← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وبما أنه لا شك فى أن «أسقلينوس» كان مؤمنا موحدا بالله فلم يكن هدفه من إقامة الصورتين المجسمتين عبادة الأصنام وإنما كان من أجل تعظيم سيدنا إدريس وتوقيره. ولكن وآسفا!! عند ما توفى «أسقلينوس» لم يستطع «صاب بن إدريس» وسائر الحكماء البلهاء أن يدركوا نيته وعقيدته وحملوا ما فعله هذا على أنه من عبدة الأصنام وبعد مدة بنوا بيوتا للأصنام ونظموها وأصبحوا من عبدة الأصنام وثملوا إذ شربوا من خمر الضلال واتخذ كل واحد منهم صنما فأضلوا الناس وحملوهم على عبادة الأصنام. وقال بعض المؤرخين: إن ابتداع الأصنام كان أولا بين أبناء قابيل، وقد ابتدعت فى زمن حكم (اليارد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم ﵇. وطبقا للنتائج التى أسفرت عنها الدراسات التى قام بها ناقل هذه الرواية إن أبا شيث-﵇-قد تلقى أمرا خاصا من سيدنا آدم-﵇-لكى يخفى التابوت الذى وضع فيه أبو البشر عن أولاد وأحفاد قابيل. وبسبب هذا الأمر نقم أولاد قابيل على شيث-﵇-واتجهوا للعمل ضده ولهذا ظلوا لفترة طويلة يظهرون عدم رضاهم ويبدون علامات الألم والضيق. ولأن هذا الأمر كان سببا كافيا لدى إبليس اللعين لضلالة الناس، فقد أقام تمثالا مباركا لسيدنا أبى البشر، وضعه فى تابوت، ثم أعطاه إلى أحفاد قابيل قائلا لهم: إن الشئ الذى أخفى عنكم هو نفسه هذا الشكل فأخذه الأحفاد وهدأ هذا الشكل المجسم من روعهم بعد ما رأوه لفترة، وبعد ذلك سعى كل واحد منهم إلى الحصول على صنم. ثم أصبحت بدعة أن يوجد صنم فى منزل كل إنسان وفى مركز ومجمع كل قبيلة تابوت على صورة خاصة. وأظهروا جميعا لها الاحترام الشديد والتوقير والتعظيم وأخذوا يعبدونها حيث أصبحت من الضرورات الدينية بين آل قابيل.

стр. 352

والأصنام التى عبدت فى زمن نوح-﵇-هى: ود، سواع، يعوق، يغوث ونسر، صنعت على غرار الأصنام التى عملت فى زمن أبناء قابيل. وكما حقق وصف حضرة إسماعيل حقى-قدس سره الجلى-مؤلف «روح البيان» فأسماء هذه الأصنام الخمسة هى أسماء أولاد سيدنا آدم من صلبه، وإنه بواسطة الشيطان اللعين، قد عمل نموذجا لكل واحد منهم، وكان ذلك فى عهد يارد بن مهلائيل، وظلت تعبد حتى عهد نوح-﵇. وعند ظهور طوفان نوح دفنت هذه الأصنام فى الأرض واختفت عن العيون. ورغم هذا فإن إبليس الملعون أخرجها من باطن الأرض فى فترة من الفترات- ولما نقلت إلى مكة المكرمة برأى ومشورة «عمرو بن لحى بن قمعة بن إلياس بن مضر» أخذ الناس يتعبدون لها ثم اتخذها كل عرب الجاهلية آلهة لهم وظلوا يعبدونها إلى البعثة النبوية لخير الورى عليه أفضل التحايا. وكانت قبيلة هذيل تعبد سواع وقد اتخذت طقوسا خاصة بها ونظمت مواسم حج وزيارة لإلهها سواع رغم القبائل الأخرى المخالفة. وحسبما قال فاضل أبو الفوز البغدادى فإن الأسماء التى أطلقت على الأصنام المذكورة هى أسماء الصالحين الخمسة السالفة التعريف والذين كانوا على قيد الحياة فى عهد «يارد أو يرد» والد سيدنا إدريس ولما توفى هؤلاء الخمسة فى عهد يارد فى خلال شهر واحد الواحد تلو الآخر، تأثر الناس أعظم التأثر وأبدوا مظاهر الحزن والألم لوفاتهم وعندئذ ظهر شخص يتصل نسبه بنسب قابيل فأقام تماثيل لهؤلاء الخمسة وأطلق على كل واحد منها اسم أحدهم ووضعها فى ميدان الميادين. وأخذ الخزانى يزيلون حزنهم وألمهم بالطواف حول هذه التماثيل وفى هذه الفترة كان طواف الناس حول التماثيل لإظهار التعظيم والتوقير والحب لهؤلاء الصلحاء الخمس وفيما بعد اتخذ الناس هذه التماثيل آلهة يعبدونها واستمرت هذه الحالة إلى زمن نوح-﵇.

стр. 353

وادعى بقى بن مخلد أن هذه الأسماء انتقلت إلى الهنود وأطلق الهنود هذه الأشياء على أصنامهم العظام. ولما كان فى داخل كل صنم هندى جن يخبر المتعبدين بأخبار الغيب كان يظن الهنود أن أصنامهم تتكلم وتتحدث وتسمع. ولما بدأت أصنام مكة أيضا تخبر مشركى قريش ببعض الأخبار عما سيحدث فيما بعد اعتقدوا مثل الهنود أن أصنامهم تنطق وتتحدث. الكلمات المسموعة من أصنام أهل مكة قال سيدنا عبد الله بن عباس وهو يتحدث عن سبب إسلام عمر الفاروق: وعد سيدنا عمر بن الخطاب صناديد قريش بقتل الذات النبوية الشريفة وذهب إلى بيت فى داخله صنم يتعبد له بعض البلهاء من بنى خزاعة، ذهب ليؤكد لقريش بالقسم أمام الصنم بأنه سيوفى بوعده. وبينما كان سيدنا عمر يستعد للقيام بقسمه صدر من داخل الصنم صوت هاتف. وقد تعجب أفراد قريش من صدور مثل هذا الصوت وأنصتوا فى قلق وخوف وحيرة لما يقوله الصنم فأدركوا أنه يردد الأبيات الآتية: شعر يا أيها الناس ذو الأجسام ... ما أنتم وطايش الأحلام ومسندو الحكم إلى الأصنام ... أصبحتمو كراتع الأصنام أما ترون ما أرى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهامه ... حتى بدا نورا بأرض الشام محمد ذو البر والإكرام ... أكرمه الرحمن من أمام قد جاء بعد الشرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام فبادروا سبقا إلى السلام ... بلا نفور وبلا إحجام

стр. 354

وتفرق القرشيون الموجودون فى معبد الأصنام المذكور كما تتفرق صغار الحجل، واتجه كل واحد منهم إلى ناحية، بينما اتجه الفاروق الأعظم-رضى الله عنه-إلى بيت أخته فاطمة بنت الخطاب، ومن هناك إلى بيت حمزة وعلى قول إلى دار الأرقم ابن الأرقم. ولكن قبل وصوله إلى ذلك البيت السعيد المشار إليه قابل رجلا من بنى سليم فقال له ما يدور فى نفسه. وحينئذ استصوب الرجل أن يذهب عمر قبل اتخاذ أى قرار إلى صنم قبائل بنى سليم الذى اتخذوه إلها والمسمى ب ضمار (١) ليفصل فى القضية، وهكذا توجه الرجل إلى بيت أصنام بنى سليم، ولكن عمر سمع منه الأبيات الآتية فحطم ضمار الضخم من شدة غضبه. شعر أودى الضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد إن الذى ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهند سيقول من عبد الضمار ومثله ... ليت الضمار ومثله لم يعبد أبشر أبا (٢) ... حفص بدين صادق تهدى إليه وبالكتاب المرشد واصبر أبا حفص قليلا إنه ... يأتيك عز فوق عز بنى عدى لا تعجلن فأنت ناصر دينه ... حقا يقينا باللسان وباليد وبعد ما حطم سيدنا عمر ضمار وجعله ألف قطعة، قد تحولت العداوة التى كان يضمرها للنبى- ﷺ -إلى مودة أبدية؛ لهذا رجع فورا إلى المنزل أخته ومن هناك إلى دار ابن الأرقم السعيدة بصحبة زوج أخته، ودخل فى دائرة الإسلام المنجية على النحو المذكور فى كتب السيرة بالتفصيل. رضى الله عنه. - حكمة: وائل بن حجر «بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمى» أحد الصحابة الكرام (٣)،ومن ملوك حضر موت المشهورين كان يعبد صنما لامعا من العقيق

стр. 355

الأحمر، وكان يسجد احتراما وتوقيرا له وكان يذبح له قرابين كثيرة كل يوم بغية نيل رضاه. قال هذا الصحابى: كنت نائما فى قصرى وقت الظهر فى يوم من الأيام، فاستيقظت إذ سمعت صوتا حادا يصدر من خزانة الصنم، فوثبت من فوق سريرى وأخذت أسجد بجانب الصنم، فسمعت فى ذلك الوقت هذه الأبيات التى تخرج من بطن الصنم. الأبيات: يا عجبا لوائل بن حجر ... يخال يدرى وهو ليس يدرى ماذا يرجى من نحيت صخر ... ليس بذى عرف ولا ذى نكرى ولا بذى نفع ولا ذى ضر ... لو كان ذا حجر (١) أطاع أمرى وعند ما سمعت هذا الشعر رفعت رأسى وقد ملأنى العجب والحيرة وما لبثت أن قلت: يا أيها الناصح-بما تأمرنى؟ فسمعت صوتا يقول فى عبارات منظومة: «شد الرحال إلى يثرب المباركة .. حيث يكثر النخيل .. فليس لفضلها حصر». وفى نهاية الشعر المذكور سقط الصنم على وجهه وتحطم وتفتّتت أجزاؤه، وعقب ذلك ارتحلت إلى دار السكينة المدينة المنورة وأسرعت بالدخول فى المسجد النبوى الشريف، ودعانى رسول الله- ﷺ -وبسط طرف ردائه المبارك، وأقعدنى عليه ثم صعد المنبر وألقى خطبة بليغة وقال عقب الخطبة: «أيها الناس إن هذا الرجل هو وائل بن حجر، وقد جاء من بلاد بعيدة كحضرموت راغبا فى الإسلام» وما لقيت بعد ذلك رجلا من الصحابة فى المدينة إلا وقال لى: يا وائل إن النبى-عليه صلوات الله الأكبر-قد بشرنا بمجيئك إلى المدينة المنورة منذ ثلاثة أيام.

стр. 356

الأبيات التى سمعها وائل من داخل الصنم ارحل إلى يثرب ذات النخيل ... وسر إليها سير مشمعل (١) قبل تقضى العمر المولى ... تدين بدين الصائم المصلى محمد المرسل خير الرسل وكان الصنم الذى تعبده قبيلة خطامه سببا فى إسلام «مازن بن غضوبة» (٢) رضى الله عنه وهو من وجهاء تلك القبيلة. وكان هذا الصنم إله قبيلتى (خطامة وصامت) وقد عين أفرادهما مازن بن غضوبة خادما له. وقال مازن بن غضوبة هذا وهو يتحدث عن الحادثة التى أدت إلى إسلامه: «كنت قد ذبحت ضحية للصنم الذى أخدمه تقربا له وطلبا لنيل رضاه، وفجأة سمعت من جوف الصنم صوتا يخاطبنى، ويقول: يا مازن استمع إلى لعلك تسر وتسعد لقد بعث رسول من أحفاد بنى مضر لإظهار الدين الحق وإعلائه، فاترك الآن عبادة الحجارة المنحوتة وانج بنفسك من نار جهنم المحرقة. وهكذا سلب منى عقلى وشعورى، وتعجبت من حال الصنم وتحيرت حتى لم أدر ما أفعله تجاه هذا الأمر، وبعد أيام جاء رجل من قبيلة أزد وقال هل تعلمون أنه قد ظهر فى مكة المكرمة رجل يسمى «محمد»،ويدعو من يقابله واستجيبوا لدعوة الله، وهكذا أخبرنا بظهور النبى ﷺ . بينما تعجب الناس من هذا الخير، قلت لنفسى، هذه هى حقيقة ما سمعته من الصنم فى اليوم السابق، وبعد أمد حطمت ذلك الصنم جذاذا، وقد نلت عز المثول أمام الرسول- ﷺ -وقبلت الإسلام دينا. هناك كهنة فى الجاهلية دخلوا الإسلام بإغراء الجن وتحريضهم، يقول عبد الله بن كعب-رضى الله عنه-:بينما كنت جالسا مع عمر بن الخطاب ومعنا أناس آخرون فى المسجد النبوى السعيد، دخل أحد الأعراب فى المسجد وجاء إلى

стр. 357

جانبنا، فقال حضرة الخليفة عند ما رأى الرجل: إن هذا الإنسان كان من كهنة أهل الجاهلية ورد على سلام الأعرابى وقال له هل أسلمت؟ فأجابه الرجل: نعم يا أمير المؤمنين نعم أسلمت ونجوت من دنس الكفر والضلالة. قال: ألم تكن كاهنا فى الجاهلية؟ فأجابه قائلا: يا أمير المؤمنين لا داعى لذكر الماضى، قال عمر إذ تلقى هذه الإجابة الدالة على الندامة-داعيا رافعا يديه: «يا رب لقد كنا نعبد الأصنام إلى أن أنعمت علينا وأكرمتنا ببعث الرسول الكريم والنبى الحبيب- ﷺ -يا رب إننا نادمون آسفون على ما مضى من زمان قضيناه فى عبادة الأصنام يا رب تجاوز عن ذنوبنا واغفر لنا». وبعد هذا الدعاء وجه كلامه إلى الأعرابى المذكور قائلا: حدثنا عن قرينك الذى كان يخبرك بالغيب فى زمن كهانتك، وكيف أغراك ودفعك إلى قبول دين محمد؟!. فأجاب الأعرابى على النحو التالى جاء الجن الذى يرافقنى قبل شهر من إسلامى وقال هذه الأبيات: شعر عجبت للجن وإبلاسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمن الجن كأرجاسها رغم أن رفيقى لم يقل شيئا آخر غير هذا الشعر إلا أنه رجع فى اليوم التالى وأنشد الأبيات الآتية: عجبت للجن وإجلابها ... ونصبها العيس وأعمالها تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمن الجن كضلالها ورجع رفيقى فى الليلة الثالثة، وقرأ الأبيات التالية: عجبت للجن وإجلابها ... وشدها العيس بأقتابها تهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما زمّع الجن كصيّابها عند ما أتم الأعرابى كلامه وسكت قال حضرة الخليفة مصدقا المشار إليه: ذات

стр. 358

يوم كنت أجلس بجوار الصنم وقد ذبحت عجلا قربانا إلى أحد الآلهة التى كنا نعبدها فى الجاهلية، فخرج من جوفه صوت رقيق يثير الشوق وقال: أيها الشيخ أعلن بلسانك الفصيح صحة أمر لا إله إلا الله، وانشره بين الناس. وقال «جبير بن مطعم» أيضا أن أباه سمع بعض الكلمات من أحد الأصنام التى يعبدها. قال مطعم حسب ما يرويه ابنه وينقله: كنت جالسا يوما فى بيت الأصنام إذ تكلم الصنم الذى كنت جالسا بجانبه، فقال: استمع إلى ما يثير عجبى استمع إلى تخمين حان وقته سيظهر من العرب رسول من سلالة هاشم بن عبد مناف. إن مسقط رأسه سيكون مكة المكرمة ومهجره سيكون المدينة المنورة. وبعد أن قص سيدنا جبير هذه الحكاية التى سمعها أبوه من الصنم المذكور، أضاف أنها قد حدثت قبل البعثة المحمدية-عليه وعلى آله أفضل التحية-بفترة طويلة. ومن الصحابة الكرام الذين أسلموا بإغراء من الجن هو «تميم الدارى» (١) قال: حضرة تميم وهو يعرفنا بسبب اعتناقه الإسلام: وأنا فى طريقى إلى الشام ذات يوم-أقبل الليل، فقررت أن أنام فى مكان هادئ فى أحد الوديان، فترجلت من فوق دابتى واتجهت ناحية المكان الذى اخترته، وبعد برهة سمعت هاتفا يقول: نلجأ إلى الله الواحد، وآمنا مع كوننا من الجن لم نجد أحدا غيره نلوذ به لقد ظهر حضرة رسول الثقلين- ﷺ -وقد صلينا خلفه فى جبل حجون (٢) بعد أن اتبعناه، قد اعتنقنا الإسلام وآمنا برسالته، فأسلم أنت أيضا حتى تسلم. وقد سمعت كلاما بهذا المعنى وبادرت فى ترك المكان وذهبت إلى دير أيوب، وحكيت ما سمعته إلى راهب الدير الذى قال: نعم لقد ظهر خير الأنبياء فى الحرم-وسيهاجر إلى الحرم فتوجهت فورا-إذ سمعت هذا الكلام إلى مكة المعظمة فوجدت حضرة النبى ﷺ واحتميت بدائرة الإسلام المنجية (٣).

стр. 359

من الذين آمنوا بإغراء الجن أيضا خريم بن فاتك بن الأخرم يروى أن الحكاية الآتية قد نقلت عن خريم بن فاتك ذاته (١). «ذات يوم، كنت أبحث عن دابة ضالة لى وسرت حتى وصلت إلى مكان موحش، ولما وجدتها كان قد أنهكنى التعب، فربطت دابتى التى كنت أمتطيها ورأيت الاحتماء بهذا المكان وكان هذا المكان واسعا ثم استندت على حلس البعير، وقبل الاستغراق فى النوم سمعت من الهاتف الشعر الذى سيكتب فيما بعد. ولأن قلبى كان قد امتلأ بنور الإسلام قلت: أيها الهاتف من أنت؟ فجاء الجواب: أنا بن مالك بن مالك فإذا أردت أن تسلم فأنا أكفيك مؤونة البحث عن جملك الضائع وأوصله إلى بيتك إلى أن تعود إلى أهلك وعيالك فسمعت هذا الكلام وذهبت إلى المدينة المنورة بلا تأخير. وتصادف وصولى إلى مدينة طيبة ظهيرة يوم الجمعة، فتوجهت رأسا إلى المسجد النبوى الشريف وكان الرسول- ﷺ -يلقى الخطبة فقلت لنفسى لأقف خارج المسجد إلى أن تنتهى الخطبة الشريفة إلا أن أبا ذر الغفارى جاءنى وقال يا خريم، قد وصل إسلامك إلى مسامع النبى- ﷺ -وقد بعثنى إليك لأبلغك سلامه وسروره بإسلامك ادخل إلى المسجد وأدّ الصلاة مع الجماعة وبعد الصلاة قابلت رسول الله- ﷺ -الذى قص لى ما حدث فى ذلك الوادى وأن الهاتف سالف الذكر قد أوصل جملى إلى بيتى وأوفى بوعده. هذا هو الشعر الذى استمع إليه خريم من الهاتف (٢). تعوّذ بالله ذى الجلال ... ووحّد الله ولا تبال ما هول الجن من الأهوال فتحير خريم بن فاتك عند ما سمع هذه الأبيات وقال: يا هاتف-يرحمك الله -وضح لى صراحة ما تريد أن تقوله فقال الجن الذى ظل مختفيا.

стр. 360

هذا رسول الله ذو الخيرات ... يدعو إلى الجنة والنجاة يأمر بالصوم وبالصلاة وكانت المنظومة المذكورة التى أجاب بها الهاتف تعنى أن رسول الله ﷺ هو صاحب هذه الخيرات وأنه يدعو إلى الجنة والنجاة ويأمر بالصوم والصلاة، وهى إشارة إلى صدق ما يدعو إليه الرسول- ﷺ . ومن الذين آمنوا أيضا بناء على ما أخبره به الجن سيدنا سلمة بن زيد (١). قال حضرة سلمة الذى ينتهى نسبه إلى بطن من بطون قبيلة خثعم كان أفراد قبيلتنا لا يعتقدون فى حرمة أى شئ قط وبينما كانوا ذات يوم يعبدون أصنامهم ويجرون طقوسهم فجأة سمعوا صوت الهاتف يقول يا أيها الناس أصحاب الوجود. لماذا تنظرون إلى أوهام الرؤيا؟ لماذا تستمعون إلى الناس (٢) الذين يسندون الحكمة إلى الأصنام وينسبون إليها. إن هذا النبى (٣) سيد الناس وإنه أحكم الحكام يعلن عن نور الإسلام وإنه أسد فى بلد الله الحرام، وإذ سمع أفراد قبيلتنا ما يفيد تلك المعانى فاهتموا كثيرا وتفرقوا وقفلوا راجعين إلى منازلهم حتى إن أفراد القبيلة قد حفظوا هذه الأقوال وظلوا يذكرونها إلى أن ظهر النبى- ﷺ . قالت فاطمة بنت النعمان (٤) النجارية: كان هناك جن يأتى كل يوم إلى منزلى ويعاكس هذا وذاك، وذات يوم جاء وصعد فوق الجدار وبدا إلى حائرا هادئا وإننى لم أكن قد شاهدته حائرا وساكنا هكذا فزاد اهتمامى فسألته ماذا حدث لك هذا اليوم حتى تقف هكذا مهذبا هادئا؟ فبدأ الكلام قائلا: لقد أرسل الله- -نبيا يحرم اليوم الزنا، وهكذا فهمت أن نبينا قد بعث ﵊. ومن الذين اعتنقوا الإسلام بنطق الأصنام عبد الله بن ساعدة الهزلى. قال

стр. 361

حضرة عبد الله: كان الصنم الذى نعبده ونقدسه «سواع» وكنت أعتقد كما يعتقد أفراد القبيلة التى أنتسب إليها أن سواع قادر على فعل كل شئ وبناء على هذا الظن كنا نعبده ونجله وبدا يظهر أشياء خارقة ولعله نتيجة لإيماننا به-وهذا مما زاد وقوى عقيدتنا فيه. وأنا أيضا ذهبت إليه يوما من الأيام حاملا معى غنما مصابا بالجرب طلبا للشفاء عنده. وإذا بجن فى بطن سواع يخاطبنى قائلا: وآسفا-أن الستائر قد أسدلت وقد صعق الجن بالشهب الأصنام فقدت حكمها وسيطرتها. قد نزل خير الكتب (١) وبعث خير العرب (٢).وهذا كان مفاد (٣) كلماته. وعند ما سمعت هذا القول. رجعت إلى بيتى وكرهت عبادة الأصنام وأسرعت لاستكناه الأحوال ومعرفة الأخبار فعلمت أن النبى- ﷺ -قد بعث فى مكة المكرمة وفى الحال ذهبت هناك واعتنقت الدين الإسلامى المبين. خرج مالك بن نفيع (٤) يوما إلى الحقول للبحث عن جمله الضائع وبعد أن ظل يبحث عنه مدة طويلة وجده فى مكان ما وعزم على العودة ولكن المساء قد فاجأه ولم يرد أن يسير ليلا كعادة العرب ونام فى سفح جبل وراح فى سبات. يقول مالك هذا: بينما كنت فى حالة يقظة لم يغلبنى النوم بعد ما سمعت هاتفا يقول: يا مالك! يا مالك! لو حضرت المكان الذى برك فيه جملك قليلا ستجد شيئا يسرك ويجعلك محظوظا، فسحبت جملى إلى مكان آخر وحضرت إلى المكان الذى كان فيه جملى، ووجدت فيه صنما قد نحت على شكل امرأة فأخذته ونصبته فى نفس المكان، إن ظهور هذا الصنم ملأنى فرحا وسرورا حتى إننى وهبت أحد جمالى قربانا له وسميته غلاب وحملته على جملى الآخر وعدت إلى بلدى. وقد حسدنى الناس على حسن حظى وأرادوا أن يأخذوه منى وينصبوه فى مكان عام، ولكننى لم أهتم بجلبتهم وصياحهم فأخذت غلاب ونصبته فى مكان معين من بيتى.

стр. 362

وحينما أخذت غلابا إلى بيتى كنت قد نذرت أن أذبح له كل يوم قربانا وذبحت فى ظرف ثلاثة أيام ما كنت أملكه من الأغنام ولما لم يبق معى ما أقدمه له قربانا ذهبت إليه لأعتذر له. وعندئذ خرج من جوف الصنم صوت يقول: يا مالك! يا مالك! لا تأسف على مالك الذى تلف بل أذهب إلى جانب البئر الواقعة فى بلاد قبيلة «أرقم» فستجد هناك كلبا أسود، فخذه واذهب إلى الحقول للصيد فتغتنى. بعد ما وضح مالك ما قال غلاب وعرفه قال وهو يبين كيف وجد ذلك الكلب وكيف استخدمه فى الصيد بالأمر: خرجت إلى الطريق وذهبت إلى البئر التى فى بلاد قبيلة أرقم فاستقبلنى كلب أسود فربطته من عنقه وأخذته معى وتوجهت إلى الحقول للقنص، وسرنا فى الحقول مدة وإذا بالكلب الذى فى يدى قد رأى غزالا وهاج حتى كاد أن يقطع الحبل الذى فى عنقه، ولكننى ترددت فى إطلاقه وفى نهاية الأمر أطلقته فجرى الكلب وقبض على الغزال. وإننى قد سررت من جهد الكلب ورجعت إلى البيت وذبحت الفريسة قربانا لغلاب، وهكذا خرجت للصيد فى اليوم الثانى والأيام الأخرى حتى أصبحت من عادتى أن أخرج للصيد وأذبح ما أصطاده قربانا لغلاب وأوزع لحمه. وفى يوم معهود جرى الكلب وراء نعامة ولكنه لمح فى الطريق غرابا، ونفر منه وتراجع، وكاد أن يدخل بين أرجل الفرس التى كنت أمتطيها. وبما أننى لم أر الغراب استغربت من حالة الكلب وترجلت من الدابة لأستطلع الأمر. حينما رآنى الغراب خاطب الكلب قائلا: يا كلب فأجابه الكلب ماذا يوجد؟ لقد هلك هذا وظهر الإسلام وأسلم أنت أيضا لتجد النجاة!! وعند ما قال هذا اختفوا فجاءة من أمام عينى وأعتقد أن كلاهما كان من الجن والسبب فى دخول «ابن النفيع» فى الإسلام كان هذا الحادث. اتفق أن «مالك بن مرداس السلمى» كان يتجول بين أشجار النخيل، وفى وقت الظهيرة ظهر رجل يرتدى ثوبا أبيض من أخمص قدميه إلى أعلى رأسه وهتف له قائلا: يا عباس بن مرداس! إن الشياطين والجن الذين يسترقون السمع للأحداث السماوية قد تفرقوا وإن أحوال الدنيا قد تغيرت-من أولها إلى آخرها-

стр. 363

ألا تعلم أن نبيا بارا تقيا ملهما من قبل الله قد ظهر مساء الأثنين وليلة الثلاثاء- وهو صاحب الجمل المقطوع الأذنين-ففزع عباس بن مرداس فزعا شديدا ومضى إلى صنم قبيلة ضمار فأخبره ما سمع من كلام هذا الرجل وبينما كان يتحدث إليه خرج من بطن الصنم صوت عجيب يلقى هذه الأبيات: قل للقبائل من سليم كلها ... هلك الضمار وفاز أهل المسجد هلك الضمار وكان يعبد قبل أن ... نزل الكتاب على النبى محمد إن الذى ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهند يقول عباس بن مرداس (١) حطمت «الضمار» ألف قطعة إذ سمعت فيه هذا الكلام ثم مضيت إلى المدينة المنورة ومعى ثلاثمائة من قبيلتنا ونلنا شرف المثول بين يدى الرسول- ﷺ -وبناء على أمره- ﷺ -قصصت ما حدث وأسلمنا كلنا فى حينه رضى الله عنهم. إن هذه الواقعة مروية من قبل «عبد الرحمن بن أنس السلمى» وليس الضمار هذا الصنم الذى حطمه حضرة عمر بن الخطاب الفاروق بل هو صنم آخر يحمل نفس الاسم. وعند ما اقترب ظهور النبى- ﷺ -سمع عن كثير من الأصنام مثل هذا الكلام الموثوق من صحته والتى أخبرت بظهور النبى- ﷺ . وبما أن أكثر ما سمع من أصنام مكة قبل البعثة كان الإخبار بما سيحدث والتنبؤ بالغيب وكان عبدة الأوثان يلاحظون أن ما يخبرهم به أصنامهم صحيح والأحاديث التى يخاطب بها الناس تطابق الواقعة لذلك زاد تقديسهم لهذه الأصنام والتمسك بها واعتمادهم عليها وتأكد إيمانهم بها فأقبلوا بإخلاص على عبادة هذه الأصنام. والأصنام الخمسة التى مر ذكرها والتى وضعت فيما بعد فى مكة والتى حصل عليها عمرو بن لحى بن قمعة وحملها إلى مكة المكرمة وأخذ يتعبد لها ويحمل

стр. 364

الناس على عبادتها قد اتخذها عرب الجاهلية آلهة لهم وأطلقوا على كل واحد منها اسما خاصا. ويبين المؤرخون كيفية انتقال هذه الأصنام لبلاد العرب على يد عمرو بن لحى الضال على هذا الوجه: كان عمرو هذا-بناء على اعتقاد أهل الجاهلية-تابعا للجن وكان دائم الاتصال به ودائم الحديث معه. وقال له الجن يوما: يا عمرو! إن تماثيل الآلهة الخمسة التى كان يعبدها الناس فى عهد نوح وإدريس-﵇-قد ظهرت على سواحل جدة، فابحث عنها وبعد ما تجدها انقلها إلى مكة. وأسرع عمرو-وقد سمع ما قاله الجن-بالسفر إلى جدة وحمل تلك الأصنام من شواطئ جدة وعاد إلى مكة وأجبر الناس على عبادتها وقسمها بين القبائل المتفرقة وبعث لكل قبيلة فى موطنها بصنم خاص لها وهكذا بدأت عادة عبادة الأصنام بين العرب وأخذ كل سكان الحجاز من تلك الأوقات فى عبادة الأصنام. وإن كانت هذه الرواية تكذب الرواية التى تقول أن عمرو بن لحى قد جلب هذا الصنم من أرض البلقاء فى الشام إلا أن إحضار عمرو الأصنام الخمسة إلى مكة من أرض الشام حدث بعد جلبة هبل. ومع كل هذا قد ركز عمرو هبل (١) داخل الكعبة، وأهدى الأصنام الخمسة إلى رؤساء القبائل وهكذا حمل جماعات العربان على عبادة الأصنام ووفق فى نشر الوثنية فى الحجاز. إن اللعين الذى حمل أحفاد بنى إسماعيل على الارتداد عن دين إبراهيم إلى الوثنية هو عمرو بن لحى الذى عاش ما يقرب من (٣٤٠) سنة وقد كتب له أن يرى ألف مقاتل من أحفاده وقد استمر حكمه وحكم أبنائه فى مكة المكرمة ٥٠٠ عام. ووفق هذا الحساب قد ظل بيت الله فى يد المشركين ألف عام وهو مكان لعبادة الأصنام.

стр. 365

ادعاء جمشيد الألوهية يقول المؤرخون إن عبادة الأصنام قد بدأت فى أيام جمشيد العنيد من ملوك البشدادية. وبناء على ما جاء فى ترجمة تفسير أبو الليث أن (جمشيد) أخو الملك (طهمورث بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇. ويقال إن جمشيد أول من كشف وأوجد الأدوية المركبة والمفردة والتداوى بالنبات، كما كشف عن المعادن المتنوعة واستخدم الذهب والفضة وأنواع الزينة والجمال والملابس الحريرية المتنوعة وتطيب بأعواد العنبر، وصنع الخمر وأنواع الطيب والمعطرات. دام ملك جمشيد ثمانمائة عام ودخلت الأقاليم السبعة فى حوزته وسخر الأنس والجن وحكم أهل المشارق والمغارب مما قوى شوكته وزاد فى عظمته. وقد اعتلى جمشيد عرش الحكم فى عهد إدريس (١) ﵇-وأقام العدل بين الناس وحرص على الوئام والمحبة لذا سمى رعيته يوم جلوسه على العرش نوروز وأصبح هذا اليوم من كل سنة عيدا لهم يحتفلون به كل عام. ويقال إنه فى فترة حكمه قد رفع عن الناس-لحكمة ما-الموت والمرض والشيخوخة فما عرف فى ظرف ثلاثمائة عام من حكمه أن أحدا قد مات أو مرض أو شاخ. وقد ظهرت فى زمانه بدائع الصنائع ومختلف آلات الحرب وطبقات الأمراء ودرجات المقاتلين ونصبت الخيام كما تم استخراج الجواهر واللآلئ من البحر وصناعة الإسبيداج والكلس وبناء الحمامات. ولقد أمضى جمشيد أواخر أيامه فى الرفاهية والسعادة لا يفكر إلا فى ملذات طعامه وشرابه إذ بلغ ملكه أقصى ما كان يتمناه من قوة وعزة واحتشام. وكان يفكر أحيانا فى حالته الصحية وكيف أنه لم يتعرض لمرض وكيف أنه لم يشعر بآلام فى أعضاء جسمه ولا أوجاع واضطرابات وكان يتساءل أحيانا قائلا: يا

стр. 366

ترى هل هناك شخص يشبهنى فى عظمتى وقدرتى ولم يصبه مرض فى مدة حياته؟!. وحينئذ نسى بشريته وأخذ يحاول أن يفهم ماهيته، وغشيه يوم من الأيام نوم وعقب هذا حدث نفسه قائلا: على أغلب الظن أننى لست من جنس البشر، إذ كيف أكون بشرا ولم يصبنى مرض وتقلب المزاج والشعور بالكآبة. ولكنه نسى أنه فى حاجة إلى كل ما يحتاجه البشر من الأكل والشرب وقضاء الحاجة، وبعد فترة دخل الشيطان فى غرفته دون أن يشعر به حراسه وأيقظه من نومه. ولما اقتحم عليه الشيطان حجرته وهذا لم يكن له فى الحسبان لأن اقتحام أحد عليه حجرته دون أن يراه أحد من الحراس كان ضربا من المستحيل بدون رؤية أحد من الحراس؟ لذلك تملكته الحيرة وقال له حينما رآه فجأة أمامه: من أنت؟ وتلقى ردا من إبليس المضلل: إننى ملك نزل من السماء قد جئت لأعرفك من أنت. ولما كان جمشيد مشتاقا لمعرفة نفسه فكر أن هذا الشخص الذى يقتحم عليه حجرته لا بد أن يكون شخصا ذا قدرة فائقة وربما يستطيع أن يعرفه بنفسه لذلك وجه إليه سؤال إذن أخبرنى من أنا؟ لأننى لا أشبه بنى البشر فى شئ؟ فرد الشيطان قائلا: لعلك نسيت من أنت؟ إنك رب سكنة السموات والأرضين!! .. وكنت فى السماء منذ ثمانمائة عام .. حينما استغرقت فى النوم فإننى هبطت بك على الأرض وفق أمرك .. إن عدم إصابتك بالمرض طول حياتك وانتصارك على ملوك العالم جميعا أليس دليلا كافيا على أنك إله. كما أن دخولى إلى الحجرة بدون أن يرانى أحد ألا يثبت أننى رسول السماء؟! وهكذا خدع إبليس جمشيد الأبله بقوله المزخرف. وقد قبل جمشيد الأدلة الواهية التى ساقها له إبليس واقتنع بألوهيته واستفسر منه الطريقة التى سيتحرك بها بعد ألوهيته فأجابه إبليس اللعين: يجب أن توقد فى هذا الميدان نارا عظيمة ثم تدعو الناس جميعا وتعلن لهم أنك إله وتطلب

стр. 367

منهم أن يسجدوا لك، وأن تلقى إلى النار كل من يمتنع عن السجود، وهكذا عرفه بطقوس المجوسية، وهكذا جعل إبليس اللعين جمشيد يوقد نارا حامية ويدعو الناس وجعلهم يسجدون له بعد أن أعلن ألوهيته فصدقه الناس. وبعد ذلك نصب خمسة أشخاص خلفاء له، وأعطى لكل واحد منهم صنما كبيرا وأرسلهم إلى أطراف مملكته بعد ما أمرهم بأن يدعوا الناس إلى السجود إلى هذه الأصنام وأن يعترفوا بألوهيته وأن ينال المصدقون التعظيم والتوقير وأن يعاقب المنكرون بإلقائهم فى النار. كانت أسماء هذه الأصنام التى أعطيت للخلفاء: ود-سواع-يعوق-يغوث- نسر. وهكذا انتشر هؤلاء الخلفاء حاملين أصنامهم فى أرجاء العالم وابتدروا فى إضلال الناس بنشر طقوس الوثنية إلى أن مات جمشيد لعنه الله. قد مات جمشيد بعد فترة من إرسال الأصنام إلى أطراف ممالكه، وهكذا نجا ربع سكان العالم من الاحتراق بنار الضلال، إلا أن مبعوثيه إلى أركان العالم أخذوا ينشرون طقوس الوثنية والمجوسية فى أرجاء العالم وأدخلوا أكثر الناس فى الوثنية. قد قبض على جمشيد حيّا فى نهاية الأمر فى حربه مع «الضحاك» ابن أخى شداد بن عاد، وقد جعله قطعتين بعد ما نشره بعظمة شبيهة بالمنشار لنوع من أنواع الأسماك. عاش جمشيد ألف عام قضى ١٠٠ أو ٣٠٠ أو ٧٠٠ أو ٨٠٠ سنة فى الحكم حسب الروايات المختلفة. يدعى مؤرخو الفرس نبوة جمشيد، إلا أن ابن عباس قال إن القول ببعث نبى من الفرس كذب، وخرج روايات هؤلاء المؤرخين الواهية والذين يدعون نبوة جمشيد من مؤرخى الفرس الجهلة قد اقتنعوا أن سيدنا سليمان-﵇ هو جمشيد، إلا أن جمهور أئمة الأخبار بينوا أن هناك أكثر من ألفى سنة زمنية بين سليمان-﵇-وجمشيد، كما أن جمشيد قد كفر وأشرك فى أواخر أيام سلطنته، ويكفى هذا دليلا على بطلان تلك الادعاءات.

стр. 368

ظهور طقوس الوثنية بين أحفاد إسماعيل قد كثر أحفاد بنى إسماعيل المقيمين فى جوار الكعبة المعظمة. وأدى هذا التكاثر إلى تفرقهم فى أطراف البلاد فهاجر بعضهم إلى بلاد الشام، والبعض الآخر إلى بلاد اليمن، وعند هجرتهم حملت كل قبيلة قطعة من الحجر من الكعبة الشريفة تذكارا وتبركا منها، ووضعت الأحجار فى مكان مرتفع توقيرا لها. وقد رأى الشيطان اللعين مدى استعدادهم لاعتناق الوثنية وعبادة الأصنام، فقال: الأولى أن نعبد الأصنام المصنوعة والمصورة بدلا من هذه الحجارة الغليظة الخالية من الذوق والجمال، وهكذا نحتت وصورت الأصنام الخمس السالفة الذكر، وحمل رؤساء القبائل على عبادة الأصنام بواسطة عمرو بن لحى، وقد ابتدر هؤلاء الزعماء فى عبادة الأصنام، وقد استحسنوا أقاويل الشيطان وانصرفوا إلى الوثنية وتقديس الأصنام بعد أن تركوا قراءة صحف إبراهيم جانبا. أول من اعتنق عبادة الأصنام من بنى إسماعيل: أول من اعتنق الوثنية من بنى إسماعيل هو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الأرذل. إن هذا المنحط قد اتخذ الصنم الذى يطلق عليه «سواع» إلها وحمل قومه الذين يسكنون على بعد ثلاثة أميال من مكة المعظمة على تقديسه وعبادته، واستمرت ضلالة هذه القبيلة التى تعبد سواع إلى بزوغ شمس الإسلام فى عصر السعادة. وقد كلف عمرو بن العاص فى العام الثامن من الهجرة النبوية بهدم وتحطيم معبد أصنام هذيل، وقد نال الأجر والثواب بأداء عمله على أحسن وجه. كان فى عصر السعادة لبنى سليم صنما يسمى: سواع يقوم بسدانته (غاوى بن عبد العزى) بينما كان غاوى بن عبد العزى جالسا يوما بجانب ذلك الصنم المنحوس جاء ثعلبان قافزين متواثبين، وصعدا فوق الصنم الذى تتعبد له قبيلة بنى سليم ورفعا رجليهما وبالا فوق رأس الصنم، ووسخا الصنم العظيم (سواع) ولطخاه. وأنشد غاوى إذ رأى هذه الحالة:

стр. 369

أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب وخاطب بنى سليم قائلا أقسم بالله أن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر. ثم كسر سواع وجعله ألف قطعة، ثم توجه إلى المدينة المنورة حيث أسلم أمام النبى- ﷺ -وحينما مثل غاوى أمام النبى- ﷺ -استهجن اسمه، وسماه «أرشد بن عبد ربه» وظل اسمه أرشد بعد ذلك. من المخذولين الذين تركوا دينهم عظيم من عظماء قبيلة قضاعة وهو «كلب بن وبره بن تغلب بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة»،وكان رجال القبيلة المذكورة يسكنون فى بلدة «دومة (١) الجندل» حتى حلول السنة المذكورة ويمضون أوقاتهم فى عبادة «ود» الذى اختاره لهم كلب بن وبره إلها لهم. إن «ود» الذى اختاره بنو قضاعة إلها لهم-كما سبق ذكره-نحت على شكل رجل ضخم الجسم، بقدر لا يتصوره الإنسان، وقد ألبس طبقتين من الثياب وعلق على عنقه سيفا وقوسا. إن قضاعة كان أبا لقبيلة كبيرة وإليه نسبت جماعات قبائل قضاعة، ويتصل نسبه ب «حمير» بن سبأ فى الدرجة السادسة. وكان لأبى وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة تسعة أبناءهم: «خافى، عمرو، سليم، وبره، جرم، ملوان، أشجع، سعد، قدامة» وأحفاد هؤلاء أصبحوا فيما بعد ملوكا آباء قبائل. وقد نصب ابنه الرابع «وبره» خيامه فى «دومة الجندل» حيث استقر، وبعد موته خلفه ابنه-سالف الذكر- كلب والذى اعترف بألوهية «ود» وعاش حياته متعبدا له مع أتباعه البؤساء البلهاء. ومن الأراذل الذين تركوا دينهم الشقى الذى اشتهر باسم «أنعم» من قبيلة طئ، وقد اتخذ هذا البائس صنما يطلق عليه «يغوث» إلها له وكان هذا سببا فى اتخاذ الناس هذا الصنم إلها لهم إلى سنة فتح كعبة الله.

стр. 370

وقد اتخذ هذا الصنم أهالى جرش من قبائل طئ ابن آدد بن مزحج بن آد إلها لهم وعبدوه. والجرش اسم مقاطعة فى اليمن كان يسكنها بنو مزحج الذين اتخذوا الصنم المنحوس «يغوث» إلها لهم وعبدوه. وقد اتخذ سكان حولان صنما يسمى «غم أنس» إلها لهم وحولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وفى رواية حولان بن عمرو بن برة بن آدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبائك وعلى قول آخر حولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مزحج بن آد، كانوا يسكنون فى البلاد التى أطلقب عليها حولان. أن سكان هذه البلاد قد أخلصوا فى العبادة ل «غم آنس»،حتى إنهم كانوا يعتقدون أن البركة والنماء سينقطع عنهم إذا لم يخرجوا سهما من حيواناتهم ومحاصيلهم ويقدموه إلى هذا الصنم. من الذين يعبدون الجمادات هم قبائل همدان التى تسكن أرض (همدان) (١). همدان: على وزن سكبان، اسم قبيلة يسكن أفرادها فى صحراء «همدان» فى الخيام، وكانوا يعبدون صنما كبيرا نصبوه فى قرية على شكل «حيوان» يقال له «يعوق» واستمروا فى التعبد له إلى قرب ظهور نور النبوة. وكانت قبيلة ذو الكلاع فى مكان يطلق عليه حمير من أرض اليمن وتتعبد لصنم يطلق عليه «نسر». حمير على وزن درهم اسم موقع على الجانب الغربى من صنعاء اليمن. وكان سكان هذه المنطقة وما حولها يعبدون صنما منصوبا فى مكان يسمى «بلخ» من أرض سبأ ويطلق عليه «نسر». وكان أهل اليمن وحمير يعبدون «نسر» ويترددون كذلك على معبد الأصنام الذى يطلق عليه «رثام» فى صنعاء اليمن. وخلاصة القول أن العرب فى الجزيرة

стр. 371

كانوا يتخذون فى أسفارهم صنما كإله لهم، كما كانوا يوجدون فى بيوتهم أصناما وكانوا يزورونها ويتذللون لها حين خروجهم للسفر أو عودتهم منه وإنهم كانوا لا يعودون إلى بيوتهم قبل زيارة بيت الأصنام، ويتذللون لها ويظهرون خضوعهم لها بعد رجوعهم من السفر. فى تلك الفترة التى خلت من الرسل كان بعض أفراد قريش يتعبدون لهبل الذى جلبه «عمرو بن لحى» من أرض البلقاء ونصبه فى داخل الكعبة، والآخرون يتعبدون لإساف ونائلة المنصوبين بالقرب من الكعبة المعظمة وبئر زمزم، وكانوا يطوفون حولهما ويذبحون لهما القرابين. ويقال إن «إساف» المنصوب بالقرب من بئر زمزم بن بقى أو يعلى أو بغا أو عمرو من طائفة الجراهمة و «نائلة» هذه بنت ديك أو زيد بن جرهم أو سهيل أو ذئب أو عمرو بن ذئب من أقوام قطورا. وبناء على قول منقول عن عبد الله بن عباس-رضى الله عنهما-أن إساف ونائلة أحبا بعضهما فى أرض اليمن، وحينما كان الجراهمة على ضلال خرج العاشقان إلى طريق مكة المكرمة بغية الحج، وحينما وصلا إلى مكة وجدا الكعبة الشريفة خالية من الناس وارتكبا جريمة الزنا فى داخلها، وكان جزاؤهما لحكمة ما أن تحجرا. وأخرج أهل مكة هذين المتحجرين خارج الكعبة، وركزوا إساف على جبل الصفا، ونائلة على جبل المروة، ترهيبا للذين يفكرون فى ارتكاب مثل هذه الجريمة وتشهيرا لهما، وبعد فترة نسى سبب تحجرهما، وفى نفس الوقت تولى رئاسة حكومة الحجاز عمرو بن لحى، وصدق بين العرب ألوهية هبل، فما كان من عمرو إلا أن وضع واحدا من الصنمين بجانب الكعبة الشريفة، والآخر بالقرب من بئر زمزم، أى وضعهما بين الكعبة الشريفة وبئر زمزم اللطيفة، وأمر الناس بعبادتهما وتقديسهما. وأخذ عرب الجاهلية منذ تلك الأوقات يتعبدون لهما، ويضعون الهدايا الواردة من الأطراف والأكناف بين إساف ونائلة متبركين بهما، وكانوا يبدءون بالطواف من إساف وينتهون عند نائلة، وكان من عاداتهم أن يقبلوا الصنمين عند بدء الطواف والانتهاء منه.

стр. 372

وقد نزلت الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ (البقرة:١٥٨). عند ما كره أهل الإيمان الطواف بينهما، نزلت للتبيان أنه لا حرج من السعى بين الصفا والمروة، وفى يوم الفتح كسر هذين الصنمين، وجعلا جزازا مثل سائر الأصنام التى كانت موجودة فى أطراف الكعبة المعظمة. إن بعض قريش من أحفاد وأبناء ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر كانوا يتعبدون لصنم كان يقال له: «سعد الصخر» وعمرو بن حمة من أولاد أوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأسد بن الغوث وقبيلته كانوا يتعبدون مع قبائل خثعم وبجيلة لصنم كائن فى أرض دوس ويسمى «ذو الخلصة» (١) كما كان يتعبد بعض الجماعات من قبيلة بنى كنانة وطائفة من قريش لصنم كائن خارج مكة المعظمة فى بطن نخلة يطلق عليه «عزى» الذى هيأه للعبادة سعد بن ظالم، وقد أسند سدانة البيت الذى توجد فيه عزى إلى بنى شيبان الذين ينتهى نسبهم إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. قال بعض المؤرخين الذين عرفوا «عزى» إنها شجرة عظيمة (٢) وقال الآخرون إنه بيت أصنام، وقال قسم منهم إنها صنم كبير (٣). يقول الذين يدعون أن عزى «شجرة عظيمة» أن سعد (٤) ابن ظالم رئيس قبيلة بنى غطفان ذهب يوما إلى مكة، وأخذ يطوف بالبيت المعظم وبعد الطواف رأى أهالى مكة يسعون بين الصفا والمروة، فحسدهم على ذلك فأخذ من ساحة المسجد الحرام ثلاث قطع من الحجارة، كما أخذ من جبلى الصفا والمروة من كل

стр. 373

واحد منهما حجرا، ورجع إلى موطن قومه بنى غطفان فى بطن نخلة وركز الحجر الذى أخذه من الصفا فى مكان، كما ركز الحجر الذى أخذه من المروة فى مكان آخر، وأسند الحجارة التى جمعها من ساحة البيت الحرام على شجرة بينهما، ثم جمع قومه وخاطبهم قائلا: «يا قومى! إن أهل مكة يطوفون حول الكعبة كما إنهم يسعون بين الصفا والمروة، وإنهم اعترفوا بألوهية الكعبة والصفا والمروة وأقروا بها، ثم أشار إلى الحجارة التى جلبها من مكة وقال فليكن لنا واحد من أحجار الصفا والأخرى من المروة، وهذه الشجرة كعبتنا فلنتخذ هذه آلهة لنا ونطيعها». وهكذا حمل أهل غطفان على عبادة هذه الحجارة، وقد استحسن أهل غطفان رأى سعد وأسندوا سدانتها إلى بنى شيبان من أولاد «سليم» بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. وقد استمرت عبادتهم لها إلى عصر النبوة. وقد أقاموا مبان حول هذه الشجرة وهكذا أصبحت الشجرة يظللها السقف وكانت هذه الشجرة من فصيلة نمرة وكان أهل غطفان يخلصون لها العبادة، إذ يستمعون إلى أقوال الجن الذى حل فى داخل الشجرة. وبناء على هذا التعريف أن «عزى» بيت للصنم أقيم فوق شجرة من فصيلة «نمرة» وفى موطن قبيلة بنى غطفان، وعلى قول آخر إنها فى مكان آخر، وهى عبارة عن بناء أقيم فوق ثلاث أشجار كبيرة. وكان الذين يتعبدون لها يسمعون منها أصواتا مختلفة. وقد كلف سيدنا خالد بن الوليد بقطع هذه الشجرة وقلعها، وفى أثناء قيام خالد بمهمته خرجت من داخل «عزى» عجوز شمطاء قبيحة المنظر، مبعثرة الشعر عارية، وأخذت تشد شعرها، بينما أخذ خادم البيت يصرخ ويولول إلا أن سيدنا خالد عجل بقتل العجوز، وقلع الشجرة من جذورها وهكذا محاها من الوجود. وكان فى ذلك الوقت معبود بنى ثقيف الذين يقيمون فى الطائف صنما يقال له «مناة» وكانت قبيلة بنى ثقيف تقوم بخدمتها.

стр. 374

مناة- كانت مناة معبود الجماعات التى تقيم حول مكان يسمى قديد الذى يقع على الجانب البحرى من جبل «مشلل»،كما كان يعبدها أهل يثرب وقبائل الأوس والخزرج الذين عرضوا تبعيتهم لسكان قديد. مشلل- على وزن معظم اسم جبل ويهبط إلى قديد المذكور من هذا الجبل. وبناء على قول آخر أن مشلل اسم مطلع مقابل قديد وإن الصنم المذكور كان منصوبا فوق المطلع (١). وعلى قول آخر أن مناة صخرة عظيمة كان يعبدها قبائل هذيل وقضاعة وأقوام من بنى ثقيف يزورونها ويطوفون حولها ويتقربون لها بالذبائح (٢). قد حطم هذا الصنم سعد بن زيد الأشهلى فى سنة الفتح وخربه. وظهرت من بطن مناة عجوز شمطاء سوداء الوجه، عارية الجسد، وأخذت تقتلع شعرها تصرخ وتنوح وتدق صدرها، وقتل سعد هذه العجوز، وحطم الصنم ألف قطعة. وعند البعض أن مناة واللات والعزى كانت فى داخل الكعبة المكرمة، كما أن هبل كان داخل مخزن الهدايا لبيت الله مثل ما سبق ذكره عدة مرات. لات: اسم فاعل من لت السويق، كان من عادة العرب فى الجاهلية وفى مواسم الحج لتّ السويق بالماء والسمن، ويخلطونه وينضجونه ويقدمونه للحجاج وكان اللات صورة هذا الرجل الذى اعتاد أن يقدم السويق للحجاج. وبما أن هذا الرجل قد اتخذ لنفسه صنع السويق مهنة له أطلق عليه اللات. وفيما بعد صنع أحد رؤساء قبيلة بنى ثقيف صورة لهذا الرجل وأخذ يتعبد لها مع أفراد قبيلته. إن الرواية التى تقول إن بنى ثقيف قد اتخذوا الصنم الذى أطلق عليه اللات إلها لهم هى أصح الأقوال.

стр. 375

وهناك رواية أخرى تقول: إنه لم يكن صنما، إذ كان هناك حيث يسكن بنو ثقيف فى الطائف صخرة (١) وكان رجل غنى قد فتح محلا فوق هذه الصخرة، يبيع فيه سمنا، وفى مواسم الحج كان يصنع سويقا ويخلطه بالسمن الذى يبيعه، ويطعم به الحجاج. وبما أن هذا الرجل كان يلت السويق فوق هذه الصخرة أطلق عليها اللات. وبعد فترة ترك الرجل تجارته، وهجر الصخرة إلا أن عمرو بن لحى الملحد صحب بنى ثقيف إلى الصخرة، وقال لهم: إن الشخص الذى كان يصنع السويق ويطعم به الحجاج قد دخل فى هذه الصخرة، ومن هنا يجب أن نتعبد لها، وتلقى بنو ثقيف قول عمرو باستحسان وأخذوا يتعبدون لها. وكان عمرو بن لحى يخدع بنى ثقيف قائلا: يا بنى ثقيف إن ربكم يبعث البرودة إلى الطائف بواسطة اللات، كما يرسل الحرارة إلى تهامة بواسطة العزى. وعند البعض أن لاة مخففة من إله، وفى زعم بنى ثقيف أن اللاة وسيلة للتقرب إلى الله. وكان مشركو العرب يطلقون «اللاة» بمعنى الاحتجاب أو الارتفاع على كل صنم، وعلى هذا الاعتبار يعنى به المعبود. سواء أكانت اللاة المناة أو العزى أو الأصنام التى كانت عند زمزم المكرم. إساف ونائلة كلها كانت من معبودات العرب الباطلة فى الجاهلية، ومعبودات أهل مكة وقد حطمت بتمامها يوم فتح مكة، وعند توسيع الحرم الشريف ترك كبيرها خارج باب السلام تحت موطئ الأقدام (٢). ومما يروى، أنه عند فتح مكة-اليوم المؤلم للمشركين-وجد خارج كعبة الله وداخلها ثلاثمائة وستون صنما، وكان كل صنم موضوعا فوق قاعدة مصنوعة من النحاس الأصفر.

стр. 376

إن قائد الأنبياء-عليه أقوى التحايا-أشار بأصابعه الشريفة إلى كل صنم فوقعت كلها على الأرض، وتحطمت أجزاءها، وكان كلما أشار إلى وجه صنم وقع على ظهره وكلما أشار إلى ظهره وقع على وجهه. عند ما حطمت نائلة-خرجت من جوفها عجوز دميمة سوداء الوجه عارية، وأخذت تنوح وتولول، وقال سلطان الدين-عليه سلام الله المعين-مخاطبا أصحابه ومشيرا إلى العجوز-هذه هى نائلة الى يتعبد لها المشركون، وإنها تنعى نفسها وتبكى لأنها لن تعبد بعد اليوم. قد جمع الإبليس الأكبر-ولم يستطع صبرا على ما جرى-وأخذ يصرخ بحرقة حتى جمع أتباعه الشياطين حوله. إخطار: ينقل أن الشيطان قد صرخ وبكى وصاح مرتين قبل هذا-أول مرة عند ما لعن من قبل الرحمن، والمرة الثانية عند ما صلى النبى- ﷺ -أول مرة. ومما يروى عن الإمام الشافعى-رضى الله عنه-أن الشيطانين اللذين نالا شرف الإيمان: أحدهما قرين نبىّ آخر الزمان، والآخر ملازم نوح ﵉ (١). معلومات خاصة بالجن والشياطين من الوجهة الأولى إلى هذه الصفحة كتبت بحوث وحكايات-كلما جاءت المناسبة-عن الجن والشياطين وكان بعض الجن يحلون فى الأصنام والأوثان ويخبرون على لسانها بأخبار الغيب التى يطلعون عليها بالاستراق إلى الملأ الأعلى. يخبرون أهل الجاهلية الذين كانوا يتعبدون للأصنام، وحتى نؤيد هذا الادعاء سردنا هنا بعض الحكايات المروية والموثوقة، كما ذكرنا وقيدنا بعض الأبيات والفقرات المسجوعة المسموعة من الأصنام، ولا حاجة إلى إثبات وجود الجن والشياطين لأصحاب الفضل والإيمان.

стр. 377

ولأن كتاب «مراة الحرمين» قد يقع كذلك فى أيدى العوام من الناس، رأيت وجوب إيراد معلومات خاصة بالجن والشياطين فى هذا المقام. فيا أيها القراء الكرام!! لا تعجبوا من وجود الجن والشياطين وما ينسب إليهم من أقوال، فقد ورد ذكر الجن والشياطين فى القرآن الكريم، كما رويت أشعار نسبت إلى الأصنام، وأخبر صحابة النبى الكرام بما روى من أشعار وأسجاع هاتين الطائفتين من المخلوقات لأن لهما القدرة على التشكل فى هيئات مختلفة، ويتكلمون بكل اللغات، ويقلدون البشر فى أصواتهم كما أنهم يضلون الناس عن سواء السبيل، وبين قبائلهم وعشائرهم نزاع وصراع وحروب، وكانوا يسترقون السمع إلى عهد النبى ﷺ ثم منعوا من ذلك. ومما جاء فى كتاب (اليواقيت والجواهر) لعبد الوهاب الشعرانى: «إن وجود الجن ثابت بالقرآن الكريم والكتب المنزلة الأخرى، ويصدق من الخلف إلى السلف، وإن هذه الطائفة مخلوق ناطق يأكلون ويشربون ويتزوجون ويلدون». ويقول الشيخ أبو طاهر القزوينى: «إن ما يدل على وجود الجن تخيل الناس آثارهم الخفية، وينكر المعتزلة وجود الجن، ويقولون إن الجن هم دهاة الناس، كما أن الشياطين هم المردة من الناس، وأولوا ما جاء فى القرآن الكريم عن وجود الجن وأوصافهم». سؤال: من كم أصل يتكون المخلوقات عامة؟ جواب: يتكون الخلق من أربعة عناصر وفق قول الإمام الماوردى. وهى: الماء، التراب، الهواء، والنار. المخلوقات الخفية من الهواء والنار، والمخلوقات الظاهرة من الماء والتراب. والنار، كما هو معروف، تتكون من الغور واللهيب أو الشعلة والدخان، والنور ضياء محض والدخان ظلام محض، والشعلة مارج متوسط -يعنى شر محض- وبما أن الله- -خلق الجن من مارج من النار فهو ينتسب إلى الملائكة من الناحية النورانية، كما ينتسب إلى الشياطين من ناحية الظلمة

стр. 378

والدخان، ومن هنا كان من الجن من هو مطيع ومن هو عاص، ومن هو مؤمن ومن هو كافر، وقد ورد فى القرآن الكريم: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر:٢٧) وقد اختلفوا فى هذه النار ولذا قال بعضهم إنها نار الشمس، وقال الآخرون إنها نار البرق. لننتقل للبحث عن إبليس: هل إبليس من الملائكة؟ أم هو من الجن؟ وقد اختلف فى هذه المسألة أيضا. بناء على رأى فريق أن إبليس كان من طائفة الجن التى استكبرت على وجه الأرض وعصت، وقد سل الملائكة سيوفهم وأسروا إبليس وساقوه إلى السماء وبهذا دخل فى زمرة الملائكة وإذا ما قلنا إن إبليس من الجن والملائكة نكون قد أصبنا الحقيقة الآن. وبناء على قول فريق آخر إن إبليس من حيث الفعل من الجن ومن حيث النوع من الملائكة، فهو من ناحية فعله من الكفار. يقول الإمام الماوردى فى كتابه المسمى (النبوة) وهو ينقل أقوال المنكرين: «إن خالق الكائنات خلق سكنة البحر والبر مثل الإنسان والنعامة والحيوانات المفترسة والطيور العادية والحشرات من الماء والطين كما خلق الحيوانات التى تعيش فى داخل الماء مثل الضفدع والسمك من نباتات الماء وأن هذه الأجناس الأربعة التى خلقت من أربعة من أصول صاعدة مثل الملائكة والجن فهم الصاعدون، واثنين من الأصول الأربعة هابطة مثل حيوانات البر والبحر فهى من الهابطة. وقد اعتذر الإمام الماوردى عن نقله هذا الكلام قائلا: «إن ما ينقله ليس من رأيه ولكن هدفه من نقل هذا الكلام أن يفحم خصمه ويسكته بنقل ادعائه وكلامه». وقال الشيخ أبو طاهر-﵀-مرة أخرى: إن هؤلاء الجن عند ما تكتمل صورتهم تزول صورتهم الأصلية بالقدرة الإلهية، يتشكلون بشكل آخر لا يشبه صورتهم الأصلية.

стр. 379

كما أن الإنسان قد تحول إلى لحم وعظم وبشرة بعد أن غابت عنه صورة الماء والطين والتراب، وكما اختلفت أشكال الحيوانات المفترسة والطيور والحيوانات الأخرى، وتشكلت بأشكال متغيرة كذلك زالت من الملائكة والجن والشياطين صورة الهواء، وداخلهم مكون من مصنوعات العالم-جل شأنه-إلى أشكال وهيئات لطيفة خاصة بهم لذا يطلق عليهم المخلوقات الروحانية. إن المخلوقات الروحانية تتميز بعضها عن بعض بأشكال لطيفة خاصة بكل نوع؛ إلا أنه لا يعرف هيئاتهم إلا خالق العالم- -إذ يقول: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ (المدثر:٣١).إن تشكل المخلوقات الروحانية ودخولهم إلى صور متنوعة نستطيع أن نشبهه بتغيير ملابسنا. وإن هذه المخلوقات الروحانية تمر فى هواء الجو مثل علائم السماء المخضرة المحمرة أو المصفرة أو ألوان أخرى مختلفة. كما أن «عبد الله بن عباس» بينما كان جالسا فى المسجد النبوى الشريف مع والده رأى بمفرده صورة الرسول- ﷺ -مع جبريل، ولما أخبر الرسول- ﷺ -بذلك أخبره أنه سيصيبه العمى ولكنه سيتفقه فى أمور الدين ويتفوق فى التأويل والتفسير. إن الله- -قد قدر لهذه المخلوقات أوضاعا تستطيع بها أن تتشكل بصور مختلفة وقت ما تريد مثلما نحن نقدر أن نغير ملابسنا وقتما نشاء تغيير الملابس لنا وتغيير الصور لها. وكل موجود يتصرف بالشكل الذى قدر له فإن ملابسنا الثقيلة تتكون من الصوف والمنسوجات والحرير وملابس المخلوقات الروحانية تتكون من المنسوجات اللطيفة مثل الهواء والأشعة ومع ذلك فأجسام الملائكة والجن أخف من الهواء وأرق منه. وعند ما يريد الله- -أن يرى لنا الملائكة والجن يجعل للهواء كيفية خاصة ويأمر الملائكة والجن أن يتشكلوا بالشكل الذى يريدونه فيشاهدهم الناس حينئذ على الشكل الذى تشكلوا به. قال الله-تعالى-فى حق الملائكة: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (الأنعام:٩).

стр. 380

وإن كان من المستحيل أن يتحول الملك فى الحقيقة إنسانا ولكنه يدخل فى شكل الإنسان بواسطة الهواء، لأن الهواء إذا تكاثف مثل السراب يمكن رؤيته. وإذا قيل ما معنى قول الله-تعالى-: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف:٢٧).يجاب بأنه لا يمكن رؤية الجن على شكله الذى خلقه الله ؟ ولكن يمكن رؤيته على شكل الكلب أو الهر بل إن رؤيته على هذا الشكل هو ما يحدث فى أكثر الأوقات. تفضل الشيخ الجليل وقال: «إن واحدا من الجن وجه إلى سبعين سؤالا خاصا بالتوحيد وطلب منى الإجابة بعد أن تشكل على شكل فصيلة الكلاب التى تسلم من الدنس وحدث ذلك فى ليلة من الليالى وقد غسل فرش المسجد الجامع بالماء والطين وطهره ظنا منه أنه كلب حقيقى». قد أجبت على أسئلة الجن فى تأليفى اللطيف المسمى ب «كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان». وإذا ما قيل «هل سيحتجب الجن منا فى الجنة أيضا؟» يجاب عليه: بأن الأمر سينعكس فى الجنة كما أننا لم نرهم فى الدنيا وهكذا لن يروننا فى الجنة من حيث نراهم نحن كما أن بعض الخواص منا يراهم فى الدنيا وهكذا سيرانا بعض الخواص منهم». سؤال- هل تتغير أصواتهم وفق تغير أشكالهم أم تظل أصواتهم الأصلية دون تغيير؟ جواب- تتغير أصواتهم وفق الشكل الذى يتشكلون به إنسانا كان أو بهيما أو حيوانات أخرى. سؤال- إذا ما تشكل الجن بصورتنا هل يستطيعون أن يتلفظوا بكل الحروف كما نتلفظ نحن؟! جواب- تطابق بعض حروفهم حروفنا بينما تخالف بعض حروفهم حروفنا عند الحديث لأن أجسامهم اللطيفة لا تتحمل الحروف الغليظة والصلبة التى نلفظها.

стр. 381

سؤال- كيف نستطيع أن نفهم كلامهم ناقص الحروف؟ جواب- إنهم لا يتحدثون بحقيقة حروفنا بل بالحروف المماثلة لها، فإذا تكلموا بحقيقة حروفنا وأنقصوا حرفا من كلامهم لما فهم منهم شيئا. سؤال- هل يستطيعون الحديث بكلامنا وهم متشكلون فى صورة غيرنا؟ جواب- لا يستطيع أى مخلوق روحانى أن يقوم به إلا إذا كان شيئا خارقا للعادة. سؤال- قيل فيما سبق «خلق الجن من مارج من نار» والمارج معناه المختلط ما كنه هذا الاختلاط؟ جواب- المارج «نار تحتوى على مواد رطبة ومن هذه ينشأ اللهيب والشعلة اشتعال الهواء لذا تحتوى على الرطوبة. سؤال- الشياطين هم المردة والأشقياء من الجن فلم يدخلون فى كلمة الجان اسم الجنس؟ جواب- إن سبب دخول الشياطين فى اسم الجنس لأن الجان مخلوق بين الإنسان والملائكة. والجان مخلوق عنصرى وهذا هو علة تكبره-لو كان خلق طبيعيا خالصا لما تغلبت عليه طبيعته العنصرية ولظل دون تكبر مثل الملائكة. الجان مخلوق برزخى فى نشأته. فهو يحتجب ويتشكل فهو أقرب إلى الأرواح النورية لاحتوائه على لطافة النار من جهة كما أن له وجهة أخرى عن طريق النيابة فهو من عنصر الرماد كما أشار إليه الإمام الماوردى ﵀. ويجرى الشيطان فى جسم الإنسان مجرى الدم، ولكن الإنسان لا يشعر به، لو لم ينبهنا لذلك النبى- ﷺ -لظلت ملابسة الشيطان لنا وإلقائه الوسوسة فى صدورنا مجهولا لدينا. إن الشياطين لا يظهرون لنا إلا فى حالة تجسمهم إلا أنهم أكثر قدرة على الاستتار من الجان. سؤال- ما الفرق بين الجسد والجسم؟

стр. 382

جواب- هناك فرق بين الجسم والجسد: والجسم يرى عادة، فهو إما لطيف لا يرى وأما شفاف أو كثيف. وأما الجسد فهو حالة المخلوقات الروحانية حينما تظهر فى اليقظة بالأجسام. وبعض الأجساد تظهر فى صورة تشبه الأجسام فى شعور النائم ومع هذا كل ما ذكر ليس أجساما بذاته ونفسه. سؤال- هل صورة الجن أو الملك هى عين صورتهما عند ما يظهران ويشاهدان؟ جواب- نعم إن الملك والجن هما حقيقة نفسيهما كما أن الكلام المكون من الحروف والأصوات فى الحقيقة كلام الله. قيل لأحد الناس عرّف الجن فقال: «إن الجن حيوان ناطق هوائى». سؤال- هل هناك من الجن من لا يصدق القسم الذى يحلفه الإنسان بأسماء الله تعالى الحسنى؟ جواب- نعم يصدقون جميع الأيمان التى تحلف بأسماء الله-بخلاف الإنسان -إذ ليس بمقدورهم ردها. يقول الشيخ أبو طاهر «إن الجن لا يتخابر ولا يجاوب إلا بالرقى إذا ما قرئت رقية على مجنون فكأنك تلقى على الجن شعاعا من الشمس فيضطر إلى الطاعة وتمنعه من العصيان. قد سخرت لسيدنا سليمان-﵇-الريح كما سخر الجان. إن الجان مخلوقات بالغة اللطف والدقة والرقة والخفاء حتى إذا اختلطت بالفضة المذابة فى البوتقة فتسبب الرجرجة والاضطراب كما يسبب للإنسان الذى يحل فى جسمه. وعند ما تقرأ الرقى على مجنون يزعجونه وهذا ثابت بالحديث الشريف الذى يخبرنا بأن «الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم». سؤال- ما الدليل على أن الجن مكلف بالإيمان؟ جواب- الدليل هو قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (الأحقاف:٢٩).

стр. 383

وقد رأى النبى- ﷺ -سبعة نفر من الجن تحت نخلة ثم خط خطا حول عبد الله بن مسعود وأمره بألا يخرج من هذه الدائرة. يقول عبد الله بن مسعود-رضى الله عنه: «قد استمعت إلى نبى الإنس والجان- ﷺ -وهو يحاكمهم ويفصل منازعاتهم كما سمعت أصواتهم». ثم علمهم النبى- ﷺ «سورة الرحمن» كما جاء فى كتب التفسير وأمرهم بأن يؤدوا الصلاة. سؤال- هل هناك دليل على دخولهم الجنة؟ جواب- نعم يدخلون، فقد سئل ابن عباس مثل هذا السؤال وبعد ثمانية أيام من البحث والتدقيق أجاب أن قول الله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ (الرحمن:٥٦).دليل على دخول الجن فى الجنة. قال الضحاك: إن الجن يدخلون الجنة ويجازون وفق أعمالهم مثل الإنس. وقال «سفيان» إنهم سينجون من النار بثواب إيمانهم ولكنهم سيمتثلون لقول الله- تعالى لهم «كونوا ترابا». وبناء على قول الشيخ أبى طاهر أن أكثر الجن لا يعتقدون فى البعث كما جاء فى الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ (الجن:٧). سؤال- هل سيظل الجن ممنوعا من استراق السمع منذ بعثة النبى- ﷺ -إلى يوم القيامة؟! أم المنع لوقت معين؟ جواب- الحقيقة أنهم سيمنعون إلى يوم القيامة، وبما أن الشهب تحرقهم عن الاستراق لذا لن يستطيعوا أن يخبرونا بأخبار الغيب. سؤال- ما حقيقة الشهب؟ جواب- هناك قولان فى هذا الخصوص: ١ - أنّ الشهب نور بعد ما يحرق بشدة نوره الجن، يعود إلى مكانه ثانيا. ٢ - أنّ الشهب نجوم، تنزل من تحت السماء فتحرق الجن ولا تعود.

стр. 384

سؤال- هل إبليس أبو الجن كما يروى فى أقوال الناس؟ جواب- ليس إبليس أبا الجن. بل وجد الجن قبل إبليس ولكن إبليس أول العصاة. سؤال- ما مدى قدرة إبليس؟ جواب- عمل إبليس هو أن يأتى الناس من حيث لا يشعرون ويهلكهم أو يلقى فى قلوب الناس الوسواس بحيث ينقص منزلة الناس عند الله، وإبليس لا يستطيع أن يؤثر فى عباد الله المؤمنين الأتقياء ولا أن يتسلط عليهم كما بينه الله- -ولكنه يتسلط على الغافلين عن وحدانية الله ومن يشركون به. إن الذين يتجنبونه ويحذرونه ولا يتبعونه ينجون من دسائسه وكيده. وما أعظم دسائس إبليس وما أشدها وأكثرها فإذا ما انصرف الإنسان عن دسيسة من دسائسه فإنه يأتيه من طريق آخر ويسلك جميع السبل ليحمل الإنسان على اتباع طريق العصيان. ومن جملة دسائس إبليس أنه يحمل للناس كشوفا صحيحة وعلوما تامة ويحاول أن يخفى الذى يقوم بهذا العمل، ومن إحدى دسائسه أنه يكشف للناس معاصى الآخرين ويهتك خفاء الأشياء ويظهر عورات الناس والشخص الذى يطلع على مثل هذه الأحداث يظن أنه وصل إلى درجة عظيمة من الفراسة دون أن يعرف أنها عطية الشيطان له وقد أصبح الشيطان سمعا له وبصرا. إن مثل هذا العبد يجب أن يبادر بالتوبة حتى لا يكون من الهالكين. ومن دسائس إبليس الخفية لأكثر الأولياء. هو الظهور فى قلب الولى وأن يدخل حيث يتوجه إليه بالتضرع والابتهال فيدخل العرش حينا والكرسى حينا والسماء حينا آخر. وإذا كان فى علم الله أن ينجى هذا العبد عرّفه أن كل هذه من حيل الشيطان، وهكذا يخيب إبليس فى سعيه ويضيع وقته سدى أما إذا لم يحفظ الله- -عبده هذا-نعوذ بالله-فيكون من الهالكين.

стр. 385

سؤال- هل يتسلط الشيطان لظاهر الإنسان أو لباطنه؟ جواب- إن شياطين الجن يتسلطون لباطن الإنسان بينما يتسلط شياطين الإنس لظاهره وباطنه وإذا ما وقع إغواء أو وسواس لظاهر الإنسان من قبل شياطين الجن إنما يقع بناء على إذن من شياطين الإنس. سؤال- هل عداوة الشيطان أكثر شدة لأبى البشر أم لذريته؟ جواب- عداوة الشيطان أكثر لبنى آدم، لأن بنى آدم خلقوا من ماء والماء ضد النار واليابس يجمع بين آدم وإبليس، فقد خلق أحدهما من التراب والآخر من النار واجتماع التراب مع النار ليس كاجتماع الماء والنار. لأجل ذلك صدقه عند ما أقسم أنه كان ينصح آدم ولكن الأنبياء ذوى الشأن لم يصدقوه لأنهم خلقوا من مادة مضادة للمادة التى خلق منها الشيطان. وقد سلحنا الله- -بعلامات تقوم مقام «البصر الظاهر» وأودعها فى قلوبنا بواسطة الشرع الشريف حتى نقاوم هذا العدو الشرس كما جند الملائكة فى عالم الغيب لحراستنا. سؤال- يخبروننا أن هناك نوعا من الشيطان ليس بإنس ولا جن، هل هذا الخبر صحيح؟ جواب- نعم إنه صحيح. إن الشيطان فى جميع أحواله شيطان-صحيح، أن الشيطان فى جميع أحواله شئ حسى ويمكن أن يكون معنويا أيضا. وهذا يحدث عند ما يجتمع أباليس الجن مع شياطين الإنس ويتحاورون ويتشاورون فيما بينهم عندئذ يظهر شيطان جديد معنوى. سؤال- ما الفرق بين هؤلاء الشياطين الثلاثة؟ جواب- إن شياطين الإنس أو الجن يفتحون أبوابا فى قلوب العباد للتوجه لغير الله- -بوساوسهم، أما الشيطان المعنوى فيستنبط من هذه الوساوس شبهات وضلالات لا يستطيع أن يستنبطها لا إبليس ولا غيره.

стр. 386

ويتخذ الشيطان أحيانا جسما إنسانيا ويبذل جهده لإغواء الناس وإضلالهم، كما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ (ص:٣٤). والمثل على ذلك يأتى الشيطان ويحاول أن يخالف العبد أوامر الله وإذا ما رأى أن دسيسته لن تقبل، يغير طريقته قائلا: «إن الله- -لن يؤاخذك إذا فعلت كذا» محاولا خداعه، وإذا ما أحس أنه لن يفلح فى هذه الطريقة أيضا يقول بحسن نية «إنك إذا أحسنت ظنا بالله تعالى فهو لا يؤاخذك لأنك عبد الله سواء فى طاعتك أو عصيانك والله- -يصنع شيئا ويقدره». إن الشيطان يعلم جيدا أن المؤمن لن يعصى الله بدون تأثير خارجى كالتأويل والتزيين والوسوسة. لو كان المؤمن يعصى الله بدون وسوسة إبليس لما أوجد الله -الشيطان. سؤال- كيف يتناكح الجن؟ جواب- إن تناكح الجن يشبه تداخل الأدخنة المنبعثة من فرن للفخار، ويتلذذ الشخصان بتداخل بعضهما فى البعض ويشبه حملهم بتلقيح النحل ويتم بمجرد الرائحة. سؤال- هل للجن قبائل وعشائر مثل الناس؟ جواب- نعم لهم قبائل وعشائر. وقد قامت فيما بينهم حروب كبيرة. وما نعرفه ونراه من الأعاصير ما هى إلا أثر من آثار حروبهم، وأحيانا يسدون الطريق لهبوب الرياح فى أثناء حروبهم فتنتج عنه قيام الأعاصير المثيرة للتراب والغبار، ولكن ليس كل إعصار نتيجة لحروب الجن. سؤال- من الذى سمى أولا باسم الشيطان؟ جواب- أطلق على شخص اسمه الحارث. وقد عصى الحارث هذا ربه فطرده الله- -وتناسل الشياطين كلهم منه. ولكن من آمن منهم مثل «هامة بن الهام بن لاقيس بن إبليس» التحق بصنف الجن المؤمنين ومن ثبت منهم على الكفر ظلوا شياطين.

стр. 387

- حكاية: هناك كثير من الجن قد نالوا شرف اللقاء مع الأنبياء العظام-على نبينا وعليهم الصلاة والسلام-وبناء على رواية منقولة عن أنس بن مالك-رضى الله عنه- أن أحد الجن قد جاء إلى رسول الله- ﷺ -فى وضح النهار وطلب منه أن يتفضل بتعليمه القرآن الكريم. قال أنس-رضى الله عنه-وهو ينقل هذه الحادثة: كنا نتنزه فى يوم من الأيام بجوار المدينة المنورة مع النبى- ﷺ -فظهر أمامنا رجل عجوز وأقبل يسير نحونا وإذا به جن قد تشكل فى صورة إنسان. قد أخبرنى النبى- ﷺ -بأنه من طائفة الجن. ولما أتى إلى جانبنا بدأ حوار بينه وبين الرسول- ﷺ . الرسول- ﷺ :إن هذا السير سير الجن. الرجل العجوز: نعم يا رسول الله. الرسول- ﷺ :من أى جن أنت؟ الرجل العجوز: من هامة بن همام بن لاقيس بن إبليس. الرسول- ﷺ -إذن بينك وبين إبليس أبوان؟ الرجل العجوز: هو كذلك يا رسول الله. الرسول- ﷺ -ما عمرك؟ الرجل العجوز: قد أمضيت عمر الدنيا كلها-حينما قتل قابيل هابيل كنت بلغت بضعة أعوام وفى تلك الأوقات كنت أمضى أيامى بصيد البوم فوق الهضاب، وإفساد الأطعمة المطبوخة أو إثارة النزاعات بين الناس. الرسول- ﷺ -أقبح به من عمل!! الرجل العجوز: لا تلمنى يا رسول الله! إننى أسلمت أمام نوح-عليه السلام

стр. 388

-وتعرفت على هود-﵇-وصاحبت إبراهيم-﵇-فى المنجنيق ويوسف-﵇-فى البئر، وتشرفت بصحبة المسيح بن مريم- ﵇-وطلب منى عيسى-﵇-أن أبلغك سلامه. الرسول- ﷺ -﵇-ما طلبك منى؟ الرجل العجوز: قد علمنى موسى التوراة الشريفة وعيسى الإنجيل المنيف وأتمنى لو تعلمنى القرآن الكريم، وفى نهاية هذا الحوار تفضل فخر الكائنات ﵇ بتعليم العجوز القرآن الكريم، وبعد ذلك عاد العجوز بعد أن ودع الرسول ﷺ . - حكاية: عند ما أضاءت بعثة الباعث لخلق الكائنات-عليه وعلى آله أفضل التحيات- الأقطار الحجازية بالهداية والنور، سرت شرارة نار الفتنة والانشقاق بين سكان «أم القرى» وبين عربان البادية مما حمل الناس على نقل أمتعتهم من مكان إلى آخر وفى أثناء هذه الفوضى تشكل مسلمو الجن بأشكال مختلفة، وأخذوا يعلنون أن نبى الثقلين قد بعث وحاولوا أن ينشرو الإسلام. وقد أسلم خال الصحابى الجليل ربيعة بن أبى براء فى تلك الآونة فى صورة غريبة. ينقل لنا حضرة ربيعة بن أبى براء-رضى الله عنه-سبب إسلام خاله بصورة غريبة ويقول: عند ما ألبس السلطان الكريم السّير-عليه وعلى آله صلوات الله الأكبر-خلعة النبوة رأى خالى أخو أمى ثعبانا مخيف الشكل وأسلم من خوفه وعند ما حكى لى هذه الوقعة قال لى: بينما كنت أتنزه فى الحقول رأيت حية مخيفة وكانت تطارد ثعلبا ضعيفا فأردت أن أنقذ هذا الحيوان المسكين فأخذت من فوق الأرض حجرا إلا أن الثعلب وقع على الأرض فجأة وهلك. ولكن الثعبان أيضا قد قطع نفسه وكان الحجر الذى أخذته من فوق الأرض مازال فى يدى.

стр. 389

فقلت إن الثعلب المسكين قد مات من شدة خوفه من الحية. ولكننى لم أجد تفسيرا لموت الحية منقطعة إربا وهذا ما حملنى إلى تفكير عميق، وبينما أنا غارق فى حيرتى سمعت صوتا يقول: «ما أتعسك!! لأنك تسبّبت فى قتل نفس» وفى عقبه سمعت من ينادى: «يا داثر» فانتبهت واتجهت صوب الصوت الذى ينادى لأعرف ماذا سيكون رد داثر وفى ذلك الوقت ظهر داثر قائلا: ماذا هناك؟ وعندئذ تلقى داثر الأمر الآتى اذهب إلى بلاد بنى عذافرة (١) وأخبرنا عن مدى جرأة هذا الكافر وما الجناية التى ارتكبها فزادت حيرتى إذ سمعت الهاتف والجواب الذى تلقاه وزاد خوفى وفزعى فنظرت حولى فاضطررت أن أوجه الخطاب إلى جهة الهاتف الغائب إذ لم أجد ملاذا ولا ملجأ. فقلت-يا هاتف! أنا لم أقترف ذنبا ولم أقدم على جناية عمدا! فقال-كنت سببا فى قتل نفس. فقلت-لا علم لى بهذا! فقال-ولكن عندى علم بذلك. فقلت-أنا أعوذ برحمتك. فقال-ماذا تريد أن تقول؟ فقلت-اعف عنى. فقال-أفى الإمكان عفو كافر قتل نفسا مؤمنة؟ فقلت-أنا مسلم. فقال-إذن تكون قد نجوت. فقلت-أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال-نجوت، نجوت. ألا تستطيع أن تعود من حيث جئت، إن الحوار الذى

стр. 390

جرى بينى وبين الهاتف الغائب أدى إلى فائدتين، أسلمت ونجوت من الموت. وقد اهتز جسمى من الفرح وزادت حيرتى ودمعت عيناى، ولما أردت أن أعود إلى عملى إذا بى أتلقى الأمر الآتى «اركب الوحش بن الذئب واذهب حيث يسكن أبو عامر» فركبت الوحش الذى ظهر بجانبى وصعدت فوق الجبل العظيم الذى كان أمام طريقى وبعد مدة هبطت إلى الناحية الأخرى من الجبل، ولكن هنا ظهر أمامى فارسا وقال لى لا تتحرك، وسلم سلاحك. إن أمر الفارس الشديد قد أثر فى جسمى المضطرب وظننت أن حياتى قد قضى عليها، فاضطررت لتسليم سلاحى له. وقال الفارس بعد ما أخذ سلاحى. -من أنت. -أنا مسلم. -السلام عليكم. -وعليك السلام-فليجعلك الله- -فى ظل رحمة أبى عامر وحمايته. -ومن أبو عامر؟ -أنا أبو عامر. -معذرة، لم أعرفك. -لا بأس-بشرى لك!! لا مجال للخوف لأهل الإيمان فى هذه البلاد. -قد سرنى ما أخبرتنى به. -كنت راكبا فوق الجبل. لماذا بقيت الآن مترجلا؟ -أين ركابك؟ وهنا وقفت وانتبهت لنفسى وحكيت له كل ما جرى بالتفصيل فأخذنى من يدى وأوصلنى إلى مقر جماعة الهوازن (١) استودعنى هناك وعاد إلى بلده. انتهى. وكل هذه القصص تدل على صحة ما ينقل عن إسلام بعض الجن.
следующие страницы →