ودام تدخل أمير نجد إلى سنة ١٢٧١ هـ وبعد ذلك أصبحت جميع أراضى عمان فى يد توينى مستقلا كما بقيت إدارة زنجبار وسواحلها تحت تصرف أخيه ماجد.
ولما مات توينى سنة ١٢٨٥ الهجرية تولى الحكم ابنه سالم الذى أسرع فى القبض على عمه تركى وسجنه ولكنه نجا من السجن بتدخل الإنجليز وسافر إلى بومباى.
ولما رفع عزان أحد أقارب سالم راية العصيان وانتزع الملك من يد سالم فى السنة الثانية من حكمه سمع تركى الذى سافر إلى بومباى بالأمر فعاد إلى عمان، وقتل عزان فانتقلت البلاد التى كانت تحت حكم توينى إليه فى سنة ١٢٨٧ هـ كما أن برقش أخا ماجد احتل مكانه بعد موته منذ خمس سنوات، وأصبح حاكم زنجبار وسواحلها، وهكذا لاقى توينى جزاء ما ارتكبه ضد أخويه.
مسقط:
وتقع مدينة مسقط على شاطئ بحر عمان وعلى بعد ألفى كيلو متر من مكة المكرمة فى الجانب الشرقى منها عند درجة ٥٩ وعشرين دقيقة على الخط الطولى الشرقى وعند درجة ٣٣ و ٣٨ دقيقة على الخط العرضى الشمالى وهى أعظم مدن عمان وأشهرها.
يمكن أن يصل عدد سكان مدينة مسقط إلى ستين ألف نسمة مرساها فى غاية الاتساع والسفن التى ترسو فى داخله مأمونة من جميع أنواع العواصف.
عمان:
وأحد مدن منطقة عمان المشهورة مدينة عمان التى تقع على الجانب الشمالى الغربى وعلى شاطئ البحر وعلى بعد مائتى كيلو متر وعشرين من مسقط.
ولما كانت بجوار بلدة عمان منابع ماء كثيرة تبع من جبل قريب منها فلها حدائق كثيرة ونخيل إلا أن محصولاتها الرئيسية القمح والذرة والشعير.
وقطر الذى بين حسا وعمان وجزيرتا فارستان وكرمان الواقعتان على الساحل الفارسى من خليج البصرة وجزيرتا زنجبار وسقطرة على الساحل الأفريقى
стр. 2102
الشرقى، والأماكن التى تطلق عليها كرمد والتى تقع على رأس غار دافوى فى الجهة الشرقية من قارة أفريقية، كلها من ملحقات مسقط.وعندما يضم أهالى هذه المناطق أيضا لسكان قطعة عمان، يبلغ عدد سكانها إلى مليونين ومائتين وثمانين ألف نسمة.
زنجبار:
وزنجبار هذه الجزيرة من جزر المحيط الهندى، ومملكة زنجبار على سواحل هذه الجزيرة، وتقع على درجة ٣١ من الخط الطولى الشرقى وعلى ست درجات ودقيقتين للخط العرضى الجنوبى.
ويبلغ طول جزيرة زنجبار ثمانين كيلو مترا، وعرضها خمس كيلو مترات ويبلغ عدد سكانها خمسمائة ألف نسمة.
وهواء الجزيرة المذكورة شهير ولها علاقات تجارية بجزيرة مورس وقارة أفريقيا وأراضيها صالحة للزراعة والفلاحة وفيها جميع أنواع المحصولات ويوجد على سواحلها عنبر أيضا.
سقطرة:
سقطرة إحدى جزر المحيط الهندى وتقع فى الجهة الشرقية من قارة أفريقيا وعلى بعد مائة وسبعين كيلومتر من رأس غار دافوى وعلى الجهة الشرقية منه أيضا وعلى درجة ٥٠ و ٤٥ دقيقة وأيضا على ٥٢ درجة وعشر دقائق من الخط الطولى الشرقى وإحدى عشرة درجة وخمسون دقيقة واثنتى عشرة وثلاثون دقيقة من الخط العرضى الشمالى.
وطول جزيرة سقطرة مائة وخمسة عشر كيلو متر وعرضها أربعون كيلو مترا ويبلغ عدد سكانها ستة آلاف نسمة تخمينا ومن محاصيلها الصبر الأصفر، واللبان، وأجود أنواع الصمغ الأحمر، والمرجان، وحب الهال.
الحسا (١):
إقليم الحسا من أقاليم الجزيرة العربية المتسعة، ويضم أكثر من مائتى قرية ومدينة.
стр. 2103
وكانت منطقة الحسا اسم دائرة ولما استولى عليها القرامطة أطلق على المدينة التى بناها أبو طاهر القرمطى وهى هجر الحسا، ويطلق على هذا الإقليم بلاد هجر وبلاد البحرين أيضا.
ويقع هذا الإقليم المتسع على الجانب الشمالى الغربى لمنطقة عمان وعلى طول سواحل خليج البصرة وفى الدرجة من ٤٨ إلى ٥٢ درجة فى الخط الطولى الشرقى ومن ٢٠ درجة إلى ٢٩ درجة فى الخط للعرضى الشمالى.
ويبلغ عدد سكانها مائتى ألف وخمسين ألفا تقريبا.
وبلاد خفوف ورأس الخيمة وقطيف العظيمة فى داخل إقليم حسا. وخصوبة أراضى الحسا شديدة ولها جزر كثيرة على ساحل البحر.
وأهم هذه الجزر جزيرة البحرين ومنها يستخرج أجود أنواع الصدف واللؤلؤ.
ويتكسب أغلب أهاليها قوتهم من صيد السمك واستخراج اللؤلؤ والصدف وتجارتهما.
وكان قديما أكثر عمرانا من الآن، وكان سكان قارة إفريقية فى الأوائل يأتون بأموال كثيرة وأشياء عديدة إلى قطيف بحرا ويبادلون أموالهم باللآلئ.
وكان موسم استخراج اللآلئ يبدأ من شهر يونيو ويستمر إلى شهر سبتمبر وكانوا يربحون من بيع اللألئ ثلاثمائة أو أربعمائة ألف جنيه إنجليزى. وكانوا يمتلكون ما يقرب من أربعة آلاف سفينة لصيد اللؤلؤ، وهذا دليل قاطع على ما كان عليه أهالى (القطيف) من ثروة وغنى.
ويروى أن فى قعر البحر منابع مياه حلوة، حتى إن الغواصين يحصلون على مياه شرب من فى السفينة من هذه المنابع.
وفى الحسا مياه معدنية كثيرة. إلا أنه ليس بين سكانها من يستطيع أن يحلل هذه المياه كيميائيا ليعرفوا خصائصها الصحية، لذا فإنهم يستخدمونها فى الحمامات للاغتسال.
وتسقى الحدائق والبساتين والمحصولات الزراعية التى تحتاج إلى ماء بهذه المياه التى تتبقى من الحمامات والمياه الأخرى التى تنبع من الجهات الأخرى.
стр. 2104
إن خصوبة أراضى قطعة الحسا وجودة مياهها تساعد كثيرا على نمو الأشجار والأغصان فالشجيرات الصغيرة التى تغرس تنمو فى ظرف أوقات قصيرة وتصبح أشجارا كبيرة. وتتضخم أشجار النخيل فيها بحيث لا يستطيع أن يحيط بجذعها عدة أشخاص حتى إن نباتات العدس والفلفل تصل إلى ضخامة أشجار الرّمان.
وتنبع أكثر أنهار الحسا من داخل الغدران فى اتساع مائة متر مربع وفى خمسة عشر باعا فى العمق ثم تتفرع ويسقى الأهالى أراضيهم ومزروعاتهم بهذه المياه وهم يفتحون حولها قنوات قدر ما يريدون.
ولا يستطيع الإنسان أن يصف ما تضفى هذه المياه من جمال وزينة، وهى تمر من داخل البساتين والحدائق والحقول أو من حولها وهى تجرى براقة صافية فى صورة دائمة.
وعلى بعد بلدة (حفوف) بساعة منبع ماء يطلق عليه عين النجم، ولما كانت مياه هذا المنبع أكثر قوة وفى غاية العذوبة من جميع مياه المنابع الأخرى فأهلها يستغنون عن الحمامات.
والأشخاص الذين يشتكون من الأوجاع والآلام يشفون بإرادة الله بالاستدامة على الاستحمام بهذه المياه، وقد شاع هذا التداوى بين الأهالى.
وقد بنى على هذا النبع قبة جميلة وأخذ تحت المبانى وجعلت على شكل الحمامات وذلك فى ظل الإرادة السلطانية السنية إذ أحسن إلى أهالى (حفوف).
والأراضى حول إقليم الحسا وسواحله منبسطة مستوية. ولما كان البحر لا يستطيع أن يجزر ويسحب المياه الفائضة فى حالة مد البحر وتظل مياه هنا وهناك فتتعفن المواد المختلطة بالمياه وتؤثر فى جودة الهواء وتغيره وتسبب علل الحمى والملاريا فتسوء صحة الأهالى فتذبل ألوان أهاليه وتصفر ويكثر فيهم من يصيبهم مرض الطحال.
وتقع جزر البحرين بين ٤٨ درجة وعشرين دقيقة فى الخط الطولى الشرقى وبين ٢٦ درجة وست دقائق فى خط العرضى الشمالى ومن هذه الجزر تستخرج أجود أنواع اللآلئ والدرر.
стр. 2105
وعرض جزيرة البحرين فرسخان وطولها سبعة فراسخ جغرافية وفى وسطها وأطرافها أماكن مرتفعة.
ويوجد فى خليج البصرة وعلى سواحل الحسا غير جزيرة البحرين جزر آراد وتاروت والمنامة وتتبع إدارتها لقائم مقام نجد واسم جزيرة البحرين الآخرين أوال.
ولما كانت أراضى إقليم الحسا منبتة، تنمو فى هذه القطعة المتسعة كل أنواع الفواكه والخضر والمزروعات المتنوعة الأخرى.
وأكثر مغروساته النخيل، كما ينبت فيه: القطن، والأرز، واللوز، والليمون، والرمان، والعنب، والتين، والقمح، والشعير، والذرة.
وإن كان يزرع فيه قصب السكر ولكنهم لا يعرفون طريقة زراعة هذا القصب ولا طريقة صنع السكر منه. وينسج فى تلك البلاد قماش صوفى يطلق عليه الكيلانى وتصنع منه أجمل العباءات والمشالح.
وكان سكان جزيرة البحرين القدماء من العماليق. وكانت قبيلتا جديس، وطسم قد انتشرتا إلى هذه الأماكن ثم استولى على البحرين الأزديون، وقد طرأ ضعف على العرب بعد حروب بخت نصر ظلت جزيرة العرب فى يد بعض القبائل المتفرقة وانتقلت إلى يد الفرس فى عهد أردشير بن بابك، وإن كان العرب خرجوا عن طاعة الفرس بعد موت أردشير، إلا أن شابور ذا الأكتاف انتصر على العرب وألحق البحرين بالبلاد الفارسية، وفى النهاية انتقلت إلى إدارة المناذرة الذين كانوا يحكمون فى الحيرة، وفى السنة السادسة من الهجرة أسلم بعض أهاليها وطلب بعض منهم أن يبقوا على دينهم وأن يعطوا الجزية، فعين العلاء بن الحضرمى واليا عليها من قبل النبى ﷺ .
إخطار-فى بيان القبائل العربية الساكنة فى إقليم الحسا .
ولما كان أهالى الحسا مائلين للتحضر فقد سكن بعضهم فى القرى وسكن الآخرون فى المدن. وقد ذكر فيما سبق عددهم وطريقة معيشتهم كل فى مكانه
стр. 2106
وسيذكر فيما يأتى الذين يعيشون فى حالة البداوة قبائلهم وعدد أفرادها ومواقع إقامتهم.
المرة:
تتكون قبيلة المرة، من ثلاثة آلاف نسمة، وتطوف هذه القبيلة دائما حول بلدة قطيف وجوارها.
بنو هاجر:
وإن كانت قبيلة بنى هاجر قبيلة مستقلة إلا أنها تشعبت من أصل قحطان.
ويعيش هؤلاء أيضا بجوار القطيف ويصل عدد أفرادها إلى أربعة آلاف.
بنو خالد:
يبلغ عدد أفراد قبيلة بنى خالد إلى عشرة آلاف ويقضى سبعة آلاف منهم حياتهم مرتحلين بين نجد وجبل (أيله) وفى الطعة المنسوبة للزبير بن العوام- رضى الله عنه-فى الأطراف الغربية، كما يعيش الباقون جائلين فى أطراف بلدة الحسا.
استطراد:
تنقسم قبيلة بنى خالد إلى قسمين، ينتهى قسم منها إلى الصحابى الجليل خالد بن الوليد-رضى الله عنه-والقسم الآخر ينتهى إلى أخى المشار إليه وأبناء عمه.
والقسمان من جماعة بنى مخزوم وبنو مخزوم من أعظم بطون قبيلة قريش.
وخالد-رضى الله عنه-ابن وليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، ويتصل نسبه هنا بنسب السلسلة الذهبية للنبى ﷺ .
وكان قائد الجيوش فى عهد أبى بكر الصديق-رضى الله عنه-وهو قاتل مسيلمة الكذاب وممزق أهل الردة وفاتح بلاد نجد المتسعة.
стр. 2107
وكان زمام إدارة بلاد نجد وإمارتها فى نهاية العصر الثانى فى يد أسرة تنتهى إلى أبناء عم خالد بن الوليد-رضى الله عنه-من قبيلة بنى مخزوم، ثم انتقلت إدارتها إلى محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
وظلت فى يد هذه السلالة السليلة إلى ظهور سعود بن عبد العزيز نسلا بعد نسل وأظهرت هذه الأسرة الهمة والنشاط فى حسن إدارة هذه البلاد، وفق عقيدة أهل السنة والجماعة وكانوا عامة من مذهب أهل السنة والجماعة واشتهروا بين القبائل باسم آل عريعر وكانوا محترمين ومقدرين بين أهالى نجد وانتزع فيما بعد نجد سعود بن عبد العزيز.
آل عريعر:
بطن آل عريعر أبناء عم أمراء بنى خالد الذين يعيشون بين برية الشام وبلدة حماة، لأن أمراء بنى خالد الذين يستوطنون بين برية الشام وحماه ويشتهرون ويعرفون ب آل عبد القادر. وعبد القادر هذا ناصر بن العاصى بن مهنا بن سليمان بن مهنا بن محمد بن فارس ابن عبد الكريم بن مهنا (١) بن فضل بن محمد بن عبد الرحمن وهنا اللقاء بسلالة آل عريعر. وأبو عبد الرحمن المذكور هو خالد بن الوليد رضى الله عنه.
وانقسمت أسرة ناصر إلى قسمين: أحدهما بطن مراد بن جابر بن ناصر.
وكريمة ابن جابر هى زوجة السيد حسين برهان الدين الصيادى الرفاعى زيانة الخالدية.
وزيانة الخالدية مدفونة مع ابنها السيد على الحزام بن سيد حسين برهان الدين فى قضاء معرة النعمان وفى قرية حسين وضريحها المشهور من مزارات الموحدين.
والقسم الذى انفصل عن ابن ناصر والذى ينحصر فى أسرتهم إمارة عشائر قطعة الشام انقطعت الإمارة عند مراد بن جابر السالف الذكر.
стр. 2108
القسم الثانى لأسرة ناصر هو عبد القادر الشهير أخو جابر وأمير قبائل بنى خالد. وابن الأمير عبد القادر دندن وابنه محمد وأبناء محمد الحاج درويش وعبد الرازق، وأخلاف هؤلاء وأحفادهم مازالوا إلى اليوم يتولون رياسة قبائل بنى خالد وإمارتها.
وقبائل بنى خالد التى سكنت برية الشام تنقسم إلى سبعة أبطن أحد هذه البطون هم بنو خالد الذين فى قطعة زرقا بالقرب من دمشق وعدد أفرادهم أربعة آلاف نسمة، والبطون الستة الأخرى التى تستكن فى بوادى حمص وحماة ومعرة النعمان وجسر وثغور يبلغ عدد أفرادها ثمانية أو عشرة آلاف، وبعض أفراد هذه القبائل تسكن البادية ولكن أكثرها يسكنون فى القرى وهم من أصحاب الزراعة والفلاحة منذ قديم.
منطقة نجد وما تشتمل عليه من البلاد:
من أعظم أقسام جزيرة العرب قطعة نجد المتسعة.
وتصل حدود هذه القطعة الضخمة شمالا إلى بر الشام وشرقا إلى عراق العرب والحسا وجنوبا إلى الأحقاف واليمامة وغربا إلى حدود الحجاز.
ونجد من حيث الأراضى أشهر بلاد الجزيرة العربية وأجملها وتقع بين ٣٩ درجة إلى ٤٦ درجة من الخط الطولى الشرقى. وبين ١٩ درجة إلى ٣٠ درجة من الخط العرضى الشمالى وتنقسم إلى قسمين باسمى نجد الحجاز ونجد عارض.
ويقع نجد الحجاز فى الطرف الشرقى من البلاد الحجازية كما أن نجد عارض يقع الجهة الشمالية من البلاد الحجازية والبلاد الآتية أسماؤها من ضمن نواحى نجد الحجاز وهى: عارض، يمامة، شعرا، خرق، ضرية، أفلاج، هيلك، وادى الدواسير، رس، وادى السرا، سلايل، نيرين، مرثد، بلاد الوشم، كرموسة، بلاد الفصم، تمن، سدير، بشهر، درعية، ربطة وعيينة.
وللخطة المذكورة ثلاثمائة وأربعون قرية ومدينة، وبناء على حساب المدققين فإنها تشمل أكثر من مائة وأربعين ألف من البساتين والحدائق، وأن عدد سكانها
стр. 2109
يتجاوز مليون نسمة، كما أن فى نجد عارض ثلاثة آلاف قرية، وأن هذه القرى ظلت تحت حكم شيوخها ولم تخضع لأية حكومة بناء على بعض الروايات.
شعراء:
تقع ناحية شعراء على خمس مراحل من مكة المكرمة وناحية ضرية فى الجهة الشمالية لشعراء، وهيلك بالجانب الشرقى على بعد ثمانى مراحل من شعرا، وفى الجهة الغربية من اليمامة.
وتشمل ناحية شعرا بعض الآبار والمزارع وضرية على غدير كبير واليمامة على بعض حدائق النخيل وكثير من المزارع.
تمن:
تقع تمن فى الجهة الجنوبية من كرموسة، وناحية كرموسة على الجهة الجنوبية من ضرية ولناحية تمن كثير من أشجار النخيل، ولكرموسة مياه جارية من الغرب إلى الشرق ولناحية الرس بئر مشهورة. ولسكان ناحية الرس آبار أكثر بالنسبة للنواحى الأخرى.
وتبدأ أراضى نجد العارض من مكان بعيد إلى الحجاز بمسافة ثلاث مراحل وتمتد إلى الجهة الشمالية وهو فى الأصل جبل يشتهر بجبل العارض ولهذا الجبل مدخلان باسمى الدرعية والعينية.
والجبل المشهور بسرين فى هذه الأراضى ونهر وادى بنى حنيفة فوق الجبل المذكور.
وفى وادى بنى حنيفة مياه جارية وحدائق نخيل وأشجار أخرى والدرعية منشأ كثير من الملحدين مثل القرامطة ومسيلمة الكذاب والدرعية فوق جبل سرين السالف الذكر كما أن مدينة الحسا على الطريق المشهور ممر القوافل والحجاج.
وينمو بجانب مدينة الحسا وحواليها أشجار الخوخ البرية وحدائق العنب والنخيل فى واد كثير التعرج.
стр. 2110
ومدينة ملهم المشهورة بالعنب والخوخ والبلح وقصب السكر على بعد ست مراحل من الحسا، كما أن مدينة مقرن التى تحتوى على النخيل هنا وهناك والمزارع وحصنا ترابيا يقع على الجهة الجنوبية من اليمامة وهذه المدينة أقرب المدن إلى بلدة الدرعية.
وال (رياض) التى أصبحت مقر إدارة وحكومة عبارة عن القرى الكثيرة والمدن وهى قريبة من الحسا.
وناحية مزج فى حدود اليمامة وبلاد القصيم فى آخر الصحراء الرملية التى تسمى وادى السرا ولا توجد سواء أكانت فى ناحية مزج أو القصيم النخيل أو الأشجار. وناحية مزج صحراء رملية مستوية تمتد خمس عشرة مرحلة وبما أنه ليس لها مياه جارية تروى مزروعاتها بالمياه التى تستخرج من الآبار بواسطة السواقى.
وفى قطعة نجد نواح كثيرة ومدن وقرى وجبال مثل جبل شمر وغيره ولما كانت أكثر أراضيها رملية مستوية وليس فى كل أراضيها مياه جارية. فإن مزروعات مثل هذه الأراضى تسقى بمياه الأمطار كما أن حدائقها تسقى من الماء المستخرج من الآبار.
والخيول العربية الأصيلة وأجود أنواع الهجين العمانى تربى فى هذه القطعة، كما أن الجمال العادية تتكاثر هناك بسرعة.
وبما أن أهالى البلاد المجاورة مضطرون لشراء ما يحتاجون إليه من الجمال من نجد لذا أطلق عليها العرب القدماء أم الإبل.
ومقاطعة نجد المرتبطة بالبصرة ليست القطعة الوسيعة التى تشمل المدن والقرى ولكن هذه المقاطعة بعض الأماكن التى فصلت عن بلاد البحرين.
فى بيان القبائل البدوية الساكنة فى منطقة نجد:
عنزة:
وإن كان عربان قبيلة عنزة تتجول فى داخل القطعة الحجازية ولكن أكثرها تعيش فى الجهة الشمالية من قطعة نجد.
стр. 2111
الذويبى:
وقبائل العربان من أفرع قبيلة حرب الحجازية، الذويبى، الفرم، بنى سالم، بنى نخيض تسكن بين الأماكن الواقعة بين المدينة المنورة وبلاد القصيم، ويبلغ عددهم إلى أربعة عشر ألف شخص تقريبا.
عجمان:
وإن كان منازل قبيلة عجمان ومأواها الأصلى المكان المسمى بوادى نجران إلا أنها تمضى أوقاتها بين بلدة الرياض والرملة وأراضيها. وعربان هذه القبيلة فى منتهى الشجاعة ومحاربون من الطراز الأول ويقرب عددهم من ستة آلاف نسمة.
قحطان:
انقسم أفراد قبيلة قحطان إلى قسمين: ويسكن قسم منهم فى الأماكن الممتدة من رياض إلى زنبة والقسم الآخر فى بلدة حوطة وجوارها. ويبلغ عدد أفراد هذه القبيلة ثلاثين ألف نسمة.
وأقدم القبائل المذكورة بنو قحطان وأكثر القبائل العربية التى ذكرت تتفرع من هذه القبيلة القديمة.
وإحدى شعب القبيلة المذكورة فى داخل حدود عسير وهذه الشعبة انقسمت إلى أربع قبائل كبيرة التى تعرف بأسماء قحطان الشام، قحطان اليمن، رجال الماء، المتصدقة بنفوسها.
الدواسر:
بما أن قبيلة الدواسر تسكن فى محل يسمى وادى الدواسر فى الجهة الجنوبية من الرياض سموا بدواسر ويبلغ عدد أفرادها خمسة عشر ألفا.
فى بيان القبائل الخاضعة لإدارة شيخ جبل شمر:
جبل شمر:
جبل شمر مكان واقع على الشمال الشرقى من المدينة المنورة على بعد ثمانية مراحل.
стр. 2112
وهذا المكان تحت إدارة أسرة ابن رشيد تحت إمرة وإدارة أمير نجد وأكثر مدن شمر شهرة وعمرانا مدينة حائل التى يبلغ عدد سكانها عشرين ألف نسمة، وقد اتخذها حاكم جبل شمر مقرا لإقامته.
وفى جبل شمر غير حائل أربعون قرية صغيرة وكبيرة. وإن كان عدد سكان هذه القرى يبلغ ثمانين ألفا إلا أن القبائل العربانية التى تحت إمرة شيخ جبل شمر تبلغ عشرين ألفا وهى قبيلة شمر وما يزال بعض منها يسكن تحت الخيم.
ولما كان المقال الذى كتبه السيد فضل باشا عن الجزيرة العربية يحتوى على بعض المعلومات النافعة فرأينا أن ندرجه هنا بأمر الباشا المشار إليه.
مقال فضل باشا فى وصف جزيرة العرب:
مدن مكة المكرمة وصنعاء ودمشق والقاهرة عروش البلاد العربية. وبدخول هذه المدن تحت إدارة الدولة العلية دخلت تحت عداد الممالك العثمانية. ولما كانت الجزيرة العربية خالية من السلاطين والملوك فمشايخ العرب يدعون فى المنابر للسلطنة العثمانية السنية. وتعرف ذلك الدول الأخرى أيضا.
وعين هؤلاء المشايخ بأمر السلطان أو أوامر الولاة العظام. وهذه الأوامر محفوظة فى قلم الديوان العالى السلطانى ومن المعلوم لدى الواقفين على الأمور أن ما يحدث بين القبائل العربية من الحروب ومن الثورات والعلاقات مع الدول الأجنبية لا يخرجها من تحت تبعية الدولة العثمانية. ووسيلة معيشة أكثر العرب الذين يعيشون على السواحل هى التجارة بحرا، وسيد السمك واللؤلؤ والمرجان والتجارة البحرية وسيلة معيشة ما يقرب من أربعين ألف سفينة، وحمولة أكبرها عشرة آلاف كيلو وأصغرها تستوعب ألف كيلو. والسفن الخاصة بغواصى اللؤلؤ والصدف والمرجان وصيادى السمك خارج هذا الحساب، وأعلام أكثر تلك السفن حمراء وسبب ذلك عدم معرفتهم صفة علم الدولة العلية، وطواقم تلك السفن من الربان، والدليل، والملاحين والغواصين والآخرين كلهم من العرب. ورجال السفن التى تبحر فى البحر بين السويس والبصرة يتجاوز عددهم خمسين ألف شخص. وتقطع هذه المسافة فى ظرف خمسة عشر يوما.
стр. 2113
ومن المؤكد أن إخضاع الممالك التى تحت إدارة الشيوخ للنظام وحسن إدارة مثل هذه البلاد تحت الحكومة السنية سيحقق فوائد معنوية ومادية كثيرة. وإذا تعرضت جزيرة العرب لأى تدخل أجنبى فمن الواجب حمايتها من قبل الدولة السنية. لأن اختيار السكوت يبطل حق التصرف. وسواحل البحر الأحمر وجزره تابعة للدولة العلية والسواحل المذكورة شرقا وغربا قسمان:
القسم الأول:
والجهة الشرقية لجزيرة العرب تمتد من السويس إلى باب المندب ومن باب المندب إلى نقطة قصير. ومن جهة أفريقيا الغربية كذلك من السويس إلى باب المندب ومن باب المندب إلى رأس عسير.
وموانى الجزيرة الشرقية هى: السويس، الوجه، ينبع البحر، جدة، الليث، قنفذة، اللحية، حديدة، المخا وموانيها الغربية السويس، قصير، سواكن، مصوع، عصاب.
القسم الثانى:
والموانى الموجودة من خارج باب المندب فى الجهة الشرقية من سواحل البحر الأحمر هى: عدن وباب المندب، وفى الجهة الشرقية من سواحل البحر الأحمر هى: عدن، حسن غراب، بروم، مكلا، شحر ورأس قصير وفى الجهة الغربية من البحر الأحمر هى: زيلع، بربرة، والموانى الأخرى إلى رأس عسير.
وسواحل البحر الأحمر فى إفريقيا الغربية تحت إدارة الخديوية المصرية وكل سكانها مسلمون. وأجناسهم من السودانيين والدناقل والصوماليين. وفى الموانى سفن لا بأس بها. وما فى الداخل برا أجناس مختلفة من الناس وأديانهم متعددة. ولكن بلاد الصومال مرتبطة بالدولة وتحت إدارة الخديوية المصرية وعدد سكانها أربعة ملايين ولها موانى فى المحيط الهندى وكلهم مسلمون وفيهم أمراء.
وفى الصومال خيول كثيرة ويباع الحصان واحد بليرة والمسافة من باب المندب إلى عدن برا أربعة أيام. ومن عدن إلى شحر أربعة عشر يوما.
стр. 2114
وفى السواحل موانى عديدة، وهى تحت إدارة بعض مشايخ العرب. والمدينة الواحدة التى تحت الإدارة الانجليزية هى عدن.
والمسافة من شحر إلى قصير ثلاثة أيام والجهة الساحلية تحت إدارة شيخ يسمى (قعيطى)،ومن البر إلى الداخل، ومن بلاد حضرموت تحت إدارة الشيخ منصور الكثيرى، ومن قصير إلى محل يسمى دمقوط مسافة عشرة أيام وفى الساحل العديد من الموانى وهى تحت إدارة بعض مشايخ العرب. ومن دمقوط إلى محل يسمى (حاسك) مسافة خمسة عشر يوما ويقال لها ظفار، وهى تحت إدارة الأمير السيد فضل علوى باشا. والمسافة من حاسك إلى مسقط تقدر بخمسة وعشرين يوما وفى الساحل عدة موانئ تحت إدارة بعض مشايخ العرب.
ومنطقة مسقط تحت إدارة أميرها ومساحتها المربعة مسافة خمسة أيام. ومن اليابسة إلى الداخل يتبع أمير نجد، والسواحل إلى الحسا فى يد بعض مشايخ العرب ومن الحسا إلى البصرة فى يد الدولة العلية مباشرة. والساحل الغربى لخليج البصرة من الجزيرة العربية فى يد الدولة العلية والساحل الشرقى يعرف ببر فارس وهو بين الدولتين. وإن كان هذا الخليج مشتركا بين الدولتين ومن هنا يلزم أن تكون الجزر القريبة من الساحل الغربى للدولة العلية والقريبة من الساحل الشرقى لدولة الإيران إلا أن الخليج يتبع الدولة العلية دون اشتراك أحد ومن هنا يجب أن تتبع جميع الجزر الدولة العلية.
إخطار-إذا ما تأملنا بعض الخرائط الأوربية ففى الألوان والإشارات التى تبين شكل مربوطية بعض الملحقات ارتكبت أخطاء فاحشة. انتهى المقال.
стр. 2115
عادات العرب وأيامهم
العادات والمذاهب القديمة لسكان جزيرة العرب:
أولا: العادات القديمة:
لم يكن فى عهد عمرو بن لحى-الذى أدخل إلى الجزيرة العربية عبادة الأصنام-للعقائد الباطلة والعادات الفاسدة حد ولا نهاية فى الجزيرة العربية.
إطلاق الحيوانات فى المراعى وتركها حرة عد ذلك ثوابا، وعد استخدام الحيوانات التى أطلق سراحها حراما، إسقاط ميراث العبد المعتق، وإطلاق الناقة التى تلد ذكرا فى خامس مرة بعد قطع أذنيها فى الصحراء، وعدم استخدام النياق التى أطلقت مرة أخرى، وعدم أكل لحم ولبن وزبادى وزبدة مثل هذه الحيوانات، كل هذه العادات والبدع مما اخترعه عمرو بن لحى بالذات (١).
وكان الذين قبلوا رياسة هذا الرجل والذين أتوا من بعده من الجاهليين يطلقون سراح الناقة التى ولدت فى خامس مرة ذكرا شاقين أذن الناقة كعلامة مميزة، ويتركونها فى المراعى ويسمونها (بحيرة) (٢) ولا يركبونها ولا يشربون لبنها بعد الحلب.
وإذا ما مرض شخص، أو غاب، كانوا ينذرون بتحرير ناقة قائلين «إذا شفى مريض وأبل من مرضه فلتكن ناقتى هذه حرة».
وإذا ما تحققت رغبتهم يسمون الناقة التى نذروا إطلاقها سائبة (٣) فيشقون أذنها
стр. 2116
مثل (بحيرة) ويتركونها فى المراعى. بحيث لا يجوز بعد ذلك لأى شخص أن ينتفع بهذه الناقة.
وإذا ولدت نعجة فى البطن السابع ذكرا فيذبحون هذا الحمل تقربا لأصنامهم التى يعبدونها ثم يأكلون لحمه أما إذا كانت أنثى يتركونها لحالها.
وإذا كانت هذه النعجة ولدت توأما ذكرا وأنثى، يسمون الذكر وصيلة (١) فيهدونه لأخته الأنثى ولا يذبحونه. وكانوا يضربون مثلا لهذه الحالة فيقولون:
«وصلت الأنثى أخاها».
وإذا ما ولدت ناقة ما عشرة صغار يفقئون إحدى عينيها ويمنعون ركوبها ويسمونها حام (٢) وكى يبينوا أنها قد اكتسبت صلاحية الرعى من أى حقل وأن تشرب من الماء الذى ترغب فيه، فينزعون لجامها ويتركونها ويعتقدون أن استخدامها فى الحمل أو الركوب حرام.
وكل هذه العادات الباطلة من اختراع عمرو بن لحى الذى بذل جهوده وعمل على ارتداد السبع قبائل الكبيرة عن دين واجب التبجيل سيدنا إبراهيم الخليل- عليه صلوات الجليل-وعلى اعتناق عبادة الأوثان الدين الجاهلى الباطل.
وقدر الله- -صيحة هذه البدع التى أراد بها عمرو بن لحى أن يحمل القبائل العربية إلى عبادة الأوثان إذ قال الله تعالى:
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة/١٠٣].
وكان فى زمن جاهلية العرب من العادات مثل «وأد البنات، الوسم، التعمية، التفقية، مداواة العسر، ضرب الثور على النقر، بكاء المقتولين، رمى السن، خضاب النحر، نصب الراية، جز النواصى، الالتفات، النهق، الاعتقاد، السلوان ويروى أن هذه العادات أيضا من اختراعات عمرو بن لحى.
стр. 2117
وأد البنات:
عادة دفن المولودة الحديثة حية. إذا ما ولدت امرأة أى رجل بنتا فى الوقت الجاهلى كان الرجل يأخذ هذه الطفلة من شدة خجله ويدفنها حية، ويغضب من الذين يخبرونه بولادة بنت له. ويغتاظ منهم.
وكان أهل مكة قد تعودوا على أن يدفنوا بناتهم فى جبل يقال له «أبو دلامة» فأقام جد الشاعر الشهير الفرزدق وهو «صعصعة» فوق هذا الجبل وحرص على أن يشترى البنات البريئات اللاتى يأتى بهن أهل مكة لدفنهن فى الجبل بأثمان باهظة.
الوسم:
عادة ربط جمل الشخص الذى يموت بجانب قبره، فبناء على العقيدة الجاهلية كانوا يربطون جمل الذى توفى بجانب قبره معتقدين أنه سيركبه حينما يقوم من قبره، وكان الحيوان المسكين يظل بجانب قبره إلى أن ينفق.
وكانت هذه العادة محصورة فى أغنياء القبائل. وكل من بلغ عدد جماله ألفا كان يختار من بينها جملا ويفقأ عينه وإذا ما بلغ عدد جماله ألفين يفقأ عينيه الاثنين. ويعميه وكانوا يعتقدون أن مثل هذا التصرف ينجى بقية الجمال من إصابة العين.
التعممية والتفقية: من فقأ عين الجمل احترازا من الحسد.
مداواة العسر: عادة وسم جمل سليم.
وكان فى العصور الجاهلية مرض يشبه ممرض الجرب. عندما يظهر هذا المرض كانوا يسمون الجمال ويعتقدون بأن هذا الوسم ينقذ الجمال من الإصابة بالمرض المذكور ويسمّون هذا مداواة العسر.
ضرب الثور على النفر: عادة ضرب الثور النافر.
وكان أهل الجاهلية يعتقدون أن طائفة الجن تركب الثيران وتمنعها من شرب الماء، لذلك كانوا يضربون الثيران النافرة عند شرب الماء.
стр. 2118
بكاء المقتولين: عادة البكاء لمن يقتلون.
كان من العادات الجاهلية امتناع زوجات المقتولين عن البكاء قبل أن يؤخذ بثأر أزواجهم. ويبكين وقتما يؤخذ ثأر أزواجهن.
رمى السن: وهى عادة جاهلية.
وكان الأطفال فى الجاهلية فى أوان تبديل أسنانهم يمسكون بالسن المخلوعة بين أصابع إبهامهم وسبابتهم ويرمونها نحو شعاع الشمس قائلين»: «بدلها بأجمل منها» وكانوا يعتقدون أنها إذا رميت كذلك فسوف تخرج السن مستوية وأن الأطفال لن يعانوا من وجع الأسنان طوال عمرهم.
خضاب النحر: عادة تلطيخ النحر بالدماء.
وإذا سبق أحد الخيول، الخيول الأخرى فى أثناء الصيد ووصل إلى الفريسة قبلها كان تلطيخ نحر ذلك الخيل بدماء الفريسة التى قبض عليها من جملة آداب عرب الجاهلية.
نصب الراية: عادة رفع الأعلام أمام المنازل:
كان أهل الجاهلية ينصبون أمام أبواب منازلهم راية حتى تعرف.
جز النواصى: عادة تخطيط الجباه.
عندما كانت القبائل العربية تحارب بعضها البعض وتؤخذ أسرى فإذا أرادوا أن يحسنوا للأسير كانوا يخطون خطا على ناصيته ويخلون سبيله.
الالتفات: عادة ألا ينظر من يخرج للسفر خلفه وقت السفر.
كان العرب يزعمون فى الجاهلية أن أى واحد يخرج للسفر ويلتفت خلفه لن يعود من ذلك السفر.
النهق: عادة النهق مثل الحمير.
كان يعتقد عرب الجاهلية أنهم إذا ما نهقوا مثل الحمير عند مدخل قرية
стр. 2119
مصابة بالمرض لن تصيبهم العلة، لذلك عندما يدخلون مثل هذه القرى يدخلون ناهقين.
السلوان: اسم نوع من الخرز.
فالمتبلون بمرض العشق إذا ما نثروا فوق الماء الخرز المسمى بسلوان وشربوا من هذا الماء يستطيعون أن يتحملوا المرض مهما كان شديدا.
إن سوء أحوال أهل الجاهلية ليدل على بطلان عقائدهم، وهناك حكايات غريبة وعجيبة ولكن حجم هذا الكتاب لا يكفى لاستيعابها؛ لذا اكتفينا بهذا القدر.
المذهب القديم:
كان جميع سكان الجزيرة العربية قاطبة قد اتبعوا دين وملة خليل الله إبراهيم ﵇-ولكن لشدة الأسف أصبحوا مع مرور الزمن أميين لا يعرفون القراءة والكتابة، ولم يبق كتاب يصدق أركان ذلك الدين الحنيف وشرائطه. ولم يبق بينهم من يلجئون إليه عندما يختلفون فى مسألة ما لحل مشكلاتهم من أرباب الشريعة والاجتهاد، فاشتدت جهالتهم بالتدريج فانتهوا إلى الشرك والزندقة، واستولت عبادة الأصنام بناء على رأى عمرو بن لحى وتصويبه على مدينة مكة المعظمة قبل الهجرة النبوية بخمسمائة عام، أو على قول بثلاثمائة وخمس عشرة سنة، وأخذوا ينكبون على عبادة الأصنام التى صنعوها بأيديهم.
وقد ظهر بينهم بعض السحر والكهنة وأخذوا يخبرونهم عن الغيبيات رجما بالغيب ولما صادف أنه تحقق بعض ما أخبروه فانخدعوا بهم، وأخذوا يستعينون فى حل مسائل دينهم ومشكلات حياتهم بهاتين الطائفتين المضلتين وأخذوا يتلقون قبولا حسنا كل ما يقولون بل تسابقوا فى مضمار الضلال.
وأراد قصى بن كلاب بن مرة-وهو أحد أجداد النبى ﷺ -قبل الهجرة النبوية بمائتى سنة أن يعيد أهل مكة إلى دين خليل الله، وقد انتزع رياسة مكة المكرمة واستولى عليها، إلا أنه لم يوفق فى ذلك؛ لأن العقائد الباطلة التى
стр. 2120
انتشرت فى عهد عمرو بن لحى، كانت قد سرت فى عروق أهل مكة كما تجرى الدماء الفاسدة وتمكنت من أعصابهم.
وكان أهل الجاهلية الذين عاشوا فى عهد قصى بن كلاب فى حالة بداوة كالقبائل العربانية، وكان أكثرهم يعتنقون عبادة الأصنام والأوثان، وكان لكل قبيلة صنمها الخاص بها إلا أنهم من حيث العقيدة منقسمين إلى عدة فرق.
١ - الفرقة الأولى-كانت تنكر الخالق والبعث وتحاول أن تثبت أن الطبيعة تحيى والدهر يفنى.
٢ - الفرقة الثانية-كانت تعترف بالخالق وابتداء الخلق ولكنها تنكر البعث.
٣ - الفرقة الثالثة-كانت تعترف بالخالق وابتداء الخلق ونوعا من البعث ثم أنكروا ذلك وعبدوا الأوثان ظانين أنها ستكون شفعاء لهم لدى الله- -وكانوا يحجون بالطواف حول الأصنام ويتقربون لها بذبح الذبائح كما أنهم يحرمون ويتحللون من الإحرام.
وكان بينهم من يعبد النجوم والكواكب مثل الآشوريين، ومن يعبدون الحيوانات مثل المصريين ومن يعبد الملائكة والجن، وكان منهم من انحرف لمذهب من يعتقد فى تناسخ الأرواح.
وكان الذين يعتقدون فى تناسخ الأرواح يظنون أن أجزاء أجسام الذين يتوفون تتحد وأنه يتكون من الأجزاء التى تجمعت فى كل مائة سنة طائر، والطائر الذى يتكون من كل جنازة سيأتى إلى رأس القبر الذى تدفن فيه تلك الجنازة وكان بينهم من اعتنقوا اليهودية والنصرانية.
إلا أنهم كانوا يجتنبون الزواج بأخواتهم وأمهاتهم واستفراشهن والجمع بين أختين فى الزواج.
وكانوا يستنكرون ويستقبحون من يتزوج من زوجات آبائهم، ويعيبون عليهم ارتكاب مثل هذه الأعمال الآثمة.
وكانوا يعدون المضمضة والاستنشاق والاستنجاء واستعمال المسواك وقص
стр. 2121
الأظافر واستخدام الموسى من عاداتهم القديمة، وكانوا يعنون بإجراء هذه الأمور أعظم عناية.
كما كان مما يرغبون فيه من عاداتهم، الاغتسال من الجنابة، الصوم، الحج وزيارة بيت الله، ولبس الإحرام والذهاب للعمرة، وطواف كعبة الله والسعى بين الصفا والمروة، والوقوف على المواقف ورمى الجمار، وقطع يد السارق، والختان، وشنق قطاع الطرق، وترك الجدال والحرب فى الأشهر الحرم، وترك الجدال والحرب فى الأشهر الحرم، وغسل الجنازات وتكفينها والصلاة عليها، والوفاء بالعهد، وقد رفضت الشريعة الغراء الإسلامية من هذه العادات مالا يتفق مع مبادئ الإسلام.
صلاة الجنازة:
صلاة جنازة العهد الجاهلى كانت صلاة غريبة. كانت الجنازة توضع على المصلى، ويتقدم وليها فيذكر محاسن الميت واحدة تلو الأخرى وما الحسنات التى قدمها الميت للآخرين يذكر ذلك بالتفصيل ويعدده ثم يسكت بعد ما يقول «عليك رحمة الله» هذه هى ما يطلق عليه أهل الجاهلية صلاة الجنازة.
وظلت هذه الضلالة إلى أن أشرقت الأنوار المحمدية وسطعت فوق الآفاق وانتشرت إلى أقطار العالم الأربعة فزال ظلام الكفر والجهالة من الجزيرة العربية واعترف الكل بوحدانية الله تعالى، وانتشرت أضواء شموس سموات الحقيقة الإسلامية فى جميع أنحاء العالم. وظلت الأرض والزمان فى داخل نور الوحدانية الإسلامية.
إخطار:
وحينما عممت القوانين والنظم المبسوطة على القبائل البدوية وطبقت أحكامها فى ذلك الوقت انقسمت القبائل العربية إلى القبائل الأخرى الصغيرة وعند اللزوم كان شيخ القبيلة الكبيرة يجمع بعض المسنين ليستشيرهم فى الأمور التى تحتاج للحل.
стр. 2122
وقد جال بعض الراغبين فى الاطلاع على أحكام القوانين والنظم التى وضعها مشايخ العرب المحترمين قبل هذه السبعة أو الثمانية قرون، فى أكثر أجزاء الجزيرة العربية وابتدروا فى نشر ما كتبوه من الرسائل وكتب السياحة، ولكن فهم مما كتبوه أنهم لم يستطيعوا أن يطلعوا على القوانين العربية كما يجب ومن هنا وصلت معرفة أصول القوانين العربية تلك لدرجة الوجوب للذين يريدون أن يسيروا فى الجزيرة العربية سواء أكان بحكم وظائفهم أم لمحض المشاهدة والسياحة، لأجل ذلك كتب كاتب الدائرة الحكومية للمدينة المنورة على موسى أفندى رسالة باللغة العربية بتشويق من تشجيع الدكتور «رائف» أفندى من موظفى إدارة صحة الولاية الحجازية والذى أقام عدة سنوات فى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد وصلتنى نسخة من تلك الرسالة بواسطة رائف أفندى المشار إليه ومن هنا رأيت إدراج بعض الفقرات منها فى هذا الفصل.
ولما كان على موسى أفندى منذ سنين كثيرة يتولى رياسة سكرتارية القسم العربى للدائرة الحكومية فى المدينة المنورة كما استخدم فى قسم الترجمة للعربان أصبح مطّلعا على العادات الجارية والأطوار والقوانين بين العربان وما أدرجه فى رسالته من المواد هى نفس القوانين والأنظمة التى بين العربان وقد صدق على ذلك من يعرفون القوانين العريانية وأهالى الحرمين الشريفين موقعين على ذلك.
стр. 2123
النظم والقوانين الجديدة عند العرب كا
(الخمسة، والسمية ، والعوانى، والمنن، والمجبودة)
الخمسة، والسمية:
يطلق على اتصال شخص بالآخر بنسب حتى الدرجة الخامسة والرابعة والثالثة خمسة، والطوائف التى يتصل نسبها بعد الجد الخامس يطلق عليهم «سمية».
إن أفراد طائفة السمية يوردون أسماءهم بإضافة اسم آخر مخلص «حتى يضيفوا لاسم جدهم السادس شهرة وليضيفوا لنسبهم شرفا ومكانة.
مثلا إن أحدا من العربان المسمى ب «عويضة» يسمى ابنه باسم سمية وعويضة وذلك ليبين أن ابنه هذا وصل للبطن السادس، مثلا إذا كان اسم ابن عويضة الرابع «حميد بن حمدان بن حمود بن حمد» فحميد يعد من «السمية».
ويمكن أن يكون تحت السمية سميات أخرى متعددة. أى يمكن أن يكون لجد إحدى السميات أولاد متعددة ولهؤلاء الأولاد أطفال كثيرون فيكون هؤلاء قد كونوا سميات كثيرة متعددة مشهورة بأسمائهم.
مثلا إذا فرض أن لعويضة ابنان وهما «سالم، وحامد» وإذا كان كل من سالم وحامد كثير الأولاد فيعتبرون هؤلاء من سمية عويضة وينقسمون إلى سميتى سالم وحامد. ولكن بما أن سالم وحامد قد تفرعا من سمية عويضة يقال لهما سمية عويضة أيضا.
واختراع القبائل العربانية مثل هذه الأشياء وعادات «خمسة، وسمية» وقبولهم ذلك بسبب الحصول على حقوقهم من أعدائهم بسهولة، مثلا إذا ما قتل أحد من عربان القبائل أو ضرب أو نهبت أمواله وممتلكاته، وإذا لم يستطع المضروب
стр. 2124
القبض على الفاعل الأصلى فإنه إذا قبض على خمسة متفرع من جده الخامس أى إذا قبض على أى واحد من أبناء الفاعل الأصلى يأخذ حقه منه ويستوفيه. والموظفون فى الحكومة يعملون وفقا لهذا القانون فى زماننا.
ويعود سبب اتباع الحكومة للقوانين العربانية إغارة العربان على أبناء السبيل والحجاج والزوار ونهب أموالهم ولا سيما الغرباء، والتجار يتعرضون من جراء هجماتهم لخسائر عظيمة.
وإذا ما قتل أحد العربان وأحدا من أبناء السبيل فى أى وقت كان أو نهب وسلب أموال التجار والمسافرين يهرب إلى الصحارى والجبال حتى لا يقبض عليه ويختفى. وتحاول الحكومة أن تقبض على الجانى لتستوفى حقوق المجنى عليه وتتعرض لمشكلات كثيرة فى سبيل ذلك وفى النهاية تفشل. وبناء على ذلك لجأ عقلاء المدينة المنورة لاستيفاء حقوق الناس وفقا للقوانين والنظم التى كانت مرعية بين العربان قبل هذا بثلاثة قرون أو خمسة وعملوا على تعديل وإصلاح ما كان صالحا للقبول، وقبلت الحكومة أيضا بعد إصلاح بعض أحكامها ليتسنّى لها العمل بهذه القوانين.
وإحدى المسائل التى قبلت من قبل عقلاء أهل المدينة وعدّلت مسألة «الدم والمال فى الخمسة» التى يراعى حكمها بين القبائل البدوية.
وإن هيئة تعديل القوانين العربانية التى تكونت مقدما من سادة الأهالى صححت الفقرة القانونية التى تكفل البحث عن القاتل والسارق الأصلى أو عن خمستهما بفقرة «الدم فى الخمسة والمال فى السمية» أى تقرر أن تؤخذ دية دم المقتول من قبل الورثة من الذين تسلسلوا من جد القاتل الخامس مثل العم وأبناء العم كما أن المال المسروق يؤخذ من خمسة السارق ومن سميته أى من أعمامه الذين تشعبوا من جده الخامس والسادس وأبناء عمه، وعملت الهيئة على أن تجرى الأمور الخاصة بالحقوق على هذه الصورة وأخذت موافقة العربان على هذا التغيير وتصديقهم. وبهذا قدموا أعظم خدمة بالنسبة للذين سيأتون من بعدهم.
стр. 2125
ويستعمل عربان القبائل قانونى الخمسة والسمية فى بعض الأحكام الأخرى.
مثلا، إذا ما فرض أن أحد من سمية قبيلة ما تسلط على شخص من عشيرة أخرى بالقتل أو النهب لأموال فحكم القانون الخاص بحالته يجرى فى حقه وحق خمسته.
إذا كانت الحالة متعلقة بقتل النفس وفر القاتل دون أن يقبض عليه فأقارب المقتول الذين لهم حق استيفاء القصاص وخمسته يقبضون على أى واحد من خمسة القاتل، ويجرون عليه نفس الحكم الذى كان يجرى على القاتل وإذا كانت الحالة خاصة بالدية يستوفون حقهم من خمسة القاتل بالكامل.
وإذا ما سرقت الأموال أو أشياء أخرى وعرف أن الناهب قد هرب ففى هذه الحالة لا يبحث عنه بتاتا بل يتجهون رأسا إلى خمسته ويحصلون منهم على ما سرق.
وإذا كانت الأشياء المسروقة خاصة بالحكومة أو التجار أو أبناء السبيل ويكون قد بحث عن السارق مدة طويلة ولم يقبض عليه فالحكومة أيضا تلجأ إلى قوانين العربان وتحصل على الأموال المنهوبة من خمسة الفار أو سميته.
لما كانت القوانين الخاصة بالخمسات والسميات معترفا بها لدى القبائل العربية ومعتبرة فأفراد العربان يعنون أشد العناية بحفظ أنسابهم وليس بينهم من لا يعرف نسبه. وكان من سئل منهم عن نسبه يستطيع أن يعد نسبه قائلا» أنا فلان بن فلان .. »،ويصل إلى عشرين بطنا من أجداده.
وإذا ما قبض على أى شخص من هؤلاء العربان على أنه سمية قاتل من قبل خمسة المقتول وادعى هذا الشخص أنه ليس من خمسة القاتل وأخذ بيده عصا رفيعة وقبض عليها بأصابعه أمام بعض الناس وأخذ يعد قائلا «أنا فلان بن فلان حتى يصل إلى جده الخامس وكل ما يذكر اسما يرفع أصبعا من أصابعه وفى النهاية تقع العصا من يده ويذكر اسم جده السادس وأثبت أمام شاهدين صحة ادعائه وحلف على ذلك يمكنه أن ينقذ نفسه، وإلا فلا طريقة أخرى لذلك، وهذا يتوقف على حفظ النسب.
стр. 2126
ويقدم ذلك الشخص الشاهدين الذين أحضرهما للموجودين ويحلف يمينا خاصا بالعربان، لذا رأينا إدراج صورته الصحيحة هنا.
صيغة اليمين:
أحلف بمن رفع السموات العلية، قاطع المال والذرية، ومفرق الخمس قضابة الجنبية، أنّى ما عددت إلا الصدق وأنى لست للضارب بخامس».
واليمين الخاص بالعربان قراءة هذه العبارة.
وعربان القبائل يهتمون فى عصرنا بحفظ أنسابهم، خمساتهم وسمياتهم، وكان الأمر كذلك فى الجاهلية لأن الافتخار بالآباء والأجداد كان مما يهتم به عرب الجاهلية أعظم اهتمام.
وكانت القبائل التى تتجمع فى مواسم الحج فى صحراء منى، تتفرق قبائل وقبائل وكان فصحاء القبيلة وبلغاؤها يصعدون فوق مكان مرتفع ويبدأ كل واحد منهم فى ذكر مفاخر قبيلته وخصالها الحميدة وسخاء أجدادهم وشجاعتهم فى ميدان القتال.
ولما كانت هذه العادة الجاهلية وإصرار العرب على ذلك ينافى المبادئ الإسلامية نزل قول الله تعالى:
﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠].
ومن المصطلحات العربية، مثل خمسة وسمية؛ عوانى، منن، مجبودة من فروع تلك المصطلحات.
وكلمة عواني تعنى «المهلة» وهى جمع «عانى» ومنن تعنى النقود التى تعطى مقابل المهلة وجمع كلمة «منة».
والمجبودة:
أيضا بمعنى المهلة إلا أن مدة المجبودة أكثر أو أقل عن مدة عانى بثلاثة أشهر.
стр. 2127
سواء أكان «عوانى» أو «منن» أو مجبودة من القوانين البدوية المستقلة ومازال حكمها جار إلى اليوم بين العربان ومرعىّ الجانب.
عانى:
عبارة عن إعطاء مهلة مدة سنة وشهرين وأحد عشر يوما وثلث يوم والمثال على ذلك: إذا ضرب أى واحد من أفراد القبائل شخصا آخر سواء أكان من قبيلته أو من القبائل الأخرى، وجرحه وكان هذا الجرح غير مهلك، وعرف هذا الضارب ذلك؛ فالواجب عليه أن يدخل فى دار أو خيمة أحد رؤساء العربان ويعرض ما حدث منه ويحكيه.
وإذا تلقى صاحب البيت الداخل قبولا حسنا وذبح غنما أو حملا وأطعمه؛ كان هذا تأكيدا لحسن قبوله، وإيماء بأنه سيعمل على حل الموضوع الذى أتى من أجله. وفى اليوم الثانى يجتمع مع كبراء قبيلته ليبحثوا معا موضوع الضارب وإيجاد حل لطلبه. وهذا الاجتماع لبحث ذلك الموضوع يقال له «جاهية».
وبعد أن يبحث صاحب البيت مع الهيئة الجاهية ويتشاور معهم فى خصوص هذا الموضوع يذهب مع الهيئة المذكورة إلى دار المضروب أو إلى بيت أحد أقاربه ذى الحيثية ويجلسون.
ويتقبل صاحب البيت الهيئة الجاهية بترحيب عظيم واحترام وفير ويحاول أن يقدم للهيئة وليمة عظيمة. إلا أن جماعة الجاهية-إذا كان الضرب الذى تعرض له المضروب خفيفا-لا تشرب حتى القهوة التى يقدمها صاحب البيت قبل أن يضمنوا أنهم سيوفقون فى تحقيق الغاية التى أتوا لأجلها وأخذ تعهد بذلك.
ويقبل صاحب البيت رجاء جماعة الجاهية قائلا «فى وجهى» عندئذ يشرب أفراد جماعة الجاهية قهوة صاحب البيت ثم يطلبون مهلة سنة وشهرين وأحد عشر يوما وثلث يوم حتى يسووا الموضوع وفق قانون «عانى».
стр. 2128
ويطلق على تأجيل هذا الموضوع قدر هذه المدة «قانون عانى» وأقوى أنواع التعهد هو أن يمسح المتعهد بيده اليمنى وجهه بدءا من جبهته إلى لحيته وتلفظ كلمة «فى وجهى» الذى يعنى أن رجاءكم مقبول وأتعهد بإلغائه.
المنن:
هو قانون إعطاء الضارب للمضروب مقدار النقود الذى عينته جماعة الجاهية.
وتأخذ جماعة الجاهية من المضروب شخصيا أو من أقاربه تعهدا بأن الضارب لن يصيبه أى أذى فى المدة التى اتفقوا عليها وبعد أن يقرروا حل الموضوع وفق قانون «عانى»،وفى ظرف هذه المدة يقرر أفراد جماعة الجاهية المبلغ الذى سيدفعه الضارب للمضروب، ويسمى تسديد الضارب للمضروب المبلغ الذى حدد دفعه «منن».
المجبودة:
يطلق لفظ «المجبودة» على تعديل وتجديد حكم قانون عانى السالف الذكر بناء على وعد مقطوع. وإذا ادعى أعوان المضروب أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا انقضاء المدة التى حصل عليها أفراد جماعة الجاهلية، ففى هذه الحالة تعدل أو تنقض مدة «عانى» ويحكم على الضارب بأن يعطى مبلغا آخر من المال للمدة التى سيعينها أطراف المضروب.
والمجبودة. هى المدة المعينة الجديدة التى من أجلها حكم على الضارب بإعطاء مال زائد للمرة الثانية، ويتعهد المضروب وأعوانه ثلاثة أشهر أو أقل أو تنقيص المدة أقل من المدة المعينة.
ولما كان بين البدو قضية السماحة فإذا كان أطراف المضروب من القبائل الكبيرة الشرفاء ذوات الحيثية فلا يقبل أفرادها النقود التى تقرر إعطاؤها فى المقابل سواء كان «عانى» أو «مجبودة».
وبعد أن يأخذ الضارب مهلة وفق القانون المذكور يستطيع أن يعيش حياته
стр. 2129
العادية ويمارس أعماله إلى وشك انقضاء المدة سواء أكان بذاته أو بخمسته حتى يحصل على مدة جديدة وفق قانون «عانى» أو «مجبودة» ويضطر إلى أن يختفى ويستتر عن الأعين إلا أنه إذا استطاع أن يجد بعض المال لتجديد المدة وإطالتها وفق قانون عانى» أو «مجبودة» عندئذ يظهر ويسير حرا فخورا.
وإن كانت مدة «عانى» أو «مجبودة» تتجدد كل سنة إلا أنه ما لم يرض المضروب وأعوانه إن حددوا دية من الضارب ولم يأخذ المضروب من الضارب أو من أحد خمسته الثأر فإن له أن ينتقم منهم أى (الضارب أو أحد خمسته) بانتهاء المدة وعدم تجديدها.
وهذا بشرط أن يكون جرح المضروب غير قاتل، وإن كان الجرح مضرا وقاتلا ففى هذه الحالة يدخل الضارب بيت رجل عظيم النفوذ ذا قدر كبير وإن كان هذا الشخص يرضى بدخول هذا الضارب فى بيته إلا أن هيئة الجاهية لا تتصل بالمضروب أو أعوانه ما لم يتبين أن المضروب لن يموت من أثر هذا الجرح.
وعندما يعلمون أن جرح المضروب أخذ الطريق إلى الشفاء تلجأ هيئة الجاهية إلى أعوان المضروب ليعملوا على أخذ المدة كما سبق شرحه.
وبناء على قانون (عانى) أو (مجبودة) يحاول الشخص الذى استقبل هيئة الجاهية جاهدا أن يكرمهم، ويلح فى ذلك ولكن الجماعة المذكورة لا تمد يدها إلى الطعام، وإن ظل فوق المائدة أربعا وعشرين ساعة ما لم تجد جماعة الجاهية صاحب البيت قد وافق على قبول مدة «عانى».
وإذا مات المضروب من أثر الضرب فلا يستطيع الضارب أو خمسته الإقامة فى منازلهم ويعيشون مختفين مستترين فى أماكن أخرى إلى أن يقبل أعوان المضروب الميت الدية، ومدة «عانى» وقد حدث أن كثيرا من الناس عاشوا فى ديار القرية خمسة عشر عاما أو عشرين مساكين عرايا محتاجين نتيجة لمثل هذه الأحداث.
وإذا قتل أحد من جماعة المضروب الميت، بعد أن يقبلوا الدية، ومدة عانى القاتل أو واحدا من خمسته، قبل انقضاء مدة عانى؛ فإنه يقبض عليه أفراد
стр. 2130
القبيلة التى ينتسب إليها لأنه لم يراع أحكام القوانين المعهودة وحفظا للقانون، يسلمونه لجماعة القتيل الأخير فى ميدان خال. ويسمحون لهم أن يقتلوه بنفس الطريقة التى قتل بها المقتول. وسبب ذلك مسح أحد خمسة المقتول فى غاية الاحترام وجهه قائلا «فى وجهى».لأن قانون عانى لا يكون سارى المفعول ما لم يسمح هذا الرجل الوقور المهم من خمسة المقتول يده على وجهه قائلا «فى وجهى»،وفى الوقت الذى يتلفظ به هذا الرجل بهذه العبارة يمسح القاتل وخمسته بأياديهم فى وجوههم وكأنهم بهذا يدخلون تحت حماية هذا الرجل العظيم.
وإذا حدث قبل انقضاء مدة عانى، وتعرض الضارب لأذى خلاف المأمول فيوقف صاحب الحماية إنقاذا لسمعته وحماية لشرفه الشخص الذى سبب الأذى ويعامله بالمثل.
لما كان مدة عانى دستورا للعمل بين البدو وقانونا مقبولا بينهم وبعد معاهدة المدة المذكورة، وبعد التعاقد فيعطى كل واحد من الطرفين للآخر سندا يحتوى على قرار مدة عانى ويشترط أن تكون الشهود الذين كتبت أسماؤهم فى هذه الوثيقة من هيئة الجاهية.
قتل الإنسان بالسيف أو الرصاص ليس له أثر كبير بين البدو ولا يجلب الشهرة إلا أن خنق الإنسان يعد من الجنايات العظيمة. وبناء على ذلك إذا ما قبض على مثل هذا القاتل من قبل خمسة المقتول المخنوق يقتلونه ومعه ثلاثة من خمسته، أما إذا لم يستطيعوا القبض على القاتل بالذات يقتلون أربعة أشخاص من خمسته.
وإذا عرض خمسة الخانق الدية على جماعة المخنوق الفضوا، وفى هذه الحالة يحكم من قبل جماعة الجاهية بإعطاء دية أربعة أشخاص.
والدية الكاملة لإنسان «ثمانمائة ريال» ومن عادة البدو أن يدفع هذا المبلغ على أقساط ثلاثة فى ظرف ثلاث سنوات، وتعطى الأقساط المذكورة وفقا للأصول الآتية.
стр. 2131
صورة تأدية الدية:
تسدد فى السنة الأولى ثلث الدية نقدا بالريال فى السنة الأولى، والثلث الآخر الخاص بالسنة الثانية يدفع نصفه نقدا بالريالات ونصف النصف الآخر يسدد بالأشياء ونصفه الثانى نقدا بالريالات. والثلث الأخير الخاص بالسنة الثالثة يدفع بالكامل الأشياء والمواشى وتقدر هذه الأشياء والمواشى بضعف ثمنها وبعد أن يؤخذ من القاتل أقساط الدية بهذه الصورة يأخذ خمسة القاتل من قبل جماعة المقتول كفيلا لضمان أنه لن يحدث أى تعد من قبل المقتول بعد أخذ الدية.
وجوه:
معنى «وجوه» حماية وهى قانون من القوانين البدوية المستقلة إن المسألة المهمة التى تتضمنها كلمة «وجوه» تجرى تحت بعض الأصول والقوانين، والمعاملات الخاصة بها تنبنى كليا على إيفاء القوانين والنظم التى سبق ذكرها.
ولما كان قانون «الوجوه» القديم يكفل استيفاء الناس حقوقهم، وقد تقرر قديما عدم الإخلال بهذه النظم بالاتفاق. والآن نبين أن هناك ثلاث قواعد مرعية بين العرب لأجل الوجوه».
١ - القاعدة الأولى:
إذا قتل بدوى بدويا آخر أو أحد أبناء السبيل ولجأ إلى دار شخص ذى مكانة- حتى لا يقبض عليه وفق قانون عانى الذى سبق شرحه، يرسل صاحب الدار إلى دار المضروب عدة أشخاص يكلفهم قبول أداء الدية، ويطلق على مجموع الأشخاص الذين أرسلوا ناحية المضروب «جاهية».
إذا لم تستطع هذه الجماعة أن تقنع المضروب بقبول الدية، ولم تستطع الحصول على عانى أو مجبودة أو منن، يراقب الضارب أحد من عظماء خمسة المضروب ويحدثه أن جماعة الجاهية التى أرسلت قد قبلت من جانب المضروب ويقول له «أنا داخل على الله وعليك عن سيئته».
стр. 2132
فإذا ما وافق هذا الشخص على حماية الضارب المذكور فيرسل إلى جهة المضروب شخصا يقول له «إننى أخذت فلان الفلانى مدة كذا إلى الوجه» يعنى للحماية فليكن فى معلومكم» فإذا ما بلغ هذا الشخص المضروب بهذه العبارة لا يستطيع المضروب ولا خمسته أن يتجرءوا على أذية الضارب.
وإذا ما حدث قبل انقضاء المدة المخصصة وقام المضروب لأخذ ثأره من الضارب يكون قد تعدى على حقوق الحامى وضمان حمايته. وبما أن هذا الحامى لن يستطيع أن يظهر بين العربان لشدة خجله فيحاول لحفظ شرفه أن يقتل هذا الشخص الذى تجرأ على التعدى على حق حمايته.
ولما كانت مادة «الوجه» والتدخل من القوانين والنظم المهمة ومرتبطة ومقيدة بتلك النظم. وعندما تحدث حالة ضرب كما سبق ذكره، يظل المضروب وخمسته مختفين متسترين من هذا القريب المحب ذى المكانة الذى لا يستطيعون رد كلمته حتى ينتقموا من الضارب حتى لا يسمعوا أن الضارب قد دخل فى وجه أحد الأشخاص العظام فلا يترك الحامى البحث عن المضروب وخمسته، وحيثما يقابلهم يرفع عقيرته قائلا «إننى قد أخذت فلانا وخمسته تحت حمايتى» فيسمعهم ويسمع الناس»،وإذا كانوا قد ذهبوا إلى مكان آخر يرسل الناس من خلفهم والذين يعلنون لهم قائلين: «إن فلانا بن فلان أخذ الخبر قبل مجئ الحامى أو رسوله فقتل الحامى أو رسوله أو عمل على منعهما وزجرهما قبل تبليغ الحماية».
وإذا قتل فى هذه الفترة الحامى أو الشخص الذى جاء من طرفه فبناء على القانون الجارى بينهم يربطون هذا الحادث الجديد للدية أو إلى مدة عانى، ويتركون فصل القضية القديمة والنظر إليها إلى وقت آخر.
٢ - القاعدة الثانية:
إذا كان شخصان يتجادلان مع بعضهما وأدرك شخص قريب منهما أن المناقشة ستؤدى إلى أنهما قد يقتلان بعضهما بعضا وكان هذا الشخص من عظماء العربان تدخل بينهما قائلا: «إنى أقرعكم عن بعضكم بوجهى».
стр. 2133
وإذا لم يكن هذا الشخص من عظماء العربان يذكر اسم أحد أكابر العرب ويعمل على إصلاح ما بين المتعارضين قائلا: «إننى أفرق بينكما بوجه وحماية فلان بن فلان».
وإذا أراد المتعارضان أن يتركا النزاع بطاعة ذلك الشخص المتوسط وإذا لم يريدوا لا يهتمون بوساطة ذلك الشخص ويستمرون فى النزاع حتى نهاية المجادلة فيشتمون بعضهما وقد يضرب أحدهما الآخر ثم يحكمان أحد الأشخاص المعروفين بينهما، بالحق والعدل ليفصل فى هذه القضية. فإذا تبين بعد أن يحكم بينهما هذا الشخص ظلم أى واحد منهما فصاحب الوجه لا يترك هذا الشخص وحيثما يجده يضربه مرة إما بخنجر أو رمح أو عصا.
وإذا مات المضروب من أثر الضربة الواحدة فتجرى الأحكام المسرودة فى حق قتل النفس.
ويجرى هذا النظام فى حق من أخذوا الجانى تحت حمايتهم، وإذا أعطيت حمايته غيابيا لأحد الأشخاص، وبما أن هذه الكيفية ستبلغ لهذا الشخص فإذا قبل ذلك الشخص الحماية فيجرى قانون حمايته حسب النظام المذكور. ولكنه إذا استنكف الحماية يخبر بذلك أحد الناس والشخص طالب الوجه يستفسر عن الموضوع من العارفين به بينما ينصرف الذى استنكف الحماية من جانبهم.
٣ - القاعدة الثالثة:
إذا أراد أحد الوجهاء أن يتهم بعض الأشخاص وضيعى القدر والمكانة بالضرب والقتل ولكنه امتنع عن تأكيد كلامه باليمين فالشخص المتهم يدخل تحت حماية شخص من أمثال خصمه ومنزلته ويتخذ الأصول المرعية لجلب رحمته وإثارتها.
وذلك بأن يمسك كوفيته التى يتعمم بها من طرفيها ويجعلها فى رقبته ويقول له: «إن فلانا أسند إلى جنحة بطريقة ما فأقسمت له ولكننى لم أستطع أن أقنعه لأجل ذلك لجأت إلى حمايتك وهى دار الأمان عن شره، فأرجو أن تحمينى من شره».
стр. 2134
ويقبل هذا الملجوء إليه ويبلغ للشخص الذى ضده حمايته بالذات أو بالواسطة، ويبين له إذا كان له حق الاستماع إلى الموضوع أن يعين حكما يثق فى كلامه.
وبناء على هذا القرار يستمع الشخص الذى تعين حكما إلى أقوال الطرفين، وإذا كان رأيه تبرئة ذمة الرجل فلا يتدخل لذلك الشخص بعد ذلك أبدا».
رفقة الطريق وما يتعلق بها:
لما كان منذ زمن بعيد قد حددت الأراضى التى تسكنها القبيلة من قبل رؤساء القبيلة وميزت بوضع علامات معينة ولكن نفوذ كل فرد من أفراد القبيلة يعدّ جاريا فى داخل هذه الأراضى، لذا لا يأمن واحد من عربان القبائل الأخرى أو أحد أبناء السبيل الذى يمر من هذه الأراضى على نفسه ما لم يدخل تحت رفقة واحد من شجعان القبيلة والمشهور بها ولا ينعم بسلامة الوصول.
وإذا اتخذ شخصا متصفا بالصفات السابقة دليلا له فهو يأمن على روحه وماله، ويسلم من كل خطر وبلاء ويصل إلى نهاية البلاد والأراضى التى ينتمى إليها الدليل. ولكن بعد الخروج من هذه الأراضى تسقط حماية ذلك الدليل عن الحكم فيضطر المسافر إلى أن يدخل تحت حماية شخص آخر من تلك البلاد التى يسير فى أراضيها حتى يسلم من الخطر. وبناء على هذا يكسب المسافرون والسياح فى الجزيرة العربية سلامتهم بمراضاة الأشخاص الذين يدخلون تحت حمايتهم وذلك بدفع النقود لهم.
ولو سافر أى سالك سبيل أو مسافر بمفرده دون أن يهتم بنظام الحماية لو قتل فى الطريق أو نهبت أمواله وتعرض للسلب أو أية مصيبة تهدر جميع حقوق هذا الرجل سواء أكانت بالنسبة لروحه وحياته أم بالنسبة لأمواله ولا يلزم نحوه أى شئ وفقا للقوانين البدوية.
التبييضية:
وهى قانون تبييض وجه الحامى بين العربان. وإن كان تعرض البدو إلى
стр. 2135
الشخص الذى وضع تحت الحماية غير ممكن إلا أنهم يدرون إن مثل هذه الأحداث قد تقع.
فإذا ما تعرض الرجل الذى وضع تحت الحماية للسلب والنهب فلا يسكت حامى المظلوم، فإذا كانت هذه الواقعة ليلا من قبل رجال قبيلته فيسترد الأموال المنهوبة منهم ويعطيها للمحمى.
وإذا ما كانت الحادثة قد وقعت من قبل قبيلة أخرى تعهدت بعدم التعرض للأشخاص الذين يحميهم فعندئذ يتبع الحامى أفراد هذه القبيلة ويطالبهم بالأموال المسلوبة. وإذا لم يرضوا برد الأموال يصطحب معه بعض سميته ويذهب ليطلب الأموال المنهوبة. فإذا رفضوا فى هذه المرة أيضا فإن الحامى يمسك بندقيته ويطلق رصاصة واحدة لقتل واحد من السارقين.
وهذا التصرف من الحامى هو ما يعرف بين العربان ب «تبييضية» وبهذا التصرف يكون الحامى قد أنقذ شرفه.
وإذا لم تصب الرصاصة التى أطلقها الحامى واحدا من اللصوص أو أصابته ولكنها لم تؤثر فيه ففى هذه الحالة يكرر محاولته فيقتل واحدا منهم أو يجرحه جرحا بالغا مميتا وهكذا ينقذ عرضه ويعود مع سميته ويعيد الأموال المسروقة من أموال نفسه وسميته ويعطيها للشخص الذى تحت حمايته.
وإن كانت هذه الخدمة تؤدى بدون مقابل. ويحدث أحيانا أن تطلب النقود نظير الخدمة أو أن النقود لا تطلب ولكنها تعطى كنوع من المروءة.
رفيق الجنب:
هو قانون يحدد سلوك الرفقاء ورفاقة الطريق.
إن مسألة الحماية ليست من الضرورى أن تكون نظير أجر مادى مترجم إلى نفوذ، بل من الجائز أن تحدث الحماية بعد أن يتناول الطرفان الطعام سويا أو يشرب أحدهما قهوة عند الآخر، وبهذا يحق لهما حماية بعضهما البعض.
стр. 2136
فمثلا لو أن أحد الأعراب المقيمين على جانبى الطريق الذى ستسلكه القافلة، توجه إليها وأكل طعامها أو شرب قهوتها، فمن حق هذه القافلة عليه الحماية والرعاية طالما أنها تجتاز حدود منطقته. وإذا اعتدى أحد سميته على القافلة أو فرض أتاوة عليها، فالواجب يفرض عليه حماية القافلة من أى تعد، رعاية لأصول الحماية.
وإذا ما نظر الشخص المعنى إلى الأمر نظرة استخفاف أو لا مبالاة، فإنه بذلك يكون قد أظهر عدم اكتراثه، وقوض حيثيته وكرامته وشرفه بين العربان.
ويعتبر بذلك حقيرا وضيعا بين بنى قبيلته وعشيرته.
ولما كانت هذه العادات والأصول مرعية بدقة بين الأعراب، فقد كان يكفى عابر السبيل رشفة ماء من قرية أحد قطاع الطرق، حتى يكتسب حمايته ويسلم من مضاره وشروره.
وإذا لم يحترم أحدهم هذه الأصول والأعراف وأصاب بالأذى هذا الرجل الذى احتمى به، فإن صاحب الفوية التى شرب منها الماء، يكون ملزما بتخليصه من شره وأذاه، وإذا ما أصاب هذا المسافر نوع من الخوف أو الهلع من توقع اعتداء قاطع الطريق هذا عليه فى المراحل التالية، فإن صاحب القرية يرافقه الطريق حتى يوصله إلى بر الأمان والسلامة.
وكانت هذه الخدمات إذا ما قدمت بدافع الحمية والشهامة العربية، تتم لقاء أجر معين. وهذا كان نادر الحدوث.
وهكذا فإن هذا القانون المسمى (رفيق الجنب) والمعروف بين العشائر العربية كان ينظم رفاقة الطريق.
أما القانون الذى يطلق عليه بين العربان «رفيق الجنب»:
فهو عبارة عن قانون خاص بسلوك الرفقاء والصحبة فى الطريق.
طنيب الطنب:
هو قانون خاص للمحافظة على حق الجوار وذلك باتصال عدة خيام بخيام جماعة أو قبيلة ما.
стр. 2137
وبما أن عربان القبائل يعيشون فى حالة ترحال فلا يتخذون مكانا ما مأوى ومسكنا بصفة دائمة، فينقسمون إلى عشرينات أو ثلاثينات أو أربعينات أو خمسينات أو ستينات من الخيم فينزلون حيث يعجبهم أو يقومون ويرتحلون حسبما يريدون، وإنهم لا يتركون أماكنهم ما لم تعد حيواناتهم جائعة من المراعى أو ما لم يكتشفوا مراعى أكثر عشبا.
وعند ما يعم الجفاف لا يسكنون فى مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام وفجأة يتركون منازلهم، ويتفرقون بين عربان القبائل الأخرى ويحصلون على موافقة شيوخ القبائل الذين لجئوا إلى ديارهم بإعطائهم رأسا من الغنم عن كل خيمة.
وهؤلاء الشيوخ يحمون الجماعات الواردة يصاحبونهم حيثما انتقلوا ويحسبونهم من جماعاتهم، وبناء على ذلك لا يتعرض لهم أحد بالأذية فإذا وجد من يتعرض لهم بالأذى فلا يستطيع أن ينجو من انتقام القبيلة كلها.
ويقولون لمثل هؤلاء الناس-أى الذين ينتقلون إلى أراضى غيرهم ويدخلون تحت حمايتهم- «طنيب الطنب» ومعناه الاصطلاحى الجيرة التى حدثت باتصال خيم هؤلاء بخيمهم.
المعاونة للدخيل: (إغاثة الملهوف):
من مقتضى القوانين القديمة بين العربان معاونة الدخيل، أى قبول الهاربين وإكرامهم قدر الإمكان وإعانتهم.
فإذا ما فر إنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى بعد ارتكاب ذنب أو جنحة أو جناية وأطلق المطاردون من خلفه رصاصا أو رمحا قبل أن يدخل فى خيم أحد العربان سواء أصابه ما أطلق أولم يصبه فأصحاب الخيم ينظرون إلى جهة توجه الرجل الفار.
فإذا توجه الهارب نحو خيم الحريم، وقع الحادث المذكور قبل التقرب إلى الخيم بأربعين ذراعا فبناء على القوانين العربانية لا يلزمهم شئ.
стр. 2138
وإذا حدثت المطاردة السابقة فى داخل هذه الحدود أى أن المطاردين أطلقوا الرصاص أو الرمح فى مكان أقرب من أربعين ذراعا وأقل منه وتبين ذلك فيكون المطاردون قد تعدوا على حقوق وحماية أصحاب الخيم وبناء على ذلك يتعقب أصحاب الخيم المطاردين ويقتلون من استطاعوا قتلهم بإطلاق الرصاص.
وإذا كان توجه الفار نحو خيم الرجال ووصلوا إلى جانب حبال الخيم التى تسمى طنب وخارجها فلا يدافع عن هؤلاء الفارين الهاربين وفق القوانين العربانية ولكن إذا حدث ما حدث فى داخل حبال الخيمة سواء أصابت الرصاصة التى أطلقها المتعقبون الفارين أو لم تصبهم، فبناء على القوانين العربانية فأصحاب الخيام يطاردونهم ولا يعودون إلا بعد قتل بعضهم.
ملاحظة:
فتعيين هذه المسافة الكبيرة والفرق الكبير بين خيم الرجال والنساء أى تحديد المسافة لحق حماية خيم النساء بأربعين ذراعا يدل على مدى غيرة البدو على أعراضهم، وأنهم فى هذا السبيل يضحون بكل شئ.
وليس هناك بين البدو الخلص من يعرف ما هو الزنا، وإذا حدث مثل هذا الفحش فرضا يقتلون الفاعل والمفعول، وفى هذا الموضوع لا يرحمون حتى أولادهم.
وبعد أن يراعى جانب الدخلاء من قبل أصحاب الخيم فجملة الجيران يستضيفون هؤلاء كل واحد منهم فى يوم خاص. ثم يعطى لهم الأغنام والحملان والجمال كمساعدة.
بعد ما يتم العون المقدم للدخيل يأخذ ما قدم له من العطايا، ويرجع إلى مقره الأصلى فيسوى أموره بدفع الدية وينهى الموضوع بالصلح.
وإذا كانت الإعانات المعطاة من تلك القبيلة كافية لتسوية أموره أو إذا لم يقدم له العون من قبل حماته ففى هذه الحالة فالأمر كله يحال لأفراد القبيلة الذين
стр. 2139
يشمرون سيقانهم متفقين فيجمعون بينهم النقود الكافية لتسوية الأمر على أحسن وجه.
وهذا النظام من القوانين البدوية والعادات المرعية التى مازالت سائدة إلى يومنا هذا.
حفظ الأمانات والعادات الخاصة بها:
حفظ الأمانات أيضا من القوانين العربية القديمة، وبناء على هذا إذا ما أعطى أحد العربان للآخر جملا أو ناقة أو نعجة أو أشياء أخرى على أنها «أمانة الله» فالشخص الذى تسلم الأمانة إذا كانت حيوانا مثلا فإن المؤتمن يحرص على العناية بهذا الحيوان أكثر من حيواناته فيعلفه ويحرسه ويكثر نسله بالتوليد.
وإذا ما مات هذا الإنسان، فالحيوانات التى كانت أمانة فى يده تحفظ من قبل ورثته وتسلم لأصحابها وقت ما يريدون.
ومن الثابت المشهور أن عربان العرب إذا ما أخذوا ناقة أو ناقتين يكثرون عددهما بالتوليد دون أن يخونوا الأمانة وفرضا أن الورثة لم يعرفوا صاحب الأمانة فإنهم يتحرون عنه حتى يجدوه ويردوا له أمانته.
والحملان التى تولد من النعاج والعنزات فإن الذكور يبيعونها ليشتروا بدلها النعاج حتى يزيدوا من عددها.
ولا يأخذون مقابل هذه العناية والإكثار شيئا غير الانتفاع بلبنها.
ولما كان خلط الفساد فى أمور الأمانة يقلل من بركة أموالهم من الأمور المجربة لديهم لذا يبتعدون عن الغدر والخيانة فى هذا الموضوع.
وإذا ما نفق أحد الحيوانات التى تحت الأمانة فإنهم يقطعون جزءا مميزا منه ليروه لصاحب الأمانة.
وإذا ما نهب هذا الحيوان من قبل قبيلة أخرى فيتتبعون هذه القبيلة ليخبروها أن المسلوب أمانة ويحاولون تخليصه من أيديهم ويبذلون الجهد لتخليص ما يمكن تخليصه.
стр. 2140
والأمانات التى تعطى من قبل أهل مكة المكرمة والمدينة المنورة مثل الهجن والحيوانات الأخرى للعربان تحفظ وفق النظام الذى ذكر أعلاه.
الملحس (١):
قانون خاص بلحس النار.
حدث منذ زمن أن أحد أهالى العرب المتدينين خرج ليزور قبر النبى ﷺ وبينما كان سائرا بين عربان قبائل عوف اعتلت صحته فاضطر أن ينزل ضيفا عند أحد أفراد القبيلة المذكورة. وقد أكرمه صاحب البيت أعظم إكرام ورعاه كأعظم رعاية، ووهب له جملا لركوبه وقد سر الضيف من هذه العناية فى الاستضافة أعظم سرور ولما كان مضطرا أن يقابل هذه المجاملة بمكافأة طلب من صاحب الدار سكينا «على أن يظل حكمه وتأثيره باقيا ما لم يبتعد عن الحق وأن ينتقل من بعده لأولاده وأحفاده» ثم أدخل هذا السكين فى داخل النار الموقدة فى مكان خال من الناس حتى احمر أشد الاحمرار ثم أخرجه من النار، وتلا عليه بعض الأوراد ولعقه بلسانه وجعل صاحب الدار أيضا يلحسه. وبعد ما أثبت الضيف أن هذا السكين لن يضر لسان صاحب البيت بالفعل.
ثم أراد أن يبين أن هذا الفعل منحصر فى الصدق والاستقامة فقط،وقال لصاحب البيت «خذ هذا واحفظه فى مكان أمين وعندما أطلبه منك أنكر ذلك قائلا: «لا ليس لى علم بمثل هذا الشئ».
فأعطى لصاحب البيت شيئا ما، وبعد مدّة رجع وقال له «كنت أعطيت لك كتابا بالحفظة إننى محتاج إليه الآن فأحضره لأننى أريد أن أطلع عليه» فرد عليه صاحب البيت مجيبا لا! إنك لم تعطنى كتابا ولا غيره لا بد أن فى الموضوع خطأ.
عندئذ أخرج الضيف ذلك السكين المحمر من أثر النار، وقال له إذا كنت لم تأخذ الكتاب الذى أعطيته لك العق هذا السكين! وعندما لعق الرجل السكين احترق لسانه إلا أن الضيف سقاه قطرة من الماء فانتفخ المكان المحروق والتئم مباشرة.
وقد تعجب صاحب البيت من حالة هذا الرجل واستعظم الخواص التى رأها