← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ولما كان النبى ﷺ يحب العجوة حبا جمّا أمر ورغب أهالى مكة فى أكل هذا البلح، ولما كان الأصحاب الكرام يعملون بموجب الأمر النبوى أحبوا بلح العجوة وأقبلوا على أكله وفق تعليمات النبى ﷺ ، وما زال أهل المدينة يراعون هذه الأصول إذ يجمعون بلحهم فى موسم الجنى ويملئون به أزيار ويأكلونه فى أيام الشتاء وإنهم يحرصون على حفظ البلح أكثر من أى شئ آخر، وليس هناك مدنى لم يحفظ فى أيام الصيف ما يكفيه من العجوة لأيام الشتاء. وفى إستانبول يعد الناس الحطب والفحم، وفى البلاد العثمانية الأخرى يعدو للشتاء جريش البر المسلوق «برغل، وما يلزم لحساء «طارخنة» (١) والذين لا يخزنون هذه الأشياء فى مواسمها يعانون كثيرا فى الشتاء ويتعبون، هكذا يعانى من لم يخزن بلح العجوة فى الشتاء من سكان دار السكينة ويتعبون كثيرا، وما زالت هذه العادة قائمة إلى الآن بين أهالى المدينة، ولكن ما جمعوه وادخروه من البلح على أنه عجوة ليست من العجوة المأثورة، ويطلع على ما يدخرونه من البلح «مجلات وحشية» وهو خليط ومزيج من هجين نوع من البلح، ولما كان هذ النوع من البلح أرخص ثمنا فعربان البوادى والفقراء من الناس يرغبون فى تخزينه ظنا منهم أنهم يخزنون بلح العجوة، أما الأغنياء من الناس يخزنون للشتاء بلحا من جنس «حلية، شقرى، بيض، حلوة» وثمن هذه الأنواع أغلى بالنسبة للبلح المخلوط. ويبين مؤرخو المدينة الطيبة سبق تسمية بلحها بأسماء معينة ويقولون فى تعريف بلح الصيحانى: إن نخلة قد صاحت مصدقة للنبوة أو أن البلح نبت أولا فى حديقة يطلق عليها الصيحانى، والذى نقل القول الأول هو جابر بن عبد الله الأنصارى، ولما كان هذا القول يروى مستندا إلى أسانيد جيدة يرجح على القول الثانى وتؤتى هذه الرواية بكرامة أهل البيت وقربتهم وشرفهم. وقال حضرة جابر وهو يبين سبب تسميته بلح الصيحانى، كنت قد ذهبت يوما

стр. 1857

مع النبى-عليه صلوات الله الملك المنان-إلى بساتين النخيل، وكان معنا على بن أبى طالب وكانت يده المؤيدة بالفيض فى يد النبى ﷺ . وكان كلاهما أمامى بعدة خطوات، ومرا بجانب نخلة وكانت تلك النخلة موزونة القامة فصاحت صيحة شوق وابتهاج وقالت «إن ذلك الشخص سيد الأنبياء محمد «عليه صلوات الأحد» وبجانبه سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين» كذلك نطقت إحدى النخيل القريبة منها وقالت صائحة: «إن هذا الشخص محمد رسول الله وبجانبه على سيف الله» فقال رسول الله ﷺ «يا على «فلتسم هذه الأشجار بعد هذا «بصيحانى»،وانتشر الخبر بين الأهالى وشاع وأخذوا يطلقون لهذا الجنس من النخيل «الصيحانى» انتهى. وإن كان بلح المدينة كثير الأجناس مختلف الأنواع إلا أننى استطعت أن أعد ما يقرب من مائة وثلاثين نوعا «ولا يشبع للطاقة نوعى العجوة والبرنى وحلاوة مذاقها». بناء على ما فصل فى الصورة الثانية من الوجهة الأولى لم تبق من أنواع البلح فى زماننا القدر الذى ذكره المرحوم السمهودى، لذا قرر أن يطلق على جميع أنواع البلح «اللون» (١) ما عدا الأسماء التى ذكرت فى الوجهة المذكورة وعددت.

стр. 1858

فى بيان وتعريف نجاة سكنة دار السكينة من مضرة الطاعون والدجال قال النبى ﷺ ليبين مدى حبه القلبى للمدينة المنورة «اللهم حبب لنا المدينة كحب مكة أو أشد»،وبهذه الطريقة كرر النبى ﷺ الدعاء للمدينة، وسبب تكراره يومئ بزيادة رغبته-﵇،والداعى لهذا الدعاء ما قاله بلال بن رباح الحبشى اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن أبى ربيعة وأمية بن خلف إنهم أخرجونا من بلادنا وكانوا سببا فى الهجرة إلى بلد كثيرة الوباء. قال بعض الأئمة: «إن النبى ﷺ قد كرر الدعاء المذكور مرات عديدة؛ مع أن استجابته قد ظهرت بعد أول مرة»،إن الحكمة من هذا التكرار هى وفرة الوفرة فى أوزان دار الهجرة وأكيالها على شكل محسوس، إذ أن الفيض والبركة اللذين فى مد أوصاع المدينة المنورة لا يظهران فى أكيال وأوزان سائر البلاد، لأن النبى ﷺ كلما عاد من سفر إلى المدينة المنورة كان يمد نظره إلى جدران تلك المدينة وأحجارها وأسواقها وأشجارها ويرخى النظر بالفرح والابتهاج إليها، ثم يدعو عارضا دعاءه إلى واهب الآمال إذ يقول: «يا رب قدر لنا القرار فى المدينة ويسر لنا سبل المعيشة بالرزق الحسن، يا رب! بارك فى المدينة بضعفى بركة مكة، اللهم اجعل مد المدينة وصواعها وأكيالها مباركا لهم». وكما هو معلوم لدى من يدققون النظر أن الفيض والبركة اللذين يسودان المدينة فى يومنا هذا هما أثر من آثار استجابة الله- -لذلك الدعاء إن مؤونة إدارة المدينة المنورة لسنة كاملة تقابل مؤونة إدارة البلاد الأخرى لستة أشهر، إذ يحدث أحيانا أن طعاما يرى غير كاف لإشباع نفر واحد يشبع عدة أشخاص ثم يفيض أيضا، إن هذه الأمور الدقيقة معروفة سواء أكان عند أهالى

стр. 1859

المدينة أو كان لدى المجاورين والمسافرين الواردين، كما أن المدققين من الزوار يزيدون من محبتهم ورعايتهم لأهل المدينة إذا جربوا ذلك ورأوا بأعين رءوسهم ذلك الفيض وتلك البركة. وإذا كانت الأشياء محسوبة لهذا البلد هذا القدر من الفيض والبركة لا شك فى أن أهالى ذلك البلد يفضلون الآخرين فى أمور دينهم وآخرتهم وبناء على هذا فإن طاعات وعبادات سكنة دار الهجرة تستلزم تضاعف أجرها ومثوبتها. وكان أهالى دار الهجرة فى عصر النبوة عند ما ينضج التمر ويصل إلى كماله، يأخذ كل واحد منهم عنقودا من التمر ويقدمونه لعتبة رسول الله حتى ينالوا دعاء رسول الله ﷺ بالبركة، وكان الرسول ﷺ يمسك التمر بيديه المباركتين ويدعو لأهل المدينة بسبب ما يؤخذ إليه من البلح الطازج قائلا: اللهم أنعم على مدينتنا وأكيالها بالبركة، يا رب كان إبراهيم عبدك ورسولك، وإننى عبدك ورسولك، وقد دعا إبراهيم لمكة المكرمة، وأنا أدعو أن تنعم بمثل ما أنعمت على مكة المكرمة من الفيض والبركة على المدينة المنورة، وشرف فى يوم ما مع على بن أبى طالب المحل الذى كان يسكنه سعد بن أبى وقاص فى «حرة سقيا» وتوضأ الرسول ﷺ فى هذا المكان ثم استقبل القبلة ودعا قائلا: اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك فى مدهم وصاعهم مثلى ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين، وقال ابن شبّة: إن ملك السرائر المصطفى-عليه من الصلوات أصفاها-قد كبر فى خاتمة دعائه. وخرج رئيس ينابيع الفيض والبركة-عليه أصفى التحية-فى يوم ما للذهاب إلى مكان يقال له «بيرحاء» فى نواحى المدينة المنورة، وكان فى معيته أبو هريرة-رضى الله عنه-،وعند ما وصلا إلى المكان المذكور استقبل الرسول ﷺ القبلة ورفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه تحت منكبيه وقال: يا رب كان إبراهيم خليلك ودعا لأهل مكة، أنا أيضا رسولك، أدعو لأهل المدينة طالبا الفيض

стр. 1860

والبركة، وكما أحسنت إلى أهل مكة فألق ببركتك لمد سكان المدينة وصواعهم وضاعف قليلهم وكثيرهم ضعفين، يا رب كل من يقصد أهل المدينة بالسوء فألجه وأذبه كما يذيب الماء الملح (١)» «حديث شريف» هذه الرواية منقولة عن أبى هريرة بالتواتر. نقل علة الحمى خارج المدينة المنورة تعرض بعض أصحاب النبى ﷺ فى ابتداء الهجرة المستلزمة للحكمة لعلة الحمى واشتكوا إلى رسول الله ﷺ ، فصعد شافى الأمة من أدوائها-عليه أجمل التحية-المنبر وقال: «اللهم أنقل عنا الوباء» وبهذا الدعاء رجا من الله- -الحكيم المطلق العلة إلى نقل العلة إلى أو إلى أماكن أخرى وفى الغد قال: قد جاءتنى الليلة عجوز فى ملابس سوداء وقالت لى: إن العلة التى دعوت لنقلها هذه هى فأين تريد أن أنقلها من المدينة المنورة؟ فأجبتها، أن تنقلها إلى «خم» وبهذا أخبر بأن علة الحمى قد نقلت إلى موقع «خم» وبعده بيوم مثل أحد أبناء السبيل أمامه آتيا من جهة مكة، فسأله قائلا: من الذى قابلته فى الطريق؟ فأخذ الرد الذى يقول «لم أقابل أحدا غير عجوز منكوشة الشعر فى ملابس سوداء» فقال المطلع على السرائر-عليه سلام الله القادر-إن تلك العجوز علة الحمى وإنها لن تستطيع أن تعود إلى المدينة مرة أخرى. وهكذا نقل ما جرى، وعلى هذا فعلة الحمى بين حرات قريضة وعريض، اللهم أحمنا فى المدينة وأنقل حماها إلى مهيعة (١)! وإذا بقى منها شئ أبقه خلف مشعط (٢)،وقال إذا كان فى جزء من المدينة وباء فهو فى «ظل مشعط» (٣) وكل من شرب ماء فى جحفة بعد هذا الدعاء تعرض للحمى، وكل طائر طار من فوق نواحى هذه القرية أصيب بمرض ووقع على الأرض. وجاء فى سيرة ابن هشام، أن تلك الأحاديث تومئ إلى أنه قد ظل فى المدينة نوع من المرض قليل الخطر وهو المرض الذى فى المدينة الآن، ولكن هذا المرض

стр. 1861

ليس بشئ خطير نتيجة لاستجابة دعاء الرسول الكريم، ولكنه مرض رجع فى عصر الرسول لكفارة الذنوب وهو مرض خفيف، وهذا المرض هو حمى «أم ملدم» وبناء على الرواية التى نقلت عن جابر بن عبد الله-رضى الله عنه-أن حكيم الأنبياء-عليه أفضل التحايا-حينما دعا، فى الصورة المشروحة، رأى ذلك المرض ورغب أن يرحل إلى نواحى «قباء» وكان المرضى الذى رآه الحمى المسمى ب «أم ملدم» الذى اتجه ناحية قباء رأسا، بناء على الأمر الذى صدر له من النبى ﷺ ، وأخذ يزعج سكانها، ولم يكن فى استطاعة مخلوق أن يفهم سر هذا الحكم وقد انزعج سكان قرية قباء من الحمى العارضة لبلدهم، وذهبوا إلى الرسول ﷺ يعرضون عليه ما حدث وطلبوا منه أن يدفع عنهم تلك الحمى. فرد عليهم الرسول ﷺ قائلا: «الدعاء لرفع الحمى وإزالتها ممكن ولكن تحملكم لها كفارة لذنوبكم» فقالوا: «إننا نتحمل المرض بأمنية كفارة الذنوب ثم عادوا». إخطار وإذا قيل بما أن المرض من الأشياء المحسوسة فكيف يظهر على شكل امرأة عجوز؟ يقال لهؤلاء: إن أقوال النبى ﷺ وأفعاله إخضاعها لقواعد العلوم المضبوطة والفنون المعلومة من جهة، ومن هنا يجب أن تنحى فكرة التحليل والتطبيق جانبا تأدبا، ومن جهة أخرى ينبغى أن يقبل كل ما يروى عن النبى ﷺ دون تردد، وأن يصدق. انتهى. إن النبى ﷺ المطلع على أسرار الحكمة قد تفضل قائلا: قد أرانى جبريل الطاعون والوباء ومرض الحمى، وكلفنى أن أبقى واحدا من هذه العلل فى المدينة، وإننى أبقيت على الحمى ورددت الطاعون، وإن كان الطاعون باعث استشهاد لأمتى إلا أنه زاجرا للكفار، وهذا ما ينقل عن النبى ﷺ ويروى؛ لذا لا يقدر لا الطاعون ولا الوباء الدخول فى المدينة المنورة، أما الحمى فهى ليست وباء ولكنها رحمة من الله.

стр. 1862

قد فكر علماء الحديث فى هذا الموضوع ورتبوا هذا الحوار الذى يشتمل على السؤال والجواب: السؤال: إذا كان الطاعون سببا فى الاستشهاد، فهل يصح أن يدعو النبى ﷺ بعد دخوله إلى المدينة؟ الجواب: الطاعون عبارة عن طعن الجن، مع أن دخول الشيطان والكفار من الممنوعات من الدخول فى المدينة، وإن دخلا فلا يقدران على ضرر أحد، وهذا مما يدعو إلى الثناء والمدح للمدينة؛ لأجل ذلك دعى بعدم دخولهما، أو أن الطاعون فى المدينة لا يصل إلى شدة الطاعون الذى ظهر فى «عمواس، وجارف». الحكم: مع الاحتمالات الموجودة فى هذه الإجابة ليس هناك تاريخ يخبرنا بدخول الطاعون فى المدينة، والطاعون الذى أجرى حكمه فى سنة ٧٤٩ فى جميع أرجاء البلاد العربية حتى فى مكة المكرمة لم يدخل المدينة المنورة الميمونة، انتهى. لما كانت الحمى فى المدينة مرضا بدلا من الطاعون فلا شك فى استشهاد فيمن يموتون فيها، ومن الخطأ أن يورد إنسان فى خاطره سؤال، يا ترى ماذا كانت الحكمة فى اختيار حاذق الأنبياء ﷺ علة الحمى من أجل أهل المدينة؟ عندما دعت الحاجة إلى الجهاد وحرب مشركى الحجاز وقتالهم ونزلت الآيات الجليلة تدعو إلى القتال كانت علة الحمى أضعفت الأصحاب الكرام فتفضل النبى ﷺ بالدعاء لنقل الحمى إلى الجحفة، وقد أصبحت المدينة المنورة التى كانت مركز العلل والأمراض أصبحت بفضل دعاء النبى ﷺ أصح بلاد الله وأصلحها، وقد اختيرت علة الحمى حتى ينال مرتبة الشهادة من لم يستشهدوا فى الجهاد وماتوا بسبب الحمى، ولم يقدر وباء الطاعون أن يدخل المدينة المنورة بعد دعاء النبى ﷺ وبهذا تحقق أن دعاء النبى ﷺ كان رهن الاستجابة. وإن جاء وقت لبيان آراء أطباء عصرنا فى وباء الحرمين ومناقشة هذه الآراء إلا أننا تركنا ذلك لذيل الصورة.

стр. 1863

وإنه قد عين من قبل الله كثير من الملائكة فى طريق المدينة ليحولوا دون دخول الطاعون والدجال فيها، كما جاء فى الخبر، وإن كان الدجال سيقدم إلى قرب سور المدينة إلا أنه لن يستطيع الدخول فى داخل المدينة، ليس هناك بلاد مصونة من دخول الدجال غير الحرمين، وليس فى الحرمين شارع يخلو من حراس من الملائكة، وسيتوجه بالدجال عن طريق الشرق إلى المدينة الأمينة وسيتعرب من خلف جبل أحد وعندما يصل إلى هذا الجبل سيعيده الملائكة إلى مكان ظهوره ويهلكونه، وسيكون للمدينة فى ذلك الوقت سبعة مداخل وسيكون فى كل باب ملكان والمنافقون سيخرجون من هذه المداخل ويبايعتون الدجال. ووقف النبى ﷺ يوما من الأيام بين رايتين وخاطب أصحابه قائلا: «ما أجمله من مكان المدينة المنورة، عندما يخرج الدجال فى يوم الضلالة ستحمى الملائكة شوارع المدينة وأطرافها، ولن يدخلوه إلى المدينة، وإنه لن يبقى منافق لا يبايع الدجال فى ذلك اليوم وسيكون معظمهم من طائفة النساء، إن اسم ذلك اليوم يوم «الخلاص» وفى يوم الخلاص ستطرد المدينة المنورة المنافقين وتزيلهم عن المدينة كما يزيل كير الحداد وسخ الحديد وينقيه، وسيكون مخيم الدجال فى ذلك الوقت فى مكان يسمى «مجمع السيول» وسيكون معه سبعون ألفا يهوديا مسلحا، وخاطبهم فى يوم آخر قائلا: «يا أهل المدينة! تذكروا يوم الخلاص!» وأجاب على سؤال الصحابة» أى يوم، يوم الخلاص؟» هو اليوم الذى سيتوجه فيه الدجال إلى المدينة المنورة، ويأخذ المنافقين والمشركين فى دائرة بيعته ويظل المؤمنون وحدهم إذ تخلصوا منهم». لم يتفق الأئمة الكرام فى تعيين المحل الذى سينزل فيه الدجال فى المدينة المنورة فقال الإمام أحمد بن حنبل: إنه سينصب خيامه فى ممر محل يطلق عليه «جرف»،وقال ابن ماجه إنه سيعسكر فى مكان ينتهى إلى ممر جرف من الطريق

стр. 1864

الأحمر. وقال الزبير بن بكار إنه سينصب خيامه فى موقع «مجمع السيول» ومع هذا فالثلاثة صادقون فى أقوالهم، وإن ظهرت الأماكن التى ذكروها مختلفة إلا أن كلها فى ساحة الميدان فالألفاظ مختلفة ولكن مفادها واحد. وأينما نصب الدجال فى المدينة سيمنع من قبل الملائكة كما ورد فى الحديث الشريف، ولن يدخل المدينة المنورة وسيعرض المشركون والمنافقون بيعتهم على الدجال وقد أصابهم الهلع والقلق من حركات الأرض وبهذا لن يبقى داخل أسوار المدينة إلا المسلمون الخلص وبهذا سيتضح أن المدينة المنورة الطيبة تنفى الخبث وتزيل الوسخ، ويرون أن أكثر من سيعرض بيعته للدجال من الطوائف النساء والجوارى. مهمة دجال مأخوذ من كلمة «دجل» بمعنى سحار وكذاب، وبناء على عقيدة أهل السنة أنه سيظهر فى آخر الزمان وإنه سيحكم ما يقرب من أربعين يوما ما بين الشرق والغرب، وستظهر على يديه بعض الخوارق مثل، إنزال المطر، وتنمية العشب، إحياء الموتى، الكشف عن الكنوز، وإنه سيدعو الذين بايعوه إلى عبادته ويأمرهم مدعيا الألوهية، وعندئذ سينزل عيسى بن مريم على الأرض بقدرة القادر المطلق وسيقتل الدجال بجانب «لد» من جبال الشام وعلى قول إن الدجال حينما يرى حضرة عيسى-على نبينا وعليه التحايا-سيذوب مثل الملح والذين بايعوه سيتعرضون جميعا للقتل ويزالون من الوجود. إن الأخبار الصحيحة والأسرار الخفية التى ذكرت من الغوامض الشرعية التى أنبأ بها النبى ﷺ ما هى إلا وحى من الله- -ومن التبليغات العلمية التى أبلغنا بها الأولياء الكرام والصلحاء ذوى الاحترام بعد الاطلاع على الآثار النبوية، وإن هذه التبليغات الشرعية خارج الاطلاعات البشرية والإيمان بها يعد من الضرورات الدينية وحسن تلقيها من الوظائف المذهبية، كما هو معلوم لدى أربابها.

стр. 1865

ذيل سئل أحد الذين أجلوا أداء فريضة الحج لوقت شيخوخته وهو مالك للقدرة الشرعية للذهاب إلى دار الأمن حرم الله محرما «لماذا تتردد فى إيفاء الحج وما هو السبب؟» ولا شك أنه سيجيب قائلا: «إننى مازلت فى طور الشباب! إذا ما ذهبت إلى الحج لن أستمزج بماء البلاد الحجازية وهوائها، ولا سيما الازدحام والكثرة يسببان انتشار الأمراض المعدية، ومن المحتمل أن أصاب بهذه الأمراض وأموت فى شرخ شبابى، وإذا فرض بأننى نجوت من الأمراض المعدية فإننى سأتبع هواى وأرتكب الذنوب بطيش الشباب وعندئذ أكون قد أنفقت النقود فى لا شئ، كما أننى أكون قد ضاعفت عصيانى لله. ولكن الحجاج الذين يعودون سالمين يجب عليهم أن يتصفوا بمحاسن الأخلاق! ولا يكون هذا إلا باجتناب ارتكاب المعاصى والآثام وبالاحتراز من الاختلاط بالذين تعودوا على ارتكاب الآثام، ولما كان أصدقائى قد تغلبت عليهم حظوظهم النفسية ومادمت أننى سأختلط بهم عند عودتى فلن أتمكن من القيام بالأعمال الصالحة، لأن بلية الشباب لن تمكننى من الابتعاد عن بؤرة الفساد». يرى فى هذا الجواب غير المعقول، كما لا يخفى على أهل التدقيق، أن هناك سببان مستقلان فى عدم ذهاب شبابنا» أقصد بهم من تجاوز الثلاثين: «السبب الأول عدم قدرتهم على مقاومة الأهواء النفسية بعد الرجوع من الحج، والثانى: وجود الأمراض فى الحرمين» وهو زعم فاسد. وفى الواقع أن هذا الجواب يجذب الانتباه؛ فالذين يعتقدون فى القدرة الإلهية يتحاشون من تلك الإجابة ويجتنبونها، وإن كان هذا السؤال يبدو موافقا لعقائد الموحدين، إلا أن أغلب شباب زماننا يحملون فى رءوسهم هذه الأفكار. قد ألقيت-أنا جامع هذه الحروف-هذا السؤال سالف الذكر على الكثير من الناس وتلقيت منهم إجابات أبشع من ذى قبل، ولكننى وفقت فى تصحيح عقائد

стр. 1866

غير قليلين منهم، ويجب ألا يخفى علينا أن هذه الإجابات ليست ثمار أذهانهم بل هى محاصيل بعض أشخاص ذوى أفكار فاسدة واعتقادات مضرة، والتى بذرت فى مزارع قلوب بعض المسلمين السذج، وكأن البلاد الحجازية ذات المغفرة مستعدة لإنبات الأمراض المعدية وإنه عندما يرد إليها الحجاج فى موسم الحج فمن المحال ألا تظهر فيها بسبب الازدحام الشديد، وباء الكوليرا، والأمراض الأخرى المعدية المخيفة وأن ذهاب الشباب إليها فى هذه الحالة يستدعى سفرهم حتى الآخرة أليست هذه العقيدة غريبة؟!. وما يؤسف له، بينما كان تراب الحرمين الشريفين محفوظا من قبل الله -وأن الأوبئة والطواعين والعلل الأخرى المعدية قد طردت نتيجة لدعاء النبى ﷺ ، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة، إلا أن ما ينشره الأجانب ذوو الأغراض السيئة يتلقى قبولا حسنا ويعتقد فى صحته التامة! مع أن عمر الإنسان مقدر من قبل الله لا يزيد دقيقة ولا ينقص ثانية، كما يؤكد ذلك قول الله : ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:٣٤). إن كشوف أطباء أوربا الوهمية أن أراضى الحجاز المقدسة موطن ومولد مرض الطاعون قد دفعت بعض أهالى أوربا فى أوائل القرن الحالى إلى تصديق ادعاءاتهم، ونتيجة لهذا التصديق تطرق خلل لعقائد قصار النظر من العوام، إلا أن عدم استناد الكشفيات المشكوكة لهؤلاء الأطباء إلى أساس لم يثبت حتى فى تلك الأوقات، وإن كشفهم ما هو إلا وهم مطلق. ليس هناك أحد من هؤلاء الأطباء الحاذقين قد زار أراضى الحرمين الشريفين حتى تؤخذ تجاربه وكشوفه مأخذ الجد، وترقى إلى كونها حكما. ولما كان فن الطب قد تقدم فى عصرنا إلى أقصى حد، وقد وجد أطباء أوربا منشأ الطاعون ومولده وخطئوا أسلافهم وقد أجروا فى هذا الخصوص تدقيقات كاملة ونشروا الحقيقة فى مؤلفات عديدة.

стр. 1867

وإن كان الله- -الحكيم يعمل على تصديق فكرنا الصائب إلا أن بعض المسلمين السذج الذين بذر فى قلوبهم بذور الفساد لم يستطيعوا أن يخرجوا من مستنقع آرائهم العتيقة، فما أغرب أن يعتقد فيما قاله أطباء أوربا غير مشهورين إن أراضى الحرمين تنبت العلل المعدية، ثم يتردد فى تصديق ما قاله أطباء أوربا الحذاق «من: أن منشأ مرض الطاعون هو الهند وهذا ثابت قطعيا» وتردد أطباء الإسلام فى تصديق ما قاله الأوربيون: إن الحرمين منبت العلل المعدية أى أن منشأ الطاعون البلاد الحجازية المقدسة، وأخذوا يتحرون عن جهات ظهور تلك العلة وأسبابها ويفحصون، وعندما أثبت «جاقود» أحد أساتذة مدرسة الطب الفرنسية وأحد مشاهير أطباء أوربا المتسم بالحذاقة والمتحلى بالرزانة الفكرية والفصاحة العلمية والمصدق لدى الجميع، إذ استنبط من المؤلفات التى كتبها علماء المدرسة المتمدنة فيم كتب عن الأمراض الباطنية أن مرض الطاعون «الكوليرا» المخيف يظهر فى أراضى الهند ويعرف الأسباب التى توجب ظهوره وذلك بالأدلة، وقد صدق أطباء الإسلام بلا تردد ما جاء فى ذلك الكتاب وقرروا أن منشأ ظهور مرض الطاعون الهند. ولما نال أثر «جاقود» هذا ورأيه الرزين إعجاب الجميع قد رأينا من الواجب ترجمة هذه الرأى آملين بأنه سيكون سببا فى تصحيح أفكار الشباب المسلمين وعقائدهم: أسباب تولد الطاعون وظهوره يقول جاقود: إن السم القاتل المتسبب فى تولد الطاعون يتولد فى الأراضى الهندية ثم يندس فى البدن ويتغلغل فيه ليظهر المرض المخيف وإن كان السم القاتل فى أول ظهوره يشبه الأمراض البلدية فى قوته إلا أنه ينتقل من إنسان لآخر وهذا دليل قاطع على أنه من الأمراض المعدية، ولم يعرف إلى الآن سبب ظهور هذا السم فى مواطنه. والحال أنه إذا ما حلل تراب المكان الذى يجرى فيه حكمه كأنه مرض محلى

стр. 1868

عادى فأكثر أراضيه مستنقعات يرى فى هذا التراب مواد نباتية وحيوانية بوفرة! وحينما ينزل المطر وينخل تراب تلك الأراضى المذكورة يشتد تأثير تلك المواد النباتية والحيوانية الطبيعية، وإذا ما نزل المطر لفترة يومين بعد جفاف دام فترة ما، يجدد المطر وينبه الطاعون الذى قل أو نمى كليا. ومع ذلك فطبيعة السم والأسباب الأخرى للمرض مجهولة إلا أن لإقامة الناس فى الأراضى الزراعية مزدحمين غير مهتمين بالنظافة دخل كبير فى تولد علة الطاعون ومن البواعث التى تنضم إلى المؤثرات الإقليمية التى تولد الطاعون هى عدم الاهتمام بالطهارة والنظافة وعدم الاعتدال فى الشرب والأكل بين الزوار الذين يجتمعون محتشدين فى مصب نهر «غنج» وفى موقع يطلق عليه «جمته» (١). ومع هذا ليس من الجائز أن نحكم أن المرض مربوط بالأراضى ذات الطبيعة المعينة والأراضى الزراعية نظرا لوجود المرض الدائم فيها، وأن كل هذه الأسباب العديدة سبب يولد مرض، لأنه قد تحقق وجود المرض كمرض محلى فى الأماكن الأخرى من الأراضى الهندية حيث لا يزدحم الزوار والناس. يطلق على المجتمعين من الهنود فى مصب نهر «غنج» وموقع «جمنة» حجاج، ولما ثبت يقينا ظهور الطاعون بينهم فتعبير «يظهر الطاعون فى الحجاج» نشأ من هنا وبهذه القرينة قد أطلق على البلاد الحجازية المباركة «مولد الطاعون». فالذين يتذكرون بعد المسافة بين نهر غنج والبلاد الحجازية والذين يعرفون أن مدينة الله آباد (٢) حيث يلتقى النهر المذكور بنهر جمنة تبعد عن ميناء «جدة» ألف وخمسين ميلا جغرافيا فمن المحال ألا يعتقدون أن ما يدعيه أطباء أوربا ما هو إلا وهم مطلق ومن هنا لزم مد القراء ببعض المعلومات عن ذلك النهر المذكور، إن نهر «غنج» على وزن «كنج» نهر يستغنى عن تعريفه لدى أربابه، ينبع من جبال

стр. 1869

«هيمالايا» المستورة بالثلوج فى صورة دائمة وينصب فى خليج «البنغال» وهو نهر غاية فى العظمة والكبر، ويرتفع منبعه عن سطح البحر ب «١٣٨٠٠) قدما فهو أعظم أنهار الهند وأهمها سواء أكان من الناحية التجارية أو من حيث الاتساع، وبما أن منبعه ومصبه فى بلاد واحدة أى فى داخل الهند فهو مرجح على الأنهار الأخرى التى تنبع من بلد وتصب فى بلد آخر، فمجرى ذلك النهر على العموم من البنجاب الذى يقع فى الجهة الشرقية الشمالية إلى «البنغال» والمياه الجارية التى فى أطرافها وأكنافها تتحد مع بعضها مثل عروف الأشجار وأوراقها ثم تلتقى كلها بنهر غنج ويشكل منظرها هيئة غريبة على شكل أوراق الأشجار، وإلى أن ينزل مجرى نهر الغنج من منبعه إلى هضبة مستوية شديدة الانحدار ومن مبدأ هذه الهضبة إلى خليج «البنغال» ١٣٠٠ ميل. وعندما يصل هذا النهر للهضبة المذكورة المستوية، يساعد على سير الفلائك المحلية وبعدها بمائة ميل على سير مراكب كبيرة نوعا ما، وفى داخل مصبه بأربعمائة وسبعين ميلا عند مدينة «الله أباد» يتحد بنهر «جمنة» على وزن عمرة ويكون اتساعه ما يقرب من ميل إلا أن اتساعه فيما بعد وعمقه يختلفان درجة بعد درجة، وفى داخل مصب هذين النهرين اللذين يكتسبان الضخامة باتحادهما ب ٢٨٠ ميلا وفى الجهة اليمنى منها تتشعب مياه صغيرة وتكون نهر «هولى» الذى يقع عند مدينة» قالكوته «ولكن مجراه القديم يتحد بنهر براهمة بوتره» الذى يقع فى الجهة السفلى من قالكوتة وكلما آقترب من البحر انقسم إلى شعب متعددة وصبّ فى البحر من عشرين مصبّا تقريبا. والجزر التى تتكون بين هذه المصبّات تكون فى كل المواسم فى حالة المستنقعات هواؤها ردئ مهلك ومضر للإقامة وغير صالحة للحياة. وتقع مدينة الله أباد عند نقطة التقاء نهرى غنج وجمنة ولما كان هذا الموقع مكانا غاية فى السعد والقداسة بناء على اعتقاد الهندوس، فمن المستحيل تعيين الزوار الذين يأتون ويذهبون إلى المدينة، ويطلق الهندوس على الذين يزورون نقطة التقاء النهرين «الحجاج» والذين يدينون بمذهب «البراهمة» يعدون من يزور

стр. 1870

نهر «براهمه بوترا» من أعزة الناس، والهندوس الذين يعتقدون فى هذا ولا سيما من يتبعون مذهب البراهمة يزيد احترامهم لتلك الأنهار المذكوة ويقدمون مدينة الله آباد ونهر براهمة بوتره حتى إنهم يعبدونها كمعبود مطلق ويرمون جنازاتهم فيها بعد أن يربطوها بأشياء ثقيلة. مطالعة إن ما يطلق عليهم أطباء أوربا «الحجاج» هم بعض الهنود الذين يزورون مدينة الله آباد، ولما كان هؤلاء الناس يميلون إلى القذارة بطبيعتهم ولما كانت الأماكن التى يزورونها فى حالة من القذارة ومستنقعات، فلا يحتاج إلى إقامة دليل أنها ستكون مواطن أمراض، والجدير بالدقة والانتباه أن الزوار الذين يجتمعون فى مصب نهر غنج وأراضى جمنه ينقلون أمراضهم إلى أوطانهم الأصلية عند عودتهم، وبعضهم ينقلونها إلى البلاد الحجازية المستورة. إن تحول حكم مرض البلد عند عودة الزوار يعنى اشتداد المرض وظهور الأمراض المعدية عند وجود الزوار يفهم من الفرق الذى يلاحظ كل سنة. وإن كان أثر السم الذى يولد الطاعون يظهر عقب إصابته ببضع ساعات إلا أن تفريخه «أى ظهوره تدريجيا فى حكم مرض مخيف» يمتد من ثلاثة أيام إلى خمسة أيام فالشخص الذى يصاب بذلك السم ينقله من مكان إصابته إلى مكان آخر فى أثناء انفراخ المرض وعندما تنتهى المدة المعينة يتبين بأنه أصيب بالمرض إذ تظهر آثاره عليه، وفى بعض الحالات فإن العدوى لا تؤثر فى المريض بحيث تمنعه من الحركة فى الحياة اليومية، إلا أنه يرى بعض الأعراض وحسب وإن هاتين الحالتين المضرتين تجعل القافلة تظن أنها عادت سالمة من إقليم المرض ولكن أفراد القبيلة ينقلون العدوى من مكان ظهورها إلى أماكن أخرى وبلاد مختلفة، إن انتشار الطاعون على الوجه المحرر يعنى انتقال العلة بواسطة الوسائل المشروحة هنا وهناك أصبح منبعا جديدا لعدوى ذلك السم إذ يهاجر المرض من موقعه الأصلى إلى أماكن أخرى مع القافلة التى تتحرك وإن ظن ملأ القافلة أنهم تركوا الطاعون فى مكانه:

стр. 1871

شكر الخاتمة هذا الكتاب الذى تزدان ديباجته بصفات السلطان عبد الحميد الثانى-الذى لا زال محفوفا بالتوفيق الصمدانى استوجب أن تتضمن خاتمته نبذة عن حميد صفاته وهذا ما أراه سعادة لى وفخرا وإبراء للذمة. ما كان من سلطان مثله فى عدله ها هى آثاره البديعة وتلك آثار السلف بنور عدل هذا السلطان العظيم المنشور أصبحت مرآة العالم من الظلم محرر ولا ريب أن صفات السلطان الملكية مجتلى حكمة الله بديعة التدبير. وكيف يرتاب فى ذلك؟! وقد اعتلى العرش العثمانى وجسم الدولة الجسيمة قد أوشك على الانهيار ولكنه استطاع بمنة الله أن يضع يده على نقطة الداء بتدابيره الحكيمة وهمته الملكية وأن يشفيه ويبرئه فى مدة وجيزة فرفعت الدولة رأسها قائمة على رجليها مما جعل كبار رجال الدولة يلهجون بالشكر والحمد أمام هذه الأعمال الفجائية العظيمة فضلا على الأجانب الذين وقفوا مبهوتين مستغربين مما حدث. وبفضل هذه التدابير الحكيمة ونتائجها المثمرة كسبت عاصمة ملكه إستانبول الأهمية السياسية وأصبحت مركزا موازنا لأوربا كلها. ونظم الجيش على نحو لم يسبق له مثيل قبل هذا. واستطاعت خزانة الدولة التى كانت تمر بأزمة مالية نتيجة للظروف السيئة أن تتخلص قليلا من مشاكلها وأن تمد يد العون لرفاهية الرعايا فى أنحاء المملكة الشاسعة كما أن بذل الجهود لتطبيق أحكام العدل فى الممالك السلطانية فى جميع أرجائها زاد من الأمن والاستقرار مما ألهج الألسنة بالشكر والعرفان وانتشرت العلوم والفنون فى جميع أطراف السلطنة وبهذا نجا أفراد الرعايا من ظلام الجهل والأمية.

стр. 1872

ولما رأى أصحاب الفضل والكمال وأرباب القلوب الزكية والأدباء وأرباب الفنون ما فى دار الخلافة من مأمن واستقرار اتخذوها ملجئا وملاذا. وطبعت فى العصر السلطانى كتب كثيرة تتضمن موضوعات مادية ومعنوية وتجمع بين فوائد عظيمة دينية ودنيوية وآثار ممتازة أخرى. وأراد هذا العبد العاجز (١) أن يسعد بالاشتراك فى أفكار السلطان التى تشجع الرقى فى المعارف والعلوم فألفت مرآة الحرمين حيث أسست الكعبة فتحدثت عن المناسك والمعاملات وما تحملت البلدتان المباركتان من صدمات منذ مطلع النور كذلك ما تحمل أهالى حوالى تلك المنطقة من المصاعب وضمنت كتابى كل ما يديم الطمأنينة فى قلوب الموحدين، وفصلت كل شئ ومستمدا العون من شمس السلطان التى تنير دنيا العالم الإسلامى. إقرار النعمة: أليس التوفيق فى استجلاب الدعاء من ألسنة المؤمنين للعبد المخلص الصادق السلطان الذى كان سببا فى الدنيا والآخرة شرف عظيم ومجلبة شكر وثناء وحمد؟!. وبما أننى منذ أن أمسكت القلم بيدى وقفت نفسى لخدمة النبى ﷺ وإن كان كل ما نشرت من آثار كانت مختارات فريدة فى الدين والرسائل الشرعية. إلا أن كتابى مرآة الحرمين يحتوى على الأسرار المجلية والأحكام الخفية التى لم يطلع عليها حتى المتبحرون من علماء الإسلام وعرضت كل الأحداث بأدلة متقنة يستطيع حتى الأطفال استيعابها، لذا فالكتاب مستجلب الدعاء لأمير المؤمنين من المسلمين فى جميع أنحاء العالم. وجاءتنى بهذا الخصوص رسائل كثيرة وهذا يبشر بأن للسلطان أمير المسلمين منزلة عظيمة عزيزة لدى الله- وعند رسول الله ﷺ وبما أن المؤلف كان واسطة لإظهار هذه المكانة فهو يفتخر بذلك ويشكر الله- -على توفيقه. «المنة لله تعالى وفقط»

стр. 1873

عرض العذر: وإن لسانى ليعجز عن تعبير الشكر لحضرة السلطان ولو جزء من الألف لما رأيته بعينى من عطفه على كما أن قدرتى تعجز فى التعبير عما أشعر به من الشكر والامتنان نحو جلالة السلطان، وأمام هذا العجز لم أستطع إلا أن أتوجه إلى الله -أن يوفق السلطان فى قيادة الدولة العثمانية وأن يشترك فى رجائى هذا أفراد مملكة الدولة العثمانية المعظمة. دعاء مفروض الأداء يا مليك ملك الاستغناء .. مليك الحقيقة والمناء يا أحكم الحاكمين ومالك من أشباه يا حاكما يحكم بعدل الإله يا مالك ملك قباب الفلك ويا نافذ الأمر فى الأنس والجن والملك أعز ملك السلام بالنصر وسهل له كل أمر اللهم اجعل مليك الزمان السلطان عبد الحميد خان اجعل له على الأعداء النصر المطلق ولدولته على الدوام الرونق ما أعظم ما له من بر وإحسان وما رأى أحد مثله فى ملوك الزمان له طالع المشترى ومن القمر طلعة ومن الفلك رتبة ومن الملك خصلة الفارس المغوار حارس الأوطان ذو الفضل وعظيم الشان مسعود الطالع حكيم التدبير ولا مع التنوير اللهم أطل عمره واجعل ملكه المعمور وأدم على رعيته الرضا والسرور ألق عليه ظل الأمان واجعل الأمن للعباد فى كل آن منّ على وزرائه بالتوفيق .. ومنّ على آماله بالتحقيق وليجد الناس فى عصره كل الرخاء ولتلهج له الألسنة بالدعاء اجعل من يضمر له السوء ذليلا .. واجعل عدو دينه مخذولا ومد ظله على الأيام .. واغمر بالرخاء كل الأنام اللهم خلصنى من حبائل الشيطان .. واجعلنى لك خيرة العبدان .. واجعل الشيطان قاطعا منى الأمل ..

стр. 1874

واجعل آخر كلامى كلمة التوحيد حين يأتينى الأجل .. من شره وكيده يا رحمن .. صن مالى من إيمان .. اللهم جد علينا برضوانك .. واجعلنا فى حرزك وأمانك .. وتفضل علينا بجودك وإحسانك .. بمجاورة حبيبك المصطفى فى الدارين .. والفوز من اتباع سنته بما تقرّ به العين .. وثبت قلوبنا على الهدى .. وسلمنا من الزيغ والردى .. ونجنا من الفتن .. وخلصنا من كدورات هذه الحياة الدنيا. ووفقنا للقيام بما أمرتنا قولا وفعلا .. وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم وسامحنا وأساتذتنا وإخواننا أخواتنا وأحبابنا وجميع المسلمين ولا سيما من اشتغل بهذا الكتاب ورغب به من الطلاب والكتاب. «آمين بحرمة من جاء رحمة للعالمين» فرغت من ترتيب هذا الكتاب بعون الله الملك الوهاب فى اليوم المبارك الرابع والعشرين من الربيع الأول سنة تسعة وتسعين ومائتين بعد الألف من أعوام هجرة صاحب أكمل الوصف وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا وسيد العالمين محمد وعلى آله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل أجمعين والحمد لله رب العالمين.

стр. 1875

مرآة الجزيرة العربية أبتهل إلى الله- -أن يحمى ولى نعمتنا السلطان عبد الحميد خان الثانى مجدد العصر ومقيم العدل وناشر الحضارة والمدنية، وأن يحفظ عرشه وسلطنته من كل سوء. كنت قد ذكرت فى التاريخ الذى كتبته بعنوان مرآة الحرمين، تحت ظل وحماية سلطاننا، فى كل صفحة من صفحاته أحد المواقع من جزيرة العرب كلما تعلق به الموضوع. ولكن من المحال أن يحيط الإنسان علما بأحوال الخطة الحجازية الواسعة وحقائقها التاريخية بمطالعة بعض التوضيحات التى قدمت عن الأماكن المقدسة والآثار المفخمة للحرمين الشريفين مطالعة سطحية، قبل أن يتعرف على الأحوال التاريخية والتقسيمات الجغرافية لجزيرة العرب؛ لذلك كتبت هذا التاريخ المختصر وضمنته أحوال شبه جزيرة العرب وألحقته بالمرآة. وقد رتبت هذه الإضافة وحررت وهى جديرة أن يطلق عليها خلاصة الخلاصة، على أن تكون من حيث محتوياتها ذيلا للمرآة. وقصدت فى ذلك إلى مد الراغبين فى مطالعة المرآة بمعلومات مجملة كافية عن أحوال جزيرة العرب التاريخية والجغرافية. الكتب التى نشرت سواء أكانت من قبل المؤرخين المتقدمين أو المتأخرين عن الجزيرة بالعربية تخبرنا إلى درجة ما عن بعض أخبار العرب وأحوالهم، إلا أنها لم تضبط ولم توضح فى صورة لائقة قوانين العربان، وأنظمتهم المرعية وعاداتهم الجارية فى جزيرة العرب فى العصر الحالى، لأجل ذلك قد سطرت معناها على وجه الاختصار فى هذه الجزء من المرآة.

стр. 1876

فانجلت صفحات المرآة عن صورة: الأحوال السياسية والتاريخية للعشائر والقبائل العربية التى اتخذت شبه جزيرة العرب مسكنا ومأوى فى الجاهلية والعصور الإسلامية، وانقسامات قبائلها مع أنسابها، تقسيمات الجزيرة الجغرافية وحال سكانها وشأنهم وتعدادهم وعاداتهم القديمة ومعتقداتهم وقوانينهم وأنظمتهم المرعية وبالله التوفيق.

стр. 1877

الوجهة الأولى ١ - ذكر أنساب أمم العرب السابقة والقرون السالفة منهم وذكر أحوالهم. ٢ - تعريف أحوال القبائل العربية وأطوارها فى الأزمنة الجاهلية والعهود الإسلامية. ٣ - ذكر الملوك الجبابرة التى كانت تحكم جزيرة العرب قبل ظهور الدين الإسلامى.

стр. 1878

الصورة الأولى فى ذكر أنساب الأمم السابقة والقرون الماضية من أنساب العرب وأحوالهم أقوام العرب: العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة والعرب المستعجمة. وهذه أقسام العرب فى أربع طبقات. العرب البائدة طبقة العرب البائدة أولى القبائل العربية التى وجدت بعد أن انقسمت الأقوام شعوبا وقبائل بعد نوح ﵇ وهى أقدم تلك الأقوام. وليس هناك بخصوص أحوال أفراد هذه الطبقة وشئونهم معلومات صحيحة، إلا أن المؤرخين يخمنون أن عاد الأولى وثمود وعمالقة وطسم، جديس، أميم، بنى جرهم الأول وحضر موت تشكل جماعات هذه الطبقة، ويتصل نسب هذه الهيئة العامة وسلسلتها المتسلسلة ب «لاود» وأخيه «إرم بن سام بن نوح» ﵇. عاد الأولى-ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح . وقد توطنت القبيلة التى تفرعت من عوص فى أراضى الأحقاف وأطلق عليها (عاد الأولى).وقد نجا بكر بن معاوية بن بكر بن عاد مع بعض أصدقائه من الهلاك عندما تعرضت عاد الأولى إلى القهر الإلهى وغضبة الله. ودام هؤلاء الأقوام فترة وأطلقت على الطائفة الثانية بعد هلاك عاد الأولى «عاد الثانية». ثمود بن جاثر بن أرم بن سام: وكان قد سكن أفراد القبيلة التى تنتسب إلى ثمود فى وادى القرى الواقع بين

стр. 1879

الحجاز والشام. وكان الذين نجوا من بعد هلاك قوم ثمود سكنوا فى مكان يسمى «الرّسّ» إلا أنهم أيضا هلكوا فيما بعد. العمالقة: لقب جميع البطون التى تفرعت من عمليق بن لاود بن سام، وقد شكلت بطون العمالقة جماعات القبائل التى تناسلت من أبناء عمليق هم: أرزق، طغار، لف، بديل، راحل، هزان، أرقم، جاسم. وكان يتوطن أبناء أرزق بن عمليق فى الحجاز، وطغار، بديل وراحل بنو عمليق وأحفادهم بجوار نجد، وجماعة لف بنو عمليق بيثرب، والطائفة المنسوبة إلى أرقم بن عمليق يتوطنون فى منطقة تيماء من الحجاز. طسم: علم خاص للأقوام التى تفرعت من لاود بن سام. جديس: على وزن أمير ابن إرم بن سام وكانت القبائل التى تفرعت منه قد استوطنت اليمامة. أميم: على وزن كريم، فهو أبو الشعوب التى يطلق عليها بنى وبار وكان لأميم عدة أبناء، إلا أن المؤرخين قرروا أن اسم وبار هو الاسم الوحيد الصحيح، وربطوا سلسلة سلالة القبائل التى تنتهى إلى أميم بوبار. بنو جرهم الأول: يطلق على القبائل التى تفرعت من قحطان بن عابر بن أرفخشذ بن سام بنو جرهم الأول، أسس قحطان حكومة فى اليمن قبل الهجرة ب (٣٠٥٩) سنة وبعد فترة انتقل إلى دار البقاء. وجلس مكانه ابنه «يعرب» ونصب أخاه جرهم

стр. 1880

واليا على الحجاز، ومع مرور الأيام استقل جرهم وأطلق على القبائل التى تفرعت منه جرهم الثانية. حضر موت: حضر موت ابن قحطان، حينما أصبح أخوه يعرب حاكم اليمن عينه واليا على جبال شحر. وهذا أيضا استقل عن أخيه فى جبال شحر واستبد بالحكم. ولم تتحمل هذه القبائل فى بابل قهر بنى حام وتحكمهم فعادت مرة أخرى إلى جزيرة العرب، وأول ورودهم إلى الجزيرة عاشوا كالبدو فى الصحارى، ولكنهم بمرور الأيام ازدادوا قوة واستولوا على كثير من الأراضى، وسلكوا طريق الاستقرار والمدنية وأسسوا فى الجزيرة العربية حكومة كبيرة، وفى فترة ما استولوا على مصر والشام وحكموهما إلى زمن يعرب ابن قحطان، وفى النهاية زالت شوكتهم واضمحلت دولتهم فتشتتوا. أفراد هذه الطبقة أقدم الأمم السالفة، ولما كانت اللغة العربية لغة خاصة بهم فقد أطلق عليهم اسم العرب العاربة ، ومع الأيام لم يبق لهم شأن فقيل لهم «الهالكة» لتمييزهم عن الطبقات الأخرى، كما يسمون أيضا بالبائدة. قال بعض المؤرخين إن الذين فتحوا مصر من طائفة العرب العاربة. العرب العاربة طبقة العرب العاربة هم الطبقة التى تنتهى جميع قبائلها إلى قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام. ولما اختلط هؤلاء بأفراد العرب البائدة وتلقوا عنهم اللغة العربية وتعلموها قيل لهم العرب العاربة. ويروى أن أبا قحطان هو عابر بن شالخ، وبناء على هذا فهو ينتمى إلى سام بن نوح-﵇-لما كان أولاد وأحفاد قحطان يعيشون فى الصحارى

стр. 1881

والفيافى فلم يستطيعوا أن يحرزوا شرف القوة والحشمة فى أول حياتهم. ولكن قوتهم وسطوتهم زادت فيما بعد، فزادت قبائلهم وشعوبهم وتكاثروا وارتفع شأنهم وزادت شهرتهم فى الوقت الذى مالت فيه طبقة العرب البائدة إلى الزوال والاضمحلال، فوسعوا دائرة ملكهم غاية السعة. واستولوا على اليمن حيث أسسوا دولة عظيمة، وقحطان بن يعرب منهم، كما أن قبائل بنى سبأ تنتمى إلى بطون طبقة العرب العاربة. وأصل اسم سبأ عبد شمس وأبوه يشجب بن يعرب بن قطحان، وبما أنه هجم على القبائل والممالك واستولى عليها وأخذ منها الأسرى كان سببا فى تسميته سبأ. وبعد سبأ ظهر فى الميدان أبناؤه حمير، كهلان، زيدان، أشعر، عاملة وتشعبت من كل واحد منهم قبيلة مشهورة معروفة، وكل القبائل العربية التى تعيش الآن فى اليمن تنحدر من سلالة تنتهي إلى أبناء سبأ. ويطلق على أفراد طبقة العرب العاربة حسب النسب والانتماء إلى بنى سبأ العرب العاربة القحطانية أو اليمانية. وأحفاد قحطان بن عابر وفروعه وشعوبه لا يعدون ولا يحصون، فسكن بعضهم فى عمان وبعضهم فى نجران، وبعضهم فى رس اليمن وحول الممالك الأخرى حيث انتشروا واستقلوا، وفصلت من كل واحد منهم بطون، وشكل كل واحد منهم قبائل مستقلة، وحجم مرآة الجزيرة غير كاف لاستيعاب أصول هذه القبائل وفروعها، ولما كان أكثر هذه القبائل قد نسيت بتباعد الأزمان، وتسامح النسابين فالذين يريدون أن يحصلوا على تفصيلات كافية فى هذا الخصوص عليهم أن يراجعوا الكتب العربية القديمة. العرب المستعربة تكونت طبقة العرب المستعربة من اختلاط نسل حضرة إسماعيل بن إبراهيم «على نبينا وعليهما التحية والتبجيل» بأقوام العرب العاربة.

стр. 1882

ولما كانت سلسلة نسب العرب المستعربة مرتبطة ب «عدنان ونزار» فيطلق عليهم «العدنانية، كما يقال النزارية» أيضا. ومن أوائل العرب العاربة قبائل بنى جرهم بن قحطان والجماعات التى تتبعها، وقد اختارت هذه القبائل السكن بجوار كعبة الله، واتخذت هذه القبائل إسماعيل «عليه سلام الله الجليل» صهرا وزوجا لإحدى بناتها، واختلط إسماعيل «﵇» وأحفاده ببنى جرهم، وتركوا التحدث بلغتهم العبرانية، واعتادوا التحدث باللغة العربية الخاصة بالجراهمة، وأطلق المؤرخون على نسل إسماعيل والقبائل التى تشعبت منه اسم العرب المستعربة. إلا أن ابن خلدون يذكرها باسم العرب التابعة للعرب، وبين الفترة التى بدأ فيها إسماعيل «﵇» السكن فى مكة المكرمة وبين هجرة النبى ﷺ ما يقرب من ألفين وسبعمائة وثلاث وسبعين سنة. أنجب إسماعيل «﵇» من زوجته الجرهمية اثنى عشر ابنا، وقد تكاثر أولاد هؤلاء الأبناء بمرور الزمن وأصبحوا قبائل وشعوبا متعددة، وظهرت منهم قبيلتان كبيرتان هى «عدنان» و «قحطان» اللتان تحيطان وتحويان جميع الشعوب والقبائل العربية. وبناء على هذا التقدير فالشعوب العربية فى القطر الحجازى من أولاد عدنان من نسل إسماعيل «﵇». كما أن العرب الذين يسكنون فى اليمن وحضر موت وجهات عمان وسائر جهات الجزيرة العربية من أحفاد بنى قحطان. وقد انفصلت عن قبيلتى عدنان وقحطان اللتين سبق ذكرهما قبائل عديدة وشعوب كثيرة، وكل واحدة من هذه القبائل ذكرت باسم وشهرة آبائها الأول. استولى القحطانيون فى عصور الجاهلية على رياسة مملكة من الممالك

стр. 1883

وحكومة من الحكومات، وأصبحوا ولاة على أجزاء كبيرة من جزيرة العرب، وأخضعوا الأمراء العدنانيين لطاعتهم وتبعيتهم. العرب المستعجمة ظهرت طبقة العرب المستعجمة من كثرة اختلاط أفراد العرب المستعربة بأفراد الممالك الأجنبية وأهليها ومن ظهور الأخطاء فى لغتهم التى يتحدثون بها، لأن القبائل العربية انتشرت فى البلاد التى استولت عليها فى الجزيرة العربية لإعلاء كلمة الله عقب سطوع أنوار الإسلام، وحيث صادفت أقواما أجنبية وجماعات واختلطت معها اختلاط مودة وألفة، والهيئة العمومية للطبقة المذكورة لم تترك الجزيرة العربية، ولم تجل عنها ولكنها انتشرت فى الأراضى الواسعة التى استولت عليها، وأخذت تختلط بالملل المختلفة من ذوى الألسن المختلفة اختلاط مودة وألفة، ونتيجة لذلك زادت قدرة العرب المستعجمة باتساع البلاد التى سكنوا فيها، وتغيرت فصاحة لغتهم وبلاغتهم واختلطت لغة الإعجاز المضرى بالألسنة الأخرى، وكونوا طبقة «العرب المستعجمة». ونزل القرآن الكريم باللسان المضرى اللسان عذب البيان لطبقة العرب المستعجمة. وقبائل العربان التى تسكن اليوم الجزيرة العربية تنتسب كافة لطبقة العرب المستعجمة. والقبائل العربية التى تكون هذه الطبقة وإن لم تترك وطنها الأصلى جزيرة العرب إلا أنها عاشت مختلطة بالملل المسلمة والعربان الأجنبية، إلا أنه قد طرأ بعض التغير على لغتهم، ومع هذا فلغتهم بالنظر للغة العرب الذين يسكنون فى بلاد أخرى أكثر فصاحة. وبما أن أسماء القبائل التى تنتسب إلى العرب العاربة قد سبق ذكرها فلا حاجة لذكرها مرة أخرى فى بحث القبائل العربية الذى سيأتى فيما بعد إلا أننا سنذكر مواطنها. وما هو الاسم الذى تذكر به قبائلها؟ وما هى الأنظمة والقوانين التى يتبعونها

стр. 1884

ويخضعون لها؟ وكم بلغ عدد نفوسها؟ كما سنذكر بعض الحقائق عن أخلاقها وعاداتها وأطوارها. إذا ما قرنا بين ما ذكره المؤرخون من أحوال العرب السابقين وأفعالهم وأطوارهم وبين أحوال العرب الذين يعيشون اليوم وعاداتهم نكاد لا نجد فرقا بينها. حتى إن القبائل الجديدة التى تفرعت وتشعبت من القبائل القديمة رغم مرور الزمن تحمل نفس أسماء القبائل القديمة.

стр. 1885

الصورة الثانية فى تعريف أحوال القبائل العربية وأطوارها فى الأزمنة الجاهلية والعهود الإسلامية كان العرب سواء أكانوا فى الجاهلية أو الإسلام ينقسمون إلى قسمين: أهل المدن يعنى أهل المدن والأمصار، وأهل الوبر يعنى سكان البادية الذين يعيشون تحت الخيم ودائمى التنقل. وكانت القبائل البدوية فى الجاهلية تتبع أديانا مختلفة. فمثلا عربان حمير كانوا يعبدون الشمس كما جاء فى القرآن الكريم ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (النمل:٣٤) كما وصف الهدهد بلقيس الحميرية لسليمان «﵇».وكان عربان قبيلة «لخم» يعبدون المشترى، وعربان «كندة» يعبدون القمر. كما كانت قبيلة حنيفة والقبائل الأخرى تعبد الأصنام وقبائل أخرى على اليهودية والنصرانية، كما ظلت بعضها متمسكة بعبادة الأوثان، واعتنقت قبيلة ربيعة والغساسنة النصرانية، كما اعتنق الحميريون وبنو كنانة بنو الحارث وكندة اليهودية، واعتنق عربان تميم المجوسية، وظل القرشيون متزندقين وشاعت عبادة الأوثان بين العرب. ولما أشرقت شمس الهداية الإسلامية من الآفاق، وأزالت بأنوارها المحمدية ظلام الكفر والجهالة، وشملت أنوار الشريعة المحمدية أقطار العالم الأربعة، دخل سكان جزيرة العرب عامة إلى حصن الإسلام المتين، وانقادوا للشريعة الإسلامية الغراء، وبهذا نالوا أقصى مطالبهم وأدركتهم السعادة الدنيوية والأخروية، وعملوا على نشر أنوار الدين المبين فى أقطار العالم الأربعة لنيل رضى الله- -وفتحوا بلادا كثيرة.

стр. 1886

وأخذت قوتهم وقدرتهم وصولتهم تزيد شيئا فشيئا، وبدأت دولتهم القوية تتسع يوما بعد يوم، وتغلبوا على الملاك المعاصرين والسلاطين، وتقدموا فى ميادين الفنون والصنائع والعلوم تقدما عظيما، وإن الآثار الجليلة التى تركوها لتدل على أنهم أرادوا أن يوصلوا ملتهم وأقوامهم فى سلم المعرفة والمدنية إلى الدرجة الأولى، لذلك بذلوا كل ما فى وسعهم حتى يصلوا إلى المراتب القصوى فى ميادين الفنون والعلوم والكشوف والاختراعات. المدارس التى أسست فى بغداد، والمعاهد التى فتحت فى الأندلس وما بذل من الجهود فى سبيل التقدم فى العلوم والفنون يعلن كيف خدم العرب الفكر، وكل هذه الجهود من المباحث التى تزين صفحات التاريخ المنيرة وتوشحها. ولكن لشدة الأسف فترت هممهم مع مرور الزمن، وأخذ الأوربيون يطورون العلوم والفنون التى تعلموها منهم، وأوصلوها إلى درجة عظمى نتيجة لسعيهم وحرصهم على العمل. أهل المدر النوع الأول من سكان جزيرة العرب هم الذين يطلق عليهم أهل المدر والذين يعرفون فيما بينهم ب «حضرى-بلدى» ويسكنون فى المدن والقرى ويعملون- على قدر ما يساعد مناخ بلدهم واستعدادهم-بالزراعة وتربية أشجار النخيل والعناية بالحدائق والبساتين، ويبذلون جهودهم لتأمين معيشتهم بما ينتجون من محاصيل، كما أنهم يؤمنون معيشتهم من جهة أخرى بالتجارة مع سكان البلاد المجاورة، فيسافرون إلى البلاد التى يرغبون فى الذهاب إليها، ويعرضون خضوعهم للملوك والأمراء والسلاطين الذين يتبعون لهم، كما أنهم يبذلون السعى والجهود لاكتساب المهارات والمعارف والفنون على قدر طاقاتهم ليوسعوا دائرة معيشتهم، وليصلوا إلى درجة من الثروة والغنى واليسار. أهل الوبر النوع الثانى من العرب هم العربان والبدو أى «أهل الوبر» وهم عرب البدو

стр. 1887

والفيافى والصحارى التى تسكن تحت الخيم، ولما كان أهل الوبر سكان الصحارى عديمى الرغبة فى اكتساب العلوم والفنون فهم يختلفون اختلافا كليا عن أهل المدر فى سبيل تأمين وسائل معيشتهم، فالمساكن التى يسكنونها خالية تماما من علامات الجمال، فهى قد أعدت فقط لتقى أجسامهم من شدة حرارة الشمس، ومن تأثير اختلاف الجو وتغيراته ويعيش أغلبهم تحت الخيام التى نسجت من صوف الأغنام أو وبر الجمال أو شعر الماعز أو الخيول. ويعيش بعضهم فى أكواخ (١) صنعت من سعف النخيل، كما يعيش آخرون فى مساكن بنيت من الحجارة والطين، ومفروشاتهم الحصير الذى نسج من سعف النخيل والأكلمة (٢) المصنوعة من الصوف، وملبوساتهم عبارة عن قميص طويل ومشلح وكوفية ومداس، وقمصانهم الطويلة من قماش أزرق ومشالحهم من الصوف، وكوفيات بعضهم من الخيوط القطنية وكوفيات الآخرين من الحرير، والنعال التى يطلقون عليها «المداس» تصنع من جلد الجمال أو جلود الحيوانات الأخرى. وبما أن الرجال والنساء قد تعودوا على أن يلبسوا قمصانا وجلابيب فى غاية الطول فإنهم لا يعرفون معنى السراويل، ويتركون صبيانهم الذكور عرايا دون ملابس؛ إلا أن الصبايا يتمنطقن بحزام من جلد ذا شراشيب فيسترون عوراتهن ويخفينها، إنهم لا يزيدون فى أكلهم وشربهم عن حاجتهم الضرورية شيئا، لذا ترى طعامهم زهيدا جدا وكذلك شربهم، وبما أنهم مكبون على تهيئة الأغذية الطبيعية التى تحفظ لهم حياتهم والتى هم إليها فى أشد الحاجة فأغلبهم يربون الجمال والغنم والماعز، ويدبرون معيشة أولادهم وعيالهم بمنتجاتها، كما أن بعضهم يدبرون قوتهم وقوت أولادهم بالرعى والزراعة والفلاحة. والذين يتعايشون بمنتجاتهم من الحيوانات مثل الجمال والغنم والماعز فى حالة ترحل

стр. 1888

دائم، ويسوق هؤلاء مواشيهم إلى الأماكن التى تمتاز بنقاء هوائها ووفرة مائها وكثرة أعشابها، والذين يشتغلون بالزراعة والفلاحة يسكنون القرى والأراضى الصالحة للزراعة. حتى إن عربان قبيلة عنزة التى تسكن فى الأراضى الواقعة فى شمال جزيرة العرب تمضى الصيف فى الشام وبغداد والجزيرة ذات الأراضى المعشوشبة، وتعود فى الشتاء إلى مواطنها الأصلية وتمضى الشتاء فى الوديان ذات العشب الوفير والماء الغزير. والبدو تنحصر معايشهم فى منتجات الجمال والغنم والماعز فهم يقيمون فى الخيام، ولا يجدون أية صعوبة عندما يرتحلون من مكان إلى آخر. ولما كان هؤلاء يقضون حياتهم دائما فى الفيافى والصحارى منعزلين عن الحضارة لم يستطع أى ملك من الملوك أو سلطان من السلاطين الذين يخضعون لهم أن يدخلوهم تحت طاعتهم مثل الأقوام المتمدنة الأخرى. أما انقياد البدو فى صدر الإسلام وخضوعهم لدولة الإسلام فيعود السبب فيه إلى ما كانت تتمتع به الدولة من السطوة القاهرة والقوة العظيمة. والواقع يقتضى أن تكون الدولة التى تحكم جزيرة العرب صاحبة قوة قاهرة، وإذا فرضنا أن ولاة البلاد العربانية ذوو قدرة وقوة، ولكنهم يهملون فى الضبط والربط أو يتساهلون فيهما حتى لا يخلفوا لأنفسهم مشاكل تكون سببا فى أن عامة العربان يرفعون راية العصيان ويخالفون جميع الأوامر والآراء، وينقادون لمن اختاروه من بينهم شيخا لهم. إن المشيخة بين العرب على الأقل شئ موروث أخذوه كابرا عن كابر، ولما كان كل شيخ راغبا فى حماية مصالحه الخاصة تراه يعمل على أن يستقل، ووفقا للمثل القائل «الحكم لمن غلب» فالشيوخ الضعاف والصغار يمضون حياتهم تحت حماية الأمراء الأقوياء الشكيمة من العربان. وإن كانت طبيعة البدوى تتسم بالخشونة والرعونة، إلا أن هذه الخشونة ليست بدرجة تمنعه من الخضوع والانقياد لأوامر السلاطين العظام، ولديهم قابلية-بما

стр. 1889

يتمتعون به من دراية فطرية وذكاء جبلّى-لقبول شرف المدنية بسهولة، وأكبر دليل على ذلك دخول بعض أفراد القبائل تحت طاعة الدولة دون أن ينخدعوا بحيل مشايخهم، وذلك عندما ساقت الدولة العثمانية جنودها سواء أكان إلى عسير واليمن أو نواحى البحرين، وأخذوا ينشرون العدالة فى الأماكن التى تمركزوا فيها، وذلك عندما رأوا ما يتمتع به الذين يعيشون تحت طاعة أوامر الدولة من راحة وطمأنينة واستقرار. ويتردد بعض البدو فى تصديق سطوة السلاطين القاهرة، ولما كانوا جهلة بما يعنى قوة الملوك وشوكتهم فهم معذورون فى التردد فى هذا الموضوع. ومن الحالات الخاصة بالبدو ألا يصدقوا ما يسمعونه بآذانهم ولو كان متواترا ما لم يروا بأعينهم، وقد ضرب المثل المشهور الذى يقول «إن إيمان البدو فى عيونهم» تصديقا لتلك الحالة. وبما أن قبائل العربان تعيش فى الصحارى وبين الجبال فى حالة ترحال دائم، لذا فإن بعض أفرادها لم يروا بعض مدن جزيرة العرب مرجعهم لشراء ملبوساتهم وحاجياتهم، ناهيك عن بعض المدن من البلاد العثمانية؟. والبدو يتفوقون من حيث الشجاعة على المدنيين، والشجاعة أمر ضرورى للبدو، والسبب الرئيسى فى ذلك أنهم ليسوا كالحضريين الذين يحتمون بالدولة والحكومة التى يعيشون تحت جناح صيانتها، ويشتغلون بأمور معيشتهم من الكسب فى راحة وأمن، بل إن البدو يعيشون فى الأماكن الموحشة فى عزلة، وفى الصحارى بين التلال والجبال، ويجدون أنفسهم مضطرين للدفاع عن أولادهم وعيالهم وأموالهم وما يملكون ضد أضرار الأعداء، لذا تراهم يسيرون متسلحين دائما مستعدين ليلا ونهارا، للدفاع عن أنفسهم ضد الحوادث المضرة التى يتوقعونها فى كل لحظة. وقد تمكنت هذه الفكرة من ذهن أى عربى بدوى بحيث لا يمكن تزحزحها. ومن الأشياء التى تجلب أنظار المنصفين وتنال تقديرهم وتحير العقول تحمل البدو

стр. 1890

الجوع والعطش أياما كثيرة، وقطعهم المسافات الطويلة بسرعة دون تعب أو كلل، وتعودهم القتال منذ صباهم جعلهم فى الحرب والمعركة شجعانا من الدرجة الأولى. ولقد حرص البدو منذ نشأتهم الأولى إلى يومنا هذا ألا يصيب أطوار بدويتهم وتقاليدهم خلل، وما يزالون إلى يومنا هذا يبذلون أقصى ما فى جهدهم للمحافظة على تلك العادات. وقد شرفت جميع القبائل العربية التى عاشت فى عصر السعادة باعتناق الإسلام، وتركوا صفاتهم الذميمة التى كانوا يتخلّقون بها فى عصور الجاهلية، وسلكوا طريق السلامة واشتركوا فى الغزوات الإسلامية، وقطعوا المسافات فى سبيل الجهاد شرقا وغربا، وفتحوا كثيرا من البلاد وسخروها وأملوا أسماءهم وثبتوها وسجلوها على دفاتر الأيام بسيف الجلالة.

стр. 1891

الصورة الثالثة فى ذكر الملوك الجبابرة التى كانت تحكم جزيرة العرب قبل ظهور الدين الإسلامى ملوك عاد الأولى: كات بلدتى حضر موت، وشحر حاضرة ملك ملوك عاد الأولى وكانت رعاياهم من القبائل العربية تسكن فى صحارى الأحقاف الواقعة بين البلاد اليمانية وعمان. وكان تاريخ ظهور هؤلاء الملوك سنة ألفين وخمسمائة بدء الخليفة، وتاريخ انقراضهم سنة ثلاثة آلاف وأربع وأربعين سنة بدء الخليقه، وبلغت مدة سلطنتهم خمسائة وخمس وأربعين سنة. كان الأولى عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇، وكان الثوانى والثوالث شديد من شداد بن عاد بن عوص، ويروون أن شداد بن عاد قد ذهب مع جميع أتباعه إلى قصر إرم الذى بناه مثيلا للجنة فى صحراء عدن، وقبل وصوله إليه هلك مع جميع رعاياه إذ حدثت صيحة سماوية فسوتهم جميعا بالأرضين. وقال بعض المفسرين إن الآية الجلية ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (الفجر:٨،٧) نزلت فى حق ذلك القصر. وذهب المؤرخ ابن خلدون إلى أن تلك الآية لم تنزل فى حق قصر إرم بل فى حق قبيلة أرم، ولكن بناء على الروايات الموثوقة أن القصد الإلهى من تلك الآية موقع سكنى قبيلة أرم، وقد اشتهر ذلك المكان بالنسبة لأرم جد قوم عاد ابن سام بن نوح ﵇. لما كان قوم عاد يعبدون الأصنام أرسل الله- -هود بن شالخ

стр. 1892

بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ نبيا لهم ليدعوهم إلى طريق الهداية، إلا أن هؤلاء القوم لم يستجيبوا لدعوة هود ﵇. وتجرءوا أن يؤذوه بأنواع مختلفة من الإساءات. وفى النهاية ابتلوا بقحط عظيم لانقطاع المطر عنهم، وأصيبت نساؤهم بالعقم، وظهرت عاصفة شديدة قبل الهجرة ب ٣١٧٢ سنة فى بلادهم فهلكوا جميعا، وقد نجا المؤمنون منهم إلا أن عددهم كان قليلا. قوم ثمود توفى هود-﵇-بجوار حضرموت عن عمر ٤٤٠ عاما وقد كان لقمان وقوم ثمود من طائفة عاد الأولى أيضا، وكانوا يستوطنون حجر وادى القرى الواقع بين الشام والحجاز. وقد انحرف قوم ثمود سكان حجر وادى القرى بعد هلاك قوم عاد، وعصوا الله وأخذوا يعبدون الأصنام التى صنعوها بأيديهم، وهكذا طغوا وبغوا فأرسل الله- -لهم صالح «﵇» نبيا لهم. كان صالح عبيل بن آسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود وكان ثمود بن عابر بن إرم بن سام ساكنا بجوار عدن، وذهب صالح «﵇» بناء على الأمر الإلهى الصادر له إلى قوم ثمود فى مسكنهم من أرض الحجر، وقال لهم إنكم تمضون الصيف فى السهول، كما تمضون أيام الشتاء فى الجبال فى بيوت منحوتة آمنة من كل شئ، ومع ذلك نسيتم الله- -ونسيتم نعمه الجليلة وهذا يعد عصيانا لله-تعالى-وأثر من آثار الطغيان فاتركوا العصيان والطغيان واشكروا نعم الله-تعالى-وإلا هلكتم بعذاب شديد ودعا بهذه الطريقة ثمود إلى الدين الحق. وأسلم بعض قوم ثمود عبدة الأوثان وأصحاب البغى والطغيان، وأنكر الباقى رسالة حضرة صالح «﵇»،وأخذوا يعاتبونه قائلين إنك تريد أن تمنعنا عن دين آبائنا وعما عبدوه!! وأصروا على إيذاء النبى صالح «﵇»

стр. 1893

وإزعاجه هو وأتباعه من المسلمين، وأخذوا يعذبونهم ويستهزئون بهم. وفى فترة ما أخرجوا أصنامهم إلى الصحراء، وأرادوا أن يمتحنوها، وطلبوا من الأصنام التى أخرجوها إلى الصحراء بعض الأشياء، وعندما لم يظهر ما طلبوه من الأصنام قالوا لصالح «﵇»:إن كنت نبيا حقا فأخرج لنا من هذه الصحراء ناقة حاملة، ولما دعا صالح «﵇» إلى الله خرجت ناقة من الصخرة التى أشاروا إليها بعد أن أنت الصخرة كالنساء اللائى يضعن حملهن، وانشقت وخرجت من داخلها الناقة التى طلبها قوم ثمود، إلا أن قوم ثمود ظلوا على عنادهم ولم يؤمنوا بصالح وما يدعوا إليه. وفى النهاية طلب صالح من قوم ثمود بدلالة الوحى الإلهى أن ترتوى ناقة صالح من الماء الذى عندهم يوما، وتروى حيوانات قوم ثمود من ذلك الماء يوما آخر، وقد فعل قوم ثمود هذا الطلب. إلا أن قوم ثمود خالفوا هذا الأمر فيما بعد، واجتمع تسعة من رؤسائهم وأقسموا فيما بينهم أن يقتلوا صالحا وأتباعه من المؤمنين رافضين الهداية، وأخذوا يسيئون إلى صالح والمسلمين وتجرءوا على قتل الناقة، فما كان من الله- -إلا أن أرسل عليهم صيحة قوية، وزلازل شديدة فهلك الذين لم يؤمنوا وقد وقعوا على وجوههم كأشجار خاوية. وأخذ حضرة صالح أتباعه الذين آمنوا به بعد هلاك ثمود، وذهب بهم إلى فلسطين وهاجر من هناك إلى مكة المكرمة، وارتحل إلى دار النعيم فى تلك البقعة الطاهرة وهو فى الثامنة والخمسين من عمره. يروى أن الأقوام التى عاشت فى عهد عاد الأولى كانت ذات أجسام ضخمة قوية وتتصف بالظلم والعناد. ملوك اليمن انتظر أولاد نوح-﵇-بعد وقعة الطوفان الهائلة فى أقطار الأرض. واتخذ كل واحد منهم مع أتباعه بقعة من الأرض مأوى لهم. قد سكن من بينهم

стр. 1894

عابر و (قحطان) ابن هود ﵇ فى أرض اليمن واستقل بتلك البلاد وأصبح ملكها قبل الهجرة ب ٣٠٩٥ عاما. كان أصل اسم قحطان «يرد» ولما أنقذ الناس فى زمن القحط من المجاعة لقب باسم «قحطان». وأصبحت منذ ذلك الوقت القطعة اليمانية بلادا عظيمة مسكونة، وسكانها من سلالة قحطان، وقحطان هذا ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح «﵇» كما سبق ذكر ذلك فى بحث العرب العاربة. ويطلق على الملوك الذين حكموا فى أرض اليمن الجسيمة على حمير بن سبأ: «القحطانية» والذين حكموا على حارث الرأس: «الملوك الحميرية»،وأطلق على الذين أتوا بعدهم «حميرية» و «تبابعة». ومعنى تبع كثير الأتباع والمطاع، وهو لقب خاص بالملوك الذين حكموا ولايات حضرموت وسبأ وحمير. هناك روايات كثيرة بخصوص ظهور الملوك اليمانية وتاريخهم وانقراضهم ومدة سلطنتهم وعددهم، وبناء على أقوى الروايات فإن الملوك اليمانية ظهروا سنة ثلاثة آلاف وأربع وأربعين، وانقرضوا سنة ستة آلاف واثنتين وتسعين. وبناء على هذه الرواية تبلغ مدة سلطنة الملوك اليمانية ثلاثة آلاف وثمان وأربعين سنة، إلا أنه لا يوجد تاريخ يعتمد عليه فى معرفة عدد الملوك الذين حكموا فى تلك الفترة. ولقد وقعت البلاد اليمانية بعد انقراض الملوك الحميرية تحت سيطرة أربعة حكام من الحبشة، وقد ظهر هؤلاء سنة ستة آلاف وثلاث وتسعين، وانقرضوا سنة ستة آلاف ومائة وخمس وستين. وبناء على هذا التقدير فمدة سلطنتهم اثنتين وسبعين سنة. وبعد ذلك استولى على اليمن مرة أخرى أبو مرة سيف وهو من نسل الملوك

стр. 1895

الحميرية بمعاونة كسرى، إلا أنه قتل بعد استيلائه على اليمن بخمسة عشر عاما، وعلى رواية بعد أربعة أعوام، وبناء على رواية أخرى قتل من قبل الحبشة (١) وتقول الروايات أنه بعد قتل أبو مرة سيف لم يحكم أحد من نسل الملوك الحميرية اليمن، إلا أنه كان فى ناحية من نواحى اليمن مملكة اتخذت لنفسها واحدا من نسل حمير ملكا لها، وحكم هؤلاء الملوك الطوائف، وعلى رواية أن بلاد اليمن ظلت فى يد ملوك الفرس بعد قتل أبو مرة سيف إلى ظهور الإسلام. والرواية الثانية أرجح على الرواية الأولى، حتى إن الولاة الذين يعينون من قبل الأكاسرة يطلق عليهم مرازبة. وعدد ملوك المرازبة ثمانية ملوك، وكانت حاضرة ملكهم بلاد اليمن، وكان بدء ظهورهم قبل الهجرة بأربع وأربعين عاما، وكان زمن انقراض ملكهم بعد الهجرة النبوية بعشر سنوات، وبهذا بلغت مدة ملكهم ثلاثا وخمسين سنة. وهذه الرواية صحيحة لأن بازان بن ساسان من الملوك المرازبة وحكم اليمن إلى بداية البعثة النبوية، وبما أنه اهتدى وأسلم فأبقاه النبي ﷺ حاكما، ولما توفى فى السنة العاشرة من الهجرة ولى النبى ﷺ ابنه شيرين على بعض البلاد اليمنية، وبهذا الشكل أعلى قدره ومرتبته بين الأهالى. وكانت حاضرة ملوك حمير والتبابعة صنعاء ومدينة مأرب البعيدة عن صنعاء بمسافة ثلاث مراحل. كانت مدينة مأرب تقع فى نهاية جبال حضرموت، وكانت فى أماكن غير آهلة بالسكان فى زمانها، وكانت ديار سبأ فى هذه الأراضى الخالية وكان سد مأرب فى هذه الديار كما سيأتى تعريفه فى الاستطراد الآتى. سد مأرب- العرم -سيل العرم كان سد مأرب قد بين جبلين عاليين لحماية بلدة مأرب من السيول التى تنزل من الأنهار التى حولها، وكان يطلق على المياه الكثيرة التى تتجمع خلف هذا
следующие страницы →