الصورة الثالثة
فى ذكر الملوك الجبابرة التى كانت تحكم جزيرة العرب
قبل ظهور الدين الإسلامى
ملوك عاد الأولى:
كات بلدتى حضر موت، وشحر حاضرة ملك ملوك عاد الأولى وكانت رعاياهم من القبائل العربية تسكن فى صحارى الأحقاف الواقعة بين البلاد اليمانية وعمان.
وكان تاريخ ظهور هؤلاء الملوك سنة ألفين وخمسمائة بدء الخليفة، وتاريخ انقراضهم سنة ثلاثة آلاف وأربع وأربعين سنة بدء الخليقه، وبلغت مدة سلطنتهم خمسائة وخمس وأربعين سنة. كان الأولى عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇، وكان الثوانى والثوالث شديد من شداد بن عاد بن عوص، ويروون أن شداد بن عاد قد ذهب مع جميع أتباعه إلى قصر إرم الذى بناه مثيلا للجنة فى صحراء عدن، وقبل وصوله إليه هلك مع جميع رعاياه إذ حدثت صيحة سماوية فسوتهم جميعا بالأرضين.
وقال بعض المفسرين إن الآية الجلية ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ (الفجر:٨،٧) نزلت فى حق ذلك القصر.
وذهب المؤرخ ابن خلدون إلى أن تلك الآية لم تنزل فى حق قصر إرم بل فى حق قبيلة أرم، ولكن بناء على الروايات الموثوقة أن القصد الإلهى من تلك الآية موقع سكنى قبيلة أرم، وقد اشتهر ذلك المكان بالنسبة لأرم جد قوم عاد ابن سام بن نوح ﵇.
لما كان قوم عاد يعبدون الأصنام أرسل الله- -هود بن شالخ
стр. 1892
بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ نبيا لهم ليدعوهم إلى طريق الهداية، إلا أن هؤلاء القوم لم يستجيبوا لدعوة هود ﵇. وتجرءوا أن يؤذوه بأنواع مختلفة من الإساءات. وفى النهاية ابتلوا بقحط عظيم لانقطاع المطر عنهم، وأصيبت نساؤهم بالعقم، وظهرت عاصفة شديدة قبل الهجرة ب ٣١٧٢ سنة فى بلادهم فهلكوا جميعا، وقد نجا المؤمنون منهم إلا أن عددهم كان قليلا.
قوم ثمود
توفى هود-﵇-بجوار حضرموت عن عمر ٤٤٠ عاما وقد كان لقمان وقوم ثمود من طائفة عاد الأولى أيضا، وكانوا يستوطنون حجر وادى القرى الواقع بين الشام والحجاز.
وقد انحرف قوم ثمود سكان حجر وادى القرى بعد هلاك قوم عاد، وعصوا الله وأخذوا يعبدون الأصنام التى صنعوها بأيديهم، وهكذا طغوا وبغوا فأرسل الله- -لهم صالح «﵇» نبيا لهم.
كان صالح عبيل بن آسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود وكان ثمود بن عابر بن إرم بن سام ساكنا بجوار عدن، وذهب صالح «﵇» بناء على الأمر الإلهى الصادر له إلى قوم ثمود فى مسكنهم من أرض الحجر، وقال لهم إنكم تمضون الصيف فى السهول، كما تمضون أيام الشتاء فى الجبال فى بيوت منحوتة آمنة من كل شئ، ومع ذلك نسيتم الله- -ونسيتم نعمه الجليلة وهذا يعد عصيانا لله-تعالى-وأثر من آثار الطغيان فاتركوا العصيان والطغيان واشكروا نعم الله-تعالى-وإلا هلكتم بعذاب شديد ودعا بهذه الطريقة ثمود إلى الدين الحق.
وأسلم بعض قوم ثمود عبدة الأوثان وأصحاب البغى والطغيان، وأنكر الباقى رسالة حضرة صالح «﵇»،وأخذوا يعاتبونه قائلين إنك تريد أن تمنعنا عن دين آبائنا وعما عبدوه!! وأصروا على إيذاء النبى صالح «﵇»
стр. 1893
وإزعاجه هو وأتباعه من المسلمين، وأخذوا يعذبونهم ويستهزئون بهم. وفى فترة ما أخرجوا أصنامهم إلى الصحراء، وأرادوا أن يمتحنوها، وطلبوا من الأصنام التى أخرجوها إلى الصحراء بعض الأشياء، وعندما لم يظهر ما طلبوه من الأصنام قالوا لصالح «﵇»:إن كنت نبيا حقا فأخرج لنا من هذه الصحراء ناقة حاملة، ولما دعا صالح «﵇» إلى الله خرجت ناقة من الصخرة التى أشاروا إليها بعد أن أنت الصخرة كالنساء اللائى يضعن حملهن، وانشقت وخرجت من داخلها الناقة التى طلبها قوم ثمود، إلا أن قوم ثمود ظلوا على عنادهم ولم يؤمنوا بصالح وما يدعوا إليه.
وفى النهاية طلب صالح من قوم ثمود بدلالة الوحى الإلهى أن ترتوى ناقة صالح من الماء الذى عندهم يوما، وتروى حيوانات قوم ثمود من ذلك الماء يوما آخر، وقد فعل قوم ثمود هذا الطلب. إلا أن قوم ثمود خالفوا هذا الأمر فيما بعد، واجتمع تسعة من رؤسائهم وأقسموا فيما بينهم أن يقتلوا صالحا وأتباعه من المؤمنين رافضين الهداية، وأخذوا يسيئون إلى صالح والمسلمين وتجرءوا على قتل الناقة، فما كان من الله- -إلا أن أرسل عليهم صيحة قوية، وزلازل شديدة فهلك الذين لم يؤمنوا وقد وقعوا على وجوههم كأشجار خاوية.
وأخذ حضرة صالح أتباعه الذين آمنوا به بعد هلاك ثمود، وذهب بهم إلى فلسطين وهاجر من هناك إلى مكة المكرمة، وارتحل إلى دار النعيم فى تلك البقعة الطاهرة وهو فى الثامنة والخمسين من عمره.
يروى أن الأقوام التى عاشت فى عهد عاد الأولى كانت ذات أجسام ضخمة قوية وتتصف بالظلم والعناد.
ملوك اليمن
انتظر أولاد نوح-﵇-بعد وقعة الطوفان الهائلة فى أقطار الأرض.
واتخذ كل واحد منهم مع أتباعه بقعة من الأرض مأوى لهم. قد سكن من بينهم
стр. 1894
عابر و (قحطان) ابن هود ﵇ فى أرض اليمن واستقل بتلك البلاد وأصبح ملكها قبل الهجرة ب ٣٠٩٥ عاما.
كان أصل اسم قحطان «يرد» ولما أنقذ الناس فى زمن القحط من المجاعة لقب باسم «قحطان».
وأصبحت منذ ذلك الوقت القطعة اليمانية بلادا عظيمة مسكونة، وسكانها من سلالة قحطان، وقحطان هذا ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح «﵇» كما سبق ذكر ذلك فى بحث العرب العاربة.
ويطلق على الملوك الذين حكموا فى أرض اليمن الجسيمة على حمير بن سبأ: «القحطانية» والذين حكموا على حارث الرأس: «الملوك الحميرية»،وأطلق على الذين أتوا بعدهم «حميرية» و «تبابعة».
ومعنى تبع كثير الأتباع والمطاع، وهو لقب خاص بالملوك الذين حكموا ولايات حضرموت وسبأ وحمير.
هناك روايات كثيرة بخصوص ظهور الملوك اليمانية وتاريخهم وانقراضهم ومدة سلطنتهم وعددهم، وبناء على أقوى الروايات فإن الملوك اليمانية ظهروا سنة ثلاثة آلاف وأربع وأربعين، وانقرضوا سنة ستة آلاف واثنتين وتسعين.
وبناء على هذه الرواية تبلغ مدة سلطنة الملوك اليمانية ثلاثة آلاف وثمان وأربعين سنة، إلا أنه لا يوجد تاريخ يعتمد عليه فى معرفة عدد الملوك الذين حكموا فى تلك الفترة.
ولقد وقعت البلاد اليمانية بعد انقراض الملوك الحميرية تحت سيطرة أربعة حكام من الحبشة، وقد ظهر هؤلاء سنة ستة آلاف وثلاث وتسعين، وانقرضوا سنة ستة آلاف ومائة وخمس وستين. وبناء على هذا التقدير فمدة سلطنتهم اثنتين وسبعين سنة.
وبعد ذلك استولى على اليمن مرة أخرى أبو مرة سيف وهو من نسل الملوك
стр. 1895
الحميرية بمعاونة كسرى، إلا أنه قتل بعد استيلائه على اليمن بخمسة عشر عاما، وعلى رواية بعد أربعة أعوام، وبناء على رواية أخرى قتل من قبل الحبشة (١) وتقول الروايات أنه بعد قتل أبو مرة سيف لم يحكم أحد من نسل الملوك الحميرية اليمن، إلا أنه كان فى ناحية من نواحى اليمن مملكة اتخذت لنفسها واحدا من نسل حمير ملكا لها، وحكم هؤلاء الملوك الطوائف، وعلى رواية أن بلاد اليمن ظلت فى يد ملوك الفرس بعد قتل أبو مرة سيف إلى ظهور الإسلام.
والرواية الثانية أرجح على الرواية الأولى، حتى إن الولاة الذين يعينون من قبل الأكاسرة يطلق عليهم مرازبة.
وعدد ملوك المرازبة ثمانية ملوك، وكانت حاضرة ملكهم بلاد اليمن، وكان بدء ظهورهم قبل الهجرة بأربع وأربعين عاما، وكان زمن انقراض ملكهم بعد الهجرة النبوية بعشر سنوات، وبهذا بلغت مدة ملكهم ثلاثا وخمسين سنة.
وهذه الرواية صحيحة لأن بازان بن ساسان من الملوك المرازبة وحكم اليمن إلى بداية البعثة النبوية، وبما أنه اهتدى وأسلم فأبقاه النبي ﷺ حاكما، ولما توفى فى السنة العاشرة من الهجرة ولى النبى ﷺ ابنه شيرين على بعض البلاد اليمنية، وبهذا الشكل أعلى قدره ومرتبته بين الأهالى.
وكانت حاضرة ملوك حمير والتبابعة صنعاء ومدينة مأرب البعيدة عن صنعاء بمسافة ثلاث مراحل.
كانت مدينة مأرب تقع فى نهاية جبال حضرموت، وكانت فى أماكن غير آهلة بالسكان فى زمانها، وكانت ديار سبأ فى هذه الأراضى الخالية وكان سد مأرب فى هذه الديار كما سيأتى تعريفه فى الاستطراد الآتى.
سد مأرب- العرم -سيل العرم
كان سد مأرب قد بين جبلين عاليين لحماية بلدة مأرب من السيول التى تنزل من الأنهار التى حولها، وكان يطلق على المياه الكثيرة التى تتجمع خلف هذا
стр. 1896
السد العرم بفتح العين وكسر الراء، كما أطلق على السيول العظيمة التى حدثت نتيجة لانهيار سد مأرب سيل العرم.
وبلدة مأرب التى مدحت فى القرآن الكريم- ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ (سورة سبأ/١٥) -كانت بعيدة عن صنعاء بثلاث مراحل، وذات هواء نقى وماء زلال، ومكان جيد وهى أثر من آثار سبأ بن يشجب.
وكان هذا السيل العظيم قد طغى من الجبال التى تقع فى مقدمة هذه البلدة الطيبة واتحد بنهيرات صغيرة كانت تنحدر من الجبال واكتسب ضخامة كأنه بحر.
وكانت بلدة مأرب قد أسست فى الأول من قبل أولاد وأحفاد سبأ بن يشجب السالف الذكر، وكانت قرية صغيرة ولكنها فيما بعد اتسعت وعمرت سواء أكان بأولاد سبأ أو أحفاده وأحفاد أحفاده، والذين تكاثروا بحيث أصبح الوادى الذى يسكنون فيه لا يتسع لهم؛ فانتقل بعض هؤلاء حول هذا الوادى واختاروا منه أماكن جميلة، وأسسوا قرى ومدنا جميلة، حتى وصل عدد قراها ومدنها إلى أربعة آلاف وسبعمائة كما تخبرنا به التواريخ، وكان أول هذه القرى والمدن التى أنشأها أولاد سبأ وأحفاده فى صنعاء اليمن وآخرها فى حدود الشام وكانت كل قرية بعيدة عن الأخرى ست ساعات ومبنية فى واد مستقيم مسطح بحيث كان الواقف فى قرية يرى القرية الأخرى.
وكان المسافر الذى يسير سيرا متوسطا يصل إلى القرية الأخرى فى ظرف ست ساعات، وكانت طرقها آمنة من جميع أنواع المخاطر.
وكان الإنسان يستطيع أن يذهب حيثما يريد ليلا ونهارا دون خوف، وكانت الطرق خالية من الحشرات المؤذية مثل العقارب والحيات المؤذية، كما أن القرى والمدن خالية من الحشرات مثل: القمل والبرغوث والذباب، وإذا ما وجدت حشرات مثل القمل والبرغوث فوق الذين يأتون من البلاد الأخرى كانت تهلك بمجرد دخولهم إلى بلاد سبأ.
стр. 1897
وكانت أطراف الطرق بين المدن والقرى ممتلئة بالحدائق والبساتين، وكل بستان وحديقة مزينة بأنواع الفواكه والأزهار، وكانت هذه الفواكه والأزهار وفيرة كثيرة، بحيث كانت نساء القرى يخرجن للتنزه تحت الأشجار وفوق رءوسهن أسبتة وفى أيديهن خيوط القطن ينسجن وتمتلئ الأسبتة بالفواكه المتساقطة من الأشجار التى يسرن تحتها، ثم يعدن إلى منازلهن وقد تنزهن وحصلن على الفواكه، ومن الطبعى أن يرد للخاطر كيفية سقية هذه الحدائق الواسعة والبساتين الشاسعة فالإجابة على هذا الخاطر أن كثيرا من القنوات والجداول قد شقت حول نهر العرم فسقيت البساتين والحدائق بالمياه التى تجلبها هذه القنوات والجداول.
وبناء على هذا اكتسبت بلدة مأرب جودة فى الماء والهواء، كما أن الخضرة أكسبت البلدة جمالا ورونقا فاتسعت البلدة يوما بعد يوم، وأنشئت بساتين متصلة وحدائق متقاربة حول البلدة والطرقات.
وقد أصاب عقيدة أهالى مأرب الذين نالوا كل هذه النعم الإلهية، وحازوا العناية الإلهية ضعف ووهن إذا قالوا ماذا يحدث لنا؟ وماذا يكون مصيرنا إذا أمطرت السماء بغزارة وفاض نهر العرم وغمرت مياهه حدائقنا وبساتيننا التى بذلنا جهودا شاقة فى سبيل إنشائها وإنباتها؟ واستولى عليهم القلق والجزع نتيجة لمثل هذه الأفكار، وبناء على هذا فكر سبأ بن يشجب-على رواية-أو نعمان بن عاد-بناء على رواية أخرى-فى إقامة سد أمام نهر العرم طوله فرسخ وكذلك عرضه، وفعلا نفذ الفكرة وأنقذ أهل مأرب من هذا القلق الذى كان يقلق مضجعهم.
اختلف المؤرخون فى تحديد بانى سد مأرب، كما تنقل روايات مختلفة فى تعريف طول السد وعرضه ومتانته وضخامته.
قال الذين ذهبوا إلى أن بانيه نعمان بن عاد، أن طول السد وعرضه كان كل واحد منهما اثنى عشرة ألف خطوة وكان له فى ثلاثين مكانا قوائم، كما قال الذين زعموا أن بانى السد سبأ بن يشجب أنه لما تيقن أن عمره غير كاف لبناء مثل هذا السد الضخم فكر فى إتمام بنائه فى أقرب وقت ممكن؛ لذا أمر سكان سبعين
стр. 1898
واد كبير بأن يشتركوا فى بناء السد، إلا أن عمره لم يف أيضا بالعمل فى البناء.
وإن هؤلاء المؤرخين أشاروا إلى أن عدة من الملوك والحكام توارثوا الملك منذ ابتداء العمل فى السد إلى الانتهاء من بنائه.
ولما كان بناء مثل هذا السد الضخم وإقامته لا يتم فى خلال حكم ملك واحد لأن عمر بنى البشر لا يمتد بهذا القدر، فالرواية الثانية ترجح على الروايات الأخرى.
قد بنى السد المذكور بصخور ضخمة ملصقة بالزيت والقار، وقسم إلى فروع وجعل له مساقى فوقية وتحتية وبعض القنوات وأقيم بين جبلين، وأخذت بعض أماكن السد تخرب بمرور الوقت؛ إلا أن الملكة التي تسمى بلقيس-والتى ورثت الحكم من ملوك التبابعة فى بلاد سبأ والتى اكتسبت العز والسعادة بالزواج من سليمان بن داود ﵉-عمرت وأصلحت السد بصورة جيدة وقوته وفتحت له منافذ كثيرة. وفتحت ثلاثة أبواب وقوت ما حول الأبواب بصورة متينة رصينة.
وكان أهل مأرب يفتتحون كل سنة بابا من تلك الأبواب، أى كانوا يفتحون سنة الباب الأول، والسنة التى بعدها الباب الثانى، والسنة التى بعدها يفتحون الباب الثالث، ويقسمون المياه الجارية من تلك الأبواب إلى جداول مرتبة، وكانوا يسقون المزارع والبساتين كيفما يشاءون.
وزادت بلاد سبأ عمرانا بعد أن عمرت بلقيس سد مأرب، ورتبت البساتين التى حول الجداول كأنها رسوم مرسومة فوق الأوراق، وأخذ أهالى بلاد سبأ يتنعمون يوما بعد يوم، وأخذوا يركنون إلى قضاء أيامهم فى الحدائق والبساتين فى فرح وسرور، وأصابهم الكبر والغرور بل تجرءوا على الكفر والطغيان كما جاء فى القرآن الكريم وعصوا ربهم ولما كان واجبا على هؤلاء أن يقضوا أيامهم ولياليهم فى العبادة والطاعة والخضوع لله لما وهبوا من نعم لم يوهب مثلها لأى
стр. 1899
أحد من أهالى البلاد الأخرى، ولكنهم ارتكبوا العكس فانهمكوا فى الشرك واستحقوا بهذا قهر الله- -القهار.
وكان من رحمة الله- -بأهل مأرب وسبأ أن أرسل لهم ثلاثة عشر نبيا متتابعين يدعونهم إلى طريق الهداية؛ ولم يعيروا آذانا ولم يصغوا لنصائح هؤلاء الأنبياء ووصاياهم، إذا قالوا لهم: «ياسكان مأرب التى تشبه جنات الفردوس! احرصوا على شكر الله والثناء عليه وأنتم تأكلون وتشربون من أنعم الله التى بذلها لكم الله ، وبما أن الله غفور رحيم فسيزيد من نعمتى الدارين عليكم، إذا زدتم فى الشكر لله !،أما إذا امتنعتم عن اتباع أوامر الله فسوف ينهار سد العرم ويفرقكم جميعا فيفنيكم ويهلككم، إلا أنهم قابلوا هذه النصائح والوصايا بالسخرية والاستهزاء، وبينوا أنهم لن يتركوا الأعمال التى تؤدى إلى العار وتستوجب العقاب والخسارة والعذاب، وأظهروا عدم رضاهم عن قرب قراهم ومدنهم بعضها من بعض، وودوا أن تبتعد هذه القرى والمدن بعضها عن بعض وفق ما جاء فى القرآن الكريم ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿(١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿(١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ ﴿(١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ ﴿(١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (سبأ:١٥ - ١٩).
ولما قال لهم أنبياؤهم إن الله- -سيخرب هذا السد بواسطة الفئران، قالوا لهم إننا سوف نقضى على تلك الفئران التى سيخلقها- -لتخريب السد بواسطة الهرر والقطط،وفعلا أعدوا كثيرا من القطط - نتيجة لهذه الفكرة الخاطئة وربطوها بجانب السد.
стр. 1900
وفى النهاية نفذ قضاء الله- -القهار ولم تفد جميع مساعى أهل مأرب وجهودهم وما اتخذوه من الاحتياطات ليحولوا دون انهيار السد، فأغرقت مياه السيول التى تجمعت خلف سد مأرب بلاد سبأ ومحتها من الوجود، وذلك منذ أربعمائة عام قبل البعثة المحمدية فى عهد عمرو مزيقيا من حكام اليمن، وتحقق ما تنبّأ وأخبر به الأنبياء المشار إليهم. وضاعت معيشتهم المرفهة وأصبحت أحوالهم قصصا تدور على ألسنة الأنام.
لو كان أهل مأرب اطلعوا على الكارثة التى ستصيبهم لعملوا على الأقل على إنقاذ أرواحهم. إلا أنه فى ليلة من الليالى ظهرت فئران أكبر من القطط دون علم أحد وشقت القطط التى رباها الأهالى للدفاع عن القضاء المفاجئ الذى سيقع فجأة، ونقبت أسس السد المتين وهدمته بعون السيول فى النهاية. وقد تجلت قدرة الله- -بصفة المنتقم فغرقت جميع بلاد سبأ بتدفق مياه سيل العرم وهجومها عليها. وتحولت أربعة آلاف وسبعمائة من القرى والمدن فى لمح البصر إلى خرائب وأطلال. ولم يبق فى هذه الحدائق والبساتين إلا خمط وأثل وشئ من سدر قليل. وبعض أشجار ونباتات غير صالحة لأكل محاصيلها.
ملوك الغساسنة
وقد تشتت أهالى بلاد اليمن الجسيمة بعد سيل العرم فى البلاد الأخرى. وقد نزلت قبيلة بنوا أزد من نسل كهلان بن سبأ بجانب الماء الذى يعرف باسم غسان فى نواحى الشام، واشتهرت باسم هذا الماء وقد عمل هؤلاء فى فترة من الفترات على الاستيلاء على البلاد الشامية كلها حيث أسسوا حكومة ملوك الغساسنة.
كما أن بعض أفراد هذه القبيلة هاجر إلى ديار بكر حيث أسسوا المملكة الخاصة بملوك كندة أيضا وكان ابتداء ظهورهم قبل ظهور نور الإسلام بخمسمائة عام، وكانت دار ملكهم معظم سواد الشام. ووصل عدد ملوكهم إلى واحد وثلاثين ملكا، ودامت مدة سلطتهم ستمائة عام. وكانوا كلهم تابعين لقياصرة الروم. وقد زادت قوتهم تحت هذه التبعية إلا أن ملكهم أواخر حياتهم تعرض للضعف والوهن، وانقرضت قوتهم ودالت دولتهم فى العام السادس عشر من الهجرة النبوية.
стр. 1901
وكان جبلة بن الأيهم-وهو من فروع ملوك الغساسنة-قد تشرف باعتناق الإسلام فى خلافة عمر الفاروق (رضى الله عنه) وقصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وفى أثناء طوافه بالكعبة داس أحد أفراد عربان قبيلة فزارة على طرف ثوبه فغضب جبلة غضبا شديدا، ولكم العربى لكمة قوية وكسر بعض أسنانه. فما كان من المضروب إلا أن تقدم لعدالة وحكم الخليفة طالبا منه أن يرضى المضروب إما قصاصا أو يدفع دية. إلا أن جبلة بن الأيهم استهجن الحكم الصادر وعاب حكم الفاروق لأنه ساوى بينه وبين شخص من عامة الشعب.
وغضب غضبا شديدا إلا أنه طلب من الخليفة إذنا بالتفكير فى الأمر، وفى الليل عاد إلى دينه القديم الباطل ومات وهو كافر.
المناذرة
آل منذر-ملوك المناذرة من أهالى اليمن ومن أبناء كهلان بن سبأ. هؤلاء أيضا خرجوا إلى مكة المعظمة ومن هنا قصدوا بلاد الحيرة حيث كونوا سلطنة.
وآل مناذرة من أعظم ملوك العرب من حيث قوة دولتهم وعظمتها، وكانت دار ملكهم فى بلدة الحيرة القريبة من الكوفة، لذلك لقبوا بملوك الحيرة كما سموا فترة ب «اللخميين».
ولا يعرف عدد ملوك المناذرة الذين حكموا البلاد معرفة قطعية، إلا أن مدة سلطنتهم امتدت ستمائة وعشرين عاما، وكان أول ظهورهم قبل الهجرة النبوية بخمسمائة واثنين وستين عاما، وكان انقراض دولتهم بعد الهجرة النبوية باثنى عشر عاما.
بنو جرهم
ينقسم ملوك الجراهمة الذين حكموا الحجاز إلى قسمين. ويطلق على القسم الأول جرهم الأولى، وعلى القسم الثانية جرهم الثانى، ولما كانت جرهم الأولى معاصرة لقوم عاد فأحوالها الحقيقية مجهولة. أما جرهم الثانية فهم من أبناء قحطان وأحوالهم معروفة لدى أصحاب العقول بدلالة التاريخ.
стр. 1902
كان جرهم الثانى أخا يعرب بن قحطان. وبينما كان يعرب ملك ممالك اليمن هاجر الثانى مع ابن عمه قورا آخذا معه أولاده وأتباعه إلى مكة المكرمة، وسكن فى تلك الأماكن المقدسة ثم كون سلطنة، وحكم فترة غير قليلة.
وعدد ملوك جرهم الذين حكموا فى الحجاز أربعة عشر ملكا، وكانت دار ملكهم مكة المكرمة. وانتقلت حكومة بيت العزة من الجراهمة إلى بنى خزاعة.
وخرج أجداد خزاعة الذين استولوا على الحجاز فى رفقة قبيلة أزد من اليمن إلى مكة المعظمة، وتوارثوا حكومة مكة كابرا عن كابر، وبلغوا بقوتهم وقدرتهم إلى درجة الكمال. ولكن قصى بن كلاب من سلالة إسماعيل-﵇ الطاهرة ورئيس قبيلة قريش وحد بين القبائل القرشية، وبهذا استطاع أن يطرد بنى خزاعة من مكة المكرمة، وقضى على قوتهم وقدرتهم وخرب دولتهم.
وكان قصى بن كلاب من الحكام الذين حكموا من قبيلة قريش مكة المكرمة وهو جد النبى ﷺ الأعلى، وانتقل الحكم بعده إلى أبنائه الذين أداروا حكم مكة إلى ظهور الإسلام. وبعد وفاة سيف الحميرى-أى بعد انقراض طبقة ملوك العرب العاربة-انتقلت قطعة اليمن لإدارة قيصر الروم فى القسطنطينية، وطلب قيصر الروم وأتباعه الحبش آن يحملوا على اليمن بجيوشهم، وهكذا انتقل حكم اليمن إلى الحبش وبعد ما استولى الأحباش بعون قيصر الروم بالقسطنطينية على اليمن، وحضر موت طمعوا فى الاستيلاء على بلاد الحجاز وساقوا جيشا كبيرا فى زمان جد النبى ﷺ عبد المطلب بن هاشم إلى مكة المعظمة، إلا أن الله -أبادهم بواسطة طير أبابيل.
ولم يبق لملوك العرب بعد سيف الحميرى نفوذ فى جزيرة العرب. وإن كان للبدو الذين ينتقلون فى الصحارى والجبال أمراء من أبناء قحطان وحمير إلا أن حكم هؤلاء الأمراء لم يكن يتعدى حدود أفراد قبائلهم. مثل شيوخ القبائل البدوية الذين يحكمون الآن.
стр. 1903
وحكم الأمراء أخلاف ملوك المناذرة (الحيرة) فى شرق شمال جزيرة العرب، وملوك الغساسنة فى نواحى العراق فى جهة الشام.
ولما كان آل جفنة (الغساسنة) يتعينون من قبل قياصرة الروم، والحيرة المناذرة يعينون من قبل أكاسرة العجم بشروط معينة فقد كانوا بمثابة ولاة لهم. لذا كانوا يعزلون ويبدلون وفق إرادتهم.
وأشرقت أنوار سلطان الكون والممالك فى فترة انقرض فيها ملوك العرب العاربة ومحى اسمهم من الوجود (١).
стр. 1904
الوجهة الثانية
فى ذكر الخلفاء والملوك المسلمين
الذين ظهروا فى جزيرة العرب بعد ظهور الإسلام
أحوال رسول الملك المتعال إجمالا
الخلفاء الراشدون
الملوك الأموية
سلطنة العباسيين
الفاطميون
الدولة الأيوبية
الخلفاء العباسيون فى مصر والملوك التركمانية
الملوك الشراكسة
السادة الكرام
كيفية تأسيس ولاية مكة وصورة تشكيلها
стр. 1905
الصورة الأولى
فى ذكر الخلفاء والملوك المسلمين الذين ظهروا
فى جزيرة العرب بعد ظهور الإسلام وأحوال رسول الملك المتعال إجمالا
ولد النبى ﷺ الذى بعث رسولا رحمة للعالمين بعد ميلاد عيسى-﵇-بخمسمائة وتسعة وستين عاما، وعلى قول بعده بخمسمائة وسبعين عاما فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول، السابع عشر من شهر أبريل، وبعث شفيع العالمين نبيّا فى العام الحادى والأربعين من عمره الشريف.
وهاجر النبى ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فى العام الثالث عشر من نبوته، ولبى دعوة ربه بعد الهجرة بأحد عشر عاما. واتخذت هجرة النبى ﷺ التى توافق عام ستمائة اثنين وعشرين من الميلاد، والسادس عشر من شهر يوليو مبدأ تاريخ هجرى من قبل المؤرخين.
وتبلغ مدة نبوته ورسالته ثلاثة وعشرين عاما، ويبلغ عمره ثلاث وستين سنة، وآمن فى خلال هذه الفترة من الزمن أغلب أفراد القبائل العربية فى الحجاز واليمن ونجد والعراق والأماكن الأخرى من جزيرة العرب بالتدريج، وهكذا سعد سكان جزيرة العرب أكثرهم بنيل فيض الأنوار الإسلامية وأحرزوا سعادتى الدنيا والآخرة. ولم يبق فى دائرة الكفر والظلام فى جزيرة العرب إلا بضعة من أفراد القبائل ذوى الحظ العاثر.
وكانت بعض القبائل قد ارتدت عن دائرة الإسلام المنجية عقب وفاة النبى ﷺ ، ورجعوا إلى جهالتهم الأصلية. إلا أن كل هؤلاء دخلوا مرة أخرى إلى دائرة الإسلام المنجية فى خلافة أبى بكر الصديق.
الخلفاء الراشدون
قد صدق الجميع على خلافة أبى بكر الصديق (رضى الله عنه):فى السنة
стр. 1906
الحادية عشرة من الهجرة النبوية. وبلغت مدة خلافة الخليفة المكرم سنتين وثلاثة أشهر وتسعة أيام كما بلغ عمره ثلاث وستين سنة.
عمر الفاروق (رضى الله عنه):بدأت خلافة عمر بن الخطاب فى السنة الثالثة عشرة من التاريخ الهجرى، وبلغت مدة خلافته عشر سنوات وستة أشهر وأربعة أيام، ونالت ذاته العالية مرتبة الشهادة فى السنة الثالثة والعشرين وتوفى وعمره ثلاث وستون سنة.
عثمان ذو النورين (رضى الله عنه):تولى الخلافة فى السنة الثالثة والعشرين من الهجرة، واستشهد فى السنة الخامسة والثلاثين منها، فكانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة وبلغ عمره اثنتين وثمانين سنة.
الإمام على (كرم الله وجهه ورضى الله عنه):كان ابتداء خلافته فى السنة الخامسة والثلاثين من الهجرة، وكان استشهاده فى السنة الأربعين، وبهذا تبلغ مدة خلافته أربع سنوات وتسعة أشهر، وبلغ عمره الشريف ثلاثا وستين عاما.
وكان سكان جزيرة العرب تحت حكم الخلفاء الراشدين العدول فى حالة خضوع وطاعة وانقياد للدولة.
وبعد أن استشهد الإمام على (كرم الله وجهه) تولى الخلافة ابنه الإمام الحسن (رضى الله عنه) ستة أشهر، وبعد ذلك تنازل عن الخلافة وترك السلطنة لمعاوية بن أبي سفيان أول خلفاء بنى أمية وآثر الانزواء والعزلة وتوفى وقد بلغ عمره الشريف ستة وأربعين سنة.
الملوك الأموية
ظهر الملوك الأمويون فى السنة الحادية والأربعين من الهجرة، وانقرضت دولتهم سنة اثنتين وثلاثين بعد المائة، وكانت مدة حكمهم واحدا وتسعين عاما، وبلغ عدد ملوكهم فى هذه الفترة ثلاثة عشر شخصا. وكانت دمشق عاصمة ملكهم.
стр. 1907
وكان سكان جزيرة العرب خاضعين للأمويين منذ بداية ملكهم إلى انتهائه ومنقادين لهم، وكان (عبد الله بن الزبير) قد دفع راية العصيان عليهم وحكم مكة المكرمة ما يقرب من تسع سنوات.
وتقول الروايات بينما كان أخو معاوية بن أبى سفيان يزيد بن أبي سفيان واليا على الشام من قبل الفاروق الأعظم تنازل عن الولاية سنة عشرين من الهجرة لأخيه معاوية دون أن يستأذن من مقام الخلافة، ولما عرف سيدنا عمر الأمر قبل ولاية معاوية بن أبي سفيان، حتى لا تؤدى الأمور إلى حدوث المشاكل بسبب أمر يسير.
وأبقى معاوية بن أبى سفيان فى وظيفته خلال خلافة عثمان (رضى الله عنه)،وكان ذا قرابة من الخليفة المذكور، وعقب استشهاد عثمان بن عفان قام معاوية بطلب الثأر من قاتلى الخليفة، وحرض أهالى الشام وحلب ومصر ضد الإمام على (رضى الله عنه)،وهكذا أشعل دائرة الخصام ضد الخليفة.
وإن كان منصب الخلافة الجليل انتقل بعد استشهاد الإمام على بن أبى طالب لابنه الإمام الحسن-رضى الله عنه-إلا أن معاوية بن أبى سفيان ابتدر بإزالة حقوق الإمام الحسن فى الخلافة، وأخذ يتهيأ للقتال للحصول على الخلافة. ولما رأى الإمام الحسن ذلك تنازل عن الخلافة لمعاوية حتى لا يريق دماء المسلمين دون سبب.
وبعد وفاة معاوية بويع ابنه يزيد بالخلافة، ولم يؤبه بأقوال الإمام الحسين وعبد الله بن الزبير اللذين كانا يدعيان عدم صلاحية يزيد لاعتلاء مقام الخلافة، وعند ذلك هاجر ابن الزبير إلى مكة المكرمة، والإمام الحسن إلى الكوفة بناء على الدعوة المقدمة من أهاليها.
وقد رضى أهل مكة أن يختاروا ابن الزبير خليفة لهم وبايعوه، إلا أن الإمام الحسين استشهد فى كربلاء، ولقى ربه مع أغلب أفراد أسرته فى تلك الأراضى الموحشة، وكان هذا الخبر الأليم مانعا لأهالى الحرمين من بيعة يزيد، ولأجل
стр. 1908
ذلك ساق يزيد، كثيرا من الجيوش لمحاربة عبد الله بن الزبير وأتباعه، وبينما كان هؤلاء الجنود يحاربون عبد الله بن الزبير محاصرين مكة المكرمة جاء خبر وفاة يزيد، فبايع جميع أهالى الحرمين عبد الله بن الزبير فاستقلت بلاد جزيرة العرب، وأصبحت كلها تحت سيطرة عبد الله بن الزبير فى سنة ٦٤ هجرية.
وبعد سنتين خرج رجل فى العراق من قبيلة بنى ثقيف يدعى مختار بن عبد الله الثقفى طالبا الثأر من أجل الإمام الحسين، فانضم له جمع وافر من الجنود، وتجرأ على الاستيلاء على الكوفة فبايعه كثير من أهالى تلك المدينة.
وأخذ المختار بن عبد الله الثقفى ثأر الإمام الحسين من قاتليه كما يخبرنا التاريخ، وقتل ما يقرب من سبعين ألف إنسان، إلا أنه انحرف وأخذ يدعى النبوة. وبناء على هذا عين عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا حاكما للعراق، وأمده بكثير من الجنود وأرسله ليحارب المختار الثقفى.
ولما كان المختار الثقفى قد أظهر عصيانه ومخالفته جهرا قتل فى أثناء دفاعه سنة ٦٧ الهجرية.
وأرسل عبد الملك بن مروان من الملوك الأموية بعد خمس سنوات الحجاج الأظلم الذى فاق فى الجور والظلم متجبرى وطغاة الأسلاف، ومعه أربعون ألف جندى لمحاربة عبد الله بن الزبير فى مكة المكرمة، وبعد معارك كثيرة بينهما استطاع الحجاج أن يسترد جزيرة العرب من يد ابن الزبير، وأن ينيل ذلك الشهم مرتبة الشهادة العالية فى سنة ٧٣ الهجرية.
وفى عهد مروان بن محمد الأموى رفع بعض الخوارج فى الأطراف والأكناف راية التمرد والعصيان حتى إن عبيد الله بن يحيى من حضرموت استولى على البلاد الحجازية واليمن، وحكم فيهما سنة وأربعة أشهر وذلك فى سنة ١٢٠ هـ.
ولما كان مروان فريدا فى ميدانى الشجاعة والنصر فقد طرد جميع الخوارج الذين رفعوا راية الفتنة من أملاكه، وخاصة عبد الله بن يحيى طرده من اليمن وبلاد الحجاز، إلا أنه بمرور الأيام فقد مروان أسباب قوته وصولته، فانهارت
стр. 1909
الدولة الأموية وجاءت نوبة انتقال الخلافة إلى بنى العباس إذ ظهر أبو مسلم الخراسانى فى قرية من قرى خراسان فى سنة مائة وتسع وعشرين بدعوى أخذ ثأر الإمام الحسين قرة عين الرسول وابن البتول، وأخذ يدعو بالقوة الذين يتمسكون بتبعية الدولة الأموية لبيعة أول الخلفاء العباسيين أبى العباس السفاح، وقتل من المعارضين ما لا يحصى من الخلق، وهكذا خدم بنى العباس خدمة عظيمة سنة ١٣٢ هـ.
سلطنة العباسيين
بدأ حكم العباسيين فى أول الأمر فى بلاد العراق ثم سار إلى بلاد مصر العظيمة. وكانت بداية ظهوره كما ذكر آنفا سنة مائة واثنتين وثلاثين، وانقرضت دولتهم فى سنة ستمائة وست وخمسين الهجرية.
وبناء على هذا الحساب تبلغ مدة حكمهم خمسمائة وأربع وعشرين سنة، ومدة مائة وعشرين سنة من هذه الفترة كانت فترة القوة والشوكة والنصر ولكن بقية المدة وهى أربعمائة وأربع سنوات كانت فترة انحطاط وتناقص تدريجى والسير نحو الانقراض.
يبلغ عدد الملوك الذين شغلوا مقام الخلافة منهم سبعة وثلاثين خليفة، وكان مقر دار الخلافة مدينة بغداد التى تشبه الجنة.
واستطاع خلفاء بنى العباس فى بدء ظهورهم أن يخضعوا معظم البلاد الإسلامية لسيطرتهم. وقد استولوا على جزيرة العرب كلها وأخضعوا سكانها لنفوذهم، وظهرت طائفة القرامطة الباغية فى سنة مائتين وست وتسعين وكسرت سطوة دولة بنى العباس وصولتهم، وأصابت مبانى سلطنتهم بالضعف والفتور والوهن، وبعد ذلك بقليل انتزعت معظم سواد الشام وما حواليه من يد العباسيين.
الفاطميون
وبعد أن استولى القرامطة على الشام وانتزعتها من يد العباسيين طمعت فى الاستيلاء على مصر، ولما بلغ حاكم مصر هذا الخبر المفزع خاف أشد الخوف،
стр. 1910
وعرف أنه لن يستطيع أن يصد القرامطة بجنود المصريين فعرض على المعز لدين الله الخليفة الفاطمى الرابع أن يعينه ببضعة مئات من الجنود، وأومأ له أنه سيفتح له أبواب مصر وكان هذا ما يتمناه المعز لدين الله، إذ جهز قوة كبيرة أرسلها إلى مصر تحت قيادة جوهر الصقلى فى سنة ٣٥٨ هـ.
وعند ما وصل جوهر إلى مصر وجد القرامطة متهيئين للحرب والضرب فحاربهم وأبادهم عن آخرهم، وضم البلاد المصرية إلى ملك الفاطميين.
وفى سنة (٣٥٩) هـ عرض ما تم فعله على المعز لدين الله وبناء على الأمر الذى تلقاه منه بنى مدينة القاهرة، وأسس الجامع الأزهر ولما تم بناء القاهرة أسرع بإخبار المعز لدين الله الذى وفد إلى مصر بأولاده وأحفاده وجميع أقاربه من المهدية، ولما وصل إلى (الجيزة) عبر من فوق الجسر العابر على النيل والذى بناه من أجل روح جوهر، ونزل فى القصر الذى بنى له خصيصا فى مدينة القاهرة التى اتخذها عاصمة له فى سنة ٣٦٢ هـ.
وكان المعز لدين الله شيعى المذهب ويعتقد فى أحكام النجوم. وظل حاكما على مصر ما يقرب من سنتين وسبعة أشهر، ثم ارتحل إلى دار الآخرة فى سنة ٣٦٤ الهجرية.
ولما كانت مدينة القاهرة قد بنيت بأمر من المعز لدين الله أطلق على تلك المدينة فى ذلك الوقت «المعزية» وبلغ عدد الملوك الفاطميين الذين حكموا مصر عشرة ملوك.
حل الملوك الفاطميون على مصر سنة ٣٦٢ هـ وتركوا الحكم ستة خمسمائة وسبع وستين. وتبلغ مدة سلطنتهم مائتين وست سنوات وذكرت أسماء ملوك الفاطميين فوق منابر الحرمين الشريفين مدة مائة وعشر سنوات كما أن الخطب قد ألقيت باسم الخلفاء العباسيين ما يقرب من ثمان وثمانين سنة.
الدولة الأيوبية
وانتقلت سلطنة مصر فى عام خمسمائة وسبعة وستين إلى الأيوبيين واستمر
стр. 1911
حكمهم لمصر لسنة ٦٤٧ هـ وكان عدد الملوك الأيوبيين الذين حكموا مصر عشرة وامتدت سلطنتهم إلى ثمانين عاما.
واتخذ هؤلاء الملوك مثل ملوك الفاطميين مصر دار النصر مقرا لسلطنتهم، واستولوا على سواد الشام وحلب، ولكنهم لم يحصروا ذكر أسمائهم على أنفسهم فى الخطب التى كانت تلقى على منابر الحرمين الشريفين مثل الفاطميين، بل أشركوا أسماء خلفاء العباسيين بجانب أسمائهم، وهكذا أظهروا لهم احترامهم ولكنهم تجنبوا إشراكهم فى الأمور السياسية.
الخلفاء العباسيون فى مصر والملوك التركمانية
عند ما استولى التتار على دار السلام بغداد وخربوا قصور خلفاء العباسيين وشتتوهم سافر أحمد بن محمد الظاهر بأمر الله العباسى إلى مصر، وبعد ثلاث سنوات من إقامته فى مصر بايعه ملك مصر الظاهر بيبرس بالخلافة تبركا فى سنة ٦٥٩.
وقد تولى الخلافة المعنوية فى مصر سبعة عشر شخصا من أولاد وأحفاد أحمد بن محمد الظاهر بأمر الله، ولكن تصريف الأمور كان فى يد ملوك مصر.
وقد انتهت الخلافة المعنوية لسلالة أحمد بن محمد الظاهر بأمر الله بفتح السلطان سليم خان مصر، والاستيلاء عليها فى سنة ٩٢٢ هـ،وبناء على هذا الحساب بلغت مدة خلافتهم فى مصر مائتين وثلاث وستين سنة.
وقد عمل الملوك التركمانية والشركسية على رفع شأن الخلفاء فخصصوا وظائف لهم، وذكروا أسماءهم فى الخطب بجانب أسمائهم وحفروا أسماءهم بجانب أسمائهم فى المسكوكات.
وغلب فيما بعد ملوك الديالمة والسلاجقة أغلب هؤلاء الملوك، وأخذوا من أيديهم زمام السلطنة والخلافة.
كما أن الخلفاء الذين هاجروا إلى مصر مستقلين كخلفاء الدولة العباسية فى بغداد ولكنهم، أمضوا حياتهم تحت حكم الملوك المصرية وتحكمهم.
стр. 1912
الملوك التركمانية
ظهر الملوك التركمانيون فى أوائل سنة ستمائة وتسع وأربعين وانقرض ملكهم سنة سبعمائة وأربع وستين ويبلغ عددهم خمسة وعشرين ملكا، وكانت عاصمة ملكهم القاهرة.
استولى هولاكو على بغداد وقتل الخليفة المعتصم وقضى على الدولة العباسية فى عهد الظاهر بيبرس رابع الملوك التركمانية فهاجر أحمد بن محمد الظاهر بأمر الله العباسى الذى سبق ذكره إلى مصر، فصدق الظاهر بيبرس خلافته وبايعه بكل احترام وأجرى بعض الترتيبات بخصوص وظيفته.
الملوك الشراكسة
ابتداء ظهور الملوك الشراكسة سنة سبعمائة وأربع وثمانين، وزمن انقراض دولتهم سنة تسعمائة واثنين وعشرين الهجرية. وقد حكم منهم أربعة وعشرون ملكا فى اثنتين وثلاثين سنة، وبما أنهم كانوا مملوكين عتقاء سموا المماليك الشراكسة.
وكان الملوك الشراكسة مثل الملوك التركمانيين يبايعون الخلفاء العباسيين الذين هاجروا إلى مصر، ويعاملونهم معاملة طيبة ويحترمونهم.
وإن كانت بلاد الحجاز واليمن ألحقت بمصر فى عهد الملوك التركمانية والشركسية، إلا أن الخلفاء العباسيين الذين يحكمون فعلا فى العراق والذين يحكمون فى مصر معنويا وصوريا لم ينجوا من أذى بعض الخارجين فى جزيرة العرب فى عهودهم كما سيأتى ذكره فيما بعد.
السادة الكرام
ولما كان شرف السادة الكرام ومنزلتهم ثابتة ومعترف بها من قبل سكنة جزيرة العرب، كما كانوا محترمين من قبل أمراء التركمان والشراكسة، ولأجل ذلك أقدم كثيرون من هؤلاء السادة سواء أكانوا السادة الحسينيّة أو أشراف الحسنيّة على الاستيلاء على الجزيرة العربية طالبين استقلالها، إلا أنهم لم يصلوا إلى غاياتهم لقوة الخلفاء العباسيين وسطوة الملوك المصريين.
стр. 1913
وقد ظهرت فى أماكن أخرى من البلاد الإسلامية حكومات متعددة أنشأها السادة والأشراف، واستمرت دولهم مدة مديدة ويرون أن نسب حاكم حكومة فاس يتصل بالسلالة الطاهرة.
كيفية تأسيس ولاية مكة وصورة تشكيلها
عند ما فتح النبى ﷺ مكة المعظمة استدعى من أصحابه الكرام «عتاب بن أسيد» بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف-رضى الله عنه- وأحال له ولاية مكة المكرمة قائلا: «يا عتاب: هل تعرف أننى أعينك واليا على من؟ وأنصبك واليا عليهم؟ إننى بايعتك واليا على خاصة أهل الله!!!»
وكان قصد النبى ﷺ العالى أن يولى ويلمح لعتاب أن أهل مكة يستحقون الاحترام والرعاية.
وظل عتاب بن أسيد إلى السنة الثالثة عشرة من الهجرة واليا على مكة المفخمة دون انقطاع، وفى خلال السنة المذكورة ارتحل الصديق الأعظم إلى دار السرور والبقاء. وتبعه عتاب بن أسيد، وأديرت أمور مكة المعظمة بعده فى خلال خلافة عمر الفاروق وعثمان ذى النورين وعلى بن أبى طالب بواسطة موظف معين من قبلهم.
وفيما بعد أخذ عبد الله بن الزبير على عاتقه إدارة حكومة مكة المكرمة، وبعد ارتحاله تعهد بإدارة أمور مكة موظفون من قبل الدولة الأموية، كما أن داود ابن عن عبد الله السفاح تعهد بإدارة شئون مكة فى عهد العباسيين. ولما كانت المدينة المنورة تابعة لولاية مكة إلى ٢٥١ سنة ظهور إسماعيل بن الأخيضر بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب (رضى الله عنهما) رافعا علم العصيان، والولاة سيذكر أسماؤهم فى الجدول الذى سيأتى فيما بعد، وفى خلال السنة المذكورة ألغى منصب الولاية وتولى إدارة البلدة المسعودة السادة والأشراف مستقلين بمكة المكرمة وأخذ الأمير الذى يدير حكومة مكة لقب أمير مكة.
стр. 1914
الجدول الذى يشمل أسماء الذين تولوا ولاية مكة المكرمة:
عتاب بن أسيد (٨ - ١٣).
نافع بن عبد الحارث الخزاعى (١٣ - ٣٥).
عبد الله الحضرمى (٣٥ - ٣٧).
قثم بن العباس (٣٧ - ٤٢).
خالد بن العاص بن هاشم (٤٢ - ٦٠).
عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق (٦٠ - ٦١).
وليد بن عتبة بن أبى سفيان (٦١ - ٦٤).
عبد الله بن الزبير (٦٤ - ٧٣).
حجاج بن يوسف الثقفى (٧٣ - ٧٥).
أبان بن عثمان بن عفان (٧٥ - ٨٢).
عمر بن عبد العزيز (٨٧ - ٨٩).
خالد بن عبد الله القسرى (٨٩ - ٩٦).
عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (٩٦ - ٩٧).
داود بن طلحة الحضرمى (٩٧ - ٩٨).
عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (٩٨ - ١٠٣).
عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى (١٠٣ - ١٠٤).
عبد الواحد النضرى (١٠٤ - ١٠٧).
إبراهيم بن هشام بن إسماعيل (١٠٧ - ١١٤).
محمد بن هشام المخزومى (١١٤ - ١٢٦).
يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى (١٢٦ - ١٢٧).
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز (١٢٧ - ١٢٩).
стр. 1915
عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك (١٢٩ - ١٣٠).
محمد بن عبد الملك بن مروان (١٣٠ - ١٣٣).
داود بن على بن عبد الله بن العباس (١٣٣ - ١٣٤).
يزيد بن عبد الله بن عبد الواحد (١٣٤ - ١٣٨).
عباس بن عبد الله بن سعيد (١٣٨ - ١٣٩).
زياد بن عبد الله الحارثى (١٣٩ - ١٤٣).
هيثم بن معاوية العتكى (١٤٣ - ١٤٤).
سرى بن عبد الله بن الحارث بن عباس (١٤٤ - ١٤٦).
عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس (١٤٦ - ١٤٩).
محمد بن إبراهيم الإمام (١٤٩ - ١٥٠).
إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس (١٥٠ - ١٥١).
جعفر بن سليمان (١٥١ - ١٥٥).
عبد الصمد بن على (١٥٥ - ١٥٨).
محمد بن إبراهيم الإمام (١٥٨ - ١٦١).
إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس (١٦١ - ١٦٤).
جعفر بن سليمان (١٦٤ - ١٨٤).
عبد الله بن القثم بن عباس (١٨٤ - ١٨٧).
حماد البربرى (١٨٠ - ١٨٧).
فضل بن عباس بن محمد بن على (١٨٧).
عباس بن محمد بن ابراهيم
سليمان بن جعفر بن سليمان
стр. 1916
موسى بن عيسى بن موسى
عبد الله بن محمد بن إبراهيم
عبد الله بن القثم بن عباس
عبد الله بن القثم
عبد الله بن محمد بن عمران
عبد الله بن محمد بن إبراهيم
عباس بن موسى بن عيسى
على بن موسى بن عيسى
محمد بن عبد الله العثمانى
أحمد بن إسماعيل بن على (١٩٤).
داود بن عيسى بن موس بن محمد بن على (١٩٤ - ٢٠٤).
عبيد الله بن الحسين بن عبيد بن العباس بن على بن أبى طالب (٢٠٤ - ٢٠٩).
صالح بن العباس بن محمد بن على (٢٠٩ - ٢٢١)
محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على (٢٢١ - ٢٣٧).
على بن عيسى بن جعفر بن المنصور (٢٣٧ - ٢٣٩)
عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى (٢٣٩ - ٢٤٢).
عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام الزينى (٢٤٥ - ٢٤٩).
محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام الزينى (٢٤٢ - ٢٤٥).
عبد الصمد بن موسى بن محمد (٢٤٩ - ٢٥٠).
стр. 1917
جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى شاشان ابن الحسن بن على بن أبى طالب (٢٥٠ - ٢٥١).
كان ظهور إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب فى سنة ٢٥١.
لازمة:
ولما كانت المدينة المنورة تابعة لولاية مكة المكرمة إلى أن استقل إسماعيل بن يوسف الأخيضر، فكان ولاة مكة المعظمة يقيمون فيها ويفوضون تدبير أمور حكومة المدينة إلى شخص آخر نيابة عنهم، كما كانوا يتخذون-أحيانا-المدينة المنورة مركز ولاية، ويديرون أمور حكومة مكة المكرمة بواسطة وكيل لهم.
بناء على تلك الأصول فإن أسماء الذين تولوا منصب الولاية فى المدينة المنورة مكتوبة فى الجدول الآتى:
الجدول الذى يشمل أسماء الذين تولوا منصب الولاية فى المدينة المنورة
تولى فى عهد هشام بن عبد الملك وهو من سنة ١٠٧ إلى ١٢٥ عبد الواحد بن عبد الله النصرى، إبراهيم بن هشام المخزومى، محمد بن هشام المخزومى، نافع بن علقمة الكنانى.
عهد يزيد بن وليد من سنة ١٢٥ إلى سنة ١٢٦:يوسف بن محمد الثقفى.
عهد وليد بن يزيد من سنة ١٢٦ - ١٢٦.
عهد مروان بن محمد بن مروان من سنة ١٢٦ إلى سنة ١٣٢:عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك أبو حمزة الخارجى (١)،عبد الملك بن محمد بن عطية السعدى، وليد بن عروة السعيدى، محمد بن عبد الملك بن مروان.
стр. 1918
عهد أبى العباس السفاح (١)(٢) من سنة ١٣٢ إلى سنة ١٣٦ داود بن على ابن عبد الله بن عباس، عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن خطاب.
عهد منصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس من سنة ١٣٦ إلى سنة ١٥٨ - عباس بن عبد الله بن معبد، زياد بن عبد الله الحارثى، هيثم بن معاوية العتكى الخراسانى، سرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس، محمد بن الحسن بن معاوية بن جعفر بن أبى طالب (٣).
سرى بن عبد الله بن الحارث بن عباس، عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس، محمد بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن عبد الله بن عباس.
عهد محمد المهدى بن المنصور من سنة ١٥٨ إلى ١٦٨:إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، جعفر بن على بن عباس، عبيد الله بن قثم بن العباس، محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
стр. 1919
عهد موسى الهادى بن المهدى من سنة ١٦٨ إلى سنة ١٧٠:حسين (١) بن على بن الحسن المثنى بن حسن السبط بن على بن أبى طالب.
عهد هارون الرشيد بن محمد المهدى من سنة ١٧٠ إلى ١٩١:أحمد بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس (٢)،حماد البربرى، سليمان بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، عباس بن موسى بن عبد الله بن عباس، عباس بن محمد بن إبراهيم الإمام، عبد الله بن قثم بن عباس، على بن موسى بن عيسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، فضل بن عباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، محمد بن عبد الله ابن سعد بن مغيرة بن عمر بن عثمان بن عفان، موسى بن عيسى بن موسى ابن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
عهد محمد الأمين بن هارون الرشيد من سنة ١٩١ إلى ١٩٨:داود بن عيسى (٣) بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
عهد مأمون بن هارون الرشيد من سنة ١٩٨ إلى ٢١٨:داود بن عيسى بن موسى، حسين بن حسن بن على الأصغر بن زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب (٤)،على بن محمد بن جعفر الصادق. عيسى بن يزيد
стр. 1920
الجلودى، محمد بن عيسى بن يزيد الجلودى، يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومى، إبراهيم بن موسى الكاظم، هارون بن المسيب حمدون بن على بن عيسى، عبد الله بن حسن بن عبد الله بن عباس بن على بن أبى طالب (١)،صالح بن عباس بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس، سليمان بن عبد الله ابن سليمان بن على بن عبد الله، محمد بن سليمان بن عبد الله بن سليمان بن على بن عبد الله، حسن بن سهيل (٢) بن عبيد الله بن عبد الله بن حسن بن جعفر بن الحسين بن على بن أبى طالب.
عهد المعتصم بن هارون الرشيد من سنة ٢١٨ إلى سنة ٢٢٨:صالح بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، أشاش التركى (٣)،محمد بن داود بن عيسى.
عهد الواثق بن المعتصم من سنة ٢٢٨ إلى سنة ٢٣٢:محمد بن داود بن عيسى.
عهد المتوكل بن المعتصم من سنة ٢٣٢ إلى ٢٤٧:على بن عيسى بن جعفر
стр. 1921
بن أبى جعفر المنصور، عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى، محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، محمد بن المستنصر (١) بن المتوكل بالله إبتاح الغلام (٢).
عهد المستعين بن المعتصم بن هارون الرشيد من ٢٤٨ إلى ٢٥٢:عبد الصمد ابن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، إسماعيل بن يوسف الأخيضر بن إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى (٣).
إخطار-كانت حكومة المدينة المنورة تابعة لولاية مكة المكرمة إلى وقت استقلال إسماعيل بن يوسف الأخيضر بالبلدين.
إن كانت المدينتان فصلتا عن بعضهما لأسباب قهرية إلا أنهما فى معظم الوقت كانتا ولاية واحدة، وكان الولاة المعينون لإدارتهما يتخذون أحيانا مكة المكرمة مركزا ويديرون شئون المدينة بواسطة وكيل لهم أو يتخذون المدينة المنورة مركزا لهم ويديرون شئون مكة بواسطة وكيل لهم.
والولاة الذين دبروا شئون الولاية وفق الأصول المذكورة من المدينة المنورة قد
ذكر أسماؤهم فى الجدول الآتى:
سهل بن حنيف الأنصارى
أبو أيوب الأنصارى
مروان بن الحكم
سعيد بن العاص
стр. 1922
مروان بن العاص
وليد بن عتبة بن أبى سفيان
عمرو بن سعيد بن العاص
وليد بن عتبة
عثمان بن محمد بن أبى سفيان
عبد الله بن الزبير
مصعب بن الزبير
جابر بن الأسود
أبان بن عثمان
هشام بن إسماعيل
محمد بن هشام
يوسف بن محمد
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز
محمد بن عبد الملك
داود بن على
يزيد بن عبد الله
زياد بن عبيد الله
محمد بن خالد
رباح بن عثمان
عبد الله بن الربيع
стр. 1923
جعفر بن سليمان
عبد الملك بن صالح
محمد بن عبد الله
موسى بن عيسى
محمد بن إبراهيم
عبيد الله بن مصعب
بكار بن عبد الله
محمد بن على
أبو البخترى
وهب بن منبه
داود بن يحيى
عبيد الله بن الحسين
عمر بن عبد العزيز
عثمان بن صادق
أبو بكر بن محمد بن عمرو
عبد الرحمن بن ضحاك
عبد الواحد النضرى
إبراهيم بن هشام
خالد بن عبد الملك
طلحة بن عبد الله
стр. 1924
طارق بن عمرو
حجاج بن يوسف
حسن بن زيد
عبد الصمد بن على
محمد بن عبد الله
زفر بن عبد الله
إبراهيم بن يحيى
إسحاق بن عيسى
عمر بن عبد العزيز
إسحاق بن سليمان
صالح بن العباس
محمد بن داود
عيسى بن جعفر
عبد الله بن محمد
عبد الصمد بن موسى
محمد بن سليمان
عبد الصمد بن موسى
جعفر بن الفضل
ظهور إسماعيل بن يوسف الأخيضر سنة ٢٥٢.
стр. 1925
أمراء الحرمين
انقسمت خطة الحجاز السعيدة بعد عهد الخلفاء الراشدين إلى إمارتين كبيرتين أطلقت على إحداهما (إمارة مكة المكرمة) وأطلقت على الأخرى (إمارة المدينة المنورة)،وظلت إدارة هاتين الإمارتين بعد معارك جمة وحروب كثيرة فى أيدى السلالة الطاهرة التى تنتهى إلى السبطين المكرمين (رضى الله عنهما).
ويظن بعض الذين لم يحسنوا الاطلاع على التاريخ أن إمارة مكة المكرمة ظلت منحصرة فى أشراف الحسنية، فى حين ظلت إمارة المدينة المنورة فى أيدى السادة الحسينية إلا أنه من الثابت بدلالة التواريخ الموجودة أن هؤلاء الأمراء تبادلوا الحكم فى هاتين الإمارتين.
أمراء مكة
ينقسم الأشراف الكرام الذين تولوا إمارة مكة المكرمة إلى أربع طبقات، وقد سمى الأشخاص الذين يشكلون هذه الطبقات بأمراء مكة. وإن كان بين أمراء مكة الحسينية أيضا، ولكن أغلب هؤلاء الحسينية من الذين أقام أجدادهم قبل أن تتحول مكة المكرمة إلى إمارة فى ينبع والبلاد التهامية والنجدية.
١ - طبقة سادات بنى حسن:
يطلق على الذين يشكلون الطبقة الأولى من الطبقات الأربع «بنو أخيضر» وقد ظهر بنو أخيضر الذين حكموا ٩٩ سنة فى سنة مائتين وخمسين الهجرية. وانقرضوا فى أواخر سنة ثلاثمائة وخمسين الهجرية وحتى سنة ٢٥١ كانت حكومة مكة المكرمة فى يد ولاة الخلفاء الراشدين وملوك بنى أمية وخلفاء بنى العباس. وقد ظهر بنو أخيضر فى تلك السنة المذكورة، واستولوا على بلاد اليمامة بادروا إلى حكمها.
بنو أخيضر: اتخذ أشراف بنى أخيضر بلاد اليمامة ومقر حكومة لهم أولا ثم مكة المكرمة. وعدد الأمراء الذين تولوا الحكم منهم ثلاثة عشر شريفا، حكم ثلاثة منهم فى اليمامة فقط،والباقون حكموا فى اليمامة وأرض الحجاز.
стр. 1926
وأول ممن ظهر من سادات بنى أخيضر هو إسماعيل بن يوسف الأخيضر بن إبراهيمم بن عبد الله بن موسى الجون الحسنى.
ويحكى أن إسماعيل بن يوسف الأخيضر وجد بمكة، وبايع النفس الزكية محمد بن عبد الله المحصن الذى خرج فى أواخر حكومة بنى أمية، وأن المنصور العباسى وجد أثناء هذه البيعة، ومدح واقعة البيعة بقصيدة طويلة وإن هذا البيت كان ضمن هذه المطولة:
بيعتكم تحظى بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بنى حسن
لما استولى إسماعيل بن يوسف الأخيضر على البلاد اليمانية كان جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن يوسف بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (رضى الله عنه) واليا على مكة من قبل المستعين بن المعتصم العباسى. وانتزع الألواح الذهبية التى وضعها الخليفة المتوكل على مقام إبراهيم، وضرب بها سكة ليدافع بها عن مكة لآخر لحظة، إلا أنه انهزم وبعد ما استولى إسماعيل بن يوسف على أطراف مكة المكرمة أيضا قصد إلى المدينة المنورة وهو مريض، وارتحل إلى عالم البقاء فى سنة ٢٥٢ الهجرية.
وانتقلت بلاد اليمامة بعد وفاة إسماعيل بن يوسف الأخيضر لأخيه الشريف أبى عبد الله محمد بن يوسف الأخيضر، وبعد وفاته لأخيه الآخر الشريف أبو جعفر بن يوسف الأخيضر، وبعد ارتحاله انتقلت إلى الشريف حسن بن يوسف الأخيضر أخيه الآخر.
بعد ما استولى الشريف حسن على بلاد اليمامة صرف جهده لتوسيع حدود حكومته، وفى النهاية شكل إمارة مكة المكرمة واستقل بها.
وانتقلت حكومة أم القرى بعد وفاة الشريف حسن إلى عمه وإلى أخيه يوسف الأخيضر، ولما مات محمد بن يوسف الأخيضر انتقلت الحكومة إلى ابنه الشريف يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر، ومن بعده إلى أخيه الشريف أبى عبد الله إبراهيم بن محمد، ومن بعده إلى أبى عبد الله إلى الشريف
стр. 1927
محمد بن محمد بن يوسف الأخيضر، وبعد وفاة محمد بن محمد الشريف حسن بن يوسف الأخيضر وبعده إلى أخيه، ومن بعد إلى الشريف محمد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر، وبعد وفاة الشريف محمد إلى الشريف صالح بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر. وهؤلاء هم الذين سعدوا إذا فازوا بإدارة مكة المكرمة.
وكان أولاد وأحفاد الشريف صالح بن إسماعيل فى داخل ممالك السودان، وفى فترة ما هاجروا إلى مدينة «غانا» القريبة من المحيط الأطلسى وكونوا هناك دولة وحكموا فيها.
٢ - الطبقة الثانية من الأشراف الحسنية:
والأشراف الكرام الذين يكونون هذه الطبقة هم الأشراف الكرام الذين يطلق عليهم المؤرخون الموسويين أو بنى موسى.
وأول من تولى منهم الإمارة هو الشريف موسى الثانى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحصن بن حسن المثنى بن حسن السبط بن على بن أبى طالب (رضى الله عنهم) وعدد أفراد الموسويين الذين حكموا البلاد الحجازية أحد عشر أميرا.
وظهر الشريف موسى الثانى الذى كان أولهم سنة ٣٥٠،والذين تولوا إمارة الحجاز من بعده استمروا إلى سنة ٤٥٣ إذ انتهت إمارتهم فى خلال تلك السنة.
وبعد وفاة الشريف موسى الثانى بن عبد الله تولى الإمارة ابنه الشريف داود بن موسى الثانى، ومن بعده الشريف محمد الأكبر بن موسى الثانى، وبعد وفاة محمد الأكبر الشريف حسين بن محمد الأكبر، ومن بعده الشريف محمد الثائر بن محمد الأكبر، وبعد وفاة محمد الثائر الشريف أبو هاشم محمد بن محمد الثائر، وبعد ارتحال أبى هاشم الشريف أبو جعفر محمد بن الحسين بن محمد الأكبر واستقل الشريف أبو جعفر محمد بالإمارة فى عهد الملوك الفاطميين
стр. 1928
وحكم مكة المكرمة ومواقع أخرى من أرض تهامة ما يقرب من عشرين عاما.
وبالقرب من أواسط مدة إمارة الشريف أبى جعفر كان ملوك العصر يعينون من قبلهم أميرا خاصا بهم فى مكة المكرمة، وقد زاد الشريف أبو جعفر من قوته وشوكته، واستقل وبعد هذا الاستقلال انتقلت حكومة مكة المكرمة بالفعل للشرفاء الكرام.
وهناك روايات متعارضة فى بيان سبب استقلال أبى جعفر وتاريخه إلا أنه بناء على أقوى الروايات فإن أبا جعفر استقل عند ما كانت مصر تحت إدارة الإخشيديين، وكان كافور الإخشيدى لم يمت بعد، كما أن الملوك الفاطميين لم يكونوا قد تولوا بعد على مصر ويدعى البعض أن وفاة كافور كانت سنة ٣٥٦ هـ وكان استقلال أبى جعفر سنة ٣٥٨.
وكان سبب استقلال المشار إليه الفتنة التى حدثت بين بنى حسن وبنى حسين (رضى الله عنهما)،وعند حدوث هذه الفتنة عاد أبو جعفر من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة، وأعلن الاستقلال، وعند ما انتقلت حكومة مصر إلى الفاطميين أبقى المعز لدين الله العبيدى على إمارة أبى جعفر وصدق استقلاله.
وتولى الإمارة بعد وفاة الشريف أبى جعفر أبو محمد جعفر بن محمد بن حسين بن محمد الأكبر، وبعده الشريف عيسى بن أبى جعفر محمد، وبعده الشريف أبو الفتوح حسين بن محمد الثائر، وبعد وفاته الشريف تاج المعالى بن أبى حسين بن محمد الثائر.
أرسل حاكم مصر العزيز بالله العبيدى عند ما كان ابن أبى جعفر الشريف عيسى أميرا علويا إلى مكة من قبله. وقد ضغط هذا الشخص على أهالى الحرمين ضغطا شديدا، وأجبر الأئمة على ذكر اسم العزيز بالله فى الخطب.
وبعد وفاة العزيز بالله بعث ابنه الحاكم بأمر الله خطبة عجيبة إلى الشريف أبى الفتوح السالف ذكره، وأمره بأن تقرأ هذه الخطبة على منبر المسجد الحرام، ولما كان فى الخطبة المذكورة بعض الألفاظ الجارحة للأصحاب الكرام وبعض زوجات
стр. 1929
النبى-رضى الله عنهن-وعبارات غير لائقة بهم هجم الأهالى على الخطيب الذى نجا بجلده هاربا، وبعد هذه الحادثة منع الناس من الحديث فى مكة عن مذهب العبيديين.
ولما كان الشريف أبو الفتوح من أشجع أبناء موسى وأكثرهم جرأة رد خطبة الحاكم بأمر الله مبينا زيفها، وخرج عن طاعة العبيديين وبايعه أهالى الحرمين بالخلافة لأن الخطبة التى وردت من الحاكم بأمر الله كانت مليئة بسب الأصحاب الكرام ولعنهم.
وكانت رسالة خاصة للشريف أبى الفتوح مرفقة بالخطبة حيث يلح الحاكم بأمر الله على أن يعمل الشريف على إقناع الأهالى بما جاء فى هذه الخطبة، وعقب ذلك ذهب الشريف أبو الفتوح إلى نواحى الشام، وأعلن استقلاله وخاص حروبا كثيرة وفى سنة (٤٠٣) وعاد إلى مكة وانتقل إلى رحمة ربه بعد فترة وجيزة، ومدة إمارته ٤٣ سنة.
ولما سارع أفراد القبائل العربية بالاعتراف بخلافة الشريف أبى الفتوح، وهو فى طريقه إلى الشام فهم الحاكم بأمر الله وأخافه الأمر وأخذ يستعد للحرب، ولما كان أبو الفتوح لا يريد أن يريق دماء المسلمين عبثا بعث بأبى حسان مفرح إلى الحاكم بأمر الله يعلمه أنه لا يدعى الخلافة، فسر الحاكم بأمر الله بهذا الخبر وأسرع بالتصديق بإمارته.
كان تاج المعالى بن أبي الفتوح قد وحد بين إمارتى المدينة المنورة ومكة المكرمة. وكانت كنيته «أبا عبد الله» ولقبه (شكر) ومات بلا ولد فى سنة ٤٦١، وعلى قول سنة ٤٦٤،وعلى قول ثالث سنة ٤٥٣.وأراد أحد غلمانه أن يكون أميرا. وفى أثناء سفر أبى الفتوح إلى الشام استولى أبو طالب داود بن عبد الرحمن بن القاسم بن الفاتك عبد الله بن داود بن سليمان بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى بن حسن السبط بن على (رضى الله عنه) على مكة، وانتصر على ذلك العبد وانتزع منه زمام الإمارة، إلا أن إمارة مكة المكرمة الجليلة انتقلت إلى «بنى هاشم» بعد ذلك الحادث بسبع سنوات.
стр. 1930
وإن من نال مقام الإمارة من بنى أبى الطيب هو محمد بن أبى القاسم بن عبد الرحمن بن جعفر، وجلس على كرسى الحكم سنة ٤٥٣.
إلا أن ملك اليمن على بن محمد الصليحى استولى على قطر الحجاز، وانتزع إمارة مكة المفخمة من أيدى بنى الطيب. وإن كان يروى بعض المؤرخين أن على ابن محمد الصليحى أودع مقام الإمارة ليد «محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن هاشم» وعاد إلى بلاده.
إلا أن تاج المعالى بن أبي الفتوح مات تاركا حمزة بن وهاس بن أبى الطيب داود السليمانى من بنى سليمان أميرا، وبعد أن حارب هذا موسى ما يقرب من سبع سنوات، انتقل زمام الإمارة إلى يد محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن هاشم وبعد ارتحاله إلى يد أولاده.
وليس من بنى سليمان من ارتقى كرسى الإمارة غير حمزة بن وهاس بن أبى طالب. وإن كانوا ينقلون أن محمد بن الفاتك وأخويه قد شغلوا كرسى الإمارة، ولما كان من المحقق أن حمزة بن وهاس خاتمة الطبقة الثانية يقتضى عدم صحة هذه الرواية.
بناء على رواية الإمام الفاسى فإن محمد بن جعفر أحد أفراد الأمراء الذين يطلق عليهم (الهواشم) وضبط نسبه على أنه «أبو هاشم محمد بن جعفر بن عبد الله بن أبى هاشم محمد بن الحسين بن محمد الثائر (١) بن موسى الجون بن عبد الله المحصن بن حسن المثنى بن حسن السبط (رضى الله عنه)،وظل أبو هاشم ما يقرب من ثلاثين عاما يشغل منصب الإمارة وأطلق على الذين تولوا مقام الإمارة بعده «الهواشم».
وبنو سليمان الذين كانوا خاتمة هذه الطبقة ليسوا بنى سليمان الذين حكموا بين التلمسان والمغرب الأوسط.
والأشراف الذين حكموا فى تلك البقاع أولاد «سليمان بن عبد الله المحصن