المجالس تنعقد بعد إشراق شمس اليوم الثانى عشر من ربيع الأول كل سنة، وتعقد الاحتفالات بالمولد النبوى الباهر فى زماننا فى الليل. صورة انعقاد مجالس الاحتفالات بالمولد النبوى الميمون كان مدير حرم السعادة قبل ليلة تلاوة المولد بيوم يجهز مشروبات حلوة ويملأ بها زوارق حرم السعادة ويرسل إلى منازل أعيان البلاد وموظفى الحكومة وأصحاب الخواطر عدة زوارق من الشراب يشير بذلك إلى انعقاد جمعية الاحتفالات بالمولد النبوى فى حرم السعادة ويعلنه ويفرش على ساحة مسجد

стр. 1405

السعادة-حسب عادة البلد-الأغطية والسجاجيد والمقاعد ويأتى بالكراسى ويزين المكان، وبما أن كل من أرسل إلى بيته الشراب يعدّ مدعوا للاشتراك فى الجمعية ففى القرب من مساء اليوم الثانى، يأتى المدعوون الكرام أفواجا إلى مسجد السعادة، وأفراد الجماعات الذين يرون هؤلاء المدعوين يتركون أعمالهم ويتجهون إلى مسجد السعادة حتى يكونوا فى هذا المجلس البهيج ويجلسون فوق الأغطية والوسائد والسجاجيد التى فرشت. وقد توضع فى ساحة مسجد السعادة كراسى ذات غطاء (١) أبيض تكون الوسائد التى بالقرب من دكة الأغوات قد غطيت بأقمشة حمراء فيجلس شيخ الحرمين ومدير الحرم ونائب الحرم والمفتون والقضاة والأغوات وأعاظم السادات، وموظفو الحكومة فوق هذه الوسائد ويوقدون أعواد العود والعنبر فى المباخر الفضية ويستغرق الجماعات عامة فى بحار السكوت والحيرة نتيجة لهذه الروحانية المدهشة التى يكتسبها المكان، وبعد ما يستمر هذا الصمت فترة يجلس أربعة من الخطباء ذوى أصوات رخيمة حزينة فوق الكرسى سالف الذكر بعد أداء مراسم الصلاة والسلام ويشرعون فى تلاوة منظومة المولد النبوى، وبعد الحمد والصلاة يدعون دعاء مؤثرا مناسبا للسلطان مؤسس هذه الجمعية وللسلطان الذى ما زال حيّا، ثم ينزلون من الكرسى. وبعد أن ينزل هؤلاء الخطباء الأربعة من فوق الكرسى يصعد خطيب آخر ويدعو على الطريقة التى سبق ذكرها وينزل، وبعده يصعد خطيبان واحد تلو الآخر ويكملان الدعاء الخاص بمجلس الجمعية النبوية لمولد النبى وينزلان، وبعدهما يصعد خطيب آخر يتلو منقبة ولادة سيد العالمين وعقب ذلك يلقى قصيدة (٢) بليغة فيملأ قلوب الحاضرين بالبهجة والسرور.

стр. 1406

وبينما تتلى منظومة المولد الشريف يسقى السقاة (١) بشراب حلو يروى الجماعة العطشى، ويكسى من اشترط الواقف إتحافهم بالخلع خلعا فاخرة. تكون فى هذه الجمعية أشواق وشفافية وروحانية بما لا يمكن وصفه، وتتولد دهشة فوق العادة من الأعمدة ذات القباب والخيم والهيئات المرئية للسادة الخطباء فوق الكرسى، دهشة وجدانية فتترك الجماعة غائبين عن وعيهم وعقلهم. وتعقد عين هذه الجمعية كل سنة فى ليلة السابع والعشرين من رمضان فى مكة المكرمة على أن تعطى نفقاتها من وقف السلطان مصطفى خان المشار إليه. والجمعية التى تعقد فى مكة المعظمة تعقد فى جهة المحكمة من ساحة المسجد الحرام ذات الفيوضات، ويجتمع فى هذه الجمعية أمير مكة المعظمة ووالى الحجاز والعلماء وجميع الصالحين وإن لم يكن توزيع الشراب فى الزوارق من النظام المتبع فى تلك الجمعية إلا أن من العادة فرش الحرم الشريف وتهيئته، فنائب الحرم يفرش الجهة التى تقع فى ناحية المحكمة بمقدار كاف من السجاجيد والوسائد فى يوم انعقاد الجمعية ويدير مقدارا كافيا من الشراب واللوازم الأخرى ويفيد الحضور الذين اعتادوا المجئ بنفس الكيفية، ويأتى سواء أكان الأشخاص اللذين أخبروا بالأمر أو موظفو الدوائر الحكومية لابسين ملابسهم الرسمية إلى الحرم الشريف ويجلسون فوق السجاجيد التى هيئت كل واحد منهم حسب مراتبهم، وبعد مدة وجيزة توقد المجامر بالعود والعنبر فيمسكونها بأيديهم ويتوجهون إلى مسقط الرأس الشريف للنبى محمد ﷺ ، إلى الدار التى شهدت ولادة النبى ﷺ وكل ذلك فى موكب فخم عظيم، إن هذه الدار قد اشتهرت باسم مولد النبى وفى هذا المكان الذى يشبه الجنة تتلى منظومة المولد الشريف وتلبس الخلع بجانبه حسب النظام المتبع.

стр. 1407

وبعد ذلك تعود هيئة الجمعية إلى المسجد الحرام ويشرعون فى تلاوة الأدعية المأثورة وينهون الاجتماع بشرب الشراب الذى أعده نائب الحرم. وقد أضاف لهذه الجمعية فى أواسط سلطنته السلطان عبد العزيز المأكل الحلو والملبس واتخذ إرسال هذه الملابس من باب السعادة نظاما خاصا ومن هنا يرسل كل سنة مع محمل الشام هذه الملابس، وعند عقد جمعية المولد يوزع أطباق منه إلى الحاضرين. أشرفت فى سنة ١١٠٧ هـ بعض أماكن من سقوف مسجد السعادة على الخراب كما أوشكت بعض أعمدته على الانهيار والخراب، فأبلغ ذلك من قبل بكر أغا شيخ الحرم إلى باب صاحب القرار وبناء على هذا الأمر السلطانى أرسل المهندس سليمان بك إلى المدينة المنورة بمهمة تعمير الأماكن المقدسة التى تحتاج إلى ذلك وأمر والى مصر بتدبير المبالغ اللازمة ولوازم المبانى وإرسالها إلى المدينة المنورة، وتحرك سليمان بك من مصر القاهرة وقد أخذ معه ما جهز من المهمات وما دبر من المبالغ إلى دار الهجرة ووصل إليها فى سنة ١١٠٨ هـ وبقرار وجوه البلاد وكبار موظفى الدولة شرع فى العمل فجدد السقوف المتضررة ومعها اثنى عشر عمودا كما أصلح من مسجد السعادة وبعد أن زين كل جهات حرم السعادة بأنواع النقوش والرسوم، هدم مسجد قباء والمصلى النبوى، ومسجد على، من أسسها وجددها بناءا حجريا جاعلا لها قبابا وأسس بجانب مسجد على مدرسة ودار كتب وسبيلا مشهورا باسم الاسم السلطانى، وبعد أن أتم هذه الأعمال كما فصل فى أماكنها جدد مشهد حمزة-رضى الله عنه-وأتم مهمته بأن طهّر مجرى عين الزرقاء وبئرى على، وعاد إلى باب السعادة وحظى عمله هذا بالابتهاج السلطانى فأحسن إليه حيث رقى إلى رتبة أمير الأمراء. وقد نظم أحد شعراء المدينة المنورة تاريخا يعرف ما قام به سليمان بك من إحيائه لبعض المواقع وقد كتب هذا التاريخ بعد الاستئذان على قطعة رخام وحك وألصق على عمود بالقرب من باب الوفود.

стр. 1408

وهذه صورة التاريخ المذكورة الذى ما زال قائما. عربى حمدا من آل عثمان الملوك المصطفين ... حيث جاد كالمطر على من أعلى القلم وقصر للخير نسلا بعد نسل فانتهى ... دور إحسان إلى من كان ينبوع الكرم حضرة سلطان ثانى مصطفى أولهم ... صب أموالا لتجديد الخير المحتشم ثم أحيا مسجد التقوى المؤسس فى قباء ... والذى يدعى مصلّى الحبيب المحترم مشهد حمزة عم النبى المصطفى ... جدد والحمد لله على الوجه الأتم ونظف فى ذى الحليفة داخل بئر على ... أحلى فى مظاهر منتها الذى كان الأهم ثم أجرى عين الزرقاء من أم القبة ... بعد تنظيف لها من طين مجرى منقسم طول مجراها من الأم إلى أرض الجرف ... طال ما لم يتفق تطهيرها منذ القدم جاء مقبول العرب من عون أنظار العجم ... فارق الله تعالى بالقبول والرضا

стр. 1409

صانه صاخرا اليوم تلتقيه لا جرم ... ثم إن حاولت تاريخا لتجديد ذكر فاستمع من حق ما يتلى عليك من رقم ... عد مفصولات الفات فذاك التاريخ جدد السلطان الأعظم مصطفا هذا الحرم فى سنة ١١١ هـ . خرب أحد سقوف مؤخرة حرم السعادة إذ أصابته صاعقة وذلك بعد عودة سليمان باشا إلى باب السعادة بعدة أشهر، وبناء على ما قدم من الرجاء قد رقى الباشا المشار إليه إلى رتبة أعلى وأسندت إليه ولاية جدة وأمر بأن يهتم بتعمير سقوف الحرم السعيد الذى تعرض للخراب، فوصل سليمان باشا إلى المدينة المنورة وعمر المواقع المذكورة كما يجب وعلى الوجه المطلوب وكتب على ركن من أركان ذلك السقف: جدد هذا السقف الشريف، ملك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين السلطان الغازى مصطفى خان، خلد الله ملكه وذلك بنظارة العبد الفقير المعترف بالتقصير، الحاج سليمان باشا، المحافظ فى جدة المعمورة المشرف بخدمة رسول الله ﷺ وذلك فى سنة ١١١٢ هـ. وللسلطان أحمد خان الثالث بن السلطان محمد خان الرابع خدمات مشكورة لحرم السعادة، قد أخبر فى سنة ١١٣٢ هـ أن اثنى عشر عمودا متصلة بالساحة الرملية التى فى الجهة الغربية لجدران حرم السعادة أشرفت على الخراب، من قبل أعيان البلدة وموظفى دار السكينة وصدرت الإدارة السلطانية بإرسال موظف بسرعة لتجديد تلك الأعمدة وتعميرها فوجهت أمانة البناء لشخص يدعى الحاج موسى أغا وأرسل إلى المدينة المنورة. ووصل الحاج موسى إلى دار الهجرة العالية وبعد كشف المواقع الشريفة بدلالة أصحاب الخبرة جدد تلك الأعمدة الإثنى عشر والجهات الأخرى من حرم السعادة

стр. 1410

فى صورة كاملة فى سنة (١١٣٣ هـ) وكتب على أحد الأعمدة التى ركزت جديدا أيد الله نصر دولة من جدد هاتين المنامتين الشريفتين، ملك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان بن السلطان الغازى أحمد خان، ابن الغازى محمد خان، خلد الله ملكه وذلك بمباشرة العبد الضعيف، الحاج موسى ووافق بتجديد تاريخ المنامتين بالمسجد، سنة ألف ومائة وثلاثة وثلاثين، وأمر بكتابة هذا التاريخ. وبعد أن أتم تعمير الأعمدة المذكورة فهم بعد الكشف والمعاينة أن بعض أعمدة حرم السعادة آلت إلى الخراب فهدم تلك الجهات فى الحال أيضا وأحكم تشييدها هكذا ثم عاد إلى باب السعادة وقد أتم مهمته على خير وجه، وقد رقى إلى رتبة أمير الأمراء ومنح مكافأة سلطانية خاصة له. وخدمات السلطان محمود خان الأول بن السلطان مصطفى خان للحرمين كثيرة بدرجة فوق العادة، فقد ظهرت علامات السقوط والانهيار فى سقف حرم السعادة وأبلغ ذلك إلى الباب العالى وعرض الأمر إلى عتبة السلطان المشار إليه، فأحال الأمر إلى الحاج أحمد باشا والى جدة على أن يرسل أحد الأشخاص الذين يعتمد عليهم فى تعمير السقف الشريف فأرسل الباشا المذكور محمد أغا من خاصة أتباعه وذهب محمد أغا إلى المدينة المنورة وقام بأداء مهمته وكتب حول السقف الذى جدده عبارة: «أمر بعمارة هذا الرواق الشريف، ملك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين مولانا السلطان الغازى محمود خان، بن المرحوم السلطان مصطفى خان، عز نصره وذلك بمعرفة الحاج أحمد باشا محافظ بندر جدة المعمورة وبمباشرة تابعه الحاج محمد آغا ثم عاد، وذلك فى سنة ١١٤٩. كان السلطان المشار إليه قد أرسل ثريا مجوهرة لتعليقها فى قبر الرسول كما أرسل غطاء جميلا من أجل قبر فاطمة الزهراء وأرسل إلى الروضة المطهرة ٨٨ قطعة من أبسطة وعددين من الشمعدان الذهبى، وقد أرسلت الأشياء المذكورة فى عهدة عثمان أغا من أغوات باب السعادة، وبما أن المؤرخين قد وصفوا هذه

стр. 1411

الهدايا بأن كل واحدة منها كانت أغلى ما أرسل وأجمل ما بعث إلى الحجرة المعطرة وأجملها؛ اقتضى الأمر أن نعطى فرصة لقلمنا ليجول ويصول فى وصف كيفية صنع تلك الأشياء وصورة إرسالها. وكان أحد الأشياء التى أوصلها أغا باب السعادة عثمان أغا إلى المدينة المنورة كما سبق ذكره أعلاه قطعة من ثريا لا مثيل لها، كانت هذه الثريا فى صفاء الماء وألوان أزاهير نباتات الحقول ومن حيث لمعانها تضارع لمعان سهيل اليمانى، وزنها ٧٢٥ قيراط مثلثة الشكل، وكانت فى الجهة الأخرى منها زمردة أخرى تتوهج كعين شمس تبهر العيون وزنها ٧٦٨ قيراط،وكانت فى الجهة الثالثة قطعة زمرد أخرى نورها كأنوار الصباح تلمع فى الجهات الأربع قطعة تحير العقول بجمالها وفى وزن ٢٥٧ قيراط،وقد بلغ مجموع وزنها ٢٢٧٢ قيراط. وهذه القطع الثلاث من الزمرد التى تشتهر بالمعدن القديم والتى لا نظير لها كانت أطرافها دائرة ما دار وأعلاها مرصع باثنتى عشرة قطعة كبيرة من الماس كأنها بدر ينير محيط الأبراج السماوية وبأربعين قطعة ماس من حجم متوسط واثنتين وستين قطعة من الماس أقرب إلى الوسط و ١١٤ قطعة ماس التى تعتبر صغيرة بالنسبة للقطع الكبيرة لم يكن لها مثيل، وقطعة ماس كبيرة تحير العقول، وكان طوق تلك الثريا مزينا بتسع عشرة قطعة من الماس مختلفة وكانت حلقتها التى تعلق بها والتى تشبه هالة البدر مزينة بأربع قطع من الماس وكانت تتكون من ٣٥٢ حبة قيمة من الدر اليتيم مع ثلاثة عشر صفّا من المزين بثلاث عشرة حبة من الزمرد وكانت لائقة أن تكون ثريا عذارى الحور العين. وكانت الثريا تشمل فى الأماكن التى تجذب الأنظار دررا وغررا وجواهر لا عدّ لها كما تشتمل على صورة غريبة وكانت فى غنى عن الوصف حقا. إن النقوش تحير العيون والتى نقشت على وجهها الواحد هى أثر من فنانى الياقوت ومن هنا فهى كانت فى نظر من رآها من المؤرخين كعروس تجلت فى حجرة نومها بل كانت من قبيل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

стр. 1412

وبعد أن صنفت الثريا التى سبق تعريفها فى مكانها اللائق، نسجت قطع الأقمشة والأغطية والسجاجيد التى صدر الأمر بصنعها ووضعها فى مشهد الحرم القدسى والروضة المطهرة التى يخدمها الملائكة، وكانت قطعة القماش كسوة جدران المرقد النبوى تعانق دائرا ما دار الحجرة فى جهاتها الأربعة وكانت أرضية هذا القماش الساحر من ستين ذراعا من الأطلس الأخضر وجها وبطانة وقد سطر على هذا القماش الذى يبعث الفرحة السورة الشريفة «الفتح» باستعمال ٧٠٠٠ مثقال من خيوط الفضة النادرة، وزينت ما بين سطورها بجداول لحسنها فبدت كأنوار الشفق وظهرت فى ساحة الأخيار وتمنى رضوان الجنة أن يمسح وجهه عليها. وحتى يربط ما بين الغطاء الشريف المذكور أرسل ٥٧ قطعة أطلس فى لون الزرع وكل قطعة فى أربعة عشر ذراعا، كتبت عليها بعض الآيات الكريمة وكلمة الشهادة المباركة والصلوات الشريفة ثم أرسلت وأكملت بلوازمها الأخرى، ثم أرسلت أغطية ضريح وردة بستان النبوة، وثمرة سدرة المنتهى للرسالة، سيدة قصر العفة زينة بيت الشرف والسعادة درة السيادة السماوية ولؤلؤة العصمة سيدة النساء وقطعة كبد حبيب الله فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-وكانت أرضيتها الغالية حمراء اللون ولون بطانتها خضراء. وقد كتب فوق (١١) قطعة من أجمل أقمشة الأطلس بالخيوط الذهبية بعض الأحاديث الشريفة ببراعة أساتذة الفن، ولما تم صنع أعمالها الأخرى أرسلت إلى المدينة المنورة لتعلق على جدران المسجد النبوى والمعبد المصطفوى توأم الجنة كما أرسلت ثمان وثمانين قطعة سجاد مزخرفة بأنواع نقوش الأزاهير إلى المدينة المنورة لتفرش على ساحة الحرم النبوى، وكان مقدار هذه السجاجيد بالحساب التربيعى ٣٠٨١ ذراع من القماش والشمعدانان اللذان أرسلا لإنارة المكان الذى بشر بالحديث الشريف الذى يقول «بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة»، وطاف المحراب المشحون بالرحمة حيث توافر أجنحة الروحانية ذات عرب وكانا كأنهما نيران من حيث الشكل أو مثل الفرقدين وكانا مرصعين بأنواع الرسوم

стр. 1413

البديعة وكانا من الذهب الخالص مع مقعدين مطليين بالذهب وقد أمر بجعلهما مصباحين لإنارة هذا المكان المبارك مهبط الوحى. وأرسل الشمعدانان والسجاجيد التى ذكرت بحرا وأرسلت الأغطية والثريا المزينة برا، بعد أن أودعت فى أمانة الصف ووصلت تلك الأشياء التى أرسلت برأ يوم الخميس وبناء على الأمر المطاع من الجميع الأمر السلطانى الذى يحترمه الجميع أخرجت تلك الثريا أمام الباشا الحاج وشيخ الحرم النبوى الحاج عبد الرحمن أغا وقاضى المدينة وأمين الصف وكافة العلماء والخطباء والأئمة والأشراف وحضورهم وبعدما رآها الجميع أخذت بمراسم الآداب والخشوع وقراءة الأوراد والتحيات إلى حجرة سيد الورى المنظمة-عليه أفضل التحايا- حيث علقت فى مكان مناسب. وهكذا أدى مهمته، وبعد ذلك أخرجت أغطية المرقد النبوى وفق المراسم القديمة بكل تعظيم وتفخيم وعلقت على جدران المشهد المصطفوى وبعد ما كسى مضجع سلطان القصرين ولم يقصر أحد فى بذل أقصى ما يقدر عليه من التوقير والإجلال حين كسى المضجع النبوى ألبست أغطية مرقد الزهراء-رضى الله عنها وبما أنه قد وصلت ٨٨ قطعة من السجاجيد ذات النقوش البديعة والشمعدانان فبسطت السجاجيد على ساحة الحرم النبوى الشريف والروضة المطهرة المصطفوية، ووضع الشمعدانان مع مقعديهما يمين محراب النبى ويساره. وكان السلطان محمود خان قد أرسل قبل ذلك ثريا أخرى وبما أنها كانت مثل الثريا التى سبق تعريفها فصرف النظر عن تعريف شكلها وهيئتها. ومن السلاطين الذين خدموا حرم السعادة السلطان الغازى السلطان عثمان خان الثالث بن السلطان مصطفى خان الثانى، إذ كان قد أرسل أمين الصف إبراهيم أغا مكلفا بمهمة كشف وتعمير سقوف مؤخر حرم السعادة التى أشرفت على الخراب بعد ما استأذن منهم بذلك فى سنة (١١٦٩ هـ) وأبلغ والى مصر بأن يرسل إلى المدينة الأشياء اللازمة للتعمير سريعا.

стр. 1414

ولما وصل إبراهيم أغا إلى المدينة المنورة وجد لوازم البناء التى أرسلت من مصر قد وصلت فعمر السقوف التى أشرفت على الخراب وما احتاج للإصلاح من مواقع حرم السعادة وكتب على السقف الجديد هذه العبارة: «أمر بعمارة الحرم الشريف السلطان الأعظم السلطان عثمان خان، بن السلطان مصطفى خان، خلد الله ملكه وذلك بمباشرة الحاج المعتمر الأمين إبراهيم أغا، أمين الحرمين الشريفين، وأمين بناء المسجد النبوى بتوفيقه من الله؛ سنة ألف ومائة وسبعين. والسلطان مصطفى خان الثالث بن السلطان أحمد خان الثالث من السلاطين العثمانية الذين كانوا يبذلون المهج فى سبيل النبى ﷺ ، وقد وصل إلى أعتاب سلطنته أن علامات الانهيار والسقوط قد ظهرت فى بعض أماكن سقف حرم السعادة وبناء على ذلك صدر الأمر السلطانى بالإسراع فى تعمير وتجديد الأماكن التى اقتضت ذلك وأرسل إلى المدينة المنورة بصحبة محمد أمين بن فيض الله أغا مهرة العمال والمعماريين المقتدرين. ووصل محمد أمين أغا إلى دار السكينة وأصلح الأماكن التى أشرفت على الخراب من سقوف الحرم الشريف بالاتفاق مع أعيان البلاد وموظفى الحكومة وبقرارهم، وعمر بعد ذلك الجدار الذى على يمين مضجع السعادة ويساره بأحجار ملونة مختلفة، وزين جميع جهات الحرم النبوى توأم الجنة. وجعله مثالا للبيت الذى يقول: ما حاجتنا لتعريف الشمس بالنور ... فآثار نوره ظاهرة للعيان وكتب فوق السقف الذى جدده أمر بعمارة هذا الحرم الشريف السلطان عبد الحميد خان، بن السلطان أحمد خان خلد الله ملكه مدى الزمان وذلك بمباشرة المفتقر إلى الله، العبد محمد أمين بن فيض الله؛ سنة واحد وتسعين ومائة وألف.

стр. 1415

وكتب على اللوحتين المعلقتين مقابل الجدار النبوى من اليمين والشمال تاريخ مقام المصطفى قف به منكس الرأس ما تريد ... وتبتل لله الأحد فوق الذى، نرجوه مما عليه مزيد وادع لمن فاق الملوك الأولى، قد خدموا هذا المكان السعيد ... سلطاننا عبد الحميد الذى، فى ملكه إذا أمسى نظام جديد واسأل لأمين بنّآء محمد شفاعته إنه بها سعيد ... مسجد طه أوجه الأنبياء، جدده الخان عبد الحميد كتب هذه المنظومة وكتب قطعة. يا خير من دفنت فى القاع أعظمه ... فطاب من طيبه القاع والأكم نفسى فداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم على العمودين الرخاميين المربعين على يمين ويسار ذلك الموقع الشريف، وكتب حول شبكة السعادة دائرا ما دار قصيدة «يا رسول الله! خذ بيدى» البليغة بخط جميل وذهبها، فى سنة ١١٩١. وقد عمر السلطان عبد الحميد خان بعد هذا التعمير بعشر سنوات بواسطة حامل أسلحة السلطان الحاج محمد أغا ونظارته الباب الخشبى وأساطين الروضة المطهرة، وكان ذلك الباب الخشبى على يسار محراب النبى ﷺ ، وقد أصلح هذه الأماكن فى طراز جميل وكتب الجملة المنجية لا إله إلا الله، الملك الحق المبين وحديث «شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى» (حديث شريف) فى المكان الذى ينظر إلى الجدار القبلى للباب المذكور، وكتب فى ذيل هذه الكتابات عبارة (عمره السلطان عبد الحميد خان (١٢٠١).

стр. 1416

وبعد عام أقيمت مدرسة تضم سبع عشرة حجرة ومحلا للاستذكار ومكتبة وجعل سواء أكان للطلبة الساكنين أو المدرسين أو أمناء دار الكتب مقدارا كافيا من المرتبات واشترى حديقة النخيل وبستان الخضر القريبين من المدرسة ووقف محاصيلها للطلبة الساكنين فى المدرسة وذلك فى سنة (١٢٠٢). ومن السلاطين العثمانيين السلطان سليم الذى فخم الحرمين المحترمين أعظم تفخيم وعظم أهاليهما الكرام أعظم تعظيم، وهو السلطان سليم خان الثالث بن السلطان مصطفى خان الثالث، قد أمر فى عصره السعيد بناء على استئذان الأهالى بتعمير وإصلاح جدران الحرم النبوى مخدوم الملائكة والأساطين التى فى داخل الروضة المطهرة التى تعد من الآثار النبوية، وغلف الأساطين الشريفة المذكورة مقدار ذراعين من الأرض بقطع رخام ملون، ونظم قصيدة بذاته لتكتب على قطع الرخام الملونة وأرسلها إلى أمانة البناء، وقد كتبت هذه القصيدة فى بحث الأساطين الملونة، ذلك فى سنة ١٢٠٨ هـ. وبعد هذا التعمير بأربعة أعوام قد زين وعمر يمين ويسار جدران باب جبريل قدر ذراعين من الأرض وجدار محراب التهجد كاملا بالصينى، وطهر ونظف مجرى عين الزرقاء وذلك بنظارة والى الشام عبد الله باشا. وقد أنفق السلطان الغازى محمود خان الثانى بن السلطان عبد الحميد خان الأول كثيرا من النقود للحرمين الشريفين وأظهر بهذه الطريقة شدة حبه ووداده للنبى ﷺ . والحبوب التى خصصت لأهالى الحرمين من السلطنة السنية العثمانية فى عصره، قد شريت وبيعت لسوء إدارة موظفى الدولة وطمع سكان المدينة الأغنياء والتجار، وترك الفقراء والضعفاء جوعى ومرضى دون علاج وأخذ فقراء الحرمين يعانون أشد العناء وأخبر بذلك السلطان وعرض النبأ على عتباته، واستحصل منه على إرادة سنية بخصوص إحصاء السكان لإعادة توزيع المرتبات وتقسيمها من

стр. 1417

جديد، وكلف الوالى إبراهيم باشا الذى كان فى ذلك الوقت فى المدينة المنورة بإحصاء نفوس أهالى المدينة، كما عين محافظ مكة خليل باشا لإحصاء عدد سكان أهالى مكة المعظمة. وقد حرر إبراهيم باشا أسماء سكان المدينة المنورة وقيدها بأسرها كما حرر خليل باشا أيضا أسماء سكان مكة المكرمة وحدا الدفترين وبعد ختمهما أرسلاهما إلى والى مصر محمد على باشا كما أن الباشا المذكور أرسل الدفترين ملفوفين بالكشف الذى ستبين صورته فيما يأتى إلى الباب العالى. وظن بعض الأهالى من هذا الإحصاء أن الدولة تريد أن تجند أبناءهم وأخفوا عددهم، لذا لم يدرج أسماء كثيرين منهم فى الدفاتر ولكن المجربين منهم فهموا الموضوع ووجدوا طريقة لإدراج أسمائهم فى آخر الدفاتر بواسطة موظفى الإدارة المصرية ولكن الذين لا يعرفون أحدا ظلوا غير مقيدين. صورة القائمة التى كتبها محمد على باشا إلى مقام الصدارة العظمى السامى: إن الغلال التى خصصت ورتبت من مصر فى السنين السابقة لأهالى الحرمين عفى نظامها مع مرور السنين وأبدل وأخذت تباع وتشترى فيما بينهم حتى استولى عليها الأغنياء، واضطروا فقراءها للبحث عن أقواتهم اليومية وكان إدخالهم تحت النظام غير ممكن. وقد رأينا أن نرسل إلى أهالى الحرمين الشريفين من المخازن المصرية مجددا مقدارا كافيا من الغلال بنية خالصة على أن تعد هذه الغلال من جملة الآثار الخيرية للسلطان المهيب ذا الشوكة ملجأ الإسلام ظل فضل الله، وفى نعم كافة الأمم، محمولة على المراكب حتى تستجلب لذاتكم السلطانية أدعية مضاعفة من أهالى الحرمين، وبناء عليه قد رأى ابن عبدكم إبراهيم باشا عند عودته من الباب العالى إلى المدينة المنورة إعداد دفتر لكتابة أسماء أهالى المدينة المنورة لإحصاء عددهم، وذلك بعلم أغا شيخ الحرم ورأيه وبضم آراء قاضى المدينة ومفتيها وفضلاء علمائه ووجوه البلاد، كما اتخذ دفترا آخر حرر بعلم صاحب السعادة

стр. 1418

محافظ مكة خليل باشا وعلم الشريف يحيى وبمعرفة قاضى مكة المكرمة ومفتيها إلى أعتاب عظمتكم السلطانية، والعلة الغائبة من هذا العمل الخيرى هى استجلاب الدعاء بالخير لجانب سلطنتكم، وقد بلغ مقدار العلال السنوية الخاصة بالحرمين الشريفين إلى ١٦ ألف إردب وبعد هذه السنة سترسل الغلال الخاصة بالحرمين الشريفين فى ميعادها دون تفويت وقتها وقد بدأنا بذلك فى هذه السنة وببيان ذلك أعرض لجانب سلطنتكم طاعتى، انتهى. ولما أطلع السلطان على ما جاء فى الدفترين أمر بتنفيذ ما جاء فيهما، وبناء على ذلك شرع فى إرسال الغلال إلى الحرمين، إلا أن المساكين الذين لم تدرج أسماؤهم فى الدفترين حرموا من العطايا السلطانية ولكن بناء على رجاءات وجوه البلد واسترحاماتهم أضيف إلى العطايا ألف إردب حنطة فوصلت المخصصات الحجازية إلى سبعة عشر ألف إردب من حنطة وهذه المخصصات ترسل الآن. سبب تشكيل مديرية الخزانة إلى أن حل الوقت الذى بلغت المرتبات الحجازية إلى سبعة عشر ألف إردب قمح، كان أمناء الصرة ثانى يوم وصولهم إلى المدينة الأمينة يفرشون على ساحة حرم السعادة الأبسطة ويوزعون ما سلم لهم من المبالغ لإعطائها لأهالى دار السكينة من باب السعادة ويستدعون من حررّت أسماؤهم فى الدفاتر التى أعطيت لهم من خزانتى الأوقاف والمالية، وفى حضور أشراف البلاد وموظفى الحكومة يسلمون لهم بأيديهم مخصصاتهم، ولما لم تكن فى ذلك الوقت دوائر فرعية خاصة بمديرية الخزانة كانت مستحقات كل فرد تسلم له دفعة واحدة من قبل أمين الصرة، ولما كان صرف واستهلاك المبالغ التى أخذت دفعة واحدة فى خلال أيام قليلة حسب الحاجة الطبيعية، كان سكان دار السكينة ينفقون مخصصاتهم خلال عدة شهور بوفرة ثم يعانون من قلة المال خلال الثمانية أشهر الباقية، ولما أطلع السلطان محمود على هذه الحالة ألغى هذا النظام وأنقذ الأهالى من هذه المعاناة

стр. 1419

بوضع نظام تقسيم مخصصات كل فرد إلى اثنى عشر شهرا وإعطائها لهم فى كل شهر. وحتى تعطى هذه الرواتب الشهرية وتوزع فى صورة منتظمة شكل مديرية خزانة المدينة المنورة وعين لها موظفين وبين لكل واحد منهم وظيفته، ويسلم الآن أمناء الصرة ما حملوه من الأمانات لخزانة المديرية بموجب الدفاتر كما أن موظفى الخزانة يوزعونها شهرا بشهر لأصحابها، ومديرية الخزانة دائرة غاية فى النظام فلها دفاترها المنظمة، وسجلاتها التفصيلية ولها محققوها ومدققوها، وتجرى معاملاتها فى دائرة النظم الموضوعة. ولا يضيع حق أحد فى ظل حضرة الخليفة العادل، ولا يبرز إنسان قائلا: «قد أضيع وأخفى».وذلك فى سنة ١٢٣٣ هـ،انتهى. وقد أصبح المسجد النبوى فى أشد الحاجة إلى الإصلاح، فأعلم والى مصر محمد على باشا مركز السلطنة العثمانية بذلك ولما جاء الرد لمحمد على باشا يطلب منه أن يعين رجلا مناسبا لأمانة البناء لتعمير الحرم النبوى على أحسن وجه، فكوفئ كاتب الديوان المصرى طاهر أفندى وهو من صلحاء الرجال المصريين بتعيينه أمينا للبناء وأرسله إلى المدينة المنورة ذات الشرف العالى. ووصل طاهر أفندى إلى دار الهجرة واطلع مع وجوهها واتفاق آرائهم على حرم السعادة، وقرر تعمير وتقوية قبة حجرة السعادة وأحاط الحائط الذى بنى فى عهد عمر بن عبد العزيز بسور آخر، فأحكم تشييد القبة الخضراء على وجه لائق بكل تعظيم وتوقير. واهتم قاضى البلدة وشيخ الحرم النبوى وأعيان البلد وكبار موظفى الدولة بأداء الخدمة وهم لابسون أفخر ثيابهم، وبعد أن عمر الحجرة المعطرة على الوجه الأكمل جعل النقاشين الذين أرسلوا من باب السعادة يصبغونها وزين جدرانها برسوم مختلفة الشكل ثم كتب الحديث الشريف فوق الباب الخشبى الذى يقع

стр. 1420

فى جهة المرقد النبوى من محراب النبى قال رسول الله ﷺ : «من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى فى حياتى، ومن زارنى وجبت له شفاعتى»،صدق رسول الله ﷺ ، كتبه الفقير قوناقجى زاده إبراهيم النقشى ثم كتب على رخام مستدير فى الجهة الداخلية من باب جبريل عبارة: «عمر السلطان الغازى محمود خان نصره الله تعالى سنة ١٢٢٨»،وفى الجهة الداخلية من جهة اليسار كتبت جملة: «عمر الحرم الشريف أمين كاتب الديوان المصرى محمد طاهر ١٢٢٨ وذهبها». وقد وفق السلطان محمود خان العدلى فى إحياء هذه المآثر لوالى مصر محمد على باشا بتعمير وإصلاح المساجد والآثار التى تخربت وإحيائها وكتب بذلك إلى والى جدة ومحافظ المدينة المنورة نجله النجيل إبراهيم باشا وأرسل ما يلزمه من المبالغ ولوازم البناء قدر ما بلغ، واستدعى إبراهيم باشا من باب السعادة ومصر مهرة العمال الذين تمرسوا فى دقائق أعمال البناء. كما جلب من الشام قوالب الصينى وابتدر فى تعمير هذه الآثار وإحيائها، وجدد أولا داخل حرم مسجد الحبيب والقبة الخضراء وخارجها وبعد ذلك أضرحة البقيع ثم أبنية المساجد والمشاهد فى صورة لائقة، ثم وضع قطع الرخام التى وردت من باب السعادة فوق كمرات أبواب الأضرحة وزين كل مسجد وكل أثر كحسناء محبوبة، وعين أصحاب الأضرحة بكتابة الأبيات فوق طاقاتها ولم يترك حاجة للزوار للسؤال عن أصحاب تلك الآثار ونوعها. إذا كان قد كتب فوق قطع الرخام التى أرسلت من باب السعادة والتى وضعت وألصقت فوق أبواب هذه الآثار والأضرحة كتب عليها بعبارة مختارة وأحيانا بينت أسماء أصحاب الأضرحة وحقيقة الأثر وكنهه، وكانت الأبيات المذكورة ثمرة قريحة ابن كيجة جى عزت منلا المرحوم من شعراء عهد السلطان محمود خان العدلى المشهورين قد كتبت وحكّت مذهّبة فى باب السعادة، وما زالت منها مذكورة فى بحث تعريف الآثار والأضرحة.

стр. 1421

وبعد أن أتم إبراهيم باشا المرحوم بتعمير حرم السعادة أمر بكتابة المدحية (١) العبارة عن الثمانين بيت المنظومة بعبارة عربية فوق جدار القبلة الذى يقع خارج باب السلام، وكتب على الجهة اليمنى من هذه المدحية بخط أبيض فى صورة الشمس: «قد كان الوكيل بعمارة الحرم الشريف النبوى والى مصر محمد على باشا أدام الله إجلاله آمين» وكتب البيت الشريف تحت الجملة السابقة بخط أبيض على شكل صورة الشمس: هو الحبيب الذى ترجى شفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتحم وفوقه بنفس الطريقة: ما شاء الله كان هذا باب كليم الله فى سنة ١٢٣٣. وعلى طاق الباب المذكور كذلك: هذه عمارة الحرم الشريف النبوى فى أيام إبراهيم باشا والى جدة ومحافظ المدينة المنورة عام ١٢٣٣. وفى نهاية هذا الكلام: فاق النبيين فى خلق وفى خلق ... ولم يدانوه فى علم ولا كرم وفوقه على هيئة الشمس كذلك: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم .. كما أمر بكتابة التاريخ القديم الذى ظل من عهد السلطان قايتباى حول هذه الخطوط دائرا ما دار. وبعد أن أتم إبراهيم باشا تجديد مسجد السعادة توأم الجنة أسرع لتجديد مسجد قباء فشيّد حرم السعادة المذكور فى صورة محكمة أحيا وجدد فى شكل جميل وبنى مبرك الناقة ومنزلة الآية ومسجد على ومسجد فاطمة، ومسجد عمر، مسجد بئر خاتم، والسبيل الذى فى هذه الناحية وسبيل السلطان أحمد فى اتصال

стр. 1422

جدار مقبرة البقيع التى فى داخل المدينة ومسجد بغلة، ومسجد بنى ظفر، مسجد أبى بن كعب فى داخل مقبرة البقيع، ومسجد مصلى العيد المصطفوى الذى فى ميدان المناخة، ومسجد الصديق الأكبر. ثم بنى مدرسة باسم السلطان بالقرب من باب السلام وأصلح مدرسة السلطان عبد الحميد خان فصارت فى غاية الجمال والمتانة وأحياها، وهكذا استجلبوا الدعاء لجانب السلطان السنى. وقد طهر السلطان المشار إليه مجرى عين الزرقاء إثر السيول التى ظهرت فى سنة ١١٢٤ هـ مثل البحار وخربته إلى قبة البئر ثم أعطى ثلاثمائة صرة من الدراهم لتوزيعها على الحجاج الذين أضيروا بسبب السيول كما تصدق بثلاثمائة قطعة من الملابس لتقسم على الفقراء وأهدى حصرا وأبسطة لفرشها فى حجرة السعادة، كما أهدى خمسا وسبعين قطعة من السلاسل الذهبية وأربعمائة وعشرين عددا من السلاسل الفضية لتعلق فى حجرة السعادة، وبعض الشمعدانات لتوضع على يمين ويسار محراب النبى والمحراب السليمانى وأضاء داخل حرم السعادة الذى يشبه الجنة، وذلك فى سنة ١٢٣٥ هـ. وكانت كل واحدة من السلاسل الذهبية فى ثقل مائتى درهم وكانت كل واحدة من السلاسل الفضية مائة وأربعين درهما، وكان مع الشمعدانان عرض حال سلطانى كتبت صورته فيما يأتى: نظم تجرأت أهدى الشمعدان يا رسول الله ... قصدى أن أخدم عتبتك العليا يا رسول الله لا تليق بروضتك الثريا التى قدمتها يدى العاجز ... فاحسن إلى بقبولها يا رسول الله ليس لى أحد أشكو حالى ...

стр. 1423

فمن جنابك الإحسان والمروءة يا رسول الله دخيلك الأمان قد وقفت ببابك ... ارحمنى وكن شفيعى يا رسول الله فاستصحبنى فى العالمين، السلطان محمود العدلى ... فالدولة لك فى الأول والآخر يا رسول الله وبعد إرسال الهدايا المذكورة علم من قبل السلطان أن قطع الرخام التى بين الروضة المطهرة وجدار القبلة قد خربت بطريقة سيئة وبناء على الأوامر الصادرة أصلحت وجددت قطع الرخام التى فى المكان المذكورة ابتداء من مواجهة السعادة إلى باب السلام ولما كان ما بين باب السلام إلى باب الرحمة ترابا فرش هذا المكان وكذلك الساحة التى فى محاذاة الأعمدة فى الساحة الرملية بالقطع الرخامية، وذهبت الخطوط التى فى السقوف وعمر حمام محمد على باشا الذى كان قد فجر اللغم من قبل، وأسست مدرسة جميلة فى قرية قباء ثم حفرت بالقرب من مشهد حمزة بئر واسعة وحوض. وما عدا هذه بنيت بالقرب من باب السلام دار توقيت على أن تكون فى إحدى جهاتها مدرسة وفى جهة غرفا للمؤقتين، كما أسّس أمام دار التوقيت سبيل جميل وهكذا أحيا أهالى المدينة. وبما أنه أرسلت ساعة من باب السعادة لتوضع فى داخل دار التوقيت وتاريخا ليحكّ فى أعلى طاق المبانى التاريخ الذى حرر بالشكل اللائق، فوضعت الساعة فى مكانها الخاص كما حكّ التاريخ فوق كمر باب دار التوقيت وذهّب وهذه صورة تاريخ دار التوقيت: التاريخ قد قام ملك ملوك الزمان بأثر محمود ... بنى فى داخل حصن المدينة هذه الدار للتوقيت

стр. 1424

كن من هذا الارتفاع الصامت دليلا على عظمة السلطان ... قد زاد الزمان ساعة بعد ساعة بنوره فليملأ الدهر بمفتاح الشريفة مثل الساعة ... فلتكن روح النبى فى عون ذلك السلطان دائما قد زين بهذا الشكل زينة محمود التاريخ ... السلطان محمود هو الذى أوجد دار التوقيت فى سنة ١٢٥٣. وبعد تصليح دار التوقيت المذكورة بسنة ونصف كان قد أرسل من باب السعادة خمسة أنفار من المجلدين لتعمير وتذهيب الكتب الموجودة فى دور كتب المدينة المنورة، وأعلم باب السعادة أن هؤلاء المجلدين قد عاينوا دور كتب المدينة المنورة بواسطة موظفى الدولة وعمروا سبعة آلاف مجلد من الكتب وذهبوها، وقد أجر كل واحد من هؤلاء ألفا وخمسمائة قرش معاشا شهريا. ولما كان نظام خدمة حرم السعادة احتاج للإصلاح صدر الأمر السلطانى أن تكتب أسماء الخدم، فى دفاتر خاصة وقد جعل لعشرة من الشيوخ ثلاثون قرشا وقد خصص للشيوخ أجرا أسبوعيا مقداره أربعون قرشا وللفراشين خمسة وعشرون قرشا وأكرم الجميع بهذه الطريقة وذلك فى سنة ١٢٥٥. ومازال هذا النظام مرعى الجانب إلى الآن وكل شيخ يقوم بأداء مهمته أسبوعيا مع رفقائه، وفى يوم الجمعة يحصلون على أجورهم الأسبوعية ويعودون، والذين لا يواظبون فى أداء خدماتهم تخصم منهم يومياتهم بموجب الدفتر. وأرسل السلطان المشار إليه إلى حرم السعادة نسخة من البخارى والشفاء الشريف كما أرسل ثلاثين عددا من الكلام القديم (١) وثلاثين عددا من دلائل الخيرات وثلاثين قطعة من أجزاء القرآن الكريم، وعين لتلاوة كل واحد منها شخصا وأراح باله بأن ربط له راتبا بمقدار كاف.

стр. 1425

وما زال سواء أكانت الأجزاء اللطيفة أو البخارى والشفاء الشريفين فى المسجد النبوى وتقرأ صباح مساء أمام محراب التهجد يتحف ثواب قراءتها وأجرها لروح الواقف. ولم يخدم السلطان محمود خان الحرمين الشريفين فحسب بما عرض من الخدمات إذ إنه كذلك جدد وعمر-كما سنبين فى الصور الآتية-مسجد قباء، والمساجد الأخرى والآثار العالية وأضرحة مقبرة بقيع الغرقد التى هدمها وخربها طوائف الخوارج الرذيلة، ومشهد حمزة، ومقبرة الشهداء، والمشاهد الأخرى والآثار المسعودة، كما أمر بكتابة منظومة فوق أطواف المساجد والآثار. خارقة كان السلطان محمود خان العدلى جدد غطاء مرقد السعادة الذهبى للمرة الثانية، والغطاء الذى أرسله فى المرة الثانية، حينما وصل إلى الحجرة المعطرة وشرع فى تغطية المرقد لزم قلع الغطاء القديم، وبينما شرع فى قلع الغطاء القديم الذى قد سكر باحتضان القبر النبوى الشريف عدة سنوات صدر من الهاتف صوت حزين يقول واه حسرتاه واه فرقتاه وهكذا عرض ذلك الغطاء نار حسرته وفرقته وقد سمع هذا الصدى المثير للشوق كل من كان فى داخل الحجرة النبوية وفقدوا عقلهم وشعورهم. وإن كانت هذه الخارقة غير مصدقة عند أهل الاستدلال، إلا أن الذين يصدقون أن الجذع الشريف الذى ارتمى على الأرض وأصبح جذاذا وأخذ يئن ويصيح عند ما وضع مكانه منبر السعادة لا يستبعدون ظهور مثل هذا الصوت عندما كان الغطاء القديم يخلع من على المرقد النبوى. لمن يوفق أحد من ملوك الأسلاف إلى إسداء الخدمات لحرم السعادة مثل ما قدمها السلطان الغازى عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان الثانى، إذ لم يترك ذاته السلطانية مكانا فى مسجد السعادة أو الحجرة المعطرة لم يجدده أو يعمره، إذ بنى ٢٩ قبة فوق السقف القديم الذى صنعه السلطان مراد الرابع والذى يقع الآن فى الجهة القبلية من الساحة الرملية كما هو مبين فى الخريطة

стр. 1426

الخاصة، كما جدد القباب الموجودة منفقا ما لا يحصى من النقود، وفرش فوق أسطح القباب الموجودة بقطع من الرخام المجلاة، وعنى بتزيينها، وجدد الخطوط التى فى داخل مسجد السعادة وخارجه وهى التى تحدد حدود الحجرة المعطرة وقطع رخام حرم السعادة عامة، وهكذا قام بخدمة عظيمة فإنه أسس أبنية المسجد النبوى الشريف المسعودة من جديد، وأسس فوق باب التوسل مكاتب وعدة مخازن أعلاه وأسفله فأصبح باب حرم السعادة فى غاية اللطف مؤخرا. رحمه الله تعالى رحمة واسعة. دخول السلطان عبد المجيد فى حجرة السعادة يروى أصحاب الوقوف من أهالى المدينة ومهرة بنائى الحجارة الذين استخدموا فى عمليات تجديد قبة السعادة فى حق المرحوم المشار إليه حكايتين غريبتين ولكن لهما مغزى ويدعون أنهما غير قابلتين للتكذيب. ١ - الحكاية الأولى: نقشت الطغراء الغالية التى أرسلت من إستانبول فوق قطعة رخام مجلاة وذهبت لتكون علامة واضحة على أن السلطان عبد المجيد قد جدد وعمر مبانى الحرم العالية وعقب ختام فروغ عمليات المبانى المقدسة تركت فى جهة ما على أن توضع فوق كمر باب مناسب من الأبواب مغطاة، وكان قد مر بعض الوقت من حينه، فجاء أحد المجذوبين الذى لم يتحدث فى حياته مع أحد فأشار بأن توضع الطغراء فى مكانها بعد أن كشف غطاءها، ولم يتأخر عن الإلحاح والإصرار قبل أن تلصق الطغراء المذكورة إلى مكانها وأخبر بالأمر موظفو الحكومة، وإذا فى ذلك اليوم كان السلطان عبد المجيد قد ارتحل إلى قصر سواحل الجنة وجلس مكانه أخوه عبد العزيز خان! وعلم بهذا بعد ذلك بخمسة وعشرين يوما. وبما أننا لا نصدق مثل هذه الحكاية فضلا عن أننا لا نريد أن تأخذ هذه الواقعة مكانا فى عالم الوجود، فاستوضحنا الأمر من بعض الموظفين الذين كانوا فى مهمة تجديد تلك المبانى المقدسة فعرفنا أن الحقيقة كانت على الوجه الآتى: إن الطغراء التى حكّت مذهبة فوق قطعة الرخام وفى تاريخ إتمامها كانت أبنية حرم

стр. 1427

السعادة وإنشاءاتها قد وصلت إلى ختامها إلا أنه ظلت بعض كتاباتها ولما أكملت هذه الكتابات فوق الرخام ونقوشها تركت فى مكان محفوظ بعد أن غطيت حتى توضع فى مكانها، وبعد فترة ما لم يبق فى الحرم الشريف محل فى حاجة إلى التجديد والتعمير ورفع رخام الطغراء من مكانه، فجاء بعض المسافرين من جانب مكة المعظمة وأتوا بخبر وفاة السلطان عبد المجيد خان فى صورة غير رسمية، إلا أن هذا الخبر لم يوثق به ولم يعتمد عليه، ومن هنا أخذ خطباء المسجد يذكرون فى خطبتهم يوم الجمعة اسم السلطان عبد المجيد ويدعون له وقالوا: لو كانت هذه الرواية صحيحة جاءتنا الأخبار من جانب الإمارة الهاشمية فى مكة المكرمة وكنا نؤمر بذكر اسم عبد العزيز خان وتلاوته وهذا لزوم شرعى، وكان لا بد أن يأتى الأمر السلطانى يشهد بجلوس السلطان عبد العزيز وكان ما قالوه معقولا. وبما أن عمليات مبانى حرم السعادة أصبحت رهن الختام ولم يبق لقائل أن يقول: «فى هذا المكان قصور أو نقص» إذ أصبحت الروايات المتواترة أن من ينظر إلى المبانى العالية يراها ما زالت ناقصة ومن هنا كان يلزم تبديل الطغراء باسم السلطان الجديد، ولما كان هذا خلاف الواقع وضع البنّاءون رخامة الطغراء التى أعدت من قبل فى مكانها فوق باب السلام وبهذا بين أن عمارة المسجد الأخيرة قد تمت فى عهد السلطان عبد المجيد الملئ بالخيرات وبهذه الجرأة المقدرة ودلالتها بان أنه متصف بالاستقامة والنزاهة وقد عرض هذا الوضع اللائق على السلطان عبد العزيز فى صورة غير لائقة وأدى ذلك لغضب ذلك السلطان، إلا أن المنافقين الذين عرضوا ذلك الأمر على السلطان عن طريق الغمز واللمز قد ارتكبوا عن طريق الرياء المذموم ظلما كبيرا؛ لأن عمارة حرم السعادة قد تمت فى اليوم الأولى من ذى الحجة سنة ١٢٧٧ هـ ووضعت طغراء عبد المجيد خان الغراء فوق باب السلام وعلى طاقه، وكان السلطان عبد العزيز قد جلس على عرش السلطنة يوم الثلاثاء السابع عشر من ذى الحجة من السنة المذكورة ويوجد تفاوت قدر ستة عشر يوما بين الحادثين، لو كان موظف مبانى السعادة امتنع عن وضع

стр. 1428

رخامة الطغراء فوق طاق باب السلام مصدقا رواية مسافرى مكة وكان بدل باسم السلطان عبد العزيز خان بعد الاستئذان كان سينال رضا السلطان بناء على أقوال المنافقين الذين تدخلوا فى الموضوع، وسيحظى بالتفات ونعم السلطان، ولم يكن هناك شبهة أنه سينال الترقية فى المناصب الدنيوية ولكنه بما أنه رفض أن يختار طريق الخداع والكذب للحصول على المراتب الدنيوية لأجل اجتنابه النواهى الإلهية لأنه كان سيتعرض للمسئولية وغضب الله، ولا شك أن عرض الإخلاص والعبودية عن طريق الحيل والخدع والدسائس لم يكن أمرا مقبولا ولا مقدرا لدى السلطان عبد العزيز خان، فلنفرض أن بعض أجزاء من حرم السعادة قد تم تعميره فى عهد السلطان عبد العزيز واكتملت تعميرات المبانى فى زمنه أليس الحكم بأن تعمير المبانى قد تم فى عهد السلطان عبد العزيز خان دون النظر إلى ما بذله السلطان عبد المجيد من الجهود والهمم فى خلال اثنى عشر عاما منافيا لقاعدة العدل والإنصاف ومغايرا لرضى عبد العزيز خان الذى يتصف بحبه للحق والإنصاف. ٢ - الحكاية الثانية: قبل أن يرى خبر وفاة السلطان عبد المجيد خان بشهر، قد رأى أحد سكان المدينة المنورة ممّن يظن بهم الصلاح والزهد رأى فى رؤياه أنه كان فى داخل الروضة المطهرة وإذا بذات عالى القدر ذات احتشام ملكى يدخل من باب السلام بكل وقار ووقف أمام باب الوفود وبعد فترة فتح باب الوفود وأدخل ذلك الشخص ذا السمات الروحانية داخل حجرة السعادة، هذا ما شاهد ورآه، وقد انتظر صاحب الرؤيا فى الروضة المطهرة إلا أنه رأى أن الشخص عالى القدر الذى أخذ داخل الحجرة النبوية لم يخرج خارجها، واستيقظ حينئذ من نومه وبعد فترة تلقى نبأ وفاة السلطان عبد المجيد خان واطلع بعد الحساب أن ارتحال السلطان المذكور يوافق الليلة التى رأى فيها الرؤيا، وعبّر رؤياه بأن ما قدم ذلك السلطان من خدمات عظيمة لحرم السعادة قد حظى بالقبول عند الرسول ﷺ ، وفعلا فإن هذا التعبير صحيح وهو عين الواقع.

стр. 1429

وبناء على ما يروى من هذا الشخص المبارك الذى رأى الرؤيا أن الشخص الذى قبل فى داخل الحجرة كان لابسا ملابس بيضاء من رأسه إلى أخمص قدميه وكان خلفه رجل يحمل سيفا، والمظنون أن هذا الشخص هو السلطان عبد العزيز خان، قد عاد بعد دخول السلطان عبد المجيد خان فى حجرة السعادة بكل وقار وسكينة وبعد مرور خمس أو عشر دقائق دخل فى حرم السعادة عدة أنفار من الجنود ذات عمائم خضراء وأحذية سوداء. وقد أخبر صاحب الرؤيا أن أشكال هؤلاء الأنفار كانت تشبه للجنود الذين كانوا يرافقون الحاج وسيم باشا الذى أتى بأمر تولى عبد العزيز خان الحكم خلفا للسلطان عبد المجيد، وذلك عندما جاء ذلك الباشا إلى المدينة المنورة. ولا شك أن الذين يعرفون عظمة ما يكنه السلطان عبد المجيد من المحبة والعبودية لسلطان الأنبياء-﵊-سيصدقون صورة تعبير هذه الرؤيا. وبناء على ما سطر فى تواريخ الحرمين القديمة وما يجرى على ألسنة سكان دار الهجرة ليس هناك ملك جلس على كرسى العرش مثل السلطان عبد المجيد الذى أنفق من النقود وبذل من الجهود لتجديد مسجد السعادة وتعميره وتزيينه، وبما أن المشار إليه قد جعل جميع أفكاره وشعاراته الملكية لخدمة سلطان الأنبياء فى كل آن وساعة وعرض عبوديته الصحيحة المخلصة يرون ظهور بعض الكرامات على يدى ذاته الملكية. قد تعرض مصطفى عشقى بن عمر أفندى من أفاضل مجاورى المدينة المنورة لعلة القلب وتعرض من جراء ذلك إلى مضايقات وصعوبات فى إدارة وإعاشة أولاده؛ وعليه قرر فى فترة ما ترك المدينة المنورة والسياحة فى بعض البلاد، واستأذن من الحجرة المعطرة، وبناء على الأمر الذى صدر جاء إلى إستانبول دار الأمان فى سنة ١٢٩٧ هـ وقد سطر فى آخر الكتاب الحالات التى أجبرته على

стр. 1430

اختيار هذه السياحة والإرادة العالية التى صدرت من قبل النبى ﷺ بعد الاستخارة بالتفصيل. ولما كان عشقى أفندى لم ير إستانبول وكان مشتاقا لرؤية وجه سلطان العصر ومشاهداته ذهب إلى دار المولوية فى بشكطاش حين وروده إلى إستانبول وجلس فى ركن من أركانها، وبما أنّ ذلك اليوم كان يوم المقابلة شرف الخانقاه المذكورة السلطان عبد المجيد، ولما لفت شكل عشقى أفندى الأنظار السلطانية بعث بموظف خاص يسأله عن اسمه ومن أين أتى، وأين يستضاف ولم يعرف عشقى أفندى هوية هذا الموظف كما أنه لم يعرف الشخص الذى أرسله، حتى أنه لم يعرف أن السلطان فى تلك التكية، ولكنه عرف أنه سيكون الاجتماع فى يوم الجمعة فى مسجد بكلربكى اللامع الأنوار، فذهب فى ذلك اليوم هناك حيث وقف فى الممر السلطانى بكل تعظيم، وكان غرضه رؤية جمال وجه السلطان ولما جاء السلطان عبد المجيد فى محاذاة عشقى أفندى توقف وقال لرئيس كتابه مصطفى باشا: «يا باشا سلم من قبلى لهذا الشخص، وبما أنه شرف إستانبول حديثا فلينعم قدر ما شاء وليتنزه وليشاهد جميع أماكن باب السعادة، ولا يفكر فى أولاده وعياله». إننى أفكر فى أولاده وعياله نائبا عنه، قد خصصت له راتبا ثلاثمائة قرش، فليعش مستريح البال مادام حيا وليدعو لدولتنا بقوتها وبقائها!!!». هل هناك كرامة أكبر من هذا لأجل سلطان؟ ومن هنا يقال إن السلطان عبد المجيد قد حظى بحسن القبول لدى الجانب النبوى العالى كما أنه قد كلف تنفيذ الأوامر النبوية، لأن عشقى أفندى كان قد أرسل من جانب النبى عظيم المناقب لطفا به. انتهى.

стр. 1431

فى تعريف كيفية تعمير حرم السعادة وتجديده فى المرة السابعة قد قام بتعمير الحرم الشريف، ممسح جباه الموحدين والذى يقوم بخدمته الملائكة خدم سيد المرسلين، قد قام بتعميره وتجديده للمرة السابعة السلطان الغازى عبد المجيد خان بن السلطان الغازى محمود خان العدلى. وجه إلى شيخ المهندسين محمد رائف باشا من الثلاثة ذوى المكانة عند الوكلاء من محافظة طرابلس الغرب سابقا ومن كرام الأمراء وأحيل إليه وظيفة أمانة المبانى وأرسل إلى المدينة المنورة. وخرج محمد رائف باشا من باب السعادة فى ربيع الأول سنة ١٢٦٧ هـ ووصل فى اليوم الثانى والعشرين من شعبان فى نفس السنة إلى المدينة المنورة وشغل بإتمام ما لم يتم عمله من الجبل طريق الأمر الذى سواه سلفه حليم أفندى الصغير، واقتلع الخيم التى تؤوى العمال والآلات التى فى الجبل الأحمر وبنى مكانها دورا حتى يحمى العمال والأدوات من عربان البادية والحيوانات المتوحشة وعلى بعد عشرة أذرع من هذه الدور حفر بئر يبلغ عمقها خمسين ذراعا. الحوادث المحلية عتدما أتم محمد رائف باشا حفر البئر وأخذ العمال يستفيدون منها، عصى عربان البادية وتسلطوا على قوافل الحجاج وأبناء السبيل، وحاصروا المدينة المنورة وقطعوا الطرق والموارد عنها حتى يضيقوا على العمال والمسافرين وجيران سيد المرسلين، ومنعوا جلب الحجارة من الجبل الأحمر إلى المدينة كما منعوا جلب المياه إلى العمال من البئر سالفة الذكر وهجموا على العمال ونهبوا الحيوانات الأميرية وعملوا على قتل من يصادفهم من الناس وتسلح عمال الجبل الأحمر

стр. 1432

وأنشئوا متاريس وأبراج لحماية أنفسهم، مع أن العربان حاصروا الجهات الأربعة للجبل الأحمر وأخذوا يسببون الخسائر للمحاصرين وكانوا يهربون كلما أرسل ضدهم الجنود والعساكر وقد تصدعت المواضع التى رممت من قبل من مسجد السعادة، كما أشرفت بعض مواضعه على الانقراض، وساءت حالة المسجد إلى أقصى درجة من درجات السوء فى خلال سنة ١٢٦٠ هـ،ولما كانت السقوف والقباب قد تصدعت فى عدد من المواضع وخيف من سقوطها فجأة، أسف موظفو الحكومة لذلك أشد الأسف وحاروا فيما يفعلون، ثم اجتمعوا للتشاور وتدبير الأمر، فقر قرارهم على رفع الأمر إلى الباب العالى. وقد وصلت حالة الأبنية فى عهد داود باشا شيخ الحرم ﵀، إلى درجة من السوء بحيث كان الأهالى الكرام يتحاشون الاقتراب من بعض مواضعها، وكانوا يدعون الله كى يلهم السلطان بما ينبغى عمله نحو حرم السعادة، وفى نهاية المطاف اتفق أعيان المدينة وسادتها على رفع الأمر إلى داود باشا الذى كان فى شدة الألم من إشراف مبانى الحرم النبوى الشريف على الانقضاض وكونها فى أشد الحاجة إلى التعمير والترميم، فما كان من داود باشا إلا أن أحضر الدواة والقرطاس وكتب إلى مقام الصدارة العظمى رسالة بين فيها إشراف مبانى الحرم النبوى الشريف على الانهيار ما لم ينظر إلى حل هذه المشكلة الآن وأرسل هذه الرسالة إلى باب السعادة فى سنة ١٢٦٣ هـ. ولما وصلت رسالة داود باشا هذه إلى باب السعادة وعلم فحواها أولو الأمر أدركوا الحالة التى وصلت إليها أبنية حرم السعادة، وحصلوا على معلومات كافية بخصوص هذا الأمر، وقد شكلت لجان فى دار الإفتاء السلطانى لمذاكرة الأمر فى عمق، وفى ظل المسائل الشرعية، ثم قرروا كإجراء أولى إرسال مهندس مجرب ليقوم بالكشف على تلك الأماكن ثم يتداولون الأفكار وفقا لما يرسمه ذلك المهندس من خريطة لتلك الأماكن، وبناء على الأمر السلطانى الذى صدر بعد

стр. 1433

الاستئذان أرسل فى رفقة رمزى أفندى من رجال الدولة أمير الاى عثمان بك الأمرد من ضباط دائرة المدفعية السلطانية العامرة وبعد أن شرح له الموضوع وبينت الكيفية أرسل إلى المدينة المنورة. ووصل رمزى أفندى مع عثمان بك إلى دار الهجرة واطلعا بناء على القرار العالى على أحوال المسجد النبوى الشريف وعادا إلى الأستانة وعرضا الخريطة التى خطوها وشرحا رأيهما ووجهة نظريهما ثم اجتمع الوزراء فى دار الإفتاء السلطانية والمجلس الخاص ودققوا النظر فى الخريطة المذكورة وعاينوها، وقرروا تجديد المسجد بتعميره وبناء على صدور الأمر السلطانى بذلك أرسل حليم أفندى الصغير مدير الأبنية الخاصة من رجال الدولة العلية بوظيفة الإشراف على المبانى المفتخرة إلى مدينة الرسول فى سنة ١٢٦٦ هـ. وأرسل المهندسون وعمال البناء المهرة والعمال والأشياء المتنوعة عن طريق باب السعادة (١) ومن مصر القاهرة بالتتابع، كما أرسل ما أمكن تدبيره من النقود تدريجيا، وأبلغ شيخ الحرم النبوى وقاضى المدينة المنورة بإشعارات مختلفة على أن يبدأ العمل بعد أن شكل مجلس خاص من مشاهير السادات والعلماء من المدينة المنورة يتولى توصية العمال الذين سيرسلون بحسن أداء أعمالهم وأن يحافظوا على الأدوات المرسلة من التلف وأن يعملوا فى الإنشاءات وفق الشريعة الأحمدية وأن يعملوا بكل تعظيم وحرمة لصاحب المقام وألا تصدر منهم ألفاظ مخلة بالآداب وألا يرفعوا أصواتهم وألا يقوموا بحركات غير لائقة وأن يعنوا أعظم عناية بأداء صلواتهم فى جماعات كما فى السابق، وقد أمر السلطان ذو الخصال البايزيدية أن تكون المبالغ التى ستنفق فى تجديد حرم السعادة من الحلال

стр. 1434

الطيب مهما كان مقدارها ولما كان إنقاذ واردات الخزانة المالية السلطانية من الواردات المخلوطة من شبهة لضيق الوقت، فكلما احتيج إلى إرسال النقود إلى المدينة المنورة لتعمير الحرم النبوى كان يبادل ما تهيأ فى الخزانة السلطانية من أموال مع من يثق بهم من الذوات عن طريق الاقتراض أى كان يرسل هذه المبالغ موافقة لأحكام الشريعة الغراء. وقد سطر فى التواريخ القديمة أنه كلما احتاج الحرمان الشريفان ومبانيهما للتجديد والتعمير أن الأموال التى ستنفق لذلك كانت تصرف من أموال الجوالة التى يصدق العلماء أن أموالها حلال. وكان السلطان عبد المجيد خان يرسل الأموال اللازمة للإنفاق على الأبنية المذكورة على الوجه المشروح السابق ﵀ رحمة واسعة. أرسل حليم أفندى الصغير الذى أسندت إليه عهدة البناء عندما وصل إلى ينبع رئيس البناء الحجرى نواحى دار الهجرة لعلهم يجدون محجرا، كما أنه توجه نحو المدينة المنورة ووصل إليها فى أوائل رجب الفرد وتفقد لوازم البناء التى وصلت قبله وبعد أن جمع ورتب مجلس العلماء الذى أمر بتشكيله بالإرادة السنية، فأراد أن يشرع فى عمله باتفاق الآراء، ولكن بما أنه كان فى حاجة إلى تهيئة الأحجار التى تستخدم فى البناء وتسهيل الحصول عليها اضطر أن ينتظر وصول رئيس البنائين إبراهيم أغا، إلا أن إبراهيم أغا عاد يائسا من أنه لم يصادف معدنا من هذا القبيل، وطلب منه أن يبعثه إلى مكان آخر مع الحجارين حتى يتحرى عن الحجارة، وتشكل عندئذ مجلس ليبحث هذا الأمر فرأى المجلس أن يرافق المجلس لإبراهيم أغا عدة حجارين من أهل المدينة وشرح له الجبال التى يحتمل وجود الحجارة فيها، وتحرى إبراهيم أغا هذه المرة جميع الجبال التى حول المدينة المنورة ثم وجد فى جهة بيار على من وادى العقيق على بعد ساعتين من المدينة المنورة فى جهة مكة المكرمة، محجرا غنيا بالحجارة وكانت هذه الحجارة

стр. 1435

المستخرجة غاية فى اللطف وكان لونها قريبا من اللون الوردى، فسّر أفراد الهيئة وأهالى المدينة من هذا الأمر وقالوا: «إن ظهور هذا المعدن من جملة ما وفق فيه السلطان». وهذا عين الصواب، ولا يخفى على الذين يقفون على الوقائع التاريخية لمدينة الرسول ﷺ أن الملوك الذين بذلوا المساعى والجهود لتعمير مآثر البلدة النبوية لم يوفقوا فى كشف معدن مثل ذلك واضطروا لجلب تلك الحجارة اللازمة للتعمير من مصر والجهات الأخرى البعيدة، وقد ظهر هذا المعدن اللطيف فى وادى العقيق الذى عظم قدره بحديث مخصوص. العقيق كما عرف فى مكانه واد مبارك، كان اسمه القديم السليل، ولما قال تبع الحميرى هذا عقيق الأرض فعرف باسم العقيق، ومن المحتمل تسميته بهذا الاسم لاحمرار رماله. غريبة بينما كان إبراهيم أغا يتحرى عن الحجارة فى الجبال مع أصحاب الوقوف من أهل المدينة، ظهر شخص على شكل أعرابى وقال له: «يا إبراهيم أغا إننى أعرف فى هذه الأماكن معدنا، تعالى أريك إياه. قد ينفعك فقادهم وهو سائر أمامهم إلى الجبل الأحمر حتى وجد ذلك المعدن فى هذا المكان وأراه لهم، وسر إبراهيم أغا من مروءة هذا الأعرابى وأراد أن يكافئه بعطية، إلا أن الأعرابى قد اختفى عن الأنظار فى الحال. إن هذه الإشارة علامة شاملة البشارة على أن خدمات والد السلطان كثير المحامد قد حظيت بحسن القبول عند رسول الله ﷺ .

стр. 1436

ونصب حليم أفندى على الجبل المذكور الخيم وبعث الآلات والأدوات اللازمة: النجارين، والحجارين وفتح منجما فى قمة الجبل، ورفع الصخور التى عليه فاستخرج قطع حجارة كبيرة وأمر بنحتها لتكون صالحة للاستعمال. لأن الحجارة التى استخرجت كانت غير قابلة للنقل من جهة إلى أخرى فضلا عن نقلها وحملها على الجمال، وفى الآخر سوى الطرق التى بين الجبل المذكور والمدينة المنورة، وهيأ مكانا واسعا خاصا بالحجارين، وبعد مدة عين محمد رشيد أفندى محافظ المدينة وكيلا له ثم عين شريف أفندى من أقاربه لرياسة معتمر العمال، ولما ذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج انقطعت أنفاسه الأخيرة فى منى وارتحل عن دنيانا، ورحل حليم أفندى الذى أتى من باب السعادة كما أن أشرف أفندى هو الآخر قد ارتحل عن دنيانا فى منى أيضا بعد وفاة حليم أفندى. وكان هذا الشخص قد أرسل من قبل حليم أفندى إلى باب السعادة بعض ذهب مجيدى من فئة مائة، وإثر وفاته قد اخذت هذه المبالغ الذهبية بمعرفة الحكومة وأرسلت إلى شورى هيئة البناء المقدس. وإن كان حليم أفندى قضى ما يقرب من ستة أشهر فى مهمة البناء المقدس وبذل جهده لأداء عمله على أحسن وجه إلا أنه فى أثناء هذه المدة وجد المعدن المذكور وسهل الصعوبات التى ظهرت فى نقل تلك الحجارة من الجبل الأحمر ومهده وبنى محلا خاصا لتقطيع الحجارة ونحتها فى موقع يطلق عليه دار الضيافة وجهز الآلات والأدوات اللازمة فقط ومن هنا لم تتقدم عمليات مسجد السعادة. وعقب وفاة حليم أفندى أرسل رجل يصدق لدى الباب العالى درايته وأهليته، لكشف أبنية مسجد المدينة المسعودة ومعاينتها إلى دار السكينة، وقرر فى مجلس الوزراء الخاص تفويض هذا الأمر الجليل إلى محمد أسعد (١) مؤلف «دريكتا» من أجلاء العلماء المتبحرين الذى قرر أن يذهب فى تلك السنة إلى

стр. 1437

أراضى الحجاز لأداء فريضة الحج، واستأذن السلطان فى هذا الأمر وصدرت الإرادة السنية بذلك وأخبر بذلك أسعد أفندى وكان فى هذا الكشف الثانى والى الحجاز آكاه باشا أيضا ولما فسر قرار مجلس الوزراء بخصوص كيفية كشف ذلك المقام السامى بطريقة مع داود باشا شيخ الحرم النبوى، وبين له المهمة التى كلف بها ثم استفسر منه فى أثناء حديثه عن الذين يقتضى وجودهم معه فى أثناء كشف الأماكن المقدسة، وسر داود باشا من اختيار محمد أسعد لهذه المهمة وبين له أصحاب المعلم فى هذا الموضوع ذكر أسماؤهم وأسرع بتشكيل هيئة كشف من سادات البلد وموظفى الحكومة ومن العالمين بكشف المكان وأصحاب الوقوف فيه. وقد كشفت تلك الهيئة وعاينت داخل حرم السعادة وخارجه وعثرت على الجدران المتشققة والقباب التى بليت والسقوف التى مالت للسقوط والانهيار وبعد أن رأى تلك الأماكن قال شيخ الحرم، السيد المحترم، قد عرفتم أن تعمير الحرم الشريف قد وصل إلى درجة الاستحالة، فإذا ما أصلح بعض أماكنه بإنفاقه نقود طائلة، فمن البديهى أن المواقع الأخرى ستحتاج إلى الإحكام والإصلاح وهذا بديهى، وإذا التزم جانب إصلاحه وتعمير بعض أماكنه فعلى هذا التقدير سيكون قد فتح باب لصرف نفقات باهظة بإصلاحه كل عام. إلا أن محمد أفندى أسعد قال: «إن المبالغ التى ستنفق لتعمير أبنية الحرم النبوى تقتضى أن تكون من الحلال الطيب المطلق»،وألمح أنه ليس مع الذين يريدون أن يعمروا الحرم النبوى كاملا وبين أنه يمكن إحكام الحرم النبوى بتعمير بعض جهاته، وأسكت الذين يقولون بأن تعمير بعض جهات الحرم النبوى مضر للخزانة السلطانية. وقد تأثر شيخ الحرم داود باشا (١) من رأى محمد أسعد أفندى أعظم تأثر كما

стр. 1438

أن الأهالى عامة تغيروا منه ولم يلتزموا جهة إقناعه بإتيان أدلة مقنعة ولكنهم بالاتفاق توجهوا ناحية سلطان الأنبياء-على نبينا وعليهم التحايا-وعطفوا النظر إلى الحجرة المعطرة وحصروا أنظارهم قبل حضرة النبى ﷺ لعله تصدر منه إشارة معنوية، وسكتوا عن الأمر. ولما رأى محمد أفندى أسعد تأثر داود باشا وأعاظم أهل المدينة وساداتها وعلمائها واغبرارهم، ندم على أنه اتخذ رأيا يؤدى إلى إنقاص الخاطر، إلا أنه على حق لأنه ما كان يستطيع أن يتصرف خلاف التعليمات التى صدرت له من الباب العالى. سقوط قبة-كان ذلك عقب أداء صلاة الصبح بعد أن شكل محمد أسعد أفندى الهيئة الكشفية لكشف ومعاينة مسجد السعادة، وعقب القرار أخذت تسقط قطع طلاء قبة من القباب التى فى مقدمة الجهة القبلية من حرم السعادة، وكأنها تخطر بلسان حالها لزوم تجديد أبنية المسجد، الشريف المقدسة، إن هذه الحالة قد أقنعت إمام زاده بلزوم تجديد المسجد، قد أدت الأنقاض التى سقطت من القبة إلى مقتل الشيخ محمد إسكندر الذى كان يقف أمام نافذة المواجهة النبوية وفى النقطة التى يقف فيها من يزورون عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-ولو وجدت الهيئة الكشفية فى النواحى التى وقعت الأنقاض فيها فى هذه الساعة، لحدثت مصائب أكثر من ذلك، قد توفى محمد أفندى متأثرا بإصابته بالجرح فى رأسه وتوفى قبل أن ينقل إلى الحى الذى يسكن فيه، وكان من الإسكندرية ومن أجلاء طلاب الشيخ الصاوى وكان رجلا فطنا وغاية فى الإخلاص، ﵀ رحمة واسعة وانهار عقب هذه الواقعة جهة سقف من سقوف مسجد السعادة فى الجهة الشرقية وبما أنه لم يكن تحته إنسان لم يتسبب فى أية خسائر فى الأرواح. ولما ظهرت تلك المعجزة المذكورة استيقظ إمام زاده من نوم غفلته الثقيل وفهم رأيه السقيم وأذعن لخطئه وأخذ يستغفر نادما وصدق قرار مجلس المدينة سالف الذكر ونقل مكانه مدير الخزانة النبوية عبد اللطيف أفندى وعين بدرى أفندى من

стр. 1439

الكتبة لكتابة مصاريف الأبنية السعيدة، وأمر بفتح المضيفة التى فى الجهة الشامية من المسجد وجعلها سكنا للكتاب والعمال كما عين إسطبلات عديدة للحيوانات التى تستخدم فى عمليات البناء وعاد بعد ذلك إلى باب السعادة وكتب تقريرا عن مشاهداته الذاتية ومطالعاته من أولها إلى آخرها. ويناء على المضبطة التى فهمت من قبل الباب العالى وبناء على التقرير الذى قدمه محمد أسعد صدرت الإرادة من الخلافة المعظمة بسرعة إجراء ما يقتضيه الحال. ولما عاود العمال العمل مرة أخرى فى إعمار حرم السعادة كان العربان يتعدون على العمال، وقد دامت هذه الاضطرابات فترة طويلة وفى النهاية أرسل من باب السعادة الفريق الحاج خالد باشا فشتت شملهم وذلك فى سنة ١٢٧٤ هـ. وكان محمد رائف باشا فى أثناء عصيان العربان يسعى لأداء مهمته ويهتم بالمحافظة على الجهات التى فى الجبل الأحمر وطريقه ومع ذلك يتأسف ويحزن كلما رأى حال مؤخر حرم السعادة المؤسف ويضطرب، لأن فى الوقت الذى بين وفاة حليم أفندى وتاريخ وصوله إلى المدينة توقفت عمليات بناء الأبنية المقدسة فساءت حالة بعض جهات مؤخر حرم السعادة وأوشكت على الانهيار فجأة وبناء عليه قد قويت الأعمدة التى اعوجت بدعامات وبهذا قد أنقذت لوقت قليل من المخاطر الآتية، بعد ما أحكم محمد رائف باشا تلك الدعائم كشف وعاين بكل دقة وعناية حرم السعادة وفهم أنه إذا لم تقتلع الأعمدة المعوجة وتركز أعمدة جديدة رصينة فى أماكنها لن يسلم سقف مؤخر المسجد النبوى من الخطر، ولن تنقذ الساحة الرملية من الضيق والازدحام إلى أن يفتح باب فى الجدار الشامى وذلك بنقل قبة الشمع الكائنة فى الساحة الرملية إلى خارج الجدار الشامى، ونظم فى هذا الخصوص خريطة كاملة وعرضها على من يهمه الأمر وقال: «إنه يجب أن يطلق على هذا الباب، الباب المجيدى وتنشأ على جهتى هذا الباب مدارس فوقه وتحت وأن نطلق عليها، مكاتب مجيدى، وأرسل نسخة من هذه

стр. 1440

الخريطة إلى الباب العالى ليعرض على الأنظار السلطانية وإذا ما استلم هذه الخريطة فإنه سيحدد مؤخر حرم السعادة وفقا لهذه الخريطة. ولما كان نقل قبة الشمع خارج الجدار الشامى وإنشاء مدارس خاصة من أجل الصبيان خدمة عظيمة تسدى لرعية المسجد النبوى الشريف. من هنا كان تدبير محمد رائف باشا الواقعى من جميع الوجوه يستحق التقدير بل الحمد والثناء لأن أطفال سكان المدينة المنورة كانوا يتلقون تعليمهم الابتدائى قبل قباب مؤخرة حرم السعادة فى حالة متفرقة وكانوا يقومون حسب الصباوة بحركات غير لائقة، ولما كانت هذه الحالة تخالف الحديث الشريف الذى رواه ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع والذى يقول ما معناه: «أبعدوا عن مساجدكم أطفالكم ومجاذيبكم وامنعوا البيع والشراء والخصومات وإقامة الحدود ورفع الأصوات وسل سيوفكم واجتنبوا مثل هذه الحالات وداوموا فى تبخير مساجدكم أيام الجمع» (١). ولما كانت فى تلك الأوقات فى الحرم الشريف نظيفة، كما أنه لم تنعم جماعات الموحدين فى الحرم الشريف بالسكون من وقاحة من يسمون بالمجاذيب من الحمقى غير المتدينين، كما أنه لم يبق مجال للتأمل والتفكير أمام المواجهة النبوية من ثرثرة المزورين والأغوات، ووجود قبة الشمع فى الساحة الرملية وإدخال الجمال التى تحمل زيت الوقود من باب الرحمة إلى حوض تلك القبة قد أخلت نهائيا بالتعظيم والرعاية اللازمين للحرم الشريف. وقد حظيت الخريطة المرسلة إلى باب السعادة بالتقدير وأمر أن يجدد مؤخر الحرم الشريف كما جاء فى الخريطة المذكورة وأن يحول اسم الباب المجيدى إلى أسم باب التوسل وأن يؤخذ آراء ورضا أهل المدينة بخصوص الأماكن التى
следующие страницы →