أن يشيد بناؤه أربعة أركان وكان هذا إشارة إلى إمكان وجود أربع خواطر فى قلوب المؤمنين.
(روح البيان).
والطرف الشرقى لكعبة الله فيما بين ركنى الحجر الأسود والعراقى يميل قليلا إلى الشمال وفى هذه الجهة من بيت الله مقام إبراهيم، بئر زمزم، باب بنى شيبة.
وجهة الشمال ما بين الركن العراقى والركن الشامى تميل بعض الشئ ناحية الغرب ويقع حجر إسماعيل والميزاب الذهبى والمقام الحنفى الكائن محل دار الندوة فى هذا الجانب من البيت الأعظم، والجانب الغربى ما بين الركن الشامى والركن اليمانى يميل قليلا ناحية الجنوب ويقع فى هذا الجانب من بيت الله الباب المسدود الغربى، وباب العمرة باب الوداع، وباب إبراهيم.
وجهة الجنوب ما بين الركن اليمانى وركن الحجر الأسود، وهى مائلة بعض الشئ ناحية الشرق ويوجد فى هذه الجهة من الكعبة المعظمة باب الصفا وكل الأبواب الجنوبية وبناء على ما يتضح من الشكل التالى للساحة المطهرة للكعبة المعظمة نجد أن طول المسافة بين ركن الحجر الأسود إلى الركن العراقى ٣١ ذراعا ومن الركن الشامى إلى الركن اليمانى ٣٢ ذراعا والطول من الركن العراقى إلى الركن الشامى ٢٢ ذراعا ومن الركن اليمانى إلى ركن حجر الأسود ٢٠ ذراعا.
стр. 247
مساحة هذا الشكل قد قيست بالمقياس المسمى «ذراع اليد» والمقياس المذكور يساوى المسافة ما بين مرفق الرجل إلى طرف الإصبع الأوسط فى يده.
وبما أن كل الذين قاموا بقياس المسجد الحرام قد استخدم كل واحد منهم ذراعه الشخصى لذا لم يوافق مقياس أحدهم الآخر.
مثلا: إن صاحب تشويق الساجد وجد أن ارتفاع «الكعبة المعظمة» الأعلى ٢٧ ذراعا وستة أصابع بينما وجد الإمام النووى ارتفاعها ٢٧ ذراعا فقط كما ضع فى كتاب الإيضاح ووافق مؤلف تاريخ خميس على مقياس الإمام السابق، لأن ذراع اليد يختلف من شخص إلى آخر. ولا يعد مقياسا متفقا عليه.
يقول مؤلف هذا الكتاب إننى قد اختبرت كثيرا من الأذرع وقمتها فوجدتها مساوية لسبع عشرة بوصة إنجليزية واعتبرت هذا هو المقياس المتوسط للذراع وحولت متوسط طول الأذرع إلى القدم الإنجليزى وقست به الأماكن المقدسة، وبما أن المقياس الذى يطلق عليه «ذراع اليد» لا يشبه الذراع الحديدى ولا الذراع العادى، يجد الإنسان صعوبة فى تعيين المقياس الصحيح ولكن القدم الإنجليزى يمكن تحويله بسهولة لأى نوع من أنواع الأذرع وبهذا التقدير يقتضى أن يكون الطول الشرقى للكعبة المعظمة الذي يظهر في الشكل المذكور أعلاه وهو ٤٤ قدما و ٦ بوصات والطول الغربى أيضا ٤٣ قدما ١١ بوصة وعرض الجانب الشمالى ٣١ قدما وبوصتان وعرض الجانب الجنوبى ٢٨ قدما و ٤ بوصات.
ابتدأ نبينا حضرة الخليل «﵊» فى حفر المكان الذى بينته له السكينة بمقتضى الإرادة الإلهية الحكيمة، ونقل الأحجار من جبال لبنان، وطور سينا، طور زتيا، والجودى، وحراء (١) بمساعدة الملائكة وبعد أن انتزع صخورا ضخمة لا يستطيع ثلاثون أو أربعون رجلا أن يرفعوها من مكانها إلى أن وصلوا إلى الأساس القديم الذى وضعه سيدنا آدم أبو البشر. وأخذ فى بناء الجدران جاعلا مبدأ الطواف المكان الذى وضع فيه الحجر الأسود الذى أتى به جبريل الأمين من جبل أبى قبيس-وما زال فى مكانه إلى الآن.
стр. 248
وكان الحجر الأسود قد أودع أمانة فوق جبل أبى قبيس فى واقعة طوفان نوح.
وقد أخذه جبريل الأمين من الجبل المذكور وأحضره إلى سيدنا إبراهيم الذى رأى أن يجعله بتفكيره الصائب والرفيع علامة بداية الطواف فوضعه فى جدار الركن الشرقى للكعبة المعظمة.
وما زال إلى الآن فى المسجد الذي فوق قمة جبل أبى قبيس حجر أمام المحراب يزوره الناس على أنه كان الموضع الذى حفظ فيه الحجر الأسود فى وقت طوفان نوح.
وفى قول آخر إن إسماعيل-﵇-وجد حجرا رآه مناسبا ليكون علامة بداية الطواف بناء على رأى والده ومشورته ولكن الحجر لم يعجب سيدنا إبراهيم وذهب للبحث عن حجر آخر وفى هذه اللحظة نطق جبل أبو قبيس وقال: «يا إبراهيم لدى حجر محفوظ أمانة لك وأظنه الحجر الذى تبحث عنه ليكون بداية الطواف ولا بد أنه الأمانة الكبرى المحفوظة عندى» وأخذ حضرة الخليل عليه صلاة الله الجليل، الحجر المذكور بنفسه ووضعه فى المكان الذى أعده.
قطعة:
الخليل الجليل الذى أرسله الحق إن شمل الجماد برحمة فنطق ولا ريب أن بيت الله إذا تكلم حجر الركن بالكلام فاه ونار الشوق أبو قبيس تحرق أمام جمال الكعبة فذاك أليق
стр. 249
نظم
تقوم الدار بحجر فوق حجر ... وبذاك اللون أو بلون آخر
محل برعم تفتح فى روضة الخليل ... أنار به للخليل الجليل
ونادى أبو قبيس فى العلاء ... قائلا سمعت منه ذاك النداء
إن طوفان هذه الدنيا مسح ... وهذا البيت للسماء تفتح
ذلك البيت وجبريل الذى أنزله ... إن لدى حجرا وديعة أحمله
وبيعتى حتى تسلموها ... وفى موضع شئتم ضعوها
(فتوح الحرمين).
ارتفعت جدران البناء المبارك للكعبة المعظمة، وعند ما رأى إبراهيم-﵇-أنه فى حاجة إلى استخدام إسقالة عثر على حجر واستخدمه في مكان الإسقالة وهذا الحجر الشريف هو الحجر القيم الذى غسلت فوقه رعلة بنت عمرو بن جرهم حماها إبراهيم ﵇.
ويعرف هذا الحجر المبارك في ساحة المسجد الحرام باسم مقام إبراهيم الآن وقد استخدمه إبراهيم-﵇-إسقالة عند بناء البيت وارتفعت جدران
стр. 250
البناء السعيد لبيت الله وكان المقام الشريف المذكور يرتفع مع ارتفاع البناء وعند ما ينزل إبراهيم إلى الأرض كان يعود إلى هيئته الأصلية.
وقد ذكر شكل وصورة الأبنية التى أقيمت فوق المقام الشريف المذكور فى الصورة الأولى من الوجهة السابعة.
وعند ما وصل ارتفاع جدران الأبنية الشريفة لبيت العزة إلى تسعة أذرع ترك حضرة الخليل سقفه مفتوحا وألحق جانب باب المعلا إلى أرض المطاف وصنع سقفا من الخشب متصلا بالبيت والمسمى بحظيرة أغنام إسماعيل. وحفر حفرة كبيرة العمق ثلاثة أذرع فى الأرض التى تقع جهة يمين الداخل فى بيت الله، لكى يوضع بها الهدايا التى ترسل من الأطراف والأكناف وبذلك أتم بناء كعبة الله المعظمة سنة ٣٥٧٤ ق. م.
والمكان المسمى حظيرة أغنام إسماعيل يطلق عليه الآن اسم «حجر إسماعيل» وهذا المكان الشريف هو مدفن السيدة هاجر.
ويروى المؤرخون الكرام أن البقعة السعيدة للكعبة المعظمة ظل بابها دون مصراع ولما مر بها الملك الحميرى قام بأداء الحج والزيارة ولما رأى باب الكعبة بدون مصراع ركب بابا خشبيا عليه مفتاحه كما علق فوق البناء المقدس كسوة مزينة، كما جاء بيانه فى الصورة الثالثة من الوجهة الرابعة.
وفى أثناء قيام سيدنا إبراهيم-عليه التحية والتكريم-بحفر أساس الكعبة المعظمة رأى حجرا بين أحجار الأساس القديم وكان مكتوبا عليه العبارة البديعة التالية «أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من أسمائى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته».وترجمة هذه الفقرة المترجمة للعربية باللغة التركية» أنا الله صاحب مكة خلقت الرحم وجعلته اسما من أسمائى وهو الرحمن. وكل من يتصف بهذه الصفة ويعمل بمقتضاها أجزيه جزاء حسنا، وكل من يخالفها أعاقبه أشد العقاب».
стр. 251
ويروى «الإمام الواقدى» أن الحجر المذكور حجر أخضر اللون وكتب عليه السطور الآتية ونقلها على أنها من جملة تدقيقاته.
السطور التى نقلها إلينا الإمام الواقدى هى:
١ - السطر الأول: «لا إله إلا أنا رب البيت مغلبها وهى قرار ومرخيها وهى قفار».
٢ - السطر الثانى: «لا إله إلا أنا رب البيت مهلك الطغاة ومفقر الزناة ومخزى تارك الصلاة».
٣ - السطر الثالث: «أنا الله لا إله إلا أنا رازق من لا حيلة له حتى يعلم من له حيلة أن لا حيلة له».
وبعد أن فرغ إبراهيم-﵇-من بناء كعبة الله المقدسة رفع يديه وابنه إسماعيل-﵇-متجهين إلى أبواب رحمة الله راجين منه- -أن يكون ما قاموا به رهن قبول معطى العطايا.
وبعد هذا نزل جبريل-﵇-باسطا أجنحته وقال «إن عملكم قد حاز القبول عند الله» ثم تقدمهما وعلمهما مناسك الحج.
وأدى إبراهيم-﵇-مقتديا بجبريل-﵉-فريضة الحج، وثبت جميع شروط الحج ومناسكه فى خزينة حافظة ثم ودع ابنه إسماعيل- ﵇-عازما على العودة وصعد فوق قمة جبل الرحمة ونظر مرة إلى جهة بلاد الشام وأخرى إلى ناحية مكة المعظمة السعيدة وتذكر جودة جو الشام ولطافة هوائها وعذوبة مائها ومر بخاطره حرارة الحجاز الشديدة المتعبة فتأسف على بقاء ابنه فى هذا المكان الذى تحيط به الحجارة ودعا له طويلا. ثم ضغط برجليه على المهماز قاصدا ناحية الشام. وفى هذه الفترة صدرت الإرادة الإلهية «أذن فى الناس بالحج» وهكذا أمر بدعوة الناس إلى الحج فأخرج رجليه من المهماز وقال مخاطبا ربه: «يا ربّ قد فرضت طواف البيت على عبيدك وأمرت عبدك المطيع هذا بدعوة هؤلاء جميعا لينالوا من هذه المائدة العامة نصيبهم ولكننى كيف
стр. 252
أستطيع أن أدعو هؤلاء جميعا حتى يؤدوا مناسك الحج والطواف آتين من الشرق والغرب» فتلقى هذا الجواب ذا الحكمة: «يا إبراهيم؟ فإذا ما دعوتهم بصيحة عالية فإننا نوصل صوتك إلى آذان الخلائق كلهم».
حينئذ اتجه للجهة اليمنى من باب الكعبة السعيدة حيث كان قد ترك المقام الشريف وصعد فوق الحجر حتى صار مساويا للجوهر وسد أذنه بأصابعه وصاح متجها إلى الشرق والغرب: «يا عباد الله إن الله- -أمركم أن تحجوا إلى الكعبة الشريفة التى أمرنى ببنائها وأن تطوفوا حولها، فأسرعوا إلى إيفاء هذا الغرض تكونوا قد استجبتم للدعوة الإلهية التى تستوجب المغفرة.
وبهذا القول البليغ ذاع الأمر الإلهى وأعلنه على العالم وقد سمع نداء الخليل سواء من كان حاضرا فى وقتها أو من كانوا فى أصلاب آبائهم أو فى أرحام أمهاتهم والذين قدر حجهم فى العالم الأزلى من الأمة واستجابوا قائلين «لبيك».
رواية: قد سر حضرة الخليل من استجابة الأمة المحمدية قائلين «لبيك» وقال «يا ربّ إننى أريد أن أستضيف هؤلاء» وبالأمر الإلهى أخذ قبضة من تراب الأرض ونثره إلى الجهات الأربعة وفى الأماكن التى أصابها التراب المنثور ظهر الملح وإن هذا المعدن سيكون وليمة مقدمة إلى أهل الأرض إلى يوم القيامة بطلب من إبراهيم وباستجابة الله- -لدعائه وحيا.
وإذا قيل ألم يكن قبل ذلك ملح؟ يجاب عليه أن الله- -علق ظهور المعادن لسبب ما وكان نثر إبراهيم-﵇-التراب سببا فى ظهور الملح. «محاضرة الأوائل».
كان أول من أحس بصيحة دعوة إبراهيم أهل اليمن وعند البعض أن جرهم كان أو أول من سمع الدعوة ومع ذلك فجرهم من أهل اليمن.
стр. 253
نظم
ما العمل إنه جاءه على أنه التواب ... وجاءه الأمر «أذن فى الناس»
ما لم يكن بيت القلب من طين وماء ... فلتكن الضجة منها حتى تسمع أذن القلب
إن كل من كان فى الأصلاب والأرحام ... سمع منه ذبذبة الصيت
إن كل سامع معجل ... جعل من رأسه قدما للعبودية
إن الخلق منذ القدم فى هذه المحبة ... وبلا سبب لم يسلكوا هذا الطريق
(فتوح الحرمين).
بناء على ما يروى أن عدد مرات حج شخص يتوقف على عدد إجابته لصيحة خليل الرحمن وكان الذى سيحج مرة واحدة قال «لبيك» مرة واحدة والذى قدر حجه مرتين قال «لبيك» مرتين وهكذا.
إذا ما نظرنا إلى حج الأمة المحمدية اليمنية كل عام يدل على أنهم فاقوا جميع المسلمين فى البلاد الأخرى فى التلبية. قال بعض المؤرخين إن إبراهيم ﵇ عند ما أراد أن يدعو الناس للحج لم يدعهم من فوق المقام الشريف بل صعد فوق جبل أبى قبيس أو جبل «ثبير» ونفذ أمر الله- -إلا أن القول الأول هو المصدق عند الجمهور ومرجح على الأقوال الأخرى.
وبهذه الصورة أتم سيدنا إبراهيم مهمته ونزل من فوق المقام الشريف نزل جبريل-﵇-وأخذ إبراهيم-﵇-وابنه إلى جبل الصفا ومن
стр. 254
هناك إلى جبل المروة وأراهما حدود المسجد الحرام وأوصى بأن يوضع حجر كعلامة فارقة فى الأماكن التى عينها. ووضع خليل الرحمن (١) العلامات فى الأماكن التى بينها الرسول الجليل. وفى السابع من شهر ذى الحجة تلا إبراهيم- ﵇-خطبة بليغة مقابل البيت الشريف. والآن تلقى الخطبة فى السابع من ذى الحجة من فوق منبر المسجد الحرام تشرح فيها بالتفصيل مناسك الحج والمسائل الخاصة بالحج.
وفى أثناء الخطبة كان إسماعيل-﵇-يستمع إلى خطبة أبيه فى خضوع وخشوع وصدق وأدب جم.
وفى اليوم الثانى أحرما من الحرم الشريف بنية الحج وسارا إلى منى ملبين ومهللين، وقضيا ليلهما فى الموقع الذى يوجد فيه الآن مسجد «الخيف» وكلما يحين وقت الصلاة كانا يؤديان الفرائض الخمسة فى أوقاتها وأطلق على هذا اليوم يوم «التروية» والحكمة من إطلاق هذا الاسم أنه قد كان انتظاره قبل وقعة ذبح إسماعيل بيومين مترويا كما سبق أن بيناه.
وبعد ذلك بيوم كان اليوم التاسع من ذى الحجة وبعد أن أديا صلاة الصبح وانتشر ضوء الشمس فوق جبل «ثبير» ذهبا إلى وادى الفيوضات «عرفات» ووقفا فى المكان الذى يسمى الآن مسجد «نمرة».
وأحد أسماء هذا المسجد «مسجد إبراهيم» ويؤدى الحجاج فرضى الظهر والعصر جمع تقديم.
وفى اليوم المذكور صحبهما جبريل الأمين ليريهما الجبال التى فى الوادى وليعرفهما مناسك الحج وفعلا بين لهما الحدود المطهرة والجبلين اللذين يقطعان حدود «عرفات».
وبعد ذلك دخل إبراهيم-﵇-فى مكان يطلق عليه الآن مسجد «الصخرة»،وأجلس ابنه إسماعيل-﵇-فى مكان ما، وتمتم ببعض الكلمات وهو واقف على قدميه وصلى هو وابنه صلاتى الظهر والعصر متصلتين جمعا، وأخذا يذكران الله ويسبحانه وعادا بعد الغروب إلى وادى «المزدلفة».
стр. 255
ويروى أن المكان الذى جلس فيه إسماعيل-﵇-وكان عاليا وغير مستوبين الصخور، وإنه الآن المكان الذى وقف فيه رئيس قافلة الأنبياء على نبينا وعليهم التحايا، والمحل الذى تمتم فيه إبراهيم-﵇-بكلمات وهو المحل الذى يلقى فيه الآن قضاة مكة خطبة عرفات.
وقد أدى إبراهيم-﵇-هو وابنه صلاتى المغرب والعشاء متصلتين جمعا جمع تأخير، ثم أخذا يجمعان الحصى كل واحد منهما (٤٩) حصاة لرمى الجمرات وقضيا ليلتهما تلك فى المزدلفة، وبعد أن صليا صلاة الصبح نهضا وواصلا سيرهما نحو مكان يسمى وادى المحسّر (١) وسارا فى هذا الوادى قدر خمسمائة ذراع سيرا سريعا.
وبعد ذلك أعدّا ذبيحة وذبحاها فى مكان يسمى مسجد «منحر»،وهو مسجد لطيف فى ناحية مسجد «الخيف» من منى.
وفى اليوم الثالث من وصولهم إلى «منى» رميا الجمرات التى جمعاها من المزدلفة بعد الزوال حسب الأسس الشرعية ثم توجها إلى مكة المكرمة بعد أن استراحا فترة فى وادى «محصب» (٢) وصليا فيه صلاة الظهر ثم عادا إلى مكة المكرمة.
وأخيرا عاد إبراهيم-﵇-إلى الشام وفى العام التالى أدى مع زوجته سارة وابنه إسحاق-﵈-فريضة الحج الشريف.
стр. 256
وفى هذه الرحلة نالت سارة الرعاية التامة والاحترام الفائق من إسماعيل- ﵇-وكلما تذكرت ما صدر منها نحو إسماعيل-﵇-فيما مضى خجلت وندمت، إلى أن توفيت أظهرت نحو إسماعيل-﵇ الود والمحبة.
واستمر حضرة الخليل طول حياته يذهب إلى مكة المكرمة ويعود مستصحبا ابنه إسحاق-﵇-وكذلك فعل ابنه-إسحاق-بعد وفاة والده (١) إذ كان يذهب كل عام إلى أرض الحجاز العطرة ويتلاقى مع أخيه وهكذا يشيد بنيان الحب والمودة بينهما ويوالى فى المصافاة.
قطعة
كان فى الرسالة أخوان ... كلاهما نهج الخليل منتهجان
أولهما فى الشام بدر يتألق ... والثانى فى الحجاز شمس تشرق
أولهما كان فى آية حسن سارة يرغب ... والثانى معجزة هجرة هاجر يطلب
أحدهما جده أمجد الأطهار ... والآخر من الأسباط المختار
ذكرهما فى لساننا ... على الدوام فى صلواتنا
وقد واظب المتوجون بتاج النبوة بعد إسحاق-﵇-وكل من آمن بنبوتهم ورسالتهم على الحج الشريف حتى سيدنا المسيح كانوا عند ما يصلون إلى حدود المسجد الحرام ينزلون من فوق دوابهم تعظيما له ويسيرون حفاة.
стр. 257
لائحة فى ذكر كيف قدمت وتشكلت حكومة العمالقة والجراهمة فى مكة
المكرمة .
لإسماعيل-﵇-من رعلة ابنة مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن حسن بن نبت بن جرهم بن قحطان اثنا عشر ابنا كانوا زينة الحياة الدنيا.
ويروى فحول المؤرخين أن أسماءهم مجهولة باستثناء نابت وقيدار وقطورا، وكل طوائف العرب صحيحة النسب هم من شجرة سلالة قيدار ونابت.
ورغم أن ابن هشام عدد بالترتيب أسماء أبناء إسماعيل فى السيرة التى كتبها، على أنهم:
ثابت أو نابت، قيدار، ذيل، منشى، مسمع، ماش، دماء، طيما، انطور، أزر، تيش، قبذها، فإن صاحب مفتاح العبر أيضا، قد صححها على أن تكون:
«نابت أو نبت، قيدرا، أدييل، بسام، مشمع، ذومان، ما، حراه، تيما، بطور، ناقش، قدما».
وكلتا الروايتين خاليتان من جلية الصدق والقبول.
كما اختلف المؤرخون أيضا فى تعريف وبيان قحطان أبى جرهم فقد اعتقد بعض المؤرخين أن قحطان كان فى الأصل ملكا.
وقد خلعت منه صفة الملائكة بسبب ما اقترفه من ذنوب وأخطاء وأهبط به على وجه الأرض على شكل إنسان!!
وعند ما هبط إليها تزوج واحدة من كريمات العمالقة فأنجب منها جرهم-سالف الذكر-لكن خطأ من يعتقدون صحة هذه الرواية بيّن واضح.
فإن قحطان الذى يقال إنه ملك هو عابر بن شالح من أبناء نوح-﵇ -وعند حدوث تبلبل ألسنة الناس ذهب إلى أرض اليمن حيث أصبح حاكما على من قبلوا الدخول فى طاعته أصبح أول حاكم على اليمن.
وعند ما بلغ إسماعيل-﵇-التاسعة والثمانين من عمره كان والده قد توفى.
стр. 258
كما توفى هو أيضا وترك الحياة الدنيا بعد مرور واحد وأربعين عاما على وفاة والده (١).
وأسندت إدارة حكومة مكة الجليلة إلى قيدار ونابت وقطورا ورغم أن نابت بن إسماعيل-﵇ الله الجليل-قد نجح فى حسن إدارة حكومة مكة المكرمة التى ورثها بعد وفاة والده، فإنه عند ما توفى، تولى الحكومة الجليلة لبلدة الله مضاض بن عمرو الجرهمى والد رعلة، وصهر إسماعيل-﵇ واشترط عليه أن يضم إلى كنفه أولاد نابت المتوفى وهكذا تولى رياسة قبيلة وحكومة مكة برضا القبائل الكبيرة وصعد فوق جبل «قعيقعان» الواقع ناحية شعب أبى طالب من جيل أبى قبيس، والتلال الواقعة حول هذا الجبل، ونصب الخيام هناك حيث أقام وأخذ سميدع بن هوش رئيس قبيلة قطورا (٢) جماعة العمالقة التى كانت تحت إمرته ثم توجه بهم إلى أسفل مكة وبعد فترة قصيرة صعد بهم فوق قمم جبال أجياد (٣) وبهذا تكونت داخل مكة المعظمة حكومتان صغيرتان وتم الاتفاق-بعد فترة-على أن يقوم مضاض بأخذ عشر البضائع التى تأتى من ناحيتى الشرق والشام ويأخذ سميدع رسوم البضائع التى ترد من ناحيتى الغرب واليمن بشرط ألا يتدخل أحدهما فى شئون الآخر.
وفيما بعد زاد عدد جماعة مضاض بن عمرو وعدد أتباع وأشياع سميدع بن هوش، وبمقتضى الحكمة القائلة «إن وجود حكومتين فى بلدة واحدة مضر»، نشب بين الجراهمة وقوم قطورا نوع من النزاع حول الملك.
стр. 259
وبظهور بعض الأشرار من الجانبين كان يقوم نزاع من حين إلى الآخر بينهما.
واستمرت هذه الحالة غير المستقرة فترة قصيرة ثم اتحد الجراهمة وهزموا جماعة قطورا وقتل سميدع، لذا عقد مضاض صلحا مع من بقى حيا من قوم قطورا الذين طلبوا الصلح وهكذا أصبح مضاض الحاكم الأوحد لمكة المفخمة.
وحتى هذه الواقعة-أى تاريخ استقلال مضاض بن عمرو الجرهمى بالحكم كانت حجابة الكعبة وسدانتها لبنى إسماعيل وكانت إدارة حكم البلدة المشرفة- مكة المكرمة لرؤساء الجراهمة وعقب وفاة نابت، ومقتل سميدع بن هوش استولى الجراهمة على سدانة بيت الله أيضا. ورأينا إدراج هذه الأبيات الصريحة فيما يتعلق بهذا الأمر.
نظم
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بتلك البيت والخير ظاهر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالى والحدود العواصر
والأبيات المذكورة من قصيدة طويلة نظمها عمرو بن الحارث الجرهمى وتحكى طرد وإخراج الجراهمة من مكة المعظمة وانتقال حكومة مكة الجليلة إلى بنى خزاعة.
وعند ما اختلت نظم إدارة حكومة جرهم وقطورا أخذ مضاض بن عمرو أبناء قبيلته المسلحين ونزل من جبل قعيقعان، كما اصطحب سميدع أيضا قومه المقاتلين ونزل من جبل أجياد، عازما ملاقاة مضاض الجرهمى والتقى الجمعان فى المكان المسمى «فاضح».
وكانت سيوف وسهام وحراب الجراهمة تقعقع وتصدر صوتا، ولهذا سمى الجبل الذى صعدوا عليه باسم «قعيقعان».
كما أن جند سميدع هبطوا من جبل «أجياد» وهم متفرقون ثم أطلقوا على الجبل المذكور اسم أجياد.
стр. 260
وقد التحم جند الطرفين فى القتال فى موقع «فاضح» سالف الذكر وفى النهاية قتل سميدع، وتعرض أفراد عشيرة «قطورا» للإذلال والإهانة كما أنهم لم يستطيعوا حماية رئيسهم لذلك سمى ذلك المكان «فضيح» لأنهم فضحوا بين العرب.
وعند ما تشتت شمل جماعة «قطورا» أرسلوا رجلا إلى مضاض بن عمرو وطلبوا الصلح.
فقرر أن ينتخب رجالا ذوى ثقة من الجانبين ليحددوا شروط الصلح وأرسلوا إلى مكان يسمى «مطابخ» (١).
وبعد أن تداول هؤلاء المبعوثون شروط الصلح وتشاوروا لمدة طويلة، تقرر إسناد أمر إدارة الطرفين إلى عمرو بن جرهم.
فرح عمرو الجرهمى بهذا القرار، واستدعى جند الطرفين إلى الوادى المسمى «مطابخ» وأقام لهم جميعا مأدبة كبيرة.
وأول حرب وقعت فى المدينة المقدسة مكة الفخمة هى حرب مضاض بن عمرو وأول من قتل فيها هو رأس عشيرة قطورا.
وبالتدريج قوى نظام الحكومة المستقلة التى تشكلت بحكمة مضاض بن عمرو وزادت مكانتها. وتكاثر أبناء وأحفاد قبائل الجراهمة التى كانت ترعى بنى إسماعيل وتحترمهم، لهذا اكتسبت حكومة مكة المكرمة قوة واسعة فى وقت قصير، وأصبح رؤساؤها من الملوك أصحاب الصولات فى ذلك العصر.
ورغم هذا لم تتسع أرض مكة الله المقدسة بالقدر الذى يليق لاستيعاب أهلها، ولهذا اضطرت القبائل للجلاء عن موطنها وانتشرت جماعات فى أطراف الممالك وبسبب صلة النسب، أظهر الجراهمة الرعاية والاحترام إلى أحفاد بنى إسماعيل،
стр. 261
ولهذا لم يرسلوا جندا إلى أى مكان قط إلا وحققوا النصر والظفر ونالوا القوة والعظمة حتى طردوا عدوهم القديم، طائفة العمالقة الباغية وأخرجوهم من البلدان، والطائفة المذكورة من الأمم السامية، ومن أحفاد «عمليق» بن لاو بن آد بن سام بن نوح-﵇، وعند ما تفرقت الألسنة نزلوا بساحة صنعاء اليمن، ثم رحلوا بعد ذلك إلى منطقة الحرمين الشريفين وانتصروا على كل من أظهر لهم العداوة وأهلكوهم وقد أقامت جماعة منهم فى بوادى الشام وعند ما عصوا الله أمر الله- -موسى ويوشع- ﵉-بقتالهم.
ورغم أن الملوك الجبابرة الذين استولوا على يثرب وخيبر وتلك النواحى وحكموها، كذلك فراعنة مصر كانوا من هذه الطائفة، إلا أن بنى إسرائيل قضوا عليهم جميعا وحكموا البلاد التى كانوا يحكمونها حتى قبيل مجئ الأوس والخزرج. وكان ديانة طائفة العماليق عبادة الأحجار والأشجار.
ورغم أن الجراهمة طردوا العمالقة الطغاة الغدارين وأخرجوهم من أرض الحجاز الطاهرة إلا أنهم انقسموا إلى قبائل متعددة وحكموا كل أرجاء مكة المكرمة لفترات طويلة.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن العمالقة كانوا من الأقوام الجبارة ويتصفون بشجاعة فطرية هذه الشجاعة التي غطت شهرتها الآفاق.
ولكنهم لما بدأوا فى الاستخفاف بحرمة الحرم الشريف الواجب التعظيم، وقصروا في رعاية بيت الله وفسقوا فيه ابتلاهم الله باليأس والحرمان فسلط عليهم الجراهمة الذين كانوا يستصغرونهم ويحقرونهم فغلبهم الجراهمة وأخرجوهم من منطقة الحجاز.
تفاصيل هذا البحث موجودة فى الصورة الثانية من الوجهة الرابعة من مرآة المدينة.
стр. 262
انتقال حكومة مكة إلى يد بنى خزاعة
بعد أن نجحت قبائل الجراهمة الباغية فى طرد طائفة العمالقة من الأراضى الحجازية المقدسة، نكلوا بهم واختار الجند مضاض بن عمرو أميرا لأنفسهم.
وبعد فترة من مقتل سميدع اتخذت عشيرة قطورا مضاض بن عمرو رئيسا لها بعد الانتصار عليها وزادت قوتهم وقاموا ببدع لا تليق بالمكانة الرفيعة لكعبة الله واتسموا بسوء الخلق وقاموا بما يستدعى غضب الله الجليل عليهم وظهرت آثار البغض والشقاوة والطغيان بانقطاع ماء زمزم الذى غار تماما.
واستخفوا بحرمة كعبة الله الشريفة، واستحلوا المحارم وما نهى عنه، وجرأوا على الاستيلاء على الأموال والهدايا التى يرسلها الملوك والحكام إلى البيت الشريف.
أحلوا الحرام وأخذوا يظلمون الناس ويعتدون عليهم بل تجاوزوا ذلك بأن منعوا الناس من زيارة مكة المعظمة فى خسّة ودناءة.
وكان مضاض بن عمرو رئيس هؤلاء المشئومين من الجراهمة قد جمعهم ذات يوم وخطب فيهم واعظا فقال: «يا طائفة الجراهمة اجتنبوا المظالم والمعاصى فى جوار بيت الله الشريف، وقوموا بالأفعال الخيرة تنالوا القبول والرضا عند صاحب الكبرياء. فقد سلطكم الله القادر على العمالقة البغاة، عند ما انتهكوا حرمة الحرم الشريف وقد تم طرد هؤلاء المشئومين من دائرة الفيض الإلهى ورأيتم كيف حرموا من دخول دائرة الحرم الشريف وسمعتم ما ابتلى به قوم هود وصالح وشعيب-﵈-من النوازل وأنواع البلاء.
وإذا تمسكتم بما أنتم عليه من رذائل الأخلاق فليس ببعيد وجود طائفة أقوى منكم فتطردكم وتخرجكم-مثل العمالقة-من حدود أرض الحجاز الميمونة «فأجابوه بقول يملأه الغرور (١) وهل يوجد بين العرب قوم أشجع وأجرأ منا، وهل
стр. 263
هناك من لديهم الرجال الأقوياء والأسلحة البتارة الأكثر والأكمل منا؟ حتى تجرؤ على حربنا وقتالنا وطردنا وإخراجنا من أرض مكة؟ فلماذا تزعجبنا بهموم الحرب والقتال واحتمال طردنا من ساحة مكة الله؟!
وعند ما شعر مضاض بن عمرو أن إصلاح أحوال القبيلة الضالة أمر غير ممكن وأن هذا الحال مقدمة لداهية كبرى، قام ذات ليلة وأخذ الغزالين الذهب وكانا محفوظين فى خزينة بيت الله، وبقية الهدايا القيمة وألقى بها كلها فى بئر زمزم الذى قد نضب ماؤها، ثم سد البئر المذكور بالحجارة والتراب. ثم اصطحب أولاد وأحفاد إسماعيل وأسرع راحلا إلى الأطراف حتى لا يتعرضوا للخذلان.
كما أوضحنا سابقا فى الوجهة الخاصة أن الأشياء القيمة التى أخفاها مضاض بن عمرو فى بئر زمزم أخرجها عبد المطلب بن هاشم فيما بعد فى أثناء حفره للبئر وأجريت قرعة بالاتفاق مع الرأى العام وكانت نتيجتها أن الغزالين كانا من نصيب البيت الأعظم وبقية الأشياء من نصيب عبد المطلب.
وقد قام عبد المطلب بتعليق الغزالين على جانبى باب الكعبة فزين بهما الكعبة وباع بقية الأشياء أنفق ثمنها كله على بيت الله، وأظهر بهذا مدى إخلاصه وعبوديته.
عقب خروج مضاض بن عمرو مصطحبا أحفاد بنى إسماعيل إلى أطراف البلدان اشتد بغى وطغيان الجراهمة، وتصرفوا حسب هواهم.
وعند ما أدرك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقبائل غبشان الخزاعى، قلة عدد الجراهمة، استعانوا بالقبائل المجاورة المقيمة فى البوادى لكى يغيروا على الجراهمة وكونوا جمعا كبيرا وأعلنوا الحرب على الجراهمة.
وبعد معارك كثيرة، حاصروا مكة المعظمة وضيقوا الخناق على الجراهمة البغاة، وطردوهم خارج حدود كعبة الله المحفوفة بالهدى.
وأول من تبوأ مقعد الحكم فى مكة المكرمة بعد الجراهمة هو غبشان الخزاعى.
стр. 264
ومن بعده أصبح عمرو بن الحارث الغبشانى أميرا لمكة، وقد توارث أبناؤه وأحفاده الولاية الجليلة لحكومة مكة حتى مجئ خليل بن حبشة بن سلولة صهر قصى بن كلاب.
وكان بنو خزاعة من ساكنى بلدة مأرب الواقعة على بعد ثلاث مراحل من مدينة صنعاء اليمن المشهورة.
وعند ما علموا أنها ستنهار نتيجة لخرق السدود والنقب وسيهجم سيل العرم ويغرق سكان بلاد «سبأ» ويمحوهم.
ولما قضت هذه الشائعة راحة الناس وكان منهم عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان فخرج وقد أخذ معه قبيلته المنقادة له وباع أملاكه ومتاعه وأسرع يبحث عن بلدة يسكنها. وكان يقابل أهل البلاد التى يمر بها ويغلبهم، مع هذا لم يستطع التكيف والتآلف مع ماء البلاد وهوائها التى يمر بها، لهذا عزم على الذهاب إلى أرض الحجاز المقدسة بناء على ما أخبرته به كاهنة تسمى ظريفة وبعد فترة وصل إلى حدود ميقات مكة.
وفى أثناء إقامته بلغه أن قبائل الجراهمة مصرون على رأيهم بمنع غيرهم من دخول مكة، فتشاور مع حكماء القبيلة. ورأى أن يرسل برسالة إلى الجراهمة يستأذنهم فى البقاء بأرض مكة المشرفة لفترة قصيرة، ولكن الجراهمة رفضوا رجاء عمرو بن عامر. ولما بلغ قولهم إنه يتحتم عليه-فى كل الأحوال-أن يزيل خيامه من عند حدود كعبة الله، وأن يرتحلوا إلى أى بلد آخر عندئذ قال لهم عمرو بن عامر: إننى أرى البقاء فى أرض مكة بلاد قيد أو شرط،فإذا كان هذا ملائما لكم فحددوا لنا مكانا مناسبا بجانبكم نكن إخوة لكم نعاونكم وننصركم، حسبما يقتضى الأمر. أما إذا صممتم على المعارضة والرفض، فسأسلب راحتكم وأستعمل معكم أساليب العنف والسيطرة والقوة القهرية، فأخرجكم من مساكنكم وبيوتكم وأطردكم خارج الحدود، وإذا تصديتم لقتالى فسأنتصر عليكم بعون الله وسأهين رجالكم بقتلهم بالسيف وأقيد أطفالكم ونساءكم بأصفاد الأسر.
стр. 265
ومع هذا القول فإنهم عارضوه فاستجمع كل قوته وحاربهم ثلاثة أيام وثلاث ليال متواصلة، وفى النهاية لاذ الجراهمة بالفرار فدخل مكة المكرمة، واستولى عليها وقضى على جماعات الجراهمة الذين قبض عليهم وقهرهم.
واشترك فى هذه الحرب غبشان الخزاعى مع أبناء بكر بن عبد مناة بن كنانة.
وقد هلك وقتل كثير من الجراهمة، جزاء وفاقا لما اقترفوه من مظالم ومساوئ وكانت عاقبتهم جميعا أن أخرجوا من مكة وأبعدوا مطرودين إلى جبال اليمن.
والواقع أنه ما من حاكم اعتاد على أن يظلم داخل مكة إلا وهلك، وأخرج هو وقومه وقبيله منها! حتى أطلق على مكة اسم بكة نظرا لأن المدينة المباركة تبك أعناق الجبابرة.
وعلى الذين يرغبون فى معرفة تفاصيل هذه الواقعة الرجوع إلى الصورة الرابعة من الوجهة الرابعة من مرآة المدينة.
وخرجت حكومة مكة المشرفة من أيدى الجراهمة، وما أن أصبحت فى قبضة الخزاعيين وتصرفهم حتى رجع إليها بنو إسماعيل المنتشرون فى الممالك والبلدان وأقاموا داخل الأرض المقدسة لكعبة الله، بعد أن استأذنوا الخزاعيين فى هذا.
وبعد فترة قصيرة التمس مضاض بن عمرو الجرهمى إذنا بالإقامة فى مكة المكرمة فلم يوافق أفراد بنى خزاعة علي إقامة مضاض أو أى فرد من الجراهمة فى أرض مكة الطاهرة وأجابوه إذا تجاوز أحد منكم حدود الحرم الشريف سنقتله بلا تردد.
واستقبل مضاض بن عمرو رد بنى خزاعة بالصمت وحدث نفسه قائلا:
«سأجد لى حيلة فيما بعد لأقيم فى مكة».
وذات يوم صعد فوق جبل أبى قبيس يبحث عن إبله. فرأى إبله المفقودة بين يدى بنى خزاعة يذبحونها ويقسمونها بينهم، فراقبهم لفترة طويلة ثم قطع الأمل فى استرداد إبله وقال فى نفسه: «إذ هبطت إلى الوادى لن تسلم من القتل كما
стр. 266
سبق أن هددوك من قبل «ثم أخذ أنصاره وأتباعه وشيعته الذين معه ووجه رجاله تجاه اليمن وخرج من أرض الحجاز المقدسة».
وكما يفهم من قصيدة عمرو بن الحارث بن مضاض التالى ذكرها أنه عند ما خرجت البلدة السعيدة المباركة من يد مضاض بن عمرو الجرهمى البلدة التى لا مثيل لها فإنه سقط من فوق كرسى الحكم، وأصبح شيخ قبيلة عادية أصابه الحزن والألم الشديد.
ومضاض بن عمرو هو الحادى والعشرون من ملوك الجراهمة الذين تولوا أمر السلطة فى البلاد الحجازية المقدسة.
وأول من تبوأ مقعد الحكم من ملوك الجراهمة هو جرهم بن قحطان، عاد وقد استولى على الأراضى الحجازية عند ما كان أخوه يعرب يتولى الحكم فى أرض اليمن مكان والده قحطان وهزم جرهم العمالقة واستولى على زمام الحكم.
وعند ما توفى جرهم بن قحطان آلت حكومة الحجاز إلى ابنه عبد ياليل بن جرهم وعند وفاته آلت إلى جرشم بن عبد ياليل وعند ما توفى جرشم آلت إلى عبد المدان بن جرشم، ومن بعده إلى ثقيلة بن عبد المدان وفى النهاية إلى عبد المسيح بن ثقيلة ومن بعده إلى مضاض بن عبد المسيح ومن بعده إلى عمرو بن مضاض وعند ما توفى عمرو آلت إلى أخيه حارث بن مضاض بن عمرو بن الحارث ولما توفى عمرو آلت إلى أخيه الحارث بن مضاض ومن بعده إلى عمرو بن الحارث وبعد وفاة عمرو آلت إلى أخيه بشر بن الحارث وبعده إلى مضاض بن عمرو بن مضاض وفى حياة مضاض هذا خرج حكم مكة من يد الجراهمة كما فصلنا القول فيه أعلاه. وأخذ بنو خزاعة حكم مكة فى أيديهم.
وهذه القصيدة من نظم عمرو بن الحارث وتحكى انتقال حكومة مكة المشرفة إلى إدارة بنى خزاعة.
стр. 267
القصيدة:
وقائلة والدمع سكيب مبادر ... وقد شرقت بالدمع منها المحاجر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت لها والقلب منى كأنها ... يلجلجه من الجناحين طائر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالى والحدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز يخطى لنا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحى غيرنا كإثم فاخر
ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فإن تنثنى الدنيا علينا بحالها ... كذلك بالناس تجرى مقادر
أقول إذا نام الخليل ولم أنم ... إذ العرش لا يبعد سهيل وعامر
стр. 268
وبدأة منها أوجها لا أحصاها ... قبائل منها حمير ويحابر
وصرنا أحاديثا وكنا يغبطه ... بذلك عفتنا السنون الغواير
فسحت دموع العين تبكى لبلدة ... بها حرم آمن وفيها المشاعر
وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به آمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر
وآلت الحكومة الجليلة مكة المكرمة إلى يد بنى خزاعة على النحو المذكور واستقل بنو خزاعة بزمام إدارتها وبعد ذلك أصابت الحمى كل أفراد القبيلة المنسوبة إلى عمرو بن عامر، وأدركوا أنهم لا مقام لهم بعد ذلك فى أرض مكة.
وبرأى ومشورة الكاهنة «ظريفة» هاجر «آزر» إلى «عمان» وثعلبة بن عمرو بن عامر إلى الشام والأوس والخزرج أجداد الأنصار الكرام إلى جوار «المدينة المنورة».
وبقى ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر المشهور بلقب (لحى) داخل مكة وتولى القيام بمهام حكومة مكة وأمور حجابة الكعبة.
إخطار:
تولى بنو خزاعة إدارة حكومة مكة المكرمة لمدة ثلاثمائة عام، وخلال هذه الفترة هزموا الجند الذين أرسلهم ملوك اليمن لتخريب بيت الله شجاعة فى الدفاع عنه.
стр. 269
ورغم أن بنى إسماعيل طوال فترة إقامتهم فى مكة المعظمة كانوا تحت إدارة الحكومة المستقلة لبنى خزاعة، ولم يتدخلوا فى مسائل الحكم، ولم يخالفوا أحدا قط إلا أن قصى بن كلاب بن مرة بعد ثلاثمائة سنة من حكم بنى خزاعة استطاع أن يحقق قوة وسطوة ويتولى إدارة حكومة مكة، وجمع كل أفراد القبيلة التى ينتسب إليها وأسكنهم داخل حدود مكة، وعززهم وأكرمهم. وبناء على ذلك أطلق عليه بين القبائل لقب «المجمع» وأصبحت قريش التى تنتسب إليه تشكل القبيلة الغالبة.
وقبيلة قريش الجليلة هى جماعة تنتهى إلى النضر بن كنانة وبناء على الجرائم التى ارتكبها الجراهمة كما ذكرنا سالفا تفرقوا فى أطراف البلاد حتى لا يتعرضوا لغضب الله ذى الجلال.
وكما ذكرنا فى الصورة الثامنة من هذه الوجهة أنه بجهد قصى بن كلاب تجمعوا وتقرشوا في مكة المكرمة ولهذا أطلق عليهم اسم «قريش».
***
стр. 270
الصورة السادسة
توضح كيف تم تجديد البيت العتيق فى المرة الخامسة وكيف نجح العمالقة فى
تجديده
على الرغم من أن بعض المؤرخين قالوا: إن بناء العمالقة حدث فى المرة الخامسة، إلا أن الرواية التى نقلها الإمام الأزرقى عن عبد الله بن عباس تلمح وتشير إلى أن بناء الجراهمة حدث بعد عمارة العمالقة للكعبة، حيث يقول الإمام الأزرقى فى تاريخه: فى الأزمنة القديمة، توطنت فى مكة المكرمة طائفة تسمى العمالقة وكان كل أفرادها-بصفة عامة-مفرطين فى الثراء، وكانوا أقوى الطوائف على وجه الأرض وكانت حكومة البلدة فى أيديهم.
هذه الطائفة المذكورة، كانت كلها تملك الخيول الأصيلة المرغوبة لدى العرب، وكذلك الإبل وسائر الدواب الجميلة والمرغوبة يشتغلون برعى الدواب فى المراعى بضواحى مكة. أما قوتهم وقدرتهم فكانت مفرطة. وفى زمانهم كانت البقعة المقدسة التى بناها سيدنا إبراهيم-﵇-قد أوشكت على الخراب والانهيار وذلك بعد انقضاء زمن طويل على عصر الخليل الجليل.
وبناء على ذلك اتفق رؤساء القبائل فيما بينهم على تجديد ما تهالك من بيت العزة وفى أثناء ذلك كان الجراهمة أيضا فى مكة، لكن حكومة مكة الله وسدنتها كانت مقصورة على رؤساء العمالقة. وعند ما حازت هذه الطائفة القوة والثروة وأصبحت جوانب مكة المكرمة الأربعة مزدانة بالمروج الخضراء والأشجار المثمرة التى تثير البهجة مالت الطائفة المذكورة إلى متع الحياة واللهو وغاصوا فى الفجور والفسوق، وسار الأمر على هذا المنوال فطغوا وبغوا باعتيادهم الظلم والفساد.
وبلغت مفاسدهم إلى الحد الذى لا يستطيع فيه الرجل أن يستظل بظل شجرة، أو أن يأخذ شربة ماء من أية عين للماء ما لم يدفع نقودا وكانت عاقبة
стр. 271
الأمر أن زالت دولتهم وشوكتهم وأفل نجمهم وأدبر سعدهم حيث تسلط عليهم نوع من النمل فاضطروا للرحيل.
ورحلوا إلى ديار اليمن حيث مساكنهم ومبانيهم القديمة ولم يستطيعوا العيش هناك، وهلكوا جميعا وطوال فترة قيامهم بالمحافظة على البناء المقدس لبيت الله، ولهذا فإن الجدران العالية (١) للبقعة المقدسة لبيت الله-التى جدودها-خربت تماما ومحيت كلها، وبقيت بقية الحجارة التى وضعت فوق الأساس الخالد الذى وضعه إبراهيم ومنها عرف الناس الموضع المبارك لبيت الله فأصبحوا يطوفون به وفى النهاية حددته طائفة الجراهمة.
***
стр. 272
الصورة السابعة
تبين طريقة تجديد البيت الأكرم فى المرة السادسة
قام الحارث بن مضاض الأصغر (١) من طوائف الجراهمة بتجديد البناء القديم لكعبة الله فى المرة السادسة، فقام بتركيب مصراعين لباب المعلا بالكعبة ثم وضع عليه قفلا. أما سبب هذا التجديد فهو السيل الذى روى عنه أبو جهم بن حذيفة -رضى الله عنه-أنه خرب بيت العزة. وقد نزل السيل المذكور من أعلى مكة ودخل البيت الشريف وهدم البناء الكريم لبيت الله الذى سبق وأقامه العمالقة والملوك الذين جاءوا بعد قيام الحارث بن مضاض بتجديده على النحو السابق.
عمر الجراهمة الكعبة المعظمة ورمموها مرة تلو مرة، ولما ضلت قبائل بنى جرهم بمرور الأيام وانحرفوا، ظلموا وفسقوا وفجروا وعمتهم الفوضى، مثل العمالقة البغاة.
وكما ذكرنا فى البحث الخاص بانتقال حكومة مكة إلى بنى خزاعة فإنهم لم يصمدوا لهجوم بنى خزاعة، وتركوا البلدة المكرمة.
وبعد فترة من انتقال حكومة مكة إلى بنى خزاعة، خرب ودمر بيت الله بسيل عظيم اجتاح مكة المكرمة.
وقد سمى هذا السيل «القارة» إشارة إلى غرق امرأة اسمها «قارة» من قبيلة بنى بكر.
وبعد انحسار مياه السيل أقام بنو خزاعة جدارا منخفضا حول البيت الشريف للوقاية من السيول التى تكررت من بعد وتركوا البيت الحرام على حاله القديم وظل البيت على نفس الحال حتى زمن قصى بن كلاب.
стр. 273
الصورة الثامنة
فى ذكر طريقة تجديد وبناء كعبة الله فى المرة السابعة
بنى قصى بن كلاب بن مرة البيت المعظم فى المرة السابعة وقصى بن كلاب بن مرة من الأجداد الكرام لحضرة النبى صلوات الله عليه وسلامه. وهو الجد الرابع لسلطان الأنبياء عليه وعليهم التحية والذى علا بنسبهم.
إخطار:
إن إحصاء أجداد النبى حتى الجد الواحد والعشرين ومعرفتهم بالترتيب أمر جائز، وقد قام به المرحوم عثمان عريانى أفندى الكليسى فى شرح القصيدة النونية التى أطلق عليها اسم «جبر القلائد فى شرح جوهر العقائد».ليس من شروط صحة الإيمان معرفة أسماء آباء وأجداد وحفدة سيدنا النبى عليه أكمل التحيات ويكفى لصحة الإيمان معرفة اسمه الشريف فقط.
وعدنان هو الجد الحادى والعشرون من الأجداد المعروفين لحضرة النبى، وأنه آخر الأشخاص الجائز تعدادهم من أجداد حضرة نبينا ﷺ -ولا يوجد مسوغ شرعى لتعداد من سبقوه.
وحسب ما جاء فى كتاب النسب الذى ألفه زيد بن بكار أن قصى بن كلاب بن مرة، عند ما استقل بحكومة مكة المشرفة شرع فى هدم البيت العتيق بعد أن أعد كل ما يلزم لبنائه.
وقام ببنائه وتجديده وجعله بناء ضخما رصين الأركان وكان تجديده له على نسق وشكل لم يسبقه إليه أحد.
ولم يكن هدفه من هذا تزيين بيت الله محط الإخلاص وبناءه وإنما أراد أن ينقذ تلك البقعة المقدسة من حالة الخراب.
ولم يعترف مجموعة من المؤرخين السابقين بالانهيار الذي حدث للكعبة فى
стр. 274
المدة ما بين حضرة الخليل وقصى بن كلاب وقالوا: إن قصى بن كلاب هو أول من هدم البناء المقدس لبيت الله الأكرم وبناه من جديد.
وقال أيضا الإمام الماوردى هذا القول وذكر فى كتابه «الأحكام السلطانية» رأيه مفصلا وقال: «إنه بعد سيدنا الخليل-﵇-قام قصى بن كلاب بن مرة بهدمه وتجديده ودعمه ببناء مسقوف بأشجار النخيل ومن أخشاب بلاد الروم وكان ارتفاع جدرانه يزيد تسعة أذرع عن بناء الخليل، وبنى كل مواضعه فى صورة جميلة لطيفة وفق الأسلوب القديم لسيدنا إبراهيم.
وعلى هذا التقدير فإن العمالقة والجراهمة لم يجددوا بناء البيت العتيق بل رمموه وأصلحوه مرة أو مرتين فقط.
انتقال حكومة مكة المكرمة إلى قصى بن كلاب بن مرة:
عند ما توفى كلاب بن مرة بن كعب، كان ابنه قصى صغير السن أما والدته فاطمة بنت عمرو بن سعد بن سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جشعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نضر بن الأزد فى أعقاب وفاة زوجها سالف الذكر تزوجت من شخص يدعى ربيعة بن خرام بن حبة بن عبد بن كبير بن عذرة بن زيد بن سعد الذى جاء إلى مكة المكرمة مع حجاج بنى قضاعة وذهبت مع ابنها قصى بن كلاب إلى أراضى الشام حيث يقيم زوجها الجديد (١).
وسعد هذا الذى يعتبر من بين أجداد ربيعة بن خرام كتب عنه واحد من شعراء عصره أنه أجرأ وأشجع أبطال عصره ومدحه وأثنى عليه بهذه القطعة.
لا أرى فى الناس شخصا واحدا ... فاعلموا ذاك كسعد بن سيل
فارس أضبط فيه عسرة ... وإذا ما عاين القرن نزل
فارس يستدرج الخيل كما ... يدرج الحر الفطام الجمل
стр. 275
وعند ما بلغ قصى بن كلاب سن التمييز وأصبح قادرا على التفوق بين الحسن والردئ-إذ نمت قوة إدراكه-نشبت نار النزاع واشتد الاضطراب بين القبائل واشتعلت الفتنة بين جماعة آل ربيعة التى ينتمى إليها زوج أمه اضطرب مزاجه وسلبت منه راحته وطمأنينته، ذلك لأنه لم يكن من قبيلة ربيعة رجل يعرف أن كلاب بن مرة هو والد قصى سوى ربيعة، ولهذا كان أرباب السوء من القبيلة يؤلمونه ويعيرونه بأقوال مثل: إن والدك غير معلوم لنا وما ألجأك إلى قبيلتنا سوى انتسابك إلى قبيلة مجهولة لا اسم لها ولا شهرة فلو كان قومك معروفين لك لكنت تحتمى بهم تستنصرهم لتنجو من شرنا.
وقد التوى ابن كلاب من هذا الأمر وانزعج من نباح كلاب بنى ربيعة وقص ما جرى بالتفصيل على أمه فاطمة وشكا لها باكيا متألما وأبدى ما أصيب به من جرح فى نفسه.
وكانت فاطمة أم قصى من أعقل النساء فقالت لابنها لكى تطفئ نار حزنه وتسرى عنه وكأنها تصب عليه ماء الحياة: يا بنى أنت من الصلب الشريف لكلاب بن مرة فأنت أكرم من أبناء آل ربيعة ومن كل الوجوه وأنت أشرف نسبا وأعظم حسبا من كل قبائل العرب، إن قومك وقبيلتك يقيمون فى نواحى مكة المعظمة ويسكنون منذ زمن طويل حول حرم الله.
وهكذا أخبرته أنه ينتسب إلى قبيلة كبيرة من أشرف القبائل العربية.
وعند ما سمع «قصى» هذا الكلام من أمه أراد أن يلحق بقبيلته ويذهب إلى مكة المكرمة وعزم على ألا يعود إلى أرض قضاعة بعد ذلك أبدا فنصحته أمه قائلة: يا بنى لا تتعجل وانتظر إلى أن يحل الشهر الحرام واذهب آنذاك-مع قوافل الحجاج العرب فأنا لا أحبذ سفرك بمفردك ولما حان وقت الحج ذهب إلى منطقة الحجاز برفقة حجاج قبيلة قضاعة وبعد انتهاء الحج أقام خيمة حول كعبة الله وأقام فيها.
وكان قصى حازما بارعا جلدا، وبعد فترة من إقامته فى مكة عرف أهلها شرف حسبه وفضل نسبه فأكرموه كرما شديدا.
стр. 276
وزاد توقير الناس له وتعظيمهم إذ تزوج ابنة حليل بن خبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى وهو من أعظم رجال بنى خزاعة آنذاك تولى حجابة البيت بعد أن استولى على حكم مكة المكرمة ورئاسة القبائل.
وعلى قول آخر إنه تزوج من عاتكة ابنة فالخ بن مليك بن قالخ بن ذكوان السليمى وحظى منهم بكل مظاهر التوقير والاحترام والقول الأول مرجح على الثانى وقد ثبت أن حليل بن خبشية صهر قصى بن كلاب حقا وعلى هذا فإن «حبا» هى الجدة الرابعة من جدات الرسول ﷺ .
وبعد هذه المصاهرة بين قصى بن كلاب وحليل بن خبشية اتسع نطاق قدرته ومكانته بالتدريج وتزايد أبناؤه وخدمه وحشمه وأصبح واحدا من صناديد القبائل العظام. وفى أثناء مرض صهره حليل بن خبشية، ترك مفتاح البيت تبعا للقواعد المرعية فى ذلك الوقت وأوصى به إلى ابنته «حبا» زوجة قصى بن كلاب.
ولما كانت «حبا» عاجزة عن إدارة أمور البيت وزوجها ليس من أفراد بنى خزاعة فهى لا تتجرأ أن تعطى مفتاح البيت الشريف لزوجها، ولكن لطول مدة مرض والدها كلفت زوجها قصى بن كلاب مهمة فتح وإغلاق بيت الله. وعلى قول آخر أنها أسندت هذه المهمة إلى أبنائها. ولما اتضح لحليل بن خبشية أنه أصبح على قاب قوسين من الموت عين زوج ابنته ولى عهد له وسلمه مفتاح بيت الله.
وبالرغم من هذا، أخذ صناديد خزاعة المفتاح من قصى بن كلاب عقب وفاة صهره وأعطوه-حسب العادة-إلى أبى غبشان سليم بن عمرو بن لؤى بن ملكان من كبار طائفة بنى خزاعة، وفوضوه فى أمور حجابة وسدنة وخدمة كعبة الله المقدسة. وكان أبو غبشان رجلا فاسدا مدمنا للخمر لا يهتم بأمور الدنيا وهمومها وفى يوم من الأيام وهو فى بلدة الطائف غارق فى ملذاته حسب عادته فقد وعيه ونفذ صبره وثرثر بكلام كثير فقال من ضمن ما قاله
стр. 277
لرفاقه فى مجلس اللهو، إنه لا يهمه أن يبادل مفتاح كعبة الله الأمانة الكبرى بقدح من خمر.
وتداولت الألسن هذه الشائعة حتى بلغت سمع قصى بن كلاب فأخذ لتوه قربة شراب وأعطاها (١) لأبى غبشان وأخذ منه المفتاح الشريف فى حضور عدة أشخاص وأرسل ابنه عبد الدار ليلا إلى مكة المباركة، يبلغ أهلها بالأمر فأصبح بهذا صاحب المفتاح الشريف، وسعد أعظم سعادة.
وعند ما أفاق أبو غبشان واسترد وعيه أراد أن يسترد مفتاح الكعبة من ابن كلاب، ولكن الأمر كان قد شاع بين أهل مكة ولما رفع الأمر إلى ما يشبه المحاكمة بين المتخاصمين ثبت بشهادة الشهود أن أبا غبشان قد أضاع المفتاح وليس له أحقية فى استرداده وضربت الأمثال فى ذلك إذ يقال «أحمق من أبى غبشان» و «أخسر من أبى غبشان».
ويضرب العرب-الآن-مثل «أخسر صفقة من أبى غبشان» للذين يخدعون فى البيع والشراء والذين يتعرضون لمصيبة كبيرة.
وقد انزعج أشرار بنى خزاعة لامتلاك ابن كلاب للمفتاح الشريف، وكثر القيل والقال فى هذا الموضوع وأخذت نار الخصام تشتعل بينهم لأتفه الأسباب فى مبدأ الأمر إلى أن اندلعت فتنة عظيمة أدت إلى الحرب.
ولما كان طالع الحرب فى عون قصى، فقد سعد بشرف الحصول على إدارة حكومة مكة.
وفى أثناء اتحاد آل خزاعة ضد ابن كلاب، جمع قصى قومه من قريش وبنى إسماعيل للتصالح والاتفاق مع آل خزاعة فى مجلس صلح، ولكن بمجرد النقاش فى الموضوع ارتفعت الأصوات وتحول النقاش الجارى بينهما إلى نزاع وشجار.
стр. 278
وأعد كلا الطرفين من فى جانبهما من المتحاربين وتهيئا للقتال والمبارزة والحرب ووجهوا كل ما فى طاقتهما للصراع الشرس وتشابكا.
ولاحت علامات النصر والظفر فى جانب قصى بن كلاب بن مرة وانفرد ابن كلاب بإدارة الحكومة الجليلة للحرم الشريف ورئاسة القبائل، وطرد آل خزاعة من أرض مكة المباركة العطرة وأقصاهم عنها، وتأمر ذوو الشأن وكبار القبائل التى انطوت تحت جناح ابن كلاب، برئاسته واستقلاله فأظهروا له الولاء والتبعية والاستسلام.
وقد أورد مؤلف كتاب «الاكتفاء» هذه القصة بطريقة أخرى إذ قال: «عند ما توفى كلاب بن مرة» كان ابنه قصى حديث الفطام من الرضاعة وتزوجت أمه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن خرام من قبيلة قضاعة. واصطحب ربيعة هذا فاطمة أم قصى. إلى بلاد بنى قضاعة وأنجبت من زوجها الجديد غلاما اسمه «زراح».
تربى ابن كلاب مع أخيه من الأم «زراح» وعند ما بلغ سن الرشد، ذهب إلى مكة المكرمة مع حجاج بنى قضاعة للزيارة وبعد الحج أقام بجوار حرم الله وأعلن لأهل مكة أنه من فروع نسل إسماعيل وتزوج من «حبى» ابنة حليل بن خبشية وهو من رؤساء آل خزاعة وهناك قول أن اسمها «حسبا» وفى رأى أنها عاتكة بنت فالج فأصبح بذلك ذا عزة وشأن.
وأنجب قصى أربعة أبناء يتصفون بالشجاعة هم: عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد قصى وبعد ذلك انتزع سدانة الكعبة المباركة وإمارة مكة المكرمة من أيدى بنى خزاعة وكانت حكرا لهم.
وأخذ يفكر فى وسيلة لإلغاء نظام «الإجازة» الجائرة التى كانت مرعية بين العرب لكنه كتم آماله فى قلبه إلى أن يجد طريقة لتنفيذها فى ذهنه. وأدرك أن هذا الأمر فى حاجة إلى إعداد قوة عسكرية كبيرة وتهيئة الأسباب التى تحقق هذا.
стр. 279
كما أنه متوقف على عقد أوهام الإتحاد والائتلاف والاتفاق مع شيخ قبيلة قريش وبنى كنانة وعرض ما فى ضميره على رؤساء القبائل المذكورة.
وبرأى ومشورة أكبر حكماء هذه القبائل أبلغ أخاه من الأم «زراح» ابن ربيعة الذى يقيم فى بادية بلاد قضاعة ونشر «زراح» أفكار أخيه قصى العادلة وأبلغه بأن أبطال قبيلة قضاعة سيساندونه. وفى الميعاد المحدد انطلق زراح نحو مكة، ومعه عدد كبير من الأبطال الذين جمعهم إخوته من الأب حسن ومحمود وجمعهم تحت لوائهم وقد أعدوا أقوى أسلحة ذلك العصر مستعدين للهجوم والحرب.
وفى ذلك الوقت كانت قبيلة صوفة التى تنسب إلى غوث بن مرة قد تولت- كابرا عن كابر-إجازة عرفات ورمى الجمار وكذلك الأمر بالنسبة للقبيلة التى تنتهى إلى عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان إذ كانت مختصة بإجازة المزدلفة، وكانوا يتولون توصيل حجاج بقية القبائل فى موسم الحج إلى عرفات ويعودون بهم كما كانت قبائل بنى خزاعة تقوم بحفظ وحراسة البقعة المفخمة للكعبة المشرفة.
وقد بلغ هذا التحكم والطغيان مداه لدرجة أن قبيلة صوفة وهى تضم من بقى من الجراهمة-لم تكن تسمح لأحد من الحجاج بالصعود إلى عرفات ثم العودة إلى المزدلفة، ما لم تكمل أفراد القبيلة رمى الجمرات وكذلك طائفة «عدوان» لم تكن تسمح بالمرور طالما لم تكمل الوقوف بالمزدلفة.
حتى إن قبيلة «صوفة» فى يوم رجوعها إلى مكة، كانوا بموجب ميثاق مكتوب يقطعون عمرة منى ولا يفسحون الطريق إلى حجاج بقية القبائل طالما لم يمروا هم جميعا من الممر.
استطراد:
ولفظ «صوفة» هو لقب «غوث بن أد» الذى ينتسب آباؤه إلى جماعة قبيلة مضر، وعلى قول، إنه لقب غوث بن مرة بن قرة بن طابخة بن إلياس بن مضر.
стр. 280
والأفراد الذين ينتسبون إلى هذه الجماعة توارثوا خدمة الكعبة المشرفة منذ الجاهلية على النحو الذى وضحناه آنفا. وقد انتقلت إلى أفراد هذه القبيلة مهام الإجازة والإفاضة من عرفات واقتصرت عليهم لهذا يقف أحد أفراد هذه الجماعة بعد الوقوف بعرفات ويصيح بصوت عال «أجيزى صوفة» ويعقبه آخر صائحا «أجيزى خندف».
بناء على هذا تتحرك من عرفات كل البطون التى تنتسب إلى هاتين الجماعتين ثم يتحرك بعدهم بقية الحجاج.
نشأة الإجازة:
ابتدعت وظيفة الإجازة فى زمن غوث، وحصل غوث على هذه الوظيفة من قبل أمه.
كانت أم غوث امرأة من الجراهمة وقد ظلت لفترة طويلة عاقرا بدون أبناء وذات يوم نذرت قائلة: «يا رب إن أنجبت ولدا سوف أنذره للكعبة» وسرعان ما حملت وعند ما وضعت غوثا بعد مرور تسعة أشهر قدمته لخدام الكعبة المفخمة وفاء بنذرها وكبر غوث وعند ما بلغ السن الذى يقدر فيها على العمل أخذ يقوم بخدمة الكعبة المشرفة لفترة طويلة. وهكذا اكتسب حب الناس واحترامهم وزادت مكانته فى أعينهم وكان وفيا بعهده، لذا كان الناس يستشيرونه فى كل أمر ويعملون وفق مشورته.
وزاد نفوذ غوث بالتدريج حتى أصبح أمر الذهاب إلى عرفات والعودة منها مقصورا عليه.
وفى تلك الأثناء وضع قواعد الإجازة وعند ما وهبت أم غوث ابنها للكعبة المشرفة وفاءا بنذرها أنشد والدها مرة أو أد هذه الأبيات
إنى جعلت رب من بنية ... ربيطة بمكة العلية
فباركن لى بها إليه ... واجعله لى من صالح البرية
стр. 281
وكان غوث يقول عند ما يعطى أمر القيام من عرفات:
لا هم إلى تابع بتاعه ... وإن كان إثم فعلى قضاعة
وبعد وفاة غوث انتقل السماح للحجاج بالتحرك من عرفات والبدء فى رمى الجمرات إلى أبنائه وأحفاده.
ولما أوشكت هذه القبيلة على الانقراض أخذ أمر الإجازة أبناء بنى سعد بن زيد مناة بن تميمة إلى أن انتقلت هذه المهمة إلى أيدى بنى سعد وكان رؤساء الجماعة سواء من جاءوا من صلب غوث، أو من نسل أبنائه وأحفاده كلهم يقال لهم، صوفة.
وجماعة بنى سعد هم الذين ذكرناهم من قبل أفراد قبيلة تنتهى إلى آل صفوان بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وصفوان بن شحنة أول من تولى من هذه القبيلة وظيفة إعطاء الإجازة إلى الحجاج فى عرفات.
وسلسلة نسب كرز بن صفوان الذى تشرف بإدراك عصر النبوة الميمون ترتبط بشجرة هذه القبيلة وتحكم آل صفوان فى ممارسة مهمة الإجازة إلى الحجاج لم يكن يقل عن استبداد قبيلة صوفة.
لم يكن باستطاعة أحد من الحجاج أن يتجرأ على العودة من عرفات ورمى الجمار فى صحراء منى قبل أفراد آل صفوان حتى ضاق بهم الناس أشد الضيق واستاءوا أشد استياء.
وكان الحجاج كلما ألحوا فى الرجاء والتوسل إلى رجال بنى صفوان فى أيام رمى الجمار قائلين أغيثونا إن الوقت يمضى. كانوا يجيبون عليهم بكلمات غير لائقة قائلين: «كلا كلا ما زال الوقت مبكرا فلم تمل الشمس بعد إلى الغروب» فإذا رجوهم وتوسلوا إليهم أن يستعجلوا بعض الشئ كانوا يمعنون فى التأخر
стр. 282
ولم يكن الحجاج فى فترة الانتظار يكفون عن الشتائم والسباب والدعاء عليهم كما كان إحساسهم بالانكسار مفرطا.
وكانوا يماطلونهم، فى ممر منى ويسمحون بالمرور أولا لأتباعهم ببط ء ثم يأذنون للناس بالمرور.
وقد تحمل الحجاج هذه المضايقات التى توغر الصدور رضوا بها أم لم يرضوا حتى انقرضت سلالة «آل صوفة» أو «آل صفوان».
يكفى لإثبات مدى تحكم آل صفوان واستبدادهم هذه الأبيات التى قالها (أوس بن تميم السعدى) فى أثناء توليهم ممارسة إعطاء الإجازة للحجاج.
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
وبناء على ما قيل أعلاه-عند ما كان رؤساء آل صوفة وآل صفوان يضيقون على الحجاج ويتحكمون فيهم كما ذكر كانت الإفاضة من المزدلفة، وإعطاء الأمر والإجازة فى يد بنى عدوان وحكرا عليهم كما يتضح ذلك من الأبيات الآتية كيف أنهم توارثوا كابرا عن كابر مهمة الإجازة.
غدير الحى من عدوان ... كانوا حية الأرض
بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
والموفون بالفرض ... والموفون بالفرض
بالسنة والفرض ... بالسنة والفرض
فلا ينقض ما يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
كان أبو سيارة عميلة بن الأعزل ممّن بقى من أفراد قبيلة عدوان. وقد أدرك عصر النبوة (١).
стр. 283
وفى العصر الذى أشرقت فيه شمس الإسلام وأصبحت تبعث الضوء فى عيون الأنام، كان أبو سيارة هذا يتولى إجازة المزدلفة كما يفهم من خلال هذه القطعة الشعرية التالية.
نحن دفعنا عن أبى سيارة ... وعن مواليه بنى فزارة
حتى أجاز سالما حماره (١) ...
مستقبل القبلة يدعو جاره
قوله «سالما حماره» يشير إلى إعطاء أبى سيارة رخصة الإفاضة من المزدلفة للناس، من فوق ظهر الحمار وهو مطابق تماما لرواية سيرة ابن هشام.
وقد قلنا فى بداية الاستطراد إنه عقب وقفة عرفات، يقف واحد من آل صفوان، ويقول أجيزى صوفة ثم يقف شخص آخر بعده يصيح قائلا «أجيزى خندف»،وقد عرفنا من الذى يلقب صوفه والآن يجب أن نعرف ما المقصود بخندف.
و «خندف»:هو لقب سيدة تسمى ليلى بنت حلوان بن عمران وهذه السيدة هى زوجة إلياس بن مضر (٢) من أجداد النبى الكرام.
وتبعا لما ذكره الذين نقلوا أو تحدثوا عن سبب تسمية ليلى بنت حلوان باسم خندف (٣) مسوق فى الرواية الآتية: إن ليلى هذه أنجبت ثلاثة أبناء من إلياس هم:
عمرو وعامر وعميرة. وذات يوم وبينما كان هؤلاء يرعون إبل أبيهم إلياس جفلت الإبل من وثبة أرنب نافر. وعند ما رأى عمرو جفول الإبل وتفرقها، قفز سريعا من داخل الخيمة وجرى من خلف الأرنب حتى أدركه وأمسك به فسمى مدركة.
стр. 284
ولما أخذ عامر الأرنب وطبخه فأسموه طابخة ولمّا فضل عمير البقاء فى داخل الخيمة والانقماع فيها قيل له قمعه، ولما رأت الأم ليلى ابنيها خرجا مسرعين من الخيمة أسرعت تجرى خلفهما، وفى أثناء الطريق قابلت زوجها «إلياس» الذى سألها قائلا: إلى أين أنت ذاهبة؟ فلما أجابت: قد جئت من خلفكم مخندفة أطلقوا عليها خندف، لأنه كان من عادات العرب فى الجاهلية تلقيب الناس اقترانا بالأحداث.
جاهلية العرب:
أطلق على جميع العرب الذين عاشوا قبل البعثة المحمدية أهل الجاهلية وذلك لشدة جهالتهم.
وبناء على بعض الأقوال يطلق الجاهلية للفترة التى خلت من الأنبياء. وادعى بعض المؤرخين أن فترة الجاهلية تطلق على الفترة التى سبقت الذين عاشوا بعد هذه الحادثة التى وقعت بسبب جهل العرب وهى أن «كنانة بن خزيمة» تزوج من مطلقة والده وزوجة ابنه «مرة» وأنجب منها نضر والظاهر أن هذه الرواية خاطئة وأثر من آثار البلاهة.
وتبعا لما نقل وروى المرحوم الشيخ (تاج الدين اليمنى أبو عثمان عمرو بن بحر) الذى حقق هذا الأمر بدقة وكذلك كل أئمة السير يؤكدون أن برة التى تزوجها كنانة-سالفة الذكر-فيما بعد ليست هى برة زوجة أبيه ومطلقة ولده خزيمة.
وإن كان كنانة قد تزوج مرة ثانية من امرأة اسمها برة إلا أنها كانت بنت أخ امرأته الأولى برة أخت مرة بن أد. لم ينجب كنانة من زوجته الأولى برة ولأجل ذلك تزوج مرة أخرى بموافقة زوجته وتصويبها لرأيه تزوج برة بنت مرة بن أد أخو امرأته الأولى وأنجب منها كنانة.
وبما أن بنت مرة التى تزوجها كنانة كانت تشترك فى اسم برة مع امرأة أبيه خزيمة ولوجود صلة القرابة بين الاثنتين قد أدى إلى وقوع الخطأ فى أقوال كثير من المؤرخين.
стр. 285
وبناء على ما قرره أئمة علم الأنساب الذين صاغوا لآلئ بحر نسب معلم الكائنات-عليه أطيب الصلوات-أن الجوهر النقى لحضرة سيد الكائنات نبينا- عليه أطيب الصلوات-انتقل من مستودع الأصلاب الطاهرة وقوة ظهر العرب العرباء إلى درة وشاح ظهور الأمهات إلى أن آلت إلى الصلب الطاهر لعبد الله بن عبد المطلب ووصلت منه إلى رحم أمه آمنة بنت وهب، وكل هذه السلسلة من الآباء والأجداد من أعرق الأصول من جهة الآباء والأمهات لذا خلا من دم فاسد إذ تم زواج هؤلاء وفق الشريعة الغراء لعصرهم وجاء طاهر النسب بعيدا من دنس السفاح. انتهى.
ولا بد أن وصول زراح بن ربيعة-أخى قصى بن كلاب من أمه-إلى مكة المكرمة مع القوة العسكرية الكافية، قد صادف موسم الحج، حيث أعلن ابن كلاب بن مرة على الناس أنه لا يجوز إبقاء عادة الإجازة، ورأى ذلك فرصة مناسبة لطرد بنى خزاعة عن الحدود الميمونة لحرم الله.
وأسرع بمطالبة أصحاب الإجازة أن يكفّوا أيديهم عن تنفيذ ما يأملونه ووجه الحديث إلى رؤساء قبيلة صوفه الذين قطعوا الطريق على الحجاج ليمنعوهم من المرور فى مضيق منى يوم رجوع الحجاج إلى مكة المكرمة وقال لهم: يا معشر قبيلة صوفة إن المطلعين منكم على علم الأنساب يعلمون أن حبل نسبى المتين يتصل بعدنان وأن وشيجة نسب عدنان تتصل ب قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم- على نبينا وعليه أفضل التسليم-ولهذا فإننى أرى أن كتفى يليق بخلعة الإجازة الموشاة وإننى أستحق أعلى المناصب، ولذا أرى أنه قد حان الوقت لإزالة العادة غير المشروعة لنظام (١) الإجازة واعتبارا من هذا اليوم، فإن لكل إنسان الحق فى أن يجتاز ممر منى وقتما يريد.
وإننى إذ أعلن هذا أبين لكم أننى فى صدد اصطحاب أتباعى الشجعان وأمر من ممر منى قبلكم وأخذ جنود قبيلة قضاعة الذين لا يحصى عددهم ولا يعد وتحرك صوب مكة المكرمة.