هى إلى حافة الوادى حيث وضعت حملها-كما سبق الذكر-وكانت قد أقنعت زوجها بما حدثت به نفسها.
وبناء على ذلك كلما ذهب آزر إلى ديوان النمرود كانت (أدنى)،تذهب إلى الغار الذى به فلذة كبدها وترضعه لفترة ثم تعود. وقد امتد هذا الحال لمدة سنتين وحسب قول مؤلف «بدايع الزهور» استمر سنة واحدة.
تفصيل
فى هذا الموجز الذى كتبناه إلى هنا فإن أكثر الرواة يتفقون عليه فى لسان واحد، لكن صاحب الكتاب القيم المسمى «الأنس الجليل» الذى قام بالبحث والتدقيق أضاف إلى الموضوع رواية موثوقة إذ يقول: إن رئيس كهنة الشقى (حليد بن عاص) ذهب من رفقائه الضالين إلي ديوان النمرود فى تلك الليلة العجيبة التى انتقل فيها سيدنا إبراهيم إلى رحم أمه وقالوا له: «إن كل جهودنا إلى الآن لم تثمر، حيث إن ذلك الكيان الذى يجب أن نتخلص منه سينتقل هذه الليلة إلى رحم أمه، فإذا اتخذت جميع الاحتياطات الشديدة هذه الليلة وبذلنا كل جهدنا محاولين تغيير خط سير القدر ربما حققنا آمالنا».
بناء على تحريض «حليد بن العاص» وأتباعه من الكهنة الضالين وحثهم المستمر للنمرود» أمرا قاطعا بأن يخرج من عاصمة ملكه كل الذكور ويبعدوا عنها، وأن يعين على كل بوابة من مداخل المدينة مراقبون من أهل الثقة، وأمرهم بألا يسمحوا بدخول أى رجل إلى داخل المدينة فى ذلك اليوم ليلا ونهارا، حتى لا يجتمع زوج بزوجته. وفى أثناء تلك الفترة المذكورة أبعد كل الذكور عن مساكنهم وبيوتهم، وكلف المنجمون بتحرى دقائق أحكام النجوم. واختبأت (أدنى بنت نمرة) لفترة بجوار باب المدينة الواقع بمحاذاة البيت الذى تسكن فيه وركزت تفكيرها لفهم نتائج ما يجرى ورآها زوجها آزر بطريقة ما وضاجعها فانتقل سيدنا إبراهيم إلى رحم أمه.
وعرف (حليد) الشقى من رؤية إشارات النجوم وعلامات الكواكب أن سيدنا
стр. 177
إبراهيم قد انتقل إلى رحم أمه فذهب إلى قصر «النمرود» عقب افتراق (أدنى) عن آزر صائحا صارخا يخبر جماعة النماردة الضالين وقال: «مولانا يائسا» لقد قضى الأمر-الآن وذهبت جميع الجهود والمساعى هباء، فذلك الكيان محمود العاقبة قد انتقل فى هذه الساعة-إلى رحم أمه، وأشار إلى نجم لامع ليريه للنمرود (١).وكانت أضواء شعاع هذا النجم قد غطت الشرق والغرب ما بين السماء والأرض، ولم يكن قد رأى أو سمع-حتى ذلك اليوم المنير-عن بزوغ كوكب سعيد كهذا.
وأفاق نمرود بعد فترة من دهشته وسارع بإجراء التحقيقات والبحث اللازم وسعى للقبض على الرجل الذى ضاجع امرأته فى اللحظة التى أنبأ عنها حليد بن عاص الشقى.
ولما لم يستطع أن يتبين ما جرى رأى أن يترك هذا الأمر لحين ولادة الغلام، مع اتخاذ جميع الاحتياطات. وقال: «إذا كنا لم ننجح فى منع انتقال هذا الكيان السعيد إلى رحم أمه فعلى الأقل علينا أن نبذل كل الجهود لنهتدى إليه فى وقت ولادته».
وعند ما آن أوان ولادة سيدنا إبراهيم-﵇-علم المنجمون الأمر، وأبلغو النمرود اللعين قائلين: «سيولد ذلك الكيان السليم الجسم فى أسبوع كذا وفى يوم كذا وساعة كذا».
ورغم الاستمرار فى اتخاذ لوازم الحيطة؛ إلا أن أدنى عند ما أحست بآلام الوضع وأوجاعه ومقدمات الولادة أرسلت زوجها آزر إلى بيت الأصنام لكى
стр. 178
يتضرع للآلهة على الوجه الذى أوضحناه آنفا، وخرجت من بيتها عازمة على وضع حملها فى حافة واد جاف يقع خارج المدينة.
وفى طريقها قابلت ملكا منير الوجه، جميل المنظر، قادها إلى الغار وقال لها:
«كونى يقظة ولا تقلقى من أن ينال الطفل الذى ستضعينه أى أذى أو ضرر، فهذا الطفل خليل صاحب الكبرياء، والجد الجليل لخير الأنبياء، لذا فهو مصون فى كل الأحوال من ضرر ومن كيد الأعداء، ثم انسحب من الغار بعد أن أعد لها كل لوازم الوضع».
واستقر حضرة خليل الله على مهده المزين الذى نزل به جبريل-﵇ -وقرأ الأذان فى أذنه بعد أن قطع حبل سرته وألبسه الحلة. وبعد أن ألبسه الرداء الذى أتى به من الجنة، دخل الملك سالف الذكر إلى الغار وظل لفترة بجوار (أدنى ابنة نمرة).وفى الساعة التى ولد فيها إبراهيم-﵇-تزلزل القصر الذى أقامه النمرود العنيد، وسمع هاتف بصورة تثير الفزع والدهشة قال: «لقد اقترب أوان هلاك ذلك الخبيث الذى أنكر إبراهيم» وجن جنون جماعة الشرك النماردة.
وتبعا للبحوث التى قام بها مؤلف «بدايع الزهور» فقد نتج عن اهتزاز قصر «النمرود» سقوط بعض شرفاته فجأة كما انقلبت الأصنام الموجودة به رأسا على عقب. وقد سمع صوت ذلك الهاتف عدة مرات فى ذلك اليوم المذكور وبعد هذا اليوم كان نمرود يسمع مقولة الهاتف فى كل مكان يذهب إليه.
وذات ليلة رأى فى رؤياه أن ضوء قمر يسطع من ضلع «آزر» ويغمر الأرض والسماء، نور بهى وأقلق سكان الأرض، وترددت فى أنحاء العالم وسمعت (جاء الحق وزهق الباطل) فأسقطت معابد الأصنام على الأرض.
وأوقعت النماردة-ذوى العاقبة السيئة-فى يأس وحرمان، وطاش صواب النمرود من هذه الرؤيا المخيفة وعند ما أفاق واسترد وعيه استدعى «آزر» وبادره بقص تفاصيل حلمه المخيف الذى رآه. إلا أن «آزر» دفع الهواجس عنه إذ قال:
إن رؤياك تشير وتلمح إلى شدة عبوديتى لكوكب القمر.
стр. 179
بقى إبراهيم-﵇-فى المغارة المذكورة مدة خمسة عشر شهرا-على اختلاف الروايات. وعند ما بلغ سن التمييز وجال بخاطره فكرة الخروج من المغارة قال لوالدته جاء الأوان للخروج من هذه المغارة.
يقول مؤلف «بدايع الزهور» بقى سيدنا إبراهيم فى الغار اثنى عشر شهرا، ولما كان يكبر فى كل شهر مقدار سنة، كان مظهره فى مظهر الأطفال البالغين عشرة أعوام من عمرهم عند ما أراد الخروج من الغار. وبهذا أيد الرواية السابقة.
ولما رجا إبراهيم-﵇-من أمه أن تخرجه من الغار، رجعت (أدنى) إلى بيتها وبعد تأمل عميق قالت لزوجها: قد ذكرت لك فيما مضى أن ابنك مات، ولم أكن صادقة فابنك لم يمت، وقد أصبح الآن شابا ملائكيا جميل الطلعة وهو الآن فى الغار وشرحت له الأمر كله.
وذهب آزر إلى الغار المذكور ولما رأى إبراهيم أعجب به وأحبه لجماله وكماله وقال لأمه: أخرجي الآن هذا الطفل لنقدمه للنمرود. وأخرجت الأم ذلك الغلام الموسوم بهداية البشر إلى خارج الغار. ولما خرج إبراهيم من الغار تأمل فى الكون، ورأى عجايب الأرض والسموات وأدرك بعلم اليقين وأذعن أن هناك مبدع وموجد حقيقى للأجرام العلوية والسفلية، فسارع بالاعتراف والإقرار بوجود الحق الذى ليس له مثيل من خلال هذا القول: «إن الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى الذى ليس لى إله غيره. ولم يكن فى ذلك الوقت فرد واحد على وجه الأرض يعترف بوجود إله واحد قهار».
وكان آزر كغيره من بنى البشر فى تلك الأوقات يعبدون النمرود ويشربون من كأس الندامة المتصف بالكفر. وكانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب والأصنام المنحوتة ويقدمون نجوم السماء ويهتمون بعبادة الكواكب لتوهمهم أن لها تأثيرا فى سير الكون وإحداث الأشياء.
وكان أهل بابل-آنذاك على دين الصابئة يعبدون الشمس وضوء النجوم ويسجدون لنهرى دجلة والفرات.
стр. 180
كما أنهم عبدوا حكامهم وأقاموا لهم التماثيل، واتخذوا هذه التماثيل آلهة وشغلوا بعبادتهم كانوا يعتقدون أن الروح شمعة فريدة منبثقة من النور الأصلى.
والطائفة الخبيثة التى كانت تعيش في بابل فى زمن النمرود هم جماعة معلومة متفرعة من أولاد سام وكانت لغتهم السريانية ودينهم الصابئة.
وكان الصابئة قديما تابعين لشريعة شيث وإدريس-﵉-وكانت كتبهم فى الصحف الشريفة التى نزلت على سيدنا شيث، وكان كتاب شيث- ﵇-يتضمن محاسن الأخلاق، ويدعو إلى الصدق والشجاعة ونجدة الغريب، وينهى أهل الإيمان عن الميل إلى الباطل والانغماس فى الرذائل.
ويصلى الصابئة علاوة على الأوقات الخمسة فى وقت الضحى الأولى، وفى الساعة السادسة من الليل ويصلون على الجنازة بدون ركوع أو سجود ويصومون فى السنة ثلاثين يوما وأحيانا تسعة وعشرين يوما. وبالنسبة لوقت الصوم يحرصون على أن يبدأ من الثلث الأخير من الليل حتى غروب الشمس.
والعيد عندهم فى ختام الصوم، ويهتمون بمكة المعظمة وتفخيمها. ويحرصون على أداء الحج، بزيارة مكان فى مدينة حران ويقدرون قبرين فى مصر، إذ يظنون أن أحد هذين القبرين لسيدنا «شيث» والآخر قبل الصابئى «ابن شيث».
ولما كان الدين الذى ينتسبون إليه غاية في القدم وكان دينا حقا لم يستطيعوا أن يستمروا على مبادئه، بل ضلوا فى النهاية وأخذوا يعبدون الأصنام والشمس والنجوم وتماثيل الحكام. ولما لم يستطع إبراهيم-﵇-أن يجد بين الصابئة مرشدا يدله على الطريق المستقيم راح يبحث بنفسه عن حقيقة وحدانية الله.
وقد رأى أولا «الزهرة» أو الكوكب المضئ و «المشترى» ومن بعده «القمر» ثم رأى بعد ذلك «الشمس المشرقة»،وقال بأسلوب الاستفهام الإنكارى: هذا ربى؟!
وعند ما رأى أن هذه الكواكب قد توارت خلف حجاب الأفول وغابت، اتجه
стр. 181
إلى حضرة الواحد واجب الوجود-تعالى شأنه عن الولد والمولود-وهو حزين على الذى صدر منه بغير اعتقاد، وهو لا معنى له، وعبر بقول جليل وجميل المبنى: «لا أحب الآفلين».
وتبعا لبعض الروايات، أن سيدنا الخليل بعد بقائه فى الغار مدة اثنتى عشرة سنة، قال لأمه-ذات يوم من يكون ربى؟! وعند ما أجابته أمه: ربك ربى ..
بادرها بالسؤال التالى، ومن يكون ربك.
قالت (أدنى) ربى هو أبوك «آزر» فلما سألها ومن يكون ربه؟ قالت: رب «آزر» هو «النمرود» وبالتالى سألها: ومن يكون رب النمرود؟!
وهنا نهرته بقوله: «يا ولدى هذه الأسئلة لا ضرورة لها، واحذر أن تقول كلمة واحدة أخرى حول هذا الأمر ورغم أنها بهذا أرادت تهديد سيدنا إبراهيم، إلا أنه قال: «يا أمى، هل وجهى أجمل أم وجهك؟ وهل وجهك أجمل أم وجه أبى «آزر»؟.
وهل وجه والدى أجمل أم وجه النمرود؟
وعند ما أجابته بقولها: يابنى وجهك أجمل وأحسن من وجهى ووجهى أجمل وأحسن من وجه آزر ووجه آزر أجمل وأحسن من وجه النمرود.
وقال: «مادمت أنت خالقتى، وأبى خالقك والنمرود خالق أبى فلماذا لم تخلقى نفسك أجمل منى؟ ولم يخلق آزر نفسه أجمل منك؟ ولم يخلق النمرود نفسه أجمل من آزر؟
ورغم أنه قد وضح بيان بطلان اعتقاد أمه بهذه الملاحظة الدقيقة، فإن أمه كررت نفس الإجابة السابقة وصحبته إلى المدينة، نقلت الحادثة التى وقعت بالتفصيل إلى زوجها آزر، وقالت له: أظن أن ابنك هذا سيكون ذلك الكيان الهادى الذى أخبر عنه بأن ظهوره سيكون سببا فى خراب وانهيار بناء سلطنة النمرود من أساسه، وأنه سيقضى على أديان أهل الأرض الباطلة.
стр. 182
ويظن البعض أن الذى أخرج سيدنا إبراهيم من الغار هو والده آزر، إذ ذهب إلى الغار عند ما علم من زوجته بوجود ابنه هناك وفى نيته قتله، وذلك لكى يثبت إخلاصه للنمرود. ولكن الله- -مقلب القلوب جعل آزر يخاطب ابنه-وقد رأى جماله الآسر فعامله برفق ورقة وأظهر له المودة والعطف، وذلك من حكم الله- -الخفية.
قطعة
سلبتنى قلبى يا إبراهيم وهو نار ... بالحسن وليس لى فى ذلك اختيار
وفى نار تركتنى ... وليس لنار النمرود من شرار
وبينما يبدى آزر محبته على ذلك النحو، أبصر سيدنا إبراهيم من خلال باب الغار مجموعة من الإبل وقطعان خيل وغنم وقال ما هذا؟.
فأشار «آزر» إلى كل واحد منها على حدة، وأجابه هذا يسمى غنم، وذلك يسمى جمل، وذلك يسمى خيل وعندئذ سأله: لا مخلوق بغير خالق، ترى من يكون خالقى؟ فلما أجابه آزر خالقك هو أمك. وإذا سألت عن خالقها فأنا خالقها وخالقى هو نمرود. وعندئذ قال إبراهيم إذن فمن يكون خالق النمرود؟ وهنا غضب ولطمه بكفه على وجهه المبارك وأخرجه من الغار.
وعند ما خرج إبراهيم-﵇-من الغار، رأى كوكب الزهرة، أو «المشترى» ثم «القمر» ومن بعده «الشمس» وقال وهو يشير إلى كل واحد منها «هذا ربى» أبى أليس هذا ربى؟ وعند ما غابت كل الكواكب المذكورة واحد تلو الآخر، وأفلت كلها، أفهم والده أنه على الدين الباطل وقال مقولته البليغة التالية «يا قومى أنا لست على دينكم، إنكم تشركون بالله وأنا أتوجه إلى خالق السموات والأرض- -وأنا لست من المشركين».ولم يستطع «آزر» أن
стр. 183
يحس وأن يفهم صحة ما ذهب إليه ابنه فيما يعتقده، وأخذه إلى قصر النمرود وقدمه للنمرود وهو شخص كريه المنظر قائلا: ها هو ذا النمرود ربنا كلنا.
وقال بعض المؤرخين إن آزر تأثر من تمسك ابنه إبراهيم برأيه وإصراره عليه وهو ضد دينه فبكى. ولما أدركت (أدنى بنت نمرة) أن النمرود الشقى عند ما يرى إصرار ابنه على رأيه سيقتله بدون شك. راحت تبكى هى الأخرى. فقال سيدنا إبراهيم وهو يسرى عنهما لا تحزنا من أجلى ولا تقلقا فالحافظ الحق الذى تكفل بحفظى وحمايتى فى صغرى، يحمينى ويحفظنى أيضا فى كبرى.
ورغم أنه أراد أن يطمئن أباه وأمه بأنه لا يوجد احتمال تمكن النمرود من إصابته بضرر ما فى أى وقت من الأوقات، إلا أن آزر فكر فى أن أعداءه سيزيدون من كراهية النمرود للطفل، وعدائه عن طريق الوشاية، ولذا عزم أن يبلغ النمرود الخبر بنفسه وأمر ابنه إبراهيم. فذهب إليه وقال: أيها الملك إن الطفل الذى كنت تخشى من ولادته هو ابنى إبراهيم، لقد ولد فيما مضى خارج بيتى ولم أعلم بالأمر إلا اليوم. والآن وقد علمت أقدمه لك وافعل به ما تود أن تفعله، حتى لا تلومنى أو ترجمنى بعد ذلك.
وأخذ ابنه-بناء على الأمر الصادر من النمرود-إلى قصره ولما كان النمرود قبيح الوجه أشد القبح، ويستخدم في حاشيته كثيرا من الشباب ذوى الشكل الملائكى فى الجمال فتعجب سيدنا إبراهيم من هذا الوضع الغريب وبدأ فى السخرية والاستهزاء بالنمرود تحقيرا له وقال: «ياله من خالق عجيب! فقد خلق نفسه غاية فى القبح وسوء المنظر وخلق هؤلاء الفتيان غاية فى الجمال».
وتبعا لبحث وتحقيق مؤلف «بدايع الزهور» فبرغم غضب النمرود على سيدنا إبراهيم بسبب كلماته تلك فإنه صمت فترة لحكمة يجهلها بنو البشر، وأمر بحبسه إلى الصباح وأن يمثل أمامه فى المجلس الذى سيعقد بعد يوم وفى اليوم التالى أتو بإبراهيم إلى المجلس المنعقد فى حضور النمرود وعند ما رآه فى هذه المرة غضب لأنه لم يستطع أن يقنعه بترك دينه.
стр. 184
ورغم أنه أظهر علامات الحدة والغضب وبالغ فيهما إلا أن حسن جمال إبراهيم ولطف مقاله أوجد فى القلوب-سواء قلب النمرود أو غيره من الموجودين فى المجلس-محبة عميقة خالصة فأظهر لسيدنا إبراهيم الود وقال لأبيه يا آزر ابنك هذا صغير السن ولا يعرف ما يقول ومن العيب أن يظهر حاكم عظيم القدر مثلى، معاملة غير لائقة لصبى صغير السن كهذا.
خذ ابنك إلى بيتك وأحسن معاملته وبين له قدرى وعظمتى، وحذره من مغبة شدة غضبى وعظمة عقابى فأخذ آزر ابنه إلى بيته.
وكان آزر يسترزق من نحت الأصنام زاعما بالباطل كسب المال الحلال ولم ينس وصية النمرود فى تحذير ابنه وتهديده من غضبه. وأشرك إبراهيم ابنه فى عمله وكان يأخذ الأصنام التى يصنعها الأب ليلا إلى السوق نهارا ويبيعها وفق أوامر أبيه، وتحمل حضرة الخليل لفترة مهمة القيام بهذه الخدمة الكريهة وهى بيع الأصنام رعاية لحقوق الأبوة، وكان إذا خرج إلى الطريق لبيع الأصنام التى سلمت له يظهر أنواع التحقير والاستهانة والكراهية لهذه الأصنام وكان ينادى «من يشترى هذه الأصنام التى لا تضر ولا تفيد؟ وكان يربطها أحيانا-ويجرها فى الأسواق ممرغا وجوهها بالتراب كالجيفة القذرة. ويأخذها إلى حافة الماء ويقول اشربى الماء ويقلب رؤوسها إلى الأسفل.
وكان لا بد أن تثير هذه الأعمال النماردة المتعصبين، إلا أنهم لم يقدروا أن يتعرضوا له بسوء، احتراما لآزر وخوفا منه لأنه كان يشغل منصب «حارس الأصنام» وهو بحكم منصبه هذا يتمتع بمكانة لدى موظفى حكومة النمرود وكان له رأى مسموع وحكم نافذ.
وكانوا يشترونها منه حيثما يرونه. ورغم أن هذا الأمر وصل إلى سمع «النمرود» إلا أنه كان قد نسى الرؤيا وتحذيرات الكهنة، لذا لم يهتم بما ظنه شائعات مغرضة إلى أن حل عيد النماردة المشهور.
وكلما كان يحل هذا العيد يقوم كل إنسان بإعداد كل ما يستطيع إعداده فى
стр. 185
بيته من أنواع الأطعمة اللذيذة، ويضعونها حول الأصنام التى فى المعابد ويذهبون إلى الصحراء، ولدى العودة مساء يسعون لعبادة أصنام المعبد ويأخذون بقايا الطعام المتروك فى المعبد.
ويقسمونه فيما بينهم. وكانوا يعتقدون أن أكل الأطعمة التى أخذوها من هناك ستجلب الخير والبركة لمنازلهم. وكان الفئران وسائر الحيوانات تلتف حول الأطعمة وتأكل أكثرها. وكان أفراد النماردة الذين يرون نقص الطعام يقولون إن آلهتنا قد رضيت عنا إذا أكلت من طعامنا ويظهرون السعادة والسرور والفخر لهذا.
وكان هذا المعبد فى ذلك العصر من أمتن المعابد وأجملها حيث توضع الأصنام فيها وقد غطيت جدرانه بالرخام الأبيض والأخضر. وكان فى داخل هذا المعبد ثلاثة وسبعون صنما مصنوعا من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والحجر والأشجار وقد وضع كل واحد منها فى مكانه اللائق.
وكان كل صنم من الأصنام المذكورة موضوعا فوق كرسى من الذهب، كما وضع على رأس أكبرها-ويسمى «بهو» تاج مرصع بالجواهر الفاخرة، وكانت عيناه مصنوعة من الياقوت الأحمر (١).ورصت بقية الأصنام عن يمينه وشماله. «بدايع الزهور».
وعند حلول العيد المذكور، شغل صغار النماردة وكبارهم بإعداد وترتيب لوازم العيد، وذهب جمع غفير من الناس إلى حضرة الخليل وطلبوا منه مرافقتهم قائلين: «يا إبراهيم سنذهب غدا إلى ساحة العيد الواقعة فى صحراء كذا فإذا ذهبت معنا ورأيت ما أقيم من الزينات وآلهتنا بعد العودة ستؤمن بأننا على دين أفضل، ومنهج مرغوب ومستحسن ولكن الخليل تمتم قائلا سأحطمها وعزم فيما بينه وبين نفسه على عدم الذهاب إلى الصحراء مع هؤلاء الكفرة ونظر إلى السماء -مثل العارفين بعلم الفلك مسايرا لما يعتقده النماردة وقال: يبدو فى اتصال
стр. 186
الكواكب أن مرض الطاعون قد يلم بى واستأذن من والده آزر أن يسمح له بالبقاء فى المدينة وادعى المرض.
وتركه النماردة خوفا من أن يعديهم بالطاعون وذهبوا إلى الصحراء. وخلت المدينة من الناس.
وذهب إبراهيم وحيدا فريدا إلى معبد الآلهة التى كانوا يقدسونها ويعتزون بها ودخل فيه، وأخذ يسخر من الأصنام قائلا: ألا تأكلون هذا الطعام؟ ماذا أصابكم حتى لا تجيبوا؟ ثم أسقط الأصنام الاثنين والسبعين المرصعة والأوثان المزينة بطلاء الذهب من فوق كراسيها فصارت جزازا وعلق الفأس فى رقبة أكبر صنم منها وهو «بهو» وبعد أن فعل هذا رجع إلى بيته (١).
وكانت حكمة سيدنا إبراهيم من تعليق الفأس فى رقبة «بهو» أن يقول للنماردة «سلوا الأصنام التى تعبدونها وقد صارت ألف قطعة ليقولوا من الذى فعلها، وجعلهم على هذه الحال» فهو يريد أن يعرفهم بأن الأصنام لا يمكنها أن تتكلم حتى يشعر النماردة المتعصبون بالحقارة ويستحيوا من أنفسهم.
ورجع النماردة الضالون من ساحة العيد وذهبوا إلى معبد آلهتهم كعادتهم.
وعند ما رأوا الأصنام المطلية بالذهب التى يعبدونها ويقدسونها منذ سنوات طوال- وقد تحطمت جزازا بكوا بحزن وحرقة وتألموا، وارتموا على الأرض من شدة الخوف وتأوهوا، وأخذ كل واحد منهم يبدى رأيه فيما حدث. وقال أحدهم:
«لقد سمعت ابن آزر يهدد بتحطيمها فمن المحتمل أن ينفذ ما عقد عليه العزم ليحقر ديننا، واتفقوا كلهم على هذا الرأى وقالوا «إن إبراهيم بن آزر حطم آلهتنا وسحبوا المشار إليه إلى النمرود لاستجوابه وبدءوا فى تحقيق الأمر بسؤاله أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وبعبارة بليغة أجاب سيدنا إبراهيم» بالنظر إلى الفأس المعلق فى رقبة «بهو» لا بد وأن يكون هذا التصرف الحقير قد بدر منه، فاسألوه
стр. 187
عما حدث إذا كان فى استطاعته أن ينطق، وهو بهذا قد ألمح وصرح بأنه لا يليق بهم أن يعبدوا هذه الحجارة العاجزة عن إخبارهم بالضرر الذى أصابهم ولجأ النمرود وآزر إلى التهديد الذى لا يليق بالإنسانية لكى يسكتوا ذلك الرسول سعيد الطالع وتجرءوا على تعذيبه، لإجباره على الكلام واشتدوا عليه فى القول وأغلظوا عليه حتى يعترف بما فعل. وأصروا فى حوار غير لائق لاستنطاقه.
ولما رأى النماردة إصرار النبى الجليل على ترديد الفقرات التى تشمل على حقائق ثابتة «أتعبدون ما صنعت أيديكم، فى حين أنها وأنتم من خلق الحق ».
عندئذ أدركوا أنهم لن يستطيعوا إجبار سيدنا إبراهيم على السكوت، وبعد مناقشات مطولة ظهر عجزهم فى اتخاذ القرار اللازم، واضطروا لحبسه وسجنه مدة ثلاث عشرة سنة وفى النهاية قرر النمرود-وفى قول آخر عمل برأى رجل قبيح المظهر من أكبر بلاد فارس اسمه «هيوم» -وعزم على إحراقه فى النار.
وبنى مبنى ذا جدران عالية أمام الجبل الواقع مقابل قرية «كوثى (١)» من ملحقات الكوفة أو البصرة ونقل إليه حطبا يكفى حرقه لأربعين يوما وعلى رواية لثلاثمائة وست وستين يوما (٢).
وكذلك أشياء أخرى قابلة للحرق وملئوا بها المبنى المذكور وسكبوا عليها الزيت وأضرموا النار فيها من الجهات الأربعة.
استطراد
نظرا لوجود حى فى مدينة «أورفة» معروف باسم «كوثى» وبه مزار على اعتبار أنه المكان الذى ولد به سيدنا إبراهيم وبناء على هذا يتحتم أن يكون موقد النار المعد لحرق سيدنا إبراهيم فى «أورفة» وقد عرف أن هناك صندوقا أخضر على أنه مهد حضرة الخليل وهو داخل الغار الواقع أسفل قلعة «أورفة» وهم
стр. 188
يطلقون اسم «كوثى» على الحى الواقع بمحاذاة هذا الغار وهو متصل به كما يوجد فى هذه المدينة خرابة يطلق عليها قصر النمرود.
ويوجد غير هذا فى أحد الأبراج أطلال قلعة «أورفة» أطلال عمودين من الحجر يبعد أحدهما عن الآخر مسافة خمسين ذراعا.
وهذان العمودان معروفان بين الأهالى على أنهما المنجنيق الذى أعد لسيدنا إبراهيم.
وحسبما سمع من أهل أورفة، فقد مد إلى هذه الأعمدة حبلان سميكان، مثل الحبال التى تمتد بين المآذن ثم علقت هذه الحبال بشجرة وتركت فجأة وهكذا ألقى سيدنا إبراهيم فى خرائب المنجنيق الذى سنبين شكله فيما بعد. انتهى.
стр. 189
الشكل الثالث كان طول المبنى الذى أعد موقدا لسيدنا إبراهيم ستين ذراعا (٨٥ قدما) وعرضه أربعين ذراعا (٥٦ قدما و ٨ بوصات) وكان ارتفاع الجدران ٨٥ أو ٤٢ قدما وعلى قول ٢٨ قدما وأربع بوصات.
بيت
أيها الواعظ ما فى جهنم من نار بها تفزعنا ... إنهم يأتون منها بالنار ليحرقوا كلامنا
وحسب مضمون هذا البيت، فإن كل الدواب التى نقلت المحروقات إلى المحرقة كانت تتحرك ببط ء ما عدا فصيلة البغال، فقد كانت تسير بسرعة، ومنذ ذلك الوقت حرم عليه التوالد والتناسل.
وكذلك الحيوان المسمى بالضب فقد أصبح قتله واجبا شرعا، لأنه ساعد النماردة الضالين فى إشعال حطب المحرقة المذكورة.
أضرمت النيران فى الحطب-الذي يملأ المحرقة-مدّة أربعين يوما متتالية، واشتدت حرارتها لدرجة أنها لفحت وجه السماء وكانت الطيور التى تحلق مرتفعة تتساقط إلى الأرض مثل قطرات المطر، حتى إن سكان المدن والقرى المجاورة أشرفوا على الهلاك من شدة دخان النيران المشتعلة.
وأعد بعض الأفراد سراديب تحت الأرض لحماية أنفسهم من شدة الحرارة، فقد كان لهيب النيران يمتد إلى الأماكن المتناهية فى البعد. «بدايع الزهور» عند ما بلغت حرارة المحرقة منتهاها، جردوا سيدنا إبراهيم من ملابسه، وربطوا يديه وقدميه بسلسلة من الحديد بشكل محكم-ثم أجلسوه فى كفة المنجنيق الذى
стр. 190
صنعه النماردة بوحى شيطانى، وكان عمر سيدنا الخليل-آنذاك-قد تجاوز السابعة عشرة. وفى قول آخر التاسعة والعشرين.
وعند ما أراد النماردة-المشركين-أن يجردوه من لباسه الذى يستخدمه كسروال داخلى لجسمه الشريف، ليكشفوا عورته للنيران شلت الأيدى التى امتدت للباسه الشريف. ولم تتحرك، وجاء النمرود وهو فى غمار هذه الحال التى تبعث الدهشة واستدعى حضرة الخليل-على نبينا وعليه التبجيل-وقال له:
يا إبراهيم إننى سألقى بك فى هذه النار فلترى إلى أى إله ستتضرع وينجيك؟ فلما أجاب ربى الذى يحيى ويميت. واستدعى اثنين من المحكوم عليهما بالقتل، فعفا عن أحدهما وأطلقه، وقتل الآخر، كأنه يقول أنا أحيى وأميت مثل ربك.
وعند ما ما تلقى سيدنا إبراهيم هذا الرد الذى يوحى بالبلاهة تعجب من حماقة النمرود وبمقتضى المثل عديم المثيل قال: إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فسكت النمرود ولم يستطع الرد، وبهت.
ولكن النمرود المغرور العاتى العنيد لم يتعظ من هذا الحوار وأمر بإلقاء إبراهيم فى النار المشتعلة الملتهبة.
وفى نفس اللحظة جاء ملكان وأمسكا بحضرة الخليل من جانبيه وأنزلاه وسط النار بمنتهى الهدوء والوقار. وجاء جبريل-﵇-بخلعة من خزانة الجنة وألبسها له. وأعد-بأمر الخالق-بساطا مزركشا لا مثيل له وفرشه فى المكان الذى سيقيم فيه ونمت خمائل كثيرة فى الجهات الأربعة، عرضها وطولها عشرون ذراعا (٢٨ قدما و ٤ بوصات).
وفى وسط هذه الخميلة التى تفوق الخيال، وعلى حافة المكان الذى جلس فيه سيدنا إبراهيم كان يجرى ماء فرات يبعث الحياة.
أبيات
شاء النمرود الدون للخليل إحراقا ... إلا أن تلك النار أصبحت نورا براقا
стр. 191
ولما بلغت النار عابد الرحمن ... أصبحت روضة تبدو سعيرا للعيان
وفى أثناء وضع سيدنا إبراهيم على كفة المنجنيق لإلقائه فى النار، أجهش ساكنو الملأ الأعلى بالبكاء وكذلك العالم الأسفل، ودعوا الله قائلين:
«يا مالك الملك على الإطلاق، إن أعداءك يلقون بحضرة الخليل فى النار، فبعد هذا لن يبقى على وجه الأرض من يعبدك، لأنه لا يعترف بوحدة وجودك- على الأرض-سوى سيدنا إبراهيم، فإذا أذنت فإننا ننصره» بلغ طنين النداء عنان قبة السماء والأفلاك واسودت طبقات أعتاب السماء وأضحت مثل لون الأرض ولكن الخطاب الإلهى دوى: (إبراهيم خليلى، وليس لى خليل سواه وأنا ربه وليس له رب سواى فإذا طلب منكم النصرة فساعدوه، فقد أذنت لكم. ولكننى متأكد بأنه لن يدعو سواى) وهكذا سعى الكل إلى عرض نصرته وعونه لسيدنا إبراهيم بصورة ما، فأجابهم سيدنا إبراهيم: «حسبى الله ونعم الوكيل».
فأصبحوا فى حزن وهم وقد سمعوا هذا الجواب من إبراهيم. وفى أثناء إلقاء الخليل فى النار كان يردد:
«لا إله إلا أنت، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك»
فانصهرت السلاسل الحديدية التى كبلت جسمه النبوى المغمور بالنور وسقطت على الأرض، من شدة حرارة لهيب النار التى لم تستطع أن تؤثر فى جسمه الميمون-عليه التعظيم وفى وقت إلقائه فى النار-ظهر جبريل الأمين وخاطبه قائلا: يا إبراهيم، إذا كان لديك طلب منى فقله، فالوقت قد ضاق فأجابه قائلا:
لقد وجهت وجهى إلى واهب الآمال الذى هو قبلة المحتاجين فى العالم ولا حاجة لدى أعرضها عليك فقال: إذا كان الأمر كذلك فاعرض ما فى ضميرك لكى تنال مرامك، فأجاب إبراهيم ﵇: إننى أعتبر الدعاء فى هذه الحالة سماجة، فعلم الله بحالى يغنى عن سؤالى.
стр. 192
بناء على هذا، فإن النار الموقدة منذ أربعين يوما أصبحت بأمر الله روضة أزهار يانعة، تنعش الروح، وتأسر القلب بمقتضى الخطاب الكريم الجليل.
(﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾) (الأنبياء:٦٩) وبالخطاب الإلهى تحول داخل المحرقة إلى عالم آخر، وانقلبت نار النمرود إلى هواء عليل، وفقدت النار قوة إحراقها وإن بقى لهيبها عاليا. وتفجر داخل هذه المحرقة التى تشبه جهنم ماء عذب بارد، ونبتت فى جهاتها الأربعة فصائل الأزهار المختلفة الألوان وتزينت بكل أنواع الرياحين. وخلق ملك، له شكل وصفات سيدنا إبراهيم-عليه التحية والتعظيم وأخذ يؤنسه بالتحدث معه.
(شمس التبريزى).
ذكرها الخليل محبورا ... وأصبحت نار الخليل كلها
النسرين حمراء كالورد ... لخليل رب الوجود
إذا جال التساؤل الآتى بالخاطر ما الحكمة من امتحان الله تعالى نبيه إبراهيم بإلقائه فى نار النمرود؟! مع أنه خليله؟ بينما لم يمتحن مخلوق قط،حتى زمن إبراهيم بإلقائه فى النار؟! يكون الجواب.
إن إبراهيم-﵇-كان يخاف من نار جهنم خوفا شديدا، وأراد الله أن يبين أن النار لا تستطيع أن تضر أحدا إلا بإذنه، لذا ابتلاه بإلقائه فى النار.
(بدايع الزهور).
بعد هذه الواقعة بأربعين يوما، كانت النار التى انشغل النمرود بإيقادها مدة طويلة يراها من نافذة قصره المنيف وقد أصبحت روضة من بساط أخضر، وصحراء تبهج القلب وتسعد الفؤاد، مزينة بزهور النسرين الندية، وكان سيدنا إبراهيم يجلس على حافة المياه التى تجرى داخل روضة الأزهار النادرة، والحديقة
стр. 193
الغناء وهو يرتدى القميص الذى جلب له من خزانة الجنان، وقد غرق فى بحر المحبة والصحبة مع الملاك الذى يشبهه قلبا وقالبا واستولى على النمرود قلق وحيرة مما يرى، وقال مخاطبا إبراهيم لو أن المكان الذى أنت فيه كما يتراءى لعينى يدل على أن ربك إله عظيم ذو مقدرة خارقة وعظمة هائلة فأنا أومن به، وإن أمكنك التحرك من هذا المكان الذى تحيط به النار وتحرق ما حولك.
فتعالى، وجاء الجواب نعم إن النار لا تستطيع أن تحرق قدمى، فناداه قائلا إذا كان الأمر كذلك فتعال إلى لأرى فخرج سيدنا إبراهيم من النار التى تشبه الجحيم وهو حافى القدمين وذهب إلى ناحية النمرود.
حكمة
قال مؤلف بدايع الزهور عند ما كان نمرود يمعن النظر من قصره إلى حضرة الخليل، تطايرت شرارة من المحرقة، فأحرقت كل الملابس التى كان يرتديها النمرود المشئوم الطالع الملعون، لكنها لم تمس جسده بضرر وهذه إشارة لطيفة توضح أن النار لا يمكن أن تصيب أى إنسان بضرر، طالما لم يأذن الله القادر بالأذى.
وعند ما رأى النمرود أن النار لم تصب حضرة الخليل بضرر أو أذى قال: يا إبراهيم كنت تتحدث مع شخص يشبهك، وأنت بداخل هذه الروضة، من كان هذا الشخص؟ ولماذا كان يطوف حولك؟ وتلقى جواب إبراهيم: هو ملك الظل أرسله إلىّ حضرة القادر لأتحدث معه، عندئذ كف يده عن إيذائه وإرهابه وقال:
يا إبراهيم لا يمكننى أن أقبل دينك وأترك كل هذه الرفاهية والأبهة والسلطنة ولكننى سأنحر القرابين تقربا لإلهك لأنال رضاءه وأذبح أربعة آلاف ثور ومثلها من الشياه.
إلا أنه زاد طغيانه فيما بعد وهبّ لتحدى خالق الإنس والجن ومحاربته، فسلطت عليه بعوضة وهى أضعف مخلوقات الله فكان موته من قرصتها.
وفى تلك الأوقات كانت النار تحرق الحيوانات التى يذبحها الأفراد قربانا لله
стр. 194
دليل قبوله. وعند ما رأى النمرود أن القرابين التى ذبحها لم تلق قبولا عند الله، لأن النار لم تمسها خجل من الذين يعبدونه ودخل داره ولم يسمح لأحد بالدخول إليه. أما تصرفه هذا كان سببا فى دخول كثيرين من أتباعه فى الإسلام وهكذا لاذ هؤلاء السعداء بقلعة الإسلام المتينة.
وكان للنمرود بنت تسمى «رغفت (١)» وكان نور الهدى والسعادة يتألق فى جبين هذه البنت. وقد استأذنت «رغفت» والدها فى الذهاب إلى حافة المحرقة لرؤية إلقاء حضرة الخليل فى النار. وأراد النمرود أن يمنع «رغفت» من الذهاب فادعى كذبا موت إبراهيم قائلا: «يا ابنتى لم يبق أثر حتى لرماد إبراهيم».
لكن «رغفت» ألحت فى الرجاء، وأخذت الإذن من والدها وذهبت إلى حافة المحرقة التى ألقى فيها سيدنا إبراهيم حضرة الخليل وسط روضة عجيبة الأزهار، فقالت:
«يا إبراهيم، ما أحسن حالك النار لم تحرقك» فلما أجابها «إن النار لا يمكن أن تحرق أولئك الذين فى قلوبهم معرفة الله الكريم وفى لسانهم الكلمة المنجية» بسم الله الرحمن الرحيم فقالت «إذا أذنت لى أن أذهب إلى جوارك» ودخلت وسط النار وهى تردد الكلمات المنجيات بلسان الصدق والإخلاص على النحو الذى علمها حضرة إبراهيم «لا إله، إلا الله إبراهيم خليل الله.
ولما لم تحترق أقرت واعترفت بلا تردد بوجود الله موجود الوجود وسعدت بنيل الوصول إلى سعادة الإيمان السرية. وعند ما ضاق والدها النمرود وتكدر من إيمان «رغفت» بإله إبراهيم، ولم تؤثر فيها النصائح التى ظل ينصحها بها كثيرا لكى ترتد فقيدها من يديها وقدميها، ولكنه لم ينجح فى صرف ابنته عن دين إبراهيم، لأن حضرة الخليل نقل «رغفت» إلى مكان آخر، صور الله القادر المطلق إحدى بنات النماردة ممن أمعن فى الكفر والشرك على هيئة «رغفت» فقتلها النمرود ظنا منه بأنها «رغفت».
стр. 195
وبعد هذا نقلت «رغفت» إلى المكان الذى هاجر إليه سيدنا إبراهيم، وتزوجت من مدين بن إبراهيم، وأصبح لها من مدين عشرون ابنا وحفيدا واكتسى أكثر هؤلاء خلع النبوة الفاخرة.
وعند ما نجا إبراهيم-﵇-من ضغوط النمرود، صدق بنبوته لوط بن هارون والآخرون من الوجهاء وسعدوا بنيل مرامهم، أما سارة بنت هارون فسبقت الجميع فى الاعتراف بنبوة إبراهيم وردت على تساؤل (أدنى) يا سارة ألا تخافين أن يقتلوك؟
أجابت: كيف أخشى وقد آمنت بإله ابنك خليل الله، ولا بد أن يكون هدف (أدنى) من هذا السؤال هو اختبار مدى قوة إيمان سارة، لأن الحافظ السهيلى.
نقل رواية تتصل بهذا الموضوع والتى تبين أن (أدنى) كانت من أهل الإيمان لكنها أخفت إيمانها وكتمته عن النماردة.
وقد اختلف المؤرخون السابقون فى تحديد شخصية هارون، فقال بعضهم إن هارون كان ملكا على مدينة حران.
وقد تزوج حضرة الخليل من ابنته سارة لما هاجر إلى حران، وقال بعض المؤرخين إن هارون كان أخا إبراهيم.
وقال الآخرون: إنه كان عمه الأكبر، وكان الزواج من ابنة الأخ جائزا شرعا فى تلك الأوقات.
وهناك من يدعى أن أخا إبراهيم وعمه يحملان اسما واحدا وهو هارون وأن ناحور جد سيدنا لقمان بن باعور أخو هارون ويفهم من هذه الرواية أن السيدة سارة كانت ابنة ناحور، والله أعلم بالصواب.
стр. 196
الشكل الرابع
إخطار:
على رغم عدم وجود المعلومات الصحيحة حول ما إذا كان المنجنيق الذى علمهم صنعه إبليس ذو التلبيس لإلقاء سيدنا إبراهيم فى النار هو نفس الآلة التى بينا شكلها أم لا. ولكننا نستطيع أن نحكم أنها تشبه المنجنيق الذى اخترع فى زمن النمرود الشقى، خاصة أن هذه الآلة من الآلات الحربية القديمة المستعملة فى الحروب قبل اختراع الأسلحة النارية.
ونقول فى وصف شكل الآلة المذكورة، إنها عبارة عن قطعتين من الخشب قويتين ورصينتين، وربطت كل منهما بالأخرى فى شكل أفقى، ومدت بينهما أحبال وغرست فيها-فى نهاية الخشبتين والموضوعتين بشكل أفقى، بواسطة وتر طويل بقدر كاف مثل الملعقة، وقد ربطت بوتر أفقى ثالث من أطرافها العلوية.
أما طريقة استعمال هذه الآلة، فإن الوتر «م» ينتقل إلى الوضع الأفقى بواسطة البكرة «دد» مرميها وتوضع الأشياء التى ستلقى فى الوتر (م) المذكور ويتم إرخاء ذلك المسمار وتلك البكرة وهكذا تصطدم الخشبة (م) بالوتر ق وتلقى الأشياء إلى النقطة المطلوبة.
صورة هجرة سيدنا إبراهيم إلى مصر:
بعون الحق وعناية فيض الله المطلق نجا إبراهيم من نار النمرود، وتزوج بسارة ابنة أخيه وعلى قول ابنة عمه، وظل لفترة طويلة منتحيا جانبا، يعالج الآلاف من أهل معقل العصيان مرضى القلوب من خلال إرشاداته الشافية.
ولما أخبره ابن أخيه لوط أن النمرود يريد أن يزعجه (١) بالكيد والإساءة إلى
стр. 197
الآخرين، اصطحب سارة وابن أخيه واتجهوا نحو مصر ليبتعدوا عن شرور النماردة المستحقين اللوم واللعنة. وقبل ذلك أقاموا قليلا فى حران، ثم فى بعلبك الشام ولم يمكثوا فى مصر ذات الأهرامات طويلا، وغادروا راكبين إلى الشام ونزلوا فى وادى السبع وكان قد اصطحب معه أمه مع والده آزر، غير أن آزر انتقل إلى دار الآخرة فى مدينة حران وقد بلغ الخمس بعد المائة.
إضافة:
وادى السبع موضع فى «طريق الرقة» وقد قال «وائل بن قاسط» عن سبب تسميته «ما أدرى عن هذا شيئا إلا أنه وادى السباع» ووائل هذا رجل من مشاهير العرب دخل بالصدفة إلى خيمة أسماء ابنة ريم فى أثناء عبوره من المكان المذكور.
وكانت أسماء فائقة الحسن ونظرا لوجودها بمفردها فى خيمتها عند مجئ «وائل بن قاسط» فطمع فى أن يقضى وطره منها فامتنعت وهى تدافع عن نفسها قائلة:
«إذا لم تكف يدك عنى فإننى سأستدعى سباعى، ولم يكن وائل يرى أحدا سواها، وعند ما قال لها يا ترى أين سباعك؟!
نادت أسماء بصوت عال: يا كليب يا ذئب، يا دب، يا فهد، يا سرحوف، يا أسد، يا ضبع، يا نمر.
وهذه الأسماء كانت أسماء أبنائها فظهر كل واحد منهم من ناحية وهو شاهر سيفه فخاف وائل منهم وظل يقول «ما أدرى هذا إلا وادى السباع»،لذا أطلق اسم «وادى السباع» على الموضع المذكور.
وقلة من المؤرخين الذين بينوا سبب هجرة سيدنا إبراهيم: «فى اللحظة التى نجا فيها حضرة الخليل من نار النمرود صدق بنبوته لوط بن أخيه هارون وسيويل بن ناحور ابن أخيه الآخر وسارة ابنة هارون ابنة عمه وسارعوا بالاعتراف والإقرار بوجود واجد الوجود.
وتكاثر أتباع خليل الرحمن بإقبال الناس على الإيمان بوحدانية الله-سبحانه
стр. 198
وتعالى-أما صناديد النماردة فكانوا قلقين من تزايد عدد المسلمين وأخذوا يبحثون عن وسيلة للقضاء على حضرة إبراهيم-﵇-وإبعاده من كل بابل وما حولها.
وأخذ النماردة يؤسسون الجمعيات فى كل مكان ويوسعون دائرة الشر ويعملون على تقوية أنفسهم حينئذ عثر النمرود على حضرة الخليل، وقال له:
«يا إبراهيم! أصبحت إقامتك هنا غير مأمونة الآن، وربما ستكون خطيرة، لذا يستحسن أن تهاجر إلى مكان أمين تقيم هناك فترة وتستريح.
ووافقت فكرة الهجرة فكر إبراهيم أيضا فترك مدينة بابل متجها إلى مصر، وعند دخول حضرة إبراهيم إلى الحدود المصرية علم أن شرفه وعرضه لن يسلم من اعتداء فرعون. وبناء عليه وضع السيدة «سارة» فى داخل صندوق فى أثناء دخوله إلى مصر ولكن الموظفين المنتشرين خارج المدينة وداخلها كسروا هذا الصندوق بالقوة، وأخرجوا السيدة سارة رضى الله عنها.
ولما أعجبوا بحسنها الأخاذ وجمالها أبلغوا فرعون بالأمر وتكفل به الجواسيس الذين كانوا معهم إذ أسرعوا إلى فرعون قائلين: قد جاء إلى مقر عرشك رجل وزوجته تمتاز بجمال فريد وحسن لم ير أو يسمع عن مثله حتى هذه اللحظة وسهلوا له استدعاء إبراهيم.
وبناء على هذا أحضروا إبراهيم-﵇-وزوجته إلى فرعون.
إخطار:
كان فراعنة مصر فى ذلك الوقت يقيمون فى بلدة منف. وكانوا يأخذون الرسوم والضرائب من المسافرين الذاهبين والقادمين بواسطة حراس الطرق وفق نظم موضوعة.
رغم وجود أقوال كثيرة ومختلفة حول السن التى كان بلغها حضرة الخليل عند هجرته إلى مصر، فإن صاحب تاريخ العالم قد قبل الرواية التى تخبر أن سيدنا
стр. 199
إبراهيم كان فى السبعين من عمره، كما اتفق المؤرخون على أن فرعون مصر فى ذلك الوقت كان «سنان بن علوان» من أبناء سام بن نوح ﵇.
ومع هذا يدعى صاحب «بدائع الزهور» أن اسم فرعون الملك هو طوطيس «انتهى».
عند ما رأى فرعون جمال سارة وحسنها-رضى الله عنها-سحر بهذا الجمال الذى وصف بأنه قطعة من نور السماء. تحركت رغبته الشهوانية، استدعى خليل الرحمن وسأله ما صلة سارة بك؟ وسرعان ما أدرك نيته تجاه أمنا سارة.
ولم يكن فى ذلك الوقت فى مصر من يعبد الله الحق، لذا خاف إبراهيم ﵇-من تعرض «سارة» لسوء فأجاب قائلا: «إن سارة أختى وبهذا كان يريد أن يلمح أن سارة أخته فى الدين ولم يكن هنا أحد يعرف حقيقة الأمور.
وإن كان فرعون اقتنع بأن سارة أخت إبراهيم من بطن واحد إلا أنه قرر فى قرارة نفسه ألا يمنعه هذا الأمر من ارتكاب ما صمم عليه، وأمر بأن يخرج إبراهيم من قصره. وتدخل «سارة» إليه فى خلوته، وبدأ رأسا تنفيذ ما فى نفسه قائلا: «وإن كان إبراهيم أخاك فأنا لست أخاك» ومد يده إليها وتوهم أنه سينال منها. وبما أن زوجات الأنبياء مصونات لا تمسهم أيادى الأجانب والأعداء فلما أراد أن ينفذ ما يريده وإذا بجدران القصر المشيد وأسقفه تهتز وإذا باليد التى مدت إليها تشل (١) رأى (سنان بن علوان) هذا الحادث الشريف المخيف المرعب فاستولى عليه الخوف والفزع وطلب من السيدة سارة أن تدعو الله لتعود يده إلى حالتها الأولى. وأخذت السيدة «سارة» تدعو إلى الله وتبتهل فترة دون أن تنظر لما ارتكبه فرعون مصر. وإذا باليد التى شلت وجمدت تعود إليها الحياة كما كانت من قبل.
стр. 200
وكان هذا الفرعون الذى إنكب على الظلم والإهانة وأصر عليها، قد تكررت محاولته ثلاث مرات وعلى رأى مؤلف-بدائع الزهور-سبع مرات، فاندهش فرعون وسألها ما هذه الحال؟ وكان جوابها إن الرجل الصالح إبراهيم زوجى.
وفهم فرعون حقيقة الأمر.
فأخذ يستعطفها وقال لها معظما موقرا: «يا سارة إننى لن أحاول أن أتعدى عليك مرة أخرى وإننى تخليت عن شهواتى النفسية» لذا أطلب منك أن تدعو ربك مرة أخرى حتى تعود يدى لحالتها الأولى. وقامت سارة تدعو الله قائلة: «إذا كان فرعون صادقا فى قوله أعد يده إلى حالتها الأولى» وقد استجاب الله لدعائها فرجعت يد فرعون لحالتها الأولى.
إتعظ (سنان بن علوان) من هذه الحادثة المليئة بالحكم، وأهداها جارية قبطية لا نظير لها وملكها لسارة ثم تركها تذهب إلى زوجها إبراهيم-﵇ الذى كان خارج القصر يعانى من القلق والاضطراب والحيرة كأنه غارق بين أمواج البحر المتلاطم.
إخطار:
بناء على بعض الروايات أن هاجر لم تكن جارية رقيقة بل كانت من بنات ملوك القبط.وقد أهداها فرعون لسارة قائلا: «ها أجر دعائك» وهذا يفيد سبب تسميتها «بهاجر».
أما إبراهيم-﵇-فحينما أخذت سارة إلى خلوة فرعون أصيب الزوج حسب بشريته بالهم والغم واضطرب اضطرابا شديدا فلم يكن منه إلا أن يتوجه إلى عتبة قاضى الحاجات داعيا. وأراد الله أن يخلص إبراهيم-﵇-من أوهامه ووساوسه، فحول جدران قصر فرعون الكثيفة إلى زجاجة شفافة لطيفة كأنها مرآة تعكس ما فى داخلها وهكذا رفعت من أنظار إبراهيم-﵇-ستائر الظلام والحجاب وهكذا قد اطلع على ما جرى بين (سنان بن علوان) وبين سارة زوجته. ولما جاءت المشار إليها.
стр. 201
أبيات
مرت فى بحر الحسن هاجر ... والصدف يجدر بالدر
وصلب الخليل الطاهر ... وهبها ذلك الجوهر
فظهر على الفور حملها ... كانت درة، لا درة مثلها
كابن من جوهر ينفق فى أيام ... أما هى فوديعة على الدوام
رغم أن المشهور هو أن ولادة سيدنا إسماعيل-باهر السعادة-كانت عام ٢٧٨٢ قبل الهجرة النبوية، وعلى قول إنه كان سنة ٢٧٦٣،فإن هناك من يدعى أن ولادته كانت عام ٢٥٢٨ أو ٢٩٠٢ قبل الهجرة النبوية، وكان سيدنا إبراهيم آنذاك فى السادسة والستين من عمره.
سبب سفر خليل الرب الجليل إلى واد غير ذى زرع
ومكة وطريقة سفره
سكن إبراهيم-﵇-فى قرية تسمى «فسط» تقع بين البلدة المسماة «رملة» (١) و «أيلة» (٢) فى أرض فلسطين (٣).
وأصبح واسع الثراء مما ساعده على استضافة المسافرين الغادين منهم والرائحين.
стр. 202
وعند ما اقترب وقت هلاك قوم لوط الخبثاء أخرج سيدنا لوط من بين الطائفة الخبيثة. ونزلت الملائكة ضيوفا على بيت خليل الله، وبعثت السعادة فى نفس السيدة سارة-رضى الله عنها-بتبشيرها بولادة سيدنا إسحاق باهر السعادة.
ويروى أن هؤلاء الملائكة كانوا اثنى عشر ملكا، وفى رواية أخرى أن الملائكة هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل-﵈.
لم يعرف سيدنا إبراهيم أن ضيوفه كانوا الملائكة وقام بنفسه بخدمتهم وتوفير ما يلزمهم وذلك تعظيما لشأنهم.
وأعد لطعامهم عجلا صغيرا سمينا، ولما رأى أن الضيوف لا يمدون أياديهم إلى الطعام علاه الخوف والوهم وبدت عليه مظاهر الخشية والرهبة فخاطبه الملائكة قائلين: «لا تخف يا إبراهيم إنا مرسلون لقوم لوط» (إبراهيم:٧٠)
حينئذ أدرك أنهم رسل مكلفون من عند الله، وصرح الملائكة بحقيقة الأمر وأفهموه أنهم نزلوا من السماء لكى يقهروا ويدمروا قوم لوط الذين زاد فجورهم وبغيهم، كما بشروه بأن السيدة «سارة» ستلد له غلاما سعيد الطالع اسمه إسحاق.
كان هذا الحوار قبل هجرة نبينا عليه أفضل التحية ب ٢٧٩٢ سنة، وفى قول آخر ٢٧٧٣،وفى قول ثالث ب ٢٥٣٨ سنة وفى رابع أنه كان قبل الهجرة ب ٢٩١٢ سنة.
كانت السيدة «سارة» فى ذلك الوقت تقف بجوار زوجها المكرم إبراهيم-﵇-وسمعت ما قاله الملائكة الكرام، ولكنها استبعدت أن يكون لها ولزوجها أولاد، فهى ترى نفسها عجوزا كما أن زوجها شيخ كبير.
فقد كانت فى التسعين من عمرها، وكان سيدنا إبراهيم فى السادسة والتسعين من عمره، ولذلك تبسمت لبشرى الملائكة هذه، ومع ذلك فقد جاءها الحيض، وبعد انقضائه حملت ثم ولدت إسحاق-﵇-بعد عشر سنوات من ولادة إسماعيل.
стр. 203
استطراد
فى الليلة التى سيولد فيها سيدنا إسحاق رأى سيدنا إبراهيم فى الرؤيا، أن ألف كوكب مضئ يجتمع فى برج واحد، وقص ما رأى على جبريل الأمين ورجاه أن يفسر له دلالة هذه الرؤيا. فقال له جبريل الأمين فى تفسير رؤياه إنها تشير إلى أنه سيخرج من الصلب الطاهر لابنك إسحاق الذى سيولد من زوجتك سارة، ألف رسول سيكونون زينة الدنيا.
سر إبراهيم-﵇-من التأويل وأخذ فى التضرع إلى الله قائلا:
«اللهم اجعل لابنى إسماعيل أيضا نصيبا من هذه النعم الجليلة» وبمجرد ما انتهى من دعائه استمع إلى صوت هاتف يتردد بصداه يا إبراهيم، سيأتى من نسل إسماعيل الطاهر نبى عظيم القدر، كريم الخلق واجب التعظيم، وسيكون هذا النبى بداية رسالة المرسلات وخاتم باب النبوة، وهو مخلوق محمود، وسبب وجود الرسل والأنبياء واسمه الشريف (محمد المصطفى).
فبدت عليه علامات السعادة، وكان سببا فى ظهور تلك الساحة المزينة بالأنبياء وشكر الله معربا عن امتناعه وحمد الله على نهج الآية الكريمة: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» (إبراهيم:٣٨).
(قصص النيسابورى)
إن السيدة سارة-رضى الله عنها-قد أنعم الله عليها بابن تسعى السعادة فى ركابه، عالى القدر مثل إسحاق ﵇، وقد غلبت عليها فى نهاية عمرها نوازع غيرة النساء بصورة تجاوزت كل الحدود. وكانت تغار من السيدة هاجر أم إسماعيل-﵇-ولما رأت أن سيدنا إبراهيم يحب امرأته هاجر وابنه إسماعيل حبا جما قررت «سارة» ألا تألو جهدا لتكدير زوجها باستخدام جميع الأساليب المؤذية.
стр. 204
لم يستطع إبراهيم-﵇-أن يتحمل أعباء الشيخوخة وظلم «سارة» وسخريتها فأراد أن يجأر بالشكوى من تصرفات «سارة» ولكنه قال فى نفسه «سارة ناقصة العقل وأنت من فحول العقلاء فعليك أن تتحمل سلوك غير المتزن كالرجال الشهماء» وعزم على السكوت. ومع ذلك حدث ذات يوم أن أعرب عن حبه لإسماعيل ابنه الأكبر فى وجود أخيه الأصغر إسحاق.
غار إسحاق من كلام أبيه بحكم صغر سنه، وغضب من والده وخاصمه فأثار هذا غضب أمه سارة، ولهذا أقسمت بالله أن تشوه جاريتها هاجر بقطع جزء من لحمها.
عند ما سمعت هاجر قسم السيدة سارة ملأها خوف شديد فأسرعت بالخروج إلى الوادى وقررت الهرب إلى مكان تأمن فيه على نفسها ثم ربطت فى خصرها (١) وتركت ذيل ثيابها يجر على الأرض ليخفى آثار أقدامها.
وعند ما هدأت غيرة النساء فى نفس السيدة سارة-رضى الله عنها-بعد فترة ندمت على ما بدر منها من قسم فى حق السيدة هاجر، ووجهت كل أفكارها واجتهادها لتجد سبيلا للوفاء بقسمها دون أن تؤذى هاجر.
فقال لها زوجها المكرم: «يا سارة» اقطعى جزءا من اللحم الزائد من عضو هاجر المستور ليكون ختانا، وافتحى ثقبا فى الموضع الرقيق من أذنها، فإذا علقت به قرطا تكونى قد وفيت بقسمك. فختنت السيدة سارة السيدة هاجر وثقبت أذنها وعلقت بها قرطا وهكذا برت بقسمها.
إخطار:
كان هدف سارة-رضى الله عنها-من هذا القسم أن تنفر سيدنا إبراهيم من جاريته هاجر. ولكن الله- -أراد أن يجعل ختان هاجر سنة يتبعها المسلمون فاختتن إبراهيم-﵇-وزوجته «سارة» أما ما يتعلق بثقب أذن
стр. 205
هاجر فقد أصبح-بالنسبة لسائر النساء-وسيلة من الوسائل للتزين والتحلى باللآلئ والجواهر. وتثقب النساء-الآن-آذانهن، ويلبسن الأقراط،بل إن هذه العادة تعتبر من مكملات الزينة لدى النساء.
وبعد فترة جد نزاع-من نزاعات الصبية-بين الأخوين، جعل السيدة سارة فى ضيق وقلق دفعاها لإظهار ما فى قلبها صراحة وقالت لزوجها المكرم «إننى لن أستطيع بعد اليوم أن أعيش مع هاجر فى مكان واحد فخذها إلى مكان بعيد واتركها هناك».
وبناء على هذا أخذ حضرة الخليل زوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى أرض الحجاز العطرة وتركهما هناك.
وفى اللحظة التى أعربت فيها السيدة سارة عما فى ضميرها، وأقسمت على عدم قدرتها على الحياة مع هاجر فى بيت واحد هبط براق من السماء كريح الصبا، وقال إنه مأمور من الله بحمل حضرة إبراهيم إلى مكة. فما كان من النبى إبراهيم-﵇-إلا أن يركب البراق حاملا ابنه أمامه وزوجته خلفه، وطاروا صوب مكة المكرمة؛ وفق إرادة الله.
وفى أثناء الرحلة كان جبريل الأمين دليلهم، وكلما مروا بمكان فى أثناء الطريق سأله حضرة الخليل هل سنهبط هنا؟ يجيبه جبريل الأمين: «لا سنذهب إلى مكان أبعد» وقابلوا فى مكان قرب حدود مكة المعظمة طائفة من قوم العمالقة أحبت هذه الطائفة سيدنا إسماعيل ولا طفوه وأعطوا له عشرة من الغنم (١).
والمعروف بين المؤرخين أن سلالة الماعز الموجودة الآن فى مكة وما حولها هى بقية نسل الماعز الذى أهداه العمالقة-آنذاك إلى سيدنا إسماعيل.
وعند ما وصلوا إلى جبل «كدا» المواجه لجبل «حجون» (٢) قال جبريل الأمين:
стр. 206
«ستهبطون هنا فهذا المكان مقام عال. وهنا سيخرج من ذريتك رسول له شأن عظيم وبه تتم كلمة الإسلام».
ثم أنزل سيدنا الخليل فى المكان المقدس للبيت الشريف وكانت أرض مكة فى ذلك الوقت بيئة مليئة بأشجار البلوط وكانت خالية من الناس وتشبه الغابة ومحاطة بأشجار السنط المسماة «أم غيلان» من أشجار البوادى وكانت هادئة ساكنة.
وكان المكان المقدس للبيت الحرام مكانا مباركا مرتفعا بعض الشئ مغطى بالرمال الحمراء.
نظم
وفى النهاية خليل الله ... عمر هذا البناء وأعلاه
وبقدم هاجر المهاجرة ... أصبحت بها الصحراء عامرة
وشاهدت عيون تسعة أبناء ... أن حمل الفلك كبش الفداء
تبعه عين ماء الحياة التى سالت ... وجرى الماء وجرى قدم الحوض ليسلم
فتفجر ماء زمزم
وبعد أن أعطى سيدنا إبراهيم للسيدة هاجر جرة ماء ومقدارا من التمر، وعلى قول، إنه أعطاها ملء كيل من الدقيق وبين لها المكان الذى فيه حجر إسماعيل الجوهرة الخضراء داخل المطاف السعيد الآن. أو مكان بئر زمزم (١) الشريف وقال «يا هاجر، أقيمى خيمة هناك، واسكنى فيها-فهذا ما جرى به أمر قضاء الله».
стр. 207
فأجابته: «إذا كان هذا هو أمر الحق؟ فإن الله خير الحافظين سيحمينا ويحفظنا، فتلقى إبراهيم هذه الإجابة من زوجته ورجع-وكان سيدنا إسماعيل فى ذلك الوقت فى الثانية عشرة من عمره.
تنبيه:
لا يجوز لأى إنسان أن يترك أولاده وزوجته فى البرية والخلاء تقليدا لسيدنا إبراهيم، فحضرة الخليل عمل بالوحى الإلهى وتوكل على الله وهو يعلن أن الله خير الحافظين سيتولى حفظهم.
وتوكل عامة الناس لا يمكن أن يشبه توكل الرسل الكرام أولى العزم، الذين ذكروا فى هذا البيت:
أولو العزم نوح والخليل بن آزر ... وموسى وعيسى والحبيب محمد
وتقليد هذا العمل غير مشروع، وجاء فى بعض الروايات أن السيدة هاجر عند ما رأت نفسها وقد تركت وحيدة فى ذلك الوادى الغير ذى زرع تتبعت زوجها وقالت له: «هل تتركنا وتمضى عائدا؟ ولم تتلق منه إجابة بنعم أو لا فسارت وراءه حتى جبل» «كدا» وعند ما وصل سيدنا إبراهيم إلى الجبل المذكور التفت وقال: يا هاجر، إننى أستودعك الله أمانة عنده؛ فقالت له: إذا كان قد أوحى إليك بهذا. فإن الله الواحد الأحد-الذى تركتنا فى كنفه-كافينا وكافلنا .. ثم عادت إلى جانب إسماعيل وصعد زوجها المكرم إلى قمة الجبل سالف الذكر.
فلما رأى أنه ترك زوجه وابنه فى مكان موحش خال من آثار العمران والزرع، تأثر من فرط الرحمة والشفقة ودعا الله قائلا:
﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:٣٧) ثم رجع إلى الشام.
стр. 208
وفى قول آخر، إن السيدة «سارة» أصابتها الغيرة من إسماعيل-﵇ وقالت: يا إبراهيم، إذا كنت تريد لى راحة البال وهدوء الحال فاحمل هاجر وابنها إلى مكان قفر بلا ماء واتركهما هناك. ولما كان الوحى الجليل قد نزل آنذاك بأن يعمل تبعا لرأى سارة فإن، حضرة الخليل ترك المشار إليهما مع جرة ماء فى واد غير ذى زرع بمكة، ودعا على النحو السابق.
ولما كان دعاؤه مقبولا مجابا؟ فقد ظهرت قبائل «جرهم» و «قطورا» وعمرت مكة المكرمة، وأصبحت آهلة.
كيف ظهر بئر زمزم الشريف:
عند ما نفذ الماء من الجرة التى تركها الزوج المكرم-﵇-فى ثلاثة أيام، ورأت السيدة هاجر أن ابنها إسماعيل أصبح على وشك الموت من العطش ولا حيلة له، وهى أيضا لا حيلة لها ولا قوة، فلبن ثدييها قد انقطع (١).
وبعد أن تأملت وبكت لفترة، وهى فزعة جزعة من وحدتها فى ذلك الوادى الموحش، تركت ابنها إسماعيل أسفل الخيمة التى أقامتها من قبل وصعدت فوق قمة جبل الصفا للبحث عن الماء. ومن فوق هذا الجبل نظرت تجاه ابنها، حيث لا أثر لماء، أو لإنسان يروح أو يغدو، ونزلت إلى بطن الوادى، وكان المكان المنخفض الذى تركت فيه ابنها يوارى ويحول دون رؤيته فألقت فوق كتفيها بالزائد من الملابس الموجودة وراء ظهرها، وصعدت بسرعة فوق ربوة جبل المروة، فرأت ابنها من هناك ثم نزلت إلى الوادى ومع ذلك لم تستطع أن ترى ابنها، فأسرعت بالصعود إلى أعلى قمة جبل الصفا وابتهجت عيناها برؤية ابنها الذى يبعث السعادة فى النفوس. استمرت على هذا المنوال سبع مرات (٢) تذهب وتغدو من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، بنحو لم يفعله مخلوق من بنى البشر وهى تقول «ليس من الممكن أن يوجد هنا ماء أو أن أقابل بشرا
стр. 209
ورجعت إلى إسماعيل وقد امتلأت يأسا وخيبة أمل. وهناك سمعت صوتا يشبه صدى صوت إنسان فأحست بالفرح، لكنها لم تستطع أن تحدد ناحية مصدر الصوت وتحيرت، فماذا تفعل؟! وقد كف الصوت المذكور وبدأت تتلفت حولها وهى حزينة.
بعد ما أفاقت بفترة قالت: «يا صاحب الصوت الندى الذى شغف سمعى.
عند ما سمعت صوتك الملائكى غرقت فى بحر الأمل، إذا كنت نصيرا إلى فعجل، لأننى وابنى قد استولى علينا الألم واليأس. فقد بلغنا درجة الموت عندئذ اضطر صاحب الصوت أن يظهر، وكان جبريل الأمين وأن يظهر ماء زمزم بضربة من جناحه.
وسرت السيدة هاجر بظهور الماء سرورا عظيما وبعد أن شربت (١) وارتوت أخذ ضرعاها اللذان جف لبنهما فى الإدرار، وأحاطت الماء بالرمال حتى لا يسيل الماء فى الوادى، وفى قول آخر إنها عند ما حفظت بعض الماء للإدخار أظهرت نوعا من عدم التوكل، لذلك غاض الماء فى الحال فى باطن الأرض وكان هذا سببا فى توارى (٢) الماء عن وجه الأرض بعد ما كان الماء جاريا.
لو لم تحاول هاجر-رضى الله عنها-أن تمنع الماء من الجريان بإحاطته بالرمال، لظل جاريا إلى يوم القيامة كما جاء فى الحديث الشريف. ظهر ماء زمزم على النحو المذكور وكانت السيدة هاجر فى أمان وسعادة ولما رأى ذلك جبريل الأمين خاطب هاجر قائلا: «يا هاجر لا يحزن قلبك من هذا المكان الساكن هما وغما ولا يجول بخاطرك أن هذا الماء ينضب، فقد انفجر هذا الماء الذى يهب الحياة لحرمة ماء وجه إسماعيل الذى يزين حضنك، وإن ابنك هذا سيتشرف بشرف النبوة وسوف يبنى مع زوجك إبراهيم هذه الساحة المباركة التى تزيل الهم
стр. 210
والغم وهى بقعة مفخمة مشرفة، وبناء على هذا سيزيد عمران هذا الوادى من سنة إلى أخرى.
سيق أفراد من الأقوام والقبائل ليزوروا هذا المكان المقدس الذي سيعمره المشار إليهما.
وبما أن هذا المقال قد أزال الحزن من نفس هاجر وبشرها بأن هذا المكان سيكون فى دائرة المسجد الحرام الذى سيسبب الفرح والإبتهاج فى النفوس. فما كان منها إلا أن قامت وأدت فرائض العبودية والشكر لله-تعالى-وقررت أن تمضى حياتها فى هذا المكان المبارك المقدس.
وقد اختلف العلماء فى بيان كيفية تفجر ماء زمزم الشريف، فقال فريق إنها ظهرت من أثر ضربة جناح جبريل-﵇-وذهبت جماعة إلى أنها ظهرت من أثر ضربة كعب سيدنا إسماعيل، ولكن القول الأرجح حسبما ذكرنا أن جبريل ضرب الأرض بجناحه فتفجرت المياه وأحاطتها هاجر-رضى الله عنها-بما حولها من رمال، ثم قام إبراهيم بعد ذلك بحفرها وتعميقها حتى أصبحت على شكل بئر وهذا ما قرره الجمهور.
كما اختلف المؤرخون فى تعريف سبب تسمية زمزم الشريف أيضا، ففى بعض الأقوال إنها سميت زمزم لكثرة تدفقها، وعند البعض أن تسميتها تعود إلى معنى «اجر بطيئا بطيئا» أى زم زم (١) وثبت هذا الاسم على البئر وعرف به.
وإننا سنبين فى موضوع كيفية انتقال الحكم من يد حكومة مكة إلى أيادى بنى خزاعة، أن هذا الماء ضاع وغاب فى زمن الجراهمة الذين كانوا عنوانا للضلال والطغيان، وبمرور الأيام نسى اسمه وجسمه ومكان وجوده.
وبالصدفة أقام أهل مكة صنمين لهما عند طرفى بئر زمزم الشريف الذي كان مجهول المكان.
стр. 211
فأقاموا نائلة فى طرف وإساف فى الجانب الآخر. وكانوا يذبحون القرابين بين هذين الصنمين فوق فوهة بئر زمزم الشريف وعند ما آل حكم مكة ورئاسة قريش إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وكان قد اقترب الزمن الذى ستجد فيه قلوب عطاش الجاهلية ماء حياة الهداية وستتحول أرض يثرب البطحاء القاحلة إلى جنات مأوى بفضل الماء الزلال الذى يفيض من نور النبوة.
وفى زمن عمرو بن حارث الجرهمى، كان زمزم قد اختفى عن العيون وظل خفيا مدة خمسمائة عام بعيدا عن العيون. وصدرت الإرادة الإلهية لحكمة ما بظهور زمزم الشريف، وكلف عبد المطلب ذات ليلة من الليالى فى رؤياه بأن يقوم بحفر زمزم مفتخرا.
ورغم أن عبد المطلب قد أمر بهذه المهمة، إلا أن مكان البئر المذكور كان غير معروف فى ذلك الوقت، لذا رأى أنه لن يستطيع بمفرده القيام بهذا العمل واضطر للاستعانة بقريش قديما ورؤساء قبائل قريش ووجه إليهم هذا السؤال «قد كلفت بحفر بئر زمزم وإظهارها فهل تعينونى فى هذا العمل؟».
فسألوه هل تعرف مكان بئر زمزم؟ فقال: لم ألهم بذلك أيضا يعنى لم أعرفه فقال الرؤساء: «يا عبد المطلب يجب أن تستخير هذه الليلة إذا كنت مأمورا بهذا العمل من قبل الرحمن فإنه سيخبرك بمكانه، وإذا كانت الرؤيا شيطانية فلن ترى مثل هذه الرؤيا مرة أخرى.
وقد أعجب عبد المطلب برأى الرؤساء وأسرع بكل إخلاص وتوكل يستخير فى تلك الليلة.
وبناء على هذه الاستخارة ظهر لعبد المطلب فى رؤياه فى تلك الليلة شخص تحدث بهذه العبارات المسجوعة: «احفر زمزم إن حفرتها لن تندم وهو تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تندم فسقى الحجيج الأعظم ليس كبعض ما تقدم وهى بين الفرث والدم» ولما رجا عبد المطلب من الهاتف أن يبين له المكان القديم للبئر المذكورة، فأشار له قائلا «عند قرية النمل حيث ينقر الغراب» وكأنه أراد من
стр. 212
عبد المطلب أن يحفر فى مكان يعيش فيه النمل حيث يأتى غراب فى الصباح وينقر فوق بيت النمل وينكشه. ورغم هذا لم يستطع عبد المطلب أن يهتدى إلى المقصود من هذا الرمز والإشارة ثم وصاه بأن يبدأ فى الحفر مسترشدا بهذه الأقوال إذ قال له بعد ليلة «زمزم وما زمزم هزمه جبريل برجله وسقياء إسماعيل وأهله زمزم البركات روى الرماق الواردات شفاء سقم وخير طعام»،وفى الليلة التالية قال «احفر تكتم بين الفرث والدم وعند نقر الأعصم وفى قرية النمل مستقبل الأصنام الأحمر» تكتم اسم من أسماء زمزم المكرم بمعنى «مكتوم» كما سيبين فيما بعد.
الغراب الأعصم:
يطلق على غراب إحدى رجليه حمراء على قول ابن شيبه. وبناء على رأى حاكم يطلق على غراب أحمر الرجلين والمنقار، وبناء على قول صاحب الإحياء يطلق على غراب بطنه بيضاء، وبناء على تدقيق صاحب حياة الحيوان يطلق على غراب أبيض الجناحين أو أبيض الرجلين أو يطلق على غراب أبرش.
على بن أبى طالب-رضى الله عنه-بناء على القول الموثوق الذى يروى عن على بن أبى طالب بن عبد المطلب عند ما رأى الرؤيا السابقة الذكر، غشيته الرهبة والدهشة وتحير فيما يفعله، ولم يستطع أن يبدأ فى حفر البئر، وبعد فترة رأى عبد المطلب فى رؤياه أن شخصا يقول له «أحفر بئر طيبة. وبعد ليلة يقول له احفر بئر مضنونة وعمقها وفى ليلة أخرى بعد أن ذكر الفقرات السابقة المسجوعة عرفه بموقع البئر وبين بعض خواصها؟ ولكن عبد المطلب لم يستطع أن يفهم معنى هذه العبارات المبهمة وراح فى تفكير عميق. وفى ليلة من الليالى استغرق فى النوم ورأسه مشغول بهذه الأفكار فى حجر إسماعيل. وإذا به رأى فى منامه أن هذا الرجل المبارك يقول له: «هل تعرف معنى زمزم، زمزم بئر الماء الذى فجره جبريل ﵇ بضربة من رجله وهو اسم ماء إسماعيل-﵇ وأتباعه. وهو البركة ذاتها وإنه يروى العطاش الذين يردون للشرب ويشفى
стр. 213
المرضى، وهو أنفس أنواع الطعام، وبهذا الإيضاح وضح شأن بئر زمزم وخواص مائها».
عبد المطلب-عرف عبد المطلب بدلالة هذه الرؤيا معنى زمزم لدرجة ما؟ ولكنه لم يستطع أن يعرف موقعه بالضبط.
لذا توجه إلى الله- -متضرعا مبتهلا قائلا: «يا ربى العليم ومولاى الكريم، دلنى على موقع البئر الذى كلفت بحفره. وقد أصاب سهم دعاته هدفه ونال قبولا إذ رأى فى رؤياه من يقول له: يا عبد المطلب احفر بئر زمزم وإذا أردت أن تعرف مكانها فإنها بين صنمى «إساف» و «نائلة»،حيث يذبح فيه القرشيون قرابينهم وفوق بيت نمل. وغدا سيأتى غراب أبرش وينبش بمنقاره فضع علامة حيث ينبش ثم عجل بحفر وتعميق المكان الذى فيه بيت النمل فتنال مطلبك».
وهكذا وضحت الرؤيا الأمر، ولم يبق أدنى شك فى مكان زمزم، واستيقظ عبد المطلب من نومه واتجه صوب المسجد الحرام ورأى الغراب ينبش ما بين إساف ونائلة فى وقت السحر، وذهب هناك حيث وجد بيت النمل وبدأ مع ابنه الحفر فى هذا المكان ومعه أدوات الحفر مثل الفأس والمجرفة.
حينما رأى أفراد قبيلة قريش أن عبد المطلب يحفر المكان المذكور شاع الخبر سريعا فيما بينهم وهجموا على عبد المطلب قائلين:
«إننا لن نتركك تحفر المكان الذى نذبح فيه القرابين وخاصة المكان الذى يوجد فيه إساف ونائلة. وأرادوا أن يمنعوه من الحفر، وقد زادت جلبتهم وصياحهم حتى إنهم قد أطالوا الكلام والجدال وتحول الموقف إلى ما يشبه القتال فمات كثيرون».
لم يكن لعبد المطلب حينذاك أبناء غير الحارث وقد رأى أنه لن يستطيع أن يقاوم القرشيين مع ابنه، لذا ترك مقاومتهم واتجه إلى الله- مخلصا يائسا «يا إلهى، إذا ما نصرتنى على قريش وأبلغت عدد أولادى إلى عشرة فإننى أفدى واحدا منهم قربانا لك» وكان هذا نذر منه.
стр. 214
وبظهور بعض العلامات أدرك عبد المطلب أن دعاءه قد حاز القبول فتوكل على الله وقام بأداء ما كلف به، وغلب هو وابنه الوحيد كل قبائل قريش وكفت القبائل المعتدية يدها عنه ووقفوا فى موقف المشاهدة والتفرج.
وفى اليوم الثالث عند ما ظهرت العلامات التى تشير إلى وجود بئر زمزم مثل (١) الأسلحة وتماثيل صغار الغزلان (٢) التى ألقاها الجراهمة فى بئر زمزم، عند ما أجبروا على ترك مكة المكرمة والجلاء عنها، عندئذ قال عبد المطلب: «إن كل هذه الأشياء لدليل كاف للإثبات أن بئر زمزم فى هذا المكان» ومن فرط سروره أخذ يكبر بصوت مرتفع.
عند ما سمع القرشيون تكبير عبد المطلب اجتمعوا كلهم حوله وأدركوا أنه نال مراده ورأوا الأشياء القيمة التى أخرجها من البئر فطمعوا فيها وظهرت عليهم بوادر النزاع والخصومة وقالوا «يا عبد المطلب إن لنا نصيبا فى الأشياء التى أخرجتها من داخل البئر».
لأن البئر بئر جدنا إسماعيل-﵇-وهذا يوجب تقسيم ما وجدته بين أفراد قبائل قريش فقال لهم لاحق لكم فى هذه الدفينة لأنكم لم تساعدونى فى حفر البئر بل أردتم منعى من الحفر مما أدى إلى إراقة الدماء، ولكنهم اعترضوا عليه مهددين بتجدد النزاع وقالوا: «إذا رفضت إشراكنا فى المال كله فعلى الأقل نقسمه مناصفة بينك وبين القبائل، فإذا رفضت هذا الحل أيضا فإننا نقاتلك من جديد».
ولما رأى عبد المطلب أن المعارضة قد استفحلت وأنها قد تؤدى إلى قتل بعض الأشخاص، خاطب الذين استمروا فى الضغط عليه «عليكم أن تختاروا حكما نافذ الكلمة ليفصل بيننا فى هذا الأمر» وقد ارتضت قريش هذا الرأى الصائب وقرروا اللجوء إلى كاهنة قبيلة «بنى سعد بن هذيم» التى تسكن قريبا من بلاد
стр. 215
الشام العامرة لتحكم بينهم، وخرجوا جميعا للذهاب إلى حيث تقيم الكاهنة المشار إليها، ولما كانت منطقة الحجاز فى ذلك الوقت خالية من الطرق المنتظمة وليس بها قرى متقاربة أو عيون ماء أو آبار ممرات ضيقة لدفع الوحشة. ولا شك أن السير فى مثل هذه الطرق أمر مخيف، كما أن السير فى تلك الصحارى الخالية من المياه من الصعوبة بمكان، لذا حمل عبد المطلب ومن معه من صناديد قبيلة قريش ما يحتاجون إليه من أطعمة ومال يكفيهم إلى أن يصلوا إلى حدود الشام.
وعند ما ابتعدوا عن مكة ووصلوا إلى واد موحش عديم الماء نفد الماد الذى كان مع عبد المطلب وفئته وأوشكوا على الهلاك، وبعد أن احترقت أكبادهم من العطش. وطلبوا بعض الماء من خصومهم حتى ينجو من هذه المصيبة العظيمة، ولكنهم رفضوا قائلين: «نحن الآن فى واد تنعدم فيه فرصة العثور على نقطة ماء فإذا ما أعطينا لكم الماء فإننا سنتعرض للعطش الذى تعرضتم له كما أن الماء الذى معنا قليل يكاد أن يكفينا وهذا عذر مقنع فى عدم إمدادكم. فزادت حيرة عبد المطلب وجماعته وقلقهم عند ما تلقوا هذا الرد.
وعند ما رأى عبد المطلب هذا الجحود والإساءة من معارضيه سأل من معه مستطلعا رأيهم «ما رأيكم فى هذا الأمر؟! فقالوا نحن طوع أمرك، ننفذ ما تراه.
عندئذ قال: «رأيى أن يحفر كل واحد منكم قبرا لنفسه فى انتظار الموت، ومن يموت أولا يدفنه الذى ما زال على قيد الحياة، فإذا دفن كل من يموت يبقى فى النهاية جثمان شخص واحد بدون دفن والأفضل أن يبقى جثمان واحد فقط بدون دفن من أن تبقى أجسادنا جميعا فى العراء مكشوفة فليحفر كل واحد منكم قبرا طالما فيه القدرة على الحفر. وافق رفاقه على رأيه وحفر كل واحد منهم قبرا لنفسه وانتظر حلول أجله.
وبعد مدة قال عبد المطلب: «يا رفاقى-إن حفر قبر انتظارا للموت شئ عجيب لم يحدث منذ عهد آدم-﵇-ويدل على عجزنا وضعف هممنا، فإذا قمنا وسرنا ربما يكتب الله لنا النجاة بأن نصل إلى بلدة أو قرية ويبعث لنا ماء