← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قد نصب «حصين بن نمير» وفق الأوامر التى تلقاها من مسلم-الذى يناقض حقيقته اسمه-فى شهر المحرم من السنة المذكورة مجانيق فوق جبل أبى قبيس وجبل أحمر، وحاصر مكة أربعين يوما وقتل كثيرا من المسلمين وعذب أهل مكة، وضيق عليهم الخناق. وفى هذه الفترة وصل خبر هلاك يزيد-الظاهر الشناعة-فاضطر حصين للعودة. دامت هذه الحرب والمحاصرة من اليوم الثالث والعشرين من شهر محرم إلى قرب غرة ربيع الآخر، واحترقت أستار الكعبة وسقفها وانشقت جدرانها وتحطمت من جراء النار التى سرت من الحجارة المحرقة التى انهالت عليها، كما احترق قرنا الكبش الذى أنزله الله من السماء لفداء إسماعيل، واللذان كانا معلقين على سطح الكعبة. وقعت فاجعة احتراق الكعبة فى يوم السبت الثالث من ربيع الأول، إلا أن حصين بن نمير قد استمر فى الحرب إلى أن بلغه خبر وفاة يزيد. وقد عرف خبر وفاته بعد احتراق الكعبة بسبعة وعشرين يوما. فترك مكة المكرمة فى ليلة الأحد اليوم الخامس من ربيع الآخر وقفل راجعا. يروى أن هذا الحريق الهائل بدأ من احتراق خيمة، والمؤرخون الذين قبلوا هذه الرواية وضحوا الحادث بهذه الصورة: إن الشجعان الذين انضموا إلى عبد الله بن الزبير لجأوا إلى المسجد الحرام مأمن الإسلام، واحتموا بساحته ونصبوا خيامهم على جوانبه الأربعة، وكانت غايتهم من ذلك أن يحتموا بها كلما زادت حرارة الشمس وكلما ألقيت الحجارة من المجانيق. وقد نصب حصين بن نمير المجانيق فوق جبل أبى قبيس وكذلك الجبل الأحمر، وكانت الحجارة الملفوقة بخرق مبللة بالزيت والملقاه على الكعبة لا تنقطع عن الانهمار. قد دوام الشوام على إلقاء الأحجار إلى حد أن الأحجار التى أصابت البيت

стр. 422

الشريف مزقت كسوته إربا إربا، كما أن الأبنية المباركة تداعت وتهاوت وبدأت أحجارها تتساقط. وفى يوم اشتدت برودته وعصفت رياحه تطايرت شرارة من نار إحدى الخيام فأحرقتها، وكانت الخيمة منصوبة بين باب الصفا والركن اليمانى، وانتقلت الشرارة إلى ستارة الكعبة الممزقة فأحرقتها، وانتقلت النار من الستارة إلى الأحزمة الخشبية التى تحيط بالكعبة فاحترقت، ومنها إلى حيطان الكعبة وتحول البيت إلى قطعة نار. وبما أن البيت المعظم كان من المبانى المقدسة التى أقامتها قريش فكان قابلا للاحتراق؛ لأن القرشيين كانوا قد بنوا البيت من أساسه إلى سقفه جاعلين جدرانه طبقة من الحجارة وطبقة من حزام خشبى. وبينما كانت الأحزمة الخشبية لجدران الكعبة تحترق تحرك الحجر الأسود من مكانه فأراد عبد الله بن الزبير أن يثبته بإذابة فضة وصبها على جوانبه؛ إلا أن أركانه الأربعة كانت قد تكلست بشدة النار كما أن الركن الكائن فيه أصابه الوهن فلم يمكن عمل شئ. وكانت جدران بيت الله حيثما يحط عليها الحمام تتفتت تحت تأثير سيقانه، مما حمل من يشاهده من المؤمنين على البكاء دما بدلا من الدموع، وفى النهاية مضت جماعة من القرشيين (١).وبنى أمية إلى حصين بن نمير وأخبروه أن الحجارة التى رماها قد خربت الكعبة المعظمة؛ إلا أنه أنكر أن يكون قد خرب الكعبة، وفى هذا الوقت بلغه نعى يزيد فكف عن الحرب والحصار وسحب جنده وعاد إلى الشام.

стр. 423

الشكل العاشر ] جمع عبد الله بن الزبير الأعيان وعظماء الناس من مكة عقب الحرب، وذكرهم بأنه يأمل أن يعالج ما تهدم من أبنية الكعبة ويجددها-كما ذكرهم بحديث بانى أركان الشريعة الرصينة عليه أكمل التحية إذ قال لعائشة-رضى الله عنها- «يا عائشة لو لم يكن قومك قريبى العهد بالجاهلية لهدمت أبنية بيت الله وجعلت للبيت بابين يفتح أحدهما على الشرق والآخر على الغرب، وأدخلت إلى بيت الله من الحجر مقدارا ما طوله ستة أذرع أى ثمانية أقدام» (حديث شريف) وبما أن مال قريش الحلال لم يكف لإدخال الحجر فى البناء عند ذلك الوقت تركوه خارج البيت، ثم قال لها تعال أريك الجزء الذى أبقوه خارج البيت ثم أخذها إلى تحت الميزاب وقال: هذا هو المكان وأشار إلى مكان حجر إسماعيل ما مقداره سبعة أذرع أى ٩ أقدام و ١١ بوصة، ثم قال عبد الله للمجتمعين إنما أردت أن أبين لكم أن النبى- ﷺ -أجاز تجديد الكعبة، وفى نفس الوقت أردت أن أبحث الموضوع معكم وأستشيركم. وكلكم تعرفون أن الحجر الأسود (١) قد تحطم من أثر ضربة بحجارة حصين النارية وألصق بالفضة المذابة، كما أخذت حجارة جدران كعبة الله تتساقط من جميع الجهات. وبهذه الكلمات البليغة ابتدأ عبد الله باستفسار رأى عظماء الحاضرين ثم أخرج الحجر الأسود من مكانه ووضعه فى صندوق بعد أن لفه فى قطعة من الديباج، وأغلق الصندوق بقفل وحفظه فى دار الندوة، كما أمر أن تحفظ الهدايا الموجودة فى خزانة الكعبة فى دار شيبة بن عثمان.

стр. 424

اجتمع أعيان الأشراف ووجهاءهم عند ابن الزبير ووافق بعضهم (١) رأيه وخالفه البعض الآخر (٢)،غير أن ابن الزبير لم يلق بالا إلى رأى المخالفين، واستقر رأيه على تنفيذ ما فى ضميره. وخاف أهالى مكة من هدم كعبة الله وهربوا إلى قمم الجبال، وأظهر عمال البناء استياءهم من هدم الكعبة بالتراخى فى العمل. ولما رأى عبد الله بن الزبير ذلك جعل بعض عبيده الحبشيين ذوى السيقان الرفيعة يصعدون فوق الكعبة مبطلا الحكم الحديث الذى يحفظه عن النبى- ﷺ «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة». وبدأ فى هدم البناء يوم السبت الخامس عشر من جمادى الآخر من السنة المذكورة، وأراد أن يحضر من اليمن نوعا من المادة المستخرجة من الزعفران ليخلطها بالمونة اللازمة لبناء البيت، ولكن بناء على اعتراض بعض أهل التخصص بأن هذه المادة تحول دون تحجر المونة انصرف عنها، واستحضر من صنعاء اليمن كلس بأربعمائة دينار. وحتى لا يمنع الطائفين من الطواف فى أثناء عمليات البناء. وبناء على إخطار عبد الله بن عباس أحاط البيت بسور خشبى، وغطى السور بستارة من القماش وهدم أبنية البيت حتى وصل إلى أساس إبراهيم القديم، وكان قد حفظ الحجر الأسود بعد أن وضعه فى صندوق فى دار الندوة. وشرع فى بناء جدران الكعبة وفق ما جاء فى الحديث الشريف الذى ذكر أعلاه على أسس بناء إبراهيم-﵇،الذى عثر عليه وأدخل حجر إسماعيل داخل كعبة الله دون أن يراعى قواعد قريش فى البناء، وفتح بابا عرضه ثلاثة أذرع أى ٤ أقدام و ١١ بوصة فى الجهة الغربية أيضا بلغ ارتفاع الجدران إلى ثمانية وعشرين ذراعا أى ٣٨ قدم و ٣ بوصات، وجعل سمك الجدران ذراعين

стр. 425

أى قدمين وعشر بوصات. إن ارتفاع الكعبة التى بناها إبراهيم-﵇ يصل لستة أذرع وارتفاع كعبة قريش (١٨) ذراعا، حتى قال ابن الزبير إن قريش أضافت (٩) أذرع على ارتفاع كعبة إبراهيم-﵇،وإن أضفت (٩) أذرع على بنائهم فأصبح ارتفاع الكعبة (٢٧) ذراعا. قد فرش ابن الزبير عشرة أذرع من الساحة التى حول المطاف بالحجارة التى بقيت من بناء الكعبة، وزين الكعبة الشريفة بتعليق كسوة مزينة، وطيب خارج الكعبة وداخلها بالعود والعنبر والمسك وبخرها كما غطى العمودين المسميان بالحنان والمنان بصفائح من الذهب، كما صنع مفتاحا من الذهب لباب كعبة الله المسمى بالمعلا سنة ٦٤ هـ. عند ما حفر الأسس التى لم تندرس إلى عهد سيدنا إبراهيم، وعمّق ظهر فى الحفر حجارة لامعة وأراد أن يستخرج هذه الحجارة وضرب ضربة شديدة بفأس، وعند ذلك اهتزت أركان الكعبة الأربعة من أثر الضربة واستولى قلق على أهل مكة وندم الذين وافقوا عبد الله بن الزبير فى تجديد الكعبة. ولم يتأثر عبد الله بن الزبير من قلق الناس قيد أنملة، واستدعى عبد الله (١) الصحابة الأجلاء وأراهم قواعد إبراهيم ثم أمر بطرح الأساس، وأنزل عتبة الباب الشرقى حتى أرض المطاف كما أنزل عتبة باب المعلا الجديد فى الناحية الغربية حتى الحجر الأخضر المتصل بالفسقية الكائنة فى الجهة الغربية. وكان الحجر الأسود قد ظل فى الحريق الذى حدث فى عهد قريش، وتجزأ وظل أحد أجزائه محفوظا عند أحد الأشخاص من بنى شيبة، وعند ما أراد عبد الله بن الزبير أن يضع الحجر الأسود فى الصندوق أخذ الجزء الذى عند ذلك الشخص وألصقه بالحجر الأسود مستخدما الفضة (٢) ثم حفظه، وعند ما أراد أن

стр. 426

يضعه فى مكانه الذى فى بيت العزة استدعى ابنه عباد وجبير بن شيبة بن عثمان، وقال لهما بينما أنا أصلى صلاة الظهر اذهبا إلى دار الندوة وخذا الحجر الأسود منها وضعاه فى مكانه، وكبرا بعد أن تستراه قال هذا وأم الناس ليصلى صلاة الظهر. قد تشاور عباد وجبير بن شيبة بن عثمان ثم وضعا الحجر الأسود على طرفى الستارة الخشبية الكائنة بين كعبة الله ودار الندوة، وأحاط بهم الناس من الطرفين ثم وضع الحجر الأسود على ثوب طاهر فى شكل ظاهر، ومرا من بين الناس ووضعا الحجر الأسود فى مكانه وغطاه، ثم كبرا مبشرين باستقرار الحجر فى مكانه. وقد وضع الحجر الشريف فى مكانه حضرة عباد، وساعده فى ذلك جبير بن شيبة. وقال عظماء قريش بعد أن فرغوا من أداء الصلاة، وقد عرفوا أن الحجر الأسود قد وضع مكانه إن قريشا عند ما أرادت أن تضع الحجر الأسود فى مكانه تنازعت عدة أيام، وكادت تدخل مع بعضها البعض فى الحرب والقتال بعد ما استمر القيل والقال فيما بينها عدة أيام فأتى الرسول- ﷺ ،وحسم النزاع بعون رؤساء القبائل الأربعة؛ وهل من اللائق ألا يتبع عبد الله بن الزبير هذه الطريقة ويرعاها؟! وقد أرادوا بهذا أن يثيروا الفتنة بين سكان مكة إلا أنهم لم يجدوا من يقف بجانبهم فاضطرو للسكوت. وقد تم تجديد البيت فى يوم الثلاثاء فى الثالث من شهر رجب أو السابع والعشرين منه من العام الرابع والستين من الهجرة، وعند ما انتهى العمل تماما فى البيت ذهب عبد الله بن الزبير مع جميع أهل مكة إلى التنعيم لأداء العمرة، ونحر مائة رأس من الجمال كذلك ذبح كل واحد منهم ما معه من قرابين كل على حسب قدرته وهكذا جعل اليوم مبتهجا كالعيد. وتعرف هذه العمرة بعمرة الأكمة أو العمرة الرجبية بين أهالى مكة، وكان

стр. 427

المكيون إلى وقت قريب يذهبون إلى التنعيم بنية العمرة ويذبحون القرابين، ويظلون فى المشهد (١) عدة ليال يفرحون ويبتهجون. وفى وقتنا هذا أيضا يذهب الناس إلى تلك الجهات للاحتفال إلا أنهم لا يسمونه العمرة الرجبية. وليس الآن من العادة أن يخرج للعمرة وتذبح القرابين فى اليوم السابع والعشرين من رجب. وفى الواقع يخرج الناس إلى ذلك المكان فى كل عام للتمشية والاحتفال إلا أنه يحدث فى الأيام الأخيرة من شهر صفر الخير، وإن هذه الاحتفالات ذات شهرة وبهجة إلا أن الأهالى يذهبون إلى مكان يسمى سرف حيث دفنت زوجة النبى- ﷺ -ميمونة-رضى الله عنها-،ويقومون بأداء مراسم الزيارة لقبرها ويقضون هناك ما يقرب من ليلتين ثم يعودون إلى أرض الصحراء الزاهرة (٢)، ويمضون فيها فترة من الزمن وأن هذا الاحتفال بمثابة عمرة الأكمة. ***

стр. 428

الصورة الحادية عشرة فى تجديد مبانى الكعبة المقدسة للمرة العاشرة جدد الحجاج الظالم البيت الشريف للمرة العاشرة أيضا. أنه لم يلمس الجدران الأربعة كلها، ولكنه جدد الجدار الكائن في جهة الميزاب تاركا حجر إسماعيل خارج الكعبة، وملأ الكعبة بالتراب المتبقي من البناء وأعلى باب الكعبة عن الأرض، وأغلق الباب الذي فتحه عبد الله بن الزبير في الجهة الغربية بناء على ما جاء في الحديث الشريف الذي سبق ذكره. وكان سبب ذلك عبد الملك بن مروان الذي كان يريد أن يحمل عبد الله بن الزبير على بيعته. وقد وقعت هذه الحادثة بعد واقعة حصين بن نمير بعشر سنوات؛ لأن عبد الملك الذي كان يحكم في بلاد الشام ويريد أن يجدد وسيلة للحصول على بيعة عبد الله بن الزبير، لذا بعث حجاج بن يوسف الثقفي إلى أراضي الحجاز الطاهرة ومعه ثلاثة آلاف من جنود الشام، وأمره ألا يؤذي المذكور وأتباعه إذا ما بايعه بالخلافة. وقد حاصر الحجاج بمن تحت قيادته السوداء من جنود الحقد كعبة الله ما يقرب من سبعة أشهر، وأخذ يتبع مع ابن الزبير ألاعيب الحرب والقتال وقد أضر في أثناء هذه المدة الطويلة بيت الله الحرام وأصابه، وفي النهاية قتل ابن الزبير وترك جسده الأسعد مصلوبا منتظرا الأوامر من الشام. وكان من المستحيل أن ينتصر الحجاج على عبد الله بن الزبير إذا لم يصله مدد من الشام؛ لأن الشهيد كان قد عرف أن الحجاج الظالم قد خرج من الشام، وأنه قد نصب له الخيام في الطائف لإيواء جنوده لذلك ساق إليهم مقدارا كافيا من الجنود من الشجعان وحاربهم؛ ولكنه عاد منهزما وقد عجز عن المقاومة. وإن كانت الهزيمة في الظاهر في ناحية عبد الله بن الزبير؛ إلا أن جنود الشام

стр. 429

أيضا قد تضرروا ضررا شديدا، وفهم جيدا أن عودة عبد الله بن الزبير بمدد قليل من الجنود سيؤدي إلى انتصارهم لذا كتب الحجاج إلى عبد الملك ينبئه بأنه قد انتصر على عبد الله بن الزبير، إلا أن عساكره أيضا قد ضعفوا أشد الضعف وطلب منه أن يبعث له بمدد حتى ينتصر على عبد الله، فما كان من عبد الملك إلا ابتدأ بإرسال المدد. واستصحب الحجاج القوة الاحتياطي التي أرسلت له من الشام، وعجل بحصار مكة المكرمة قبل أن يجمع ابن الزبير القوة اللازمة. وانتوى ألا يقارب النساء وألا يتعطر وألا يترك السلاح قبل أن يقتل عبد الله ابن الزبير، وبناء على هذه النية نصب المنجنيق فوق قمم جبل أبى قبيس في السنة الثانية والسبعين من الهجرة، وضيق على أهل مكة الخناق حتى أصبح من المستحيل الدخول إلى أرض المطاف من جراء تساقط الأحجار. وقد وجد في هذه الفترة عبد الله بن عمر-﵁-في مكة المكرمة بنية الحج وقد تأثر من هذه الحرب أشد التأثر، وأرسل إلى الحجاج الظالم يقول له: «يا حجاج إذا كنت تخاف من الله، فلا تلق الحجارة على المسجد الحرام. إن موسم الحج من الشهور المحرمة، قد اندهش الصلحاء من الأمة الذين أتوا لأداء فريضة الحج من هذه الوقعة، وقد أصبح من المستحيل الدخول إلى ساحة المطاف من جراء الحجارة التي تلقيها، على الأقل اترك الحرب والقتال إلى ما بعد العيد حتى يسقط عن الناس فريضة الحج»،وبناء على هذا الطلب كف الحجاج عن الحرب والقتال، وأرجأهما إلى ما بعد انتهاء الحجاج من أداء نسكهم، وطلب من الحجاج أن يعودوا إلى بلادهم في الوقت الذي حدده، ثم شرع في الحرب مرة أخرى. وأهان كعبة الله بما أمطر عليها من الحجارة. حادثة غريبة: بينما ابتدر الحجاج الغادر في إلقاء الحجارة على الساحة السعيدة الحرام ظهرت على وجه السماء سحابة سوداء مظلمة، وقد غطى الأقطار الحجازية ظلام دامس

стр. 430

وسمعت أصوات الرعد والبرق، واستولى على قلوب المخالفين الخوف والخشية. وحينما رأى حشرات الأعداء هذه العلامات المخيفة تركوا ميدان القتال وأخذوا يبحثون عن مكان يختبئون فيه. ولكن الحجاج المهين للدين خاطب جنوده قائلا: ما الدافع لخوفكم وقلقكم؟ حتى هرب كل واحد منكم إلى جهة إذا كنتم خفتم من أصوات الرعد والبرق فإن هذه ليست أشياء تدعو للقلق والخوف، إنني نموت في هذه البلاد ولا تنقطع الصواعق والبرق منها، قال هذا ثم ذهب بنفسه إلى المنجنيق وتجرأ على أن يلقي الحجارة صوب كعبة الله من البقعة المقدسة. وينقل من المصادر الموثوقة أنه حينما أخذت أستار كعبة الله تحترق متوهجة من جراء الأحجار المحترقة التي أمر الحجاج بإلقائها على الكعبة الشريفة، ظهرت سحابة من ناحية جدة ذات صواعق، وبروق أخافت جند الشام، وتقدمت هذه السحابة حتى وقفت فوق سقف بيت الله وأخذت تمطر بشدة حتى أطفأت أماكن كعبة الله المحترقة. إن السحابة المذكورة كانت فوق سقف بيت الله فقط،ولم تقع قطرة من المطر خارج المسجد الحرام وخارج المطاف، ومع هذا سالت سيول شديدة من الميزاب الذهبي ساعات وساعات، سيول قد تجرف الإنسان. وفي أثناء ذلك أصابت الصاعقة المنجنيق الذي نصبه الحجاج الظالم فوق جبل أبى قبيس وأحرقته مع أربعة من جنود الشام، فأعد الحجاج منجنيقا آخر وكلف أربعين نفرا من الجنود بإلقاء الحجر وكان جزاؤهم أن أحرقتهم الصاعقة الثانية فهبطت أرواحهم إلى جهنم وبئس القرار. وهذا الحال لم يجعل الحجاج ينتبه ويندم على كل ما حدث بل ثار وغضب وهدد جنوده وبهذا اشتد القتال ونسى جنود الشام ما حدث. وبعد هذه الحادثة الغريبة أصيب اثنا عشر نفرا من جنود الشام وهلكوا. وسفاكو الدماء الذين رأوا هذا انزعجوا بشدة، وأخذ جنود الشام يهربون من

стр. 431

جانب المنجنيق وقد أصابهم الفزع، إلا أن موت بعض أهل مكة بالصواعق أيضا أعطى فرصة للحجاج الظالم أن يخاطب جنوده. قائلا: الحق معكم وليس مع أهل مكة إن العلامات المهيبة الخاصة بأراضي الحجاز زالت فاصبروا قليلا. وقد أدى خطاب الحجاج هذا إلى اشتداد القتال، ومد الصراع وزاد القحط والغلاء في مكة مما جعل المكيين يسأمون من أرواحهم، فالتجأ أغلبهم إلى الحجاج طالبين الأمان وترك بعضهم عبد الله بن الزبير متجهين إلى المدينة المنورة. ولم يكن أهل مكة فقط ممن تخلوا عن عبد الله بن الزبير في محنته، ولكن ابنيه حمزة وحبيب وهما من صلبه تخليا عنه، ولجأ كلاهما إلى السفاح الحجاج مبايعين وتركا والدهما بمفرده؛ ولكن ابنه المسمى بالزبير ظل في عون أبيه ولم يفترق عنه. وذهب عبد الله بن الزبير إلى أمه إذ رأى أصحابه قد افترقوا من حوله كفرخ الحجل، وقابل والدته ذات النطاقين وقال لها: يا أماه إن أتباعي الذين كانونا معي خانوني كما خان أهالى الكوفة أتباع الحسين بن على-﵁-سيدهم. ومع هذا ظل أولاده بجانبه، ولكن أولادي قد خانوني إذ انضموا إلى الحجاج مبايعين وتركوني بمفردي، إن ذلك الظالم الذي لا يستحيي يبعث لي رسائل واحدة تلو أخرى قائلا: إذا تركت مخالفتي أقبل جميع مطالبك. فما رأيك في هذا الخصوص فقالت له: يا بني لا يليق بك بعد كل هذه الحروب أن تسلم نفسك إلى يدي بني أمية. إنك رجل مسن، كم سيطول عمرك؟ وخير لك أن تستشهد ببطولة من أن تعيش في صحراء المذلة والاحتفار، فلما سمع منها هذا الرد ودعها، وقضى ليله حتى الصباح في داخل الكعبة متعبدا متضرعا وبعد ما أدى صلاة الفجر أخذ معه بعض الفتيان الذين قرب أجلهم، وأخذ يقاتل ويهلك في كل هجمة عدو الله وهكذا أخرج جند الشام الموجودين في داخل المسجد الحرام ثم خرج من باب الصفا واتجه صوب جبل أبي قبيس.

стр. 432

وبينما كان عبد الله متجها إلى جبل أبي قبيس تبعه أحد أنجاس الشام، ورماه بيده الحقيرة بحجارة وأوقع ذلك البطل أسد الوغى على الأرض، كما تقدم أحد الأنجاس المنكرين وقطع تاج الرءوس ومضى به إلى الحجاج الظالم. قد سر الحجاج قليل الأدب أيما سرور وسجد شاكرا حامدا وكله فخر وسرور ثم أرسل رأسه الشريف مع رءوس الرؤساء الآخرين من أهل مكة، وصلب جثته الموعودة بالغفران، وأمر ألا تنزل حتى ترجو ذلك أمه أسماء ذات النطاقين. حينما سمعت ذات النطاقين ذلك الأمر قررت ألا تذل نفسها برجاء الحجاج، ولكنها مرت بالصدفة من جانب المكان الذي كان مصلوبا فيه، وقالت أما آن لهذا الفارس أن يترجل!؟ وعند ما سمع الحجاج السفاح هذا القول أوله بالرجاء، وأمر أن تنزل جثة الشهيد المظلوم من مصلبها. ودفنت في مقبرة الحجون صنوان الجنة في جمال منظرها. ويقول بعض المؤرخين إذ يروون هذا الخبر بشكل آخر. إن أم الزبير ذات النطاقين لم تتذلل إلى الحجاج طالبة منه إنزال ابنها من مصلبه، وكذلك لم تقل أما آن لهذا الفارس أن يترجل. وقد أنزلت جثة عبد الله من مصلبه بأمر وارد من عبد الملك. وكان عبد الملك يعرف مدى عداوة الحجاج لابن الزبير وقد بلغه أن الحجاج يصر على إبقاء جثة عبد الله على المصلب؛ لذا بعث برسول إلى الحجاج يأمره أمرا قاطعا بإنزال جثة الشهيد، وقد أنزلت جثته بعد أربعين يوما من تاريخ صلبها، وسلمت إلى أمه ذات النطاقين التي ابتدرت بتجهيزها وتكفينها ودفنت في مقبرة المعلا. وبناء على هذا قد مضي أربعون يوما بين استشهاد ابن الزبير ودفنه، وظلت جثته مصلوبة أربعين ويوما. قد كبر جموع جند الشام حينما بلغهم استشهاد عبد الله بن الزبير من فم واحد، مظهرين فرحهم وسرورهم، وحينما بلغ الخبر إلى أسماء ذات النطاقين التي كانت قد تجاوزت الثمانين من عمرها، قالت بعد ما استرجعت الآية الجليلة: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (البقرة:١٥٦) ما هذه الحال؟! وما أعجبه؟! إذا كان

стр. 433

الصحابة الكرام قد كبروا عند ولادة عبد الله، وفي يوم وفاته أظهر أعداؤه ذوي الخاتمة السوداء فرحهم وسرورهم مكبرين. وقد أظهر عبد الله بن عمر عجبه وقال مشيرا إلى جند الشام: إنني أتعجب من هؤلاء الناس. إذ يكبرون فرحين مسرورين من فم واحد بمقتل عبد الله بن الزبير، بينما كان الصحابة الكرام قد كبروا وهللوا فرحين بولادته. إن تعجب عبد الله بن عمر في مكانه، لأن عبد الله بن الزبير كان قد ولد بعد الهجرة النبوية بعشرين شهرا، وكان اليهود يقولون: إننا قد سحرنا المسلمين فإنهم لن ينجبوا ذكورا بعد الآن، وكان هدفهم من هذا تصديع صف المسلمين وإيذاءهم، فلما ولد عبد الله بن الزبير فرح المهاجرون والأنصار-﵃ -واحتفلوا بولادته أيما احتفال وهكذا خاب اليهود وانزعجوا. استدعى الحجاج عقب استشهاد عبد الله بن الزبير أمه ذات النطاقين، ولما لم تذهب إليه زارها في بيتها وقال لها: كيف وجدتني وقد قتلت ابنك عبد الله؟! قالت له: «إنك قد أفسدت لابني دنياه وأفسدت لنفسك آخرتك. وكان الرسول الأكرم- ﷺ -قد أخبرنا بظهور كذاب ومهلك في بني ثقيف، وقد عرفنا الكذاب وهو المختار الثقفي أما المهلك فهو أنت». ترجمة حال ابن الزبير: عبد الله بن الزبير (١) هو حفيد العوام أخو السيدة «خديجة بنت خويلد» ﵂-زوج النبى- ﷺ -أم المسلمين، وابن «أسماء بنت أبي بكر» الصديق-﵁-هو وأبوه من زمرة صحابة الرسول- ﷺ -السعداء وعند ما ولد افتتح حياته بريق النبي- ﷺ -الذي يبعث الحياة وسمي باسم عبد الله المبارك الذي يشرف الناس. وكان طيلة عمره حريصا على إحياء لياليه بالعبادة، وكان متصفا بالزهد والتقوى والعفة والشجاعة وعزة النفس والشهامة، وكان قد قسم ليالي عمره إلى ثلاثة أقسام: إذ حصر ليلة من لياليه للقيام والأخرى للركوع والثالثة للسجود.

стр. 434

وقال ابن أبي مليكة يصف صلابة عبد الله بن الزبير في دينه:-بينما كان عبد الله بن الزبير يؤدي الصلاة-في يوم من أيام المحاصرة إذ مر حجر من بين لحيته المباركة وصدره إلا أنه لم يستمر فقط في صلاته ولكنه لم يتأثر أدنى تأثر في مراعاة التعديل في ركوعه وسجوده في خشوع وخضوع، وأدى صلاته دون أن يستعجل كما كان يؤديها في الأوقات العادية. ثم استمر في قوله قائلا: إنني أقسم بما أن جلد ابن الزبير اختلط بلحمه، كما أن لحمه امتزج بأعصابه، وأن أعصابه قد تألفت بعظامه كان قوي البنية، كما أن نفسه وروحه بين جنبيه اختلطتا بأعضاء جسمه فكان قوي القلب، وخلاصة القول إنه كان شخصا نادر المثال في الشجاعة وقد روى عن النبي- ﷺ -اثنين وثلاثين حديثا ونال شرف أن يكون رديف النبي- ﷺ -في مطيته. قد طهر الحجاج القذر ساحة المسجد الحرام ذات الفيوضات الإلهية-بعد ما قتل عبد الله بن الزبير-من الحجارة التي ألقاها ومن الدماء التى أسالها، وكتب إلى عبد الملك يخبره أن عبد الله بن الزبير قد بنى الكعبة مغايرا لبناء قريش، وفضلا عن ذلك فتح بابا زائدا في الجهة الغربية من الكعبة. ومن هنا وجب علينا أن نغير أساس البقعة المقدسة. وقد تلقى ردا من عبد الملك (١) وبناء على تعليماته قد هدم الجدار الموجود في الناحية الشامية، وترك في ناحية حجر إسماعيل ما مقداره ستة أذرع إلى تسعة أقدام وإحدي عشرة بوصة خارج البيت، وسد الباب الموجود في الجهة الغربية وجدد الجدار الذي هدمه في الجهة الشامية وفق ما بنته قريش. إن المكان الذي تركه الحجاج خارج البيت هو ما يطلق عليه اليوم حجر إسماعيل، وكانت قريش تترك حجر إسماعيل خارج البيت لأنهم كانوا يعانون من أزمة مالية في ذلك الوقت إلا أنهم كانوا قد بنوا حوله جدارا مستديرا (٢) في ارتفاع ذراعين أي قدمان وعشر بوصات. وقد أراد عبد الله بن الزبير أن يبني الكعبة عند تجديدها وفق الحديث الذي

стр. 435

ذكرناه فيما قبل، وأعادها على أسس إبراهيم-﵇-ولقد بذل في سبيل ذلك نقودا كثيرة. ولكن الحجاج بإعادته الكعبة على حالتها القديمة كما بنتها قريش بسد بابها الغربى أسرع بإعلان ما كان يكن لعبد الله بن الزبير من عداء. مطالعة: قد نتج عن تغيير عبد الملك لأسس كعبة الله بدون أن تكون هناك ضرورة لذلك بإشعار من الحجاج الظالم وأعوانه زوال سلطنة أمراء بني أمية، وظهور قوة بني عباس بن عبد المطلب وإشراق شمس دولتهم، وهكذا تبدلت أصول الخلافة من الإمارة المعصومة وأفل وانخسف بدر الحكومة الأموية، وانتقلت مقاليد أمور المسلمين إلى آل عباس فيما بعد. إن أول خلفاء بغداد أبو العباس السفاح بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وآخرهم المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر بالله منصور بن الظاهر وهم من سلالة العباس بن عبد المطلب- ﵁. قد اعتلى عبد الله السفاح كرسي الخلافة في سنة اثنين ومائة الهجرية وفى شهر ربيع الأول وبعد ٥٢٤ سنة استولى هولاكو على بغداد وقتل المستعصم وبهذا بلغت الخلافة العباسية منتهاها في سنة ٦٥٦ الهجرية. ونقلت الخلافة العباسية بعد قتل المستعصم وفي عهده إلى القاهرة بمصر فقد بايع المصريون في عهد صلاح الدين الأيوبي بموافقة العلماء الناصر لدين الله العباسي خليفة. وقد حكم في بغداد مع عبد الله سبعة وثلاثون خليفة ومع الذين حكموا في مصر بلغ عددهم ثمانية وأربعين خليفة إلى انقراضهم. وبعد بلوغ خلافة العباسيين في مصر إلى ٢٦٤ سنة، وفي سنة ٩٢١ الهجرية سلم الخليفة العباسى عبد الرحيم الأمانات النبوية السنية التي كانت شعار الخليفة ومنصب

стр. 436

الخلافة الخطير إلى السلطان سليم خان، وابتداء من هذا التاريخ أطلق على سلاطين آل عثمان العدول لقب الخليفة. تعريف مراتب وألقاب الخلافة والسلطنة والمملكة بالإجمال الخلافة فريضة دينية خطيرة وأمر شرعى واجب، تقوم برعاية أعمال المسلمين الدينية والدنيوية وتسوية احتياجاتهم المادية والمعنوية. والخلافة منحصرة فى الأشخاص الذين بويعوا بإجماع الأمة بعد الأنبياء العظام-على رسولنا وعليهم الصلاة والسلام-.وبما أن الخلافة رئاسة عليا وجامعة لأمور الدين والدنيا فهى أعلى المناصب وأعظمها التى يختص بها الملوك والسلاطين. قد أطلق على الصديق الأكبر-رضى الله عنه-خليفة رسول الله، كما أطلق على الفاروق الأعظم-رضى الله عنه-خليفة خليفة رسول الله، ثم أطلق عليه أمير المؤمنين (١) تخلصا من تتابع الإضافات الثقيلة. إن الصحابى الجليل أبو موسى الأشعر هو أول من خاطب الفاروق عمر بلقب أمير المؤمنين: أو مغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص (٢). إن الخلفاء العباسيين الذين تولوا عرش الخلافة فى بغداد جنة الخلد قد اتخذوا ألقابا مثل المنصور والمهدى والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والمعتز والمعتضد والمتقدر، وكان غرضهم من ذلك تقليد الصحابة الكرام الذين لقبوا بالصديق والفاروق والمرتضى، كما أريد به ألا يذكروا بين الناس بأسمائهم كثيرا.

стр. 437

كما اتخذ العبيديون والموحدون وخلفاء بنى أمية الذين حكموا فى الأندلس ألقابا خاصة مقلدين خلفاء بنى عباس، إلا أن هذه الألقاب قد دعت الناس للنفرة منهم كما تبين ذلك هذه الأبيات التى أنشدها ابن رشيق القيروانى: ومما يزهدنى فى أرض أندلس ... أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة فى غير موضعها ... كالمهر يحكى انتفاضا صولة الأسد بما أن الخلفاء العباسيين من السلالة الطاهرة القرشية فصحة خلافتهم محققة، كما أن الخلفاء العثمانيين-أيدهم الله تعالى-بالتأييدات الربانية يسيرون وفق سيرة الخلفاء الراشدين الحسنة، وبما أن كل همهم المحافظة على الأحكام الشرعية وينتمون إلى أهل السنة فهم أحق من جميع الملوك الآخرين بالاتصاف بلقب الخليفة. السلطان: لقب أقل رتبة من الخلافة الجليلة وله معنيان: لغوىّ، واصطلاحّى. فمعناه اللغوى: تسوية الأمور المتعلقة بالخلافة والحكم بصورة الاستبداد. وأما معناه الاصطلاحى: فأن يصبح الإنسان صاحب ملك أو إدارة أمور الدولة بقطع النظر عن الخلافة. وعلى هذا التقدير يصح أن يطلق على الخليفة سلطانا ولكن ليس كل سلطان خليفة. قد أطلق لقب السلطان على جعفر بن يحيى البرمكى وإشنان التركى وكان خلفاء الدولة العباسية وملوك الفرنجة والأيوبيون يطلقون على الأمراء والملوك الذين يعينونهم لقب السلطان. كما كانوا يطلقون عليهم ألقابا خاصة مثل: أمين الدولة، أمير المسلمين، أمين الملة. يجب على من يريد أن يكون سلطانا أن يكون تحت تصرفه وإدارته إقليم كبير، والملك-لقب أقل درجة وأدنى من السلطان،

стр. 438

الأمير- يطلق هذا الاسم فى اللغة التركية باللهجة الجغتائية على خاقان وفى الفارسية على شاهنشاه أى ملك الملوك. الخان، الشاه، الميرزا ألقاب خاصة بالملوك والسلاطين العثمانيين يحملون جميع هذه الألقاب. وقد أخذ سلاطين العثمانيين لقبى خان وخاقان عند ظهور دولتهم من الملوك الأتراك الذين أخذت دولتهم تنقرض وأخذوا لقب السلطان من سلاطين الدول الإسلامية السابقة لعهدهم حتى أن السلطان بايزيد خان قد جعل الخليفة العباسى بمصر المتوكل بالله العباسى يعترف بسلطنته. شاهنشاه- لقب خاص بملوك الدولة الصفوية والأذربيجانية إلا أنه انتقل إلى السلاطين العثمانيين بعد انتصار السلطان سليم على الصفويين فى سنة ٩٢١ هـ وبما أن السلاطين العثمانيين قد حملوا لقب الخليفة أيضا كان نصيب ملوك خوارزم وبخارى وبهوبال وعزلهم يتم بأمر السلاطين العثمانيين وإدارتهم. حكام أوربا: يستعمل الأوربيون لقب إمبراطور بدلا من لقب السلطان ولقب الملك مكان خان وشاه، لقب دوق بدلا من بك، ميرزا تعنى أمير. وبما أن لقب إمبراطور لم يكن مستعملا فى الأول كان يطلق على حكام أوربا لقب الملك. وقد استبدّ الملوك برعاياهم وزاد ظلمهم لهم شيئا فشيئا حتى تجاوز حد الصبر والتحمل فثار الناس وبدلوا الحكم الاستبدادى المطلق إلى الجمهورية واختاروا شخصا يطلق عليه قيصر واتخذوه رئيسا لهم. وتعهد قيصر برضا الأهالى ورأيهم أن يقوم بإدارة الأمور العسكرية والمدنية

стр. 439

وكشف قيصر ما فى ضميره إذ طلب بعض الامتيازات إلا أنه لم ينل غرضه بهذه الطريقة فاتفق مع فرقة عسكرية واستولى عنوة على بلدة روما الكبيرة فى سنة ٤٩ قبل الميلاد واتخذ لنفسه لقب إمبراطور الذى يعنى القائد وانتصر على جميع معارضيه من أصحاب المناصب العالية، وهكذا استقل وحصل على الامتيازات التى كان يطالب بها وسك عملة خاصة به ومنذ ذلك العهد يطلق إمبراطور على جميع الملوك والحكام الذين يوسعون ملكهم ويزيدون قوتهم. ***

стр. 440

الصورة الثانية عشرة فى ذكر كيفية تعمير أركان بيت الله وتشييده بعد تجديد الحجّاج للكعبة المقدسة لم يسمح شرعا إلى سنة ١٠٢٠ هـ بتجديد الكعبة حتى لا تكون ألعوبة فى يد الملوك، إلا أن سقف البيت الشريف العالى وأركانه مالت إلى السقوط بعد هذه الفترة الطويلة وظهر ما يدل على أنها قد أوشكت على الانهيار إذا لم تتخذ وسائل لمعالجتها. وبناء على ذلك أخذ أهالى مكة يبحثون عن وسيلة لمعالجة الأمر فقرروا بالاتفاق مع أمير مكة الشريف إدريس والأعيان والوجهاء أن يعرضوا الموضوع على العتبة السلطانية راجين منه أن ينظر لهذا الموضوع سريعا. وقد أهم وأقلق الطلب الذى أرسله أهل مكة أولياء الأمور إلا أن الحكم الشرعى بخصوص تجديد البيت المعظم بعد هدمه ونقضه كان مشترطا بأن يقع ركن من أركانه لذا شكلت لجنة من العلماء الأعلام والرجال الكرام ذوى الاحترام حتى يجدوا حلا شرعيا لهذا الموضوع. واجتمعت تلك اللجنة تحت المجبورية الشرعية وبعد مشاورات كثيرة قررت أن يحزم البيت من مكانين بأحزمة حديدية كما رأى فريق ربط الأماكن المشققة بتلك الأحزمة وبهذا يهدم البيت الشريف ويعالج الموضوع كما ذكروا أن هذا سيوافق أحكام الشريعة وعرض الأمر على حامى الخلافة. وحينئذ صدر الأمر السلطانى المطاع بإعداد الأحزمة المذكورة على أن تغطى بطبقة من فضة خام وطبقة أخرى من الذهب الخالص وفى نفس الوقت يتغير الميزاب الفضى الذى أرسل فى زمن السلطان (سليمان عليه الرحمة والغفران) بميزاب مذهب كما هيئوا الصناع من الصياغ والحدادين بمهامهم.

стр. 441

وأرسلوهم إلى حديقة استاوروز فى اسكدار وفى يوم الشروع فى العمل أقيم حفل كبير حضره السلطان وعظماء الدولة وأركانها، وقد هيئت المهمات اللازمة للترميم فى وقت قصير وأعلم بذلك سلطان الزمان أحمد خان بن السلطان محمد خان الثالث-عليهما رحمة الله-،وكان السلطان فى ذلك الوقت مقيما فى حديقة داود باشا وبما أنه يريد أن يرى بنفسه ما تم صنعه من المهمات الغالية وطريقة صنعها أصدر أمره بأن تنقل هذه الأشياء إلى مقر إقامته وبناء على ذلك أمر بصنع نموذج من الخشب لبيت الله يطابقه فى أبعاده ثم أمر بأن تنقل جميع المهمات إلى مكان فسيح فى حديقة داود باشا ثم وضعت الأشياء المعدة لترميم البيت فى أماكنها التى فى النموذج وهكذا عرض كيفية وضع هذه الأشياء وجمال صنعها ودقته على الحاضرين الكرام.

стр. 442

الشكل الثانى عشر وأخيرا بحث عن الحدادين المهرة والصياغ المتخصصين فى مهمتهم والمتدينين وأرسلوا مع المهمات إلى مكة المكرمة برفقة حسن باشا الذى عزل من وظيفة الدفتر دارية فى حلب وعهد إليه الحبشة، وفى سنة ١٠٢٠ الهجرية وفى وسط شهر رجب الفرد، وصى والى مصر محمد على باشا بالعمل على توصيل هذه البعثة عن طريق السويس بأقصى سرعة ممكنة إلى الجانب الحجازى. وقد قام المشار إليه بهذه الخدمة المباركة على أكمل وجه وأمن وصول البعثة السلطانية إلى مكة بعد أن أمدها بكل ما تحتاج إليه. وكانت الأشياء الغالية المرسلة عبارة عن: ستة عشر عددا من أحزمة حديدية باعتبار أن كل جدار متكون من أربع مناطق وستة عشر عددا من أعمدة حديدية لتوضع على كل ركن أربعة منها لتثبيت الأحزمة وإمساكها وكمر مقوس فوق باب الكعبة المقدس حيث تلتقى الأحزمة الحديدية وثبتوا لوحة فوق العتبة العليا لباب الكعبة تجديدا للكتابة التى هناك كما أحضروا الأخشاب الجيدة الكافية لتعمير وإصلاح سطح الكعبة وكانت اللوحة التى كتبت عليها ألقاب الكعبة فى باب المعلا وكذلك الزاوية التى تلتقى فيها الأعمدة مع الأحزمة كانت مصنوعة من الذهب الخالص وكذلك الكمر المقوس الأحزمة قد غطيت بصفائح من الفضة الخالصة ونقشت عليها أحسن ما أبدعته أقلام الفنانين وزينت بنقوش بديعة. وقد تحرك حسن باشا المشار إليه فى أواسط شهر رجب من دار السعادة إستانبول وبعد مدة وصل إلى مكة المكرمة وفى يوم الأحد فى غرة محرم الحرام من سنة (١٠٢١ هـ) أجمعت هيئة من أعاظم سكان مكة المكرمة فى داخل أرض المطاف والمهندسون وبعد الدعاء والتضرع إلى الله صعد المختصون فوق سطح البيت بواسطة إسقالة وضعت تحت ميزاب الرحمة وابتدروا بالكشف والمعاينة حيث اتضح لهم أن سبعا وعشرين من العروق الخشب فى حاجة إلى التغيير، وبعد ما أصلحوا ثلاث قطع منها وضعوها فى مكانها ورفعوا الرخام إلى

стр. 443

السطح واحدة تلو الأخرى وبعد ما أصلحوا على قدر الإمكان ووضعوا كل واحد منها فى مكانها القديم ووضعوا الميزاب الذهبى مكان الميزاب العتيق وأتموا تعمير السطح فى نفس هذا اليوم وبعد أيام من ذلك وفى ليلة وبعد أداء صلاة العشاء أمر الباشا المذكور الصناع المهرة بأن يسرعوا فى العمل فاستطاع العمال أن يضعوا الأحزمة الحديدية فى أماكنها فى تلك الليلة وفى الليلة التالية ركبوا النصف الثانى من الأحزمة ووضعوا اللوحة التى فى باب المعلا فى مكانها. ثم أصلحوا الركن الذى كان فى حاجة إلى الإصلاح دون أن يخرجوا فى أثناء تعميرهم عن تعليمات الشريعة. وهكذا استطاع أن يشيد وأن يقوى ويصلح الأركان الأربعة للكعبة الشريفة وسطحها. وقد ثبت أن رصانة بيت الله ومتانته قد وصلت إلى الدرجة المطلوبة وذلك بشهادة المتخصصين فى فن البناء. وفى الواقع أن الأشياء اللازمة لترميم البيت والتى أعدت فى دار السعادة قد ركبت فى مكانها فى الكعبة الشريفة كأنها صبت فى قالب بعد المسح والوزن ومع ذلك فإن هذه المستلزمات كانت قد عينت وجربت عدة مرات فى مكة المكرمة. إن هذا العمل قد أثار فرح الأهالى وابتهاجهم؛ ولأجل ذلك اجتمعوا حول كعبة الله فى السادس عشر من الشهر المذكور تحت رئاسة أمير مكة الشريف إدريس وأحيوا يومهم بختم القرآن الكريم والتضرع إلى الله والدعاء للسلطان بدوام قوة دولته وعظمتها. حكاية غريبة: عند قلع الميزاب القديم، ورفع رخام سطح البيت الشريف ظهرت فى الجو علامات نزول المطر وسمعت أصوات الرعد والبرق فى الأطراف والأكناف، مما جعل الناس يقولون: إذا ما أمطرت السماء سيمتلئ داخل كعبة الله بالسيل واستولى عليهم القلق وأخذت قطرات المطر تتساقط متتابعة كأنها در فى سلكه. إلا أنه لم تسقط قطرة مطر على الأرض إلى ميزاب الرحمة فى مكانه إلى أن غطى سطح بيت الله. وقد انتظم المطر إلى أن غطى السطح الشريف فى ارتفاع أربعين ذراعا من الأرض وعند الانتهاء من تغطية السطح ووضع الميزاب فى مكانه أخذ المطر ينهمر بشدة لم تر فى ذلك العصر مثلها حتى أغرقت السيول الأسواق والمحلات.

стр. 444

الصورة الثالثة عشرة تجديد بيت الله للمرة الحادية عشرة البانى الحادى عشر لبيت الله هو السلطان مراد خان الرابع ابن السلطان أحمد خان عليهما الرحمة والغفران. ولما كان تجديد الكعبة غير جائز شرعا إلا أن يسقط أحد أطرافها ويتهاوى؛ لذلك لم يتجرأ أحد منذ عهد الحجاج الظالم إلى زمن السلطان المشار إليه على تجديد تلك البقعة المفخمة الجليلة. وأخذت أركانه الأربعة تميل للسقوط -بسبب قدمها-حتى إن تجديده قد تجاوز درجة الوجوب وبما أنه لم يجدد فى عهود السلاطين السابقين بتلك الحجة الشرعية فقد أوشك البيت الحرام على السقوط فى عهد السلطان أحمد خان الثالث. ورغب السلطان أحمد خان فى تجديد أبنية ذلك البيت اللطيف السعيد إلا أن الشرع لم يسمح بذلك. كما سبق ذكره فى المقال السابق فقوّى بالأحزمة الحديدية وأعمدة الزوايا كما رمّم وأصلح ركنان من أركانه على قدر الإمكان، وقد حفظ هذا الترميم البيت المعظم من السقوط والانهدام ما يقرب من ثمانية عشر عاما. إلا أن البلاد الحجازية قد تعرضت فى يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان المعظم من سنة ١٠٣٩ الهجرية إلى رعود وصواعق وبروق وأمطار لم ير لها مثيل، إذ أن المياه التى نزلت من السماء تجمعت وكونت سيولا كسيل العرم وهجمت بشدة إلى داخل المسجد الحرام وزادت ساعة بعد ساعة وارتفعت مقدار ذراعين من فتحة مفتاح باب المعلا. إن الحوانيت والمدارس والمنازل التى تصادف وجودها فى طريق السيل الشديد

стр. 445

انهارت كلها وعجزت أتربة البيوت ومبانيها عن الوقوف أمام السيل الجارف فانحرفت أمامه كأنها دليل يقود السيل إلى ساحة الحرم الشريف. ولا يخمن (١) عدد الذين ماتوا تحت أنقاض الحوانيت والمدارس التى تعرضت للسيل الشديد. وكانت جدران البيت المعظم قد أوشكت على السقوط بعد وقت قليل من أداء صلاة العصر من يوم الجمعة من الحادى والعشرين من شعبان المعظم وفى اليوم الثانى من دخول السيول داخل الحرم الشريف انهارت جدران (٢) الركن الشامى والركن العراقى فجأة. واختلط صخب الانهيار بأصوات الرعود والصواعق. فاستولى على أهل مكة خوف شديد حتى إن بعضهم ماتوا من شدة الفزع. قد حير انهيار جدران بيت الله أهل مكة وملكتهم الدهشة حتى ظنوا أن ما حدث فى ذلك اليوم علامة من علامات يوم القيامة. وهاموا على وجوههم مشتتين ولم يعرفوا ماذا حدث لهم، حتى تاه الأبناء عن الآباء والأمهات وشغل الآباء والأمهات عن أولادهم فلم يسأل أحدهم عن الآخر. وظلت المياه داخل الحرم ثلاثة أيام بعد انقطاع السيل وفى اليوم الرابع فتحت ممرات السيول وأخذت المياه تنسحب من داخل الحرم قليلا فقليلا تاركة خلفها ما جرفته السيول من الحجارة والأوحال التى كونت هنا وهناك مرتفعات تبلغ قامة رجل. قد عقد-فى ذلك التاريخ-أمير مكة المعظمة الشريف (مسعود بن إدريس) اجتماعا فى داخل الحرم مع الطبقة المختارة من الأشراف وسكان مكة وبعد التشاور أسرعوا بإنزال القناديل الذهبية والفضية المعلقة فى داخل بيت الله وبعد ذلك أخبروا الركاب السلطانية ما حدث فى أثناء السيل أوصلوا خبر انهيار بيت الله بواسطة محمد على باشا والى مصر.

стр. 446

وإن كان محمد على باشا قد عرض الخبر على السدة السلطانية حتى يتخذ القرار إلا أنه قرر أن يعد الآلات والأدوات اللازمة لتعمير بيت الله لأنه رأى أنه ليس من الجائز ترك الكعبة فى هذه الحالة والخبر المرسل إلى السلطان سيتأخر لبعد المسافة بين البلدين. وكتب رسالة إلى مصطفى أغا أمير جدة يأمره بأن ينصاع لكل ما يطلبه منه الشريف مسعود كما أبلغ الشريف أنه يجب تخلية الحرم الشريف مما جرفه السيل وتطهيره وأن يطلب من مصطفى أغا كل ما يلزمه فى سبيل ذلك إلى أن تصل الإدارة السنية من دار السعادة. واستحضر الشريف «مسعود» بعون أمير جدة «مصطفى أغا» ومهندس مكة المشرفة على «بن شمس الدين أفندى» المقدار الكافى من الأخشاب وأحاط جدران البيت التى نجت من السقوط بأحزمة من ثلاثة أماكن حتى يقويها ثم أقام دعامات كبيرة حول أركان البيت الأربعة بقصد حفظ السقف الشريف للبيت من السقوط ثم ربط هذه الدعامات بعضها ببعض وأحاط بيت العزة حتى سقفه بألواح خشبية. قد شرع فى هذه العملية يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة وانتهى العمل فى ترميم البيت فى ظرف ثلاثة عشر يوما أى فى يوم الأحد الثالث عشر من شهر شوال وفى هذه الفترة صنعت كسوة من قماش عادى باللون الأخضر وكسيت بها الكعبة العليا يوم الخميس السابع عشر من شهر شوال. من البديهى أن انهيار كعبة الله قد أزعج المسلمين فى جميع أنحاء العالم إلا أن انزعاج المصريين (١) كان أشد لقرب المسافة بينهم وبين مكة المكرمة. وأخذوا يبرزون شدة تأثرهم بأقوال مثل: أن موسم الحج قد اقترب ولم يرد

стр. 447

من إستانبول الأمر السنى المنتظر؛ لذا قرر محمد على باشا والى مصر إرسال مندوب خاص من قبله إلى الأستانة. استدعى رضوان أغا الذى تربى فى كنف السلطان وكان من رؤساء الشراكسة وألبسه الخلعة ثم قال له: إننى قد عينتك مسئولا عن أبنية كعبة الله إلى أن يرد الأمر السلطانى من الباب العالى، قد اقترب موسم الحج اقترابا شديدا قم الآن واركب الهجين وتوجه ناحية مكة المكرمة واحرص على إعداد الأشياء اللازمة وبمجرد وصولك هناك ابعث لنا على جناح السرعة كشفا بكل ما تحتاجه من عندنا، ثم أعطاه خلعة ليقدمها إلى الشريف مسعود كما زوده برسالة توجيه للشريف المذكور وأخرجه إلى الطريق، ثم واصل رضوان باشا السير حتى وصل إلى مكان قريب من مكة المكرمة يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من شوال وأرسل إل الشريف مسعود من يخبره بأنه أتى حاملا له خلعة من قبل والى مصر، فأرسل الشريف وفدا من عظماء مكة المكرمة وموظفى الدولة ليكونوا فى استقبال رضوان باشا. وبعد ما تقابل رضوان باشا مع أفراد وفد الاستقبال تحرك نحو مكة ووصل إليها بعد رسوله الذى كان بعثه من قبل بأربعة أيام يوم السبت السادس والعشرين من شوال ونزل فى المنزل الذى كان قد أعده له شريف مكة وفى اليوم التالى يوم الأحد السابع والعشرين من شوال اجتمع الناس داخل ساحة الحرم إذ أقيم فيه احتفال لتقديم الخلعة. قد حضر مع الشريف مسعود ورضوان أغا-عملا بأصول التشريف-أشراف مكة وعظماؤها وأعيانها وكبار موظفى الدولة والعلماء الأجلاء ووقفوا كلهم بين باب المعلا لكعبة الله ومقام إبراهيم قرئت الرسالة التى تحتوى على الأوامر السامية كما قرئت الرسالة التى كانت تنصّ على إبقاء موظفى الحجاز فى مناصبهم ثم ألبست الخلعة الفاخرة التى بعثها والى مصر-بكل تعظيم وتوقير-للشريف مسعود الذى ألبس أيضا خلعة لرضوان ومرافقيه وعقب ذلك رفع المجتمعون

стр. 448

أيديهم داعين الله ليزيد الدولة قوة وشوكة، والسلطان جلالا ثم انصرفوا عائدين. وكان داخل الحرم الشريف والطرق المؤدية إليه قد امتلأت بالحجارة والتراب والقمامة مما جرفه السيل. وفى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال واليوم الثالث من وصول رضوان أغا اجتمع بالشريف مسعود والأشراف والعلماء الأجلاء فى الحرم الشريف وتشاور معهم فى تنظيف ساحة المسجد الحرام وتطهيره مما حل به. وعرض كل واحد رأيه وكانت خلاصة رأيهم أن تنظيف ساحة الحرم فى مدة قصيرة غير ممكن لأن موسم الحج قد حل بل أخذ الحجاج يفدون إلى مكة المكرمة. إلا أن رضوان أغا فند رأيهم وتصرف بالشهامة والرجولة وحرص على أن يبعث رجاله إلى المدن والقرى الواقعة بين جدة والمدينة المنورة يستدعون كل من يملك حمارا أو حصانا أو جملا وكل من يريد أن يعمل يغرونهم بالأجر الكبير وهكذا جلب كل هؤلاء إلى مكة المكرمة وشرع فى العمل بهمة عظيمة ووفق فى تنظيف الحرم الشريف وتطهيره فى ظرف عشرين يوما فى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر ذى القعدة. إن ما جرفه السيل فى داخل الحرم من الطين الممزوج بالحجارة كان قد تحجر عقب انسحاب السيول بفعل الحرارة الشديدة وكون جبلا فى ارتفاع سبعة أذرع أو ثمانية، واكتسب صلابة بحيث لا ينفذ فيه الفأس أو الإزميل أو المثقاب وحينئذ قد بلل الجبل الترابى بالماء ليلا وفقد صلابته وأخذ العمال يحرثون ذلك الجبل العارض بالفئوس والأزاميل كما تحرث الحقول اللينة. وكانوا ينخلون التراب المحفور بالغرابيل، وينقلون رمله على حدة إلى موضع وترابه على حدة إلى موضع آخر وجاء فى سجل سهيلى أفندى-﵀ أنهم كانوا يخرجون ثلاثين أو أربعين ألف حمل تراب يوميا.

стр. 449

عين زبيدة: بما أن مجرى تلك العين كان قد غطى بالطين والأحجار وبدأ أهل مكة يعانون شح الماء، قام رضوان أغا بترميم وإصلاح المواضع الخربة فى مجرى العين المذكور، وظهر الجزء الممتد من جمرة العقبة إلى مكة، وقد أنجز هذه المهمة على الوجه الأكمل. إحدى كرامات بيت الله الحرام: عند ما سقط جزء من بناء الكعبة الشريفة أصبح ماء زمزم الشريف ملحا أجاجا إلى درجة أنه تعذر شربه. وعلى الرغم من أن أعلام العلماء والفقراء ذوى المنزلة تشاوروا فيما بينهم وبسطوا رجاءهم مطالبين بتطهير بئر زمزم لشدة حاجة أهل الإيمان إلى مائه المبارك ورغبتهم فيه، وأن تتولى جهة ما مهمة تنظيف هذه البئر إلى أن ينقى ماؤها، إلا أن تطهير هذه البئر كان يتكلف ثلاثين ألف قرش وبما أن إنفاق أكثر من خمسة أو ستة آلاف قرش ولو بارة واحدة يتوقف على الاستئذان من أولى الأمر فقد تغاضى رضوان أغا عن فكرة تطهير بئر زمزم قائلا: لا أستطيع أن أنفق هذا القدر من المال من تلقاء نفسى، وينبغى علىّ الاستئذان من والى مصر، ولكن حتى يصلنى رده يتطلب الأمر منى أن أشتغل بأمور أخرى لعدم إضاعة وقتى. واقتضت حكمة الله أن الملوحة الظاهرة فى بئر زمزم بدأت فى الزوال- تدريجيا مع أول يوم من إلقاء أساس بيت رب العزة، وعند ما أوشكت عمليات الأبنية المسعودة على الانتهاء أصبح ماء بئر زمزم عذبا فراتا، ولم تعد هناك حاجة إلى تطهيرها. انتهى. وفى أوائل شهر ذى القعدة أرسل رضوان أغا إلى والى مصر بيانا يتضمن ما تحتاج إليه الأبنية المسعودة من الآلات وأدوات ومواد بناء مبينا مقدارها وأنواعها، ورجاه الإسراع فى إرسال هذه الأشياء المدرجة فى هذا البيان. وقام والى مصر محمد على باشا بإعداد الأشياء التى أرسل رضوان أغا فى طلبها وعلاوة على

стр. 450

هذا استدعى كثيرا من النجارين وسائر الحرفيين ووجه بهم موظفا خاصّا وخرج فى وداعه. ولدى وصول الموظف المذكور إلى ميناء جدة فى أواخر شهر ذى القعدة سلم ما أحضره من مواد-بموجب دفتر-إلى أحمد قبانى أفندى كاتب المال على ميناء جدة المعمورة. وبناء على الأمر الذى أرسله رضوان أغا مع سيد على بن هبزع أرسل أحمد قبانى المهمات الواردة من مصر إلى مكة المكرمة على دفعتين، وقد حفظت المهمات التى أرسلت فى القافلة الأولى فى الخانات المعروفة بمخازن «عبد الرحمن بن عتيق» ١٣ محرم. وقبيل وصول هذه القافلة اتجه رضوان أغا نحو خليص لتمهيد وإصلاح الطرق التى دمرها ماء السيول الجارى من جهة وادى خليص، وكانت طرق العين المذكورة قد خربت بأكملها من جراء طغيان السيل، ولذا انقطعت مياه البئر، ومكث رضوان أغا أياما فى الوادى المذكور لإعادة مجرى البئر إلى سالف عهدها، واطلع على بن شمس الدين أفندى مهندس مكة المكرمة على الأماكن المتهدمة. وفى التاسع من ربيع الثانى أجروا الماء الذى انقطع-إلى مكة المكرمة بعد إصلاح العين وجعلها على أحسن وضع لها، كما أجريت مياه الأحواض. ثم قفل رضوان أغا راجعا إلى مكة المكرمة ونظف مجارى المياه الواقعة على مقربة من البركة الشامية. وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الثانى عين من مست إليهم الحاجة من موظفين للقيام بتجهيز كافة متطلبات ومستلزمات الأبنية المسعودة من حطب وفحم وجص، وبعد أن طيب نفس كل منهم بتحديد مرتباتهم كاملة غير منقوصة أمرهم بجمع الأحجار التى هوت من الأبنية المباركة للكعبة المعظمة، وأصدر تعليماته وتوجيهاته إلى النجارين بخصوص عمليات الترميم والإصلاح لإعادة جدران الكعبة المشرفة إلى ما كانت عليه.

стр. 451

ولما شاع بين الأهالى أن الأحجار الساقطة سوف تعاد إلى مواضعها فى الأبنية المسعودة كثر القيل والقال، ولأن كل أحد قال كل ما خطر له من كلام ذهب بعض العلماء إلى عدم جواز ذلك العمل واعترضوا عليه لدى رضوان أغا. وكان ضمن هؤلاء من طائفة العلماء المعترضين من يسمى «محمد على بن علان» مفتى الشافعية، وأصدر هذا الرجل فتوى فحواها أنه: (لا يجوز لكائن من كان أن يتدخل فى شئون البيت الشريف ما لم يكن نائبا أعظم عن سلطان العالم وملك ملوكه المعظم، وينبغى الانتظار لحين وصول التعليمات من الأستانة فى هذا الشأن). وبناء عليه استدعى رضوان أغا شيوخ الإفتاء على المذاهب الأربعة إلى الحرم الشريف وقال لهم: هناك من أفتى معترضا على ترميم بيت الله، فهل يجوز أن يبدأ فلان من الناس الذى عين من قبل السلطنة السنية ومنح الإذن فى البناء، أم أن ذلك غير جائز؟. وأجاب على سؤاله من أعاظم شيوخ الفتيا الشيخ «خالد بن أحمد المالكى»، و «عبد العزيز الزمزمى» من شيوخ إفتاء الشافعية، و «أحمد بن محمد آق شمس الدين المفتى الحنفى» و «عبد الله بن أبى بكر القرشى» مفتى الحنابلة بأن هذا الأمر (فرض كفاية)،والقائم به مثاب مأجور عند الله، بيد أن الشيخ محمد على بن علان وهو من مشاهير المعترضين أبدى اعتراضه ثانية، وجمع كثرة كاثرة من الأهالى وتجرءوا على منع الحجّارين وكافة عمليات البناء، وعلى أثر ذلك لم يجد رضوان أغا بدّا من استدعاء شيوخ الإفتاء على المذاهب الأربعة للمرة الثانية واستفتاهم فى شرح المسألة على التفصيل. وبفضل فتاوى هؤلاء الشيوخ المفصلة والتى أجمعوا فيها على جواز العمل قائلين: «يجوز كل فعل ما دعت إليه ضرورة أو حاجة» اقتنع الناس بمشروع رضوان أغا فى عمليات الأبنية المسعودة قبل وصول التعليمات السلطانية. ولم يكن سبب الاعتراض هو الرغبة فى إعادة الأحجار المنهارة إلى مواضعها

стр. 452

وإصلاحها، بل الأسباب القهرية التى بينها المهندسون فى تقارير المعاينة والتى نذكرها فيما يلى مع المعترضين: الأسباب القهرية التى بينها المهندسون فى تقارير المعاينة: ١ - أن الأحجار الساقطة من الأبنية المسعودة للبيت الشريف غير صالحة للاستعمال، ولأن قسما منها تهشم فإنه لا سبيل إلى إكمال بناء بيت الله بهذه الأحجار، ولذا يتحتم إحضار قدرا كافيا من الأحجار من خارج الكعبة. ٢ - وإن كان من الممكن إلصاق الجدران المقامة حديثا مع الجدران المتهدمة فإنه فى خلال فترة وجيزة سوف تنهار ما فى ذلك من شك، علاوة على أن بعض المواضع فى الجدران القديمة قد آل للسقوط،وهدم الجدران الآيلة للسقوط أصل مرعى من أصول فن العمارة. ردود المعترضين: ١ - لا يجوز جلب أحجار من خارج الكعبة، كما لا يجوز كذلك إصلاح الأحجار المتهشمة، وينبغى استعمال الموجودة على حالتها، أى أنه يتعين ترميم جدران الأبنية المسعودة بالأحجار القديمة. ٢ - لا يجوز اقتلاع حجر واحد من أبنية الكعبة، فمن باب أولى لا يجوز هدم الجدران المنهارة. ولا نحسب أن دعاوى المعترضين كانت لهذين السببين ليس إلا، فقد قالت هذه الطائفة بعد أن اجتمعت كلمتهم: أن صورة سقوط بيت الله عرضت على الباب العالي، ولا ينبغى الشروع فى البناء قبل ورود تعليمات الإرادة السنية فى هذا الصدد. كما عرجوا على إقامة ستار حول الأبنية المسعودة مع مهمة تنظيف الحرم الشريف، ولم يجيزوا-على أية حال-هدم الجدار الواجب هدمه وهو الذى بين الحجر الأسود والركن اليمانى، وقرروا جواز دخول بيت الله الحرام والجلوس فيه وتدريس صحيح البخارى داخل البقعة المقدسة.

стр. 453

وواقع الأمر أن هذه الدعاوى كانت واهية فإن لم يؤت بأحجار من خارج الكعبة لا يتأتى لجدران الكعبة أن تبلغ ارتفاعها القديم، وما لم تسو الأحجار المتهشمة وتصلح لا يمكن إعادتها إلى مواضعها القديمة وذلك أخذا بأصول فن العمارة، أما إلصاق جدار آيل للسقوط بآخر بنى حديثا فغير جائز لأن مصيره الانهيار. رغبتهم فى عدم تنظيف الحرم الشريف: وإن كانوا قد أشاروا إلى أن إدخال الجمال والحمر وسائر حيوانات الحمل إلى المسجد الحرام سوف يخل بما ينبغى من نظام، فإن الاعتماد على الإنسان فقط فى نقل حصى موضع ثبت أنه يخرج منه أكثر من أربعين ألف حمل حصى يوميا قرابة شهر على نحو ما سلف شرحه يستلزم نفقات باهظة، فضلا عن أن هذا سوف ينفذ فى مدى خمس أو ست سنوات وفى تلك المدة سوف يحرم الحجاج القادمون من الطواف والزيارة فى مواسم الحج وهل صح فى الفهم أن يجيز ذلك جاهل فكيف يجيزه عالم، وإن جاز إقامة ساتر من الخشب حول الكعبة الشريفة وتنظيف ما يجب تنظيفه من مواضعها، والوفاء بتعظيماتها طبق ما تفيده الفتاوى الشريفة المدرجة فى خاتمة المقال، فإن رضوان أغا حصل على فتوى بعدم تدريس صحيح البخارى داخل البقعة المقدسة، وشرع فى تنفيذ ما تستوجبه مهمته. رضى الله عنه وعمن أصدروا له الفتاوى أجمعين. تكليف رضوان باشا بإعادة بناء بيت الله: أرسل محمد على باشا والى مصر رسالة إلى الباب العالى يخطره فيها بسقوط بيت الله على نحو ما سلف ذكره، وأرفق هذه الرسالة بالتقرير الذى ورد من الشريف مسعود بشأن هذه الحادثة الهامة، وتلافيا لوقوع أى بلبلة عرض الأمر على حضرة السلطان دون أى تأخير وصدرت أوامر ملجأ الخلافة العظمى ببناء وترميم تلك البقعة المباركة وإعادتها إلى حالتها الأولى.

стр. 454

وفى تلك الأثناء أرسل الصك إلى سيد أفندى الأنقروى نقيب الأشراف الذى أسند إليه قضاء المدينة المنورة، وأن تكون الأموال اللازمة لترميم الأبنية المقدسة من جزية أقباط القاهرة وقد عين الأنقروى أفندى هذا أمينا للبناء لأمانته ونزاهته وأخطر محمد على باشا والى مصر بذلك وبإسناد نظارة الأبنية المقدسة إلى سيد أفندى الأنقروى، كما أخطر الشريف مسعود بفرمان خاص من السلطان. وشكل محمد باشا مجلسا من أعيان الدولة وموظفى الحكومة لبحث انتخاب وتعيين أمينا للبناء بموجب الفرمان السلطانى الرفيع والذى وصل يحمل التوقيع المشرف وقال محمد على باشا: لقد أخطرنا الباب العالى بسقوط بيت الله، وأرسلنا كذلك تقرير الشريف مسعود إلى مقر الخلافة الجليلة. وصدرت الأوامر السلطانية لنا بإسناد نظام ترميم البيت الشريف إلى سيد محمد أفندى الأنقروى قاضى المدينة المنورة، وانتخاب أمير من أهل التقوى والورع أمينا للبناء، وإرسال المال اللازم من الخزانة لإنفاقه على ذلك، وأرسل فرمان عال لإبلاغ الشريف مسعود بذلك مع خلعة فاخرة وأرسل اللواء السلطانى إلى من ستسند إليه أمانة البناء. ومن قبل أرسلنا إلى الباب العالى نخطره بإسناد هذه الخدمة إلى رضوان أغا، والآن قدم علينا موظف يسمى «محمود شاووش» لتسلم وحمل المهمات اللازمة للأبنية المسعودة وأحضر معه بيانا بها، وإذا ما استطاع رضوان أغا النهوض بهذه المهمة على خير وجه فسوف أثبته فى مهمته، ويتعين على أن أسلم محمود شاووش ما طلبه من مهمات، وإن وجد من هو أصلح من رضوان أغا أرسلناه واستدعينا رضوان أغا. وبعد تبادل الآراء طويلا فى المجلس قال محمد على باشا: إن رضوان أغا أهل تقوى وعفة واستقامة وكفاءة وهو على علم تام بالأبنية المسعودة، كما أنه موضع ثقة لدينا جميعا، وانتخب وأرسل من قبل لهذه المهمة، وبدلا من تضييع الوقت فى البحث عمن هو أهل اقتدار وكفاءة ينبغى أن نثبّت رضوان أغا فى مهمته، ونحن إذا ما طيبنا خاطره بإرسال الهدايا الواردة من

стр. 455

السلطان الأشراف، وأرسلنا إليه ما طلبه من مهمات نكون قد أدينا خدمة للكعبة الشريفة من ناحية العمليات والخزانة الجليلة من جهة النفقات. وقدم هذا الرد الشافى على النحو السالف، وبناء عليه أرسل محمد باشا رسالة مفصلة فى هذا الخصوص متضمنة التصديق على أمانة رضوان أغا للأبنية المقدسة، وأرسل موظفا مخصوصا بالفرمان السلطانى الوارد من الأستانة مصحوبا بخلعة فاخرة وخرج محمد باشا لوداع هذا الموظف. وفى هذه الأثناء أرسل سيد محمد أفندى-الذى كان موجودا فى مصر-مع الموظف المشار إليه. وأعدت المهمات المطلوبة لرضوان أغا كما وردت فى البيان، وبدءوا فى إرسالها تباعا إلى ميناء السويس، ولما نقلت إلى هناك بتمامها حملت فى سفن السويس مع سويدان زاده محمد بك وسلمت إلى محمود شاووش رجل رضوان أغا وأرسلت إلى جدة. وفى يوم الأحد التاسع عشر من ربيع الثانى لدى وصول محمود شاووش خرج من السفينة وركب وجناء (١)،واتجه إلى مكة المكرمة، ولما وصلها أخبر رضوان بتثبيته فى مهمته، وإسناد قضاء المدينة المنورة إلى من يدعى سيد «محمد أفندى الأنقروى» وتعيينه ناظرا على الأبنية المسعودة من قبل السلطان. وقد جعل كل ما يختص بمبانى البيت المعظم إلى والى مصر الوزير محمد على باشا وفوض فيه، وأرسلت الأوامر السلطانية ببذل كل ما فى وسعه فى هذا الخصوص. مع أن محمد باشا كان قد وكل من قبله رضوان أغا وعينه للقيام بهذه الخدمات السعيدة، وبعد بفترة قصيرة وصل سيد محمد أفندى إلى مكة المفخمة وتحدث مع رضوان أغا طويلا. بينما توجه الشاووش محمود من ميناء ينبع إلى مكة برا كان محمد بك ابن

стр. 456

سويدان قد توجه بحرا إلى بندر جدة المعمورة وقد وصل إلى جدة يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الثانى وسلم ما حمله معه من الأخشاب والآلات والأدوات والمهمات الأخرى الخاصة ببيت الله مع دفاترها إلى أحمد القبانى المسئول المالى لمدينة جدة، ولما كان أحمد أفندى يعرف مدى حاجة الأبنية المسعودة لهذه الأشياء أعد قافلة وحملها بالأخشاب فى نفس الليلة وبعثها إلى مكة المعظمة وأدركت القافلة المذكورة المدينة الجليلة فى الصباح. وبمجرد أن وصلت الأخشاب أسرع رضوان أغا بإحاطة الكعبة العليا بستار خشبى وبعده بيوم استحضر اللوازم الباقية من مدينة جدة بواسطة سيد على وخزنها. وقد شرع فى أعمال إحاطة كعبة الله بستار خشبى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من ربيع الثانى وكان هدف رضوان أغا من هذا العمل إخفاء تعمير بيت الله-تعظيما له وتوقيرا-من أعين الناس، وعند ما أوشكت عمليات ستر الكعبة بالخشب على الانتهاء وصل إلى مكة ناظر الأبنية السعيدة وتلاقى مع رضوان أغا واتفقا على إجراء مراسم الأمر السلطانى الذى حمله من مقام الخلافة الجليل وكتبت تذاكر الدعوة إلى سيد عبد الكريم (١) أخى مسعود شريف مكة وعظماء مكة وقاضى مكة وشيخ الحرم رجاء أن يكونوا فى الساعة المعينة داخل الحطيم الشريف فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر ربيع الثانى وتجمعوا فى الميعاد المحدد وقرأوا (٢) الصحيفة التى تحتوى الأمر السلطانى الموجه إلى الشريف مسعود. وبما أن الشريف مسعود كان مريضا لم يحضر مراسم قراءة الأمر السلطانى فأرسلت الخلعة السنية الخاصة به إلى منزله العامر وألبست الخلعة الخاصة برضوان أغا أمام الحاضرين كما ألبس سيد على بن هبزع والآخرون خلع لاثقة

стр. 457

بهم ثم رفع الحضور أياديهم داعين مبتهلين إلى الله بدوام دولة سلطان الأمم وانتصار جنوده وهكذا ختم المجلس. وقد قدم لرضوان أغا مقابل خدمته الجليلة راية سلطانية أيضا. ولم يرغب رضوان أغا بعد هذه الوظيفة فى وظيفة أخرى ورجا أن تبدل وظيفته بمشيخة الحرم الكائنة فى المدينة المنورة وقبل رجاؤه وأسندت إليه إدارة محافظة المدينة المنورة مشيخة الحرم المدنى فى دار الهجرة. وبعد ما أتم رضوان أغا خدمته قدم إلى إستانبول ونال شرف المثول بين يدى السلطان الذى عرض عليه وظيفة (بكلربكى) ولكنه لم يقبل هذه الوظيفة أيضا فأحيل إلى المعاش بستمائة ألف أقجة (١) وأنعم عليه ببراءة سنية (٢). وكانت الرسالة التى كتبها والى مصر الوزير «محمد باشا إلى الشريف مسعود» تحوى فقرة (يرجى أن تبذلوا جميع جهدكم لتعمير البلد الشريف وتجديده متفقا ومتعاونا مع المخلص رضوان أغا على أرض الواقع). وقد سر الشريف من هذه السطور وابتهج وأخذ يثنى على محمد على باشا ويشكره ثم ألبس الخلع لرضوان أغا ومرافقيه وبعد يومين من ذلك ارتحل مودّعا الدنيا إلى دار إمارة الفردوس فى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الثانى. وقد أثار موت الشريف مسعود بين أهل مكة القيل والقال مما أقلق الكرام من أهالى مكة والمجاورين ذوى الاحترام وأزعجهم. إلا أن رضوان أغا بما هو مفطور عليه من سجية عالية وروية فى التفكير بذل كل جهده ليحافظ على أمن البلد وضبطه فأصدر الأمر الآتى:- «كل من يسعى للفساد ويثير الخلل فى البلاد يهدر دمه» وأعلن هذا الأمر بواسطة المنادين فى الأسواق والحوانيت حتى يصل إلى مسامع الناس، ثم كفن وجهز الشريف مسعود وصلى عليه فى الحرم الشريف ودفنه فى مقبرة المعلا، ثم

стр. 458

استدعى الأعيان والأشراف وقاضى مكة المعظمة وشيخ الحرم وذوى النفوذ من الأهالى إلى الحرم الشريف وخاطب السيد الشريف عبد الله بن حسن الذى كان فخر أسرة آل عبد مناف ودرة السادات والأشراف. يا سيدنا إن منصب الإدارة الجليل والرتبة العلية لرياسة الأشراف من حقكم الصريح وذلك بشهادة المجتمعين والأشخاص الموجودين فى الأماكن الأخرى، فتولوا من الآن الإمارة والبسوا خلعتها المزينة وأسرعوا إلى حكم البلاد حسب الأصول واعملوا على ضبط الأمور وربطها .. هذا هو المرجو منكم وبناء على هذا الخطاب لم يستطع أهل الفساد أن يوقدوا نار الفتنة والفساد". وإن تردد السيد عبد الله فى قبول هذا التكليف الذى عرض عليه من قبل رضوان أغا إلا أن انضمام الأعيان والأشراف والعلماء الأعلام إلى رضوان أغا بالرجاء إليه. قائلين:-إن هذا الأمر المفروض عليك من قبل رضوان أغا نافع للدين والدولة فرجاؤنا أن تتفضلوا بقبوله. وبناء على هذا لبس الخلعة الخضراء لرياسة أشراف الإمارة، ودعا لسلطان الأنام من صميم قلبه، وتقيد بإدارة أمور البلد ضبطها وربطها. وقد أنقذ حسن تدبير رضوان أغا البلد من فتنة عظيمة ونجى الأهالى من الحزن والألم والقلق، لذا دعوا له وللسلطان وعدوا هذا التدبير المقبول والمستحسن خدمة أخرى قدمها المذكور لمكة الله وقالوا: «قد نجونا من جميع السوء كانت الحجارة المتساقطة من جدران البيت الشريف تناثرت فى جميع أطراف المسجد الحرام وظل كل جزء منها فى ناحية، وفى يوم الجمعة من أول شهر جمادى الأولى اجتمع الأشراف وأعيان مكة وخدمة بيت الله وموظفى الدولة فى المسجد الحرام توأم جنة الخلد وأخذوا يجمعون الحجارة ثم وضعوها فى صفة قريبة من المقام الحنفى فى الركن العراقى وأقاموا فوقها خيمة ثم كلفوا بجمع البقايا من الحجارة عمالا قاموا بحملها ووضعها فى مكان قريب من المدرسة

стр. 459

السليمانية، وشرع الصناع المهرة فى نحت الحجارة وتسويتها بعد أن جلبوها من الخارج». كان المرحوم الشريف مسعود قد وضع القناديل الذهبية والفضية الخاصة ببيت الله فى محل قريب من المدرسة الباسطية وحفظها هناك. وكان عدد القناديل خمسين قطعة ثمانية عشر منها ذهبا وثلاثة وثلاثين منها فضة. وقد اجتمعت الهيئة المذكورة يوم السبت الثانى من شهر جمادى الأولى ونقلت الأحجار المتروكة فى الركن (١) العراق إلى صفة المقام الحنفى وأمروا بانتزاع الحجارة الرخامية التى كانت تغطى ساحة المطاف ووضعوها فى مكان قريب من باب السدة. وأخذ الحجارون منذ ذلك اليوم ينحتون ويسوون الحجارة التى تضررت وتجرحت عند سقوطها من جدران بيت الله وكذلك أخذ النجارون يقطعون وينشرون الأخشاب التى وتوفرت. وفى يوم الأحد الثالث من شهر جمادى الأول انتزع باب خزينة الشموع الذى كان تابعا للسقاية التى يتولى أمرها عباس بن عبد المطلب وأخرجوا الحزام (٢) الحديدى الذى كان قد أرسله المرحوم السلطان أحمد خان. واستدعى الصياغ ليفصلوا بين ذهب ذلك الحزام وفضته وذلك أمام قاضى مكة وشيخ الحرم والآخرين من أعيان المدينة وعظمائهم. وخرج من حديد هذا الحزام عشرة آلاف درهم من الذهب ومائة وعشرون ألف درهم من الفضة. وهذا فضلا عن الذهب والفضة المستخرجان من الحزام الكائن بين الحجر

стр. 460

الأسود والركن اليمانى، وإذا ما ضممنا إلى المجموع ما استخرج من الذهب والفضة من الحزام يجب أن نضم إلى المجموع الكلى ثلث المقدار المذكور. كان محمد على باشا والى مصر قد جهز مقدارا لازما من الرخام والآلات والأدوات ومقدارا من الخشب والمستلزمات الأخرى وحمل بها سفينة فى السويس لتوصلها إلى جدة، وقد تعرضت هذه السفينة لعاصفة شديدة وغرقت ولما وصل الخبر المشئوم فى يوم الجمعة الخامس عشر من شهر جمادى الأولى إلى سمع الناس فى مكة المكرمة أصابهم هم شديد. وفى يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور شرع بعد التسمية باسم الله فى هدم جدران البيت بعد أن أحيط المطاف الشريف بستار خشبى. وكان الهدف من هذا إخفاء النجارين الذين سيعملون فى البيت الحرام مقتدين فى ذلك بعبد الله بن الزبير لأنه كان قد أحاط البيت قبل هدمه بستارة خشبية. بينما كان النجارون مشغولين بصنع الستارة الخشبية اتصل رئيسهم برضوان أغا وأخذا يتذاكران القرار الذى سيتخذ للبدء فى هدم البيت، وبعد المحادثات الطويلة بين الطرفين قرر أن يشرع فى الهدم يوم الأحد من الشهر المذكور وفى الموعد المقرر بدأت العمليات أمام الأشراف الكرام والعلماء العظام وأهل مكة المحترمين كما أحيط البيت من خارجه بستارة خشبية فى ارتفاع ستة أذرع، وتركوا فراغا فى الستارة الخشبية حتى يتمكن الطائفون من استلام الحجر أو تقبيله، وكان عبد الله بن الزبير قد فعل نفس الشئ، وكان الطائفون يطوفون خارج الستارتين، ولما شرع فى صنع الستارة الثانية فى ٢٤ جمادى الأولى شرع فى صنع إسقالة قوية متينة على أطراف الستارة الأربعة. وكان قصد رضوان أغا من صنع هذه الإسقالة هو تسهيل عمل البنائين فى صعودهم ونزولهم وتأمين طريق العمال الذين يحملون الحجارة والطين فى أثناء البناء.
следующие страницы →