فأقاموا نائلة فى طرف وإساف فى الجانب الآخر. وكانوا يذبحون القرابين بين هذين الصنمين فوق فوهة بئر زمزم الشريف وعند ما آل حكم مكة ورئاسة قريش إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وكان قد اقترب الزمن الذى ستجد فيه قلوب عطاش الجاهلية ماء حياة الهداية وستتحول أرض يثرب البطحاء القاحلة إلى جنات مأوى بفضل الماء الزلال الذى يفيض من نور النبوة.
وفى زمن عمرو بن حارث الجرهمى، كان زمزم قد اختفى عن العيون وظل خفيا مدة خمسمائة عام بعيدا عن العيون. وصدرت الإرادة الإلهية لحكمة ما بظهور زمزم الشريف، وكلف عبد المطلب ذات ليلة من الليالى فى رؤياه بأن يقوم بحفر زمزم مفتخرا.
ورغم أن عبد المطلب قد أمر بهذه المهمة، إلا أن مكان البئر المذكور كان غير معروف فى ذلك الوقت، لذا رأى أنه لن يستطيع بمفرده القيام بهذا العمل واضطر للاستعانة بقريش قديما ورؤساء قبائل قريش ووجه إليهم هذا السؤال «قد كلفت بحفر بئر زمزم وإظهارها فهل تعينونى فى هذا العمل؟».
فسألوه هل تعرف مكان بئر زمزم؟ فقال: لم ألهم بذلك أيضا يعنى لم أعرفه فقال الرؤساء: «يا عبد المطلب يجب أن تستخير هذه الليلة إذا كنت مأمورا بهذا العمل من قبل الرحمن فإنه سيخبرك بمكانه، وإذا كانت الرؤيا شيطانية فلن ترى مثل هذه الرؤيا مرة أخرى.
وقد أعجب عبد المطلب برأى الرؤساء وأسرع بكل إخلاص وتوكل يستخير فى تلك الليلة.
وبناء على هذه الاستخارة ظهر لعبد المطلب فى رؤياه فى تلك الليلة شخص تحدث بهذه العبارات المسجوعة: «احفر زمزم إن حفرتها لن تندم وهو تراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تندم فسقى الحجيج الأعظم ليس كبعض ما تقدم وهى بين الفرث والدم» ولما رجا عبد المطلب من الهاتف أن يبين له المكان القديم للبئر المذكورة، فأشار له قائلا «عند قرية النمل حيث ينقر الغراب» وكأنه أراد من
стр. 212
عبد المطلب أن يحفر فى مكان يعيش فيه النمل حيث يأتى غراب فى الصباح وينقر فوق بيت النمل وينكشه. ورغم هذا لم يستطع عبد المطلب أن يهتدى إلى المقصود من هذا الرمز والإشارة ثم وصاه بأن يبدأ فى الحفر مسترشدا بهذه الأقوال إذ قال له بعد ليلة «زمزم وما زمزم هزمه جبريل برجله وسقياء إسماعيل وأهله زمزم البركات روى الرماق الواردات شفاء سقم وخير طعام»،وفى الليلة التالية قال «احفر تكتم بين الفرث والدم وعند نقر الأعصم وفى قرية النمل مستقبل الأصنام الأحمر» تكتم اسم من أسماء زمزم المكرم بمعنى «مكتوم» كما سيبين فيما بعد.
الغراب الأعصم:
يطلق على غراب إحدى رجليه حمراء على قول ابن شيبه. وبناء على رأى حاكم يطلق على غراب أحمر الرجلين والمنقار، وبناء على قول صاحب الإحياء يطلق على غراب بطنه بيضاء، وبناء على تدقيق صاحب حياة الحيوان يطلق على غراب أبيض الجناحين أو أبيض الرجلين أو يطلق على غراب أبرش.
على بن أبى طالب-رضى الله عنه-بناء على القول الموثوق الذى يروى عن على بن أبى طالب بن عبد المطلب عند ما رأى الرؤيا السابقة الذكر، غشيته الرهبة والدهشة وتحير فيما يفعله، ولم يستطع أن يبدأ فى حفر البئر، وبعد فترة رأى عبد المطلب فى رؤياه أن شخصا يقول له «أحفر بئر طيبة. وبعد ليلة يقول له احفر بئر مضنونة وعمقها وفى ليلة أخرى بعد أن ذكر الفقرات السابقة المسجوعة عرفه بموقع البئر وبين بعض خواصها؟ ولكن عبد المطلب لم يستطع أن يفهم معنى هذه العبارات المبهمة وراح فى تفكير عميق. وفى ليلة من الليالى استغرق فى النوم ورأسه مشغول بهذه الأفكار فى حجر إسماعيل. وإذا به رأى فى منامه أن هذا الرجل المبارك يقول له: «هل تعرف معنى زمزم، زمزم بئر الماء الذى فجره جبريل ﵇ بضربة من رجله وهو اسم ماء إسماعيل-﵇ وأتباعه. وهو البركة ذاتها وإنه يروى العطاش الذين يردون للشرب ويشفى
стр. 213
المرضى، وهو أنفس أنواع الطعام، وبهذا الإيضاح وضح شأن بئر زمزم وخواص مائها».
عبد المطلب-عرف عبد المطلب بدلالة هذه الرؤيا معنى زمزم لدرجة ما؟ ولكنه لم يستطع أن يعرف موقعه بالضبط.
لذا توجه إلى الله- -متضرعا مبتهلا قائلا: «يا ربى العليم ومولاى الكريم، دلنى على موقع البئر الذى كلفت بحفره. وقد أصاب سهم دعاته هدفه ونال قبولا إذ رأى فى رؤياه من يقول له: يا عبد المطلب احفر بئر زمزم وإذا أردت أن تعرف مكانها فإنها بين صنمى «إساف» و «نائلة»،حيث يذبح فيه القرشيون قرابينهم وفوق بيت نمل. وغدا سيأتى غراب أبرش وينبش بمنقاره فضع علامة حيث ينبش ثم عجل بحفر وتعميق المكان الذى فيه بيت النمل فتنال مطلبك».
وهكذا وضحت الرؤيا الأمر، ولم يبق أدنى شك فى مكان زمزم، واستيقظ عبد المطلب من نومه واتجه صوب المسجد الحرام ورأى الغراب ينبش ما بين إساف ونائلة فى وقت السحر، وذهب هناك حيث وجد بيت النمل وبدأ مع ابنه الحفر فى هذا المكان ومعه أدوات الحفر مثل الفأس والمجرفة.
حينما رأى أفراد قبيلة قريش أن عبد المطلب يحفر المكان المذكور شاع الخبر سريعا فيما بينهم وهجموا على عبد المطلب قائلين:
«إننا لن نتركك تحفر المكان الذى نذبح فيه القرابين وخاصة المكان الذى يوجد فيه إساف ونائلة. وأرادوا أن يمنعوه من الحفر، وقد زادت جلبتهم وصياحهم حتى إنهم قد أطالوا الكلام والجدال وتحول الموقف إلى ما يشبه القتال فمات كثيرون».
لم يكن لعبد المطلب حينذاك أبناء غير الحارث وقد رأى أنه لن يستطيع أن يقاوم القرشيين مع ابنه، لذا ترك مقاومتهم واتجه إلى الله- مخلصا يائسا «يا إلهى، إذا ما نصرتنى على قريش وأبلغت عدد أولادى إلى عشرة فإننى أفدى واحدا منهم قربانا لك» وكان هذا نذر منه.
стр. 214
وبظهور بعض العلامات أدرك عبد المطلب أن دعاءه قد حاز القبول فتوكل على الله وقام بأداء ما كلف به، وغلب هو وابنه الوحيد كل قبائل قريش وكفت القبائل المعتدية يدها عنه ووقفوا فى موقف المشاهدة والتفرج.
وفى اليوم الثالث عند ما ظهرت العلامات التى تشير إلى وجود بئر زمزم مثل (١) الأسلحة وتماثيل صغار الغزلان (٢) التى ألقاها الجراهمة فى بئر زمزم، عند ما أجبروا على ترك مكة المكرمة والجلاء عنها، عندئذ قال عبد المطلب: «إن كل هذه الأشياء لدليل كاف للإثبات أن بئر زمزم فى هذا المكان» ومن فرط سروره أخذ يكبر بصوت مرتفع.
عند ما سمع القرشيون تكبير عبد المطلب اجتمعوا كلهم حوله وأدركوا أنه نال مراده ورأوا الأشياء القيمة التى أخرجها من البئر فطمعوا فيها وظهرت عليهم بوادر النزاع والخصومة وقالوا «يا عبد المطلب إن لنا نصيبا فى الأشياء التى أخرجتها من داخل البئر».
لأن البئر بئر جدنا إسماعيل-﵇-وهذا يوجب تقسيم ما وجدته بين أفراد قبائل قريش فقال لهم لاحق لكم فى هذه الدفينة لأنكم لم تساعدونى فى حفر البئر بل أردتم منعى من الحفر مما أدى إلى إراقة الدماء، ولكنهم اعترضوا عليه مهددين بتجدد النزاع وقالوا: «إذا رفضت إشراكنا فى المال كله فعلى الأقل نقسمه مناصفة بينك وبين القبائل، فإذا رفضت هذا الحل أيضا فإننا نقاتلك من جديد».
ولما رأى عبد المطلب أن المعارضة قد استفحلت وأنها قد تؤدى إلى قتل بعض الأشخاص، خاطب الذين استمروا فى الضغط عليه «عليكم أن تختاروا حكما نافذ الكلمة ليفصل بيننا فى هذا الأمر» وقد ارتضت قريش هذا الرأى الصائب وقرروا اللجوء إلى كاهنة قبيلة «بنى سعد بن هذيم» التى تسكن قريبا من بلاد
стр. 215
الشام العامرة لتحكم بينهم، وخرجوا جميعا للذهاب إلى حيث تقيم الكاهنة المشار إليها، ولما كانت منطقة الحجاز فى ذلك الوقت خالية من الطرق المنتظمة وليس بها قرى متقاربة أو عيون ماء أو آبار ممرات ضيقة لدفع الوحشة. ولا شك أن السير فى مثل هذه الطرق أمر مخيف، كما أن السير فى تلك الصحارى الخالية من المياه من الصعوبة بمكان، لذا حمل عبد المطلب ومن معه من صناديد قبيلة قريش ما يحتاجون إليه من أطعمة ومال يكفيهم إلى أن يصلوا إلى حدود الشام.
وعند ما ابتعدوا عن مكة ووصلوا إلى واد موحش عديم الماء نفد الماد الذى كان مع عبد المطلب وفئته وأوشكوا على الهلاك، وبعد أن احترقت أكبادهم من العطش. وطلبوا بعض الماء من خصومهم حتى ينجو من هذه المصيبة العظيمة، ولكنهم رفضوا قائلين: «نحن الآن فى واد تنعدم فيه فرصة العثور على نقطة ماء فإذا ما أعطينا لكم الماء فإننا سنتعرض للعطش الذى تعرضتم له كما أن الماء الذى معنا قليل يكاد أن يكفينا وهذا عذر مقنع فى عدم إمدادكم. فزادت حيرة عبد المطلب وجماعته وقلقهم عند ما تلقوا هذا الرد.
وعند ما رأى عبد المطلب هذا الجحود والإساءة من معارضيه سأل من معه مستطلعا رأيهم «ما رأيكم فى هذا الأمر؟! فقالوا نحن طوع أمرك، ننفذ ما تراه.
عندئذ قال: «رأيى أن يحفر كل واحد منكم قبرا لنفسه فى انتظار الموت، ومن يموت أولا يدفنه الذى ما زال على قيد الحياة، فإذا دفن كل من يموت يبقى فى النهاية جثمان شخص واحد بدون دفن والأفضل أن يبقى جثمان واحد فقط بدون دفن من أن تبقى أجسادنا جميعا فى العراء مكشوفة فليحفر كل واحد منكم قبرا طالما فيه القدرة على الحفر. وافق رفاقه على رأيه وحفر كل واحد منهم قبرا لنفسه وانتظر حلول أجله.
وبعد مدة قال عبد المطلب: «يا رفاقى-إن حفر قبر انتظارا للموت شئ عجيب لم يحدث منذ عهد آدم-﵇-ويدل على عجزنا وضعف هممنا، فإذا قمنا وسرنا ربما يكتب الله لنا النجاة بأن نصل إلى بلدة أو قرية ويبعث لنا ماء
стр. 216
الحياة برحمته، هيا انهضوا لتستمروا فى الطريق سنستعين بالله تعالى»،وبتأثير هذه الكلمات المشجعة التى كانت كالماء الزلال، انبعث فى أبدان أصدقائه الذين كادوا أن يهلكوا قوة كافية، وجهز كل واحد منهم دابته للسير.
أما رجال القبائل المعارضة كانوا يراقبون حركاتهم متيقظين مبتهجين وهم يرون المصيبة الشديدة التى تعرض لها عبد المطلب وأصحابه بسبب قلة الماء ويتحدثون فى استهزاء.
وعند ما امتطى عبد المطلب جواده وأراد أن يستمر فى السير تفجر من تحت قدمى دابته التى تحركت للسير ماء عذب سائغ ولما رأى عبد المطلب وأنصاره هذه النعمة غير المنتظرة فرحوا فرحا شديدا بالماء وكبروا كلهم فى صوت واحد ونزلوا عن جيادهم وشربوا الماء مكبرين حتى ارتووا وملئوا جرارهم، وقربهم ودعوا معارضيهم الذين كانوا قالوا لهم، إننا نرفض أن نعطيكم شربة ماء وقالوا لهم، إن الله- -قد سقانا وأحيانا بظهور هذا الماء وهو يكفى لنا ولكم اشربوا كما تشاءون واملئوا قربكم، ربما لا نتمكن من العثور على الماء فى المسافة الباقية من الطريق.
وتحير القرشيون مما ناله عبد المطلب من نعمة غير مرتقبة واستغربوا ثم تذكروا موقفهم منه وإساءتهم إليه بمنع الماء عنه فعلاهم الخجل واستحيوا وقالوا لعبد المطلب لقد فصل الله فى قضيتنا بظهور هذا الماء لم يعد لنا حق المعارضة فى ماء زمزم.
وما دام الله الوهاب الذى لا يمن عليه-جل شأنه-قد من عليك بإظهار هذا الماء وأنقذك من العطش فلا شك أنه قد أنعم عليك بزمزم المكرم والأشياء القيمة التى ظهرت فى بئر زمزم.
فكل هذه الأشياء حقك الحلال فتصرف فيها كما تشاء، ولم تعد هناك حاجة إلى حكم الكاهنة. ثم رجعوا جميعا بعد ما أقنعوا عبد المطلب بالعودة.
سعد عبد المطلب مما أظهره أفراد القبائل المختلفة من احترام وندموا على ما بدر منهم، لذا دعاهم كلهم بمجرد عودته إلى مكة المعظمة وخطب فيهم قائلا:
стр. 217
«إذا كان لا حق لكم فى الأشياء الثمينة التى أخرجت من بئر زمزم بسبب معارضتكم لى فإننى بما أتصف به من مروءة وشهامة أود أن يكون لكم نصيب منها فلتقسم هذه الأشياء إلى قسمين» وتسحب القرعة، وكل من تصيبه القرعة تكون هذه الأشياء من نصيبه.
وعقب قوله هذا، جعل صغار الغزلان حصة، وبقية الأشياء حصة أخرى وأجرى القرعة بين قريش والبيت الأعظم وبينه فخرجت الغزلان من نصيب الكعبة وبقية الأشياء من نصيب عبد المطلب ولحكمة ما خرج القرشيون صفر اليدين من هذه القرعة، وقد باع عبد المطلب نصيبه من هذه الأشياء وأنفق ثمنها على أعمال الكعبة، وفى قول آخر أنه صهر الغزلان وزين باب المعلا من الكعبة، وفى قول ثالث إنها ظلت كما هى وعلقها على باب الكعبة الشريفة».
وعند ما خرج القرشيون من القرعة بلا نصيب فلم يسعهم إلا أن يتفرقوا وأن يقفوا موقف المتفرج، ولما فهموا أنه لم يعد لهم من الأمر شئ تغاضوا تماما عن منازعة عبد المطلب حول بئر زمزم.
ورأى عبد المطلب أن الأمور هدأت واستمر فى تعميق البئر على النحو الذى يريده، ونجح فى إظهار ماء زمزم العذب الذى قد اختفى منذ خمسمائة سنة وبما أن الناس والحجاج والأهالى يلقون مشقة إحضار الماء من الآبار البعيدة ويتكبدون فى سبيل ذلك مشقات بالغة زادت مكانته وقدره بين الناس. مما حمله على أن يرفع يديه بالشكر لله- -من فرط سعادته وفخره ونذر نذرا بقوله «يا رب لو أنعمت على بعشرة من الأبناء الذكور وبلغوا جميعا مبلغ الرجال فى حياتى لأذبحن أحدهم قربانا وفداء لك وعند ما بلغ عدد أبنائه عشرا، أو فى بنذره على النحو المذكور في الصورة الثانية من الوجهة الثانية.
ويدعى بعض المؤرخين أن نذر عبد المطلب كان عند ما عارضته قريش فى حفر البئر، والبعض الآخر يقول إنه كان فى أثناء ظهور ماء زمزم.
стр. 218
ولكن ليس ببعيد أن يكون عبد المطلب قد نذر مرتين مرة حينما كان يدعو الله لينصره على قريش ومرة ثانية عند ما ظهر ماء زمزم شكرا لله.
أسماء زمزم الشريف
ولزمزم ثلاثون اسما مشهورا عند العلماء وهى «زمزم» همزة، هزمة جبريل، ظبية، طيبة، برة، عصمة، مضنونة، شباعة العيال، عونة، سقيا الله إسماعيل، بركة سيدة نافعة، بشرى، صافية، معذبة، طاهرة، حرمية، مروية، سالمة، ميمونة، مباركة كافية، عافية، طعام طعم، مونسة، شفاء سقم، شراب الأبرار، تكتم».
سبب إطلاق هذه الأسماء على زمزم الشريف، أحصى الشيوخ الكرام فى مكة المشرفة ثلاثين اسما لماء زمزم المكرم وبينوا سبب إطلاق كل اسم منها على الوجه التالى:
١ - زمزم:
رغم أن المؤرخين من السلف يقولون إن إطلاق اسم زمزم لأنه يفيد معنى «اجر بطيئا» فهذه الرواية ليس لها قيمة كبيرة، وحسب أرجح الأقوال وأقواها للعلماء أن وفرة ماء البئر وتدفقه بقوة سبب تسميته بزمزم وعلى هذا التقدير فزمزم اسم للبئر وليس للماء الشريف.
٢ - همزة:
ومعناها الضرب، إيماء إلى أن جبريل الأمين قد ضرب الأرض بكعبه أو بجناحيه وعلى قول آخر بجناحه.
٣ - هزمة جبريل:
هزمة بمعنى تعميق، بما أن جبريل-﵇-عمق البئر بجناحه وتسبب فى ظهور الماء وهذا هو وجه التسمية.
٤ - ظبية:
وسبب التسمية أن حفرة البئر تشبه الجراب.
٥ - طيبة:
وسبب التسمية ظاهر من المعنى.
٦ - برة:
سميت بهذا الاسم لأن تفجرها كان من أجل الأبرار.
٧ - عصمة:
وسبب التسمية أنها غابت واختفت عن الكفار الفجرة.
стр. 219
٨ - مضنونة:
وسبب التسمية لأن المنافقين لا يشربون منها حتى يرتووا.
٩ - شباعة العيال:
لأن أهل الجاهلية اعتادوا أن يشبعوا أولادهم بهذا الماء المبارك.
١٠ - عونة:
لأن الناس فى الجاهلية اتخذوا هذا الماء الصافى الشفاف وسيلة لإشباع أولادهم وأزواجهم، لأن الجوعى كانوا يشبعون بشرب ماء زمزم.
١١ - سقيا الله إسماعيل:
بما أنه لا يوجد ماء غير زمزم فى مكة المكرمة فقد تكرم الله- -بسقيا إسماعيل بهذا الماء المبارك وهذا هو سبب التسمية.
١٢ - بركة:
سبب التسمية ظاهر من اللفظ.
١٣ - سيدة:
وسبب التسمية أن ماء زمزم الشريفة، سيدة كل المياه ما عدا ماء الحياة الذى نبع من الأنامل النبوية الشريفة.
١٤ - نافعة:
سبب إطلاق هذا الاسم أنه ذو فائدة عظيمة للمؤمنين الموحدين.
١٥ - بشرى:
لأن الله- -بشر المؤمنين الذين يشربون ويرتوون من هذا الماء تكتسب بطونهم نورا وينجون من نار جهنم.
١٦ - صافية:
سبب هذه التسمية صفاء مائه وشفافيته.
١٧ - معذبة:
ويرجع هذا الاسم لعذوبتها وحلاوتها.
١٨ - طاهرة:
وسبب التسمية هو الإشارة القرآنية إلى هذا الماء الشريف حسبما جاء فى الآية الجليلة: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ (الإنسان:٢ ١).
١٩ - حرمية:
وذلك لوجوده داخل الحرم الشريف لكعبة الله.
٢٠ - مروية:
ووجه التسمية أنها تبعث فى كل أعضاء الجسم الصفاء كما تولد الإحساس بالشبع مثل الطعام.
٢١ - سالمة:
ووجه التسمية أنها لا تتعفن ولا تفسد.
٢٢ - ميمونة:
وسبب التسمية أن شربها سبب لليمن والبركة كما أنها اتباع للسنة السنية للرسول الكريم صاحب السعادة.
стр. 220
٢٣ - مباركة:
وسبب إطلاق هذه التسمية واضح من اللفظ.
٢٤ - كافية:
لأنه يقوم مقام الطعام.
٢٥ - عافية:
لأنه يكسب شاربه الصحة والعافية.
٢٦ - طعام طعم:
مفهوم من اللفظ.
٢٧ - شفاء سقم:
إنه شفاء من المرض كما سيرد فى الحديث الشريف الآتى فيما بعد.
٢٨ - مؤنسة:
أنه يؤنس سكان حرم كعبة الله.
٢٩ - شراب الأبرار:
ذلك لأن جميع الأنبياء وأولياء الله الكرام شربوا مرتوين من هذا الماء كما أن ماء زمزم اكتسب شرفا وقيمة حينما امتزج ماءه بريق النبى ﷺ .
٣٠ - تكتم:
سبب تسميته بهذا الاسم اختفاؤه وانقطاعه فى زمن «مضاض بن عمرو».
نظم
لزمزم ثلاثون اسما فاذكر ... منها خلوص إيمانك يظهر
همزة وهزمة شفاء سقم ميمونة ... طاهرة مروية سقيا وشراب الأبرار
سيدة بركة ومضنونة مبارك عصمة ... عافية معذبة طعام طعم أحرار
مونسة تكتم وبرة، حرمية عونه ... ظبيه، زمزم وطيبة، وبشرى كبار
صافية، كافية، وأيضا نافعة وسالمة ... وأيضا شباعة كما قال عنها شيوخنا الأخيار
стр. 221
وقد جاء فى الخبر واتفق عليه جمهور العلماء أن زمزم الشريف أفضل ماء وأعذبه بعد الماء الزلال الذى نبع من أصابع النبى المباركة وهو معجزة من معجزاته ﵇.
تفضلت أم أيمن-رضى الله عنها-حاضنة النبى- ﷺ -وقالت طول مدة قيامى بحضانة وخدمة مستوجب المغفرة الدر اليتيم الرسول- ﷺ -لم أجده يشكو من الجوع والعطش فى أى وقت من الأوقات، وكان فى الصباح يأكل قليلا من الطعام ثم يشرب عليه من زمزم المبارك وبعد ذلك كلما أردت أن أطعمه كان يجيبنى قائلا إننى شبعان.
ويجب أن يقال فى أثناء شرب ماء زمزم: «اللهم إنى أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم» يروى عن ابن عباس-رضى الله عنهما- أن نفع ماء زمزم يتوقف على نية شاربه «إذا شرب بنية الشفاء فالله ، ينعم بالشفاء وإذا شرب بنية الاستعاذة فالله- -يحفظ شاربه من كل سوء. وإذا شرب بنية إزالة الحرارة تنطفئ.
وهى تكون هكذا بالنسبة لمن يشربونها بصدق نية وسلامة طوية بدون أن يكون شربهم لتجربة مدى صحة الحديث الشريف. لأن الخصائص المذكورة لماء زمزم الشريف موجودة الآن وباقية وظاهرة إلى قيام الساعة، ولكن الله- -يفضح المجرمين الذين يشربونه بقصد التجربة وقد قال النبى- ﷺ ذات مرة وهو يوضح الخواص الجليلة لذلك الماء المبارك إنها مباركة وذات مرة قال إنها طعام طعم وفى مرة إنها طعام طعم وشفاء سقم، وذات مرة: «إن ماء زمزم لما شرب له»،وذات مرة قال: «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» وقال مرة: «لا يجتمع ماء زمزم المكرم ونار جهنم فى جوف عبد أبدا»،وفي مرة «خمس من العبادة، النظر فى المصحف، والنظر إلى الكعبة، والنظر إلى الوالدين، والنظر فى زمزم وهى تحط الخطايا، والنظر إلى وجه العالم ومرة:
«خير بئر على وجه الأرض ماء زمزم».ومرة أخرى: «من جاء هذا البيت، حاجا
стр. 222
فطاف به ثم أتى مقام إبراهيم ﵇ فصلى عنده ركعتين ثم أتى إلى زمزم، ثم شرب من مائها أخرجه الله من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
ذهب عبد الله بن المبارك ذات يوم إلى بئر زمزم الشريف، وطلب جرعات من ماء زمزم وأخذ كوبا منه وتوجه إلى كعبة الله وقال: «إلهى إن حبيبك محمد المصطفى عليه وعلى آله من التحيات أذكاها، قال إن ماء زمزم لما شرب له، وأنا أشرب هذا الماء بنية إزالة عطش يوم القيامة هذا اليوم الملئ بالهول وإطفاء نار حرارة هذا اليوم، وشرب كوب الماء.
بناء على تعريف صاحب كتاب «البحر العميق ومناسك ابن العجمى».
إن الذين يشربون ماء زمزم الشريف طلبا للمغفرة قائلين «اللهم إنه بلغنى أن رسولك- ﷺ -قال: «ماء زمزم لما شرب له» (حديث شريف) اللهم إنى أشربه لتغفر لى، اللهم اغفر لى فيغفر له ذنوبه، والذين يشربونه طلبا للشفاء من العلل والأمراض يجب أن يقولوا «اللهم إنى أشربه مستشفيا به اللهم فاشفنى».
قال محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق (رضى الله عنهم) بينما كنت يوما فى مجلس عبد الله بن عباس جاء رجل وقال له ابن عباس من أين أتيت فأجابه من بئر زمزم، فقال ابن عباس هل استطعت أن تشرب من الماء المبارك وفقا للطريقة المسنونة؟ فقال الرجل: «إنى شربت من ماء زمزم وسوف أشكركم إذا ما بينتم لى الطريقة المسنونة لشرب زمزم» -فقال له: «عند ما تشرب ماء زمزم استقبل القبلة واذكر الله واشرب حتى ترتوى وتنفس ثلاث مرات فى أثناء الشرب وبعد الشرب احمد الله »، لأن الرسول ﷺ قد قال: الفرق بين المسلمين والمنافقين أن المنافقين لا يشربون ماء زمزم حتى يبلغ حلوقهم وبذلك بين الطريقة المثلى لشرب ماء زمزم.
وقد صدق الدار قطنى والحاكم قول ابن عباس وبيّنا أنه يطابق تماما الأحاديث النبوية الشريفة وشرحا أن زمزم يشرب على ثلاث دفعات ويبدأ كل مرة بالبسملة وتنتهى بحمد الله. والمقصود بكلمة حتى تبلغ الحلق أنه لا بد أن يملأ البطن بماء
стр. 223
زمزم حتى تصل إلى ما بين عظام الضلوع ومن الجائز نقل ماء زمزم الزلال إلى خارج الحرم أى يؤخذ إلى بلاد المسلمين للتبرك به. والتوضؤ بماء زمزم غير مكروه ويجوز الاغتسال به، لكن من يستنجون به يصابون بمرض البواسير.
وبما أن الرسول- ﷺ -منبع الحكمة قد نقل ماء زمزم الشريف إلى خارج الحرم، فمن السنة السنية الأحمدية نقل الحجيج ماء زمزم معهم عند العودة.
من عجائب زمزم المكرم من الأمور المجربة إذا شرب إنسان ما من ماء زمزم حتى بلغ حلقه وقد أخلص النية ثم قال «يا زمزم زمى» شفى من مرض الشراهة فى الأكل.
قال أحد الصالحين للإمام اليافعى عليه رحمة الله: كنت أجلس ذات يوم عند كعبة الله، وفجأة جاء رجل غطى وجهه بشال ودخل إلى مبنى بئر زمزم وملأ جرته ماء وشرب قدرا من الماء ورجع، وعند ما جاء إلى جانبى طلبت منه الجرة المذكورة، وعند ما شربت الماء المتبقى بداخلها أحسست بلذة عجيبة لم أتذوقها طوال عمرى فكان ماء زمزم بداخل الجرة كأنه شرابا حلوا ممزوجا بالعسل المصفى، وعند ما أردت أن أنظر إلى وجه الرجل لأتبين من هو فإذا به يأخذ الجرة من يدى وانصرف.
وفى اليوم الثانى ذهبت إلى المسجد الحرام من الفجر وجلست بجانب بئر زمزم عسى أن أراه مرة أخرى وبعد مرور وقت قصير ظهر الرجل بوجهه المغطى وتقدم إلى داخل مبنى بئر زمزم وملأ دلو ماء من زمزم وشرب منه وشربت ما تبقى فى الدلو وكأن ما شربته لم يكن ماء زمزم المكرم إنما كان حليبا ممزوجا بالسكر.
وينقل أن رسولنا سيد الكائنات عليه ألطف التحيات، شرف بئر زمزم ذات يوم وسحب السقاة دلو ماء، وقدموه له فشرب الرسول- ﷺ -القليل منه ومزج الباقى بريقه المبارك وسكب السقاة ذلك الماء الممزوج داخل بئر زمزم للتبرك، فقال الرسول- ﷺ -إن ماء زمزم يشفى المرض ويدفع الجوع عن الذى يشربه بنية الطعام.
стр. 224
وعن أبى ذر الغفارى-رضى الله عنه البارى-أنه فى الأيام التى لا يجد طعاما صالحا للأكل يشرب ماء زمزم الشريف ويكسب طاقة وهكذا كان يدفع الجوع والحرارة. إن خواص زمزم الموضحة أعلاه يصدقها الأطباء أيضا.
وحسبما قال المجربون. إنه يقوى المعدة ويسهل هضم الطعام وإذا شرب والمعدة خاوية، فإنه يطهر الأمعاء. ويهدئ سخونة الجسم بناء على هذا يجب الارتواء منه والمعدة خاوية والتبرك به.
وقد ثبت بالحديث الصحيح أن ماء زمزم الشريف أفضل من الكوثر ويزيل من شاربه الحرص والطمع، ويسهل هضم الطعام، ويبرئ الأمراض المزمنة وغير المزمنة ويحث على الطاعة والعبادات، ويزيد نور البصيرة ويقوى الفهم والطاعة والعلم، ويزيل أمراض الجسم وغضب الله واجد الوجود، ويضفى على القلب رقة، والذين يشربونه اتباعا للسنة السنية الأحمدية يرضون الله- ويغيظون الجن والشيطان الرجيم ويؤلمونهما ويبعثون فى إيمانهم القوة والنضارة.
وقد كتب الإمام السمهودى فى كتابه (خلاصة الوفاء)،وهو من مؤرخى المدينة المنورة المشهورين المتأخرين: يوجد مثل هذا الماء فى المدينة المنورة أيضا حتى أنه يطلق على بئره «بئر زمزم»،ويحمل ماؤه إلى البلاد الأخرى بقصد التبرك به.
***
стр. 225
الشكل الخامس
هجرة قبائل الجراهمة وقطورا إلى مكة المكرمة
بعد مدة من ظهور زمزم الشريف لسقى هاجر-رضى الله عنها-كما سبق توضيحه، حدث أن مرت قبائل جرهم وهى من الأقوام اليمنية المرتحلين إلى الشام بالقرب من مكة المكرمة، وباتوا هناك حتى إن بعضهم صعدوا فوق جبل أبى قبيس ورأوا بعض الطيور.
وفى قول: إن شابين من طائفة العمالقة التى كانت تسكن فى وادى عرفات آنذاك فى خيمها، صعدا فوق الجبل المذكور للبحث عن إبلهم الضائعة، وبينما كانا يجولان رأيا بضعة طيور (١) بالوادى فتساءلا قائلين: «وجود الطيور تنبئ عن وجود ماء، يا ترى أين ذلك الماء؟ وتنقلا من جبل إلى جبل بحثا عن الماء، وإذا بهما يريان فى وسط الوادى تماما امرأة تحتضن طفلا، فاقتربا منها وأخذا يسألانها عن وقت ظهور ماء زمزم وكيف كان ظهوره بقولهما «يا أنت هل أنت من طائفة الجن»؟ أم من جميلات الجن التى تسكن هذا المكان الخالى؟ ومتى وكيف ظهر هذا الماء الجارى الذى أنت بجواره؟!.
فلما أجابت السيدة هاجر قائلة: هذا الطفل قرة عين إبراهيم خليل الله، قد أنعم الحق- -فأجرى هذا الماء الذى يمنح الحياة إكراما لماء وجهه.
وقد أنبأنى بواسطة جبريل الأمين أن هذا الوادى سيصبح بعد فترة عامرا ومأهولا.
لما عرفا القصة رجواها أن تسمح لقبيلتهما بالإقامة فى هذا المكان، قالوا لها إذا أذنت لنا أن نحضر أهل قبيلتنا ليعيشوا بجوارك بعد أن يقيموا خيامهم فى هذا المكان الموحش ويشربوا من ماء الحياة هذا، ويزيلوا آلام هذا المكان وأكداره، لأن
стр. 226
هذا الماء ماؤك وملك يمينك فأذنت لهما، وما كان منهما إلا أن ذهبا إلى قومهما وعادوا جميعا (١).
وكانت هذه الطائفة من أبناء عمومة سيدنا إبراهيم وكان رئيسهم مضاض بن عمرو، وكان بصحبة القبيلة المذكورة عشيرة قطورا أيضا وكانت برئاسة سميدع بن هوشك أو سميدع بن العاص وكان كل أفراد هذه العشيرة من أقارب أفراد القبيلة التى تحت رئاسة مضاض بن عمرو.
وبعد مدة استدعى مضاض بن عمرو وسميدع بن العاص أقاربهما من اليمن وأقاموا جميعا بجوار زمزم الشريف، وبدأوا جميعا فى تأسيس مكة المكرمة، وزراعة ما حولها رعاية لسيدنا إسماعيل وهكذا تحول الوادى غير ذى الزرع إلى مدينة.
ورغم أن سيدنا الخليل قد ترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل وانقطع عنهما فترة، إلا أنه كان يعلم أخبارهما من جبريل-﵇-ويشكر لله لذلك.
وأخذ إبراهيم يتردد على مكة المكرمة بعد الاستئذان من سارة زوجته-كما سيذكر فيما بعد-ثم أمر بزيارتهما بالوحى الإلهى، وكان يزورهما أول كل شهر تنفيذا للوحى أو بناء على قول آخر كان يزورهما كلما خطرا على باله، ولما رأى تزايد الجماعات المهاجرة إلى تلك البقعة المقدسة من يوم لآخر، ملأته السعادة إذ رأى زوال وحشة العزلة فى هذا الوادى.
وكان يذهب لزيارتهما بعد تناول الإفطار مع السيدة سارة ويرجع قبل أن يحل وقت القيلولة.
زواج سيدنا إسماعيل وذهاب سيدنا إبراهيم إلى مكة لمقابلة ابنه
تربى سيدنا إسماعيل وسط أطفال الجراهمة وتعلم لغة العرب العذبة وقبيل انتقال (٢) أمه الرحيمة السيدة هاجر-رضى الله عنها-إلى جنات النعيم تزوج من
стр. 227
سيدة (١) بنت مضاض بن عمرو ولكنه تأثر بوفاة والدته هاجر أشد التأثر ولم يكن هناك شئ يسرى عنه، لذلك انغمس فى الخروج للصيد، وكان يتوهم أن الصيد سيدفع عنه الآلام والأحزان.
وذات يوم ذهب سيدنا إبراهيم إلى مكة المعظمة مستأذنا من زوجته السيدة سارة-رضى الله عنها-بنية العودة سريعا ليطمئن على ابنه دون أن يترجل من على ظهر حصانه.
ولما وصل إلى مكة المكرمة عرف أن السيدة هاجر قد انتقلت إلى دار البقاء، وأن سيدنا إسماعيل ذهب إلى صحراء بعيدة بعض الشئ من أجل الصيد، ولما كان جائعا طلب من زوجة ابنه «سيدة بنت مضاض بن عمرو» قليلا من الطعام فلما أجابته المذكورة قائلة: لا يوجد عندى طعام قال لها: عند ما يعود زوجك أقرئيه منى السلام، وقولى له أن يغير عتبة بيته ومضى.
وعند ما رجع إسماعيل-﵇-من الصحراء قالت له زوجته «جاءنا اليوم شيخ صالح وقد ألمح إلى مسألة غريبة بقوله: إنه يقرئك السلام وعليك أن تغير عتبة بيتك» بناء على هذا طلّق سيدنا إسماعيل زوجته سيدة، وتزوج من «رعلة بنت عمرو الجرهمى» وأنجب منها أولادا كثيرين.
يطلق اسم العرب المستعربة على القبائل العربية المنحدرة من صلب سيدنا إسماعيل، واسم العرب العاربة أو العرب العرباء على القبائل التى ينتهى نسبها إلى قبائل قحطان وجرهم.
واستمر سيدنا الخليل بعد ذلك لفترة يستأذن من السيدة سارة. ويذهب إلى مكة كما كان يذهب من قبل ليطمئن على أحوال ابنه إسماعيل. وفى زيارة من زياراته لم يجد ابنه إسماعيل وسأل عنه زوجته. وكانت (٢) رعلة بنت عمرو بحق الزوجة الوفية المخلصة اللائقة بإسماعيل، إذ أخبرت عن ذهاب زوجها إلى واد قفر من أجل الصيد.
стр. 228
وبعد ذلك أطعمت والد زوجها بطعام لذيذ مكون من اللحم واللبن السهل الهضم، وبذلك أظهرت له مظاهر التعظيم والإجلال والاحترام، وبعد الطعام قالت له وهى ترجوه «يبدو أنكم أشرفتم من مكان بعيد فإذا تفضلت بالوقوف على هذا الحجر لكى أغسل لك رأسك وأمشط شعرك تكن قد أنعمت على جاريتكم بسرور بالغ، وأشارت إلى الحجر الذى استخدم فيما بعد بمثابة الوصلة عند بناء بيت الله المقدس».
وكان الطعام الذى أتت به رعلة مكون من قطعة من اللحم المطبوخ ومقدارا كافيا من لبن وتمر، ونظرا لصعوبة توفير الخبز قالت وهى تقدم له هذا الطعام، لو كان هناك خبزا لقدمته فأرجوك أن تعذرنى، فرد عليها قائلا: فليبارك الله فيكم وفى طعامكم هذا واستجيب لهذا الدعاء من قبل الله فأثره باق إلى الآن فالتمر واللحم متوفران بكثرة فى مكة المعظمة.
نظم
إنها امرأة ذلك الشاب الأغر ... أهل البيت بالنعمة غمر
بعينيها أنها رجلا تطهر ... فبوجهين العورة تستر
وسر سيدنا إبراهيم من المعاملة الطيبة التى أظهرتها رعلة بنت عمرو نحوه.
وعند ما وقف فوق الحجر الذى أشارت إليه قامت السيدة «رعلة» بغسل جانبه الأيمن، ثم الأيسر وبعد ذلك غسلت كل جسمه المبارك فقال لها حموها: «أقرئى زوجك السلام، وأبلغيه أنه ليس عليه أن يغير عتبة بيته ثم انصرف».
وبعد فترة قصيرة شرف سيدنا إسماعيل بيته، واشتم رائحة والده العزيز المباركة وسأل عمن جاء، فأجابته قائلة جاء شيخ كريم، ذو جمال باهر وذو رائحة عطرة، وأبديت له ما يستحقه مقامه الرفيع من آيات التكريم وأحضرت له
стр. 229
الموجود من الطعام، وبعد الطعام غسلت له جسمه المغمور بالنور فوق هذا الحجر، فسر وقال: «قولى لإسماعيل ألا يبدل عتبة بيته بعد الآن وأقرأك السلام، ثم قفل راجعا وترك أثرا فوق الحجر الذى وطأت قدماه الشريفتان توأم السعادة.
فقال لها شارحا وموضحا ذلك الشيخ ذو السمات الجليلة هو أبى ويقصد بقوله:
لا تغير عتبة بيتك. يأمرنى بأن أقضى بقية عمرى معك واتجه إلى الحجر الذى ترك فوقه أثر قدميه فقبله ووضعه فوق مكان مرتفع قليلا.
وقد أصبح ذلك الحجر المبارك التى غسلت فوقه رعلة والد زوجها فى ذلك اليوم هو الحجر المبارك الذى صعد فوقه إبراهيم عند بناء الكعبة المعظمة، وهو الآن فى مكة ومحفوظ داخل شبكة من حديد. وقد ذكر هذا الحجر فى القرآن الكريم باسم (مقام إبراهيم)،واشتهر بين الناس بهذا الاسم والحجاج الكرام يزورونه بكل لهفة وحماس. وما زالت آثار قدمى إبراهيم- ﷺ ،فالحجاج يضعون ماء زمزم عليه ويشربونه تبركا والحجر المذكور والحجر الأسود. هما ياقوتتان سعيدتان من يواقيت خزانة الجنان وقد أزال الحق- نورهما المشع، لأنهما لو ظلا محتفظين بنورهما الذى تفضل الله بإنزالهما به من الجنة لأضاء نورهما ما بين الشرق والغرب.
مسألة:
اختلاف العلماء فى مسألة الذبيح الهامة
عند ما أمر سيدنا إبراهيم بذبح فلذة كبده كان سيدنا إسماعيل حسب أحد الأقوال، قد بلغ الثالثة عشرة من عمره. وقد اختلف العلماء فى الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ كما أن الآيات القرآنية الخاصة بهذا الموضوع مشتبه فيها وأعلن بعضهم أن الذبيح هو إسحاق، وقال الآخرون إنه إسماعيل.
ورغم أن مؤرخى اليهود والنصارى يسوقون مجموعة من الأدلة، ويؤيدون العلماء الذين قالوا إن الذبيح هو إسحاق، فإن جماعة الصحابة الكرام والتابعين منهم عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عمر وكعب الأحبار
стр. 230
وسعيد بن جبير ومسروق وأبو الهذيل والزهرى وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبو الطفيل عامر بن واثلة ومقاتل وعبد الله بن مسعود وقتادة وعكرمة وعباس بن عبد المطلب «رضى الله عنهم أجمعين وكذلك كبار التابعين مثل: الإمام جعفر الصادق وسعيد بن المسيب ومجاهد والحسن البصرى والشعبى ﵏، يذهبون إلى أن إسماعيل-﵇-هو ذبيح الله كما أن ابن كثير قد حكم بصحة الرأى القائل بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇.
لأن أصحابه يستندون بالاتفاق إلى أقوال صحيحة فيما يعلنون أما بالنسبة لنا نقول: «إن كون إسماعيل-﵇-المقصود بالذبيح قد بلغ إلى درجة اليقين بالأدلة العقلية، لأن سيدنا إبراهيم بلغ السادسة والثمانين من عمره ولم يكن قد أنجب ولدا بعد، لذا كان من الطبيعى حسب النزعة البشرية أن تكون ولادة سيدنا إسماعيل زينة الوجود موضع حب والده لهذا ابتلى إبراهيم فى أعز شئ عنده، ولأن السيدة سارة كانت عاقرا وانكسر فؤادها لمولد إسماعيل فخر العالمين وقد أدى هذا إلى صدور أمر الذبح الجليل والإشارات الإلهية حول ولادة سيدنا إسحاق ويعقوب زدلة قاطعة لكون الذبيح إسماعيل ﵇.
إذ أن سيدنا إسحاق لو كان قد ذبح، لكان يلزم ألا تتشرف الدنيا بسيدنا يعقوب، وبغض النظر عن هذا فإن الأمر المؤكد أن سيدنا إسحاق لم يقطن مكة والكعبة المعظمة وكان مقيما فى الشام. كما أن قرون الكبش السماوى قد ظلت معلقة في ميزاب كعبة بيت الله حتى حادثة ابن الزبير المؤلمة وقد انتقلت مهمة حراستها إلى أولاد وأحفاد إسماعيل بطنا تلو بطن وكل هذه الأحداث أدلة كافية لإثبات أن سيدنا إسماعيل هو ذبيح الله.
وقال مولانا الصنهاجى نقلا عن الإمام الثعلبى: «بينما أنا فى مجلس سيدنا معاوية بن أبى سفيان ودار الحديث طويلا فى القيل والقال بين بعض الناس حول الاختلاف فى قصة الذبح، فخاطبهم سيدنا معاوية قائلا: «كنت ذات يوم فى حضرة المجلس النبوى الرفيع-عليه أفضل التحية-وجاء واحد من الأعراب
стр. 231
وصاح قائلا: «يا ابن الذبيحين «فتبسم الرسول الكريم- ﷺ -تصديقا على قول القائل ابن الذبيحين فتفضل ذاته العالية بالتصديق على قول الأعرابى المذكور تلميح وتصريح بأن سيدنا إسماعيل هو ذبيح الله.
لأن عبد الله بن عبد المطلب والد سيدنا رسول الله رفيع المقام كان أيضا ذبيحا مثل جده إسماعيل ﵇. وإذا كان سيدنا إسماعيل قد افتدى بكبش فإن عبد الله قد نجا بمائة ناقة.
وفى الحديث الشريف «أنا ابن الذبيحين» تأكيد على أن إسماعيل-﵇-هو الذبيح حيث أنه مما لا شك فيه عند أحد قط فى أن المشار إليه هو جد النبى العظيم ومع أن علماء اليهود يعلمون يقينا أن الذبيح هو سيدنا إسماعيل ورغما عن هذا ادعو أن سيدنا إسحاق هو ذبيح الله كما أن بعض مؤرخى النصارى أيدوا اليهود فى ادعاءاتهم ولكنهم لم يستطيعوا حتى أن يجدوا دليلا واحدا على صحة أقوالهم.
والرواية التالية تدل دلالة واضحة على بطلان ادعاءات اليهود، الرواية تقول:
أسلم واحد من علماء اليهود فى عهد عمر بن عبد العزيز. وسأله الخليفة الأموى مستفسرا «هل الذبيح إسماعيل أم إسحاق؟» وبما أن سيدنا إسماعيل هو جد العرب فإنهم ينكرون أن يكون هو ذبيح الله ويدعون أن جدهم إسحاق-﵇-هو الذبيح.
كيفية حدوث قصة الذبح الجليلة
نقل عن كعب الأحبار أن الله- -قد أمر حضرة الخليل-على نبينا وعليه التبجيل قبل بناء الكعبة المشرفة (١) بسبع أو ثلاث عشرة سنة، عن طريق الرؤيا، أن يذبح إسماعيل-﵇-قربانا. وكان سيدنا إسماعيل فى ذلك الوقت فى الثالثة عشرة وحسب قول بدائع الزهور أنه كان فى العشرين (٢)
стр. 232
من عمره وأن سيدنا إسحاق قد ولد بعد هذه الواقعة بسبع عشرة سنة، وحسب رواية بدائع الزهور، ولد بعد عشر (١) سنوات وأنه مات سنة سبع وثلاثين بعد المائة.
ولما أدرك سيدنا إبراهيم أن ما رآه ليس وساوس الشيطان صدع بالأمر، وقال لزوجته هاجر وقد عقد على إنفاذ حكم الله وقضائه-هيأ إسماعيل بغسل رأسه وتمشيط شعره وإلباسه ملابس جديدة بعد أن عطر كل أعضاء جسمه بعطور ذات رائحة طيبة ثم خاطب فلذة كبده بقوله: «يا بنى هات حبلا وسكينا حادا لنذهب معا لإحضار الحطب من ذلك الجبل وحسب قول بدائع الزهور «لنذبح شاة» وأحضر سيدنا إسماعيل الحبل والسكين اللذين أمر والده بإحضارهما وصحبه معه إلى المكان المسمى مذبح إسماعيل فى منى.
فى هذا الوقت ظهر إبليس ذو الوساوس متوهما أنه وقت غواية وإضلال إبراهيم عن طريق زوجته فذهب إلى هاجر وقال لها: «هل تعلمين أين أخذ إبراهيم إسماعيل؟ فلما ردت قائلة: نعم أخذه إلى الجبل لنقل الحطب، قال لها» لا أخذه للذبح».
فردت عليه قائلة: إن إسماعيل محبوب من والده، حتى إن والده ينفر من الذين يعادونه ويبغضهم حاشا أن يرتكب هذا الفعل غير المشروع.
فقال لها: «ربما يذبحه ظنا أنه أمر الله؟ ردت السيدة هاجر-رضى الله عنها- وقالت: «ما دامت هذه هى إرادة الله الحكيمة فهو ملزم بتنفيذها إذن فليعمل على تنفيذ أمر الله «ولم تفتنها غواية الشيطان!.
نظم
ولما تخوف الشيطان فى الحال ... التقى بأمه للإضلال
стр. 233
فقال لها لا تفعلى وإلا ندمت خذى حذرك ... خليل الله يجعل القربان ولدك
فهجمت فى الحال بما وجدته قريب ... أما شمس عقلها فأوشكت على المغيب
اتجهت بحينها والقلب إلى الرب ... قائلة الق إلى سمعا هذا أولى وأنسب
الحذر من أن تبعدى تلك الروح من يدك ... لا نطفى: سراج الأنبياء
لا ترضى أن يذهب معه حيث شاء
عند ما أدرك الشيطان أنه لن يستطيع أن يضل السيدة هاجر ذهب إلى إسماعيل.
وقال: يا إسماعيل لقد حملك أبوك إلى الجبل لكى يذبحك، فأجاب إسماعيل: إنى أطيع أمر الله وأوافق على رأى والدى العزيز وأخضع لما يقرره فانصرف الشيطان عنه.
وغشى اليأس الشيطان بسبب عجزه عن خداع إسماعيل-﵇ فأسرع إلى حضرة الخليل وقال له متسائلا:
«أيها الشيخ مضئ القلب إلى أين أنت ذاهب؟ وماذا تتصور أنك فاعل؟ فلما أجابه حضرة الخليل «لدى أمر هام وأنا ذاهب لإنجازه» فقال له: أتظن أن الشيطان يضلك عن طريق الرؤيا ويفسد عليك عقلك وإحساسك ويدفعك لقتل ابنك فإذا انخدعت بوساوسه وما يلقيه فى نفسك فإنك ستفقد ثمرة فؤادك الذي هو برعم بستان مناك!! ولا شك أنك ستتجرع كأس الندم وستضل عن طريق السلامة».
стр. 234
لكن الخليل فاجأه قائلا «أيها الملعون انصرف عني إننى أنفذ إرادة الله وأمره» فظل الشيطان ناشرا من خلفه.
وبعد أن صرف نبينا سيدنا إبراهيم-على نبينا وعليه التعظيم-الشيطان من عنده ووصل إلى جبل ثبير ووجه حديثه إلى فلذة كبده إسماعيل ﵇ قائلا:
نظم
قال اعلم يا ولدى البر يا خير ولد ... إن الله يدعوك إلى جنة الخلد
بمال عمرك يا ولدى لا تبخلن ... وفى تردد طريق الحق لا تسلكن
اطرح عنك تراب جسمك وعجل بروحك ... يخف عنكا عليك من ثقلك
اجعل الجسد الترابى فى الأرض طريح ... وانعم وانفض التراب عن عين الروح
لا تلق الروح فى فزع وهلع ... وحذار من أن يكون ثوبك أبقع
جد فى سبيل الحبيب بروحك ... لا لا تكترث بعمرك
«أى» يا قرة عينى وجودى، رأيت فى منامى أننى مأمور بذبحك، لذا فإننى مضطر لإنقاذ إرادة الله ذى الكبرياء فانظر ماذا ترى؟! وبهذا الأسلوب يهئ ابنه زهرة عمره فى إنفاذ ما أمر به «فلما أجابه سيدنا إسماعيل بما جاء فى الآية الجليلة: ﴿اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (الصافات:١٠٢).
стр. 235
وقال: «يا والدى العظيم فاصدع بالأمر الذى كلفت به ستجدنى إن شاء الله صابرا وأحتمل ما جرى به حكم الله».وبعد هذا قال لوالده طائعا مختارا «اعلم أن بذل الروح أمر عسير، لذا شد وثاق يدى وقدمى حتى لا أضطرب فينتقص أجرى أو يحرك اضطرابى رقة قلبك فتتألم وألقنى على وجهى حتى لا تدعوك رؤية وجهى عند الذبح إلى عدم القدرة على تنفيذ أمر الله ذى الجلال فإن توافق خذ قميصى أيضا إلى أمى هاجر كى يكون لها سلوى وأقرئها منى السلام وقل لها أن تتّسم بالصبر فى تحمل أمر الله وقد يساعدها هذا القميص الذى أرسله لها على ذلك «وبهذا القول أظهر طاعته لأمر الله بوضوح».
نظم
وقال إسماعيل للخليل الآن ... يا خير من خلق الرحمن
قيد اليد والقدم منى ... علنى لا أشعر وأنت تذبحنى
علني لا أشعر وأنت تذبحنى ... فإذا ما صعدت منى الروح إلى السماء
لا يصبح جسدى بحرا يتلاطم فيه الماء ... عر جسدى وسربالى
لئلا يكون حائلا عن وصالى ... جرد جسدى من ثمر وورق
وضمها كلها فى غض متسق ... بردائك استر منى الجبين
لا تنظر إلى وجهى أكره لك أن تكون حزين ... وإذا ما أطرقتنى كالعنقاء
стр. 236
فاجعل لها عشا فى الخفاء ... عند ما تشاهد فى تصعد زفرتك فى ألم
وفى التو تندم كل الندم ... احذر يا من أنت ظل الرحمن
أن تنال النبوة بأى سوء كان ... أنت بكل رحمة تغمرنى
لكن فى تلك اللحظة لا ترحمنى ... أتعلم ما سوف تؤول إليه الحال
وإذا ما لم تطع أمر الله فى الحال
عند ما سمع إبراهيم-﵇-هذا الجواب من ابنه قال:
«يا بنى ما أجمل استسلامك لإرادة الله. وأوثق رباط قدمى ابنه ويديه ثم ألقاه على وجهه، ثم أغلق عينيه ووضع السكين الحار على رقبته البلورية وسحبها بقوة؟ لكن جبريل الأمين بأمر ربه قلب حد السكين فلم يقطع رقبة إسماعيل البيضاء كالفضة.
وفى قول آخر إن سيدنا إبراهيم قيد سيدنا إسماعيل على النحو المذكور وعند ما قلبه على وجهه، قال إسماعيل-﵇-يا أبتى! حل رباط يدى وقدمى، حتى لا أكون قد استجبت لأمر الله مجبرا، فحل والده وثاق يديه ورجليه، وأوقفه على قدميه عندئذ نام إسماعيل على جنبه الأيمن وقال: يا والدى الآن ضع سكينك على رقبتى دون أن تشفق على حتى يرى الملائكة أن ابنك إسماعيل قد انقاد لأمر الله وأطاعه كما أطاع والده ويشهدوا بذلك.
وضع سيدنا إبراهيم السكين على رقبة سيدنا إسماعيل ليذبحه وضغط عليه بشدة لكن السكين لم يقطع فغضب حضرة الخليل من السكين وضرب حده فى صخرة عظيمة فشطرها نصفين فتعجب إبراهيم وقال: «ترى ما الحكمة؟ وأخذ يفكر فى الأمر وبينما هو كذلك سمع هاتفا ذا خطاب مستطاب» يا إبراهيم قد
стр. 237
صدقت الرؤيا وقد أرسلنا لك كبشا ليكون بدلا وفداء لابنك، وظهر جبريل الأمين عند صفح جبل ثبير ومعه كبش عظيم وحمل سيدنا إبراهيم الكبش إلى مكان مسجد المنحر وبعد أن كبر هو أولا والكبش ثانيا ثم سيدنا إسماعيل أرقده على الأرض وذبحه قربانا لله!!.
نظم
أخذ الفزع كل مأخذ من نبى الله ... وسرعان ما ستر وجهه وأخفاه
وفى هيبة أخرج شفرة كالهلال ... ليذبح من هو البدر فى الجمال
الشفرة على رقبة إسماعيل وضعها ... فما أثرت فيها وما قطعها
وشحذه على الحجر فانشطر فى الحال ... وأصبح جزءين من النّخالة
وأنزل من السماء كبشا جميلا ... فذبحه بدلا منه فى الحال
وفى رواية أخرى «بينما كان سيدنا إبراهيم مندهشا مما حدث كان ابنه المطيع على الدوام لكل أوامر الله سبحانه يقول يا أبى ما بك حتى إنك تتكاسل عن إنفاذ أمر الله سبحانه؟ فلما أجابه «إن السكين لا يقطع» قال له إذا كان الأمر كذلك فاضرب رأسى بمقبضه حتى تنفذ مهمتك بهذه الصورة»،وبهذا بين له ابنه الطريقة التى يتبعها فى إنجاز مهمته وبينما كان الأب الرحيم يهم بفداء ابنه بأن يضرب على رأسه بمقبض ذلك السكين الذى فى يده إذ جاءه الهاتف. «يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا لقد أرسلنا لك كبشا ليكون فداء لابنك-دع إسماعيل وأمسك بهذا الكبش الذى تراه فى ذلك الجبل واذبحه بدل ابنك وفى لحظة سماع عبارة يا
стр. 238
إبراهيم قد صدقت الرؤيا سقط السكين الذى فى يد الخليل الجليل على الأرض من رهبة الصوت المذكور.
وكان سيدنا جبريل ممسكا بالكبش سابق الذكر من أذنه، وأراه لسيدنا إبراهيم وبإشارة من الرسول الجليل كبر الكبش كما بينا سابقا، وقد نبه هذا التكبير إسماعيل ﵇ فرفع رأسه من الأرض التى يرقد عليها، وقال بلسان عذب العبارة المنجية (الله أكبر ولله الحمد) وأمسك سيدنا إبراهيم الكبش الذى أراه إياه جبريل الأمين وذبحه. وفى رواية أخرى إذ رأى سيدنا الخليل مدى طاعة إسماعيل الذى هو ثمرة بستان عمره واستسلامه لأوامر الله غشيته الحيرة وقال وهو حزين «يا إلهى، لقد أنعمت على وأسعدتنى فى آخر عمرى بابن وبعد ذلك أحزنتنى بفراقه إذ أمرتنى بذبحه ولو أن هذه الرؤيا التى رأيتها مصونة من وساوس الشيطان ومقرونة برحمتك ورضائك الشريف سأبدأ فى تنفيذها، أما إذا كانت ضد إرادتك الإلهية فإننى أنصرف عنها وأستغفرك لك.
ثم وضع حد السكين الذى فى يده على عنق إسماعيل ﵇ الذى يرقد على الأرض مقيد اليدين والقدمين وسحب السكين ثلاث مرات ولكن فى كل مرة كان حد السكين ينقلب وتنجو رقبة إسماعيل ﵇ من الذبح وغضب نبينا إبراهيم عليه التحية والتكريم وضرب بالسكين صخرة كبيرة لا يقدر ثلاثون أو أربعون رجلا على تحريكها فانشطرت تلك (١) الصخرة السوداء الضخمة من شدة الضرب إلى نصفين وتدحرج أحد النصفين فى جانب والثانى إلى جانب آخر.
***
стр. 239
الشكل السادس
بينما وضع سيدنا إبراهيم السكين على رقبة ابنه واجتهد أن يذبحه أظهر سيدنا إسماعيل لوالده نهاية الطاعة ومنتهى الاستسلام الذى يفوق كل ما أصف. وإذا بصوت مثير للشوق يقول «يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ولقد أرسلنا كبشا فداء لابنك فأمسك به واذبحه».
شمس التبريزى
إسماعيل قد جاء به وجعله قربان كبش له
فاستدار إبراهيم ﵇ على عقبيه بمجرد أن وصل الصوت إلى مسامعه ورأى عند سفح جبل ثبير كبشا فريدا متناسق التكوين ومن فرط سعادته ترك ابنه إسماعيل ملقى على الأرض مقيد اليدين وذهب للإمساك بالكبش الذى رآه ولكن الكبش المذكور انطلق ناحية مسجد الحنيفة متبعه وألقى فى ثلاثة أماكن سبع جمرات وأمسك به بالقرب من جمرة العقبة، وأخذه إلى مكان مسجد المنحر وذبحه.
والمواضع التى ألقى فيها سيدنا إبراهيم بالحجارة على الكبش هى الأماكن التى يوجد بها الآن: الجمرة الأولى، والجمرة الثانية وجمرة العقبة.
وكان الشيطان اللعين قد ظهر لإبراهيم فى تلك الأماكن وحاول أن يصرفه عن تنفيذ الأمر الإلهى ولكن لما رأى نفسه لا يستطيع أن يحقق أمله انسحب إلى ناحية ما خائبا مدحورا. وإشارة إلى هذه الحادثة يرمى الحجاج الكرام الجمرات الثلاث.
قطعة
ما يرمى به إبليس من حجر إما حصى وإما جمر وفى المآل إذا قلبت الكلمتان
стр. 240
فالرجمة تكون جمرة
بينما كان سيدنا إبراهيم منهمكا فى ذبح الكبش عند مسجد المنح، حل جبريل الأمين وثاق يدى إسماعيل-﵇-وقدميه وقال له «يا إسماعيل اطلب من الحق- -ما تشاء فى هذا الموقف المبارك الذى يستجاب فيه كل الأدعية. وقف سيدنا إسماعيل بين يدى عتبة الرب الجليل وأخذ فى الدعاء قائلا: «يا إلهى أدعوك وأتوسل إليك أن تغفر للمؤمنين الذين أتو إلى الدنيا ثم ذهبوا إلى الآخرة حتى هذه اللحظة» وخلال دعائه جاء والده المكرم وقال: يا بنى أنت مؤيد من الله- -وقد سمع فى الآفاق صوت الهاتف يقول يا خليل يا أصدق القائلين ويا إسماعيل يا أصبر الصابرين.
حكمة:
إذا قيل ما الحكمة فى إرسال «كبش» فداء لإسماعيل-﵇-وعدم إرسال ثور أو جمل مثلا؟ نقول إنه أرسل كبش لكى لا يكذب والده إبراهيم- ﵇-لأنه إذا أرسل جمل أو أى حيوان آخر لما صدق سيدنا الخليل، لأنه عند ما أخذ إسماعيل-﵇-طلب منه أن يأتى بحبل وسكين، ولما سأله إسماعيل عن سبب ذلك قال له أبوه لأننا سنذبح شاة. لذا أنزل كبش دون سائر الحيوانات.
يقول عبد الله بن عباس-رضى الله عنهما-إن الكبش الذي جاء به جبريل الأمين آنذاك كان القربان الذى تقبله الله من هابيل بن آدم-﵇،وقد أخرج من فرعى الجنان قبل واقعة ذبح إسماعيل بأربعين سنة وامتنع عن الطعام والشراب أربعين سنة كاملة إلى أن أنزل إلى مراعى البسيطة.
وكان الكبش المذكور كبير القرنين أسود العينين ولونه يميل إلى السواد وظل القرنان معلقين فوق ميزاب الكعبة المعظمة، وعلى قول آخر فوق باب المعلا، إلى وقعة الحجاج الظالم واحترقا فى أثنائها.
وكان المكان الذى شوهد فيه جبريل الأمين مع الكبش فى مضيق منى.
وسفح جبل «ثبير» حيث توجد صخور كثيرة. وقد بنى فوقه قبة من الحجر على أربعة قوائم ظنا أن الحجاج يزورون هذا المكان ويطلق على هذه القبة «قبة الكبش» من قبل سكان مكة.
***
стр. 241
الشكل السابع
استطراد
إن أسلافنا من المؤرخين تناولوا بالبحث الكيفية التى تم بها أمر إسماعيل بالذبح واختلفوا فى هذا الموضوع كثيرا ولكنهم بعد ذلك اتفقوا على كلمة واحدة، وقالوا: «إن بلوغ خليل الله إبراهيم الرابعة والثمانين من عمره دون أن يكون له ولد مما أحزنه وآلمه. ولذا توجه لربه قائلا: إذا أنعمت على بولد نجيب حليم-حتى لا ينقطع نسبى فلكنت أفديه طالبا رضاك وكان هذا نذرا منه ومن فرط سعادته بولادة سيدنا إسماعيل ذا السعادة الباهرة غاب عن ذهنه أن يوفى النذر، وبعد ثلاث عشرة سنة من الواقعة اقتضى صدور الخطاب الإلهى تنفيذ إبراهيم نذره إذ قال الله : «يا إبراهيم كنت ستذبح إسماعيل قربانا فلماذا لا توفى بنذرك».
وتردد إبراهيم فى تصديق هذه الرؤيا وظل فى ذلك اليوم حتى المساء يفكر فى هذا الموضوع! لذا أطلقوا على اليوم المذكور يوم التروية».
وإن كان معنى التروية لغة التفكير إلا أنه قد اصطلح على أن يطلق هذا الاسم على اليوم الثامن وأخذ يفكر بعمق فى صباح تلك الليلة وكان اليوم التاسع من شهر ذى الحجة إسماعه الصوت الهاتف: «يا إبراهيم إن إبليس يبعدك عن طاعة الله، فقرر أن ينفذ أمر القضاء، وقد عرف أن الهاتف الإلهى يوحى له بإنفاذ الأمر، ولذا أطلق على هذا اليوم اسم «عرفة».واليوم الثالث وكان اليوم العاشر من ذى الحجة وأطلق عليه يوم النحر لأن إبراهيم ﵇ بادر فيه بذبح فلذة كبده.
стр. 242
لاحقة:
الحكمة من أمر إبراهيم-﵇-أن يذبح ابنه إسماعيل-﵇ -كما ينقلها على بن أبى طالب-﵀-وقد قال العالم الواقف على سرائر نبينا ﷺ : إنه بينما كان خالق السموات والأرضين يرى سيدنا إبراهيم ﵇ السموات والأرض ويوقفه على جمالهما وما فيهما رأى حضرة الخليل-﵇-رجلا يرتكب معصية، فلما دعا الله أن يهلكه هلك ذلك الرجل، وبعد قليل دعا على بضعة أشخاص من المذنبين فلما هلكوا صدر خطاب رب العزة له يا إبراهيم إن دعاءك مستجاب دائما فلا تدع على عبادى فإنهم مجبولون على ثلاث خصال: إما أن يتوبوا وإما أن يسبحوا وإما أن يفوضوا أمورهم، فإذا شئت غفرت لهم وإذا لم أشأ عاقبتهم، ويرى البعض أن سبب صدور الأمر لسيدنا إبراهيم أن يذبح إسماعيل-﵇-هو إظهاره القسوة على العباد وأنه لم يرحمهم.
وقال جماعة من المفسرين العظام عقب تفسير الآية الجليلة ﴿كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأنعام:٧٥) إنه ذات ليلة فى أثناء عروج إبراهيم ﵇ إلى السماء رأى عبدا عاصيا يرتكب ذنبا فقال: يا رب إن هذا العبد يأكل رزقك ويمشى ويتحرك فوق الأرض التى خلقتها، ومع هذا يخالف أوامرك فأهلكه!! ولما كان دعاؤه مستجابا فقد هلك ذلك الرجل ثم رأى بعد ذلك مذنبا آخر فلما دعا الله أن يهلكه، خاطبه الله- -معاتبا يا إبراهيم لا تدع على عبادى أمهلم وأمنحهم فرصة، فإنهم يا إبراهيم كثيرا ما يقترفون الذنوب. وفى تلك الليلة أمر فى رؤياه بذبح ابنه إسماعيل ﵇.
ولكى ينفذ سيدنا الخليل الجليل «عليه التحية والتبجيل» ما رآه فى رؤياه ألقى ابنه على الأرض وهو مقيد اليدين فى سفح جبل ثبير على النحو الذى ذكرناه مفصلا فى موضعه، وعند ما أمسك السكين بيده غلبت عليه رقته فقال: «يا رب
стр. 243
إن هذا الابن الذى استعد لوضع السكين على عنقه هو ثمرة فؤادى وابنى الغالى. وإنه أحب الناس إلى»،وكان قصده من هذا أن يعرض على أرحم الراحمين ما بقلبه من رقة وشفقة، ولما انتهى من كلامه إذا به يسمع هاتفا من الوحى يقول: «يا إبراهيم أنسيت الليلة التى دعوت فيها بهلاك عبادى؟! إذا كنت رحيما بابنك على هذا النحو وأنا أيضا رحيم وشفيق على عبادى ألا تعرف أننى أنا الرحيم؟! لقد أردت هلاك عبادى وأنا فى المقابل أريد ذبح ابنك.
تكليف حضرة الخليل ببناء الكعبة المعظمة:
كانت إقامة إسماعيل-﵇-مع أمه السيدة هاجر فى الوادى المقدس غير ذى زرع مقدمة لتأسيس قواعد البيت المعظم، لذا تحمل إبراهيم-﵇-كل ما سبق ذكره من الصدمات تحملها صابرا دون قنوط.قد أمر إبراهيم-﵇-بتأسيس كعبة الله. قبل ولادة إسحاق-﵇ بثمانية أو (١٤) أو (١٨) أو (١٧) عاما (١) وبعد حادثة الذبح بسبعة أو (١٣)، أو (١٧) أو (١٦)(٢) عاما (٣).
وبما أنهم لا يعرفون حسب عجزهم البشرى مكان بيت الله فقال رب العزة «يا إبراهيم اتبع سكينة» وهى ستدلك على مكان الكعبة.
ذلك لأن الموضع المقدس لكعبة الله كان معروفا للبشر حتى طوفان نوح الذى أغرق الدنيا غطّى الطوفان ببحر رماله مكان البيت فتركه مجهولا بدون أية علامة، ومع هذا فإن السيول التى تكونت من شدة هطول الأمطار كانت تتحاشى الأرض المباركة للبيت الشريف وتطوف من حول أركانها الأربعة. والذين رأوا هذه العلامة الميمونة عرفوا أن هذا المكان بالذات مكان مبارك مقدس واعتقدوا
стр. 244
فى ذلك. حتى إن المرضى والمظلومين والمهمومين كانوا يطوفون بهذا المكان ويرون أن أدعيتهم قد استجيبت.
عند ما كلف سيدنا إبراهيم ببناء وتشييد كعبة الله بوحى من الله الكريم وتشرف بخطاب رب العزة أن اتبع السكينة ركب البراق الذى نزل من السماء وسار مستظلا بظل السكينة سالفة الذكر.
وكانت «السكينة» المذكورة ريح (١) عجيبة الآثار فى صورة حية ذات رأسين أسمها حجون. كما أن لها رأس وأيضا جناحان وقد ظهرت على شكل سحابة ذات أربعة أركان وكانت بحجم الكعبة المعظمة وأوصلت «السكينة» إبراهيم ﵇ إلى مكة المكرمة ووقفت فوق أرض وساحة البيت الشريف وقالت بلسان حالها إن المكان الذى تظله هو الموضع الأنور لبيت الله المقدس.
وكانت السكينة المذكورة تبدو أحيانا على هيئة أسد أو على هيئة جمل، وكانت تجيب على أسئلة إبراهيم-﵇. سارع حضرة الخليل بمعاونة ابنه إسماعيل تحت إرشاد السكينة التى بينت لهما حجم البيت ومكانه أسرعا فى حفر وتعميق أسس البيت المعظم.
وعند ما عزم إبراهيم-﵇-على الذهاب (٢) إلى مكة المكرمة متتبعا «السكينة رجته زوجته المحترمة السيدة سارة-رضى الله عنها-ألا يقابل السيدة هاجر ولا يكلمها، وعند ما اهتدى إلى الموقع الأنور للبيت الأعظم الذى دلته عليه السكينة وعرفه، ذهب إلى دار ابنه السعيدة إسماعيل-﵇-ودق الباب فردت زوجة ابنه قائلة ماذا تريد؟ سألها عن سيدنا إسماعيل وأمه الرحيمة هاجر، وعرف منها بخروج إسماعيل إلى الصحراء للصيد كما علم بوفاة (٣) هاجر
стр. 245
ودفنها فى المكان المسمى (١) حجر إسماعيل، رجع إلى الحرم الشريف، واغتسل بماء زمزم ثم انتحى وجلس ينتظر قدوم ابنه.
وعند ما رجع إسماعيل-﵇-من الصيد وجد والده فى انتظاره عند بئر زمزم فصافحه وقبّل يده، ثم أحضر مقدارا من الحليب واللحم المطبوخ واستضافه. وبعد أن أكل سيدنا إبراهيم الطعام الذى أعده ابنه إسماعيل قال له:
«يا بنى إن الله قد أمرنى برفع قواعد بيته- -فوق تلك الربوة الحمراء، فساعدنى فى إنجاز هذا الأمر وأفهمه أنه مكلف بوضع أساس بناء كعبة الله، وشرع بسم الله فى تعميق الحفرة بعون إسماعيل ﵇.
وفى قول آخر إنه عند ما خرج سيدنا الخليل من بيته السعيد كلف الله «السكينة» سالفة الذكر وطائرا سريع الطيران وملكا ليرشدوا إبراهيم-﵇-إلى موضع الكعبة المباركة، وعند ما وصلوا إلى مكة المشرفة وقفت «السكينة» المذكورة فوق ساحة البيت المعظم وقالت لإبراهيم: «إن كعبة الله التى أمرت بتأسيسها وبنائها فى المكان الذى يحيط به ظلى».وهكذا رأى مكان بيت الله المقدس وعينه.
وكان مع حضرة إبراهيم سبع من الملائكة يعاونون فى ذلك الوقت. وكان الموضع الذى أرته إياه «السكينة» ذا أربعة أركان غير متساوى الأضلاع. وبعد مدة قد أطلقوا على أحد أركانه الركن الشرقى يعنى الحجر الأسود وعلى الركن الآخر الركن العراقى وعلى الركن الثالث الركن الشامى وعلى الركن الرابع الركن اليمانى.
إخطار:
إن الموضع الحقيقى لبيت الله كان ذا ثلاثة أركان وذلك إيماء إلى أن فى قلوب الأنبياء العظام-عليهم الصلاة والسلام-ثلاث خواطر وهى «إلهية وملكية ونفسية» وأن قلوبهم لن تفتح لأية خاطرة أخرى غيرها ثم شاءت الإرادة الإلهية
стр. 246
أن يشيد بناؤه أربعة أركان وكان هذا إشارة إلى إمكان وجود أربع خواطر فى قلوب المؤمنين.
(روح البيان).
والطرف الشرقى لكعبة الله فيما بين ركنى الحجر الأسود والعراقى يميل قليلا إلى الشمال وفى هذه الجهة من بيت الله مقام إبراهيم، بئر زمزم، باب بنى شيبة.
وجهة الشمال ما بين الركن العراقى والركن الشامى تميل بعض الشئ ناحية الغرب ويقع حجر إسماعيل والميزاب الذهبى والمقام الحنفى الكائن محل دار الندوة فى هذا الجانب من البيت الأعظم، والجانب الغربى ما بين الركن الشامى والركن اليمانى يميل قليلا ناحية الجنوب ويقع فى هذا الجانب من بيت الله الباب المسدود الغربى، وباب العمرة باب الوداع، وباب إبراهيم.
وجهة الجنوب ما بين الركن اليمانى وركن الحجر الأسود، وهى مائلة بعض الشئ ناحية الشرق ويوجد فى هذه الجهة من الكعبة المعظمة باب الصفا وكل الأبواب الجنوبية وبناء على ما يتضح من الشكل التالى للساحة المطهرة للكعبة المعظمة نجد أن طول المسافة بين ركن الحجر الأسود إلى الركن العراقى ٣١ ذراعا ومن الركن الشامى إلى الركن اليمانى ٣٢ ذراعا والطول من الركن العراقى إلى الركن الشامى ٢٢ ذراعا ومن الركن اليمانى إلى ركن حجر الأسود ٢٠ ذراعا.
стр. 247
مساحة هذا الشكل قد قيست بالمقياس المسمى «ذراع اليد» والمقياس المذكور يساوى المسافة ما بين مرفق الرجل إلى طرف الإصبع الأوسط فى يده.
وبما أن كل الذين قاموا بقياس المسجد الحرام قد استخدم كل واحد منهم ذراعه الشخصى لذا لم يوافق مقياس أحدهم الآخر.
مثلا: إن صاحب تشويق الساجد وجد أن ارتفاع «الكعبة المعظمة» الأعلى ٢٧ ذراعا وستة أصابع بينما وجد الإمام النووى ارتفاعها ٢٧ ذراعا فقط كما ضع فى كتاب الإيضاح ووافق مؤلف تاريخ خميس على مقياس الإمام السابق، لأن ذراع اليد يختلف من شخص إلى آخر. ولا يعد مقياسا متفقا عليه.
يقول مؤلف هذا الكتاب إننى قد اختبرت كثيرا من الأذرع وقمتها فوجدتها مساوية لسبع عشرة بوصة إنجليزية واعتبرت هذا هو المقياس المتوسط للذراع وحولت متوسط طول الأذرع إلى القدم الإنجليزى وقست به الأماكن المقدسة، وبما أن المقياس الذى يطلق عليه «ذراع اليد» لا يشبه الذراع الحديدى ولا الذراع العادى، يجد الإنسان صعوبة فى تعيين المقياس الصحيح ولكن القدم الإنجليزى يمكن تحويله بسهولة لأى نوع من أنواع الأذرع وبهذا التقدير يقتضى أن يكون الطول الشرقى للكعبة المعظمة الذي يظهر في الشكل المذكور أعلاه وهو ٤٤ قدما و ٦ بوصات والطول الغربى أيضا ٤٣ قدما ١١ بوصة وعرض الجانب الشمالى ٣١ قدما وبوصتان وعرض الجانب الجنوبى ٢٨ قدما و ٤ بوصات.
ابتدأ نبينا حضرة الخليل «﵊» فى حفر المكان الذى بينته له السكينة بمقتضى الإرادة الإلهية الحكيمة، ونقل الأحجار من جبال لبنان، وطور سينا، طور زتيا، والجودى، وحراء (١) بمساعدة الملائكة وبعد أن انتزع صخورا ضخمة لا يستطيع ثلاثون أو أربعون رجلا أن يرفعوها من مكانها إلى أن وصلوا إلى الأساس القديم الذى وضعه سيدنا آدم أبو البشر. وأخذ فى بناء الجدران جاعلا مبدأ الطواف المكان الذى وضع فيه الحجر الأسود الذى أتى به جبريل الأمين من جبل أبى قبيس-وما زال فى مكانه إلى الآن.
стр. 248
وكان الحجر الأسود قد أودع أمانة فوق جبل أبى قبيس فى واقعة طوفان نوح.
وقد أخذه جبريل الأمين من الجبل المذكور وأحضره إلى سيدنا إبراهيم الذى رأى أن يجعله بتفكيره الصائب والرفيع علامة بداية الطواف فوضعه فى جدار الركن الشرقى للكعبة المعظمة.
وما زال إلى الآن فى المسجد الذي فوق قمة جبل أبى قبيس حجر أمام المحراب يزوره الناس على أنه كان الموضع الذى حفظ فيه الحجر الأسود فى وقت طوفان نوح.
وفى قول آخر إن إسماعيل-﵇-وجد حجرا رآه مناسبا ليكون علامة بداية الطواف بناء على رأى والده ومشورته ولكن الحجر لم يعجب سيدنا إبراهيم وذهب للبحث عن حجر آخر وفى هذه اللحظة نطق جبل أبو قبيس وقال: «يا إبراهيم لدى حجر محفوظ أمانة لك وأظنه الحجر الذى تبحث عنه ليكون بداية الطواف ولا بد أنه الأمانة الكبرى المحفوظة عندى» وأخذ حضرة الخليل عليه صلاة الله الجليل، الحجر المذكور بنفسه ووضعه فى المكان الذى أعده.
قطعة:
الخليل الجليل الذى أرسله الحق إن شمل الجماد برحمة فنطق ولا ريب أن بيت الله إذا تكلم حجر الركن بالكلام فاه ونار الشوق أبو قبيس تحرق أمام جمال الكعبة فذاك أليق
стр. 249
نظم
تقوم الدار بحجر فوق حجر ... وبذاك اللون أو بلون آخر
محل برعم تفتح فى روضة الخليل ... أنار به للخليل الجليل
ونادى أبو قبيس فى العلاء ... قائلا سمعت منه ذاك النداء
إن طوفان هذه الدنيا مسح ... وهذا البيت للسماء تفتح
ذلك البيت وجبريل الذى أنزله ... إن لدى حجرا وديعة أحمله
وبيعتى حتى تسلموها ... وفى موضع شئتم ضعوها
(فتوح الحرمين).
ارتفعت جدران البناء المبارك للكعبة المعظمة، وعند ما رأى إبراهيم-﵇-أنه فى حاجة إلى استخدام إسقالة عثر على حجر واستخدمه في مكان الإسقالة وهذا الحجر الشريف هو الحجر القيم الذى غسلت فوقه رعلة بنت عمرو بن جرهم حماها إبراهيم ﵇.
ويعرف هذا الحجر المبارك في ساحة المسجد الحرام باسم مقام إبراهيم الآن وقد استخدمه إبراهيم-﵇-إسقالة عند بناء البيت وارتفعت جدران
стр. 250
البناء السعيد لبيت الله وكان المقام الشريف المذكور يرتفع مع ارتفاع البناء وعند ما ينزل إبراهيم إلى الأرض كان يعود إلى هيئته الأصلية.
وقد ذكر شكل وصورة الأبنية التى أقيمت فوق المقام الشريف المذكور فى الصورة الأولى من الوجهة السابعة.
وعند ما وصل ارتفاع جدران الأبنية الشريفة لبيت العزة إلى تسعة أذرع ترك حضرة الخليل سقفه مفتوحا وألحق جانب باب المعلا إلى أرض المطاف وصنع سقفا من الخشب متصلا بالبيت والمسمى بحظيرة أغنام إسماعيل. وحفر حفرة كبيرة العمق ثلاثة أذرع فى الأرض التى تقع جهة يمين الداخل فى بيت الله، لكى يوضع بها الهدايا التى ترسل من الأطراف والأكناف وبذلك أتم بناء كعبة الله المعظمة سنة ٣٥٧٤ ق. م.
والمكان المسمى حظيرة أغنام إسماعيل يطلق عليه الآن اسم «حجر إسماعيل» وهذا المكان الشريف هو مدفن السيدة هاجر.
ويروى المؤرخون الكرام أن البقعة السعيدة للكعبة المعظمة ظل بابها دون مصراع ولما مر بها الملك الحميرى قام بأداء الحج والزيارة ولما رأى باب الكعبة بدون مصراع ركب بابا خشبيا عليه مفتاحه كما علق فوق البناء المقدس كسوة مزينة، كما جاء بيانه فى الصورة الثالثة من الوجهة الرابعة.
وفى أثناء قيام سيدنا إبراهيم-عليه التحية والتكريم-بحفر أساس الكعبة المعظمة رأى حجرا بين أحجار الأساس القديم وكان مكتوبا عليه العبارة البديعة التالية «أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من أسمائى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته».وترجمة هذه الفقرة المترجمة للعربية باللغة التركية» أنا الله صاحب مكة خلقت الرحم وجعلته اسما من أسمائى وهو الرحمن. وكل من يتصف بهذه الصفة ويعمل بمقتضاها أجزيه جزاء حسنا، وكل من يخالفها أعاقبه أشد العقاب».