وكان غوث يقول عند ما يعطى أمر القيام من عرفات:
لا هم إلى تابع بتاعه ... وإن كان إثم فعلى قضاعة
وبعد وفاة غوث انتقل السماح للحجاج بالتحرك من عرفات والبدء فى رمى الجمرات إلى أبنائه وأحفاده.
ولما أوشكت هذه القبيلة على الانقراض أخذ أمر الإجازة أبناء بنى سعد بن زيد مناة بن تميمة إلى أن انتقلت هذه المهمة إلى أيدى بنى سعد وكان رؤساء الجماعة سواء من جاءوا من صلب غوث، أو من نسل أبنائه وأحفاده كلهم يقال لهم، صوفة.
وجماعة بنى سعد هم الذين ذكرناهم من قبل أفراد قبيلة تنتهى إلى آل صفوان بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وصفوان بن شحنة أول من تولى من هذه القبيلة وظيفة إعطاء الإجازة إلى الحجاج فى عرفات.
وسلسلة نسب كرز بن صفوان الذى تشرف بإدراك عصر النبوة الميمون ترتبط بشجرة هذه القبيلة وتحكم آل صفوان فى ممارسة مهمة الإجازة إلى الحجاج لم يكن يقل عن استبداد قبيلة صوفة.
لم يكن باستطاعة أحد من الحجاج أن يتجرأ على العودة من عرفات ورمى الجمار فى صحراء منى قبل أفراد آل صفوان حتى ضاق بهم الناس أشد الضيق واستاءوا أشد استياء.
وكان الحجاج كلما ألحوا فى الرجاء والتوسل إلى رجال بنى صفوان فى أيام رمى الجمار قائلين أغيثونا إن الوقت يمضى. كانوا يجيبون عليهم بكلمات غير لائقة قائلين: «كلا كلا ما زال الوقت مبكرا فلم تمل الشمس بعد إلى الغروب» فإذا رجوهم وتوسلوا إليهم أن يستعجلوا بعض الشئ كانوا يمعنون فى التأخر
стр. 282
ولم يكن الحجاج فى فترة الانتظار يكفون عن الشتائم والسباب والدعاء عليهم كما كان إحساسهم بالانكسار مفرطا.
وكانوا يماطلونهم، فى ممر منى ويسمحون بالمرور أولا لأتباعهم ببط ء ثم يأذنون للناس بالمرور.
وقد تحمل الحجاج هذه المضايقات التى توغر الصدور رضوا بها أم لم يرضوا حتى انقرضت سلالة «آل صوفة» أو «آل صفوان».
يكفى لإثبات مدى تحكم آل صفوان واستبدادهم هذه الأبيات التى قالها (أوس بن تميم السعدى) فى أثناء توليهم ممارسة إعطاء الإجازة للحجاج.
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
وبناء على ما قيل أعلاه-عند ما كان رؤساء آل صوفة وآل صفوان يضيقون على الحجاج ويتحكمون فيهم كما ذكر كانت الإفاضة من المزدلفة، وإعطاء الأمر والإجازة فى يد بنى عدوان وحكرا عليهم كما يتضح ذلك من الأبيات الآتية كيف أنهم توارثوا كابرا عن كابر مهمة الإجازة.
غدير الحى من عدوان ... كانوا حية الأرض
بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
والموفون بالفرض ... والموفون بالفرض
بالسنة والفرض ... بالسنة والفرض
فلا ينقض ما يقضى ... فلا ينقض ما يقضى
كان أبو سيارة عميلة بن الأعزل ممّن بقى من أفراد قبيلة عدوان. وقد أدرك عصر النبوة (١).
стр. 283
وفى العصر الذى أشرقت فيه شمس الإسلام وأصبحت تبعث الضوء فى عيون الأنام، كان أبو سيارة هذا يتولى إجازة المزدلفة كما يفهم من خلال هذه القطعة الشعرية التالية.
نحن دفعنا عن أبى سيارة ... وعن مواليه بنى فزارة
حتى أجاز سالما حماره (١) ...
مستقبل القبلة يدعو جاره
قوله «سالما حماره» يشير إلى إعطاء أبى سيارة رخصة الإفاضة من المزدلفة للناس، من فوق ظهر الحمار وهو مطابق تماما لرواية سيرة ابن هشام.
وقد قلنا فى بداية الاستطراد إنه عقب وقفة عرفات، يقف واحد من آل صفوان، ويقول أجيزى صوفة ثم يقف شخص آخر بعده يصيح قائلا «أجيزى خندف»،وقد عرفنا من الذى يلقب صوفه والآن يجب أن نعرف ما المقصود بخندف.
و «خندف»:هو لقب سيدة تسمى ليلى بنت حلوان بن عمران وهذه السيدة هى زوجة إلياس بن مضر (٢) من أجداد النبى الكرام.
وتبعا لما ذكره الذين نقلوا أو تحدثوا عن سبب تسمية ليلى بنت حلوان باسم خندف (٣) مسوق فى الرواية الآتية: إن ليلى هذه أنجبت ثلاثة أبناء من إلياس هم:
عمرو وعامر وعميرة. وذات يوم وبينما كان هؤلاء يرعون إبل أبيهم إلياس جفلت الإبل من وثبة أرنب نافر. وعند ما رأى عمرو جفول الإبل وتفرقها، قفز سريعا من داخل الخيمة وجرى من خلف الأرنب حتى أدركه وأمسك به فسمى مدركة.
стр. 284
ولما أخذ عامر الأرنب وطبخه فأسموه طابخة ولمّا فضل عمير البقاء فى داخل الخيمة والانقماع فيها قيل له قمعه، ولما رأت الأم ليلى ابنيها خرجا مسرعين من الخيمة أسرعت تجرى خلفهما، وفى أثناء الطريق قابلت زوجها «إلياس» الذى سألها قائلا: إلى أين أنت ذاهبة؟ فلما أجابت: قد جئت من خلفكم مخندفة أطلقوا عليها خندف، لأنه كان من عادات العرب فى الجاهلية تلقيب الناس اقترانا بالأحداث.
جاهلية العرب:
أطلق على جميع العرب الذين عاشوا قبل البعثة المحمدية أهل الجاهلية وذلك لشدة جهالتهم.
وبناء على بعض الأقوال يطلق الجاهلية للفترة التى خلت من الأنبياء. وادعى بعض المؤرخين أن فترة الجاهلية تطلق على الفترة التى سبقت الذين عاشوا بعد هذه الحادثة التى وقعت بسبب جهل العرب وهى أن «كنانة بن خزيمة» تزوج من مطلقة والده وزوجة ابنه «مرة» وأنجب منها نضر والظاهر أن هذه الرواية خاطئة وأثر من آثار البلاهة.
وتبعا لما نقل وروى المرحوم الشيخ (تاج الدين اليمنى أبو عثمان عمرو بن بحر) الذى حقق هذا الأمر بدقة وكذلك كل أئمة السير يؤكدون أن برة التى تزوجها كنانة-سالفة الذكر-فيما بعد ليست هى برة زوجة أبيه ومطلقة ولده خزيمة.
وإن كان كنانة قد تزوج مرة ثانية من امرأة اسمها برة إلا أنها كانت بنت أخ امرأته الأولى برة أخت مرة بن أد. لم ينجب كنانة من زوجته الأولى برة ولأجل ذلك تزوج مرة أخرى بموافقة زوجته وتصويبها لرأيه تزوج برة بنت مرة بن أد أخو امرأته الأولى وأنجب منها كنانة.
وبما أن بنت مرة التى تزوجها كنانة كانت تشترك فى اسم برة مع امرأة أبيه خزيمة ولوجود صلة القرابة بين الاثنتين قد أدى إلى وقوع الخطأ فى أقوال كثير من المؤرخين.
стр. 285
وبناء على ما قرره أئمة علم الأنساب الذين صاغوا لآلئ بحر نسب معلم الكائنات-عليه أطيب الصلوات-أن الجوهر النقى لحضرة سيد الكائنات نبينا- عليه أطيب الصلوات-انتقل من مستودع الأصلاب الطاهرة وقوة ظهر العرب العرباء إلى درة وشاح ظهور الأمهات إلى أن آلت إلى الصلب الطاهر لعبد الله بن عبد المطلب ووصلت منه إلى رحم أمه آمنة بنت وهب، وكل هذه السلسلة من الآباء والأجداد من أعرق الأصول من جهة الآباء والأمهات لذا خلا من دم فاسد إذ تم زواج هؤلاء وفق الشريعة الغراء لعصرهم وجاء طاهر النسب بعيدا من دنس السفاح. انتهى.
ولا بد أن وصول زراح بن ربيعة-أخى قصى بن كلاب من أمه-إلى مكة المكرمة مع القوة العسكرية الكافية، قد صادف موسم الحج، حيث أعلن ابن كلاب بن مرة على الناس أنه لا يجوز إبقاء عادة الإجازة، ورأى ذلك فرصة مناسبة لطرد بنى خزاعة عن الحدود الميمونة لحرم الله.
وأسرع بمطالبة أصحاب الإجازة أن يكفّوا أيديهم عن تنفيذ ما يأملونه ووجه الحديث إلى رؤساء قبيلة صوفه الذين قطعوا الطريق على الحجاج ليمنعوهم من المرور فى مضيق منى يوم رجوع الحجاج إلى مكة المكرمة وقال لهم: يا معشر قبيلة صوفة إن المطلعين منكم على علم الأنساب يعلمون أن حبل نسبى المتين يتصل بعدنان وأن وشيجة نسب عدنان تتصل ب قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم- على نبينا وعليه أفضل التسليم-ولهذا فإننى أرى أن كتفى يليق بخلعة الإجازة الموشاة وإننى أستحق أعلى المناصب، ولذا أرى أنه قد حان الوقت لإزالة العادة غير المشروعة لنظام (١) الإجازة واعتبارا من هذا اليوم، فإن لكل إنسان الحق فى أن يجتاز ممر منى وقتما يريد.
وإننى إذ أعلن هذا أبين لكم أننى فى صدد اصطحاب أتباعى الشجعان وأمر من ممر منى قبلكم وأخذ جنود قبيلة قضاعة الذين لا يحصى عددهم ولا يعد وتحرك صوب مكة المكرمة.
стр. 286
وأراد فتيان قبيلة صوفة الشجعان أن يعترضوا طريقهم ولكن قصى قد مر بالقوة وشدة البأس.
وقد أدرك وجهاء قبائل بنى خزاعة ورؤساؤهم وقد أصابهم القلق الشديد أن الأمر يكاد أن يخرج من أيديهم وأنهم سيفقدون حكومة مكة فيما بعد، لذا تعقبوا مجموعة ابن كلاب معهم قبيلة بنى بكر والتقى الجمعان فى وادى أبطح وافتعل بنو خزاعة أسباب التحرش ودخلوا (١) فى معركة لا داعى لها.
والتحم الفريقان وتداخلا وتقاتلا ونال كل واحد منهما من الآخر ومات كثيرون من الجانبين. وكان حجاج العرب القادمين من اليمن وأنحاء الجزيرة لأداء الحج واقفين لمشاهدتهم.
وأخيرا طلب آل خزاعة الصلح، وعينوا رجلا انتخبوه للفصل فى قضيتهم وهو يعمر بن عوف بن كعب بن عمرو بن ليت بن بكر بن عبد مناف بن كنانة وتدخلت القبائل العربية الأخرى حتى رضى ابن كلاب بالصلح.
وعند ما قبل الطرفان الصلح جمع يعرب جنود الطرفين ودخل بينهما وحكم أن تدخل سدانة الكعبة المعظمة ورئاسة وإمارة مكة المكرمة فى عهدة «ابن كلاب» وقال:
إن وجود الكعبة المعظمة وسدانتها وإمارة مكة المكرمة فى يد وعهدة ابن كلاب خير من استيلاء بنى خزاعة وبنى بكر على الأماكن المقدسة.
وقد قبل جميع رجال كل القبائل هذا الحكم قبولا حسنا وهكذا تحققت آمال ابن كلاب ونال مرامه.
الذيل:
عقب فصل «يعمر بن عوف» فى هذا الأمر تمت كتابة وثيقة صلح تتضمن ما اتفق عليه رؤساء قبائل الطرفين وتقرر الاحتفاظ بنسخة معتمدة منها لدى قصى بن كلاب.
стр. 287
ومن جملة الشروط التى تضمنتها وثيقة الصلح هذه أن يرفع الظلم والتعدى عن أى إنسان داخل حدود حرم الله وألا يمر ناحية مكة المعظمة وألا يتجاوز بطن مر أى إنساب من جماعات البطون التى تنتسب إلى قبائل خزاعة، ولكن يسمح لمن يريدون منهم أن يسكنوا فوق سلسلة جبال البلد الحرام بشرط عدم دخول مدينة مكة الشهيرة.
وقد حوفظ على الأحكام المدرجة فى وثيقة الصلح المذكورة حتى صلح الحديبية.
وبناء على رجاء بنى خزاعة وطلبهم فى الواقعة المذكورة تفضل سيدنا سلطان الأنبياء-عليه وعليهم أفضل التحية-بقبول انضمام بقية القبائل التى تنتسب إلى بنى خزاعة فى حلف مع المسلمين.
وأدرجوا فقرات إلى وثيقة الصلح التى عقدت فى الحديبية تضمن السماح لجماعات قبائل بنى خزاعة بالدخول إلى مكة المكرمة.
امتدت الفترة المشئومة التى قامت فيها قبيلة بنى خزاعة بحكم مكة المكرمة حوالى ثلاثمائة سنة كاملة.
وكانت الأقوام المنتسبة إلى قبائل خزاعة فى ذلك الوقت تعبد كوكبا لامعا أطلق عليه اسم الشّعرى اليمانى.
والمعروف أن الشّعرى هما كوكبان منيران فى الفلك يسمى أحدهما الشّعرى العبور والآخر الشّعرى الغميضا وهذه النجوم كما يزعم العرب هى أخوات كوكب سهيل أحدهما الشّعرى اليمانى (١) والآخر الشّعرى الشامى (٢) وموضعهما حيث
стр. 288
يبزغان بعد الجوزاء ويبعد أحدهما عن الآخر طول رمحين. وإذا نظرنا إلى صورتهما، نجد أحدهما كبيرا جدا لامعا ومائلا إلى الجنوب والآخر صغير ومائل نحو الشمال ويسمى المائل نحو الجنوب الشّعرى اليمانى والمائل إلى الشمال الشّعرى الشامى وحسب اعتقاد العرب القدامى فإن الشّعرى اليمانى عبر ذات ليلة خفية مع سهيل المجرة واغترب وإن الشّعرى الشامى بكى لفراقهما إلى أن أصيب بغمض العين لذا أطلقوا على هذا النجم اسم الشّعرى الغميض (١).
وأول من عبد الشّعرى من طائفة خزاعة أحمق يدعى أبو كبش وكان من أشراف بنى خزاعة. وقد وقف ذات يوم على رأس قومه وقال: إن كل النجوم التى فى السماء تتحرك بشكل عرضى، ما عدا كوكب الشّعرى فإنه يتحرك بشكل طولى، يعنى أنه يشير إلى أن الشّعرى ليس كبقية النجوم. وإننى الآن سأترك عبادة الأوثان وأعبد الشّعرى وأصبح كل من يتبعونه يعبدون الشّعرى وخالفوا فى هذا آل قريش.
وقد أطلق مشركو قريش لقب أبو كبش على نبينا ﷺ إيماء إلى هذا السر ويريدون بهذا أن يشبهوه بأبى كبش لأنه أتى بدين جديد يخالف قريش.
والواقع أن نبينا ﷺ بهجة العالم، قد خالف قريش فى أمر عدم عبادة الأصنام وأبو كبش خالفها فى أمر عدم عبادة الأوثان انتهى.
تأسيس مدينة مكة المعظمة المشهورة
كان بنو خزاعة الذين استولوا على مكة المعظمة يتحاشون ويتجنبون الإقامة داخل حدود الحرم تعظيما للبيت الحرام، فكانوا يقيمون نهارهم حول الكعبة ويخرجون فى ليلهم خارج حدودها حيث يبيتون.
وكانوا يقولون إنه من الحرام المطلق اقتراف ما نهى عنه داخل حدود الحرم المحترم بناء عليه كانوا يبنون المنازل حول بيت الله.
стр. 289
وعند ما بلغ «قصى بن كلاب» مرامه بالحكومة الجليلة لأم القرى أتى بقومه وقبيلته وجمعهم وقال لهم: أيها القوم الكرام إذا بنيتم بيوتا ومساكن حول كعبة الله، لن تتمكن بقية الطوائف من طردكم وإبعادكم عن الأراضى الحجازية المباركة، بناء عليه أوصيكم أن يبدأ كل واحد منكم فى تهيئة مسكن له وبنائه حول بيت الله من جميع جوانبه فلما أجابه ذوى الأمر والنهى من جماعات قبائل قريش بقولهم أنت رئيسنا وسيدنا، ونحن نوافق على كل ما تأمر به ونتقبله قبولا حسنا فبادر بنفسه ببناء دار الندوة (١) بعد أن أعلن أنه سيتخذ من هذه الدار مقرا للحكم وقسم جوانب البيت الشريف الأربعة على طوائف قريش وعينها لهم، وأمر أن يقوم أفراد القبائل على الفور بوضع أساس البيوت والمنازل وأن يتركوا مكانا خاليا حول بيت الله للطواف. ولما استصوبت قريش رأى قصى بن كلاب، قدحوا زناد فكرهم وبدءوا فى بناء منازل وتزيينها فى الأماكن التى بينها لهم. ولم يبنوها حول أطراف بيت الله الأربعة، وجعلوا أبواب البيوت كلها تفتح فى اتجاه الكعبة المعظمة، وتركوا طريقا واسعا بين كل منزلين يسمح بالدخول إلى المطاف السعيد.
والمكان الخالى الشريف الذى تركوه بين بيت الله وبين البيوت التى بنوها هو المكان المقدس الذى يطلق عليه الآن اسم المطاف السعيد.
وبقيت البيوت التى بنيت فى عهد ابن كلاب على شكلها وطرازها الذى شيدت عليه فى البداية حتى عصر الفاروق الأعظم، وفى زمن خلافة سيدنا (عمر بن الخطاب) هدمها كلها وأدخل أراضيها ضمن ساحة المسجد الحرام، ووسع (عثمان بن عفان) وبقية أصحاب البر والإحسان دائرة الفيوضات الباهرة للحرمين الشريفين على النحو الذى سنذكره بالتفصيل فى موضعه، وجددوه على الصورة التى عليها الآن.
***
стр. 290
الشكل الثامن
ولما لم يكن فى أولاد كعب بن لؤى حتى مجئ ابن كلاب رجلا متبوئا مقعد السلطة لذا جمع قصى بن كلاب كل مناصب الجاهلية: الحجابة-السقاية-اللواء -الندوة-النظارة (١) -صاحب القبة-الأزلام-خازن الأموال-الرفادة-القيادة.
وأصبح صاحب المقعد والرياسة والحكم. ولكنه لم يستطع أن ينجح فى تغيير عادات الجاهلية التى تعد بين العرب من الأحكام الدينية، لذا ظلت العادات المذكورة حتى بعثة نور الهدى فى يد آل صفوان وآل عدوان وآل نسئة وآل مرة بن عوف.
استطراد:
أهل «نسئة»،كما ذكر المفسرون العظام بالبحث والتعريف، هم طائفة من عرب الجاهلية احترفوا القتل والسطو واعتادوا الصيد والقنص وحياة القلق.
وحسبما تقضى شرائع إبراهيم وإسماعيل-﵉-بمنع الحرب والجدال فى شهور رجب وذى القعدة وذى الحجة ومحرم، وكان ترك العادات المألوفة لمدة ثلاثة شهور متصلة أمرا ثقيلا على هذه الطائفة المذكورة فإنهم قالوا: لا طاقة لنا ولا نستطيع الصبر على ترك الحرب والقتال من ذى القعدة إلى صفر بشكل متصل.
أى الجلوس فى الخيام والاستراحة لمدة ثلاثة أشهر متصلة. وأعلنوا وأشاعوا بغير تردد عن ضيقهم من حكم هذه الشريعة الإبراهيمية (على رسولنا وعليه التحيات).
(قلمس بن عبد بن فقيم) الذى ينتسب إلى جماعة قبيلة ينتهى نسبها إلى كنانة، لجأ هذا الرجل إلى طريقة غريبة لكى يبطل ويفسد حكم عدم القتال فى
стр. 291
الشهور المذكورة، إذ ركب ناقة فى موسم الحج السنوى الذى يعلن فيه البدو عن أفكارهم وخاطب أفراد القبائل الموجودة بالقرب منه وهو يريد أن يختبر درجة قوة عقيدة الذين هم على دين إبراهيم وإخلاصهم لها، فقال ما معناه: يا معشر العرب إن إلهكم قد أحل لكم هذه السنة شهر محرم ونقل حرمته إلى شهر صفر، وعلى الفور قامت مجموعة ممن أخذوا برأى قلمس وقوله بالإغارة وقتل قبائل البدو اعتبارا من تلك اللحظة، وعند ما رأى قلمس أن حكمه فى هذا الأمر قد استقبل باستحسان وعرف أن فكره سيروج وقف فى موسم الحج فى السنة التالية خطيبا بينهم وأعلن أن حرمة شهر محرم قد تأجلت بأمر الله إلى شهر صفر، أى أن شهر محرم حلال وأن شهر صفر سيكون حراما بدلا منه واستقبل هذا الأمر عند أفراد جميع القبائل بسرور زائد.
وتصديقا لهذا اعتاد أن يخطب فى كل موسم حج ويؤجل حرمة الشهر الذى يريده إلى شهر آخر.
وبعد قلمس انتقلت هذه العادة السيئة إلى ابنه عبادة وبعد وفاته إلى «قلع بن عبادة»،ومن بعد أيضا إلى «أمية بن قلع» ومن بعده إلى «عوف بن أميه» وعند ما توفى عوف انتقلت إلى ابنه «أبى ثمامة جنادة بن عوف» وعند ما أشرقت شمس الإسلام وظهرت أشعتها فى الأفق فى زمان أبى ثمامة جاءت الآية الجليلة لتبطل العادة المذكورة وتلغيها.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (التوبة:٣٧).
واختلف المفسرون فى تحديد اسم الشخص الذى تجرأ وابتدع هذه العادة القبيحة فادعى بعضهم أنه نعيم بن ثعلبة من بنى كنانة، وادعى البعض الآخر أنه جنادة بن عوف وبعضهم ادعى أنه قلمس بن عبد بن فقيم، والذين قالوا إنه قلمس بن عبد بن فقيم يؤيدون ادعاءهم بذكر قول الشاعر:
стр. 292
وفينا ناسئ الشهر قلمس
والقول الأخير مصدق عند الجمهور وجدير بالقبول والشخص المدعو قلمس (١) هو الجد الخامس لجنادة بن عوف الذى أدرك عصر النبوة.
ورغم أنه يوجد من يقولون بما ذهب إليه عبد الله بن عباس وأبو هريرة رضى الله عنهما، أن من وضع العادة السيئة بتأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف إلا أن المفسرين اتفقوا على صحة القول الأول ورواة القول الثانى لم يستطيعوا أن يرتقوا بقولهم إلى مرتبة الصحة والتواتر.
وقد نقلنا هذه التفصيلات التاريخية عن أهل السنة من التفسير القيم للإمام فخر الدين الرازى-عليه رحمة الله الهادى-ويقول الإمام الرازى قبل أن ينقل ويروى الأخبار والدراسات المتواترة للمفسرين إن حسابات عرب الجاهلية كانت مرتبة حسب السنة القمرية، ولهذا فإن شهور العرب فى زمن الجاهلية، كانت تعد اعتبارا من رؤية الهلال وقد اعتادوا أداء فريضة الحج فى اليوم العاشر من شهر ذى الحجة اتباعا لسنة سيدنا الخليل. وبهذا الحساب كان موسم الحج لا يتفق مع فصل بعينه كل سنة فكان أيضا يصادف أبرد أيام الشتاء وأحيانا يصادف أكثر أوقات فصل الصيف حرارة ولهذا فإن بعض المتأخرين من زمن الجاهلية لم يكونوا يجرأون على الذهاب أو المجئ إلى مكة المكرمة فى أوقات اشتداد البرودة والحرارة، وكان من يترددون عليها بسبب التجارة لا يتمكنون من البيع والشراء فى هذه الأوقات التى توافق وقت التجارة بسبب قلة عدد الحجاج.
وفى النهاية أحيل الأمر إلى مجلس قومى (٢) يتكون من ممثل لكل قبيلة لإيجاد حل مناسب لهذا الأمر. وذهبت الهيئة المذكورة إلى أن الشهور المرتبة للسنة القمرية دخل بالمصالح الدنيوية ورأوا حلول موسم الحج فى وقت معتدل ومثمر حيث تزدهر حركة البيع والشراء على الوجه المطلوب ويسهل التردد على الأسواق والملاهى التى تقام عند أطراف مكة وقالوا: فإن أضيف شهر إلى شهور
стр. 293
هذه السنة نسأ أفراد القبائل شهرا. وأنه إذا روعيت هذه الأصول مرة كل ثلاث سنوات، فإن موسم الحج سيأتى فى كل سنة فى فصل ثم واحد من المحاصيل وبناء عليه يأتى الناس بمحاصيلهم فيكون حجا وزيارة وفى الوقت نفسه تجارة ورتبوا الشهور وفقا للسنة الشمسية ولأن السنة الشمسية تفترق قليلا عن السنة القمرية، احتاجوا إلى إضافة أيام فجمعوا الفروق التى تحدث بينهما وأضافوا شهرا إلى بعض السنوات واعتبروا أن شهور تلك السنوات ثلاثة عشر شهرا.
وبعد هذا الترتيب صادف الحج فى بعض السنوات بشهر ذى الحجة ونقل من شهر إلى آخر.
وظهر نتيجة هذا النقل أمران هما زيادة شهر على بعض السنوات من فائض الأيام التى تنتج عن تجميع أيام السنة الكبيسة وتأخير شهر حرام إلى شهر آخر ولأن العبادات المرتبطة بالسنة القمرية تخل بالمصالح الدنيوية على زعمهم، تركوا حساب السنة القمرية وربطوا عباداتهم بحساب السنة الشمسية وأخروا ونقلوا شهرا حراما إلى أشهر أخر.
والواقع رغم أنه قد تبدو فائدة دنيوية فى تركهم هذا إلا أن الله-تعالى-قد أمر باتباع حساب الشهور القمرية منذ عهد إبراهيم وإسماعيل-﵉ عهد الهداية.
وبينما الحال يجرى على هذا الوضع ترك أهل الجاهلية الأمر الإلهى باتباع حساب السنة القمرية من أجل أن يحققوا حسن سير المصالح الدنيوية، وأخذوا بترتيب السنة الشمسية ونتيجة لحدوث هذا الترتيب بدئ فى تأدية الحج فى شهور غير الأشهر الحرم وكانت هذه الجرأة الجاهلية سببا فى إمعانهم فى الكفر، لأن الله- -كان قد حدد حجهم فى الأشهر الحرم وحدها وإنهم فضلوا مصالحهم الدنيوية على التعليمات الدينية، إذ اتبعوا العمل بالسنة الشمسية وحجوا فى غير شهور الحج بوجود أيام كبيسة فى السنة الشمسية وتجرّأوا على القول لحمل أتباعهم على قبول فكرتهم والعمل بحسابهم وليس باتباع حساب الشهور القمرية.
стр. 294
وازداد كفرهم بترك وإنكار أمر الله- -الذى تطيعه كل الكائنات، وقد قام نبينا صاحب الشريعة-عليه أكمل التحية-بأداء الحج الشريف فى شهر ذى الحجة من السنة التى تكمل فترة دور النسئ (١) ولكى ترجع الأشهر الحرم إلى وضعها القديم أى لكى يصادف الحج اليوم العاشر من شهر ذى الحجة بعد مرور اثنى عشر شهرا من موسم الحج فقد قال: «أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية ورجب الذى بين جمادى وشعبان» أو كما قال.
والمناصب التى جمعها «قصى بن كلاب» كانت كلها محترمة ومرغوبة عند عرب الجاهلية وتعتبر كل وظيفة منها من أقدس وأعظم الوظائف بين القبائل وكانت كل الوظائف المذكورة مسندة إلى أكثر الرجال مكانة وثراء من قبائل قريش، وكانوا يتوارثونها أبا عن جد بطنا بعد بطن.
الحجابة:
وكان أهل الجاهلية يطلقونها على مهمة حفظ أستار باب الكعبة المعظمة.
وفى زمن جاهلية العرب كانت خدمة بيت الله مفتاح مصباح السعادة، لذا استحوذت على الحجابة الأيادى القوية الخيرة وأخيرا انحصر منصب سدانة كعبة الله فى أسرة بنى عبد الدار بنى قصى بن كلاب.
وأشرق نور نبينا كاسر الأصنام والأوثان وناشر أنوار الإيمان عليه صلوات الله المنان، وسدانة الكعبة المعظمة فى يد «عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى.
وتلطف- ﷺ -بعثمان بن طلحة-رضى الله عنه-وأسعده بأن أعاد إليه وأنعم عليه مرة أخرى بالمفتاح الشريف لكعبة الله بموجب الآية الكريمة التى نزلت بأن يطهر الحرم الشريف من الداخل والخارج من رجس الأصنام.
стр. 295
وسبب الخدمة الجليلة لحجابة كعبة الله، فى أولاد عبد الدار هو الآتى: عند ما تقدم العمر بقصى بن كلاب وصار شيخا كان ابنه الثانى «عبد مناف» قد أصبح له من الشرف والمكانة بين قبائل العرب القدر الكبير ولم يتمكن أحد أن ينال مثل هذا الشرف وهذه المكانة ليس فقط من بين إخوته بل من بين صناديد أشراف قريش قبل والده وبعده.
ولما كان ابن كلاب يحب ابنه الأكبر عبد الدار من بين أولاده حبا جما واتفق مع زوجته «حبى» فى هذا الحب، لذا كانا يأملان أن ينال من الشرف والمكانة مثل ما ناله أخوه الأصغر عبد مناف.
واستبدت رغبة «حبى» بهذا الأمر حتى لم تعد تطيق صبرا على كتمانها، فقالت ذات يوم لزوجها قصى إننى سأغضب منك إن لم تؤمن لعبد الدار فى أثناء حياتك ما يجعله يحظى بالفخر والشرف بين القبائل فقال لها: بل اسعدى، فإننى سأسند إليه أمرا يجعله يشرف من يقوم به بين الناس، أتريدين أن تعرفى أية خدمة جليلة هى؟ إنها حجابة الكعبة العظمى ورئاسة دار الندوة حيث لا يستطيع أحد من أشراف قريش وسادات القبائل أن يدخل البقعة المقدسة لكعبة الله طالما لم يحصل على إذن من صاحب هذا المنصب. كما لا يمكن أن يرسل الجند إلى أية ناحية ما لم يصدر، وبناء على هذا قام قصى بن كلاب بتقسيم مناصب السنة المكرمة المعززة بين الناس وهى «السدانة والرئاسة والسقاية والرفادة والقيادة واللواء» بين ولديه عبد الدار وعبد مناف فأعطى عبد الدار سدانة الكعبة، ورئاسة دار الندوة واللواء، وأعطى عبد مناف خدمات السقاية والرفادة والقيادة.
وظل قصى يؤدى بنفسه هذه الخدمات الجليلة إلى أن وافته المنية، وعند وفاته أصبحت هذه الخدمات بموافقة صناديد القبائل لابنه عبد الدار وعند وفاة عبد الدار أصبحت سدانة الكعبة لعثمان بن عبد الدار، ورئاسة دار الندوة لعبد مناف بن عبد الدار، وقد تولى رئاسة دار الندوة أيضا أبناء عبد مناف بن عبد الدار فى
стр. 296
حياة أعمامهم وذلك بأمر وتكليف منهم، ولهذا إذا أراد أحد من قريش أن يتناقش فى أمر مشكل كان يرجع إلى «عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار»،فيفتح دار الندوة ويرأس الأشراف الصناديد المجتمعين وكان أمر الرئاسة مسندا أحيانا إلى أبناء هاشم بن عبد مناف، وأحيانا أخرى إلى أبناء أخيه.
وقد انتقلت حجابة كعبة الله بعد عثمان بن عبد الدار إلى أبنائه وفى النهاية انتقلت إلى «عبد العزى بن عبد الدار» وعند وفاته انتقلت إلى «أبى طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار» ثم إلى أولاده وأحفاده بعد وفاته.
عند ما هاجر «عثمان بن طلحة» إلى المدينة المنورة وانفرد ابن عمه «شيبة بن عثمان» بمفتاح الكعبة الشريفة ومازال إلى الآن فى حوزة يد أولاد وأحفاد شيبة بن عثمان.
السقاية:
على وزن النهاية وكانت وظيفة خاصة بتقديم الماء العذب إلى الحجاج القادمين وذلك فى الجاهلية.
وفى نهاية فترة الجاهلية وبداية صدر عصر الإسلام ونتيجة لقلة الماء العذب فى مكة المكرمة كانوا يجلبون المياه من أماكن بعيدة، ويخلطونها بأشياء مثل التمر والزبيب، ثم يوزعونها على الحجاج كالشراب. وكان القيام بهذه المهمة الجليلة يسند إلى من يتولى المنصب الجليل «سقاية الحج».
وكان الذين يوكل إليهم سقاية الحجيج إلى ظهور ماء زمزم المكرم كما ذكرنا يملئون قربا كثيرة بالماء الذى يحصلون عليه ويتخذون لهم مكانا فى جانب الكعبة ويقدمون الماء لسقاية العطاش من الحجاج وكان السبب الرئيسى لابتداع هذه المهمة فقدان الماء فى مكة.
ذلك لأنه فى أواخر العهد الجاهلى لم يكن فى مكة المعظمة آبار للماء سوى الآبار التى أمر بحفرها «عبد شمس بن عبد مناف» فى ذى طوى وهاشم بن عبد
стр. 297
مناف فى المكان المسمى (شعب أبى طالب ومطعم بن عدى ابن نوفل بن عبد مناف فى المسفلة)،والآبار الآتى ذكرها والتى خص أصحابها بها أنفسهم وهم أمية بن عبد شمس، وبنو أسد بن عبد العزى وبنو الحجاج وبنو سهم ومرة بن كعب (١) وبنو كلاب بن مرة. ولهذا كان سواء الأهالى أو الحجاج يعانون من متاعب كثيرة بسبب قلة الماء، بناء عليه أنشأ قصى بن كلاب وظيفة سقاية الحج.
وأنقذ أهل مكة إلى حد كبير من أزمة المياه.
стр. 298
الآبار الموجودة فى مكة المعظمة
قبل ظهور بئر زمزم الشريف
كان يوجد فى مكة المكرمة قبل ظهور زمزم الشريف ثمانية آبار معروفة مخصصة لسقاية الأهالى وهى: طوى ، بذر ، سجله ، حفر، سقية، أم حراد، سنبلة، غمر.
ولهذا كان المكلفون بمهمة السقاية يأتون بالماء من هذه العيون ويعدون الشراب على النحو الذى وضحناه آنفا وكانوا يسارعون لسقاية الحجيج القادمين.
طوى:
اسم البئر التى حفرها عبد شمس بن عبد مناف على النحو الذى سبق التعريف به. وكانت هذه البئر تقع بجوار قصر محمد بن يوسف الثقفى المعروف باسم «بيضاء» الواقع فى الطرف العلوى من مكة المقدسة. وهى الآن من الآثار القديمة والتى تقع فى مكان يسمى «ذى طوى».
بذر:
اسم البئر التى حفرها هاشم بن عبد مناف، ويروى أنها كانت تقع فى ميدان شعب أبى طالب فى جبل خندمة وهى مندثرة الآن.
سجله:
هى البئر التى حفرها مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، وحسب ظن واعتقاد بنى نوفل أن مطعم بن عدى قد اشترى هذه البئر من أسد بن هاشم، ويقرر بنو هاشم أنه عند ما ظهر زمزم الشريف وأغنى عن سائر الآبار قدم هاشم بن عبد مناف البئر المذكورة هبة منه إلى مطعم بن عدى.
стр. 299
حفر، سقية، أم أحراد، سنبلة، غمر:
هذه الآبار لا تعرف الجهات الكائنة بها، وبناء على الروايات التى تقول أن «حفر» هى البئر التى حفرها أمية بن عبد شمس وبئر بنى أسد «سقية» حفرها بنو أسد بن عبد العزى، و «أم أحراد» حفرها بنو عبد الدار، وسنبلة «بئر خلف بن وهب حفرها بنو جمح، و «غمر» حفرها بنو سهم لأنفسهم، وهذا يقتضى أن هذه الآبار موجودة فى عصر الصحابة.
وكانت الآبار الثلاثة المسماة «رم»، «خم» و «حفر» خارج مدينة مكة الشهيرة.
وقد أمر مرة بن كعب بن لؤى بحفر بئر رم. وكلاب بن مرة بحفر خم، وحذيفة بن غانم بحفر بئر حفر، وأصبح فى حكم العادة فى مكة أن يجلب كبراء قريش الماء الذى يشربونه من هذه الآبار.
وعند ما ظهر ماء زمزم وكان أصفى وأحلى من كل المياه، بدأ الناس فى الامتناع عن شرب مياه الآبار المذكورة ليس فقط لعذوبة مائه ولكن لقرب موقعه أيضا.
وفى الواقع فإن بئر زمزم الشريف الذى هو أحلى من مياه كل الآبار والعيون؛ لأنه بئر سيدنا إسماعيل بن إبراهيم-﵉.
وعند ما توفى عبد مناف بن قصى انتقلت مهمة سقاية الحجيج الجليلة، وخدمة الرفادة إلى ابنه هاشم بن عبد مناف، قام هاشم بمهمة السقاية هذه على أكمل وجه طوال فترة حياته، وبعد وفاة هاشم بن عبد مناف أسندت هذه الخدمة إلى أمية بن عبد المطلب، وقد استمر فى القيام بمهمته حتى ظهور بئر زمزم الشريف.
وبما أن عبد المطلب كان يملك كثيرا من الإبل، فقد كان يحلب ألبانها فى موسم الحج ويمزج لبنها بالعسل، ويمزج ماء زمزم بالزبيب، يقدمه للحجاج ليشربوا منه ويرتووا. وعند ما توفى عبد المطلب بن مناف، انتقلت مهمة سقاية الحج إلى ابنه الأصغر عباس «رضى الله عنه».
стр. 300
وعند ما انتفت الحاجة إلى سقاية الحجاج على النحو السالف لوجود ماء زمزم، كان عباس يجفف عنب الحدائق التى اشتراها فى الطائف ويمزج ماء زمزم بالزبيب، ويقدمه للحجاج وذلك اقتفاء لأثر والده.
ولما كان القيام بمهمة سقاية الحج فى زمن الهادى الذى منح النضارة لقلوب الناس القاحلة بماء حياة الإسلام، موكلة إلى عباس بن عبد المطلب بن هاشم، فقد تفضل النبى ﷺ بإلقاء هذه المهمة فى يده بإسنادها إليه رضى الله عنه.
مسألة:
- هل يجوز سحب السقاية من بنى عباس؟
والجواب: لا يجوز لأنها أسندت إليهم من قبل نبينا صاحب الشريعة عليه أجمل التحية وإذا كان إسناد خدمة السقاية المستقلة فى ظل نور الإسلام حقه أن يسند إلى أبى طالب بن عبد المطلب، فإنه كما سنوضح فيما بعد، فإن أبا طالب عند ما استبدت به الحاجة، اقترض مبلغا من المال من سيدنا عباس ولما لم يستطع سداد هذا المال، ترك سقاية الحج المسندة إليه عن طيب خاطر وتبرع بها إلى عباس بن عبد المطلب تسوية للدين.
وعند ما كان عباس بن عبد المطلب-رضى الله عنه-على قيد الحياة، كان يتولى بنفسه متابعة مهام سقاية الحجيج، وبعد وفاته انتقلت هذه الخدمة المقدسة إلى أولاده وأحفاده ثم إلى خلفاء بغداد، وفى النهاية انتقلت إلى يد أبناء الزبير ابن العوام.
لاحقة:
فى أثناء خلافة وليد بن عبد الملك عين خالد بن عبد الله القسرى واليا على مكة، وبناء على رأيه المجانب للصواب أصدر الأوامر بأن يحفر بئرا فى كل من «ذى طوى» و «حجون» وذلك ليخفف عن الناس أزمة المياه (١).
وبما أن مياه هذه الآبار التى تم حفرها كانت أعذب من مياه بقية الآبار، فقد
стр. 301
سعد أهل مكة من حفر هذه الآبار واعتادوا على شرب مياهها دون أن يشربوا من مياه الآبار الأخرى.
وعند ما رأى خالد بن عبد الله ميل الأهالى وتعلقهم بمياه هذه الآبار صعد المنبر على الفور وقال: «أيها الناس من الأعظم، الخليفة الذى تم اختياره وعين لإدارة شئون الأهالى أم الرسول الذى بعثه الله، فمن الممكن ألا تعرفوا عظمة الخليفة بينما سقى خليل الله إبراهيم-عليه التحية والتعظيم-ملح أجاج قد سقى خليفتكم ماء عذب فرات.
وبهذا كان يريد أن يفضل مياه هذه الآبار على ماء زمزم الشريف وأمر بصنع حوض من الجلد المدبوغ فى الحرم الشريف، وأن يملأ بماء هذه الآبار التى حفروها، وكأنه كان يريد أن يشير إلى أن مياه هذه الآبار أفضل من ماء زمزم الشريف.
والحال أنه بعد فترة انقطع ماء الآبار المذكورة تماما وانطمست الآبار ولا يوجد الآن من يعرف مكان هذه الآبار.
اللواء:
هو اسم مهمة فى الجاهلية مشهورة بين القبائل باسم اللواء.
وإن كانت هذه المهمة مقصورة على رجال أسرة بنى أمية، إلا أن ألوية قبائل قريش المسماة (العقاب) كانت مع حامل اللواء الذى يتولى المهمة المذكورة.
ومن جملة عادات الجاهلية أنه إذا استدعى الأمر تعبئة الجنود وتوجيههم إلى مكان ما، كان الشخص الذى يتباهى بالقيام بهذه المهمة يعقد مجلس الحرب.
ويغرس الراية المذكورة حيث يشاء فيحتشد حولها أبطال قريش وكانت تعلن الحرب بغرس اللواء المذكور فى المكان الذى حدده عاقد اللواء عند وقوع الحرب ويجتمع الرجال المسلحون عند اللواء المذكور ويتم توجيههم إلى المكان الذى ستدور فيه الحرب.
وقد ظهر لواء الإسلام السعيد أثناء تولى أبى سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس مهمة حمل لواء قريش.
стр. 302
وقد انتقلت مهمة حمل اللواء بعد قصى بن كلاب إلى أبيه عبد الدار وعند ما توفى انتقلت إلى أولاده وأحفاده. وظلت فى حوزة أكثر أفراد هذه الأسرة نفوذا حتى زمن غزوة أحد الجليلة، أيا من كان هذا الشخص، لكن جميع أفراد هذه الأسرة قتلوا جميعا فى الغزوة المذكورة.
الندوة-معناها الاجتماع:
وكانت الندوة تطلق على المجلس الذي يجتمع فى دار الندوة (١) التى بناها قصى بن كلاب فى الجاهلية. وكانت القرارات التى تصدر عن هيئة هذا المجلس تلقى قبولا حسنا بين القبائل بدون النظر إلى هذه القرارات هل هى صحيحة أم خاطئة، حسنة أم قبيحة؟
وبما أن المسائل الهامة المتعلقة بأهالى مكة المعظمة كان يتم بحثها فى هذا المجلس حتى إعطاء الإذن بزواج البنات كان يصدر من الهيئة المجتمعة فى دار الندوة، لذا كان ممنوعا منعا باتا أن يحضر الاجتماع فى دار الندوة من لم يبلغ العقد الرابع من عمره أى لم يبلغ أربعين سنة من عمره من رجال القبائل باستثناء أبناء قصى بن كلاب.
وكانت إدارة الهيئة المذكورة مسندة إلى أحد أصحاب النفوذ من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب رئيسا وعدد محدود من الأعضاء.
ولما كانت رئاسة هيئة دار الندوة موكلة إلى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فقد أذن سيدنا محمد النبى رئيس مجالس الأنبياء أن يستمر يزيد فى أداءه مهمته بادئا بالبسملة فى اتخاذ الإجراءات الشرعية.
السفارة:
تم إنشاء هذه الوظيفة لإصلاح ذات البين، فإذا وقع نزاع بين أى قبيلتين أو جرى شجار أو نزاع بين رجلين، فإن الشخص القائم بمهمة السفارة يقوم مقام الحد الفصل فى القضية. وحكمه وقراره الذى يصدره لا يرد مهما كان القرار.
وبذلك ينتهى النزاع.
стр. 303
وكان منصب السفارة حكرا على أسرة بنى عدى بن كعب وعند ما آل منصب السفارة إلى سيدنا عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب رضى الله عنه تولاه بنفسه وقد حان الوقت السعيد الذى ظهر فيه الذى أظهر المعجزات فى حل أصعب المشكلات- ﷺ .
النظارة:
كانت وظيفة مثل إدارة الرسوم فإذا نقلت أحمال أو أثقال أو البضائع من مكان إلى آخر، كان من الأصول المرعية فى الجاهلية أخذ رخصة حمولتها أو موقعة من الموظف الذى يتولى مهمة النظارة.
وقد بعث النبى ﷺ وأبو بكر الصديق-رضى الله عنه-لنظارة قبائل بنى تيم، يتولى هذه المهمة.
صاحب القبة ومعناه ناصب الخيمة:
وكانت هذه الوظيفة وظيفة متواضعة فالذى يكلف بها كان ينصب خيمة لعظماء قريش.
إذا ما حدث شئ يشغل قريشا أو يحزنها أو إذا أيد بعث حملة عسكرية إلى جهة ما أو إذا اقتضى الأمر المشورة فى حادث مهم فكان صاحب القبة بحكم وظيفته ينصب خيمة فيجتمع فيها زعماء قريش يديرون الأقداح ويتشاورون.
ولما ثبت النبى- ﷺ -روح خيمة الإيمان كان هذا المنصب فى بنى مخزوم بن نقيط بن مرة وكان خالد بن الوليد بن المغيرة يتباهى ويفتخر بمنصب نصب الخيمة هذا.
الأزلام:
جمع زلم يطلق على سهام القرعة، كان العرب فى الجاهلية يقتسمون أموالهم بالسهام التى تسمى «الأزلام» ويتفاءلون بها.
стр. 304
وكانت وظيفة استخدام السهام وحفظها وظيفة مهمة إلى حد ما، لذا كانت لا تسند إلى أى شخص. وكل من يريد القيام بعمل ما كان يرجع إلى هذا الموظف ليعرف وجه الخير أو الشر. فى هذا الأمر وكانوا يعملون برأى هذا الموظف بعد إجراء القرعة.
طريقة التفاؤل وإجراء القرعة بالأزلام:
كان يؤتى بالسهمين ويوضعان فى جراب وقد كتب على واحد منهما كلمة «أمر» وعلى الآخر كلمة «نهى» ثم يكلف الشخص الذى يريد أن يتفاءل أن يخرج سهما من الجراب اعتباطا. وكان يلزم العمل بما كتب على السهم الذى أخرجه.
وكان يحتكر هذه الوظيفة بنو جمح بن عمرو بن كعب ويديرونها، وكان أفراد القبائل الأخرى يحبذون طريقتهم فى إجراء القرعة ويرضون بها.
وقد بعث خاتم الأنبياء-عليه صلوات الله الرحمن-وصفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يتولى هذه العملية.
قرعة العرب فى الجاهلية
إن وظيفة التفاؤل بالأزلام كانت وظيفة مهمة عند العرب وكانوا يتفاءلون بثلاثة سهام؛ إلا أن العرب فى الجاهلية كانوا يقومون بإجراء أنواع أخرى من القرعة، وإنهم كانوا يلعبون القمار بالسهام فى شكل غريب.
من أشهر أنواع القمار عندهم كانت القرعة التى تسحب بالأزلام الكائنة عند «هبل» وكان يجمع بين هذه السهام وسهام الطالع وهو الذى كان يطلق عليه الميسر.
لأن العرب فى الجاهلية كانوا يحتفظون بجانب «هبل» صنمهم الكبير بسبعة سهام، وعند اللزوم كانوا يقترعون بهذه السهام ويعملون بموجبها.
وكان مسطورا على كل سهم من السهام كلمات مختلفة مثل: «دية المقتول» أو
стр. 305
«نعم الأمر» أو «لا» أو «منكم» أو «من غيركم» أو «ملصق» فإذا ما اختلف فى دية المقتول كانت تجرى القرعة بين أسماء المظنونين وبين سهم «دية المقتول» وكان الشخص الذى تصيبه «دية المقتول» يضطر لدفع الدية.
وكان أهل الجاهلية يقترعون بسهام «نعم ولا» فإذا ظهر سهم «نعم» يحكمون أن هذا العمل خير وعند ظهور «لا» يحكمون بأنه شر، وفى الحالة الأولى يمضون رأسا فى عملهم، وفى الحالة الثانية يؤجلون العمل سنة أخرى، ويجددون القرعة لنفس العمل.
إذا ما شك فى نسب شخص ما كانوا يقترعون بسهام «منكم-من غيركم- ملصق»،فإذا أصابت قرعة منكم، فيكرمون ذلك الشخص ويعزونه ويسعدونه، فإذا أصابت القرعة «من غيركم» يعتقدون أن القبيلة التى ينتمى إليها ذلك الشخص فى حلف معهم، أما إذا أصابت القرعة «ملصق» يحكمون بأن ذلك الشخص مجهول النسب، وإنهم يثقون ثقة تامة فى نتائج الاقتراع بتلك السهام.
وإذا أرادوا أن يحفروا بئرا أو أن يكشفوا عن منبع ماء كان يكتب على السهم كلمة «مياه» وكانوا يقترعون به لتعيين محل الحفر أو الكشف.
وإذا أرادوا أن يختنوا طفلا أو أن يزوجوا بنتا أو يدفنوا ميتا كانوا يقترعون كما ذكرناه من قبل، ويعملون بموجب تلك القرعة.
إن الاقتراع بتلك النيات لم يكن يجرى فى أى مكان بل كان يجرى أمام هبل المنصوب داخل الكعبة، ويقوم به خادم ذلك الصنم.
وكان على الشخص الذى يرغب فى إجراء القرعة إعطاء خادم هبل مائة درهم وعدة رءوس من الإبل أو الغنم أو حيوانات أخرى، لتذبح قربانا، ثم يتجه إلى هبل قائلا: إن فلان بن فلان قد اشتبه فى نسبه، أو نريد أن نختنه-أو نزوجها- فدلنا على الحقيقة ووجهنا إلى ما يجب عمله.
وبعد ما يلهج بمثل هذه الكلمات يذكر الأمر الذى من أجله يريد أن يجرى القرعة، ويتضرع لهبل طالبا منه أن يظهر الحق والصواب فيما هو مقدم عليه،
стр. 306
وبعد ما يذبح الحيوانات التى جلبها معه ويوزعها على الفقراء ثم يشير بإجراء القرعة، وهذه من جملة شروط القرعة ومن هنا كان على الذين يريدون إجراء القرعة أن يوفروا مقدارا من النقود، وأن يعدوا بعض الحيوانات ليقدموها لخادم هبل الذى يذبح الحيوانات ويوزع لحمها للفقراء، ثم يأمر بإجراء القرعة وكانوا يعملون بما جاء فى القرعة.
ولا يقتصر مكان إجراء القرعة على هبل بل يجوز لأى واحد من أهل الجاهلية إجراء القرعة فى أى مكان كان، وهذا نوع من أنواع قراءة الطالع، وكانت هذه القرعة تتم-أيضا-باستقسام الأزلام وقطع الخشب سالفة الذكر.
وكان يطلق سواء على قطع الخشب التى بجانب هبل أو قطع الخشب التى فى حوزة الناس أزلام-أقلام-أقداح. وإذا ما ترجمناها إلى اللغة التركية فمعناها سهام، إن الأخشاب التى يستعملها قارئ الطالع ثلاث قطع كتب على أحدها «أمرنى ربى» وعلى الثانية «نهانى ربى» وترك الثالث بدون كتابة أو إشارة. وكان قارئ الطالع فى الجاهلية يباشر عمله؛ ليبين للذين يلجأون إليه طالبين حكم الأزلام فيما يقدمون عليه من عمل، فيقوم بخلط الأسهم الثلاثة ثم يضعها فى جراب ويختار أحد الأشخاص الذين يثق فيه أصحاب الشأن، ويطلب منه أن يدخل يده فى الجراب ويخرج السهام واحدا تلو الآخر، ويقرأ ما كتب عليها ويبين حكم القرعة.
وكان لا بد أن يعتقد أهل الجاهلية إذا أصابت القرعة كلمة «أمرنى ربى» أن هذا العمل خير وإذا أصابت القرعة السهم الذى يكتب عليه «نهانى ربى» أن هذا الفعل شر، وإذا أصابت القرعة السهم الخالى من الكتابة كانت إعادة إجراء القرعة بعد مرور سنة من الضرورات الدينية.
وبناء على هذا فالذين يريدون القيام بعمل ما ويريدون أن يعرفوا وجه الخير أو الشر فى هذا العمل، يلجأون إلى قراءة الطالع ويجرون القرعة بثلاثة أسهم يضعونها فى جراب بعد أن يخلطوها، ثم يكلفون أحد الذين يثق بهم صاحب
стр. 307
الشأن فى حسن طويته ويجعلونه يمد يده داخل الجراب، ويخرج السهام واحدا واحدا وينظرون على المسطور فوق السهام وينطقون ببعض الكلمات يبينون إذا ما كان فعل هذا الأمر خيرا فيمضون فى فعله أو شرا يمتنعون عنه.
ومن جملة شروط إجراء القرعة أن يلف الرجل الذى يدخل يده فى الجراب قطعة من الجلد المدبوغ الناعم حول يده تسمى ريانة والغرض من هذا ألا يحس الرجل بعلامة ما على السهم فيخرجه ويجامل الأشخاص الذين يحبهم ويخرج لهم ما يريدون من السهام.
وكانت مهمة الرجل الذى يقوم بإجراء القرعة بالأزلام مهمة رسمية يقوم بحل الخلافات التى تحدث بين الحكومة والقبائل، ويفصل بينهما بينما يقوم الآخر بالفصل فى الخلافات التى تحصل بين الأفراد بعضهم بعضا ومن هنا كان يختلف كل منهما عن الآخر.
وذهب بعض المؤرخين فيما نقلوه من روايات، أن الاستقسام بالأزلام هو إنه عند ما يهم إنسان بالقيام بعمل مهم يأخذ معه ثلاثة سهام أو سبعة منها ويضعها فوق الحجارة التى نصبت حول المسجد الحرام والتى يقال لها نصب (١) ويستمد من هذه الحجارة المعونة فى تحقق تلك الأعمال، ويذبحون لها قرابين طلبا لرضاها.
لعب القمار فى الجاهلية
كان الناس فى الجاهلية يلعبون القمار بضم وجمع عشرة سهام واسم هذه اللعبة «ميسر» وهذا بناء على تدقيق علماء التفسير العظام-﵏ العلى- وأخبارهم، وإطلاق لفظ ميسر لهذه اللعبة، لأنه يمكن كسب المال بيسر وسهولة فيها.
وكان يجتمع عدة من أغنياء الجاهلية ويشترون بالدين كثيرا من الجمال على أن تدفع أثمانها فيما بعد ويذبحون هذه الإبل ويقسمون لحومها ثمانية وعشرين جزءا
стр. 308
ثم يقسمون هذه الأجزاء على عشرة سهام وهذه السهام هى ١ - فذ ٢ - توام ٣ - رقيب ٤ - حلس ٥ - نافس ٦ - مسبل ٧ - معلى ٨ - منيح ٩ - سقيح ١٠ - وغد.
وبناء على أصول لعبة الميسر يجعل ويفرز لكل سهم أنصبة معينة وتترك بعضها من غير نصيب وكان لفذ نصيب واحد وللتوأم نصيبان وللرقيب ثلاثة أنصبة ولحلس أربعة ولنافس خمسة ولمسبل ستة ولمعلى سبعة وتترك سهام منيح وسقيح وغد بدون أنصبة.
ويذبح المقامرون الأغنياء هذه الإبل ويقسمونها أنصبة حسب حصص الأسهم المذكورة، ويضعون كل نصيب فى مكان معين ثم يضعون السهام فى جراب أو إناء بعد أن يخصص لكل مشترك جرابا باسمه، ثم يسحبون بواسطة رجل موثوق سهما من جراب كل مشترك ويعطون نصيب كل واحد منهم حسب ما جاء فى السهم.
والشخص الذى أصابه سهم من السهام التى لا نصيب لها لا يأخذ شيئا من لحوم الإبل ولكنه يجبر على دفع نصيبه من ثمن الإبل.
وبعد سحب القرعة وجمع نقود الإبل وتوزيعها وتسليمها إلى أصحابها، يقوم كل واحد منهم بتوزيع كل اللحم الذى كسبه على الفقراء مباهيا مفتخرا.
وكانوا يذمون الذين لا يشتركون فى اللعبة ويصفونهم بالبخل والتقتير، بل وينشدون قصائد الهجاء فى ذمهم. «انتهى»
خازن الآلات والأموال:
هذه الوظيفة عبارة عن نظارة الخزانة (١) العامة وكانت الأموال والأسلحة التى تدخر للحرب توضع تحت عهدة هذا الموظف، وظهرت شوكة الإسلام حينما كانت هذه الوظيفة فى عهدة حارث بن قيس بن عدى بن سهم من بنى سهم بن عمرو بن هصيص، ورفعت حجب الكفر والظلام عن الأنظار.
رفادة:
على وزن إفادة وتأتى بمعنى المسئول عن نفقات أصحاب الحرف وكانت وظيفة هامة وذات مكانة وقد ابتدعها قصى بن كلاب بن مرة.
стр. 309
وكانت قريش بناء على تصويب ابن كلاب وترتيبه تجمع مقدارا من النقود وتشترى بها التمر والزبيب والحبوب وتقدمه تحية لقوافل الحجاج فى مواسم الحج.
وكان فقراء الحجاج حتى زمن قصى بن كلاب يعانون من مشكلة كبيرة، لهذا فكر ابن كلاب بينه وبين نفسه فى سبيل لحل هذه المشكلة وقرر ترتيب هذه الرفادة.
إذ جمع رجال قبيلته يوما وقال لهم يا معشر قريش إنكم تسكنون حول كعبة الله وتتميزون بلقب سكان أهل البيت، وتتمتعون بالإقامة داخل حدود بلد الله، لذا فأنتم مدينون بإطعام الحجاج الذين يأتون استجابة لدعوة الله.
ولكى تظهروا للضيوف القادمين مظاهر الاحترام على الشكل اللائق بهم، عليكم أن تسارعوا فى مد موائد المآدب لفقراء الحجاج فى كل عام أما إقامة هذه المآدب فيكون بتخصيص مقدارا من المال سنويا وإعطائه إلى وكيل الصرف ليشترى به البضائع اللازمة لإطعام الحجاج. وبما أنه كان نافذ الكلمة بين القبائل العربية فقد استحسن اقتراحه وهكذا وضع نظام الرفادة الشامل النفع وبناء على ذلك أخذت قريش تجمع فيما بينها النفقات اللازمة لهذا الغرض، وكأنها ضرائب مفروضة، وتسلمها لابن كلاب، وهو بدوره يتولى توفير البضائع اللازمة لإطعام فقراء الحجاج فى مواسم الحج وهكذا برزت مظاهر كرمه واحترامه للحجاج.
وقد بعث النبى ﷺ ونظام الرفادة فى يد الحارث بن عامر بن عبد مناف.
وقد أطعم الحجاج فى السنة التاسعة الهجرية بواسطة أبى بكر الصديق وقد أطعم الحجاج فى حجة الوداع بلا واسطة.
وقد قام سادتنا الخلفاء الراشدين بمراسم الرفادة على الوجه الأكمل فى سنوات خلافتهم.
إن نظام الرفادة أو عادة إطعام الفقراء من الحجاج قد انتقلت إلى الخلفاء العباسيين وإلى سلاطين البلاد الإسلامية وكانت تتم بواسطة ولاة ولاية الحجاز الجليلة فى سوق منى فى مواسم الحج.
стр. 310
حكى المرحوم تقى الفاسى من مؤرخى مكة المكرمة ومن الذين شاهدوا رأى العين إقامة سماط الرفادة وكتب فى كتابه «تاريخ مكة» وقال: كانت الرفادة فى الجاهلية وفى صدر الإسلام وأوائل الدول الإسلامية من الأصول المقررة والمرعية وقد رأيت أنا أيضا إقامة موائد الرفادة. كان الطعام الذى سيقدم إلى فقراء الحجاج يطبخ فى صحراء منى السعيدة ويطعم الحجاج إلى نهاية الحج، وذلك بناء على أوامر السلاطين وقد ألغى هذا النظام فيما بعد ولكننى لا أعرف تاريخ إلغائه ولا أتذكر فى عهد من من الحكام قد ألغى.
وظلت عادة الرفادة ملغاة إلى يومنا هذا إلا أن القائمين بإمارة مكة يقومون بتوزيع مختلف أنواع الأغذية ومقدار كاف من اللحوم على جنود السلطان وخاصة الحجاج الفقراء الموجودين فى منى منذ عودتهم من المزدلفة حتى يوم توجههم إلى مكة المكرمة.
وفى الليلة الثانية للعودة من المزدلفة تقام احتفالات كبيرة أمام خيام شريف مكة ووالى الحجاز ويتم إطلاق الألعاب النارية خارج خيام المحمل الشامى والمصرى ليبعث الفرح والسرور فى قلوب الحجاج ذوى الابتهاج بمشاهدة هذه المناظر. وفى اليوم الأول من عبد الفطر يقوم شريف مكة كرما منه بمد سماط المآدب الرفيعة إلى رجال الأهالى وموظفى الدولة الموجودين وقد بلغت هذه المآدب من الفخامة ما يفوق الوصف.
وقد حضرت مأدبة سنة ١٢٨٩.قد مدت مائدة يطلق عليها «السماط» فى غرفة مستطيلة وتزينت بكل ما يمكن توفيره من أنواع الأطعمة اللذيذة والفواكه النادرة وقد جلس حولها أمير مكة ووالى المدينة والضيوف.
وكانت المائدة ترتفع عن الأرض مقدار قدم ونصف قدم وكان طولها ٣٩ قدما وكان عرضها تسعة أقدام.
وترك للمدعوين حرية اختيار الطعام الذى يرغبون فى تناوله حسب الأصول وبالتالى كان كل شخص حرا فى القيام أو الجلوس وفق رأيه.
стр. 311
وقد استمر إطعام الضيوف إلى المساء إلا أن حضرة الشريف لم يمكث إلى نهاية الطعام بجانب المائدة.
وقد تم إطعام الضيوف جماعة بعد جماعة ثم أكرم الضيوف بحضور الأمير بتقديم فنجان قهوة لهم.
وفى هذا اليوم الذى بسط فيه السماط لم يبق إنسان فى مكة إلا وأكل وشبع من هذه النعم، وبما أن هذه الضيافة تقام كل سنة من قبل شريف مكة فإن ما يصرف فيها يساوى ما كان ينفق من أجل الرفادة.
إن كل لقمة مما أعد لإطعام الناس تفوق من حيث الفخامة ما كان يقدم فى العصور السابقة عدة مرات ومع هذا فإن ما يقدم من طعام فى سماط مكة وما يقدم لجنود السلطنة والفقراء من اللحوم والأغذية فى منى لا يوافق أصول الرفادة لأن الأصول المرعية فى الرفادة إطعام الحجاج وبدون استثناء. ويجب ألا تقتصر هذه الضيافة على إطعام الفرقة العسكرية وبعض الفقراء.
ولكننا لو تذكرنا أن عدد الحجاج الواقفين على جبل الرحمة كانوا قلة قليلة فى العصر الجاهلى وكان ما يقدم لهم فى أثناء ضيافتهم التمر والزبيب فإن القيام بمثل هذا العمل غير ممكن فى عصرنا هذا.
فعدد الحجاج فى عصرنا الراهن تجاوز ثلاثمائة أو أربعمائة ألف، ومأدبة الرفادة من تمر وزبيب قد تحولت إلى أطعمة متنوعة ولحوم مطبوخة لذا فإن القيام بهذا العمل حسب أصول الرفادة فى العصر الجاهلى يكاد يكون مستحيلا وغير قابل للتنفيذ.
وبما أن مأدبة الضيافة التى أقيمت من جانب الإمارة السنية قد عمت المعايدة الرسمية وكانت سببا فى اختلاط الفقراء مع الأغنياء والوجهاء والأشراف فحسناتها زادت مرات ومرات على أصول الرفادة ونظامها.
شكل السماط
أصول المعايدة: يبدأ أهالى مكة المكرمة مع حلول مواسم الأعياد فى تحسين صلتهم بعضهم مع البعض، وبهذا يجددون علاقات المودة والإخاء فيما بينهم.
стр. 312
ومن العادات القديمة المرعية أن أهل مكة المكرمة يقسمون أيام عيد الفطر، بحيث يكون الاحتفال به فى أحد الأحياء إذ يعلن أصحاب الشأن أن العيد اليوم فى حى فلان ويستقبل أعيان وعظماء هذا الحى فلان وفلان وفلان زوارهم فى منازلهم. وفى هذا اليوم يتفق الأعيان والعظماء والأغنياء فيما بينهم ويحددون الشخص الذى سيستقبل الزوار للمعايدة. لذا يسرع سكان الأحياء الأخرى إلى الحى الذى سيحتفل فيه بالعيد.
كما أن سكان هذا الحى يذهبون فى اليوم التالى إلى بيوت أعيان الحى وأثريائهم وهكذا يسرعون فى أداء مراسم المعايدة المتبعة. إن سكان مكة المكرمة يهتمون بهذه العادة ويرعونها أعظم الرعاية حتى إنه لا يبقى فى مكة أفراد صغارا كانوا أو كبارا إلا لقى بعضهم بعضا ويدعون لهم بالخير.
وتشمل هذه المعايدة، أصحاب القبور من الموتى، لذا يذهب الرجال ثم النساء فى اليوم الأول من عيد الفطر الشريف للمعايدة ويظلون هناك إلى وقت الزوال فى مقبرة المعلى وسائر المقابر حيث يزورون أقاربهم ويتلون بعض السور القرآنية ثم يعودون إلى منازلهم.
ومما لا شك فيه أن هذا الأمر من السنن السنية الحسنة إلا أنه قد أسئ استغلال هذه العادة إذ أصبح اختلاط الرجال بالنساء فى المقابر حكم عادة وبما أن هذه العادة ستؤدى إلى الاختلاط والفساد فمن الواجب منع اختلاط الرجال بالنساء هناك. انتهى.
إن طريقة المعايدة الحسنة التى ذكرناها من العادات المتبعة فى بعض بلاد الأناضول والرومللى.
إننى قد حضرت العيد فى بعض ولايات الأناضول وكذلك فى ولايات الرومللى كما حضرت مراسم العيد فى مكة المعظمة، إذ إن المعايدة فى تلك الولايات لا تطابق تماما المعايدة فى مكة المكرمة (١).
стр. 313
ولما كان أهالى كل قرية فى تلك الولايات يذهبون إلى القرى الأخرى يتزاورون للمعايدة فيمكن أن نعتبر ذلك مشابها لأصول معايدة مكة المكرمة.
القيادة:
تعنى إمارة الجيش وهى عبارة عن قيادة الجيش فى الحرب والقتال.
إن هذه المناصب كانت خاصة بقريش لذا فإنها تتفوق على القبائل الأخرى بهذا المنصب وتفتخر به.
لما أسند ابن كلاب مهام الحجابة والسقاية واللواء والرفادة الهامة إلى ابنه عبد مناف وهو مازال على قيد الحياة فكأنه اختاره وليا للعهد.
وأسند إلى ابنه الكبير عبد الدار مهمة إدارة دار الندوة لتسوية نزاعات قريش.
وقد أوصى عبد مناف بإدارة حجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة بموافقة بقية أخوته وخاطب عبد الدار قائلا «يا بنى إننى أجعلك رئيسا على القبيلة، حيث لا يستطيع أى إنسان من أشراف القبائل أن يدخل كعبة الله طالما لم تفتح لهم بابها، ولا يستطيع إنسان أن يعقد لواء الحرب دونك، واللواء المزمع عقده يجب أن يكون فى يدك بلا منازع ولا يستطيع إنسان فى مكة أن يشرب من ماء زمزم إلا إذا سقيته أنت ولا يستطيع إنسان أن يأكل طعاما فى موسم الحج إلا إذا أكل من طعامك. ولا يبت فى أمر من أمور قريش الهامة إلا إذا تم الحكم بذلك فى بيتك.
اختلاف قريش:
بعد وفاة «قصى بن كلاب» أدار أبناؤه بموجب وصيته لعبد الدار حكومة مكة متفقين، ولكن فيما بعد ظهر بينهم الخلاف، فإن بنى عبد مناف وهم هاشم وعبد شمس وعبد المطلب ونوفل تباحثوا عن شرفهم وفضلهم وفكروا فى انتزاع مناصب الحجابة والسقاية واللواء والرفادة من أيدى بنى عبد الدار فدبت بينهم الخصومة، وتباهوا وقالوا: إنهم أجدر وأحق منهم بالقيام بهذه الخدمة الجليلة وادعوا أنهم الأفضل والأشرف-فى كل الجوانب-من أبناء عمهم عبد الدار، وأخذوا يتحرشون ببعضهم باستمرار، وفى النهاية اتفقوا على أن يحال الفصل فى النزاع الدائر بينهم إلى زعماء القبائل للحكم فيه.
стр. 314
أما زعماء القبائل فقد اختلفوا فى أمر هذا النزاع إذ التزمت جماعة منهم جانب بنى عبد الدار حتى لا يخالفوا وصية قصى بن كلاب، والتزم البعض الآخر جانب بنى عبد مناف تحكمهم فى ذلك بعض المصالح العصرية.
وعند ما ظهر هذا النزاع كان صاحب النفوذ فى أبناء عبد الدار هو عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أما صاحب الكلمة النافذة والأمر فى أبناء عبد مناف فهو عبد شمس بن عبد مناف.
وبعد مناقشات ومجادلات ومحاورات بين رجال القبائل المختلفة التى التزمت جانبا من الجانبين، قرروا إسناد مناصب السقاية والرفادة إلى بنى عبد مناف وتظل إدارة دار الندوة فى يد بنى عبد الدار وهكذا أسكتوا الجانبين وألزموهما بهذا الاتفاق وأجبروا الطرفين على توقيع معاهدة بهذا الأمر.
وبناء على هذا الاتفاق أعطيت مهمة السقاية والرفادة إلى أبناء بنى هاشم بن عبد مناف وبقية المناصب إلى بنى عبد الدار وقد أظهر كلا الطرفين رضاهما وموافقتهما على هذا الحكم، إلى أن توصلوا إلى هذا الحكم والنتيجة كانت ست بطون من قريش قد اتفقت وتعاهدت على أن تحمى بنى عبد الدار من غدر بنى عبد مناف وأطلق على هؤلاء أحلاف قريش وهذه البطون الست هى: بنو عبد الدار وبنو عمرو بن هصيص بن كعب وبنو جمح عمرو بن هصيص ابن كعب وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو عدى بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر. وقد سعى كل هؤلاء على أن يصطحبوا أحد أبناء عبد الدار وأن يكونوا عونا ونصرا لهم حتى لا يهزموا أمام بنى عبد مناف.
واتفقت قبائل بنى أسد بن عبد العزى بن قصى وبنو زهرة ابن كلاب وبنى تيم بن مرة بن كعب، مع أبناء عبد شمس بن عبد مناف أما قبائل عامر بن لؤى ومحارب بن فهر فقد بقيت على الحياد ووقفوا موقف المتفرج انتظارا لما سينتهى إليه الأمر.
وأقسمت كل جماعة من الجماعات المتفقة على ألا يتخلوا أو ألا يتراجعوا عما أقسموا واتفقوا عليه.
стр. 315
وعقب ذلك أحضرت نساء عبد مناف إناءا مملوءا بالطيب الرطب، وتركته أمام الجماعة الموجودة عند كعبة الله وتبعا لعادة الجاهلية غمس رجال الجماعة المتفقة أيديهم فى هذا الإناء ومسحوا أيديهم الملطخة بالطيب على جدران الكعبة المشرفة تأكيدا لقسمهم وأقسموا مرة أخرى على المحافظة على القرار الذى اتخذوه.
وكان قصدهم من هذا أن يؤكد كل فريق منهم للآخر ثباته على هذا فأقسم بشأن ذلك القرار المتفق عليه.
وعلى الرغم من حمل الفريقين المتفقين أسلحتهم بعد هذا القسم واستعدادهم للحرب، إلا أن زعماء القبائل قرروا فيما بينهم التوسط بين أبناء عبد الدار وأبناء عبد مناف وأسفر هذا التوسط عن إجبارهم على قبول ما تم الاتفاق عليه.
فانطفأت نار الحرب والقتال التى كادت أن تنشب بينهم بماء الصلح المقترح. وبهذه الصورة تم الحفاظ على الاتفاق الذى تم التوصل إليه حتى عصر النبوة. انتهى.
وكان لعبد مناف ابنان آخران غير عبد المطلب، ونوفل وهما عبد شمس وهاشم، وكان لكليهما نصيب فى مناصب الرفادة والسقاية بناء على قرار القبائل الست. وكان عبد شمس شديد الفقر مع كثرة العيال وكان أخوه هاشم من الأغنياء، ولما كانت إدارة السقاية والرفادة من الأمور المرتبطة بالمال والثراء فقد أسندت كل منها إلى هاشم، فتولى مهمتهما وفق هذا القرار.
واسم هاشم الأصلى هو عمرو، وقد أطلقوا عليه هذا الاسم لأنه هو الذى ابتدع طعام الثريد فى مكة المكرمة.
وهاشم هذا هو الذى ابتدع تسيير القوافل إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفا للتجارة، وسارت قريش على نهجه فيما بعد لأن قريشا وإن كانت تشتغل بالتجارة قبل ذلك إلا أن تجارتهم كانت مقصورة على أطراف مكة فقط.
وحدث فى أثناء سفره إلى الشام أن علم القيصر حاكم الشام بأمر شرفه وحسبه وعلو قدره بين قومه فاستدعاه وأظهر له الشئ الكثير من الاحترام والاهتمام، وفى خلال حديثه معه ألمح له أنهم يأتون بأمتعة الحجاز واليمن إلى الشام فى الصيف ولما كان هذا الأمر يتطلب رخصة تتضمن عهدا بالأمان فأعطاه
стр. 316
القيصر حاكم الشام هذه الرخصة رعاية لمكانته بين قومه وسمح له بأن يتردد رجال قريش على الشام للتجارة.
وبعد فترة قصيرة حصل أخوه عبد شمس من حاكم الحبشة على رخصة مماثلة ومطلب من حكام اليمن.
وكذلك حصل نوفل من حكام بلاد فارس على رخصة مماثلة وهكذا عودوا قريش على التجارة مع هذه البلاد، وكان هذا نوع من الأصول والعقبات التى أزلها قصى عن طريق الإجازة.
وكانت قريش التى تسكن مكة-آنذاك-آمنة من غارات لصوص البدو الذين يغيرون على القبائل التى تسكن حول مكة لأنهم ينهبونها.
وكان الشعار الذى ترفعه قريش أمام اللصوص قولهم: نحن سكان حرم الله وأهل بيت الله الحرام، إلا أن هذا الشعار كان يفيد عند ما يتجرءون على دخول مكة المكرمة، لذا كانوا لا يتجرءون على الابتعاد عن مكة كثيرا وفيما بعد استطاعت قريش تحت حماية وظل أبناء عبد مناف أن تتمتع باستيراد البضائع وتصديرها إلى كل مكان.
وقد أحسن هاشم بن عبد مناف القيام بأداء المهام التى أسندت إليه بموجب قرار القبائل الست وذهب إلى الشام لغرض التجارة وفى أثناء وجوده فى ولاية غزة (١) انتقل إلى رحمة الله فانتقلت مناصب السقاية والرفادة التى كانت مسندة إليه إلى أخيه عبد المطلب أعظم وأكبر شخصية فى قريش حينئذ.
وبعد وفاة هاشم بفترة قصيرة مات أخوه عبد المطلب فى مكة ومات أخوه نوفل بن عبد مناف فى أثناء رحلة فى العراق وبذلك انتقلت أعباء إدارة المنصبين الجليلين إلى عبد المطلب جد النبى- ﷺ -وولده عبد الله.
بلغ عبد المطلب من الشرف والجاه ما لم يبلغه آباؤه وأجداده ونال محبة الناس، ولم يكن له من أبناء سوى الحارث ولهذا كنى بأبى الحارث.
وذات يوم قال ابن عمه عدى بن نوفل بن عبد مناف ليس لك أبناء سوى
стр. 317
الحارث فإنك إذا تصورت أن تتولى رئاسة قبائل قريش لفترة طويلة، فهذا الأمل واه وعبث بالنسبة لك. أما نحن فأبناؤنا وأتباعنا كثيرون، وسيئول لنا-ذات يوم -زمام الرئاسة وهو أمر غنى عن التعريف أو التذكير به.
فأجابه عبد المطلب: أتخيفنى بسبب قلة أولادى؟ إن شاء الله سيكون لى من الأبناء عشرة، وعندئذ أذبح أحدهم قربانا عند الكعبة ابتغاء مرضاة الله (١).
وحسب حكمة الله، فبعد فترة نال عبد المطلب ما تمناه وبلغ عدد أبنائه عشرة كاملة وعندئذ جال بخاطره ما نذر وأقلقه هذا الخاطر طويلا وأطال التفكر فى هذا الموضوع ثم قرر أن يستدعى أبنائه ويشرح لهم الأمر وأخذ موافقتهم واحدا بعد الآخر، ورأى أن يكتب أسماءهم كل على حدة على عشرة سهام من سهام القرعة، ثم أخذ هذه السهام، واصطحب أبناءه عند الصنم الكبير المسمى هبل داخل كعبة الله. وضرب القرعة لاستكشاف الطالع حسب العادة المتبعة فى الجاهلية، وخرجت القرعة باسم عبد الله والد النبى- ﷺ -وأحب أولاده إليه وأفضلهم، ولم يأت هذا التفضيل والحب البشرى من الفراغ لأنه رأى فى المنام عدة مرات ما يبشر بأن هذا الابن سيكون له شأن كما رأى فى ولده هذا أشياء خارقة تدل على أنه سيكون والدا للجوهر النادر لسيد البشر، ونتيجة لكل هذا فإنه كان يفضل ابنه ويقدمه على إخوته، ويأمل بأن الله- سينجيه من الذبح ونروى واحدة من الخوارق التى جعلت عبد المطلب يأمل أن يكون ابنه أبا سيد البشر.
أفشى عبد الله-ذات يوم-سرا لأبيه حيث قال: يا والدى العظيم، إننى متى أخرج من مكة وأصعد جبل ثبير وحيثما أجلس، يظهر فى ظهرى شعاعان من نور لامع يتجه أحدهما وينتشر ناحية الشرق وينتشر الآخر ناحية الغرب، وبعد فترة يتجمعان مثل السحاب الممطر الذى يسطع ويعلو نحو السماء ثم يعودان إلى ظهرى مرة أخرى، ويتم كل هذا فى لحظة واحدة، كما أننى أسمع فى الأماكن التى أجلس فيها هاتفا يقول: السلام عليك أيها المستودع فى ظهره نور محمد
стр. 318
صلى الله عليه وسلم، وإذا جلست تحت شجرة جافة، إذا بها تخضر وتكتسب نضرة وعند ما أبرح المكان تعود الشجرة متلفة الساق إلى حالتها الأولى.
وهكذا كان ينقل لوالده ما رأى من الخوارق بعين بصيرته وبصره فقال له أبوه: يا بنى إننى أبشرك وأهنئك بحملك النور المحمدى، وقد بشرت بهذا عدة مرات وكل الرؤى التى رأيتها قبلك-تدل على أنه سيولد من صلبك الشريف من سيزين القماط.
والواقع أنه كلما كان يتقرب من اللات والعزى وهى من أكابر أصنام قريش كانا يخاطبان عبد الله بصوت مشابه لصوته قائلين: أنت لا تحفل بنا ولا تعبدنا! إن النور الذى سيضئ الدنيا قريبا ذلك النور الذى فى ظهرك هو نور محمد عليه سلام الله الأحد، وإن صاحب هذا النور سيحطمنا كما سيحطم كل الأصنام ويقضى علينا جميعا.
ولدلالة الأسباب الظاهرة السابق ذكرها أحب عبد المطلب ابنه عبد الله أكثر من بقية إخوته ولأجل ذلك كان يخاف عليه حتى من هبوب الرياح ومع ذلك كان يثق أيضا فى السهام التى بجانب هبل عند إجراء القرعة بالقدح (١).
وبناء على ذلك عند ما أصابت القرعة اسم عبد الله وقضت بذبحه راح الأب فى بحر عميق من التفكير، وبعد ما أفاق من تفكيره قال: ما العمل؟ هكذا قدر الله ثم أخذ والد النبى ذا المكانة العالية إلى جوار الصنم الذى أطلقت عليه قريش اسم إساف (٢) وأرقده على الأرض. وبمجرد أن علم عباس الأخ الأكبر لعبد الله بما ينوى الأب لأخيه أسرع إليه، وأدركه وسحب أخاه من تحت يدى والده عبد المطلب. وفى أثناء هذا جرح عبد الله فى وجهه، وظل أثر هذا الجرح ظاهرا إلى أن توفى.
стр. 319
مطالعة:
إن انتزاع حضرة العباس أخاه عبد الله من تحت قدمى عبد المطلب يقتضى أن يكون العباس أكبر من عبد الله، وهذا من سهو الرواة لأنه وفقا للروايات الصحيحة أن عبد الله أكبر من أخيه العباس.
حيث إن عبد المطلب تزوج من هالة أم ابنه حمزة-رضى الله عنه-بعد أن وفى بنذره، وبناء على هذا أن حمزة رضى الله عنه وأخاه العباس-من الأم- رضى الله عنه لم يكونا قد ولدا بعد حينما قرر عبد المطلب ذبح ابنه عبد الله (١).
وبناء على هذا يلزم أن يكون عبد الله أصغر أبناء أمه وليس أصغر أخوته جميعا.
ورغم أن ابن إسحاق قد أخطأ فى تأويل قول المرحوم البكائى الذى يعتبر من الأئمة الثقاة، وذهب إلى ما يخالف الرواية السابقة، فإن بعض أهل السير ردوا وخرجوا ما ذهب إليه ابن إسحاق، وقالوا إن حمزة-رضى الله عنه-أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة-رضى الله عنهم جميعا-وأيدوا رأيهم بما قاله العباس: عند مولد خاتم الأنبياء-عليه وعليهم التحية-كنت قد بلغت الثالثة من عمرى، وعند ما شاهدت وجهه المنير المبارك قالت لى النساء قبل وجه أخيك، فتشرفت بتقبيل وجهه الكريم.
وقول سيدنا العباس هذا لم يترك أى شك فى أنه أصغر من عبد الله بن عبد المطلب، ولهذا فإن قول المرحوم الإمام البكائى يحمل على أن عبد الله كان أصغر أبناء أمه عند ما حمل للذبح.
ورغم أنه لا حاجة إلى إطالة القول لإثبات هذا الأمر فما لا شك فيه أن سيدنا حمزة وأخاه العباس-رضى الله عنهما-قد ولدا بعد الوفاء بالنذر. وهو أمر ثابت بدلالة الروايات الصحيحة، حيث إن عدد أبناء عبد المطلب كان اثنى عشر.
انتهى.
стр. 320
ولما كان الموقف الصعب الذى بدر من عبد المطلب قد أثار قلق قريش، واضطربوا وتوترت نفوسهم وقالوا: نحن غير راضين من هذا الأمر، وعلينا أن نبحث عن حل حتى لا يصبح ما يريد أن يقوم به عبد المطلب عادة متبعة بيننا.
لذا استفسروا رأى الكاهنة سجاح (١) العاقلة والتى تقيم فى بلاد خيبر.
وسجاح هذه كانت كاهنة لها صلة بطائفة الجن وفق اعتقاد أهل الجاهلية وتستعين بهم؛ ولهذا فقد فهمت ما فى ضمير مبعوثى قريش، وقالت لهم سأسأل الطائفة التى أتبعها فى هذا الأمر وسأخبركم بالجواب الذى سأتلقاه منها.
ورجع رجل قريش إلى محل إقامتهم وقد اعتراهم اليأس ثم رجعوا إلى سجاح مرة ثانية فى اليوم التالى.
وقد سألتهم سجاح فى هذه المرة قائلة: ما مقدار الرجل عندكم؟ فأجابوا عشر من الإبل، فقالت لهم: أحضروا عشرا من الإبل واضربوا القداح على اسم عبد الله، وعلى اسمها فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم ورجع وفد قريش إلى موطنهم.
تعريف الكهانة
كهنة: جمع كلمة كاهن وتعنى المشتغل بمعرفة الفأل أو الطالع.
كان من عادات أهل الجاهلية العمل وفق ما يقوله الكهنة وكان الكهنة يزعمون أنهم على صلة بالشياطين، ويستقون منهم الأخبار المتنوعة ويخبرون بها من يلجأ إليهم. وقد ادعى بعض الكهنة أنهم يستخدمون خدما من طائفة الجن وأنهم يتلقون منها أخبار الغيب.
ولكن الآية الكريمة حسمت هذا الموضوع عند ما أخبرتنا ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (النمل:٦٥) بمعنى أن الجن لا يمكنهم أن