القيصر حاكم الشام هذه الرخصة رعاية لمكانته بين قومه وسمح له بأن يتردد رجال قريش على الشام للتجارة.
وبعد فترة قصيرة حصل أخوه عبد شمس من حاكم الحبشة على رخصة مماثلة ومطلب من حكام اليمن.
وكذلك حصل نوفل من حكام بلاد فارس على رخصة مماثلة وهكذا عودوا قريش على التجارة مع هذه البلاد، وكان هذا نوع من الأصول والعقبات التى أزلها قصى عن طريق الإجازة.
وكانت قريش التى تسكن مكة-آنذاك-آمنة من غارات لصوص البدو الذين يغيرون على القبائل التى تسكن حول مكة لأنهم ينهبونها.
وكان الشعار الذى ترفعه قريش أمام اللصوص قولهم: نحن سكان حرم الله وأهل بيت الله الحرام، إلا أن هذا الشعار كان يفيد عند ما يتجرءون على دخول مكة المكرمة، لذا كانوا لا يتجرءون على الابتعاد عن مكة كثيرا وفيما بعد استطاعت قريش تحت حماية وظل أبناء عبد مناف أن تتمتع باستيراد البضائع وتصديرها إلى كل مكان.
وقد أحسن هاشم بن عبد مناف القيام بأداء المهام التى أسندت إليه بموجب قرار القبائل الست وذهب إلى الشام لغرض التجارة وفى أثناء وجوده فى ولاية غزة (١) انتقل إلى رحمة الله فانتقلت مناصب السقاية والرفادة التى كانت مسندة إليه إلى أخيه عبد المطلب أعظم وأكبر شخصية فى قريش حينئذ.
وبعد وفاة هاشم بفترة قصيرة مات أخوه عبد المطلب فى مكة ومات أخوه نوفل بن عبد مناف فى أثناء رحلة فى العراق وبذلك انتقلت أعباء إدارة المنصبين الجليلين إلى عبد المطلب جد النبى- ﷺ -وولده عبد الله.
بلغ عبد المطلب من الشرف والجاه ما لم يبلغه آباؤه وأجداده ونال محبة الناس، ولم يكن له من أبناء سوى الحارث ولهذا كنى بأبى الحارث.
وذات يوم قال ابن عمه عدى بن نوفل بن عبد مناف ليس لك أبناء سوى
стр. 317
الحارث فإنك إذا تصورت أن تتولى رئاسة قبائل قريش لفترة طويلة، فهذا الأمل واه وعبث بالنسبة لك. أما نحن فأبناؤنا وأتباعنا كثيرون، وسيئول لنا-ذات يوم -زمام الرئاسة وهو أمر غنى عن التعريف أو التذكير به.
فأجابه عبد المطلب: أتخيفنى بسبب قلة أولادى؟ إن شاء الله سيكون لى من الأبناء عشرة، وعندئذ أذبح أحدهم قربانا عند الكعبة ابتغاء مرضاة الله (١).
وحسب حكمة الله، فبعد فترة نال عبد المطلب ما تمناه وبلغ عدد أبنائه عشرة كاملة وعندئذ جال بخاطره ما نذر وأقلقه هذا الخاطر طويلا وأطال التفكر فى هذا الموضوع ثم قرر أن يستدعى أبنائه ويشرح لهم الأمر وأخذ موافقتهم واحدا بعد الآخر، ورأى أن يكتب أسماءهم كل على حدة على عشرة سهام من سهام القرعة، ثم أخذ هذه السهام، واصطحب أبناءه عند الصنم الكبير المسمى هبل داخل كعبة الله. وضرب القرعة لاستكشاف الطالع حسب العادة المتبعة فى الجاهلية، وخرجت القرعة باسم عبد الله والد النبى- ﷺ -وأحب أولاده إليه وأفضلهم، ولم يأت هذا التفضيل والحب البشرى من الفراغ لأنه رأى فى المنام عدة مرات ما يبشر بأن هذا الابن سيكون له شأن كما رأى فى ولده هذا أشياء خارقة تدل على أنه سيكون والدا للجوهر النادر لسيد البشر، ونتيجة لكل هذا فإنه كان يفضل ابنه ويقدمه على إخوته، ويأمل بأن الله- سينجيه من الذبح ونروى واحدة من الخوارق التى جعلت عبد المطلب يأمل أن يكون ابنه أبا سيد البشر.
أفشى عبد الله-ذات يوم-سرا لأبيه حيث قال: يا والدى العظيم، إننى متى أخرج من مكة وأصعد جبل ثبير وحيثما أجلس، يظهر فى ظهرى شعاعان من نور لامع يتجه أحدهما وينتشر ناحية الشرق وينتشر الآخر ناحية الغرب، وبعد فترة يتجمعان مثل السحاب الممطر الذى يسطع ويعلو نحو السماء ثم يعودان إلى ظهرى مرة أخرى، ويتم كل هذا فى لحظة واحدة، كما أننى أسمع فى الأماكن التى أجلس فيها هاتفا يقول: السلام عليك أيها المستودع فى ظهره نور محمد
стр. 318
صلى الله عليه وسلم، وإذا جلست تحت شجرة جافة، إذا بها تخضر وتكتسب نضرة وعند ما أبرح المكان تعود الشجرة متلفة الساق إلى حالتها الأولى.
وهكذا كان ينقل لوالده ما رأى من الخوارق بعين بصيرته وبصره فقال له أبوه: يا بنى إننى أبشرك وأهنئك بحملك النور المحمدى، وقد بشرت بهذا عدة مرات وكل الرؤى التى رأيتها قبلك-تدل على أنه سيولد من صلبك الشريف من سيزين القماط.
والواقع أنه كلما كان يتقرب من اللات والعزى وهى من أكابر أصنام قريش كانا يخاطبان عبد الله بصوت مشابه لصوته قائلين: أنت لا تحفل بنا ولا تعبدنا! إن النور الذى سيضئ الدنيا قريبا ذلك النور الذى فى ظهرك هو نور محمد عليه سلام الله الأحد، وإن صاحب هذا النور سيحطمنا كما سيحطم كل الأصنام ويقضى علينا جميعا.
ولدلالة الأسباب الظاهرة السابق ذكرها أحب عبد المطلب ابنه عبد الله أكثر من بقية إخوته ولأجل ذلك كان يخاف عليه حتى من هبوب الرياح ومع ذلك كان يثق أيضا فى السهام التى بجانب هبل عند إجراء القرعة بالقدح (١).
وبناء على ذلك عند ما أصابت القرعة اسم عبد الله وقضت بذبحه راح الأب فى بحر عميق من التفكير، وبعد ما أفاق من تفكيره قال: ما العمل؟ هكذا قدر الله ثم أخذ والد النبى ذا المكانة العالية إلى جوار الصنم الذى أطلقت عليه قريش اسم إساف (٢) وأرقده على الأرض. وبمجرد أن علم عباس الأخ الأكبر لعبد الله بما ينوى الأب لأخيه أسرع إليه، وأدركه وسحب أخاه من تحت يدى والده عبد المطلب. وفى أثناء هذا جرح عبد الله فى وجهه، وظل أثر هذا الجرح ظاهرا إلى أن توفى.
стр. 319
مطالعة:
إن انتزاع حضرة العباس أخاه عبد الله من تحت قدمى عبد المطلب يقتضى أن يكون العباس أكبر من عبد الله، وهذا من سهو الرواة لأنه وفقا للروايات الصحيحة أن عبد الله أكبر من أخيه العباس.
حيث إن عبد المطلب تزوج من هالة أم ابنه حمزة-رضى الله عنه-بعد أن وفى بنذره، وبناء على هذا أن حمزة رضى الله عنه وأخاه العباس-من الأم- رضى الله عنه لم يكونا قد ولدا بعد حينما قرر عبد المطلب ذبح ابنه عبد الله (١).
وبناء على هذا يلزم أن يكون عبد الله أصغر أبناء أمه وليس أصغر أخوته جميعا.
ورغم أن ابن إسحاق قد أخطأ فى تأويل قول المرحوم البكائى الذى يعتبر من الأئمة الثقاة، وذهب إلى ما يخالف الرواية السابقة، فإن بعض أهل السير ردوا وخرجوا ما ذهب إليه ابن إسحاق، وقالوا إن حمزة-رضى الله عنه-أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة-رضى الله عنهم جميعا-وأيدوا رأيهم بما قاله العباس: عند مولد خاتم الأنبياء-عليه وعليهم التحية-كنت قد بلغت الثالثة من عمرى، وعند ما شاهدت وجهه المنير المبارك قالت لى النساء قبل وجه أخيك، فتشرفت بتقبيل وجهه الكريم.
وقول سيدنا العباس هذا لم يترك أى شك فى أنه أصغر من عبد الله بن عبد المطلب، ولهذا فإن قول المرحوم الإمام البكائى يحمل على أن عبد الله كان أصغر أبناء أمه عند ما حمل للذبح.
ورغم أنه لا حاجة إلى إطالة القول لإثبات هذا الأمر فما لا شك فيه أن سيدنا حمزة وأخاه العباس-رضى الله عنهما-قد ولدا بعد الوفاء بالنذر. وهو أمر ثابت بدلالة الروايات الصحيحة، حيث إن عدد أبناء عبد المطلب كان اثنى عشر.
انتهى.
стр. 320
ولما كان الموقف الصعب الذى بدر من عبد المطلب قد أثار قلق قريش، واضطربوا وتوترت نفوسهم وقالوا: نحن غير راضين من هذا الأمر، وعلينا أن نبحث عن حل حتى لا يصبح ما يريد أن يقوم به عبد المطلب عادة متبعة بيننا.
لذا استفسروا رأى الكاهنة سجاح (١) العاقلة والتى تقيم فى بلاد خيبر.
وسجاح هذه كانت كاهنة لها صلة بطائفة الجن وفق اعتقاد أهل الجاهلية وتستعين بهم؛ ولهذا فقد فهمت ما فى ضمير مبعوثى قريش، وقالت لهم سأسأل الطائفة التى أتبعها فى هذا الأمر وسأخبركم بالجواب الذى سأتلقاه منها.
ورجع رجل قريش إلى محل إقامتهم وقد اعتراهم اليأس ثم رجعوا إلى سجاح مرة ثانية فى اليوم التالى.
وقد سألتهم سجاح فى هذه المرة قائلة: ما مقدار الرجل عندكم؟ فأجابوا عشر من الإبل، فقالت لهم: أحضروا عشرا من الإبل واضربوا القداح على اسم عبد الله، وعلى اسمها فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم ورجع وفد قريش إلى موطنهم.
تعريف الكهانة
كهنة: جمع كلمة كاهن وتعنى المشتغل بمعرفة الفأل أو الطالع.
كان من عادات أهل الجاهلية العمل وفق ما يقوله الكهنة وكان الكهنة يزعمون أنهم على صلة بالشياطين، ويستقون منهم الأخبار المتنوعة ويخبرون بها من يلجأ إليهم. وقد ادعى بعض الكهنة أنهم يستخدمون خدما من طائفة الجن وأنهم يتلقون منها أخبار الغيب.
ولكن الآية الكريمة حسمت هذا الموضوع عند ما أخبرتنا ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (النمل:٦٥) بمعنى أن الجن لا يمكنهم أن
стр. 321
يطلعوا على الغيب ومن هنا كانت ادعاءات الكهنة فى هذا الأمر كاذبة ولا أساس لها.
ومن الكهنة الذين نالوا شهرة كبيرة بين كهان الجاهلية: سطيح-خطر- سجاح.
والذين اطلعوا على أحوال الكهنة فى الجاهلية أخبروا أن الكهانة أنواع مختلفة.
فمنهم من يأتى بسبع قطع من الحجارة، ويضع على كل واحدة منها علامة ويطلق عليها اسما ويأخذ هذه القطع فى قبضة ثم يحركها ويتمتم ببعض الكلمات الخاصة به، ثم يفتح قبضته وينظر إلى أوضاع الحجارة، ثم يحكم إن كان ما يريده خيرا أم شرا (١).
ومن أنواع الكهانة أيضا الزجر، العرافة ، الطيرة وهى تختلف من حيث الإجراء.
العرافة:
مثلا معناها الإخبار عن الغيب بواسطة الجن بالنظر إلى الأشياء الشفافة والبراقة، كالنظر إلى كوب من الماء أو إلى قرص الشمس أو إلى الزجاج أو البللور، حيث يرون فيها الجن ويستقون منها الأخبار، وإن هذه الصنعة ما زالت موجودة فى أيامنا، ويكسب المشتغلون بالخرافات أموالا طائلة.
الزجر والطيرة:
استقاء الأخبار عن كيفية طيران الطيور، وعن أصواتها والاستدلال بها على وقوع الأمر.
كان أهل الجاهلية عند ما يسافرون أو يخرجون لرحلة صيد أو قنص يتفاءلون من ظهور ثور وحشى من جانبهم الأيمن، ويحملونه على أنه خير لهم، وإذا ما
стр. 322
ظهر هذا الحيوان من الجانب الأيسر يتشاءمون منه، ويعتقدون أنه شر محض.
وكانوا يراقبون محط الغربان ويتأملون صورة هبوطها على الأرض وكيفية صياحها. وإذا ما تحركت الغربان وفق ما يزعمون أنه خير يفرحون، ويبتهجون أما إذا لم تحط الغربان فى الأماكن التى يريدون أن تحط فيها أو إذا لم يصح كما يريدون تشاءموا من طيرانها وتحركاتها وهبوطها هنا وهناك ويغضبون ويطردونها من محطها بإلقاء الحجارة عليها.
وقد ظهر كهنة قبل البعثة المحمدية وأخبروا بنبوة محمد- ﷺ -وصدقوا واعترفوا بهذه النبوة.
حكاية:
مروية عن حضرة لهيب بن مالك (١) إذ قال: كان لقبيلتنا كاهن من أعلم كهنتها يدعى خطر فى ٣٨٠ من عمره، وعلى رواية تاريخ خميس فى ١٨٠ سنة من عمره.
وقد اجتمعنا عنده يوما وقلنا له يا خطر أخبرنا بأشياء بواسطة علم النجوم وسنعمل وفق ما تنبئنا به وقال إذا ما أتيتم غدا سأخبركم عن الخير والشر، وفى اليوم التالى ذهبنا إليه مجتمعين فى الفجر. فوجدناه فى هذه المرة واقفا منتصف القامة وقد فتح عينيه من الحيرة والدهشة، وركزهما نحو السماء فكأنه فى حالة الاحتضار.
ولما رأيناه واقفا ساكنا لا يحرك رموش عينيه اعتقدنا أنه قد مات، وناديناه قائلين: خطر، وأخيرا أشار لنا أن نمسكه من جانبيه فأمسكناه. وبعد مدة سقط من السماء كوكب كبير كأنه طائر يحط على الأرض بخفة.
حينئذ صاح خطر صيحة عالية وأخذ يتحدث بشدة وجد قائلا: أصابه وجع عظيم قد عجز عن الإتيان بالأخبار، وقد تشتت أفكاره المضطربة قد عاودته المشقة والصعوبة إلام ستنتهى حالته قد انقطعت حبال من كانوا يسترقون السمع وقد حزن.
وبعد ما وقف هادئا ساكنا فترة توجه نحونا وقال: يا أولاد بنى قحطان
стр. 323
سأخبركم بالحق والحقيقة أقسم بالكعبة الشريفة ذات الأركان الأربعة. أقسم بالبلدة المباركة التى يسكنها المؤمنون قد منع المستمعون من الجن عجزوا عن الاستماع إلى الأخبار؛ وذلك بسبب بعثة نبى ذا شأن ورفعة وكأنه فى لمعانه نجم ثاقب، وقد بعث للإنس والجن. إن هذا النبى السعيد قد بعث مؤيدا بالفرقان والقرآن وأبطل عبادة الأوثان. وقد حدثنا بعبارات مسجعة ما يفيد المعانى السابقة وهكذا تركنا فى ذهول وخبره بهذه الأقوال.
وقلنا لخطر يا خطر إننا لنأسف على كهانتك إنك لتخبرنا بشئ عجيب
والمنتظر منك أن ترحم قومك الذين يتبعونك وتراعى جانبهم. فأجاب خطر إننى أحب قومى أكثر من نفسى لذلك سأدفعهم إلى تبعية نبى عظيم الشأن هو أعظم الأنبياء جميعا وأفضلهم ودليل عظمته ظاهر مثل شعاع الشمس، وقد بعث فى مكة ويدعو إلى أداء صلوات خمس وإنه تنزل عليه من قبل الله آيات بينات.
فاستوضحوا الأمر قائلين: يا خطر من هذا الشخص النبيل الذى تعرفه وتصفه لنا؟ فتحدث خطر قائلا: إنه ينتمى إلى قبيلة قريش السعيدة، ويعيش بين أفرادها لا خفة فى حلمه، وأنه لا يظهر بعض كلامه ويخفى الآخر وخلقه خال من الفساد والخلل، وإن ذاته الشريفة السعيدة تنتمى إلى آل قحطان وآل ديش بن الهون، وينتهى نسبه إلى قبيلة خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وقد أجاب خطر على تساؤلاتنا التى طلبنا فيها أن يبين لنا القبيلة التى ينتمى إليها من قبائل قريش، قال إنه من آل هاشم بن عبد مناف، ومن أكارم أهل مكة المعظمة وقد بعث لغزو المشركين وقتل الملحدين، وأضاف خطر قائلا بما أن هذا الكلام أخبر به رئيس الجان نفسه فهو صحيح تماما، وغاب عن الوعى قائلا الله أكبر قد ظهر الحق وانقطعت ألا عيب الجن وأفاق بعد ثلاثة أيام.
وقبل الإسلام إذ قال لا إله إلا الله وأغرانا وحثنا على قبول الدين المحمدى المبين. وقد قص لهيب بن مالك هذه الحكاية الغريبة بالتفصيل على أحبائه، ثم عرض ما جرى على نبى الإنس والجان-عليه وعلى آله صلوات الله المنان- فتفضل نبينا صادق القول قائلا: «سبحان الله قد نطق صدقا إن هذا الشخص سيبعث يوم القيامة أمة وحده» (١).
стр. 324
وقد ثبت من هذه الحكاية إلى درجة ما شأن قراءة الطالع فى الجاهلية، وأحوالهم فى مد الناس بالأخبار واستراق الشياطين السمع لمعرفة الأخبار من السماء.
وفى الواقع أن مردة الشياطين كانوا يسترقون السمع فى السماء لمعرفة الأحداث إلى زمن ولادة عيسى-على نبينا وعليه السلام-ويلقون بالأخبار إلى قلوب الكهنة. وقد انقطعت ثلث الأخبار التى تأتى بواسطة استراق الشياطين السمع فى السماء فى زمن عيسى-﵇-وانقطع ثلثاها الباقيان بولادة نبينا الذى بعث رحمة للعالمين وهكذا لم يبق أثر من استراق السمع، ولم يبق مجال لأخبار الكهنة.
وقد عرف عبد المطلب بالطريقة التى أوجدت بها سجاح فى إجراء القرعة، واتبع عبد المطلب الطريقة كأنها دستور مكتوب، وضرب القرعة فخرجت تسع مرات واحدة تلو الأخرى على عبد الله وأصابت فى المرة العاشرة اسم الإبل، ولما كان عدد الإبل الذى تجرى عليه القرعة قد بلغ المائة ناقة قالت قريش: يا عبد المطلب إذا ذبحت هذه النوق المائة قربانا تكون قد أوفيت بنذرك، وأديت حق الله وأخبروه بما وصفت به سجاح.
ولكن عبد المطلب لم يلق سمعا إلى قول سجاح ولا إلى أقوال قريش، وقال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فضرب فخرج القدح على الإبل فى المرات الثلاث.
ولما رأى عبد المطلب ذلك قام فذبح مائة من الإبل ووزع لحمها على أهل مكة طلبا لرضاء الله، وأفهم الناس أن دية الرجل بين العرب ستكون مائة من الإبل بمقتضى ما حدث.
قد ظل حكم عبد المطلب هذا مرعيا إلى ظهور نور النبوة، وقد أبقى صاحب الشريعة-عليه أكمل التحية-هذا الحكم نافذا بحيث تكون دية الرجل مائة من الإبل.
стр. 325
الصورة التاسعة
فى تفصيل كيفية بناء الكعبة المعظمة للمرة الثامنة
قد حدث هذا التعمير والبناء بعد بناء إبراهيم ﵇ ب (٢٤١٩) سنة، أو على رواية أخرى بعد (١٧٠٣) سنة.
وكان بانى بناء الشريعة-﵇-فى ذلك الوقت قد بلغ الخامسة والثلاثين من عمره السعيد، وكان بيت العزة الذى بناه إبراهيم-﵇ قائما بعينه.
وقال المؤرخون متبعين الإمام مجاهد: إن هذا الحادث كان قبل البعثة النبوية بخمسة عشر عاما، والذين اتبعوا (١) ابن إسحاق قالوا إن البناء كان قبل البعثة النبوية بخمس سنوات (٢).
- فتوى:
قد أدرجنا صورة من فتوى رضا أفندى والذى يؤيد قول ابن إسحاق فى هذا الموضع لما عهدنا فى فتواه من صراحة متبركا بها.
- صورة الفتوى الشريفة:
إذا تفرق أهالى حى أحد المساجد وخلا من المصلين فهل يجوز لورثة الواقف أن يمتلكوه؟
الجواب: لا يجوز ذلك.
لأن الكعبة المعظمة فى فترة الخلو من الرسل-امتلأت أطرافها بالأصنام
стр. 326
وخربت، فلم تنتقل إلى ورثة آخرين. وعلى هذا من بانى الكعبة المشرفة وواقفها؟
الجواب: إن الكعبة الشريفة شرفها الله، قد جدد بنناءها خمس مرات إلى الآن، كما أنها عمرت بتجديد حوائطها.
أولا: بناها الملائكة بأمر الله- .
ثانيا: بناها حضرة إبراهيم ﵇.
ثالثا: قد بنيت فى الجاهلية على ستة أعمدة بعد هدمها وإخراج حجر إسماعيل من البيت من قريش.
وكان النبى- ﷺ -فى الخامسة والثلاثين من عمره السعيد. واشترك فى بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود فى مكانه بيديه الشريفتين.
وفى المرة الرابعة بناها عبد الله بن الزبير إذ احترقت الكعبة فى «عهد يزيد اللئيم» -فهدمها عبد الله وبناها وفق رسم إبراهيم-﵇-وعلى أساسه وأدخل حجر إسماعيل داخل البيت وفى المرة الخامسة جدد بناءها فى ٧٤ هجرية إذ اقتلع بناء ابن الزبير وأعيدت إلى سابق عهدها بأن أخرج حجر إسماعيل من الكعبة الشريفة، وفى سنة ألف وتسع وثلاثين وفى عهد السلطان مراد الرابع قد جددت جدرانها وعمرت بيد قاضى مكة المكرمة السيد محمد الأنقروى. وقد صرح فى صدر الشريعة أن واقف البيت هو حضرة إبراهيم-﵇.
إخطار:
لم يذكر المرحوم رضا أفندى فى فتواه بناء وتعمير البيت فى عهد آدم ﵇ وأولاده وعهود العمالقة والجراهمة وقصى بن كلاب، لأنه تفادى التطويل فى الكلام وإلا فمن المحقق أن البيت الشريف قد جدد إحدى عشرة مرة.
وقال الشيخ محمد صالح فى كتابه البليغ «سبل الهدى والرشاد فى هدى خير العباد» وهو يتحدث عن تجديد البيت المعظم للمرة الثامنة: بينما كانت سيدة من
стр. 327
سيدات قريش تبخر داخل كعبة الله المملوءة بالفيض الإلهى ومعها مجمرة خاصة، فجأة احترق ملبسها بشرارة انتشرت من المجمرة. وسرت النار التى حرقت ملبسها إلى جدران الكعبة وستائرها وسقفها فأحرقت جدران الكعبة وخربت حوائطها ثم حدث سيل عظيم، وهدم السد الذى أقيم أمام ممر السيل ومجراه وخربه، واتجه نحو داخل كعبة الله وأضرت المياه أسس الجدران السهلة الانهيار.
وقرر زعماء قريش بعد هذا الحادث الأليم أن يجددوا بيت الله (١) مسقفا وأن يراعوا فى صنع باب معلا لبيت الله المعظم يراعى فيه والمتانة والعلو عن الأرض مقدرين ما قد يحدث من السيول وألا يسمحوا بالدخول فى داخل كعبة الله لكل من هب ودب وأخذوا يجتمعون من حين لآخر لمذاكرة هذه الأمور إلا أن الاجتماعات كانت تنفض دون أن يعلنوا ما وصلوا إليه من نتائج وذلك لعدم وجود الأشياء اللازمة لتعمير البيت ولضيق ذات أيديهم.
وفى أثناء ذلك عرفوا أن سفينة كبيرة قد جنحت أمام جدة، وأنها تحمل كثيرا من الأخشاب وأنواع الرخام واللوازم الحديدية الأخرى. كما عرفوا أن ربان السفينة بارع فى فن العمارة والبناء لذا بعثوا بوليد بن المغيرة ومعه بعض النجارين البارعين فى حرفتهم حتى يطلعوا على صلاحية الأشياء المذكورة للبناء.
واستطاع الوليد بن المغيرة أن يقابل الربان سالف الذكر ويشترى منه حمولة السفينة بثمن بخس ثم فاتحه فى أن هذه الأشياء من أجل بناء كعبة الله المقدسة وأنها ستستعمل فى أعمال البناء والعمارة. وهكذا حمل معه الأشياء المشتراة وفى رفقته الربان المذكور ووصل إلى مكة.
وبناء على ما ينقله المؤرخون فإن هذه السفينة كانت قد حملت من قبل قيصر الروم وأرسلت لبناء وتعمير كنيسة فى الحبشة أحرقتها قبيلة قريش أو أحرقتها طائفة من بلاد الفرس، وعين ربانها للقيام بترميم وتعمير خرائب الكنيسة.
стр. 328
وبناء على الحكمة القائلة «إذا أراد الله شيئا هيأ أسبابه» فالسفينة قد تعرضت لعاصفة شديدة وجنحت على اليابسة فى مياه جدة وهكذا وقعت فى يد العربان لتكون سببا فى عمارة كعبة الله.
ولما وصل الربان المذكور إلى مكة المكرمة تفقد مع نجار من أصل قبطى كلفته قريش بمصاحبته فى بناء الكعبة المعظمة، وابتدئ فى هدم بناء البيت الشريف حتى يستطيع أن يسقفه وتخلى الأهالى عن فكرتهم فى عدم السماح بهدم البيت.
- ظهور حية كبيرة فوق الكعبة:
من الأحداث الغريبة أن حية عظيمة الجثة صعدت فوق مخزن الهدايا الذى حفره سيدنا إبراهيم، وكانت الحية تصعد فوق جدران كعبة الله وتظل هناك منحنية الرأس للشمس، والذين يرون هذه الحية يخافون من شكلها المرعب ويعتقدون أنها من حراس البيت.
وكان جسم الحية لامعا متلألأ ترسل أشعة إلى الأطراف كألسنة النار، وكانت تخيف من يحاول الاقتراب منها بفتح فمها المخيف وإخراج أصوات مفزعة.
وكانت الحية بيضاء الجسم وكان رأسها فى حجم جدى وزيلها أسود كسواد الغراب وكانت كبيرة الحجم مهيبة المنظر، وكانت تمنع الخونة والمتسلطين عند الاقتراب من الكعبة المعظمة.
وفى يوم من الأيام حينما كانت الحية فوق جدران الكعبة كعادتها ظهر طائر جسمه أكبر من العقاب، وانقض على هذه الحية الضخمة وأخذها بين براثنه وطار بها إلى ناحية الشرق وتركها فوق جبل «حجون».
والمؤرخون الذين قصوا سبب ظهور هذه الحية قالوا: إن المخزن الذى حفره إبراهيم-﵇-وسماه (أخسف) ليحفظ فيها الهدايا التى قد ترد من أنحاء مختلفة لبيت الله الأعظم لم يكن للكعبة فى ذلك الوقت سقف وكانوا يقدمون الهدايا إلى كعبة الله من الذهب والمجوهرات المرصعة وأشياء قيمة وكانت هذه طريقتهم فى التقرب من الله وإظهار الود لإبراهيم ﵇.
стр. 329
وبعد مضى الوقت امتلأ المخزن وجوف الكعبة المنير بالهدايا مما دفع بعض السفلة من الناس إلى مد يدهم لسرقة أشياء من هدايا الكعبة عند ما كانت تسنح لهم الفرصة وعند ما ضبط بعضهم متلبسين بالسرقة قطعت أيديهم ليكونوا عبرة للآخرين. وسقط بعضهم وهلكوا وهم يمدون أيديهم ليسرقوا الأشياء المحفوظة.
بينما ضل أقوام الجراهمة فى مكة المعظمة ورفضوا الاستماع إلى نصائح «مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض» مقتدين بشقى يسمى «مجدع» اتبع أحد التعساء إغواء نفسه ونزل فى داخل الخزانة المذكورة ليسرق الأشياء المحفوظة فيها ولحكمة ما انهارت جهات الخزينة الأربعة فجأة وهلك الشقى تحت الأنقاض.
وفى رواية أخرى أن الشخص الذى دخل كعبة الله كان معه أربعة من رفقائه وأن كل واحد منهم وقف فى ركن من أركان البيت المحترم وحملوه على أكتافهم وأنزلوه فى داخل كعبة الله وكان غرضهم أن يسرقوا الأشياء الثمينة التى فى داخل الكعبة، بأن يناول كل واحد منهم الآخر الأشياء المسروقة إلا أن الشخص الذى رفع إلى أعلى جدران الكعبة زلقت رجله ووقع على أرض المطاف ومات، أما رفقاؤه فهربوا حتى لا يقعوا فى أيدى السلطة.
وبناء على ذلك خلقت تلك الحية التى سبق ذكرها وظلت تحرس وتحفظ خزينة كعبة الله ما يقرب من خمسمائة سنة وكانت تتراءى فوق جدران الكعبة كما سبق توضيحه وتثير الخوف والدهشة فى الأطراف.
وحينما رأى أهل مكة هلاك الحية بهذه الصورة اعتبروا هذا إيذانا من قبل الله بعمارة الكعبة وسروا بذلك وابتدروا فى هدم بنائها.
وبينما كان القرشيون مشغولين بهدم الجدران ضرب أبو وهب عمرو بن عائذ بن مخزوم-خال والد مجدد بنيان الشريعة رصينة الأركان عليه أقوى التحية- على حجارة بفأسه وأخذ قطعة منها.
إلا أن تلك القطعة طارت من يد عائذ وعادت إلى مكانها القديم، وقال عائذ لعظماء قبيلته وقد اهتز وخاف من وثوب قطعة الحجر طائرة من يده إلى مكانها
стр. 330
القديم قائلا: يا معشر قريش يجب أن نتجنب إعمار البيت من مال الربا والفواحش والأموال المشكوك فيها والتى جمعت بالظلم ويجب أن نحرص فى بناء بيت الله على إنفاق المال الحلال.
وأراد بهذا أن يبين لأهل مكة أن إعمار بيت الله يجب أن يتم بالمال الحلال، وبناء على هذا جمع أهل مكة للمرة الثانية ما استطاعوا جمعه من المال الحلال، وسلموه إلى اللجنة التى تشكلت للاهتمام ببناء وتجديد بيت الله.
ولكن مع هذا لم يكونوا واثقين من مدى حلّيّة النقود التى جمعوها أول مرة والتى أنفقت فى سبيل تجديد بيت الله، لذا خافوا من نزول المصيبة بهم إذا شرعوا فى هدم بيت الله وترددوا كثيرا، وفى النهاية خاطبهم وليد بن المغيرة قائلا: يا قبائل قريش إذا كنتم فعلا تنوون إصلاح كعبة الله فالله لا يهلك المصلحين. ثم أخذ فأسا وأخذ يهدم بمفرده جدران بيت الله. ومع ذلك لم يتجرأ أحد من قريش على المشاركة فى هدم البيت وظلوا ينتظرون ما سوف يحل وليد، ولما رأوا أن وليد قد نجا من أى ضرر اتفقوا جميعا على هدم البناء وفى ختام الهدم اقتسموا بناء البيت، بناء على رأى عائذ وتعهد بنو عبد مناف مع بنى زهرة ببناء الجهة التى يوجد فيها باب الكعبة العالى كما تعهد بنو مخزوم وبنو تميم وبعض القرشيين ببناء ما بين الركنين الشرقى واليمانى (١) وبنو عبد الدار بن قصى وبنو أسد ابن عبد العزى بن قصى وبنو عدى بن كعب بن لؤى الجهة التى فيها الميزاب الذهبى، وبنو جمح مع بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى جهة ظهر الكعبة، وشغل بعضهم بنقل الحجارة من جبل الكعبة (٢) وحرص الآخرون على هدم البناء.
ولما هدموا جدران البناء المقدس بحثا عن الأساس الإبراهيمى ظهر حجر
стр. 331
أخضر كعلامة (١) للأساس القديم، ولما أرادوا أن ينتزعوا ذلك الحجر الأخضر برقت نار عظيمة (٢) هزت أرض مكة، فخافوا من تعميق الأساس أكثر من ذلك، وبنوا أسس الجدران فوق ذلك الحجر الأخضر، ووجدوا تحت الحجر الأسود الكائن فى الركن الشرقى ورقة كتب عليها باللغة السريانية، وبحثوا عن واحد من طائفة اليهود ليقرأها.
وكان مفاد تلك الورقة الآتى:
أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر وحفظتها (٣) بسبعة أفلاك (٤) حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها فى الماء واللبن.
يقول البعض أن ورقة أخرى وجدت فى مقام إبراهيم وقد كتبت عليها الآية الكريمة: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة:١٩٧).
والعبارة البديعة الآتية: مكة بيت الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحل لها رجل من أهلها.
وأيد هذا المعنى الشامل ما قاله النبى- ﷺ -فى يوم فتح مكة بما أن الله- -حرم مكة المكرمة فلا يجوز لأحد من قبلى ولا من بعدى أن يحلها إلا أنها قد أحلت لى ساعة من نهار.
ولما ارتفعت جدران كعبة الله من جوانبها الأربعة وحان وقت وضع الحجر الأسود فى مكانه ظهر نزاع شديد بين القبائل، وصاح أفراد كل قبيلة قائلين نحن سنضع الحجر الأسود فى مكانه، وأخذ النزاع صورا مختلفة من الحوار والمناقشة
стр. 332
والمشاجرة حتى أطلق على قبائل (بنى عبد الدار، بنى عدى، بنى مخزوم، بنى سهم، بنى جمح) لقب لعقة الدم.
واستمر الخصام بين القبائل فى هذه المشكلة خمسة أيام، ولكن أبا أمية بن المغيرة (١) وكان أكبر المعمرين فى قريش كلها ومن حكماء قومه، جمع عقلاء القبائل واقترح عليهم بأن يحكموا فى هذا الموضوع أول الداخلين من باب الصفا وعلى قول من باب بنى شيبة، فى وقت محدد يعينونه ووافق على هذا الاقتراح عقلاء القبائل.
وقد حاز هذا الاقتراح حسن القبول لدى القبائل الأخرى أيضا، وحدد الميعاد وجلس القوم وعيونهم صوب الباب ينتظرون، وكان أول من دخل فخر العالم وسبب راحة الأمم ﷺ .
وفرح المترصدون بقدوم سلطان الرسل الموسوم باليمن ورطبوا ألسنتهم بذكره إذ قالوا هذا محمد الأمين رضينا به ثم قالوا له: إننا أقسمنا على أن يكون أول الداخلين حكما لفض النزاع بين القبائل، وبما أنك كنت أول الداخلين سنقبل رأيك الخاص لحل هذا الخلاف. وبهذه الطريقة نقلوا للذات النبوية العالية خلاصة ما حدث بين القبائل.
وبما أن الرسول- ﷺ -كان معروفا بين القبائل بالصدق والاستقامة كانت قريش تحيل إليه حل ما عجزوا عن حله من القضايا.
ولما استقر منشأ النزاع فى ضمير النبى- ﷺ -وفهمه جيدا وضع الحجر الأسود فى داخل ثوب (٢) وجعل رؤساء القبائل الأربع العظيمة يمسك كلا ركنا من أركانه وهم:
عتبة بن ربيعة، زمعة أبو حذيفة بن المغيرة، وقيس ابن عدى ثم حمل الحجر
стр. 333
الشريف ووضعه فوق الثوب فرفعوه جميعا حتى إذا بلغ موضعه وضعه بيده الشريفة، وهكذا أرضى صناديد القبائل وأسكنهم.
وكانت قريش عند ما شرعت فى هدم كعبة الله أخرجت الصنم الكبير هبل من خزانة بيت الله حيث كان ركزه عمرو بن لحى ابن قمعة، ونقله إلى مكان قريب من مقام إبراهيم ونصبته هناك وفى أثناء إتمام عمليات البناء نقلوا هبل من حيث كان منصوبا إلى مكانه القديم فى الخزانة التى فى داخل بيت الله، ونصبوه هناك ثم أخذوا يرسمون فوق جدران الكعبة المعظمة فى الداخل والخارج صورا كبيرة، وكان بينها صور الأنبياء العظام والملائكة الكرام.
إن فاتح أقاليم الرسالة عليه أقوى التحية قد محا وأزال ما كان منصوبا فى داخل الكعبة أو خارجها من الأصنام والأوثان، وما كان على جدرانها من الصور كلها يوم الفتح الميمون، وأمر بإزالة صورتى إسماعيل وإبراهيم-عليهما الصلاة والسلام-اللتين كانتا مرسومتين فوق طلاء الكعبة فى الداخل.
وكان المشار إليهما مصورين وهما يمسكان فى أيديهما أزلام الميسر. ولما كان النبى- ﷺ -يعرف أن إبراهيم وابنه إسماعيل لا يمارسان الميسر، دعا على قريش التى صورتهما بهذا الشكل إذ قال «قاتلهم الله».ثم أمر بأن يوضع هبل وهو عبارة عن حجر كبير-خارج باب السلام.
ويروى أن أجزاءه المنكسرة أصبحت موطأ القدم فى عتبة باب السلام.
إننى قد رأيت هذه العتبة ودست عليها. ولم يبق له ما يشبه الصورة أو الوجه لذا أتردد فى قبول هذه الرواية؛ لأن الصنم المسمى ب «هبل» كان منحوتا من العقيق الأحمر كما سبق ذكره فى بحث كيفية دخول الأصنام فى أرض الحجاز، وكانت يده اليمنى مقطوعة عند ما أحضره عمرو بن لحى من أرض الشام لذا ركب له أهل مكة يدا من ذهب خالص.
صور الأنبياء وقصص مثيرة للعجب والحيرة
كان علماء عبدة الأصنام يهتمون بصنع تماثيل الأنبياء على أكمل وجه
стр. 334
ويحفظونها ويتوارثونها جيلا بعد جيل. ويعتقدون أن هذه الصور تطابق أشكال وشمائل الأنبياء تمام المطابقة.
وبناء على زعم هؤلاء العلماء واعتقادهم أن الصور الموجودة فى خزائنهم قد حصل عليها النبى دانيال بواسطة ذى القرنين ورسم وصور كل واحدة منها على حدة.
قد وجد ذو القرنين هذه الصور فى مغارة من أرض المغرب، ثم صرها بخرقة (١) حريرية ثم حفظها، وانتقلت تلك الصرة إلى يد النبى دانيال-عليه سلام الله المتعال-فنقل صور الأنبياء إلى ألواح متعددة فتكاثر عددها.
وقد يصدق-إلى درجة ما-تطابق الصور القديمة التى توارثها الملوك، صور الأنبياء وشمائلهم، إلا أن الصور التى رسمها القرشيون على طلاء داخل بيت الله لا يمكن أن تطابق شمائل الأنبياء والملائكة.
قد انتقلت عادة توارث صور الأنبياء فيما بعد إلى سلوك عبدة الأوثان، وتعود كل واحد منهم أن يحفظ هذه التصاوير فى خزانة ولا يريها لأحد.
تأمل الحكاية الآتى ذكرها عن الصور التى توارثها قياصرة (٢) الروم وكانت لصورة الهيكل النورانى المحمدى وصورتى الشيخين المكرمين.
قال دحية بن خليفة الكلبى حامل الرسالة النبوية السابقة إلى هرقل (٣) الرومى، كما هو مسطور فى السيرة النبوية ذات الرائحة البنفسجية: عند ما حملت الرسالة النبوية الداعية للهداية وجدت قيصر الروم فى دمشق، وانتهزت وقت خلوه من المشاغل واعتدال مزاجه وأتيت برسالتى.
وتلقى هرقل الرسالة النبوية السعيدة بتعظيم فوق العادة وتوقير شديد، وقبل
стр. 335
الخاتم الذى فوقها. ثم فتحها وقرأها ووضعها فوق كرسى بجانبه، وكان هذا الكرسى خاصا لوضع الكتب المقدسة.
ثم استدعى البطارقة وعلماء النصارى وجمعهم، ثم صعد فوق كرسى لإلقاء خطبة-وفق آداب تلك العصور-وألقى مقدمة مثيرة مشوقة أجبرت الحاضرين للاستماع ثم قال: يا بطارقة النصارى إن هذه الرسالة الشريفة التى زينت يدى ونالت احترامى رسالة من قبل نبى آخر الزمان ومن أحفاد إسماعيل الذى بشرنا بظهوره المسيح-﵇-وأتى فى كلامه بكثير من الأقوال التى تصف ما يتحلى به نبينا من المكارم الأخلاقية.
إن أقوال هرقل كانت ذات تأثير سيئ على الحاضرين، إذ قام البطارقة من أماكنهم معترضين بتهور، وتجرءوا على السير نحو ملكهم هاجمين، فلما رأى هرقل أن البطارقة غير مستعدين للاعتراف بنبوة محمد والتصديق بها، أراد أن يسكن غضبهم وتخلى عن الحمد والثناء وقال: لا، لا إنما أردت بهذا الكلام التأكد من مدى تمسككم بدين عيسى ومدى ثبات عقيدتكم فيه.
إننى لا أريد أن أصدق بمحمد، كما أننى لا أحثكم على قبول الإسلام دينا، وإننى قد سررت إذ رأيت مدى صلابة عقيدتكم. الرجل الحق يجب أن يثبت فى دينه مثلكم .. إننى أحبكم.
وهكذا أسكن غضهم وفى اليوم الثانى أدخلنى فى حجرة خالية ووجه إلى أسئلة وتلقى إجابة، ثم أدخلنى فى حجرة واسعة مزينة.
وكانت هذه الحجرة بيت الأصنام، وتحتوى على ٣١ قطعة من التصاوير وأشار هرقل لهذه الصور وقال: لأى صورة من هذه الصور يشبه نبيكم؟
وبينما أجيل النظر فى الصورة جذبت نظرى صورة تشبه أجمل الأنبياء فقلت إن هذه الصورة تشبه نبى الإنس والجن، وكانت هذه الصورة قد رسمت بشكل كأنها توجه خطابا لشخص ما فازددت عجبا لذلك. ثم أشار هرقل إلى صورة منصوبة على يمين الصورة السابقة، وسألنى: هيكل من هذا؟ فقلت إنه رجل من
стр. 336
أمة محمد ويطلق عليه أبو بكر؛ لأن الصورة كأنها نفس أبى بكر. ثم أشار إلى الهيكل القائم على الجهة اليسرى من الصورة التى تشبه النبى- ﷺ -وسألنى هيكل من هذا؟ فأجبته لا بد أنها صورة رجل شهير يسمى عمر بن الخطاب؛ لأنها كانت تشبهه شبها كبيرا وكأنها ذاته.
ثم قال لى هرقل: بعد أن تلقى منى الإجابات السابقة إنه قد ذكر فى الإنجيل أن الإسلام سيبلغ كماله بمعاونة هذين الرجلين. وقال: جاء فى الإنجيل أن الناقص من الدين سيبلغ حد الكمال بمعاونة المشار إليهما. وقد أعادنى معززا إلى المدينة دار السكينة.
وبعد فترة مثلت أمام النبى- ﷺ -وحكيت ما رأيته من هرقل الرومى، فقال حضرة النبى الصادق القول:
«لقد قال هرقل الصدق فالله سيعز الإسلام بأبى بكر وعمر، وسيوفقهما فى الحصول على الفتوحات العظيمة».
- حكاية:
كان الحكيم بن حزام (١) إذا اجتمع فى مجلس من المجالس مع قومه، وانتقل الحديث لذكر هرقل كان يقول: قبل أن أتشرف بالإسلام، ذهبت إلى الشام فى تجارة، ولم يكن سلطان الأنبياء-عليه أعظم التحية-قد هاجر بعد إلى المدينة المنورة، وكان بصحبتى «أمية بن الصلت بن عبد الله بن ربيعة» وهو من الطائف، وعند ما علم هرقل أننا من أهل مكة استدعانا وقال: من أى قبيلة أنتما؟ وهل لكم صلة قرابة بمحمد بن عبد الله- ﷺ -صاحب دعوة النبوة؟
فأجبته: نحن من قريش، ومحمد الأمين من أبناء عمومتنا ويتصل نسبنا به فى
стр. 337
الدرجة الخامسة. فقال هرقل: أتجيبوننى عما أسألكم عنه فيما يتعلق بهذا الرجل بدون خلاف؟ وهل أنتم ممن يصدقونه ويؤمنون بدعوته لله؟ فأجبته عن سؤاله الثانى وقلت: ونحن ممن يرفضونه ويرفضون أحكام دينه ودعوته.
لكننا لن نكذب فى حضورك وسنجيبك بصدق على كل ما تسأل عنه، وأقسمت بآلهتنا بأننى سأقول الصدق.
وسأل هرقل عن أحكام الشريعة المحمدية الغراء، فلما أجبناه إجابة واحدة لا خلاف فيها، قام من مكانه، وسار إلى الأمام وذهبنا معه كذلك. وكان بداخل قصره كنيسة مزينة فأمر بفتح بابها، واصطحبنا معه لداخلها.
وكانت هذه الكنيسة حجرة ملكية فخمة لا نظير لها، ويوجد فى وسطها صنم كبير مغطى بأستار من الذهب وموضوع فوق كرسى مرصع، رفع هرقل الأستار وقال: هذه الصورة صورة من؟!
فأجبناه: لا نعرف! لم نر صورة كهذه من قبل.
فقال: إنها صورة وجه أبى البشر.
ثم أخذنا من غرفة إلى أخرى وأرانا تماثيل مختلفة، وسألنا هل الشخص الذى يدعى النبوة يشبه إلى واحد من هذه القبائل؟
وكانت هذه التماثيل تماثيل أنبياء مختلفة، وكانت مغطاة بستائر ثمينة مزركشة وجميلة.
وبما أننا لم نر تمثالا يشبه الذات النبوية العالية أجبناه بقولنا: «إنها لا تشبه محمد بن عبد الله ﵇».
وبعد ذلك، أمر بفتح قاعة كبيرة ومزينة أيضا، وهى أكبر من كل القاعات التى رأيناها من قبل وكان فى وسطها تمثال مغطى ذو هيئة نورانية، فكشف التمثال بأن رفع الستار وسأل: من يكون هذا؟ قلنا: نعم.
إن هذه الصورة تشبه محمدا الأمين الذى يدعى النبوة فى بلدنا. وفى الواقع أنها كانت صورة لا تختلف عن شكله أبدا.
стр. 338
بناء على هذا وجه هرقل خطابه إلينا، وقال:
(إن هذه التماثيل التى شاهدتموها قد نحتت قبل ألف سنة، لو كان هذا التمثال هو تمثال محمد الأمين الذى ذكر تماما فمما لا شك فيه أن الرجل نبى مرسل.
فعند وصولكما إلى مكة فعليكما بتصديق نبوته بلا تردد. وإذا قدر لى لقاءه فسوف أغسل رجليه المباركتين وأشرب ماء غسيلهما).
- حكاية:
كان «جبير بن مطعم» من الصحابة (١) الكرام، ومن أولاد نوفل القرشى، ويتصل نسبه بعبد مناف الجد الثالث للنبى ﷺ ، وقد قال: كنت قد ذهبت إلى الشام فى بدء البعثة النبوية، فاستدعانى رئيس أساقفة نصارى الشام وسألنى:
أتعرف الرجل الأمى الذى يدعى النبوة فى بلدتكم؟ فلما أجبته: نعم! إنه ابن عمى! أمسكنى من يدى وأدخلنى غرفة مليئة بصور الأنبياء المزينة، وأشار إلى الصور واحدة تلو أخرى وسألنى: أيمكن أن ترى بينها صورته؟ فلما أجبته:
بالنفى أخذنى إلى حجرة أخرى، وكانت بيت التماثيل وكان فى داخلها تماثيل مزينة ومجسمة، وسألنى رئيس الأساقفة: يا ترى هل يوجد تمثال مشابه لصورة ابن عمك؟! فلما تأملنا رأيت تمثالا نورانيا على شكل رسول الله ﷺ ، وبجانبه صورة تشبه الصديق وصورة أخرى بجانب صورة الصديق تشبه عمر بن الخطاب فأشرت إلى الصورة، وقلت هذه الصورة تشبه صورة حضرة محمد ﷺ .
ولما استفسر عن الصورتين الأخريين؛ أجبته قائلا: هذا ابن عمى ابن أبى قحافة وذلك ابن عمى عمر بن الخطاب. بناء على ذلك أنهى كلامه قائلا: إن هذا الرجل الذى ظهر فى بلدتكم مدعيا النبوة، أشهد أنه المبعوث الحق والرسول المطلق وهذان خليفتيه.
- حكاية:
تروى حكاية ذات عبر حدثت فى عهد أبى بكر الصديق؛ إذ بعث فى أثناء خلافته-رضى الله عنه-هشام بن العاص سفيرا إلى إمبراطور الشرق هرقل، وقد تحدث هشام عن ماهية هذه السفارة وحقيقتها.
стр. 339
قال هشام بن العاص (١):كنت أرسلت أنا وصديق لى من قبل أبى بكر الصديق-رضى الله عنه-لدعوة هرقل إلى الإسلام، وعند ما وصلنا إلى المدينة عاصمة إمبراطورية هرقل أنزلونا فى قصر غاية فى الفخامة، وبعد ثلاثة أيام استدعانا هرقل، وأجرى لنا مراسم الاستقبال، وفى أثناء الحديث أمر بإحضار صندوق كبير جدا ومزين بالذهب ذى أدراج كثيرة، ففتح أحد هذه الأدراج وأخرج منه لوحة حمراء اللون ملفوفة بقطعة قماش سوداء. وقد رسم عليها صورة شخص حسن الطلعة طويل القامة، فأشار هرقل إلى اللوحة المذكورة، وسألنا هل تعرفون هذا الرجل؟
أجبناه بالنفى. فقال: إنها صورة سيدنا آدم عليه صلوات الله الأعظم. وكانت هذه الصورة لرجل أحمر الوجه واسع العينين، ذو قامة طويلة شعره مفرق إلى جانبين وقد جدل بصورة منسقة، وبعد أن وضع هرقل صورة سيدنا آدم فى مكانها فتح درجا آخر من أدراج الصندوق، وأخرج لوحة أخرى ناصعة البياض لامعة وملفوفة داخل قطعة قماش سوداء. وكانت الصورة المرسومة فى هذه اللوحة، صورة لرجل أحمر العينين فسأل هرقل: صورة من هذه؟
وكانت الإجابة بالنص: لا نعرف!!
فقال: إنها صورة سيدنا نوح-﵇-وقد رسمت هذه الصورة لرجل أبيض اللون، عيناه تميلان إلى اللون الأحمر كبير الرأس، كثيف اللحية. وفى النهاية فتح هرقل درجا ثالثا، وأخرج لفافة قماش سوداء، بداخلها لوحة بيضاء.
وكانت اللوحة تحوى صورة رجل أبيض البشرة، وضاء الوجه وكأنه يبتسم وهو فى أبهى صورة.
وسأل هرقل: أتعرفون هذا الرجل؟ ولما أخذ الرد بالنفى، قال: هذه صورة إبراهيم عليه التحية والتعظيم، ثم فتح درجا آخر، وأخرج صورة صاحبها فائق الجمال وساطع الأنوار، وتذكرنا بمحمد ﷺ .
وقد بكينا فى أول مشاهدتنا للصورة كأننا رأينا حضرة صاحب الرسالة القدسية. وقد أظهر هرقل لهذه الصورة توقيرا وتعظيما أكثر من الصور الأخرى.
стр. 340
وعند ما سأل هل تعرفون صاحب هذه الصورة؟ وقد تلقى الجواب منا إذ قلنا:
إن هذا التمثال اللطيف يشبه صورة محمد ﵇، قال: الله يعلم أنه هو ونهض من مكانه وجلس عدة مرات. ثم قال: إذا كانت هذه الصورة هى الشكل المبارك لمحمد-﵇-فاعلموا أن دينكم هو الدين الحق.
وأراد أن يبين شك فى كون هذه الصورة لمحمد- ﷺ -إذ نطق بهذه الجملة.
ولكننا قلنا له: يا ملك بلاد الروم إن هذه الصورة صورة الحبيب ذى الكبرياء عليه أفضل التحيات ولا شك فى ذلك، وبها الكثير من شمائله الشريفة، حتى إننا ظننا أنفسنا فى حضرته السعيدة فائضة النور. وبهذه الإجابة زال شك هرقل إلى درجة ما، ولكنه لم يجرؤ على تصديق أن هذا التمثال صورة مشابهة لرسول الله العالى المقام، وظل يوجه إلى وجهنا نظرات بلهاء لمدة ساعة ثم أفاق، واستجمع عقله وسألنا وقد ظهرت عليه الحيرة:
احذرا أن تكونا قد أخطأتما فى تمييز صاحب الصورة إذ قد تكون لشخص آخر. ثم فتح درجا آخر وأخرج منه تمثال رجل غائر العينين متراكب الأسنان مقلص الشفتين. وكانت هذه الصورة تبدى علامات الغضب والحدة وتبعث الخوف فى مشاهديها. وإذا بها صورة سيدنا موسى بن عمران عليه صلوات الرحمن. وبجانب صورة موسى-﵇-صورة أخرى تشبه صورة موسى الذات العالى إلى حد ما. أخبرنا هرقل أنها صورة هارون بن عمران- عليه سلام المنان-ثم فتح ثمانية أدراج درجا بعد درج، وأخرج من كل واحد منها صورة ملفوفة فى قطعة حرير سوداء، وقال إنها الأشكال المنيرة لحضرات سادتنا: لوط -إسحاق-يعقوب-إسماعيل-يوسف-داود-سليمان-عيسى ﵈.
وكانت صورة سيدنا لوط داخل صرة من الحرير الأبيض، وتبدو صورته جميل الوجه عليها علامات الغضب. كما كانت صورة إسحاق داخل صرة بيضاء وقد رسمت بلون مائل للحمرة، وكانت صورة يعقوب-﵇-داخل صرة بيضاء وكانت تشبه شكل إسحاق المبارك إلا أنها كانت تتميز بوجود خال
стр. 341
أسود اللون فى الشفة السفلى. أما صورة إسماعيل-﵇-فقد كان أبيض اللون، حسن الوجه، أقنى الأنف، متناسق القوام، وكان يلمح فى وجهه السعيد نور محمد ساطع اللمعان.
وقد وصف هرقل هذه الصورة الجميلة أن صاحبها إسماعيل-﵇ جد نبيكم-عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكانت صورة يوسف-﵇-ساحر زليخا فى صرة بيضاء، وكان فى الخلقة يشبه آدم-﵇-تماما لكنه فى صورة أجمل، متناسق الأعضاء حتى إن من يرونه يقولون: لا بد أن تكون شمس الملاحة هذا النور.
وكانت صورة داود-﵇-داخل صرة بيضاء، وقد بدا فيها أحمر اللون ضخم البطن متقلدا السيف.
وإذا جئنا إلى صورة سليمان بن داود فنجده ممتطيا جوادا ضخم الأليتين، طويل الرجلين، وكانت هذه اللوحة ملفوفة بقطعة حريرية بيضاء.
أما هيكل عيسى-﵇-فكان ملفوفا فى داخل صرة بيضاء، وكانت صورة ذاته الشريفة تبديه فتيا صلبا أسود اللحية، كثيف الشعر حسن الوجه.
وكنا نشاهد الصور المذكورة واحدة تلو الأخرى، وننظر فى كل واحدة منها بكل رقة بالبصر والبصيرة. وغرقنا فى بحر الحيرة من شدة التعجب والاستغراب. ولم نجرؤ على القول بأن هذه هى صورة الأنبياء المشار إليهم، قلنا للملك: أيها الملك، كيف حصلتم على صور الأنبياء هذه؟!
فإذا ما نظرنا إلى الرسم اللطيف لسيدنا محمد-صلوات الله وسلامه عليه- نبينا رأينا أنها تحمل نفس شمائله الشريفة؛ فلا بد أن تكون كل هذه الصور مطابقة لصور الأنبياء مع العلم أنه من الصعب إيجاد دليل قوى وسند يعتمد عليه الحكم على هذا الأمر، وبهذه العبارة لم نصدق ولم نكذب صحة تلك الصور المشروحة.
стр. 342
وعند ما رأى هرقل ترددنا الواضح فى تصديق حكاية الصور قال: إن هذه الصور بقيت من الأزمنة الغابرة، وإن كان من الصعب إثبات مدى مطابقة الصور لشكل أصحابها ما لم نرهم، إلا إننى عندى البينة الكافية لتأكيد صحة هذا الأمر.
يجب ألا ترتابوا فى أن الصور الشريفة للأنبياء ذوى الشأن الذين ذكرت أسماؤهم هى لهم. فإن سيدنا أبا البشر-عليه سلام الله الأكبر-أراد رؤية من اتصفوا بخير الصفات والذين سيتبوأون مقام النبوة من أولاده وأحفاده. ولما عرض أبو البشر ما فى ضميره على عالم السر والخفايا، أنزل الرحمن من عنده الصور المذكورة مرسومة على لوح مزين لحكمة لا يعرفها سواه.
وقد وضع سيدنا آدم اللوح المذكور فى مغارة فى بلاد المغرب بعد رؤيتها وهال عليها التراب والحجارة إلى أن وجدها ذو القرنين. ولفها فى قطعة من الحرير وحفظها، ولهذا انتقل اللوح المذكور مع قطعة الحرير هذه إلى يد النبى دانيال- ﵇-وقام المشار إليه برسم كل واحدة منها فى لوحة مستقلة، وبذلك نجح فى عمل صور كثيرة للأنبياء.
إن الذى ابتهجتم برؤيته وقررتم عينا بمشاهدته من الصور فجميعها من جملة الصور التى رسمها النبى دانيال، وقد ورثها الناس كابرا عن كابر إلى أن وصلت إلينا فى نهاية الأمر. وهكذا طيب خاطرنا وأعادنا إلى وطننا.
ورغم أننا لم نصدق أن الصور التى رأيناها عند هرقل تشبه شمائل الأنبياء الكرام، إلا أن الأمر ظل يتفاقم فى ذهننا وقد اضطررنا أن نعرض الأمر على الخليفة حتى نستوضح حقيقة الأمر منه.
وحينما وصلنا إلى المدينة المنورة توجهنا للقاء حضرة الخليفة الصديق وقبل أن نتحدث بما حدث أخبرنا بكل ما حدث أمام هرقل من مشاهدة الصور وما تحدث به بلا زيادة ولا نقصان وبعد ما بكى قليلا قال: إن طوائف اليهود وطوائف النصارى قد قرءوا فى كتبهم صفات النبى- ﷺ -ونعوته ولكنهم تمردوا وعاندوا ولم يؤمنوا به.
стр. 343
إن خلاصة هذه الحكاية مكتوبة فى كتاب دلائل النبوة منقولا عن الإمام البيهقى الذى نقله عن أبى أمامة الباهلى وهو قد نقله عن هشام بن العاص الأموى (١).
وقد نقل عن كعب الأحبار أن حضرة آدم-﵇-حينما اقترب أجله، استدعى أبناءه الذين كانوا على قيد الحياة وأراهم تابوتا، ونظر أبناؤه إلى التابوت، فوجدوا به أدراجا كثيرة صغيرة بعدد الأنبياء الكرام-على نبينا وعليهم السلام-والدرج السعيد الذى فى نهاية الأدراج، كان خاصا بخاتم الأنبياء وكان تحفة لامعة الأنوار مصنوعا من الياقوت الأحمر.
وفى داخل البيت كان إمام الأنبياء-عليه وعليهم السلام-قائما يصلى وعن يمينه الصديق وعن يساره الفاروق ومن خلفهم ابن عفان وأمامهم صاحب القرآن على بن أبى طالب-﵏، ورضى عنهم أجمعين.
وكان مسطورا على جبهة الصديق الكريم عبارة: «هذا أول من تبعه من أمته» وعلى الجبين المبارك للفاروق عبارة «قرن من حديد، أمين شديد لا تأخذه فى الله لومة لائم» وعلى جبهة ابن عفان «ثالث الخلفاء» وعلى جبهة على بن أبى طالب «هذا أخوه وابن عمه المؤيد بنصر الله» وعلى قول «ليث كرار غير فرار يحب الله ورسوله» وكان يرى فى جوانب هؤلاء المهاجرون والأنصار النقباء والخلفاء الآخرون.
صورة دخول عبادة الأصنام إلى أرض الحجاز:
إن القبائل التى تقطن الخيم حول كعبة الله عبدة أصنام مصنوعة من الأحجار والأشجار، والزمن الذى مالوا فيه إلى الضلالة كان فى عهد (أردشير بن شابور) من ملوك الفرس وكان «عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف» الذى لا دين له حاكما لأرض الحجاز المقدسة.
وقد نقل الإمام «الراشطى» أن عمرو بن لحى بن قمعة هو الحارث بن عمرو بن مزيقيا بن عامر ماء السماء بن الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة مازن بن أزد
стр. 344
من نسل زيد بن كهلان بن سبأ، وأن نسبه هو نهاية نسب أفراد قبائل بنى خزاعة. ورغم هذا فإن بعض علماء النسب انتقدوا هذه الرواية المنقولة عن الراشطى وخرجوها قائلين: إن هذه الرواية رأى من يدعون أن خزاعة من أهل اليمن. ورفعوا سلسلة نسب عمرو إلى إلياس بن مضر.
والواقع أنه عند ما توفى قمعة بن خندف كانت زوجته حاملا وتزوجت من الحارث بن عمرو مزيقيا وبعد فترة ولدت لحى وتربى لحى فى كنف الحارث ونسب إليه.
وعلى هذا يكون لحى ربيب الحارث بن عمرو مزيقيا وابن قمعة بن إلياس بن مضر. وهذا القول هو المرجح وأكثر صحة من القول الآخر.
واسم لحى بن قمعة ربيعة وجدته لأبيه: خندف المسماة بليلى بنت حلوان بن عمران بن الحان بن قضاعة وزوجها هو إلياس بن مضر.
أما سبب إطلاق اسم خندف على ليلى فقد ذكر فى البحث الخاص بانتقال حكومة مكة إلى قصى بن كلاب. وقد انفصلت قبيلة خزاعة من عمرو بن لحى وبما أن ليلى «خندف» وكانت والدة قمعة أطلقت أفراد قبيلة خزاعة على ليلى اسم الأم.
قال المؤرخون الذين ذكروا سبب إطلاق اسم خزاعة لبنى عمرو قد هاجر أهل سبأ عقب وقعة سيل العرم من بلادهم، وهاجر كل جماعة إلى مكان ما واشتهروا باسم ذلك المكان.
وفى ذلك الوقت استقر أولاد وأحفاد مازن الأزد بن الغوث بن ليث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان فى جانب ماء اسمه غسان (١) القريب من المكان المسمى «مشلل» واختاروا الإقامة فيه قبل بنى مازن، ولما انقطع وانجزعت جماعة عمرو بن لحى عن القبائل الأخرى، وسكنوا بأطراف مكة المكرمة قيل لبنى عمرو بن لحى بنو خزاعة.
стр. 345
الأوس والخزرج أجداد الأنصار الكرام هم أبناء حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة مازن بن عبد الله بن الأزد بن الغوث.
وعند ما أخرج بنو خزاعة قبائل الجراهمة من مكة المعظمة بالقوة وأبعدوهم إلى بلاد اليمن اتخذوا عمرو-مستحق الجمر-رئيسا لقبيلتهم واجتهدوا على أن ينفذوا كل ما جاء به من البدع والخزعبلات عن طيب خاطر (١).
إن الأسباب الرئيسية لرضا بنى خزاعة العمل بما كلفهم به عمرو دون تفكر ترجع إلى تكريمه للقبائل البدوية وجوده معهم وإلباسه الخلع للعظماء والوجهاء فى مراسم الحج.
وكان عمرو بن لحى، الذى نال رئاسة بنى خزاعة يسافر إلى بلاد الشام فى أثناء حكومته. وقد رأى أحفاد العمالقة يعبدون الأصنام فى مدينة مأرب من أرض البلقاء التى استوطنوا بها فسألهم: ما أسباب عبادتكم لهذه الجمادات؟ فأجابه عبدة تلك الأصنام بقولهم: إنها مجموعة من الآلهة صنعت على غرار الهياكل العلوية والصور البشرية وإننا نستمر فى عبادتها واحترامها وتوقيرها وقد اتخذناها آلهة لنا وعلى هذا فهى تستجيب لتضرعاتنا، فإذا ما طلبنا منها مطرا فى أى وقت تنزل مطرا وإذا استعنا بها فى حاجة من حوائج الدنيا فتحقق مطالبنا؛ فصدق قولهم وطلب منهم أن يعطوه واحدا منها قائلا: إذا أعطيتمونى واحدا منها أحمله إلى أرض الحجاز وأدعو بنى إسماعيل لعبادته وأرغبهم فيه، فقاموا على الفور بإهدائه صنما ثقيلا يسمى هبل.
وفى رواية أخرى أن إساف ونائلة من الأصنام التى أهديت إلى عمرو بن لحى من قبل العمالقة.
وقد سر عمرو بن لحى إذ أهدى له إله وأخذ هبل المذكور ووضعه فى المخزن الذى صنعه إبراهيم لحفظ الهدايا المقدسة لعتبة الكعبة الشريفة، وعلى قول آخر ركزه فوق جبل الأخشب (٢) وطلب من الأهالى أن يظهروا له الاحترام اللازم ويتعبدوا له ليلا ونهارا.
стр. 346
وقد عرف فاضل أبو الفوز البغدادى فى كتابه القيم المسمى «سبائك الذهب فى معرفة قبائل العرب» أصل هبل الذى اعتقد عمرو فى ألوهيته. وقال: إن هبل الذى حمله عمرو بن لحى من الشام إلى مكة كان تمثالا لإنسان عجيب الشكل.
وكان مصنوعا من العقيق إلا أن يده اليمنى كانت مكسورة.
وقال إن قريشا الذين صدقوا ألوهيته قاموا بتركيب يد من الذهب له وأخذوا يعبدونه مظهرين له الاحترام والتوقير والإخلاص.
قال ابن إسحاق فى تعريف هبل: هبل صنم كبير مصنوع من العقيق على شكل إنسان لكن يده اليمنى كانت مكسورة ومفقودة، ولما رأى آل قريش أنه بلا يد صنعوا له يدا من ذهب وركبوها فيه.
وكان لهبل خزينة خاصة لوضع الهدايا التى تقدم له وتحفظ فيها. وكذلك كان له سبعة أقداح لإجراء القرعة (١) ولا يمكن للذى يريد إجراء القرعة استخدام القداح ما لم ينذر بذبح مائة من الإبل. انتهى.
وبعد ذلك بمدة شاع خبر هبل الذى جلبه عمرو-متسحق الجمر-بين مشركى البدو، حيث أخذوا يوقرون ويعظمون ذلك الصنم بتحريض من عمرو وتشجيعه وأشركوا هبل المصنوع من الحجر بخالق الأفلاك-تنزهت ذاته عن الشرك- وهكذا كفروا.
ورغم أن مشركى العرب قد اعتنقوا الكفر فقد ظل بينهم بعض الأفراد محافظين على دين الخليل وتمسكوا به.
وكان هؤلاء يقومون بتعظيم بيت الله، والطواف حوله وأداء الحج ويخرجون لأداء العمرة ويصعدون عرفات والمزدلفة ويذبحون الأضاحى ويعتمرون اقتفاء لآثار سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل-﵉.
وكانت دعوة عمرو بن لحى قبائل العرب البدو لعبادة الأصنام قبل البعثة
стр. 347
النبوية بألف عام وعلى قول بثلاثمائة وخمس وعشرين سنة، وبعد فترة قصيرة كان كل ساكنى منطقة الحجاز من أولاد إسماعيل-﵇-قد اتجهوا إلى عبادة الأصنام المنحوتة من الأشجار والأحجار ولهذا فإذا خرج أى واحد منهم أو أى قبيلة خارج ميقات كعبة الله كان يأخذ معه-بهدف تعظيم بيت الله-حجرا من المسجد الحرام على النحو الذى سنذكره مفصلا فيما بعد-ويضعه فى الأماكن التى ينزل فيها ويأخذ فى الطواف حوله كما كان يطوف بالكعبة.
وبمضى الوقت غاب عن الذهن سبب تعظيم الأحجار واستبدل دين الخليل بعبادة الأصنام وتحول الناس عن عبادة خالق العباد إلى عبادة الأصنام.
وبعد ذلك اهتم الذين غيروا دينهم بتعظيم حجارة المسجد الحرام حتى إنهم فاقوا فى عبادة الأصنام الضالين من أفراد الأمم الأخرى الذين يعبدون الأصنام.
وبلغ الأمر حدّا حتى إن قبيلة قريش وطائفة بنى كنانة كانوا يلبون فى وقت الحج قائلين «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» ويدخلون داخل الكعبة ممسكين بأيديهم غير المباركة الأصنام التى صنعوها بأيديهم، واستمر هذا الحال المشؤوم حتى يوم إشراق نور النبوة.
وخلال تلك الفترة اهتم أهل الحجاز بعمل أصنام كثيرة مثل: اللات-العزى -مناة-ذو الخلصة-ذو الكفين-ذو الشرى-قلس-رضاء-ذو الكعبات وغيرها من الأصنام وقد سميت بعض هذه الأصنام بأصنام عبدة الأصنام فى عهد نوح-﵇.
وقد ظهر فى الفترة التى بين آدم ونوح-﵉-خمسة أشخاص (١) وكانوا حريصين على طاعة الله وعبادته وبهذا نالوا حب الناس واحترامهم وعند ما أتم هؤلاء آجالهم وارتحلوا إلى عالم العقبى لم يستطع أولادهم وأتباعهم أن يتحملوا آلام فراقهم وتحسّروا عليهم، فصنعوا-بإيعاز من الشيطان-لكل واحد منهم صورة ليعلقوها فى مساجدهم. وفعلا قد وضعوا هذه الصور فى مساجدهم وظلوا يزورونها بكثرة ليخففوا شدة حزنهم وليزيلوا وطأة حسرتهم.
стр. 348
وبطبيعة الحال، مات الأبناء والأتباع فأوعز الشيطان إلى بقية الناس بعبادة الصور. إذ قال: «أيها الناس! إن هذه الصور (١) كانت صور من عبدهم آباؤكم فأنتم باتخاذكم إياها آلهة وعبادتها تعملون على نشر الدين وعلى إدامة الطقوس التى قام بها آباؤكم».ودفع الناس إلى عبادة صور هؤلاء الأفراد الخمسة إلى قبيل زمن نوح ﵇.
وفى واقعة الطوفان المشهورة دفنت هذه الصور المجسمة تحت التراب، واختفت عن أعين الناس، ورغم هذا فإن إبليس اللعين-كما سنذكر فيما بعد- استطاع أن يبرز جميع هذه الصور إلى الأعين بطريقة ما دفع العرب إلى عبادة الأصنام وأثار هذا العمل ضيق أهل الإيمان وأزعجهم.
وقامت جماعات حمقى من القبائل من أحفاد بنى إسماعيل وبتدخل الشياطين بصناعة أصنام مشابهة للأصنام التى أخرجت من تحت الأرض وسموها بأسماء هؤلاء الصالحين الذين ذكروا آنفا وأخذوا يعبدونها بكل إخلاص وخضوع.
وتبعا لدراسة المؤرخين فإن أسماء هؤلاء الصالحين المشار إليهم كانت: سواع- ود-يعوق-يغوث-نسر.
والأصنام التى صنعت لتختص بهذه الأسماء:
سواع: وصنعت على شكل امرأة، ود: على صورة رجل، يغوث: على صورة أسد، يعوق: على صورة حصان، ونسر على صورة طائر النسر وفى النهاية كانت تلك الأصنام التى عبدتها القبائل العربية البدوية على أشكال الحيوانات المذكورة.
بدء ظهور عبادة الأصنام على وجه الأرض
لم يكن على وجه الأرض أحد من بنى البشر يعبد الأصنام حتى تاريخ رفع سيدنا إدريس إلى السماء وأصبح مظهرا للسر الإلهى القدسى.
стр. 349
وبناء على قول المؤرخين فإن رفع إدريس إلى السماء كان بعد هبوط سيدنا آدم أبى البشر ب ١٤٧٢ سنة وكان أبوه يزد يبلغ من العمر ٥٢٩ سنة فى ذلك الوقت وكانت ذاته النبوية على اختلاف الروايات ٣٢٥ أو ٣٧٠ أو ٤٥٠ أو ٣٦٥ سنة من عمره وبعد هذه الواقعة ظل يزد والده على قيد الحياة مدة ٤٣٥ سنة أخرى.
ومع اعترافنا بأن الله قادر على كل شئ، فإن بقاءه على قيد الحياة هذه الفترة الطويلة أمر خارق للعادة ولهذا لو حكمنا بأن هذه الروايات لا تخلو من الخطأ فإننا نعتقد أن أحدا من القراء لن ينتقدنا ولن يخطئنا.
وعند ما أصبح سيدنا إدريس مظهر الله الجليل ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (مريم:
٥٧) لم يحتمل أحد خلفائه المخلصين ألم الفراق وأخذ يصيح ويصرخ حتى وصل صوت صراخه إلى الملأ الأعلى وأزعج سكانه.
وذات يوم ذهب إبليس اللعين إلى حجرة الخليفة المشار إليه وقال له: أيها العاشق المشتت القلب والوجدان ما أصعب تحمل نار الفراق الحارقة وإيجاد حل لهذا الأمر من أصعب الأمور بل هو مستحيل.
فإذا ما رسمت صورة تحتوى على شمائل حضرة إدريس ثم تضعها فى مكان ما فى حجرتك وأبرزتها بحيث تشاهدها أمامك دائما وتتذكر أوقات مصاحبته لك لعلك تجدد الود المؤثر لآلام فراقك. قال هذا وصنع صورة الجسم لسيدنا إدريس وقدمها لهذا المحب الوفى المتحسر.
وكان ذلك الخليفة صافى القلب ساذجا غافلا عما يهيئ له إبليس من شر ودسيسة وفى نفس الوقت ثملا من شراب فراق إدريس فأخذ الصورة الخالية من الروح التى قدمها له الشيطان، وظل ينظر لها إلى أن حان أجله.
وبهذه الطريقة خفف من نار الشوق لكنه لم يعلن لأحد قط حقيقة الأمر.
حيث ظل على هذه الحال طوال فترة حياته.
وعند وفاة الخليفة عجز الناس الذين رأوا هذه الصورة فى حجرته الخاصة عن معرفة صاحب الصورة وعن سبب وجودها فى حجرة الرجل فظلوا فى حيرة من أمرهم.
стр. 350
ورأى الشيطان أن الفرص سانحة فى هذا الوقت لغواية البشر وإضلالهم فتمثل فى هيئة رجل من الزهاد العابدين وتوجه إلى حيث يجتمع الحيارى فى فهم كنه الصورة التى وجدت فى غرفة الخليفة فتحدث قائلا: إن فى رأيى أن هذه الصورة-وحاشا-صورة الله- -خالق السموات والأرض.
ولا شك أن العبادة الخفية أكثر قبولا عند الله، لهذا كتم عنا حضرة إدريس- ﵇-وخليفته الذى ترك ملذات الدنيا وأخفيا تعبدهم لهذه الصورة وبهذه المقدمة دفع الناس إلى الضلالة وأراهم أول طريق للضلالة.
وانخدع الناس بمظهر الشقى الأبدى المتخفى فى زى المتصوفة وأعدوا صنما وأخذوا يمارسون طقوس عبادة الأصنام.
وقد نقلت هذه الحكاية عن مؤلف (روضة الصفا مولانا محمد خاوند).
والشخص الذى قال عنه إنه أحد خلفاء سيدنا إدريس هو الحكيم أسقلينوس أعقل وأرشد خلفائه وأفضلهم إلا أن عبارة: «أخذ من الشيطان الصورة المجسمة لسيدنا إدريس ولم يغيبها عن نظره»،لا بد وأن تكون غير صحيحة لأن سيدنا إدريس اتخذ لنفسه أربعة من الخلفاء هم «إيلادس» و «أوس» و «أسقلينوس» و «بسلوخس» وأسند إدريس-﵇-لكل واحد منهم إدارة جهة من جهات الدنيا الأربع، وكان «أسقلينوس» أكثرهم زهدا وورعا؛ لذا نال لقب خليفة الخلفاء.
وفى أثناء رفع سيدنا إدريس إلى السماء كان «أسقلينوس» فى بلاد اليونان، مركز الجهة التى كلف إدارتها ولما علم بالأمر ظل يبكى وينوح لفترة طويلة وأزعج الناس فى الدنيا ببكائه ونواحه، وفى النهاية قام بعمل رسمين مجسمين لسيدنا إدريس-﵇-أحد الصورتين وهو جالس على كرسى والأخرى وهو يرفع يده إلى السماء واعتاد فى أثناء عبادته أن يلقى نظرة على هذين الرسمين.
стр. 351
وبما أنه لا شك فى أن «أسقلينوس» كان مؤمنا موحدا بالله فلم يكن هدفه من إقامة الصورتين المجسمتين عبادة الأصنام وإنما كان من أجل تعظيم سيدنا إدريس وتوقيره.
ولكن وآسفا!! عند ما توفى «أسقلينوس» لم يستطع «صاب بن إدريس» وسائر الحكماء البلهاء أن يدركوا نيته وعقيدته وحملوا ما فعله هذا على أنه من عبدة الأصنام وبعد مدة بنوا بيوتا للأصنام ونظموها وأصبحوا من عبدة الأصنام وثملوا إذ شربوا من خمر الضلال واتخذ كل واحد منهم صنما فأضلوا الناس وحملوهم على عبادة الأصنام.
وقال بعض المؤرخين: إن ابتداع الأصنام كان أولا بين أبناء قابيل، وقد ابتدعت فى زمن حكم (اليارد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم ﵇.
وطبقا للنتائج التى أسفرت عنها الدراسات التى قام بها ناقل هذه الرواية إن أبا شيث-﵇-قد تلقى أمرا خاصا من سيدنا آدم-﵇-لكى يخفى التابوت الذى وضع فيه أبو البشر عن أولاد وأحفاد قابيل.
وبسبب هذا الأمر نقم أولاد قابيل على شيث-﵇-واتجهوا للعمل ضده ولهذا ظلوا لفترة طويلة يظهرون عدم رضاهم ويبدون علامات الألم والضيق.
ولأن هذا الأمر كان سببا كافيا لدى إبليس اللعين لضلالة الناس، فقد أقام تمثالا مباركا لسيدنا أبى البشر، وضعه فى تابوت، ثم أعطاه إلى أحفاد قابيل قائلا لهم: إن الشئ الذى أخفى عنكم هو نفسه هذا الشكل فأخذه الأحفاد وهدأ هذا الشكل المجسم من روعهم بعد ما رأوه لفترة، وبعد ذلك سعى كل واحد منهم إلى الحصول على صنم. ثم أصبحت بدعة أن يوجد صنم فى منزل كل إنسان وفى مركز ومجمع كل قبيلة تابوت على صورة خاصة.
وأظهروا جميعا لها الاحترام الشديد والتوقير والتعظيم وأخذوا يعبدونها حيث أصبحت من الضرورات الدينية بين آل قابيل.
стр. 352
والأصنام التى عبدت فى زمن نوح-﵇-هى: ود، سواع، يعوق، يغوث ونسر، صنعت على غرار الأصنام التى عملت فى زمن أبناء قابيل.
وكما حقق وصف حضرة إسماعيل حقى-قدس سره الجلى-مؤلف «روح البيان» فأسماء هذه الأصنام الخمسة هى أسماء أولاد سيدنا آدم من صلبه، وإنه بواسطة الشيطان اللعين، قد عمل نموذجا لكل واحد منهم، وكان ذلك فى عهد يارد بن مهلائيل، وظلت تعبد حتى عهد نوح-﵇.
وعند ظهور طوفان نوح دفنت هذه الأصنام فى الأرض واختفت عن العيون.
ورغم هذا فإن إبليس الملعون أخرجها من باطن الأرض فى فترة من الفترات- ولما نقلت إلى مكة المكرمة برأى ومشورة «عمرو بن لحى بن قمعة بن إلياس بن مضر» أخذ الناس يتعبدون لها ثم اتخذها كل عرب الجاهلية آلهة لهم وظلوا يعبدونها إلى البعثة النبوية لخير الورى عليه أفضل التحايا.
وكانت قبيلة هذيل تعبد سواع وقد اتخذت طقوسا خاصة بها ونظمت مواسم حج وزيارة لإلهها سواع رغم القبائل الأخرى المخالفة.
وحسبما قال فاضل أبو الفوز البغدادى فإن الأسماء التى أطلقت على الأصنام المذكورة هى أسماء الصالحين الخمسة السالفة التعريف والذين كانوا على قيد الحياة فى عهد «يارد أو يرد» والد سيدنا إدريس ولما توفى هؤلاء الخمسة فى عهد يارد فى خلال شهر واحد الواحد تلو الآخر، تأثر الناس أعظم التأثر وأبدوا مظاهر الحزن والألم لوفاتهم وعندئذ ظهر شخص يتصل نسبه بنسب قابيل فأقام تماثيل لهؤلاء الخمسة وأطلق على كل واحد منها اسم أحدهم ووضعها فى ميدان الميادين.
وأخذ الخزانى يزيلون حزنهم وألمهم بالطواف حول هذه التماثيل وفى هذه الفترة كان طواف الناس حول التماثيل لإظهار التعظيم والتوقير والحب لهؤلاء الصلحاء الخمس وفيما بعد اتخذ الناس هذه التماثيل آلهة يعبدونها واستمرت هذه الحالة إلى زمن نوح-﵇.
стр. 353
وادعى بقى بن مخلد أن هذه الأسماء انتقلت إلى الهنود وأطلق الهنود هذه الأشياء على أصنامهم العظام.
ولما كان فى داخل كل صنم هندى جن يخبر المتعبدين بأخبار الغيب كان يظن الهنود أن أصنامهم تتكلم وتتحدث وتسمع.
ولما بدأت أصنام مكة أيضا تخبر مشركى قريش ببعض الأخبار عما سيحدث فيما بعد اعتقدوا مثل الهنود أن أصنامهم تنطق وتتحدث.
الكلمات المسموعة من أصنام أهل مكة
قال سيدنا عبد الله بن عباس وهو يتحدث عن سبب إسلام عمر الفاروق:
وعد سيدنا عمر بن الخطاب صناديد قريش بقتل الذات النبوية الشريفة وذهب إلى بيت فى داخله صنم يتعبد له بعض البلهاء من بنى خزاعة، ذهب ليؤكد لقريش بالقسم أمام الصنم بأنه سيوفى بوعده.
وبينما كان سيدنا عمر يستعد للقيام بقسمه صدر من داخل الصنم صوت هاتف. وقد تعجب أفراد قريش من صدور مثل هذا الصوت وأنصتوا فى قلق وخوف وحيرة لما يقوله الصنم فأدركوا أنه يردد الأبيات الآتية:
شعر
يا أيها الناس ذو الأجسام ... ما أنتم وطايش الأحلام
ومسندو الحكم إلى الأصنام ... أصبحتمو كراتع الأصنام
أما ترون ما أرى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام
قد لاح للناظر من تهامه ... حتى بدا نورا بأرض الشام
محمد ذو البر والإكرام ... أكرمه الرحمن من أمام
قد جاء بعد الشرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام
والبر والصلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام
فبادروا سبقا إلى السلام ... بلا نفور وبلا إحجام
стр. 354
وتفرق القرشيون الموجودون فى معبد الأصنام المذكور كما تتفرق صغار الحجل، واتجه كل واحد منهم إلى ناحية، بينما اتجه الفاروق الأعظم-رضى الله عنه-إلى بيت أخته فاطمة بنت الخطاب، ومن هناك إلى بيت حمزة وعلى قول إلى دار الأرقم ابن الأرقم. ولكن قبل وصوله إلى ذلك البيت السعيد المشار إليه قابل رجلا من بنى سليم فقال له ما يدور فى نفسه. وحينئذ استصوب الرجل أن يذهب عمر قبل اتخاذ أى قرار إلى صنم قبائل بنى سليم الذى اتخذوه إلها والمسمى ب ضمار (١) ليفصل فى القضية، وهكذا توجه الرجل إلى بيت أصنام بنى سليم، ولكن عمر سمع منه الأبيات الآتية فحطم ضمار الضخم من شدة غضبه.
شعر
أودى الضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد
إن الذى ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهند
سيقول من عبد الضمار ومثله ... ليت الضمار ومثله لم يعبد
أبشر أبا (٢) ... حفص بدين صادق
تهدى إليه وبالكتاب المرشد
واصبر أبا حفص قليلا إنه ... يأتيك عز فوق عز بنى عدى
لا تعجلن فأنت ناصر دينه ... حقا يقينا باللسان وباليد
وبعد ما حطم سيدنا عمر ضمار وجعله ألف قطعة، قد تحولت العداوة التى كان يضمرها للنبى- ﷺ -إلى مودة أبدية؛ لهذا رجع فورا إلى المنزل أخته ومن هناك إلى دار ابن الأرقم السعيدة بصحبة زوج أخته، ودخل فى دائرة الإسلام المنجية على النحو المذكور فى كتب السيرة بالتفصيل. رضى الله عنه.
- حكمة:
وائل بن حجر «بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمى» أحد الصحابة الكرام (٣)،ومن ملوك حضر موت المشهورين كان يعبد صنما لامعا من العقيق
стр. 355
الأحمر، وكان يسجد احتراما وتوقيرا له وكان يذبح له قرابين كثيرة كل يوم بغية نيل رضاه.
قال هذا الصحابى: كنت نائما فى قصرى وقت الظهر فى يوم من الأيام، فاستيقظت إذ سمعت صوتا حادا يصدر من خزانة الصنم، فوثبت من فوق سريرى وأخذت أسجد بجانب الصنم، فسمعت فى ذلك الوقت هذه الأبيات التى تخرج من بطن الصنم.
الأبيات:
يا عجبا لوائل بن حجر ... يخال يدرى وهو ليس يدرى
ماذا يرجى من نحيت صخر ... ليس بذى عرف ولا ذى نكرى
ولا بذى نفع ولا ذى ضر ... لو كان ذا حجر (١) أطاع أمرى
وعند ما سمعت هذا الشعر رفعت رأسى وقد ملأنى العجب والحيرة وما لبثت أن قلت:
يا أيها الناصح-بما تأمرنى؟ فسمعت صوتا يقول فى عبارات منظومة:
«شد الرحال إلى يثرب المباركة .. حيث يكثر النخيل .. فليس لفضلها حصر».
وفى نهاية الشعر المذكور سقط الصنم على وجهه وتحطم وتفتّتت أجزاؤه، وعقب ذلك ارتحلت إلى دار السكينة المدينة المنورة وأسرعت بالدخول فى المسجد النبوى الشريف، ودعانى رسول الله- ﷺ -وبسط طرف ردائه المبارك، وأقعدنى عليه ثم صعد المنبر وألقى خطبة بليغة وقال عقب الخطبة: «أيها الناس إن هذا الرجل هو وائل بن حجر، وقد جاء من بلاد بعيدة كحضرموت راغبا فى الإسلام» وما لقيت بعد ذلك رجلا من الصحابة فى المدينة إلا وقال لى: يا وائل إن النبى-عليه صلوات الله الأكبر-قد بشرنا بمجيئك إلى المدينة المنورة منذ ثلاثة أيام.