ويتخذ الشيطان أحيانا جسما إنسانيا ويبذل جهده لإغواء الناس وإضلالهم، كما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ (ص:٣٤).
والمثل على ذلك يأتى الشيطان ويحاول أن يخالف العبد أوامر الله وإذا ما رأى أن دسيسته لن تقبل، يغير طريقته قائلا: «إن الله- -لن يؤاخذك إذا فعلت كذا» محاولا خداعه، وإذا ما أحس أنه لن يفلح فى هذه الطريقة أيضا يقول بحسن نية «إنك إذا أحسنت ظنا بالله تعالى فهو لا يؤاخذك لأنك عبد الله سواء فى طاعتك أو عصيانك والله- -يصنع شيئا ويقدره».
إن الشيطان يعلم جيدا أن المؤمن لن يعصى الله بدون تأثير خارجى كالتأويل والتزيين والوسوسة. لو كان المؤمن يعصى الله بدون وسوسة إبليس لما أوجد الله -الشيطان.
سؤال- كيف يتناكح الجن؟
جواب- إن تناكح الجن يشبه تداخل الأدخنة المنبعثة من فرن للفخار، ويتلذذ الشخصان بتداخل بعضهما فى البعض ويشبه حملهم بتلقيح النحل ويتم بمجرد الرائحة.
سؤال- هل للجن قبائل وعشائر مثل الناس؟
جواب- نعم لهم قبائل وعشائر. وقد قامت فيما بينهم حروب كبيرة. وما نعرفه ونراه من الأعاصير ما هى إلا أثر من آثار حروبهم، وأحيانا يسدون الطريق لهبوب الرياح فى أثناء حروبهم فتنتج عنه قيام الأعاصير المثيرة للتراب والغبار، ولكن ليس كل إعصار نتيجة لحروب الجن.
سؤال- من الذى سمى أولا باسم الشيطان؟
جواب- أطلق على شخص اسمه الحارث. وقد عصى الحارث هذا ربه فطرده الله- -وتناسل الشياطين كلهم منه. ولكن من آمن منهم مثل «هامة بن الهام بن لاقيس بن إبليس» التحق بصنف الجن المؤمنين ومن ثبت منهم على الكفر ظلوا شياطين.
стр. 387
- حكاية:
هناك كثير من الجن قد نالوا شرف اللقاء مع الأنبياء العظام-على نبينا وعليهم الصلاة والسلام-وبناء على رواية منقولة عن أنس بن مالك-رضى الله عنه- أن أحد الجن قد جاء إلى رسول الله- ﷺ -فى وضح النهار وطلب منه أن يتفضل بتعليمه القرآن الكريم.
قال أنس-رضى الله عنه-وهو ينقل هذه الحادثة:
كنا نتنزه فى يوم من الأيام بجوار المدينة المنورة مع النبى- ﷺ -فظهر أمامنا رجل عجوز وأقبل يسير نحونا وإذا به جن قد تشكل فى صورة إنسان.
قد أخبرنى النبى- ﷺ -بأنه من طائفة الجن. ولما أتى إلى جانبنا بدأ حوار بينه وبين الرسول- ﷺ .
الرسول- ﷺ :إن هذا السير سير الجن.
الرجل العجوز: نعم يا رسول الله.
الرسول- ﷺ :من أى جن أنت؟
الرجل العجوز: من هامة بن همام بن لاقيس بن إبليس.
الرسول- ﷺ -إذن بينك وبين إبليس أبوان؟
الرجل العجوز: هو كذلك يا رسول الله.
الرسول- ﷺ -ما عمرك؟
الرجل العجوز: قد أمضيت عمر الدنيا كلها-حينما قتل قابيل هابيل كنت بلغت بضعة أعوام وفى تلك الأوقات كنت أمضى أيامى بصيد البوم فوق الهضاب، وإفساد الأطعمة المطبوخة أو إثارة النزاعات بين الناس.
الرسول- ﷺ -أقبح به من عمل!!
الرجل العجوز: لا تلمنى يا رسول الله! إننى أسلمت أمام نوح-عليه السلام
стр. 388
-وتعرفت على هود-﵇-وصاحبت إبراهيم-﵇-فى المنجنيق ويوسف-﵇-فى البئر، وتشرفت بصحبة المسيح بن مريم- ﵇-وطلب منى عيسى-﵇-أن أبلغك سلامه.
الرسول- ﷺ -﵇-ما طلبك منى؟
الرجل العجوز: قد علمنى موسى التوراة الشريفة وعيسى الإنجيل المنيف وأتمنى لو تعلمنى القرآن الكريم، وفى نهاية هذا الحوار تفضل فخر الكائنات ﵇ بتعليم العجوز القرآن الكريم، وبعد ذلك عاد العجوز بعد أن ودع الرسول ﷺ .
- حكاية:
عند ما أضاءت بعثة الباعث لخلق الكائنات-عليه وعلى آله أفضل التحيات- الأقطار الحجازية بالهداية والنور، سرت شرارة نار الفتنة والانشقاق بين سكان «أم القرى» وبين عربان البادية مما حمل الناس على نقل أمتعتهم من مكان إلى آخر وفى أثناء هذه الفوضى تشكل مسلمو الجن بأشكال مختلفة، وأخذوا يعلنون أن نبى الثقلين قد بعث وحاولوا أن ينشرو الإسلام.
وقد أسلم خال الصحابى الجليل ربيعة بن أبى براء فى تلك الآونة فى صورة غريبة.
ينقل لنا حضرة ربيعة بن أبى براء-رضى الله عنه-سبب إسلام خاله بصورة غريبة ويقول:
عند ما ألبس السلطان الكريم السّير-عليه وعلى آله صلوات الله الأكبر-خلعة النبوة رأى خالى أخو أمى ثعبانا مخيف الشكل وأسلم من خوفه وعند ما حكى لى هذه الوقعة قال لى:
بينما كنت أتنزه فى الحقول رأيت حية مخيفة وكانت تطارد ثعلبا ضعيفا فأردت أن أنقذ هذا الحيوان المسكين فأخذت من فوق الأرض حجرا إلا أن الثعلب وقع على الأرض فجأة وهلك. ولكن الثعبان أيضا قد قطع نفسه وكان الحجر الذى أخذته من فوق الأرض مازال فى يدى.
стр. 389
فقلت إن الثعلب المسكين قد مات من شدة خوفه من الحية. ولكننى لم أجد تفسيرا لموت الحية منقطعة إربا وهذا ما حملنى إلى تفكير عميق، وبينما أنا غارق فى حيرتى سمعت صوتا يقول: «ما أتعسك!! لأنك تسبّبت فى قتل نفس» وفى عقبه سمعت من ينادى:
«يا داثر» فانتبهت واتجهت صوب الصوت الذى ينادى لأعرف ماذا سيكون رد داثر وفى ذلك الوقت ظهر داثر قائلا: ماذا هناك؟ وعندئذ تلقى داثر الأمر الآتى اذهب إلى بلاد بنى عذافرة (١) وأخبرنا عن مدى جرأة هذا الكافر وما الجناية التى ارتكبها فزادت حيرتى إذ سمعت الهاتف والجواب الذى تلقاه وزاد خوفى وفزعى فنظرت حولى فاضطررت أن أوجه الخطاب إلى جهة الهاتف الغائب إذ لم أجد ملاذا ولا ملجأ.
فقلت-يا هاتف! أنا لم أقترف ذنبا ولم أقدم على جناية عمدا!
فقال-كنت سببا فى قتل نفس.
فقلت-لا علم لى بهذا!
فقال-ولكن عندى علم بذلك.
فقلت-أنا أعوذ برحمتك.
فقال-ماذا تريد أن تقول؟
فقلت-اعف عنى.
فقال-أفى الإمكان عفو كافر قتل نفسا مؤمنة؟
فقلت-أنا مسلم.
فقال-إذن تكون قد نجوت.
فقلت-أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
فقال-نجوت، نجوت. ألا تستطيع أن تعود من حيث جئت، إن الحوار الذى
стр. 390
جرى بينى وبين الهاتف الغائب أدى إلى فائدتين، أسلمت ونجوت من الموت.
وقد اهتز جسمى من الفرح وزادت حيرتى ودمعت عيناى، ولما أردت أن أعود إلى عملى إذا بى أتلقى الأمر الآتى «اركب الوحش بن الذئب واذهب حيث يسكن أبو عامر» فركبت الوحش الذى ظهر بجانبى وصعدت فوق الجبل العظيم الذى كان أمام طريقى وبعد مدة هبطت إلى الناحية الأخرى من الجبل، ولكن هنا ظهر أمامى فارسا وقال لى لا تتحرك، وسلم سلاحك. إن أمر الفارس الشديد قد أثر فى جسمى المضطرب وظننت أن حياتى قد قضى عليها، فاضطررت لتسليم سلاحى له. وقال الفارس بعد ما أخذ سلاحى.
-من أنت.
-أنا مسلم.
-السلام عليكم.
-وعليك السلام-فليجعلك الله- -فى ظل رحمة أبى عامر وحمايته.
-ومن أبو عامر؟
-أنا أبو عامر.
-معذرة، لم أعرفك.
-لا بأس-بشرى لك!! لا مجال للخوف لأهل الإيمان فى هذه البلاد.
-قد سرنى ما أخبرتنى به.
-كنت راكبا فوق الجبل. لماذا بقيت الآن مترجلا؟
-أين ركابك؟
وهنا وقفت وانتبهت لنفسى وحكيت له كل ما جرى بالتفصيل فأخذنى من يدى وأوصلنى إلى مقر جماعة الهوازن (١) استودعنى هناك وعاد إلى بلده.
انتهى.
وكل هذه القصص تدل على صحة ما ينقل عن إسلام بعض الجن.
стр. 391
وقد أخبر الشيخ عبد الوهاب الشعرانى عن وجود المسلمين والكفار من الجن، ويتفضل بالاستمرار فى حديثه ليبين هل هناك بين كفار الجن من يعتنقون الإسلام.
سؤال- هل يستطيع الشياطين الذين كفروا أن يصبحوا مؤمنين بعد قبولهم الإسلام؟
جواب- هذا موضع خلاف بين العلماء. وسبب الخلاف الآتى: قال رسول الله- ﷺ -ما من أحد إلا وله قرين يأمره بالسوء، فقال الأصحاب الكرام:
وأنت يا رسول الله فقال مجيبا: «نعم ولكن الله أعاننى عليه فأسلم» (حديث شريف).
فاختلف حفاظ الأحاديث فى حركة حرف الميم فى «فأسلم» فقرأها بعضهم بضم الميم ويكون معنى الحديث عندئذ إننى أنجو من شره وقرأها بعضهم بفتح الميم وأشاروا إلى أن قرين الرسول- ﷺ -قد قبل الإسلام دينا.
وأيد بعض أئمة الحديث هذا المعنى برواية الخبر اللطيف الذى يقول: «فلا يأمرنى إلا بخير». (١)
ولكن لا يمكن لإبليس أن يسلم بدليل حكم هذا الحديث، لأن الله- -قد لعن إبليس إلى يوم القيامة.
سؤال- ما دام إبليس أول العصاة هل يجب أن يتساوى مع قابيل؟
جواب- نعم وهو كذلك. فقابيل أول أشقياء بنى البشر كما أن إبليس أول عصاة الجن، ألم يقل الله- : ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الكهف:٥٠).ومعناها أن هذا المخلوق من جنس العصاة.
سؤال- قال الله- -فى كتابه المنزل على لسان إبليس ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (الحشر:١٦)،ألا يشير معنى الآية الكريمة إلى أن إبليس موحد فى أعماق نفسه؟
стр. 392
جواب- لا يدل هذا على توحيده، لأنه هو الذى كان سببا فى وجود الشرك. وإذا فرضنا أنه قد وحد فى ذلك الوقت، فمن المحتم أنه بعد قليل أصبح كافرا.
سؤال- الكفر الذى يأمر به إبليس ليس شركا: لأن الكفر هو اتخاذ المخلوق إلها آخر غير الله بينما الشرك هو جعل مثيل وند الله- -وعلى هذا التقدير فكيف يكون إبليس أوجد الشرك؟
جواب-:إن المقصود هنا من الكفر هو الشرك، كما قال لقمان مخاطبا ابنه.
وقال الله-تعالى- ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (المائدة:٢٩) والمقصود من الظالمين هنا هم المشركون. وكذا تفضل الله- -جل من قائل ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:١٣)،وقال ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام:٨٢)،إن المقصود والظاهر من كل هذه الآيات هو التوحيد ومقابل الشرك هو التوحيد.
سؤال- الجلوس مع الجن مذموم أم محمود؟
جواب- مذموم وليس بمحمود. فالعلماء الذين يجيزون الجلوس معهم جهلة، لأن الجن فضوليون كفساق الناس فبما أن العاقل يفر من مجالسة الفساق يجب عليه أن يفر من مجالسة الجن، وفى الواقع-لكون أصلهم من النار-فهم كثيرو الحركة ومن هنا فهم ميالون للفضول. فجلساء الجن لم ينالوا خيرا وإن شرهم لشديد لجلاسهم وإنهم كفساق البشر يحاولون أن يطلعوا على عورات الناس وهذا ليس من شأن العقلاء.
ويقول الشيخ محيى الدين-قدس سره-فى باب ٥١ من الفتوحات لم يستطع أحد أن يعلم شيئا عن الله- -بمجالسة الجن، لأن الجن أجهل من الناس بصفات الله تعالى والعالم الطبيعى، ويمكن أن يتخيل جلاس الجن أنهم يستطيعون الاطلاع على أحداث العالم ووقائعه لكن هذا الموضوع مرتبط بإرادة الله وكرمه مهما يعلمون فقط بعلم السيماء الخاص بالنباتات والأحجار والأسماء والحروف والذين يتعلمون هذا يتعلمون ما ذمته الشريعة الإسلامية. لأن الذين يجالسون الجن يكتسبون صفة التكبر والله- -قد ذم المتكبرين ونص على دخولهم النار. انتهى.
стр. 393
هذا وإن كان أهالى مكة المعظمة انشغلوا بالتعبد للأصنام إلى يوم الفتح، إلا أنهم كانوا يحترمون الكعبة المعظمة حق الاحترام ويرعونها.
كما أن عرب الجاهلية يفدون إليها فى مواسم الحج من جميع جهات الجزيرة ويقومون بأداء الحج.
وكانوا ينبهون أولادهم بأن يتجنبوا ارتكاب المعاصى والبغى والشقاوة، ويغرسون فى قلوبهم احترام بيت الله ويأمرونهم بمراعاة حرمة بيت الله والابتعاد عن جميع ما يسئ إليه وإلى مكة المكرمة وينشدون القصائد فى مدح بيت الله ويحرصون على تفهيم أولادهم كيفية احترام الملك التابع لبيت الله الحرام وكيف هلك الجبابرة من الأسلاف الذين أساءوا إلى البيت، وخاصة كيفية هلاك أصحاب الفيل الذين أتوا لتخريب البيت الحرام.
وقد أدرجنا هنا بعض الأبيات من القصيدة المطولة التى قالتها سبيعة بنت الأحبّ بن زبينة بن جذيمة بن عوف (١) بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان لابنها «خالد» بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة فى تعظيم بيت الله، وذلك لنثبت صدق مدعانا.
الأبيات:
أبنى لا تظلم بمكة ... لا الصغير ولا الكبير
واحفظ محارمها بنىّ ... ولا يغرنك الغرور
أبنى من يظلم بمكة ... يلق أطراف الشرور
أبنى يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير
أبنى قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور
الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور
ولقد غزاها تبع ... فكسا بنايتها الحبير
وأذل ربى ملكه ... فيها فأوفى بالنذور
стр. 394
ويظل يطعم أهلها ... لحم المهارى والجزور
يسقيهم العسل المصفى ... والرحيض من الشعير
والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور
والملك فى أقصى البلا ... دوفى الأعاجم والجزور
فاسمع إذا حدثت واف ... هم كيف عاقبة الأمور (١)
إن شدة تقديس أهل مكة للبقعة المباركة لكعبة الله وعظيم تقديرهم لها وكذلك وفود الحجاج إليها من كل فج عميق من أنحاء الجزيرة العربية، ملأ قلوب بعض الملحدين حسدا وعيظا وحقدا، لذا حاولوا أن يهدموا بيت الله الحرام وأن يبنوا فى بلادهم كعبة أخرى. ومن هنا كانت قصة أصحاب الفيل المليئة بالعبر قبل ولادة النبى- ﷺ -الباهر السعادة بأربعة وخمسين يوما.
قد أراد «أبرهة» الوثنى من حكام اليمن وقد جمع حوله بعض القبائل وأقدم.
على هدم وتخريب كعبة الله المعظمة-كما سيأتى تفصيله فيما بعد-ولكنه خر بجيشه وأضمحل.
قصة الفيل العجيبة:
بلاد الحبشة:
قد انقرض ملوك التبابعة فى عهد أصخمة النجاشى (٢) وهكذا انتقل حكم اليمن إلى قبضة «أبرهة بن الصباح» الأشرم قائد جيش النجاشى أصخمة نيابة عن ملكه.
وقد انزعج «أبرهة» عند ما رأى أن عرب الجاهلية يزورون الكعبة المعظمة فى مواسم الحج متبعين فى ذلك ملة إبراهيم-﵇-الحنيفية، ويفد إليها من الناس من أماكن بعيدة متكبدين فى ذلك مشقات عظيمة.
стр. 395
قد تساءل هذا المغرور محدثا نفسه: يا ترى لماذا حاز هذا البناء المسمى بالكعبة كل هذا التوقير والتعظيم من قبل العرب؟! ما يا ترى مكانة هذا البناء وما مدى جماله وزينته حتى يجذب إليه كل هؤلاء الناس؟!.
ولما عرف أن الكعبة بيت من الحجارة المأخوذة من الجبال الكائنة حولها وأنها بناء حجرى عال عزم-بناء على رأيه الفاسد-أن يبنى معبدا أعظم وأضخم من الكعبة الشريفة وكتب إلى النجاشى طلبا يقول له فيه إننى أبنى بجانب قصر غمدان (١) فى صنعاء قصرا عظيما رصين البناء فخما يليق بعظمتكم وعلو شأنكم وسوف أجتهد على أن يكون هذا القصر مزينا لا مثيل له فى الفخامة فى العصور السابقة.
وبما أن النجاشى لم يلتق بالرسول- ﷺ -فلا يعد-عند من يشترط اللقاء مع النبى ﷺ -من الصحابة الكرام وإن كان بعض العلماء يعدونه من الذين يؤمنون بالمعاهدة من الأصحاب الكرام. قد مات النجاشى فى رجب من السنة التاسعة من الهجرة وصلى على جنازته فى المدينة المنورة وهذا يرجح كونه من الصحابة.
يروى أن هذا القصر قد هدم فى عهد عثمان بن عفان أو خلافة عمر وقصر غمدان أحد عجائب الدنيا وكان أحد جدرانه الأربعة أصفر اللون والثانى أبيض والثالث أخضر والرابع أحمر اللون داخل هذا القصر، وفوقه قصر آخر من سبعة طوابق وكان بين طوابقه فواصل قدرها أربعون ذراعا وكان ارتفاع جدرانه الخارجى ٣٠٠ ذراع وكان فى كل ركن من أركانه الأربعة صورة أسد فاغر الفاه مكشوف من الأسفل فارغ البطن وعند ما كان يدخل الهواء فى أسفله يخرج من فيه محدثا صوتا غريبا شبيها بصوت القنفذ.
стр. 396
وعند ما أرسل أبرهة (١) الطلب إلى النجاشى أخذ يحفر أسس المعبد وفى ظل نفوذه وقوة دولته أخذ يستدعى من البلاد البعيدة الأساتذة من المهندسين والمتخصصين فى فن العمارة وجلب أنواع الرخام الصافية اللامعة كالفضة وأعمدة متنوعة وملونة ومتينة وحجارة قيمة ملونة ذات أشكال مختلفة والحجارة المنتزعة من قصر بلقيس ذات نقوش ومرصعة بالذهب والفضة وبنى فى صنعاء (٢) اليمن عاصمة ملكه، كنيسة تثير الحيرة والدهشة بما تحتوى فى خارجها وداخلها من اليواقيت والمجوهرات التى رصعت بها الجدران كما صنع فيها منابر مصنوعة من الأبنوس والعاج ووضع فى أرجاء الكنيسة المذكورة أصناما مصنوعة من الذهب والفضة، وعلق فى أبراجها نواقيس ضخمة ثم أعلن وأشاع (٣) فى أطراف الجزيرة أنه سيمنع الناس من زيارة الكعبة والطواف حولها وسيجبرهم على زيارة كنيسته هذه.
وبما أن الكنيسة قد بنيت فى مكان عال كما كان مبناها شاهق العلو فأطلق عليها بيت (القليس) إيماء إلى علوها. ثم بعث الرسل يدعون الناس لزيارة الكنيسة والحج إليها.
وكان غرض أبرهة من هذا صرف أبناء العرب عن زيارة الكعبة والحج إليها مرة فى السنة ويحملهم على التوجه إلى كنيسة صنعاء باليمن.
وعلى هذا أكره العرب على زيارة بيت الأصنام الذى فى صنعاء وتوجهوا إليه وأصبحوا لا يريدون أن يروا وجوه الذين يتحدثون عن هذا المعبد المنحوس، وبناء على كراهيتهم الشديدة لهذه الكنيسة قتل أفراد قبيلة كنانة، الرسول الذى بعثه «أبرهة بن صباح الأشرم» ليدعوهم، فقتلوه رميا بالسهم.
стр. 397
وعند ما شاع بين سكان اليمن متانة بيت القليس ورصانته أخذ أبرهة يبعث الرسائل والرسل إلى سكان اليمن ومن حولها، ويقول مفتخرا مباهيا إننى قد وفقت فى بناء معبد فخم وضخم لن ينس العرب معه اسم الكعبة فقط ولكنهم سيأنفون من ذكر اسمها.
وأخذت مثل هذه الأخبار تنتشر تدريجيا فى بلاد الحجاز حتى ذكرت فى خيم البدو واستثقلها القرشيون؛ لذلك اختاروا شابا بطلا من سادات العرب يتصل بنسب بنى فقيم بن مالك ومن قبيلة كنانة وهو «نفيل بن حبيب الخثعمى»،وبناء على القول المختار «قلمس (١) بن عبد الله بن فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر» من أهل نسئة، ومعه رفيق شجاع وذهبا إلى صنعاء ودخلا فى بيت القليس حيث قضيا حاجتهما ثم لطخا جدرانه بالقاذورات لينفرا أهل اليمن من زيارة الكنيسة، وأرادا بهذا أن يلمحا أن الدار القذرة التى يلجون فيها صبح مساء لا تصلح إلا أن تكون بيت خلاء.
لما عرف أبرهة ما جرى زاد غضبه وحزنه وتألم جدا، ولما عرف أن الذين تجرأوا على فعل ما حدث هم من سكان مكة المكرمة أقسم على هدم وتخريب الكعبة المعظمة وقال: «إننى أستطيع أن أثأر من العرب بهدم البيت المعظم بالفيلة» وأعد جنده وجمع-بناء على قول-فيلين مشهورين، وعلى قول ثمانية أفيال، وفى رواية أخرى عشرة وعلى قول اثنا عشر أو ثلاثة عشر وبناء على روايات أخرى ألف فيل أو أربعة آلاف (٢) فيل شجاع كما أخذ معه فيل النجاشى المسمى محمود (٣) وساق كتائبه وجيشه نحو مكة سنة «٥٧٠ م».
اقتنع أبرهة الذى أعد كل هذه الفيلة وكل هذه الحشرات الحبشية لإدارة الأفيال عندما رأى كل هذه القوة بأنه لن يتعب فى هدم الكعبة المعظمة.
стр. 398
وكان يسوق أمام جنده أربعة صفوف من الفيلة وكان يظن أنه سينتصر حيثما يتجه بهذه الفيلة ويعتقد أنه لن يجد صعوبة فى هدم البيت المعظم وتخريبه.
قد زحف أبرهة نحو مكة الله ومعه ٦٠٠٠٠ (١) ألف أو ثلاثمائة ألف (٢) من الحشرات الحبشية لإدارة وسوق الفيلة وفى رأسه فكرة هدم البيت وتخريبه المستحيلة.
وقابل فى طريقه العرب الذين خرجوا للدفاع عن بيت الله، وحاربهم وداسهم بسنابك خيوله وانتصر عليهم وأسر قوادهم وقيدهم بسلاسل الأسر، وضرب خيامه فى مكان بين الطائف ومكة المكرمة المسمى «بمغمس» وأغار على حيوانات أهل مكة واستولى عليها ونهبها.
من الذين رفعوا السلاح فى وجه جيش أبرهة أولهم «ذو نفر» من أشراف اليمن، والثانى الذى واجهه فى أرض خثعم «نفيل (٣) بن حبيب الخثعمى» أو «باعس» وأخوه «غفرس بن أقبل (٤) ونهران وناهس» تحت قيادة نفيل وبعض أفراد القبائل العربية.
وقد وقع «ذو نفر» ونفيل بن حبيب وهما من قواد الجيش وملوك اليمن أسيرين، وتفرق العرب الذين كانوا تحت قيادتهما وقيدا بالسلاسل بأمر أبرهة. ثم فك أسر نفيل بشرط أن يكون دليلا لهم فى أثناء سيرهم فى أرض العرب.
عند ما وصل أبرهة إلى الطائف بدلالة «نفيل بن حبيب ضم مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف» من بنى ثقيف أحد أتباعه الضالين إلى جيش أبرهة ليكون دليلا لهم وهو «أبو رغال».
وقد سار «أبو رغال» مع جيش أبرهة إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى
стр. 399
«مغمس» حيث تشقق ومات لحكمة ما، والبدو سكان البادية يرجمون حتى الآن قبر «أبو رغال» ويستحقرونه. (١)
اسم ثقيف أبو عوف-قسى بن النبيت بن منبه بن منصور بن يقدم بن أقصى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، لما قابل مسعود بن معتب الثقفى أبرهة عظمه وحدثه بفرح وسرور وقال له: «يأيها الملك إننا سندلك على الطريق، إن عامة أبناء قبيلتنا عبيدك وكل ما تأمر به مجاب .. الكعبة التى تريد أن تهدمها وتخربها لا قيمة لها عندنا، إن بيتنا بيت اللات وهو فى الطائف وكل أهل الطائف يعظمون هذا البيت كما تعظم الكعبة ثم قدم لهم «أبو رغال» السالف الذكر ليدلهم على طريق مكة.
عند ما انفلق أبو رغال وهلك كان أبرهة قد بعث بكتيبة من الجنود فى رفقة أسود بن مقصود الحبشى الذى كان فى مغمس للتعرف على أحوال مكة المكرمة، عند ما وصل هؤلاء الجنود إلى أطراف مكة نهبوا وسلبوا الحيوانات التى كانت ترعى هناك.
بناء على هذه الوقعة ركب «عبد المطلب بن هاشم» سيد قريش وخادم الكعبة المعظمة ذو الرأى السديد بغله واتجه نحو معسكر الحبشة، وقد استقبله أبرهة استقبالا عظيما ورحب به أيما ترحيب-إذ بلغه علو شأنه بين قومه وأشار له أن يجلس فوق كرسى فخم مزين.
وفى قول آخر إن أبرهة لم يستطع أن يقاوم ما كان عليه «عبد المطلب» من الوجاهة والمهابة فنزل من كرسيه وجلس فوق البساط وأجلس المشار إليه بجانبه وقاله له: «اطلب منى ما تشاء» فأجابه قائلا: «لا أريد منك شيئا غير أن ترد لى أربعمائة جمل نهبتها جنودك. والصحيح مائتان».
قد تحير أبرهة من هذه الإجابة الساذجة واندهش وقال له: ظننتك قد جئت ترجونى ألا أهدم الكعبة إنك تعرف جيدا أننى جئت لأهدم الكعبة التى تشكل ركنا من دينكم وأخربها.
стр. 400
ثم أراك لا تطلب منى أن أنصرف عن هذا العمل بل تريد أن تسترجع ما نهبه جنودى من إبلك وهذا أمر لا يمكن أن يثير إلا عجبى ودهشتى.
فتلقى من عبد المطلب هذه الإجابة الحكيمة:
«لما كنت صاحب الإبل فإننى أريد أن أستردها. وللكعبة صاحب أيضا فإذا أراد سيمنعك من التسلط عليها».
واستغرق أبرهة فى تفكير عميق إذ تلقى هذا الرد ثم قال مستهزئا: «أذهب وانظر كيف سيحافظ ربك على الكعبة ضد قوتى القاهرة وسطوتى الجبارة» ثم أعاد لعبد المطلب جماله ورده معززا مكرما وبين له أنه لم يأت ليحارب أهل مكة إنما جاء لهدم الكعبة المعظمة، وتخريبها، ومن هنا ليس لأهل مكة ما يثير قلقهم أو يخوفهم.
قد رأى سكان مكة-بناء على رأى عبد المطلب-أن يخلو مكة وينسحبوا إلى الجبال وألا يحاولوا الدفاع عن مكة ولكنهم فى نفس الوقت كانوا يتمنون أن يروا المصيبة التى سوف يتعرض لها أبرهة.
قال بعض المؤرخين: «قد أخبر الجنود المكلفون بالذهاب إلى مكة أبرهة أنهم لم يوفقوا في قتل عبد المطلب بعد ما نهبوا جماله».
وقد أرسل أبرهة إلى عبد المطلب حميريا يقال له «حناطة» ليخبره بأن هدفه من المجئ إلى مكة هو هدم الكعبة وإذا كان بين الأهالى من يريد أن يدافع عن الكعبة يجب عليهم أن يستعدوا للحرب والقتال.
وكان رد عبد المطلب إننا لا نحارب إن البيت بيت الله إذا ما صانه وحفظه فهو بيته. أما إذا لم يحفظه، فليس لنا قبل للدفاع عن البيت. ثم ذهب مع «حناطة» إلى أبرهة وعند ما مثل أمامه قد نزل من سريره وأجلسه بجانبه ورحب به أعظم ترحيب وكرمه تكريما.
لو كان أبرهة رأى من عبد المطلب أدنى علامة تدل على رغبته فى عدم هدم
стр. 401
البيت لتنازل عن فكرته ورجع إلى بلده لأن هيئة البيت المحتشمة وما فيه من روحانية فى طريقة وضعه وما فيه من عظمة ومهابة قد ألقى فى قلبه خوفا وخشية فوق العادة-فالأمين إبراهيم-﵇-قد بناه تنفيذا لإرادة الله- -إلا أن عدم صدور أدنى التماس أو رجاء بخصوص عدم هدم البيت من عبد المطلب حمل أبرهة على المضى فى عزمه لأنه لم يجد سببا يثنيه عما أقدم عليه.
وبلهجة كلها ثقة رد عبد المطلب على أبرهة ردا قاطعا مما أيأسه وآنس أهل مكة ببشارة خفية، لأنه كان واثقا أن أى فرد مهما كانت قوته لن يستطيع إلحاق الخسارة ببيت الله المعظم وذلك تكريما وحرمة لخاتم الأنبياء- ﷺ .
لأن النبى- ﷺ -انتقل إلى رحم أمه فى الفترة التى غزا فيها أبرهة الحجاز ووصل بالقرب من مكة وبدأت تظهر علامات خارقة للعادة، كما سعد عبد المطلب بالرؤى الجميلة فى منامه، وكل هذه القرائن كانت تنم عن قرب تشريف النبى- ﷺ -إلى الدنيا، ولكل هذا كان عبد المطلب يأمل ألا يستطيع أبرهة هدم كعبة الله بتخريبها، أخذ حناطة الحميرى عبد المطلب مع بعض أولاده وأتى بهم إلى خيمة أبرهة.
وعلم عبد المطلب بأن سيف ذى نفر فى السجن فالتقى معه واستمع إليه إذ يقول: يا عبد المطلب ماذا تنتظر من أسير يترقب قتله اليوم أو غدا وماذا تأمل منه، ومع هذا سايس الفيل «محمود» من أحبائه وهو شخص يسمى «أنيس» وهو من الذين يثق فيهم أبرهة ويعتمد عليهم وقد أرسلت له بأنباء. فاذهب إليه وفعلا ذهب إليه عبد المطلب وتلاقى معه.
كان النبأ الذى أرسله ذو نفر إلى أنيس (١) يشمل المعانى الآتية:
стр. 402
«إن الشخص الذى نهبت حيواناته، هو سيد قريش وهو صاحب عين زمزم الموجودة بمكة إن هذا الشخص يطعم الناس فى الصحراء والوحوش على رءوس الجبال».
إن المطلوب منكم هو إبلاغ أبرهة بأن جنوده قد استولت على مائتين من إبل عبد المطلب سيد قريش، فإذا استطعت فاشرح الموضوع لأبرهة واحمله على تكريمه ورد إبله له، وقد نقل أنيس هذه الأقوال إلى أبرهة لذا أكرمه أعظم إكرام وأعاد له جماله.
إن «يعمر بن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة» رئيس قبيلة بنى بكر وخويلد بن وائلة الهذلى رئيس قبيلة «بنى هذيل» أرادا أن يصرفا أبرهة عن هدم الكعبة وذلك بعرض ثلث واردات تهامة (١) الحجاز السنوية، ولما رفض طلبهما استعدا للحرب بالاتفاق مع قبائل (قريش وكنانة وخزاعة وهذيل والقبائل الأخرى)،ولكنهم غيروا رأيهم واتبعوا فكرة عبد المطلب إذ أحسوا أنهم سيتعرضون للهزيمة.
وعند ما رأى أبرهة أن أهل مكة لا يدافعون عن بلادهم، ساق حشراته إلى «وادى المحسر» (٢) الواقع بين المزدلفة ومكة المعظمة واستعجل فى تنظيم صفوف جيشه وطلب من ساسة الفيلة أن يهيئوا أفيالهم للهجوم على مكة ودفعوا الفيل «محمود» نحو الكعبة، ورغم جهود السايس المضنية لسوق الفيل محمود ناحية الكعبة المعظمة لم يتحرك الفيل خطوة واحدة نحو الهدف، ولم تفد جميع محاولاتهم وما بذلوه من سعى لدفع الفيل نحو الكعبة كلما كانوا يسوقونه إلى الأمام يقع ولا يتحرك.
ولما رأوا أن المحاولات المضنية لدفعه إلى الأمام لم تأت بنتيجة، لذا سقوه
стр. 403
خمرا-بأمر أبرهة-حتى يفقد عقله وتمييزه ثم وجهوه إلى جهة أخرى.
وأسرع محمود السير لتلك الجهة وتبعته الأفيال الأخرى وأخذت تجرى بسرعة خلف محمود وعند ما أرادوا أن يوجهوها إلى الكعبة كانت تبرك ولا تتحرك وكأنها لا تريد أن تهاجم الكعبة المعظمة.
عند ما رأى «نفيل بن حبيب الخثعمى» الأسير المصفد، بالأغلال لدى أبرهة هذه الحالة المليئة بالحكم للفيل «محمود» -إذ كان يمتنع من السير نحو الكعبة وعند ما يوجهونه ناحية الشام أو اليمن كان يسرع-أمسك نفيل بن حبيب أذن الفيل وقال له: «يا محمود احذر من التقدم لأنهم يريدون أن يستغلوك في تخريب بيت الله مع أنك في بلدة الله، فابرك محمود أوعد راشدا من حيث جئت».
أراد نفيل بن حبيب بفعله هذا أن ينبه الجيش الحبشى أن ما يريده أبرهة يشبه خيالا مستحيلا وأن محمودا والفيلة الأخرى لن تهاجم كعبة الله المعظمة. إلا أن أبرهة لم يتنبه لما يريده ابن حبيب الخثعمى كما لم يستطع أن يدرك شيئا من حركات الأفيال الحكيمة بل أصر على تنفيذ ما في ضميره وأخذ يضرب الفيلة ويشتمها حتى كاد يهلكها.
وفى تلك الأثناء أخذ عبد المطلب «عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى وبضعة من رجال قريش المخلصين معه ومضى إلى باب المعلى من الكعبة المعظمة واحتضن حلقاته وأخذ يتضرع ويناجى قاضى الحاجات وهو ينشد الأبيات الآتية:
يا رب إن المرء يم ... نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه اليوم آلك
إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك
فلئن فعلت فإنه ... أمر يتم به فعالك
стр. 404
بينما كان أبرهة مشغولا بسوق الفيلة نحو كعبة الله التصق عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن عبد الدار بباب الكعبة العظيمة أيضا وأخذ يناجى ربه وينشد بعض الأبيات التى تبين نهب أسود بن مقصود الحميرى (١) حيوانات أهل مكة واستيلائه عليها.
وبينما كان عبد المطلب ورفاقه منهمكين عند كعبة الله بالتضرع والابتهال وكان أبرهة يبذل جهده لحمل الفيلة للسير نحو الكعبة إذ ظهر فجأة فى السماء مجموعة من الطيور الصغيرة تشبه طائر «السنونو» من ناحية البحر يحمل كل واحد منها فى منقاره حجرا واثنين بين مخالبه وكان أكبرها فى حجم حبة الحمص وأصغرها فى حجم حبة العدس أى ثلاثة أحجار من سجيل (٢) واتجهت أسراب الطيور نحو مكة المكرمة.
جاء في رواية أن هذه الطيور الصغيرة أقبلت من ناحية البلاد الهندية، وكانت مناقيرها حمراء ورءوسها سوداء، رقابها طويلة أجسامها شبيهة بأجسام الخفافيش وبناء على قول آخر أن مناقيرها كانت صفراء رقابها خضراء وأجسامها شبيهة بأجسام العصافير وقد سطر على كل حجر تحمله اسم الشخص الموكول بهلاكه.
قد فسر عكرمة ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ (الفيل:٣) كلمة أبابيل عنقاء المغرب.
يقول صاحب القاموس إن (عنقاء المغرب) ظهرت فى عصر موسى-﵇-قد خلق أولا أنثاها ثم خلق ذكرها وهكذا تناسلا وتكاثر نسلهما وبعد وفاة النبى المشار إليه انتقلت هذه الطيور إلى حجاز نجد حيث أخذت تؤذى
стр. 405
الأطفال الصغار ولكنها طارت إلى أعشاش الهلاك والعدم بفضل استجابة دعاء «خالد بن سنان العبسى (١)» الذى عاش فى عهد النبى- ﷺ .
يروى أن أجناسا من طيور الأبابيل تعيش فى زماننا فى نواحى الهند الصينية وأنها تبعت إلى دار السعادة استانبول كهدايا.
إن هذه الطيور لا تشبه طيور الأبابيل تمام الشبه إلا أن الذين ينظرون إليها بعين الإمعان يجدون فيها علامات تحمل الناس على تشبيهها بتلك الطيور، ويعتقد أنها تعرضت لتغير شكلها بمرور الزمان وقد نقلت روايات كثيرة عن شكل ولون وصورة هذه الطيور، حتى أن «عبد الله بن عباس» يروى أن لها مناقير كخراطيم الفيل وأسنانا شبيهة بأنياب الكلاب. ويدعى بعض الرواة أن الطيور الموجودة الآن فوق باب إبراهيم ووالزرازير من بقايا طيور الأبابيل والله أعلم بالصواب.
لم يكن يعرف شيئا عن ظهور هذه الطيور لا أبرهة ولا عبد المطلب ورفقاؤه الذين كانوا يتضرعون إلى الله ممسكين حلقات كعبة الله. وفى فترة نظر عبد المطلب إلى السماء ورأى كثيرا من الطيور الأبابيل تقبل نحو مكة المفخمة وتعجب من أشكالها وقال لرفقائه: «أيها الأصدقاء إن هذه الطيور لا تشبه طيور نجد وتهامة ولا بد أن يكون فى هذا حكم ما» ثم اتفقوا على أن يصعدوا فوق قمة جبل أبى قبيس ليروا الطيور جنود الله المجندة-التى ظهرت من ناحية البحر وبعد فترة وقفت حذاء جنود أبرهة الذين أزعجوا العالم. ثم تركت الحجارة التى كانت ذات آثار نارية الواحد تلو الآخر وكان كل حجر يدخل من فوق رءوس الأعداء الحشرية وينفذ فى أجسامهم ويخرج من أدبارهم ويقضى عليهم بالهلاك في التو واللحظة.
لم يبق بين جنود الأعداء فرد متنفسا لم يهرب إلا أبرهة والفيل محمود والأفيال التابعة له.
وكل من يمسك بجثة أحد هالك كان يستطيع أن يحملها كما يحمل البيضة لأن الحجارة كانت قد أحرقت أجسامهم كما تحرق النار الفتيل. ثم ظهر سيل عظيم
стр. 406
بالبحر مثير للدهشة وحمل جثث الأعداء المنتنة وكنسها إلى البحر وهكذا طهرت ساحة مكة الله.
وهناك قول يدعى أن الحجارة التى ألقيت من قبل طيور الأبابيل إذا ما أصابت شخصا تظهر فى جسمه بثور مثل البثور التى تظهر فى الشخص المصاب بالحصبة والجدرى، والذين أصيبوا بها ماتوا وهلكوا من شدة أوجاعها والبقية الباقية وصلوا إلى الحدود اليمنية بكل صعوبة ونجوا بجلدهم فارين.
حينما تشتت جيش أبرهة واضمحل كما سبق تعريفه، هجم أهالى مكة على معسكره وأخذوا ما وجدوه من أموال وأسلحة وأشياء ونالوا ثروة وأصبحوا من أهل اليسر والغنى ونالوا غنائم بدون أن يتعبوا ودون أن يتعرضوا للمحاق والمشاق وذلك لحرمة حبيب الحق رسول رب الفلق وتضاعفت شهرتهم عن ذى قبل ونجوا من شر العدو القوى الشرس الذى أخاف عربان جزيرة العرب، كما أن القبائل المعارضة لهم انصرفت عن حربهم وقتالهم لأنهم اعتقدوا أن أهل مكة مؤيدون من قبل الله.
وقد ولد خاتم الأنبياء سيدنا محمد بعد واقعة الفيل بأربعة وخمسين يوما وبناء على هذا التقدير قد حدث قدوم أبرهة إلى مكة ومغادرته لها فى أواسط شهر المحرم ويوافق ولادة النبى- ﷺ -في شهر ربيع الأول الموافق لشهر أبريل من الشهور الرومية.
قد أطلق العرب على السنة الميلادية التى توافق خمسمائة وتسع وستين «عام الفيل» وقد اتخذوا هذه الواقعة مبدأ تاريخ لهم وتفاخروا بها وأنشدوا فى حقها أناشيد وألقوا القصائد وأخذوا يعظمون أهل قريش ويوقرونهم قائلين «هؤلاء أهل الله، لذلك أهلك الله أعداءهم»،لا يستطيع إنسان أن يحصى الأشعار والقصائد التى ألقيت بخصوص هذه الواقعة وإننا قد أدرجنا بعض هذه القصائد المختارة من قبل المؤرخين.
والقصيدة الآتية من جملة تلك القصائد وقد أنشدها عبد المطلب بن هاشم.
стр. 407
قلت والأشرم تردى خيله ... إن ذى الأشرم غربا لحرم
كاده يتبع فيمن جندت ... حمير والحى من آل قدم
فانثنى عنه وفى أوداجه ... جارح أمسك فيه بالكظم
نحن أهل الله فى بلدته ... لما يزل ذلك على عهد أتم
إن للبيت لربا مانعا ... من يرده بآثام يصطلم
والأبيات التالية من قصيدة طويلة لعبد الله بن الزبعرى بن عدى بن قيس بن عدى بن سعيد (١) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، يقول عبد الله بن الزبعرى:
يتكلموا عن بطن مكة أنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالى حرّمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف ينبى الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها
وعرض ابن الزبعرى فى المصراع الذى قال فيه «بل لم يعش بعد الإياب سقيمها» بأن أبرهة هلك أيضا في صنعاء. كما أنشد هذه الأبيات أبو قيس صيفى بن الأسلت بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك الأوسى:
ومن صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه ... وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه ... مغولا إذ يمموه قفاه كلم
فولى وأدبر أدراجه ... وقد باء بالظلم من كان ثم
стр. 408
وينسبون القطعة الآتية إلى أمية بن أبى الصلت-الأبيات:
فقوموا فصلوا لربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبى يكسوم (١) هادى الكتائب
فلما أتاكم نصر ذى العرش ... ردهم جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله الأحباش غير عصائب
أراد أبرهة أن ينجو من هذه الكارثة المهولة وطلب من «نفيل المكى» الذى مازال فى أسره أن يدله على الطريق فأجابه قائلا:
«أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب»
حينئذ اعتمد على نفسه في الفرار ووصل إلى بلاد الحبشة بصعوبة يقع تارة فى الطريق ويقوم أخرى، وقص كل ما حدث على النجاشى بالتفصيل، واصفا شكل الطيور وصورها فقال النجاشى: ما أعجبه من حادث أيا ترى ما نوع هذه الطيور؟! فأشار أبرهة إلى طائر قائلا: كانت تشبه لهذا الطائر الصغير وإذا بالطائر يرمى الحجارة التى يحتفظ بها على أبرهة ويقضى عليه بحيث قطع الحجر يديه من منكبيه، ورجليه من فخذيه بينما أصابه واحد من الحجارة فى رأسه وأهلكه.
وبناء على رواية أخرى أن أبرهة لم يهلك بحجارة طير الأبابيل بل مرض بمرض الجذام الخبيث وعاد إلى اليمن بعد ما ترك أبا يكسوم نائبا عنه حيث لقى حتفه (٢).
إن أبا يكسوم هذا أخذ يقص للنجاشى أحداث طيور الأبابيل، وإذا بأحد طيور الأبابيل الذى كلف بإهلاك أبى يكسوم هذا يلقى بحجر على أبى يكسوم بمجرد الانتهاء من كلامه وهكذا تأسف النجاشى إذ عرف كيف هلك جيشه فى أرض مكة.
قد حدثت وقعة الفيل الغريبة في اليوم السابع عشر من شهر المحرم فى وقت
стр. 409
الفجر. كما أن النبى- ﷺ -شرف الوجود ليلة الاثنين من الثانى عشر من شهر ربيع الأول، فكانت ولادة النبى ﷺ بعد حادثة الفيل بأربعة وخمسين يوما بالتمام.
بعد ما هلك أبرهة على الوجه الذى ذكر اختلف الأحباش فيما بينهم وتركوا العناية بالقليس.
وأهملت كنيسة الأحباش فترة طويلة حتى تحول ما حولها إلى غابات وأصبحت مقرا للوحوش والسباع، حتى أن الذين يرون منظرها الذى يثير الدهشة-يخافون أن يمروا من جانبها.
وبعد فترة باتت بجانبها قبيلة من عربان البادية فى ليلة من اليالى وأوقدوا نارا فسرت شرارة منها إلى تلك الكنيسة فاحترقت وانمحت من الوجود.
ويزعم بعض المؤرخين أن الخليفة الأول أبو العباس السفاح من خلفاء الدولة العباسية قد عرف أن القليس قائمة كما هى فأمر والى اليمن بهدم تلك الكنيسة وهكذا استطاع أن يستولى على الدر واليواقيت التى لا تعد ولا تحصى.
استطراد:
بناء على ما قرره علماء طبقات الأرض بعد الكشف على الفيل محمود أنه من فصائل الأرض الثالثة إلا أنه قد شوهد في الأرض الرابعة أيضا.
ويستدل من الحكاية التالية على أن محمود كان من الحيوانات الضخمة فى الجثة وإقدام أبرهة على هدم الكعبة بفيلين أو اثنى عشر فيلا فقط.إلا أنه إلى وقتنا هذا لم ير حيوان فى ضخامته كما أن علماء طبقات الأرض والطبيعة لم يكتبوا شيئا عن وجود حيوان ضخم مثله فى كتبهم.
إلا أن صياد السمك قد وجد جثة حيوان ضخم متجمد بين الثلوج قبل هذا بست وسبعين سنة في مصب نهر (لنا) بسيبريا.
إلا أنه لم يستطع أن يعرف كنه هذه الجثة، لذا تركها على حالها وعاد. وبعد ما ذابت الثلوج بخمسة أعوام ظهرت الجثة للعيان واستطاعت المياه أن تدفعها إلى شاطئ النهر بالقرب من قرية فانتزعها سكان القرى المجاورة.
стр. 410
كما أن كلاب العراء والوحوش التى أقبلت من فوق الجبال ظلت تأكل لحمها فترة ولم يبق منها إلا هيكلها العظمى بدون رجليها الأماميتين.
وأرسلت أكاديمية بطرسبورج متخصصا ليعاين الجثة وبعد المعاينة قرر ذلك المتخصص أن الجثة جثة الفيل محمود واسترجع بقايا الجثة من أيدي القرويين ولم يكن قد بقى منها غير الرأس والأنياب ومع هذا لم يستطع أن ينقلهما إلا بهمة عشرة من الحمالين.
قد وزن أنياب هذا الحيوان فوجدها (١١٢) أقة، فإذا ما سلمنا بضخامة جسم الفيل محمود بهذا القدر وعرفنا بناء على الروايات أن أبرهة قد ساق أربعة آلاف فيل لهدم الكعبة-المستحيل التنفيذ-نستطيع أن نفهم بأدنى ملاحظة عدد السياس الذين يحتاج إليهم أبرهة للعناية بالفيلة ومن هنا لا يستبعد أن يكون عدد المشتركين في الجيش ستين ألفا.
معلومات خاصة فى صورة خلقة الفيل وكيفية العناية به:
إن الحيوان الذى نطلق عليه الفيل قد خلق بخصائص تميزه عن جميع الحيوانات، لقد استخدم الناس فى الأزمنة القديمة الفيل فى الحرب وفى أعمال شاقة أخرى.
بما أن الفيل يتصف بالصدق والوفاء والحلم والذكاء وهى من الصفات الحميدة فما لا شك فيه أن الإنسان يمكنه أن يستفيد منه.
ومن صفاته الحدة والغضب أيضا إلا أنه يعرف مدى قوته، لذلك يكظم غيظه وحدته ولا يتهور إلا إذا تعرض للخطر.
وبما أن قوته تامة وكاملة فإن هذا يدفعه إلى أخذ ثأره ممن أساء إليه، ولكنه يشكر نعم من أحسن إليه ويبين له صداقته.
إن عينيه صغيرتان بالنسبة لضخامة جسمه. وبما أن عينيه الصغيرتين مرآة لما يعتمل فى أعمال نفسه يمكن أن يفهم من حركة عينيه شكره ومجاملته وغضبه وتهوره.
стр. 411
أذناه مبسوطتان كبيرتان عريضتان وأرجله غليظة وجلده تخفيه طبقة فوق طبقة وله خرطوم يرتخى من فيه.
وبما أن خرطومه فيى غاية القوة فهو يدافع به ضد كل شئ وغير هذا له نابان قويان بارزان من جانبى فمه فإذا اضطر استخدمهما فى الهجوم أو الدفاع.
وقد استخدمه الناس فى الأزمنة القديمة مستفيدين من طبيعته الحليمة في جميع الأعمال. والآن يستخدمه الناس فى آسيا والهند كحصان عادى، حتى إنهم يقدمون على صيد الحيوانات المفترسة بواسطة الفيلة.
كان الأوائل يبنون قلاعا صغيرة ويملأونها بالأسلحة الخاصة بزمنهم مثل الخنجر، الرمح، السهم، القوس السكين ويقومون بتعبئتها بالجنود القادرين على الحرب والضرب ثم يحملون الفيلة بهذه القلاع والحصون الصغيرة ويسوقونها إلى ميدان المعركة.
يروى أن «بدوس» ملك الهند قد ساق مثل هذه الحصون فى حروبه ضد الإسكندر الأكبر الشهير فى آسيا فى سنة ثلاثمائة قبل ميلاد عيسى ﵇.
والخلاصة أن الأقوام الهندية كانوا يسوقون فى حروبهم الفيلة المدربة لنظم قتالهم قبل اختراع الأسلحة النارية وتعد أقوى جيوشهم وفيالقهم، تلك التى تضم هذه الحصون المتنقلة. وبما أن الفيلة تخاف وتنفر من دخان البارود وضوئه ومن أصوات المدافع والبنادق فقد أهمل سوق الفيلة فى ميادين الحرب، منذ اختراع الأسلحة النارية.
فى تعريف رصانة أبنية القليس:
إن معبد الأصنام الذى بناه أبرهة فى صنعاء اليمن كان بناء متينا مربع الشكل، وكان ارتفاع جدرانه ستين ذراعا «٨٥ قدما» وكان سمك جدرانها ستة أذرع «٨ قدم و ٨ بوصة».
وكانت قاعدتها السفلية قد ملئت قدر عشرة أذرع وفرشت بحجارة ملونة مصقولة ووضعت أمام الباب سلالم من الرخام المجلو الصقيل.
стр. 412
إن مقدار ٢٠ ذراعا «٢٨ قدم ٤ بوصة» من الجدران ابتداء من الأرض كانت مبنية من الحجارة المنقوشة التى يطلق عليها اليمانيون «حورب» والجزء الأعلى منها كان مصنوعا من الرخام الملون العجيب فى أشكال مثلثة وركزت فوق زوايا المثلث الرأسية تماثيل مصقولة مصنوعة من خشب الآبنوس ونصبت فوق كل هيكل أعمدة مصنوعة من المرمر.
وكان يحيط -دائرا ما دار-ببيت القليس حائط عال فى غاية العلو ومتين وفى اتساع مائتى ذراع أى ٣٨٢ قدم و ٤ بوصات بينه وبين البيت، وكانت بوابة كبيرة تفتح فى محاذاة باب بيت القليس، وكان ارتفاع مصراع البوابة ١٤ ذراعا أى ١٩ قدم،١٠ بوصات وعرضه أربعة أذرع أى ٥ أقدام و ٨ بوصات وكان مصنوعا من قطعة واحدة من النحاس.
وكان يربط بين بوابة الحائط الخارجى ودرج باب بيت القليس جسر معلق فى طول ثمانين ذراعا أى ١١٣ قدم و ٤ بوصات وفى عرض أربعين ذراعا أى ٦٥ قدما و ٨ بوصات وكانت كل مساميره من الذهب والفضة وخشبه من خشب شجرة الساج.
وكان فى داخل بيت القليس قصر عجيب فى اتساع أربعين ذراعا مربعا أى ٥٦ قدما و ٨ بوصات وكان على يمين ويسار هذا القصر شجرة عظيمة مصنوعة من الذهب حاملة الكرة الأرضية وصور الكواكب وكان في داخل هذا القصر قبة كقبة السماء مبنية فوق أربعة أعمدة متساوية متوازية وكان فى مركز استقامة هذه القبة قصر آخر قد زين داخله وخارجه بالذهب والفضة وهو قصر مشع يثير العجب والدهشة وكان فى وسط هذا القصر عمود شفاف مجلو وكان يلمع ويتلألأ كلما انعكس عليه ضوء الشمس والقمر.
وكان العمود المذكور فى ارتفاع عشرة أذرع أى ١٤ قدما، وبوصتان وقد علق على جوانبه كثير من السلاسل الفضية وقد اتصل به كرسى مصنوع من العاج والأبنوس وغطيت أدراج هذا الكرسى بعضها بالذهب وبعضها بالفضة قد مرت على جانبيه قطعتان من الخشب المنقوش المسميتان ب «كعيب. إمرة كعيب»
стр. 413
وكانت القبائل الحميرية قد اتخذت كعب وإمرة كعيب إلها ويؤمنون بأنه يخبر عن الخير والشر ولذا يتعبدون له ويزورون ويطوفون حول بيت القليس من داخل السور.
وقد بلغ قوة معتقد الحميريين بكعيب أو إمرة كعيب حدا يفوق معه أن كل من يقصر فى تعظيمهما أو إجلالهما سوف يتعرض حتما لغضبهما، لذا كانوا يفرون منه خوفا من أن يصيبهم شر غضبهما.
قد دام هذا المعتقد مدة طويلة لدرجة أنه لما تهدم بيت القليس وخرب، وبينما تباع أنقاضه مرض أحد الذين اشترى الشجرة التى كان يطلق عليها أبرهة كعيبا صدفة فقيل إن كعيبا قد أصابه بسوء، ولما عرفوا أن الرجل قد شفى واعتدل مزاجه استعجبوا من ذلك.
قصة بيت أصنام بنى بغيض:
قد بنى بنو بغيض بن ريث بن غطفان فى فترة ما رغم وجود الكعبة المعظمة، بيت كفر وأسندوا سدانته إلى بنى مرة بن عوف الغطفانى، إلا أن زهير بن جناب بن خليل (١) بن كنانة بن بكر بن عذرة الكلبى، وهو من الكهنة المشهورين، جمع قوة عسكرية وأحرق معبد الأصنام المذكور وهدم جدرانه ومحاه من الوجود.
كان زهير بن جناب من رؤساء قبائل قضاعة، عرف بسداد الرأى وعاش (٢٥٠) عام أو على قول آخر (٤٥٠) عام وخاض فى أثناء حياته هذه مائتين من الوقائع.
وقد تغلب زهير على العربان الذين أرادوا أن يدافعوا عن معبد الأصنام الذى خربوه وأسر أولادهم ونساءهم ونهب أموالهم وبناء على توسلات بنى غطفان أعاد لهم أسراهم كلهم.
стр. 414
هجوم ملك الروم .. بقصد تخريب كعبة الله القيوم:
إن ملك الروم الذى عاصر ألب أرسلان من ملوك آل سلجوق، تحرك ضد الإسلام وبناء على ما جاء فى تاريخ رضوان باشا قد نوى وقصد هدم البيت المعظم بسوق مليونين من الجنود، وحينما عرف ألب آرسلان بهذا الخبر أسرع بإعداد قليل من الأبطال فى شجاعة الأسود، وخرج من أصفهان وقابل المعاندين الروم فى مكان قريب من ديار بكر وابتدر بحربهم واستطاع أن يأسر رومانوس ملك الروم بينما كان مشغولا بالصيد كما أسر من كان معه من الصيادين وكبلهم بالسلاسل وأعمل السيف في جنده الذين أعدهم لسوقهم إلى مكة ودمرهم بينما هرب من نجا من السيف (١).
وإن كانت هذه الواقعة منقولة من تاريخ رضوان باشا إلا أن أبا بكر الطرطوشى (٢) مؤلف «سراج الملوك» يكتب عن انتصار ألب آرسلان على رومانوس بهذه الصورة.
إن القيصر رومانوس (٣) حشد جيوشه للاستيلاء على البلاد الإسلامية والقضاء على الأمة الإسلامية من على سطح الأرض.
وكان لهذا الخبر وقعه السيئ فى المدن الإسلامية، فاضطرب ملوك المسلمين واضطروا إلى أن يتخذ كل واحد منهم وسائل الدفاع ويعد جنودا-قدر استطاعته-وبقى منتظرا قدوم الأعداء.
وكان ألب آرسلان (٤) فى ذلك الوقت في أصفهان فأعد قوة عسكرية صغيرة
стр. 415
وخرج من المدينة ليدافع عن دينه ضد أعدائه وعقب ذلك ظهرت طلائع جيش رومانوس ونصبوا خيامهم أمام معسكر جيش أصفهان.
ولما كانت الليلة ليلة الجمعة كان الأعداء فى حالة إعياء أجلوا القتال للصباح بالاتفاق وعينوا حراسا وباتوا يتكاثرون إذ أخذوا يفدون طول الوقت.
وفى الصباح أرسل المسلمون الجواسيس ليطلعوا على أحوال جيش العدو وقد رأى هؤلاء أن جند العدو أكثر من رمال الصحراء وقد ملئوا الجبال والصحارى وكان معسكر رومانوس بحرا زاخرا وعدة الجيش وعتاده مما يخرج عن الحصر والتخمين.
ولما رأى ألب آرسلان أن قوته بالنسبة للأعداء كخال أسود على جسم ثور أبيض عرف أن مقاومة عدو فى هذه الضخامة غير مجدية، وأمر بعقد مجلس شورى مع كل الذين يهمهم هذا الأمر.
وكانت نتيجة المناقشات والمشاورات أنه يجب أن يعد جميع أسباب الحرب والمقاومة حفظا لكرامة الأمة الإسلامية، وعرضت نتيجة المشاورة على ألب آرسلان وقد ساند المسلمون بعضهم بعضا، وقد تهيئوا للقتال.
وقد سر ألب آرسلان من هذا القرار وقال اليوم الجمعة وهو يوم مبارك، مادمنا سنحارب فلنصبر إلى أن نصلى صلاة الجمعة لأن الخطباء سيدعون فى هذا اليوم فى جميع أنحاء العالم الإسلامى بانتصار جيش الموحدين، ثم نخوض المعركة لإعلاء كلمة الله ثم بعث بعيونه إلى معسكر العدو، وطلب منهم أن يعرفوا مكان خيمة رومانوس وشكله وهيئته، وبعد ما اطلع على ما يريده جمع رجاله الأبطال، وقال لهم: أهجموا حيث أهجم ووجهوا سيوفكم وسهامكم ورماحكم حيث أوجه، ثم هجم على خيمة رومانوس ساحبا جنده خلفه-وقتل القيصر وبث هذا العمل الرعب والفوضى فى معسكر الأعداء فاضطربوا باكين مولولين.
حينما رأى العدو أن جنود المسلمين يهاجمون جيوشهم كالأسود الشجعان غير
стр. 416
مبالين بمن يقع منهم اضطربوا أيما اضطراب وقرروا الفرار (١).
وبناء على هذا النصر اغتنم المسلمون أموال أعداء الدين والوطن؛ وأسروا الذين لم يستطيعوا الهروب.
وقد قبض على القيصر رومانوس أيضا وسيق إلى حضرة ألب آرسلان، الذى قال له وقد مثل أمامه: أيها القيصر! كيف كنت تعاملنى لو كنت أسرتنى؟ فتلقى منه ردا: حتما كنت قتلتك، فقال له: إنك أحقر فى نظرى من أن أمد يدى عليك بالقتل.
وعرضه للبيع فى المزاد العلنى في معسكره، وأعلن عنه بضعة أيام ولم يظهر أحد يرغب فى شرائه، وأخيرا ظهر شخص يريد أن يبادله بكلبه، وبلغ الخبر ألب آرسلان وأحضر الكلب وصاحبه والقيصر رومانوس عندئذ قال الملك منصفا صاحب الكلب إننى أرى أن كلبك خير منه، وأطلق سراح رومانوس وأعاده إلى بلاده.
وكان ألب آرسلان عند ما قال لصاحب الكلب: إن كلبك خير من رومانوس، يريد أن يشير إلى أن القادة الذين لا يستطيعون حماية جنودهم من الهزيمة لا يستحقون أن يكونوا قادة، كما أن رومانوس قد تسبب فى هزيمة جيشه وأسره لأنه لم يتخذ الاحتياطات اللازمة.
كتب كاتب جلبى فى موجزه الذى كتبه باللغة العربية قد تملك آلب آرسلان فى ٤٥٥ هـ الموافق ١١٦٤ مدينة حلب وسرح جنده مبقيا معه ١٤٠٠٠ ألف مقاتل.
وقد انتهز رومانوس هذه الفرصة واستولى على ملك المشار إليه وهو غافل، وقرر آلب آرسلان مقاتلة الروم بجنده الذين معه إذ لم يعبأ جنده كلهم عقب محاولة رومانوس الاستيلاء على ملكه، ولكنه رأى بلاده قد احتلت بجنود أكثر من جراد الصحراء فاضطر لطلب المصالحة.
стр. 417
ولما كان هدف رومانوس هو القضاء على الأمة الإسلامية لم يرغب فى الصلح وأعلن أنه لن يتنازل عن القتال، حينئذ توكل آلب آرسلان على الله وخاض الحرب وأحرز النصر الذى ذكر من قبل، وهكذا ترك فى صفحات التاريخ ما سيخلد اسمه على مدى الأيام.
فليزد الله- -من عمر خليفة وجه الأرض والسلطان العادل السلطان عبد الحميد الثانى، ولينصر جيوش الموحدين فى كل زمان ومكان، وليقهر ويدمر أعداء الوطن والدين بجاه سيد المرسلين. آمين.
وإن كان هناك خلاف بين رواية رضوان باشا فى تاريخه ورواية صاحب «سراج الملوك» ومؤلفه، فبما أن حرب رومانوس كانت ضد جميع المسلمين فليس بمستبعد أن يكون أمله تخريب كعبة الله.
كتب مؤرخو الروم أن جيوش قيصر الروم قد انهزمت فى حروبها ضد السلطان علاء الدين فى الأناضول، وأسر رومانوس ثم أطلق سراحه بعد أن نال العفو ورجع إلى عاصمة ملكه حيث سملت عيناه.
من بين فروع السلاجقة التى حكمت فى قونيه ملكان حملا اسم علاء الدين وقد مات أحدهما فى سنة ٦٣٤ هـ الموافق السنة ١٢٣٧ الميلادية، والآخر توفى فى السنة ٧٠٠ هـ الموافق للسنة ١٣٠١ الميلادية.
وبناء على هذا من قول المؤرخين المشار إليهما فإن رومانوس قد أسر فى حربه ضد السلطان علاء الدين يقتضى أن يكون خطأ؛ لأن رومانوس قد اعتلى كرسى الحكم سنة ١٠٩٩ الميلادية، وبعد أربعة عشر عاما من الحكم غادر دنيانا وهذا ثابت باعترافهما.
وعلى هذا التقدير فإن حكم رومانوس كان قبل وفاة السلطان علاء الدين بمائة وثمان وثلاثين سنة، ويتحقق أنه كان معاصرا لألب آرسلان.
стр. 418
الصورة العاشرة
فى تجديد مبانى الكعبة المقدسة للمرة التاسعة
قد جددت أبنية كعبة الله للمرة التاسعة من قبل «عبد الله بن الزبير بن العوام- رضى الله عنه-،وسبب هذا التجديد ضرب «حصين بن نمير» كعبة الله المقدسة وتخريبها بعد حرقها مستخدما المنجنيق.
وبعد ما بلغ خبر استشهاد قائد شهداء كربلاء إلى الأقطار الحجازية غمر الحزن الأسى فى قلوب السكان بموت حفيد النبى (الحسين بن على المرتضى) رضى الله عنهما. ورانت على القلوب علامات الدهشة، أراد عبد الله بن الزبير أن يعزى أهل مكة واستدعى أكابرها وأعاظمها ثم صعد المنبر وحمد الله- وأثنى على نبيه- ﷺ -وفق طريقة خطباء العرب-ثم ألقى خطبة بليغة ذات أثر شديد، وأخذ يعدد معايب يزيد البليد ومظالمه وجذب إليه قلوب الناس.
خطبة ابن الزبير:
(يا صناديد الحرم إن معظم سكان بلاد العراق وأقطاره بلاد الآفاق أهل غدر وفتنة. إنهم قد استدعوا قرة عين الرسول ونور بصر البتول الإمام الهمام «الحسين بن على بن أبى طالب» -رضى الله تعالى عنهم-بوسائل مختلفة ورسائل عديدة وإن دناءة سكان الكوفة تفوق دناءة سكان الولايات الأخرى الذين تجرءوا على استقبال الإمام بسيوف الغدر المسلولة. إنهم أهانوا وردة الروضة النبوية مع أكثر أهله إذ أوردوهم مورد الشهادة بسيوفهم الغادرة.
إن هذه الطائفة الباغية قد قتلت واحدا من أهل الصلاح والسعادة الذى كان يقضى ليله عابدا ونهاره صائما، بينما كان الناس يقضون أوقاتهم متمتعين بفرط غناهم ويستمتعون بملذات دنياهم فى سفاهة، كان هذا الملك الربانى يقضى أوقاته فى البكاء من خشية الله، بينما كان الآخرون منتشين من ملذات الحياة
стр. 419
وسكارى من جاههم، كان الإمام الشهيد فى مجلس ذكر الله ومقامه وكان صائما دائما حذر الحرام».انتهى.
قد عرف يزيد العنيد أن عبد الله بن الزبير يمتنع عن البيعة له معتمدا على كعبة الله وأهل الحرمين، ولذا بعث إليه الرسل يطلب منهم أن يأخذوا بيعة عبد الله بن الزبير، وإلا يسوقوه مصفدا بالسلاسل إلى الشام، إلا أن عبد الله بن الزبير رد على رسل يزيد قائلا: لا أبايع يزيد ولا أسافر معكم إلى الشام، وبناء على هذا عاد رسل يزيد خائبين ونقلوا ما حدث إلى يزيد.
ولم يقنع يزيد بمن بعثه من الرسل بل اختار سبعة من صناديد الشام ومعهم «نعمان بن بشير الأنصارى وعبد الله بن عضاه (١) الأشعرى» و «مسلم بن عقبة المزنى»،وبعثهم جميعا إلى عبد الله بن الزبير.
لقى رسل الشام عبد الله بن الزبير وبذلوا كل جهدهم ليأخذوا منه البيعة ليزيد، وعند ما كانوا يلحون على أخذ البيعة منه، قال عبد الله بن الزبير مخاطبا نعمان بن بشير: من فينا أعلى مكانة بين قومه؟ أنا أم يزيد؟ والدى وعماتى وخالاتى أم والد يزيد وعماته وخالاته؟ وكان رد نعمان بن بشير: يا ابن الزبير إن والدك حضرة الزبير، ووالدتك ذات النطاقين أسماء بنت أبى بكر، وخالتك عائشة بنت الصديق، وعمة أبيك خديجة الكبرى، ومن هنا فمن جهة أقاربك وقبيلتك فأنت أعلى منزلة من يزيد، فقال له عبد الله: هل تستصوب بيعتى ليزيد وأنت تعرف كل هذا؟ فهل ترى أنه من المناسب أن أبايع يزيد؟ قال: لا أراه مناسبا وبهذا تمسك عبد الله بن الزبير برأيه ورفض البيعة ليزد رفضا باتا، وعاد رجال الشام خائبين. بينما كان رسل الشام فى طريقهم إلى بلادهم أخذ عبد الله بن الزبير بيعة أهل الحجاز وتهامة وضمهم فى صفه ما عدا «عبد الله بن عباس ومحمد بن أبى بكر» وطرد ولاة يزيد وموظفيه من حدود أرض الحرمين الميمونة.
стр. 420
اطلع يزيد على ما حدث وأراد أن يؤدب أهالى المدينة المنورة ومكة المكرمة، وأرسل جيشا تحت قيادة الخائن «مسلم بن عقبة المزنى» وزوده بتعليمات غير لائقة، إذ أمره أن يجرى مذبحة فى المدينة المنورة وينهب أموالهم، وبعد ذلك يتجه إلى مكة المكرمة حتى يقبض على ابن الزبير ولما كان مسلم عازما على تنفيذ أوامر سيده حرفيا تعلم من «عبد الملك» فن الدسائس والحيل وطبقه على أهل المدينة، وقتل منهم ستة آلاف أو أربعة آلاف بناء على قول آخر، ثم اتجه إلى مكة المكرمة وبعد مرور ثلاثة أيام من خروجه من المدينة ساء مزاجه ويئس من حياته.
استدعى بناء على الأمر الذى كان تلقاه من يزيد فى الشام «حصين بن نمير الكندى» وقال له: قد عينتك قائدا لهذا الجيش. يجب أن تصل إلى مكة وتعلن الحرب وتشعل نار القتال حتى تقبض على ابن الزبير. ولا تقل إن مكة بلد الله، كيف نحارب جيران بيت الله؟ بل من واجبنا أن نحترمهم ونرعاهم؟! بل بادر بنصب المجانيق على رءوس الجبال، وألق الحجارة على كعبة الله ناويا تخريبها حتى تثير الفزع فى نفوس الناس وحاصرهم، وضيق عليهم سبل العيش، قال هذا وانحدرت روحه إلى جهنم وهلك عند ما وصل إلى جبل مشلل.
حدثت وقعة المدينة المنورة المذكورة الأليمة سنة ٦٢ هجرية (١) الموافق ٢٨ من ذو الحجة وفى يوم الأربعاء، وكان عدد الذين نالوا ثواب الشهادة من أهل المدينة المهاجرين والأنصار ٧٠٠ شهيد وكان الباقى من التابعين والموالى.
قد تعرضت المدينة المنورة فى تلك الوقعة للنهب والسلب مدة ثلاثة أيام، وأكثر من ألف امرأة للاغتصاب على ما ينقله الرواة.
قد ذكرت بالتفصيل كيفية وقوع حادثة المدينة فى بحث وقعة الحرة وفى الصورة التاسعة من الوجهة الثالثة من مرآة المدينة فمن يرغب الاطلاع عليه الرجوع لهذا الكتاب.
стр. 421
قد نصب «حصين بن نمير» وفق الأوامر التى تلقاها من مسلم-الذى يناقض حقيقته اسمه-فى شهر المحرم من السنة المذكورة مجانيق فوق جبل أبى قبيس وجبل أحمر، وحاصر مكة أربعين يوما وقتل كثيرا من المسلمين وعذب أهل مكة، وضيق عليهم الخناق.
وفى هذه الفترة وصل خبر هلاك يزيد-الظاهر الشناعة-فاضطر حصين للعودة. دامت هذه الحرب والمحاصرة من اليوم الثالث والعشرين من شهر محرم إلى قرب غرة ربيع الآخر، واحترقت أستار الكعبة وسقفها وانشقت جدرانها وتحطمت من جراء النار التى سرت من الحجارة المحرقة التى انهالت عليها، كما احترق قرنا الكبش الذى أنزله الله من السماء لفداء إسماعيل، واللذان كانا معلقين على سطح الكعبة.
وقعت فاجعة احتراق الكعبة فى يوم السبت الثالث من ربيع الأول، إلا أن حصين بن نمير قد استمر فى الحرب إلى أن بلغه خبر وفاة يزيد. وقد عرف خبر وفاته بعد احتراق الكعبة بسبعة وعشرين يوما. فترك مكة المكرمة فى ليلة الأحد اليوم الخامس من ربيع الآخر وقفل راجعا.
يروى أن هذا الحريق الهائل بدأ من احتراق خيمة، والمؤرخون الذين قبلوا هذه الرواية وضحوا الحادث بهذه الصورة: إن الشجعان الذين انضموا إلى عبد الله بن الزبير لجأوا إلى المسجد الحرام مأمن الإسلام، واحتموا بساحته ونصبوا خيامهم على جوانبه الأربعة، وكانت غايتهم من ذلك أن يحتموا بها كلما زادت حرارة الشمس وكلما ألقيت الحجارة من المجانيق.
وقد نصب حصين بن نمير المجانيق فوق جبل أبى قبيس وكذلك الجبل الأحمر، وكانت الحجارة الملفوقة بخرق مبللة بالزيت والملقاه على الكعبة لا تنقطع عن الانهمار.
قد دوام الشوام على إلقاء الأحجار إلى حد أن الأحجار التى أصابت البيت
стр. 422
الشريف مزقت كسوته إربا إربا، كما أن الأبنية المباركة تداعت وتهاوت وبدأت أحجارها تتساقط.
وفى يوم اشتدت برودته وعصفت رياحه تطايرت شرارة من نار إحدى الخيام فأحرقتها، وكانت الخيمة منصوبة بين باب الصفا والركن اليمانى، وانتقلت الشرارة إلى ستارة الكعبة الممزقة فأحرقتها، وانتقلت النار من الستارة إلى الأحزمة الخشبية التى تحيط بالكعبة فاحترقت، ومنها إلى حيطان الكعبة وتحول البيت إلى قطعة نار.
وبما أن البيت المعظم كان من المبانى المقدسة التى أقامتها قريش فكان قابلا للاحتراق؛ لأن القرشيين كانوا قد بنوا البيت من أساسه إلى سقفه جاعلين جدرانه طبقة من الحجارة وطبقة من حزام خشبى. وبينما كانت الأحزمة الخشبية لجدران الكعبة تحترق تحرك الحجر الأسود من مكانه فأراد عبد الله بن الزبير أن يثبته بإذابة فضة وصبها على جوانبه؛ إلا أن أركانه الأربعة كانت قد تكلست بشدة النار كما أن الركن الكائن فيه أصابه الوهن فلم يمكن عمل شئ.
وكانت جدران بيت الله حيثما يحط عليها الحمام تتفتت تحت تأثير سيقانه، مما حمل من يشاهده من المؤمنين على البكاء دما بدلا من الدموع، وفى النهاية مضت جماعة من القرشيين (١).وبنى أمية إلى حصين بن نمير وأخبروه أن الحجارة التى رماها قد خربت الكعبة المعظمة؛ إلا أنه أنكر أن يكون قد خرب الكعبة، وفى هذا الوقت بلغه نعى يزيد فكف عن الحرب والحصار وسحب جنده وعاد إلى الشام.
стр. 423
الشكل العاشر
]
جمع عبد الله بن الزبير الأعيان وعظماء الناس من مكة عقب الحرب، وذكرهم بأنه يأمل أن يعالج ما تهدم من أبنية الكعبة ويجددها-كما ذكرهم بحديث بانى أركان الشريعة الرصينة عليه أكمل التحية إذ قال لعائشة-رضى الله عنها- «يا عائشة لو لم يكن قومك قريبى العهد بالجاهلية لهدمت أبنية بيت الله وجعلت للبيت بابين يفتح أحدهما على الشرق والآخر على الغرب، وأدخلت إلى بيت الله من الحجر مقدارا ما طوله ستة أذرع أى ثمانية أقدام» (حديث شريف) وبما أن مال قريش الحلال لم يكف لإدخال الحجر فى البناء عند ذلك الوقت تركوه خارج البيت، ثم قال لها تعال أريك الجزء الذى أبقوه خارج البيت ثم أخذها إلى تحت الميزاب وقال: هذا هو المكان وأشار إلى مكان حجر إسماعيل ما مقداره سبعة أذرع أى ٩ أقدام و ١١ بوصة، ثم قال عبد الله للمجتمعين إنما أردت أن أبين لكم أن النبى- ﷺ -أجاز تجديد الكعبة، وفى نفس الوقت أردت أن أبحث الموضوع معكم وأستشيركم. وكلكم تعرفون أن الحجر الأسود (١) قد تحطم من أثر ضربة بحجارة حصين النارية وألصق بالفضة المذابة، كما أخذت حجارة جدران كعبة الله تتساقط من جميع الجهات.
وبهذه الكلمات البليغة ابتدأ عبد الله باستفسار رأى عظماء الحاضرين ثم أخرج الحجر الأسود من مكانه ووضعه فى صندوق بعد أن لفه فى قطعة من الديباج، وأغلق الصندوق بقفل وحفظه فى دار الندوة، كما أمر أن تحفظ الهدايا الموجودة فى خزانة الكعبة فى دار شيبة بن عثمان.
стр. 424
اجتمع أعيان الأشراف ووجهاءهم عند ابن الزبير ووافق بعضهم (١) رأيه وخالفه البعض الآخر (٢)،غير أن ابن الزبير لم يلق بالا إلى رأى المخالفين، واستقر رأيه على تنفيذ ما فى ضميره.
وخاف أهالى مكة من هدم كعبة الله وهربوا إلى قمم الجبال، وأظهر عمال البناء استياءهم من هدم الكعبة بالتراخى فى العمل. ولما رأى عبد الله بن الزبير ذلك جعل بعض عبيده الحبشيين ذوى السيقان الرفيعة يصعدون فوق الكعبة مبطلا الحكم الحديث الذى يحفظه عن النبى- ﷺ «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة».
وبدأ فى هدم البناء يوم السبت الخامس عشر من جمادى الآخر من السنة المذكورة، وأراد أن يحضر من اليمن نوعا من المادة المستخرجة من الزعفران ليخلطها بالمونة اللازمة لبناء البيت، ولكن بناء على اعتراض بعض أهل التخصص بأن هذه المادة تحول دون تحجر المونة انصرف عنها، واستحضر من صنعاء اليمن كلس بأربعمائة دينار. وحتى لا يمنع الطائفين من الطواف فى أثناء عمليات البناء. وبناء على إخطار عبد الله بن عباس أحاط البيت بسور خشبى، وغطى السور بستارة من القماش وهدم أبنية البيت حتى وصل إلى أساس إبراهيم القديم، وكان قد حفظ الحجر الأسود بعد أن وضعه فى صندوق فى دار الندوة.
وشرع فى بناء جدران الكعبة وفق ما جاء فى الحديث الشريف الذى ذكر أعلاه على أسس بناء إبراهيم-﵇،الذى عثر عليه وأدخل حجر إسماعيل داخل كعبة الله دون أن يراعى قواعد قريش فى البناء، وفتح بابا عرضه ثلاثة أذرع أى ٤ أقدام و ١١ بوصة فى الجهة الغربية أيضا بلغ ارتفاع الجدران إلى ثمانية وعشرين ذراعا أى ٣٨ قدم و ٣ بوصات، وجعل سمك الجدران ذراعين
стр. 425
أى قدمين وعشر بوصات. إن ارتفاع الكعبة التى بناها إبراهيم-﵇ يصل لستة أذرع وارتفاع كعبة قريش (١٨) ذراعا، حتى قال ابن الزبير إن قريش أضافت (٩) أذرع على ارتفاع كعبة إبراهيم-﵇،وإن أضفت (٩) أذرع على بنائهم فأصبح ارتفاع الكعبة (٢٧) ذراعا.
قد فرش ابن الزبير عشرة أذرع من الساحة التى حول المطاف بالحجارة التى بقيت من بناء الكعبة، وزين الكعبة الشريفة بتعليق كسوة مزينة، وطيب خارج الكعبة وداخلها بالعود والعنبر والمسك وبخرها كما غطى العمودين المسميان بالحنان والمنان بصفائح من الذهب، كما صنع مفتاحا من الذهب لباب كعبة الله المسمى بالمعلا سنة ٦٤ هـ.
عند ما حفر الأسس التى لم تندرس إلى عهد سيدنا إبراهيم، وعمّق ظهر فى الحفر حجارة لامعة وأراد أن يستخرج هذه الحجارة وضرب ضربة شديدة بفأس، وعند ذلك اهتزت أركان الكعبة الأربعة من أثر الضربة واستولى قلق على أهل مكة وندم الذين وافقوا عبد الله بن الزبير فى تجديد الكعبة.
ولم يتأثر عبد الله بن الزبير من قلق الناس قيد أنملة، واستدعى عبد الله (١) الصحابة الأجلاء وأراهم قواعد إبراهيم ثم أمر بطرح الأساس، وأنزل عتبة الباب الشرقى حتى أرض المطاف كما أنزل عتبة باب المعلا الجديد فى الناحية الغربية حتى الحجر الأخضر المتصل بالفسقية الكائنة فى الجهة الغربية.
وكان الحجر الأسود قد ظل فى الحريق الذى حدث فى عهد قريش، وتجزأ وظل أحد أجزائه محفوظا عند أحد الأشخاص من بنى شيبة، وعند ما أراد عبد الله بن الزبير أن يضع الحجر الأسود فى الصندوق أخذ الجزء الذى عند ذلك الشخص وألصقه بالحجر الأسود مستخدما الفضة (٢) ثم حفظه، وعند ما أراد أن