← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سويدان قد توجه بحرا إلى بندر جدة المعمورة وقد وصل إلى جدة يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الثانى وسلم ما حمله معه من الأخشاب والآلات والأدوات والمهمات الأخرى الخاصة ببيت الله مع دفاترها إلى أحمد القبانى المسئول المالى لمدينة جدة، ولما كان أحمد أفندى يعرف مدى حاجة الأبنية المسعودة لهذه الأشياء أعد قافلة وحملها بالأخشاب فى نفس الليلة وبعثها إلى مكة المعظمة وأدركت القافلة المذكورة المدينة الجليلة فى الصباح. وبمجرد أن وصلت الأخشاب أسرع رضوان أغا بإحاطة الكعبة العليا بستار خشبى وبعده بيوم استحضر اللوازم الباقية من مدينة جدة بواسطة سيد على وخزنها. وقد شرع فى أعمال إحاطة كعبة الله بستار خشبى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من ربيع الثانى وكان هدف رضوان أغا من هذا العمل إخفاء تعمير بيت الله-تعظيما له وتوقيرا-من أعين الناس، وعند ما أوشكت عمليات ستر الكعبة بالخشب على الانتهاء وصل إلى مكة ناظر الأبنية السعيدة وتلاقى مع رضوان أغا واتفقا على إجراء مراسم الأمر السلطانى الذى حمله من مقام الخلافة الجليل وكتبت تذاكر الدعوة إلى سيد عبد الكريم (١) أخى مسعود شريف مكة وعظماء مكة وقاضى مكة وشيخ الحرم رجاء أن يكونوا فى الساعة المعينة داخل الحطيم الشريف فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر ربيع الثانى وتجمعوا فى الميعاد المحدد وقرأوا (٢) الصحيفة التى تحتوى الأمر السلطانى الموجه إلى الشريف مسعود. وبما أن الشريف مسعود كان مريضا لم يحضر مراسم قراءة الأمر السلطانى فأرسلت الخلعة السنية الخاصة به إلى منزله العامر وألبست الخلعة الخاصة برضوان أغا أمام الحاضرين كما ألبس سيد على بن هبزع والآخرون خلع لاثقة

стр. 457

بهم ثم رفع الحضور أياديهم داعين مبتهلين إلى الله بدوام دولة سلطان الأمم وانتصار جنوده وهكذا ختم المجلس. وقد قدم لرضوان أغا مقابل خدمته الجليلة راية سلطانية أيضا. ولم يرغب رضوان أغا بعد هذه الوظيفة فى وظيفة أخرى ورجا أن تبدل وظيفته بمشيخة الحرم الكائنة فى المدينة المنورة وقبل رجاؤه وأسندت إليه إدارة محافظة المدينة المنورة مشيخة الحرم المدنى فى دار الهجرة. وبعد ما أتم رضوان أغا خدمته قدم إلى إستانبول ونال شرف المثول بين يدى السلطان الذى عرض عليه وظيفة (بكلربكى) ولكنه لم يقبل هذه الوظيفة أيضا فأحيل إلى المعاش بستمائة ألف أقجة (١) وأنعم عليه ببراءة سنية (٢). وكانت الرسالة التى كتبها والى مصر الوزير «محمد باشا إلى الشريف مسعود» تحوى فقرة (يرجى أن تبذلوا جميع جهدكم لتعمير البلد الشريف وتجديده متفقا ومتعاونا مع المخلص رضوان أغا على أرض الواقع). وقد سر الشريف من هذه السطور وابتهج وأخذ يثنى على محمد على باشا ويشكره ثم ألبس الخلع لرضوان أغا ومرافقيه وبعد يومين من ذلك ارتحل مودّعا الدنيا إلى دار إمارة الفردوس فى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ربيع الثانى. وقد أثار موت الشريف مسعود بين أهل مكة القيل والقال مما أقلق الكرام من أهالى مكة والمجاورين ذوى الاحترام وأزعجهم. إلا أن رضوان أغا بما هو مفطور عليه من سجية عالية وروية فى التفكير بذل كل جهده ليحافظ على أمن البلد وضبطه فأصدر الأمر الآتى:- «كل من يسعى للفساد ويثير الخلل فى البلاد يهدر دمه» وأعلن هذا الأمر بواسطة المنادين فى الأسواق والحوانيت حتى يصل إلى مسامع الناس، ثم كفن وجهز الشريف مسعود وصلى عليه فى الحرم الشريف ودفنه فى مقبرة المعلا، ثم

стр. 458

استدعى الأعيان والأشراف وقاضى مكة المعظمة وشيخ الحرم وذوى النفوذ من الأهالى إلى الحرم الشريف وخاطب السيد الشريف عبد الله بن حسن الذى كان فخر أسرة آل عبد مناف ودرة السادات والأشراف. يا سيدنا إن منصب الإدارة الجليل والرتبة العلية لرياسة الأشراف من حقكم الصريح وذلك بشهادة المجتمعين والأشخاص الموجودين فى الأماكن الأخرى، فتولوا من الآن الإمارة والبسوا خلعتها المزينة وأسرعوا إلى حكم البلاد حسب الأصول واعملوا على ضبط الأمور وربطها .. هذا هو المرجو منكم وبناء على هذا الخطاب لم يستطع أهل الفساد أن يوقدوا نار الفتنة والفساد". وإن تردد السيد عبد الله فى قبول هذا التكليف الذى عرض عليه من قبل رضوان أغا إلا أن انضمام الأعيان والأشراف والعلماء الأعلام إلى رضوان أغا بالرجاء إليه. قائلين:-إن هذا الأمر المفروض عليك من قبل رضوان أغا نافع للدين والدولة فرجاؤنا أن تتفضلوا بقبوله. وبناء على هذا لبس الخلعة الخضراء لرياسة أشراف الإمارة، ودعا لسلطان الأنام من صميم قلبه، وتقيد بإدارة أمور البلد ضبطها وربطها. وقد أنقذ حسن تدبير رضوان أغا البلد من فتنة عظيمة ونجى الأهالى من الحزن والألم والقلق، لذا دعوا له وللسلطان وعدوا هذا التدبير المقبول والمستحسن خدمة أخرى قدمها المذكور لمكة الله وقالوا: «قد نجونا من جميع السوء كانت الحجارة المتساقطة من جدران البيت الشريف تناثرت فى جميع أطراف المسجد الحرام وظل كل جزء منها فى ناحية، وفى يوم الجمعة من أول شهر جمادى الأولى اجتمع الأشراف وأعيان مكة وخدمة بيت الله وموظفى الدولة فى المسجد الحرام توأم جنة الخلد وأخذوا يجمعون الحجارة ثم وضعوها فى صفة قريبة من المقام الحنفى فى الركن العراقى وأقاموا فوقها خيمة ثم كلفوا بجمع البقايا من الحجارة عمالا قاموا بحملها ووضعها فى مكان قريب من المدرسة

стр. 459

السليمانية، وشرع الصناع المهرة فى نحت الحجارة وتسويتها بعد أن جلبوها من الخارج». كان المرحوم الشريف مسعود قد وضع القناديل الذهبية والفضية الخاصة ببيت الله فى محل قريب من المدرسة الباسطية وحفظها هناك. وكان عدد القناديل خمسين قطعة ثمانية عشر منها ذهبا وثلاثة وثلاثين منها فضة. وقد اجتمعت الهيئة المذكورة يوم السبت الثانى من شهر جمادى الأولى ونقلت الأحجار المتروكة فى الركن (١) العراق إلى صفة المقام الحنفى وأمروا بانتزاع الحجارة الرخامية التى كانت تغطى ساحة المطاف ووضعوها فى مكان قريب من باب السدة. وأخذ الحجارون منذ ذلك اليوم ينحتون ويسوون الحجارة التى تضررت وتجرحت عند سقوطها من جدران بيت الله وكذلك أخذ النجارون يقطعون وينشرون الأخشاب التى وتوفرت. وفى يوم الأحد الثالث من شهر جمادى الأول انتزع باب خزينة الشموع الذى كان تابعا للسقاية التى يتولى أمرها عباس بن عبد المطلب وأخرجوا الحزام (٢) الحديدى الذى كان قد أرسله المرحوم السلطان أحمد خان. واستدعى الصياغ ليفصلوا بين ذهب ذلك الحزام وفضته وذلك أمام قاضى مكة وشيخ الحرم والآخرين من أعيان المدينة وعظمائهم. وخرج من حديد هذا الحزام عشرة آلاف درهم من الذهب ومائة وعشرون ألف درهم من الفضة. وهذا فضلا عن الذهب والفضة المستخرجان من الحزام الكائن بين الحجر

стр. 460

الأسود والركن اليمانى، وإذا ما ضممنا إلى المجموع ما استخرج من الذهب والفضة من الحزام يجب أن نضم إلى المجموع الكلى ثلث المقدار المذكور. كان محمد على باشا والى مصر قد جهز مقدارا لازما من الرخام والآلات والأدوات ومقدارا من الخشب والمستلزمات الأخرى وحمل بها سفينة فى السويس لتوصلها إلى جدة، وقد تعرضت هذه السفينة لعاصفة شديدة وغرقت ولما وصل الخبر المشئوم فى يوم الجمعة الخامس عشر من شهر جمادى الأولى إلى سمع الناس فى مكة المكرمة أصابهم هم شديد. وفى يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور شرع بعد التسمية باسم الله فى هدم جدران البيت بعد أن أحيط المطاف الشريف بستار خشبى. وكان الهدف من هذا إخفاء النجارين الذين سيعملون فى البيت الحرام مقتدين فى ذلك بعبد الله بن الزبير لأنه كان قد أحاط البيت قبل هدمه بستارة خشبية. بينما كان النجارون مشغولين بصنع الستارة الخشبية اتصل رئيسهم برضوان أغا وأخذا يتذاكران القرار الذى سيتخذ للبدء فى هدم البيت، وبعد المحادثات الطويلة بين الطرفين قرر أن يشرع فى الهدم يوم الأحد من الشهر المذكور وفى الموعد المقرر بدأت العمليات أمام الأشراف الكرام والعلماء العظام وأهل مكة المحترمين كما أحيط البيت من خارجه بستارة خشبية فى ارتفاع ستة أذرع، وتركوا فراغا فى الستارة الخشبية حتى يتمكن الطائفون من استلام الحجر أو تقبيله، وكان عبد الله بن الزبير قد فعل نفس الشئ، وكان الطائفون يطوفون خارج الستارتين، ولما شرع فى صنع الستارة الثانية فى ٢٤ جمادى الأولى شرع فى صنع إسقالة قوية متينة على أطراف الستارة الأربعة. وكان قصد رضوان أغا من صنع هذه الإسقالة هو تسهيل عمل البنائين فى صعودهم ونزولهم وتأمين طريق العمال الذين يحملون الحجارة والطين فى أثناء البناء.

стр. 461

وقد استمرت هذه الأعمال ستة أيام أو سبعة وفى يوم الأحد غرة جمادى الآخرة انتزعت بقية الأحزمة التى كانت فوق الجدار الذى فيه الحجر الأسود، وفى يوم الاثنين الثانى من شهر جمادى الآخرة اجتمع الشريف على بن بركات وسادات البلد صباحا فى دائرة الحطيم وتفقدوا الجدران التى لم تسقط وخاصة السقف الشريف لبيت الله ومعهم رضوان أغا والمختصون فى فن العمارة والمهندسون. وأخذ المتخصصون فى فن العمارة والمهندسون يكشفون بعناية تامة ورأوا مدى ضعف الجدران التى لم تتهدم بعد، والسقف الشريف وشدة وهنه ثم قالوا مخاطبين الجمع: إن مبانى هذه البقعة الشريفة قد اهتزت ووهنت من أسسها وهانحن أولاء نعرض لكم الحقيقة فلا مجال بعد ذلك لتقولوا لماذا لم تخبرونا بالحقيقة فى وقتها؟ وقد صرحنا بحقيقة الأمر أمام المفتين الأربعة والسيد القاضى وأمام عظماء البلد ووجهائهم. ونكرر القول مرة أخرى: إن إبقاء بيت الله دون تجديد أمر غير جائز، وقد اهتزت وضعفت جميع نواحيه وأصابها الوهن ومن هنا يجب أن يجدد البيت تجديدا كاملا وأيدوا قول رضوان أغا بشهادة كثير من المسلمين. إن تصديق المجتمعين كلهم ما ادعاه المهندسون ورجال العمال بلا تردد كان لإسكات محمد بن علان وهو من العلماء المعترضين. وقد ادعى ابن علان أن الأجزاء الباقية من جدران الكعبة غير جائز هدمها وهكذا خدع بعض العوام من الناس وأثارهم حتى يحولوا دون هدم الأجزاء الباقية التى نجت من السيول، وتردد رضوان أغا أمام موقف هؤلاء واستفتى المفتين المعروفين بعلمهم فى أرجاء العالم وفقهاءهم وحصل منهم على الفتوى التى ستذكر فى آخر هذا المقال وكانت خلاصة الفتوى: «يجب العمل بما تملى به الضرورة وبشهادة أهل الخبرة ورأيهم، ومن هنا يجب البدء فى تجديد بناء الكعبة ويلزم من أجل تجديدها المال الحلال».

стр. 462

وبناء على التقرير الذى وضعه المهندسون والمتخصصون فى فن العمارة وبشهادة المسلمين قد رفعت الستائر الخشبية التى وضعت بدلا من الجدران المنهارة وانتزعت الحجارة الباقية ووضعت بكل احترام وتوقير فى مكان قريب من المدرسة الباسطية وذلك فى يوم الثلاثاء الثالث من شهر جمادى الآخرة. وبما أنه قد شرع فى يوم الأربعاء الرابع من جمادى الآخرة فى إنزال سقف بيت الله لم يفارق رضوان أغا المهندسين والمعماريين وأمر بإنزال الرصاص الذى كان فوق السقف والأخشاب التى تثبت كسوة الكعبة، ثم وضعت هذه الأشياء بعد إنزالها فى خزينة الشموع، كما أمر بوضع التراب الذى تخلف من إنزال سقف البيت فى المطاف. وفى يوم الجمعة السادس من جمادى الآخر اجتمع الشريف على بن بركات والأعيان والعلماء من مفتىّ المذاهب الأربعة فى داخل الحطيم الكريم وشاهدوا وتفقدوا وكان معهم الشيخ محمد على بن علان أحد المعترضين على تجديد الأبنية. وقام رضوان أغا وعرض على المجتمعين أن ابن علان لا يوافق على هدم ما تبقى من الجدران بعد السيل وأنه يتلفظ بكلمات تؤدى إلى إثارة الفتنة بين عوام الناس ثم قال: ما رأيكم فى هذا؟ فقال الجميع: إن تجديد الكعبة قد أصبح واجبا بناء على أقوال المهندسين والمعماريين وبناء على ما رأيتموه من الجدران المتهدمة وبهذا قد أفتوا مرة أخرى. وفى يوم السبت السابع من جمادى الآخرة أمر بإنزال البقية من السقف اللطيف ووضع جزء من البقايا بجانب المدرسة السليمانية ووضع الجزء الآخر فوق أحجار كعبة الله التى حول الكعبة المعظمة. وكانت الغاية من وضع الأخشاب فى الأماكن المتفرقة لحفظها من الأذى الذى قد يصيبها فى أثناء هدم جدران الكعبة. وفى وقت الضحى المذكور شرع فى هدم بقايا الجدران الكائنة فى جهة بئر زمزم وفى الغد ومن يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة شرع فى هدم بقايا الجدار الغربى المقابل لباب إبراهيم وأنزلت الأخشاب التى كانت فوق هذا الجدار

стр. 463

ثم شرع فى هدم بقايا الجدار المقابل لباب الصفا، وقد تمت إجراءات الهدم للجدار اليمانى يوم الاثنين التاسع من جمادى الآخرة وفى يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الآخرة شرع فى هدم البقية الباقية من جدران بيت الله. وفى يوم السبت الرابع عشر من جمادى الآخرة هدموا إلى قرب عتبة باب المعلا من كعبة الله، وفى يوم الأحد الخامس عشر من جمادى الآخرة حملت عتبة باب بيت الله إلى المكان الذى ينحت فيه الحجارون الحجارة فقاموا بتسويتها، ثم قلع الباب السعيد من مكانه وحمل فوق الرءوس ووضعوه فى المكان الخالى تحت بيت المرحوم ميرزا ثم نقلوا حجارة الشادروان والركن اليمانى إلى جهات مختلفة بعد أن نزعوها من مكانها وكان فى حجارة الشادروان حلقات مغطاة بالذهب. وفى يوم الأربعاء الثامن عشر من جمادى الآخرة لم يكن قد بقى أى حجر فى جدران كعبة الله إلا الحجارة التى فوق الحجر الأسود وتحته لذا طلب البناءون والنجارون إحضار جميع أدواتهم ووضعوها فى المخزن الذى يطلق عليه خزينة المال، وفى الغد الخميس التاسع عشر من جمادى الآخرة شرع فى تنظيف وحفر الأسس لجدران بيت الله الأربعة وإحضار الحجارة الكبيرة التى ستوضع فى أساس البيت واستمروا فى الحفر حتى وصلوا إلى الحجارة الخضراء وعلامات وإشارات أساس البيت القديمة من حيث بدءوا فى التجديد ورصوا طبقة من الحجارة ابتداء من الركن الشامى. وكان الشروع فى وضع أسس بيت الله فى يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. ومن الأحجار الأساسية لكعبة الله إلى سقفها اللطيف يوجد خمس وعشرون طبقة من الحجارة وفق ما رتبه عبد الله بن الزبير وبما أن الأحجار الموضوعة فى الطبقة الأولى فوق الأحجار الخضراء بقيت تحت أحجار الشادروان فهى لا تدخل ضمن الخمس والعشرين طبقة.

стр. 464

وفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة جهزت أحواض الكلس ٤٣٧ وأدخلوا الحجارة التى كانت فى الخارج إلى المطاف الشريف وفى الغد الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة أرسلوا الحجارة التى قطعت من جبل الشبكة ونحتت وسويت بجانب مقبرة العارف بالله الشيخ محمود بن إبراهيم أدهم إلى حرم المسجد الحرام وبعد ما غسلت هذه الحجارة بجانب المقام المالكى حملت إلى جانب جدران كعبة الله. وفى يوم الأربعاء السادس والعشرين من جمادى الآخرة أخذوا يبنون فوق الطبقة الأولى من الحجارة التى وضعت فوق الحجارة الخضراء ورفعوا البناء من الجهات الأربعة إلى أرض المطاف. وقد وجد فى ذلك اليوم فى الحرم الشريف بجانب الكعبة الشريفة قضاة مكة المكرمة والمدينة المنورة وشيخ الحرم والفقهاء والعلماء حتى ينالوا شرف تقديم الخدمة فى أثناء وضع أسس البيت الحرام، ودعوا لسلطان العصر وأثنوا عليه وحملوا الحجارة بأيديهم وبعد فترة تعبوا وجلسوا فى الحطيم. وقام رضوان أغا الذى كان معهم وأخرج من جيبه دفترا وقرأ أسماء الشريف عبد الله وقاضى مكة المكرمة وشيخ الحرم ونائبه ووالى مكة ومفتىّ المذاهب الأربعة والآخرين ممن قاموا ببناء البيت وتجاوز عددهم العشرين ثم ألبس كل واحد منهم خلعة فاخرة وختم المجلس بالدعاء للسلطان مرة أخرى. وقد ارتجل أحد الأشخاص من فضلاء مكة هذا المصراع من البيت يسجل فيه تاريخ اليوم. ( ... تاريخ رفع الله قواعد البيت (١)) عاد المدعوون المشار إليهم بعد زيارة بيت الله ذو الأسس الذى لن يندرس بعد ما لبسوا الخلع فى داخل الحطيم وبعد ما تلوا آيات القرآن الكريم ودعوا باليمن

стр. 465

والبركات للسلطان رافعين أكفهم إلى قاضى الحاجات وقد رتب بعد ذلك رضوان أغا حفاظا يجتمعون داخل المقامات الأربعة ويختمون القرآن الكريم كل يوم ثم يقرأون دعاء ختم القرآن فوق الساحة المباركة للبيت الحرام. كما عين ثلاثة من الحفاظ الفقهاء ليشرعوا فى قراءة سورة الفتح مع بدء العمل فى البناء فى كل يوم، كما فتح بابا فى السور الخشبى الذى حول الكعبة. وعهد رضوان أغا بمفتاح هذا الباب إلى بواب معين وكان المذكور حينما يفتح الباب كل صباح يبدأ الحفاظ الذين فى داخل المقامات الأربعة فى ختم القرآن الكريم ويشرع البناءون فى العمل كما يبدأ الحفاظ الذين داخل المقام الحنفى فى قراءة سورة الفتح. وقد استمر هذا النظام إلى أن انتهى بناء بيت الله المفخم وقد ختم القرآن كل يوم فى المقامات الأربعة كما تليت سورة الفتح ثلاث مرات. واشتغل البناءون فى يومى الخميس والجمعة والسبت السابع والثامن والعشرين من جمادى الآخرة بإعداد ما يلزم من مؤن لتثبيت ووضع الطبقة الثانية من الحجارة وفى يوم الأحد التاسع والعشرين من الشهر المذكور أخذوا يركبون حجارة الطبقة الثانية وفى اليوم الثلاثين من جمادى الآخرة يوم الاثنين وضعوا فى الركن اليمانى حجر استلام المطوفين المبارك. وكان الجزء العلوى من هذا الحجر قد انكسر لذا صب البناءون فى هذا الكسر مقدارا كافيا من الرصاص بعد ما سووه جيدا مع الأجزاء الأخرى حتى يتماسك مع الحجارة الأخرى. وفى أثناء وضع الحجر المسعود فى مكانه من الركن اليمانى جاء الشخص الكريم الذى يحمل مفتاح البيت ومسح الحجر الأسعد وما يتصل به من الحجارة بنوع من الأعشاب والعطور الأخرى. وبعد ما رص البناءون حجارة الركن اليمانى ورصوها جيدا رصوا حجارة

стр. 466

الطبقة الثانية من جدران الركن الغربى والركن الشامى وفى اليوم الثانى الثلاثاء غرة رجب أنهوا رص حجارة الطبقة الثانية لجميع أركان البيت وسووها جيدا (١). وفى اليوم الثانى الأربعاء قضى البناءون وقتهم فى إعداد المؤن ونقل الأشياء اللازمة وتجهيزها وفى اليوم الثالث الخميس ركبوا عتبة باب كعبة الله ذات الفيوضات الإلهية فى المكان المعد لها. كما علق الصياغ الطرف النحاسى الذى صنع للحجر الأسود بالفضة ونقلوا بواسطة البنائين والحمالين الثلاثة أعمدة التى ستنصب داخل بيت الله ومصراعى باب كعبة الله فى داخل ساحة بيت الله. وفى يوم الجمعة الرابع من رجب الفرد انشغلوا بتخمير وتصفية المونة وإعداد اللوازم الأخرى ثم نقلوها من باب الصفا إلى مكان قريب من الأبنية السعيدة وفى يوم السبت الخامس من رجب أخذوا فى رص الطبقة الثالثة وشغلوا إلى مساء يوم الأحد السادس منه برص حجارة الطبقة الثالثة إلى الحجر الأسود وسووها وفى نفس الوقت أخذوا يسوون أطراف الألواح الخشبية التى حزمت بها جدران البيت المنير ومن ناحية أخرى غطوا غلاف الحجر الأسود الجديد بالفضة وزينوه بنقوش ذهبية، ولكن الحجارة التى كانت بجانبى الحجر الأسود ظلت منخفضة قليلا. وفى يوم الاثنين السابع من رجب وبعد الشروق اصطحب رضوان أغا سيد محمد أفندى والمعماريين والمهندسيين وأحضر معه العشرة ألواح التى كانت أعدت لأجل الحجر الأسود والتى كانت مغلفة بالفضة ومنقوشة بالذهب وثبت بها الجهة التى ظلت مكشوفة من الحجر الأسود وأمر البنائين بالشروع فى رص الطبقة الرابعة من الحجارة، وفى يوم الثلاثاء الثامن من رجب رفعوا الحجر الكبير الذى فوق الحجر الأسود وثبتوه فى مكانه وذلك فى حضور الأشراف والأعيان والعلماء والوجهاء واشترك فى رفع الحجر الكبير الذى كان فوق الحجر الأسود

стр. 467

ووضعه فى مكانه جميع الأشراف والأعيان إلا أن رئيس المهندسين «آق شمس الدين أفندى» و «عبد الرحمن بن زيد أفندى» من معمارى الأبنية المسعودة قد اضطلعا بنفسهما بإصلاح أطراف الحجر الأسعد وتسويته وقضيا يومى الأربعاء والخميس فى هذا العمل فقط وهكذا أنهى كل ما يتعلق بأمور الحجر الأسود. وفى ليلة الجمعة الحادى عشر من رجب الشريف قام قاضى مكة وشيخ الحرم وبعض من فقهاء البلاد بالكشف على كيفية وضع الحجر الأسود فى مكانه وأثنوا على رضوان أغا ورئيس المهندسين والمعماريين وشكروهم لما بذلوا من جهد عظيم وهمة كبيرة. بينما كان الزوار الكرام يتفقدون وضع الحجر الأسود قال بعض المهرة من العمال الذين رأوا أن ظهر الحجر الأسود أكثر صقلا من وجهه: لو أذنتم بتبديل ظهر الحجر الأسود بوجهه لأن ظهره أصقل من وجهه ولكن رضوان أغا رفض رأى البنائين قائلا: لا، لا يجوز التلاعب بالحجر الأسود إن وضعه الحالى على أحسن ما يرام. وكان رضوان أغا مصيبا فى رأيه، لأن الحجر الأسود-كما سبق فى بابه- كان متشققا من عدة أماكن، حتى أنه قد ربط فى أيام العباسيين من طرفيه بأحزمة فضية، وقد أبقاه رضوان أغا عل هيئته الحالية وغطى جوانبه المكشوفة بصفائح مطلية ومغلفة بالفضة وأحكم تثبيته. وفى يوم السبت الثانى عشر من رجب الفرد شرعوا فى رص حجارة الطبقة الخامسة وبعد الانتهاء من رص الجهات الأربعة استقدموا الحدادين وكلفوهم بصنع حزام معكوس الرأس من الحزام الذى كان السلطان أحمد بن محمود خان أرسله فى سنة ١٠٢٠ هـ لربط بيت الله من جهاته الأربعة. وقد ثقبت الأحجار الموجودة فى الزوايا من وسطها لتثبيت رءوس الأحزمة الحديدية جيدا وقد أدخلوا رءوس الأحزمة المعكوسة فى داخل الثقوب ثم صبوا فيها الرصاص المنصهر لتثبيتها، ثم نشروا ألواح الأخشاب اللازمة لتغطية جدران

стр. 468

البيت الحرام ثم ألصقوها بعضها ببعض وسمروها على الجدران ووضعوا الأخشاب المتبقية فى مكان أمين لاستعمالها فى السقف الشريف. وقد أوصى المسئولون بشراء بعض الخشب من جدة وقد استحضروا هذا الأخشاب فى يوم الأحد الثالث عشر من رجب إلى مكة وحفظوها فى المخازن وفى يوم الاثنين الرابع من رجب شرعوا فى رص حجارة الطبقة السادسة من الجهة الشرقية وانتهوا إلى باب المعلا من بيت الله وبدءوا فى رص حجارة الجهة الغربية وقام النجارون بصنع القواعد التى ستنصب عليها الأعمدة فى داخل كعبة الله. وفى يوم الثلاثاء الخامس عشر من رجب فتحوا بابا من ناحية القصر المنسوب للملك الأشرف قنصوه الغورى للصعود على قبب المسجد الحرام وأعدو الأخشاب التى استحضرت من جدة بمسحها للاستعمال. وفى يوم الأربعاء السادس عشر من رجب صعد سيد محمد أفندى الأنقروى مع رضوان أغا لتفقد الأماكن التى فى حاجة للطلاء. وفى يوم السبت التاسع عشر من رجب قرروا الطلاء وقد وضع البناءون الطبقة السابعة من الحجارة وفى يوم الخميس صفوا الحوض الذى أعده من ناحية ومن جهة أخرى اصلحوا وسووا الأخشاب التى جهزت لتغطية السقف وفى يوم الجمعة أعدوا الحجارة الموجودة وفى يوم السبت قاموا بطلاء أربع قبب ناحية باب العمرة (١). وفى يوم الأحد العشرون من رجب رصوا الطبقة الثانية من الحجارة وقاموا بتزيين وتحلية الأعمدة التى بجانب باب البيت المطهر والتى غلفت بالفضة بنقوش ذهبية، ثم وضعوا الخشبة التى فوق القبة العليا للباب وركبوا مصراعى البيت القديمين.

стр. 469

وقد كتب فوق الخشبة المذكورة بنقوش ذهبية (بسم الله الرحمن الرحيم) وقد نصب العمودان اللذان بطرفى الباب والمغلفان بالفضة فى عهد السلطان المرحوم سليمان خان سنة ١٩٥٠ هـ. والمصراعان اللذان قلنا عنهما القديمين كانا قد صنعا أيام الملك الظاهر بيبرس من سلاطين مصر وقد بليا بمرور الوقت، لذا قد بدّل السلطان سليمان غلافهما الفضى وزينها بالنقوش الذهبية ووضعهما فى مكانهما. وفى اليوم الذى نقش فيه العمودان بدئ فى رص حجارة الطبقة التاسعة من جهة الركن العراقى وأخذوا فى صنع الإسقالة الداخلية التى احتيج إليها، لأن الجدار كان قد ارتفع عن عتبة باب كعبة الله. لما ركب باب البيت الشريف جربه رضوان أغا بأن فتحه وأغلقه عدة مرات ثم أتى بقطعة من إسفنج نظيف وغسل جميع جدرانه بماء زمزم ثم أغلقه بمفتاح. ولما كان المفتاح يوضع فى باب البيت مع صوت أذان الظهر ارتفعت الأدعية بطول عمر السلطان وزيادة قوة دولته ورقيها. بعد أداء صلاة الظهر أسرع البناءون بإتمام الطبقة العاشرة من جدران البيت وشغلوا إلى يوم الخميس الرابع والعشرين من رجب بطلاء البيت بالكلس وإعداد الأخشاب بمسحها وتسويتها وفى نفس اليوم ركبوا أحجار الطبقة الحادية عشرة. وفى يوم السبت السادس والعشرين من رجب أعطى ابن شمس الدين بقية الأخشاب الخاصة إلى النجارين لتسويتها وبعد ما رص البناءون حجارة الطبقة الثانية عشرة بدأوا فى نحت وإصلاح أحجار البيت الشريف القديمة. وفى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب استحضرت الأخشاب اللازمة لسقف الكعبة المعظمة وهيئ ثمان وثمانون عمودا خشبيا تماثل الأعمدة الخشبية القديمة فى الطول والعرض والقطر وابتدئ فى إعداد الألواح الخشبية التى تغطى الأعمدة السابقة، وذلك بمسحها الطبقة الثالثة عشرة كما رصوا قطع الرخام اللازمة لسطح البيت على الأرض بعضها بجانب بعض لفرزها وما وجدوه معيبا

стр. 470

نحوه جانبا لتسويته وإصلاحه، وبعد ذلك بدءوا فى رص أحجار الطبقة الرابعة عشرة التى تعد مبدأ النصف الأعلى للكعبة المعظمة. عند ما ارتفعت جدران كعبة الله إلى نصف علوها امتلأت ساحة المسجد الحرام سواء بالحجارة القديمة أو كانت الأحجار الجديدة المنحوتة والمستلزمات الأخرى مثل الكلس والرمال والأخشاب حتى لم يبق مكان للسير فى المسجد الحرام. وأخذ الناس فى الشوارع والأسواق والمحافل العليا والسفلى وخاصة فى المجالس غير الرسمية التى تجتمع فى داخل الحرم الشريف يتحدثون ويقولون إن رضوان أغا يهين البيت الأعظم وذلك أنه قد نوى أن يكسب أموالا كثيرة بزيادة النفقات غير اللازمة. إن أحدا من الأسلاف لم يتجرأ بأن يمد يده للحجارة التى بنى بها خليل الله- ﵇-الكعبة. وما الحاجة إلى الحجارة الجديدة؟! ما دامت الحجارة التى بنا بها عبد الله بن الزبير الكعبة متوفرة؟! وقد أطال الناس ألسنتهم على رضوان أغا بمثل هذه الكلمات غير اللائقة وأبلغ بعض العلماء الخيرين رضوان أغا بهذه الأقوال؛ وبما أن رضوان أغا انزعج انزعاجا شديدا وخاف من حدوث فتنة وبما أنه كان بريئا من كل ما يجرى على ألسنة الناس ظل يطوف البيت سبع مرات بعد أداء الصلاة مدة شهرين أو ثلاثة أشهر ويتضرع لواهب الآمال باكيا؛ وكان يخاطب ربه فى ختام كل طواف بكل تذلل وانكسار رافعا يديه ويقول: يا ربّ إنك ترى كل شئ إن الأنبياء العظام والأولياء ذوى الاحترام وكافة الملائكة نالوا المغفرة بخدمة بيتك العظيم. إن هدفى من كل عملى هو نيل رضاك وليس إهانة البيت. يا إلهى أخف واستر بجاه قدرتك وعظمتك الأشياء الزائدة عن عيون الناس وأنج عبدك هذا من اعتراضات الناس وأقاويلهم يا رب إذا زادت الأحجار والأشياء الأخرى عن حاجة البيت. فمر ملائكتك يرفعونها إلى السماء أو يدفعونها فى الأرض، وبمثل هذه الأقوال أخذ يناجى ربه باكيا منتحبا.

стр. 471

وقد أصاب دعاؤه هدفه فنال الاستجابة، إذ لم يزد أى شئ عن حاجة البيت سواء كانت الحجارة الجديدة أو الحجارة القديمة أو المستلزمات الأخرى وكأن كل شئ حسب حسابه بدقة شديدة لم يزد حجر ولم ينقص حجر. انتهى. وفى يوم الأربعاء غرة شعبان رفعت الستارة الخضراء التى كانت تغطى الكعبة إلى نصفها ورأى الأهالى غرة كعبة الله ورفعوا أيديهم بالتضرع إلى الله شكرا ومسحوا وجوههم فى كعبة الله المفخمة. وفى يوم الجمعة الثالث من شهر شعبان فرشوا رخام النصف الثانى للسطح الشريف ووضعوا على كل واحد منه علامات معينة وأعدوا الأخشاب اللازمة، وفى اليوم الرابع من رجب الموافق يوم الجمعة رفعوا ستارة البيت وطووها. رفعت ستارة كعبة الله الشريفة وظهر جمال كعبة الله بدون نقاب حينئذ امتلأت قلوب أهل مكة بالفرحة والسرور ولمعت عيونهم بالنور وأخذوا يدعون له ولسلطان العالم خير الدعاء. وفى يوم الجمعة شرع فى رص الطبقة السابعة عشرة من الحجارة وتم معاينة أخشاب معظم السقف واختير الصالح منها لاستخدامها فى السقف أيضا ونحّيت جانبا، وفى يوم الأحد الخامس من شعبان كلست ودهنت القباب الثلاثة الشمالية التى أعدت لذلك قبل ثلاثة أيام، وفى يوم الاثنين السادس من شعبان شرع فى تعمير مئذنة (١) باب الحزورة وفى يوم الأربعاء الثامن منه قد كرّم أحمد قبانى أفندى الذى كان أرسل الأخشاب اللازمة من جدة إلى مكة وذلك بإلباسه الخلعة وبهذا أعلى قدره، كما حفر أسس الأعمدة التى فى داخل الحرم وجعل لها قواعد من حجر الشمليس، وفى يوم السبت الحادى عشر من شهر شعبان المعظم رفعت أسقالة أبنية البيت السعيد وعلقت الألواح الخشبية التى أعدت لاستخدامها فى تغطية السقف الشريف فى أربعة أماكن لتكون جاهزة للاستخدام عند الطلب. وفى يوم الأحد الثانى عشر منه أصلحوا وسووا الرخام المرصوص حول

стр. 472

الجهات الأربعة للبيت الحرام، وفى يوم السبت الحادى والعشرين أخذوا فى تأسيس شادروان كعبة الله مبتدئين من الحجر الأسود إلى حجر إسماعيل، فنصبوا أحد الأعمدة التى فى داخل الكعبة وثبتوها فوق القاعدة المصنوعة من الحجر ولزيادة المتانة صبوا حولها الرصاص المنصهر. وفى يوم الثالث عشر نصبوا العمودين الثانى والثالث فى جهة، ومن جهة أخرى طلوا القباب الغربية وجدران الشادروان التى انتهى بناؤها بعد أن وضعوا بقية الخشب التى وصلت من جدة بالقرب من جدران بيت الله. وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من شعبان رفعوا الأشياء اللازمة للسقف الشريف. ورصوا حجارة الطبقة العشرين وفى يوم السبت الثامن عشر منه طلوا الأعمدة التى داخل الكعبة بالزعفران ثم مسحوها بالصمغ العربى والغراء وفى اليوم التاسع عشر (الأحد) انتهوا من ترميم مئذنة باب الحزورة وفى يوم الثلاثاء صنعوا السقف العالى (١) لبيت الله. وفى يوم الأربعاء الحادى والعشرين من شعبان وضعت أعلام قبب المسجد الحرام فى أماكنها بعد تزيينها وفى يوم الخميس الثانى والعشرين رصت حجارة الطبقة الخامسة والعشرين وجمعت الباقية من مبانى البيت الشريف نقلت إلى جانب المقام المالكى (٢). وفى يوم السبت الرابع والعشرين وضعت مداخل السقف الثانى وشرع فى صنع السلم (٣) الذى يصعد منه إلى سطح كعبة الله وحلت جميع الإسقالات التى فى داخل الكعبة المعظمة وأخرجت خارجها. وفى يوم الأحد الخامس والعشرين بعد أن فرشت قطع الرخام فوق السقف

стр. 473

الشريف أخرجت الكسوة الحمراء للمقام الشريف وفرشت فى صحن مسجد قريب من باب أجياد وخيطت جيدا ثم أخرجت الستارة السوداء المحفوظة داخل المقام الشريف ووضعوها بجانب سبيل المؤيد. وعلقت الكسوة الحمراء فى سقف كعبة الله وربطت فى الحلقان الجديدة وذلك فى وقت العصر. وكانوا يربطون الستارة من قبل ذلك بمسامير يغرسونها داخل أبنية بيت الله. رؤيا غريبة قدم أحد الصالحين الكرام من بخارى لزيارة الحجرة المعطرة النبوية فى المدينة المنورة إلا أنه مرض فى مكة المكرمة فى أثناء تجديد الكعبة واضطر لأن يبقى هناك. وقد رأى فى منامه النبى- ﷺ -وقد لبس قميصا أبيض وقال له: «طب نفسا ... ولا تتألم ولا تحزن ... إن زيارتك قد قبلت ... نحن هنا منذ أن شرع فى تجديد أبنية كعبة الله ولن نغادرها حتى يتم تجديد مبانى كعبة الله». حكاية أخرى قد رأى أحد الصالحين فى رؤياه كثيرا من جنود الجن فخاطب واحدا منهم: إنكم كتيبة من طائفة الجن ما سبب بقائكم فى الحرم الشريف؟ فأجابه قائلا: نحن من طائفة الجن. وبما أننا مسلمون قد أمرنا بخدمة بيت الله، لأجل ذلك دخلنا الحرم الشريف لنقوم بالعمل! قائدنا فى المدرسة الداودية. وكنا هنا منذ الشروع فى بناء البيت ولن نترك هذا المكان حتى ينتهى العمل فى أبنية بيت الله. انتهى. وفى يوم الاثنين السادس والعشرين تمت خياطة بقية الستارة الداخلية وعلقت فى مكانها. وقدم أمير ينبع سيد على ابن الدراج مع رسول والى مصر محمد على باشا حاملا الخلعة لأمير مكة المعظمة. وكانت الأحزمة الحديدية، والميزاب الشريف الذى كان مطليا بالمينا البنفسجى

стр. 474

فوق الفضة والتى أرسلها السلطان أحمد سنة ألف وعشرين حفظت فى دار رضوان أغا فى أثناء تجديد المبانى الكريمة، وفى يوم الأربعاء الثامن والعشرين أخرجوها حاملين إياها بالتسبيح والتهليل والتوقير والتعظيم، وركبوها فى مكانها فى البيت المعظم. وكان الأشراف والعظماء والأعيان والعلماء الكرام وأهل مكة فى أثناء ذلك قد اجتمعوا فى المقام الحنفى حيث كانوا يشاهدون كيفية وضع الميزاب الشريف، ولما تمت العملية عادوا وهم يدعون لسلطان العصر. وفى يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان نزعوا معظم الأساقيل وقد انتهوا من جميع الأعمال الخاصة بالطلاء والتبييض ورص الحجارة والرخام، وفى الجمعة الثلاثين من شعبان هيئوا أحواض الكلس وخمروه. وفى غرة رمضان ومع طلوع الشمس نشروا ستارة كعبة الله السوداء أمام باب الصفا ونظفوها جيدا ثم رفعوها إلى سطح كعبة الله فى حضور أمير مكة والأشراف والأعيان والقضاة والعلماء والفقهاء وشيخ الحرم وقاضى مكة المكرمة وصعد رضوان أغا مع العمال فوق السطح الشريف وألبس الكعبة الشريفة الستارة وربطها من أطرافها الأربعة ربطا جيدا، ثم أحضر ستارة باب المعلا للكعبة الشريفة من مقام إبراهيم وعلقها فوق الباب ذو الفيوضات الإلهية. وبعد ذلك ترك خادمو البيت الستارة الشريفة من فوق السطح حتى وصلت إلى أرض المطاف. ثم أحضر عشر خلع بأمر رضوان أغا وألبس الشريف عبد الله اثنين منها كما ألبس منها الباشا الوالى وحامل مفاتيح الكعبة وناظر الأبنية السعيدة سيد محمد الأنقروى أفندى وأعطى خلعة للشخص الذى عينه ثم ألبس الباقى لرؤساء العمال من البنّائين والنجارين. وفى ليلة الأحد اليوم الثانى من رمضان أوقدت قناديل بيت الله وفى يوم الأحد فرشوا رخام السطح الشريف كما تم فى نفس اليوم جميع الأعمال الخاصة بالشادروان. وفى يوم الاثنين الثالث من رمضان جاء من قبل والى مصر الوزير موسى

стр. 475

باشا، رسولا يحمل خلعة سلطانية ورسالة إلى الشريف عبد الله وجمع الشريف عبد الله الأشراف والعلماء والفقهاء فى ساحة الحطيم الكريم ليلبسه الخلعة السلطانية أمام الناس ثم قرأت الرسالة السلطانية وأمر بفتح بيت الله. ودخل الناس داخل كعبة الله حيث صلوا صلاة الشكر ودعوا للسلطان بطول العمر ثم تفرقوا. وزار الرسول الذى حمل الخلعة من مصر، رئيس المعماريين يوسف أغا والمهندس المصرى عبد الرحمن أفندى والشريف عبد الله بناء على دعوته وكان معهم حامل مفاتيح بيت الله قارئ الأدعية أبو السرور ورئيس المؤذنين. وقد ألبس كل واحد منهم خلعة من قبل الإمارة الجليلة. وفى يوم الثلاثاء الرابع من رمضان صعد البناءون فوق سطح البيت وحلوا الأساقيل ووضعوا أنقاضها منها فى مكان قريب من رباط الغورى كما انتهوا من ملء شقوق الحجارة وطلاء الجدران وشرعوا فى تجديد محراب المقام الحنبلى. ثم أخذوا فى فرش وتركيب قطع الرخام التى تتصل بأرض المطاف مبتدئين من الركن اليمانى ومتجهين نحو الحجر الأسود، وفى يوم الاثنين العاشر من رمضان هدم المهندس المصرى عبد الرحمن أفندى جدار المقام الحنبلى وبناه من جديد. وفى يوم السبت الخامس عشر من رمضان تفقد رئيس المهندسين آق شمس الدين أفندى والمهندس المصرى عبد الرحمن أفندى مع رضوان أغا دار السيدة خديجة-رضى الله عنها-لإصلاح ما يحتاج للترميم منها وهدموا المقام المالكى وجددوا بناءه بالحجر الشبيكى. وفى يوم الأحد السادس عشر من رمضان رفعت الآلات والأدوات التى كانت فوق حجر إسماعيل وحفرت الأرض بدءا من جهة مقام إبراهيم من الباب إلى الباب الآخر من الحطيم الكريم وذلك لتجديد وإصلاح جدران الحجر (١) وفى أثناء

стр. 476

الحفر أخرجوا كثيرا من الحجارة. ويحتمل أن تكون هذه الحجارة من بقايا الجدران التى بناها عبد الله بن الزبير. وقد كتب الإمام الأزرقى فى تاريخه إن الحجاج الظالم قد دفن الحجارة المتبقية فى جوف الكعبة. وبعد ما تم إصلاح وترميم حجر إسماعيل رفعت الأساقيل وجمع كل ما على الأرض من لوازم البناء وكومت تحت القباب التى فى باب إبراهيم ثم كنست الجهات الأربعة للبيت الحرام ومسحت بالماء. وقد هدمت جدران الحطيم وشرع فى بنائها فى يوم الاثنين السابع عشر من رمضان وانتهى البناءون من بنائها يوم الخميس العشرين من رمضان كما غطوا الجهة التى فى مقام إبراهيم بالرخام. وقد كتبت على قطعة رخام منها أسماء الخلفاء العظام، والسلاطين الذين جددوا ورمموا الحطيم الكريم، وكان جدار الحطيم الذى تهدم بناه سلطان مصر الغورى فى القرن العاشر. وفى يوم الأحد الثالث والعشرين غطى البناءون جدران الحطيم الداخلى المقابل للكعبة الشريفة. وفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من رمضان نقلت قطع الأخشاب التى بقيت أمام باب إبراهيم. إلى جهات باب الزيارة، وبعد ذلك رمم الرصيف الذى بين المطاف الشريف والحرم اللطيف. وفى يومى الثلاثاء والأربعاء الرابع والعشرين والخامس والعشرين من رمضان ركبوا الباب الحديدى الذى يؤدى إلى سلالم سطح الكعبة الشريفة. وفى يوم الخميس السادس والعشرين من رمضان أسدل المهندس محمود أفندى أمام الحجر الأسود ستارة وأخذ يملأ الشقوق التى حول الحجر الأسود ويثبته وفى يوم الجمعة السابع والعشرين من رمضان تمت الأعمال التى فى داخل الكعبة. وقد تفقد سادة البلاد وموظفو الحكومة الأماكن التى بنيت والأشياء التى

стр. 477

صنعت وشاهدوا جمالها الظاهرى ورصانة المبانى وقدروها حق قدرها. وسدوا الباب الغربى الذى ظل مفتوحا لذلك اليوم بالحجر الشبيكى وكتبوا محضرا يبينون فيه أن الأبنية السعيدة قد تم العمل فيها على أحسن وجه من الرصانة والجمال. وأبلغوا ذلك إلى والى مصر العام. وخلع السلم الموقت الذى كان قد صنع لنزول النجارين والبناءين وصعودهم أثناء البناء. وأخذوا بعد ذلك يصيغون داخل القبة الكبير-هذا المكان الآن ساحة دار الكتب التى نقلت إلى داخل المدرسة السليمانية-وانتهوا منه فى ذلك اليوم. ونزعوا العمود الذى يحمل قبة سقاية العباس-هذا المكان الآن ساحة الدار المؤقتة الذى أدخل ناحية باب السلام-وبما أن أسفل ذلك العمود كان قد بلى غيروه بالحديد وصنع البناءون القبب الشمالية من المسجد الحرام ثم غيروا كسوة الكعبة القديمة والستارة التى على الباب وألبسوها الستارة الجديدة كما علقوا الصفحة (١) فوق باب الكعبة وقد تمت هذه العمليات إلى آخر رمضان الشريف. قد كتبت على الصفحة البنفسجية المذهبة المعلقة فوق باب كعبة الله الآية الآتية: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران:٩٧،٩٦). كما كتب تحتها التاريخ الآتى: تاريخ اللوح اللوح ذا لما استرم مجددا قد بدل السلطان أحمد عسجدا قيدا له من حديد ذو جدا الله أنعم بالمجدد أيدا

стр. 478

الهمت فى تاريخه لما بدا للوح ذا السلطان أحمد جددا ١٠٢٠ قد سطر هذا التاريخ فوق الأحزمة الحديدية التى أرسلها السلطان أحمد فى سنة ١٠٢٠ فى ثلاثة أسطر. بعد ما علقت الستارة المذكورة نزلت الكسوة القديمة وعلقت الستائر الجديدة البديعة. وكان من عادة الملوك كلما بدلت ستائر الكعبة القديمة أن تقسم هذه الستارة بين خادمى بيت الله كما فصل فى الصورة الخاصة بهذا الموضوع. مكافاة رضوان أغا على جهده وإخلاصه قد قدر ما بذله رضوان أغا من جهد جهيد وسعى عظيم وما أظهره من إخلاص وحرص شديد فى أثناء بناء الكعبة وقويل بإعجاب شديد؛ لذا قرر الشريف عبد الله حامل مفاتيح الكعبة والآخرون ممن يقومون بخدمة البيت الحرام أن يتنازلوا عن حصصهم فى الكسوة القديمة وأن يجعلوها هدية وهبة التقدير والتهنئة لرضوان أغا وعرضوا الموضوع عليه قائلين: إن ما بذلتم من الجهود وما أظهرتهم من همة وما قدمتم من سعى لمقدّر عند الله- -ولا شك أنكم ستنالون ثوابه، إلا أننا نتمنى أن ينال رجاؤنا هذا القبول عندك. قد قبل رضوان أغا ما عرضوه عليه ولكنه قال: وليس من المعقول أن أحرمكم من فوائد هذه العادة الطيبة، قد تلقيت هديتكم بحسن قبول، وإذا ما تفضلتم بقبول هديتى هذه مقابل هديتكم على أن توزع بين خدام بيت الله لزدتمونى فرحا وسرورا ثم أعطى أربعين ألف قطعة ذهب هدية لخدام البيت. وقد فتح باب البيت الشريف فى يوم الخميس الخامس من شوال ودخله الرجال والنساء وتضرعوا إلى الله منتحبين باكين ودعوا للسلطان بدوام دولته وشوكته.

стр. 479

وفى يوم السبت السابع من شوال غيروا قطع الرخام التى تكسّرت ثم حفروا حفرة بين المدرسة السليمانية وبين دار ميرزا وملئوها بالأدوات والآلات الخاصة بأبنية كعبة الله وهالوا عليها التراب وغطوها بالحصى. ثم رفعوا مخلفات الهدم المتراكمة بين باب الزيارة وبين المدرسة السليمانية وغيروا الدعائم الخشبية البالية لمقام إبراهيم. وفى يوم الأحد الثامن من شوال قلعوا باب مقام إبراهيم ووضعوا مكانه ستارة ودهنوا الباب فى داخل هذه الستارة وطلوه وزينوه بالذهب وأصلحوا الطرق التى بين صفة المطاف وباب السلام وباب الزيارة وباب العمرة وباب الحزورة وباب الصفا وسووها وغيروا حجارتها. وفى يوم الاثنين التاسع من شوال جددوا الأحزمة الحديدية التى حول الدعائم التى تحمل القبب ورمموا قبة سقاية العباس بعد أن نصبوا الإسقالة وجددوا الأماكن التى كان قد رممها شيخ الحرم حسن باشا. وفى سنة ١٠٢٠ وفى يوم الأربعاء الحادى عشر من شوال دهنوا الشباك الذى بين شبابيك مقام إبراهيم بالدهان الأخضر ثم زينوها بنقوش ذهبية وكتبوا اسم السلطان مراد خان الرابع فى جهة من جهاته. وفى يوم الأحد الخامس عشر من شوال طهروا مجرى باب إبراهيم بعد ما سحبوا المياه التى كانت قد تراكمت تحت أحجار كعبة الله. وبعده بيوم فى السادس عشر من شوال طهروا باب الزيارة وباب السلام وأرض المسجد ونقوا البئر التى فى ساحة باب الندوة وكان ماء هذه البئر مشابها لماء زمزم، وكان حسن باشا قد نقى هذه البئر من قبل إلا أنه كان قد سدها مؤخرا وأما فى هذه المرة فقد طهرت ثم غطوها. وفى يوم الثلاثاء السابع عشر من شوال غسلوا الرمل المفروش فى الحرم الشريف ثم فرشوه مرة أخرى وأصلحوا سلم السطح الشريف.

стр. 480

وفى يوم الأربعاء الثامن عشر من شوال صبغوا مئذنة باب العمرة. وفى يوم الخميس التاسع عشر من شوال حفروا حفرة عميقة وبنوا سدا متينا ليمنعوا دخول السيول التى قد تأتى من ناحية جبال أجياد. وفى يوم الجمعة العشرين من شوال جلوا رخام كعبة الله الذى فى جدرانها الداخلية، ووضعوا الكرسى الخاص لجلوس حامل مفتاح الكعبة فى مكانه بعد ما زينوه، وكان هذا الكرسى مرصعا مزينا وقد أهدى فى عصر سلطان مصر الغورى وقد صنع بمصر. وقد طلى كمر باب بيت الله فى ذلك اليوم وكتبت فوقه الآية المنيفة: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل:٣٠) كما كتب آية واحدة من أول سورة (إنّا فتحنا) وكتب تحت هذه الآية المنيفة اسم السلطان مراد الرابع وتاريخ الأبنية المقدسة-الذى سيحرر فيما بعد-بحكمة على أرضية لازوردية وطليت الكتابة بالذهب. ***

стр. 481

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. تقرب بتجديد هذا البيت العتيق إلى الله خادم الحرمين المحترمين وسائق الحجاج من البرين والبحرين السلطان بن السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان خلد الله ملكه وأيد سلطنته فى أواخر شهر رمضان المبارك المنتظم فى سلك سنة أربعين بعد الألف من الهجرة النبوية - على صاحبها أفضل التحية سنة ١٠٤٠. وفى يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شوال أنهى البناءون أعمالهم. وفى السبت الخامس من ذى القعدة صنعوا مئذنة باب الزيارة وبنوا الجدار الذى يواجه صفة باب إبراهيم وأتموا صبغ حجارة الشادروان وداخل مبانى بئر زمزم وكذلك صبغوا بالكلس مئذنة السلطان قايتباى المصرى والدار التى ولدت فيها فاطمة الزهراء - رضى الله عنها - وأتم البنّاءون صبغ دار ولادة فاطمة رضى الله عنها مهبط الوحى الإلهى ومعبد سيد المرسلين. وفى يوم الجمعة الثانى عشر من ذى القعدة أتموا صنع حجر التاريخ ووضعوه فى دار ناظر الحرم. وفى يوم السبت الثالث عشر من ذى القعدة طلوا ذلك الحجر بقشرة وزخرفوه بالذهب. وبعد ذلك سدوا الحفر التى حفرت من أجل الكلس. وفى يوم الاثنين الخامس عشر من ذى القعدة أصلحوا قبة العباس والأبنية التى بجانبها، وفى يوم الثلاثاء السادس عشر من ذى القعدة أصلحوا قبة الفراشين وبيت زمزم وكمر بابه. وفى يوم الأربعاء السابع عشر من ذى القعدة اجتمع رضوان أغا ومعه الشريف عبد الله وقاضى مكة وشيخ الحرم وأعيان البلد أمامهم جميعا لحمل

стр. 482

القناديل التى وضعت فى بيته لحفظها، وكان عشرون منها من ذهب وكان أحدها مرصعا باللآلئ وكان ثلاثون منها من فضة، وسلموها جميعا إلى حامل مفاتيح البيت محمد شيبى أفندى، وقد تأكد مرافقو رضوان أغا أمام جميع الناس من صحة ما قيد فى الدفاتر من القناديل، ثم استقدموا رئيس الوقادين ليعلقها فى أماكن مناسبة. وبعد ذلك بيومين فى التاسع عشر من ذى القعدة وضعوا لوحة التاريخ المذهبة السابقة الذكر فى مكان مقابل الباب الشرقى وثبتوا أطرافها. وفى يوم السبت العشرين من ذى القعدة فتحوا باب بيت الله وغسلوه بزمزم ومسحوه بالإسفنج وبخروه بأنواع الطيب وذبحوا القرابين ووزعوا لحمها لفقراء مكة. وفى يوم الاثنين الحادى والعشرين من ذى القعدة تم جلى الأحجار، وفى يوم الخميس الخامس والعشرين من ذى القعدة أنزلوا ستارة بيت الله ونظفوا الجدار الذى فيه باب الكعبة وجميع جدران الناحية الجنوبية. وفى غرّة ذى الحجة أصلحوا ما حول الحجر الأسود وغطوا الشقوق وطلوا أطراف الحجر الأسود باللون الأسود وهكذا أتموا عمليات أبنية المسجد الحرام. دعا رضوان أغا الأكابر والأشراف والأعاظم والسادات والعلماء والفقهاء من مكة المكرمة فى اليوم الذى انتهى فيه من تجديد البيت، وعرض عليهم العمارة الجيدة لكعبة الله وجعلهم يعجبون برصانة ما تم عمله فى البيت الحرام وسطحه والمسجد الحرام فى داخله وخارجه مما أدخل الفرح والابتهاج فى قلوب الناس فانشرحت صدورهم فدعوا للسلطان بطول العمر له ولدولته. بعد ما شاهد المدعوون بيت الله أخذوا يتلون القرآن الكريم وختموه عارضين شكرهم. لله كما دعوا لقاضى الحاجات بدوام القوة والعزة للدولة. كما ألبس الشريف عبد الله خلعا غالية لرؤساء العمال الذين عملوا فى البناء وذلك ليظهر مدى ابتهاجه بما تم عمله ولم ينس رضوان أغا إذ ألبسه خلعة مفخمة تليق بمكانته.

стр. 483

قال سلطان الشعراء العثمانيين مولانا عبد الباقى وهو يبين كيف تم تجديد بناء كعبة الله على يد الحجاج الظالم فى السنة الرابعة والسبعين الهجرية: (لم يعط مسوغ لتجديد كعبة الله بعد الحجاج حتى لا تكون كعبة الله ملعبة فى يد الملوك. إلا أنه كان يجب تطهير الكعبة التى هى قبلة المسلمين والمطاف الذى يجب طوافه على القادرين من المسلمين - وكان يلزم إضافة تجديد كعبة الله إلى هذا السفاك غير المنصف. وخاصة أن تجديد بناء الكعبة لم يعد بيد ابن الزبير وإن خدمة هدمها وتجديدها سيكون من نصيب أحد الملوك العظام من المسلمين. وإننى أرجو من الله أن يفوز بهذه الخدمة أحد سلاطين الدولة العثمانية). وقد أصاب دعاء مولانا المشار إليه هدفه واستجيب دعاؤه وقد نال هذا الشرف العظيم السلطان مراد خان الرابع بينما كان باقى أفندى يتمنى رؤية تجديد البيت الشمالى فقط. قد وفق ذلك السلطان العظيم فى تجديد جدران كعبة الله الأربعة. الخاتمة: إن ما قام به رضوان أغا من أجل تجديد الأبنية المفخمة للبيت الشريف من خدمات وما بذله من سعى مخلص ومن جهد جهيد وحسن معاملته أهل كعبة الله المحترمين ومجاملتهم ومداراة عيوبهم كل هذا يدل على استحقاقه الثناء والشكر وأن يذكرونه دائما بالخير. يقول سهيل أفندى صاحب المضبطة الذى كان يقوم بمراقبة الشئون المالية فى نفس الوقت الذى كان رضوان أغا قائما بتجديد أبنية كعبة الله: «إذا كان المسئول المكلف بتجديد الكعبة غير رضوان أغا لكان أشراف مكة وطائفة النجارين كسبوا مقدار مائتى ألف قطعة ذهبية من عمليات بناء وتجديد الكعبة الشريفة وعين عرفات - هذا ما اعترفوا به لصاحب المضبطة - إلا أن رضوان أغا استطاع بكياسته أن يسكت الذين فتحوا أفواههم بالكلام بإعطائهم شيئا قليلا، كما أخجل الأشراف بحسن معاملتهم، وهكذا جعلهم كلهم يشاركونه فى رأيه ويعينونه فى إنهاء الأمور الصعبة، وكان يقول لهم: سوف أحصل لكم فى نهاية هذا العمل

стр. 484

العظيم وما قدمتموه من الخدمات الجليلة على مكافآت من قبل السلطان فى صورة المناصب التى ترضيكم. كما كان يرضى الآخرين بوعود قد لا تتحقق وهكذا أتم هذا العمل العظيم فى صورة هينة سهلة. جزاه الله تعالى خيرا كثيرا. فيا لها من سعادة سرمدية ويالها من دولة وعزة أن يتم هذا كله فى عهد السلطان مراد بن السلطان أحمد خان بن محمد خان الغازى السابع عشر من سلاطين آل عثمان خلد الله - تعالى - ملكه وجعل بساط البسيطة ملكه ونور الله تعالى مراقد أسلافهم وحفهم بالرحمة والرضوان. إن إتمام تجديد كعبة الله وبنائها لدليل عظيم على سعده وحسن طالعه، قد مضى ألف سنة وتوالى السلاطين ومع ذلك لم يقدر لأى واحد منهم أن ينال شرف بناء بيت الله ألا يقوم هذا برهانا قاطعا وأمارة واضحة على أنه سينال السعادة الأبدية والنصرة السرمدية؟. ونسأل الله أن يجعل عرشه فى سماء العز واليمن والبركات وألا يخلو من سرير الخلافة جلوسه. آمين بجاه سيد المرسلين. وبعد عودة رضوان أغا إلى مصر بعام واحد اقتضت حكمة الله أن يهطل المطر فى مكة وأن يفسد ما فرش على سطح بيت الله من رخام، فأصبحت حالة سطح بيت الله حالة سيئة، وخلع ألواح الفضة من على الباب فظهر منها الخشب وقد أصاب العطب الخشب إلى حد عدم تماسك المسمار فيه. وكان مصراعاه قد بليا إلى درجة سيئة لقد خشّبتهما حتى أصبحا غير قابلين للتعمير والترميم، ومع ذلك لم يسمح بتجديد الباب ولم يستسغ شرعا من قبل، ولما كان مقام إبراهيم فى نفس الحالة من السوء اقتضى الأمر تجديدهما معا. وقد كتبت إمارة مكة الجليلة الهاشمية إلى صاحب القرار السلطان مراد - جعل الله سلطنته باقية فيه وفى عقبه إلى يوم التناد - تحيطه علما بالحالة، فما كان من السلطان إلا أن أمر والى مصر أحمد باشا بأن يبعث إلى مكة المفخمة برضوان أغا الذى كان فى أمانة كعبة الله أو شخصا آخر متدينا مخلصا مصاحبا معه مهندسا معماريا ذا دين وخلق.

стр. 485

استدعى أحمد باشا رضوان أغا ورئيس المهندسين عبد الرحمن أفندى الذى كان قد اشترك فى تعمير البيت من قبل وأطلعهما على الإرادة السلطانية السنية الخاصة بإصلاح سقف بيت الله وتجديد باب المعلا للكعبة الشريفة وترميم وتعمير مقام إبراهيم. وأن يرسل باب الكعبة القديم إلى دار السعادة ليحفظ فى الخزانة السلطانية للتبرك به. وأمرهما أن يتجها رأسا إلى مكة المكرمة للقيام بالمهمة وسلم الوالى رضوان أغا الخطاب السنى الذى وجه إلى الشريف زيد بن محسن من قبل السلطان وكذلك الرسائل التى كتبت من قبل الولاة المصرية بخصوص هذا الأمر والمبلغ الكافى من النقود. ولما اطلع رضوان أغا على الأمر السلطانى تحرك بأمر الوالى بالموكب المصرى مغادرا القاهرة ومتجها إلى والى الحجاز ووصل إلى مكة المكرمة فى أوائل ذى الحجة سنة ألف وأربع وأربعين الهجرية وسلم إلى الشريف زايد بن محسن - أمام من يقتضى وجوده من العظماء - الأمر السلطانى وخطاب الوالى. وبعد ما قرأ الشريف الأمر السلطانى قالى إنه سيحرص على العمل بما جاء فى الفرمان السلطانى. إن تكليف رضوان أغا بهذه المهمة كان عاملا لإثارة النزاع بين المعترضين للمرة الثانية. وإن كثيرا من العقلاء من أهالى مكة أرادوا أن يقضوا على النزاع قائلين قد صدر الأمر السلطانى بهذا الخصوص فلا يجوز النزاع بعد ذلك. إلا أن بعض الفضلاء قالوا معترضين: إن تعمير البيت لا يجوز شرعا وهم فى هذه الحالة مخالفين بذلك حتى وصية الشريف ولم يكون غرضهم من الاعتراض إلا إحداث الفتنة والفساد إلا أنه كان بين المخالفين بعض المنصفين الذين وافقوا على الأمر السلطانى، واتحدوا مع العلماء فى الرأى على تجديد الباب الشريف وإصلاح رخام السقف المنيف لكعبة الله. وأيقظوا عامة الناس ونبهوهم إلى أن الكعبة المعظمة قد جددت من قبل مرات

стр. 486

عديدة وذلك بتأييد من العلماء والفقهاء والفتاوى التى صدرت من قبل مفتىّ المذاهب الأربعة. وقد استمع الشريف زيد بن محسن لقراءة الفرمان السلطانى وهو واقف على رجليه وبعد القراءة مسح بالصفحة التى تحوى الأمر السلطانى وجهه وعينيه ثم استمع إلى ادعاء المعارضين ودفاع الفقهاء العظام ثم خاطب الناس قائلا: بناء على حكم الفتاوى التى أصدرها مفتيّو المذاهب الأربعة يجب تنفيذ الأمر السلطانى الذى لا يخالف فتوى المفتين بخصوص ترميم وإصلاح السقف الشريف وتجديد باب كعبة الله وتعمير وترميم مقام إبراهيم وبناء على هذا أمر رضوان أغا بأن يسرع فى مباشرة مهمته. وقد بادر رضوان أغا فى العمل وأنهى تعمير سطح كعبة الله فى أواسط ذى الحجة من عام ألف وأربعة وأربعين. وقد قيل من قبل شعراء عصره فى تاريخ انتهاء الترميم كثيرا من الأبيات إلا أن أحسن ما قيل فى هذا الموضوع هذا البيت: المجدد لسطح بيت الله هو مولانا مراد (١) ... وبعد ترميم السطح ابتاع رضوان أغا من أحد سكان مكة مقدارا من خشب الساج لاستخدامه فى تجديد باب بيت الله وتثبيته ولم يبخل فى سبيل ذلك بإنفاق المال اللازم وقبل أن يبدأ فى صنع الباب الجديد خلع الباب العتيق ووضع مكانه بابا مؤقتا وغطاه بستارة قطنية بيضاء وبعد أن صنع الباب الجديد وضعه فى مكانه، وقد تم صنعه على الوجه المرغوب وكان على باب الكعبة العتيق ثلاثون ألف وثمانمائة درهم من الفضة فصنع منها لوحتين فضيتين وفق طول وعرض كل من مصراعى الباب الجديد. ثم أمر بتسمير كل واحدة من اللوحتين على أحد مصراعى الباب وزخرف اللوحتين بنقوش ذهبية (٢) وأنفق فى صنع عتبته وحلقاته سبعة وثلاثين ألف درهم وخمسة وتسعين درهما من الفضة.

стр. 487

وبعد ما تم وضع مصراعى باب الكعبة العالى كتب على اللوحة الفضية المثبتة على المصراعين بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (الإسراء: ٨٠) وكتب تحت الآية الجليلة: (تشرف بتجديد هذا الباب من سبقت له العناية من رب الهداية مولانا السلطان مراد خان ابن السلطان أحمد خان ابن السلطان سليمان خان ابن عثمان عز نصره فى سنة خمس وأربعين وألف ١٠٤٥ كما نظم أحد الفضلاء التاريخ الآتى: لذ بذا الباب كلما ... خفت ضيق المناهج فهو باب مجرب ... لقضاء الحوائج كان رضوان أغا قد عرض لوالى مصر ما تم عمله فى مكة المكرمة بمكاتبات خاصة قبل أن يصل إلى القاهرة، وقد أنهى مهمته الثانية فى مكة المكرمة وعزم على العودة إلى القاهرة حاملا معه مصراعى باب الكعبة العتيق. وكان فى استقبال ذلك الباب السعيد الوزير حسين باشا وكبار الموظفين والعلماء المميزون وقد دخل إلى القاهرة فى تعظيم وتوقير. ثم أمر الباشا أن يوضع الباب فى مكان مرتفع ليتبرك به الناس وأحاط السلطان علما بأن رضوان أغا عاد إلى القاهرة وقد أنهى مهمته فى مكة المكرمة وأن أهل مكة قد سروا جميعا مما تم عمله ودعوا للسلطان تكرارا ومرارا وقد علم بذلك من الرسائل التى ترد من مكة المعظمة. وبعد فترة سلم مصراعى الباب العتيق لرضوان أغا لحملهما إلى دار السعادة ليحفظا فى الخزانة السلطانية ويعرضا للناس. صورة للأمر السلطانى المرسل إلى شريف مكة مسعود أفندى بخصوص تجديد بيت الله إن وزيرى محمد باشا - أدام الله إجلاله - الدستور المكرم، والمشير المفخم،

стр. 488

ونظام العالم الكائن فى محافظة مصر، وقد أرسل إلى سدتى السعيدة وعتبتى العالية وسماء اقتدارى رسالة مضمونها أن مهبط جبريل الأمين ومحل الوحى وتنزيل رب العالمين والذى نال شريف الذكر فى النص الشريف ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ أن هذا البيت العتيق قد مال بعض أطرافه إلى الركوع مع مرور الأيام وكر الدهور والأعوام وأن قده وقامته مالا للسجود وقد قدر لملوك الأزمنة الماضية وسلاطينها شرف ترميمه وتعميره على قدر إمكاناتهم وفى زمن والدنا الماجد الساكن جنة الفردوس المرحوم والمفغور له - السلطان أحمد خان، أسكنه الله فى أعلى غرف الجنان - زاد ميل جدرانه للركوع ورئى جواز تعميره والترخيص له. وحينما أراد أن ينال شرف القيام بهذا العمل الجليل القدر ويباشر تجديد بناء البيت وإذا بالشريعة الغراء - التى يجب تعظيمها وإطاعتها - لا تجيز تجديده وتسوغ ترميم جدرانها السعيدة وأركانها الركينة فقام به بعد هذا العمل مبعث فخره ومباهاته. بينما كانت الحالة على هذه الصورة ساق الله الفعال لما يريد - فى هذا العام العميم الميمنة - أمطارا غزيرة على مكة المكرمة وأطرافها فتكونت السيول واقتحمت حرم بيت الله وحينئذ قد حان لنا أن نفتخر بخطاب الله الجليل ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ (البقرة: ١٢٥)، والقيام بخدمة التجديد مما يبعثنا على الفخر ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (البقرة: ١٢٧) وقد أحسن الله - سبحانه - وتعالى إلينا - إذ شرفنا بهذه الخدمة الجليلة والشرف العظيم اللذين لم ينل أحد من آبائى الكرام العظام من قبل مثلهما. ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل: ٤٠) ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾. (البقرة: ٢٠٧) والآن - بعد الشكر على هذه النعمة - قد صدر أمرنا إلى وزيرنا المشار إليه فى محافظة مصر بأن مقدارا كافيا من أموال خراج أقباط مصر المحروسة والمال الحلال يكفى جدران البيت وتثبيت أساسه وأن يختار رجلا مستقيم السيرة

стр. 489

والسلوك ديّنا ويعّينه أمينا لبناء البيت، وأن يرسله إلى مكة حيث يجتمع مع علمائها الأجلاء وأشرفها وفضلائها الآخرين من أرباب الرأى الرزين وأصحاب الفكر المتين بعد الاستشارة والاستخارة، ويعمل بناء على ما تم عليه القرار واستقر عليه الرأى، ويقدم على إتمام هذه الخدمة ويسعى على إنهائها على خير وجه. وبما أننا نثق فيك ويشتد حسن ظننا بك نرسل بهذه الرسالة التى تحتوى على أمرنا. عند وصول رسالتنا هذه عليك أن تعمل بمقتضى ما جبلت عليه من صدق ونجابة وما أودع فيك من رشد وأصالة. وبعد ما يصل من قبل وزيرنا المشار إليه المال الحلال الكافى لبناء البيت وأمين البناء ومراقبه أن تبتدر ببناء البيت المعظم وتعميره وذلك بعد ما تستشير العلماء الأجلاء حسب مدلول القول ما «خاب من استخار وما ندم من استشار» وتأخذ موافقتهم الشرعية فى كل ما تقدم عليه. وإذا لم يكف مخلفات البيت القديم من الطين العطر والحجارة السعيدة لتجديد البناء فعليك ان تجلب ما يلزم من الحجارة من مواقعها القديمة التى استجلب منها القدماء عند تعمير البيت وتجديده، أتمم بناء البيت حسبما تجيزه الشريعة الغراء. وإننا نتجه بالدعاء إلى رب العزة - تعالى شأنه وعم إحسانه - راجين خاشعين مظهرين عجزنا وقصورنا لله - تعالى - أن يرضى عنا بخصوص بناء هذا المقام المبارك وفى سائر أعمالنا وأقوالنا وأن يوفقنا فى إتمام بناء البيت المقدس وييسر لنا إكماله آمين بحرمة سيد المرسلين سنة ١٠٣٩ ألف وتسع وثلاثين. صورة البراءة المقدمة من قبل السلطان لرضوان أغا مقابل خدماته: هو العزيز الغنى المغنى الفتاح وعنده مفاتيح الفلاح والنجاح تقدست أسماؤه تتابعت نعماؤه.

стр. 490

صورة الخط السلطانى المقرونة بالسعادة تقديما لمقابل الخدمة المؤادة لمكة المكرمة يعمل بموجب هذه الصورة للخط الهمايونى وليس بعد ذلك لأحد أن يتدخل فى أى شئ ومن يتدخل ممن ذكروا فليحرم عليهم طعامى وخبزى. صورة البراءة العالية: هذا هو حكم السلطان سامى المكانة فاتح الدنيا زينة ملوك العالم حفظه الله بالعون الربانى والصون الصمدانى. إن رعاية الأمراء وإكرامهم وحمايتهم واحترام علية القوم العظام، من جملة الواجبات والمهمات السلطانية ولا سيما هؤلاء الذين يخدمون الدولة بنية صادقة وعقيدة راسخة ليلا ونهارا إنهم يسرون بنيل رحمتى ومكارمى السلطانية، بسهولة كما يفرحون بالوصول إلى آمالهم بألطافى الملكية. ولا سيما الذين كانوا مثالا فى أيام خلافتى لقول الله تعالى: ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ (الانسان: ٢٢) بما قدموا من جليل الخدمات. وبناء على هذا، قد استحق رضوان أغا المختص بعناية الملك العلام، إذ كان من أمراء مصر وقد قام ببناء الكعبة المكرمة والبيت المعظم عرش مكة المعظمة زادها الله شرفا وتعظيما، وأحسن إليه بإحالته إلى المعاش بإيراد ولايته التى كان يتصرف فيها. وإنه كان قدوة للأمراء الكرام من ذوى الأقدار والاحترام وقد نشأ ونما فى حرمى السلطانى، وكان قد بعث ببعض المهمات والخلع إلى بلاد اليمن والحبشة قد بذل فى ذلك جهده وسعيه ولذا قد استحق رعايتى بتكليفه بخدمات أخرى فى المستقبل. وقد هطلت الأمطار بمشيئة الله وحكمته على منزل الوحى المبين ومهبط جبريل الأمين وبلد الله الحرام وأطرافه، واقتحم السيل العظيم الحرم الشريف، فأصاب الخلل جدران بيت الله الحرام ومطاف الأنبياء العظام ومعتكف الملائكة الكرام، وانهار بعض جدرانه مما أثار الحزن والهم فى قلوب

стр. 491

عامة المؤمنين وهذا ما دعا إلى تجديد بنائه وتعميره وفق طرز بنائه القديم وقد أفتى العلماء والفقهاء ذوى الاحترام متفقين بجواز تجديد بنائه. ومن هنا أصبح بناء البيت من جديد حسب طرز بنائه القديم واجبا فرضا على ذمتى وعلى همتى العظيمة. إن آبائى الكرام - جعل الله الفردوس مرقدهم - وأجدادى العظام - أسكنهم الله فسيح جناته - قد أشاع كل واحد منهم الخير وأنفقوا كلهم الأموال فى الأعمال الخيرية وبذلوا الأموال فى إنشاء الجوامع والمساجد وبناء الصوامع والمعابد وتشييد الحصون والعمائر وتجديد الجسور والقناطر فهذا معلوم لدى الصغير والكبير عند الشباب والعجائز ولكن الله لم ييسر لأى واحد منهم شرف القيام ببناء الكعبة وتجديدها، الكعبة التى تتجه نحوها جميع مساجد المسلمين وتتخذها أمة سيد الأنام قبلة لها، بل شرفنى بأن يكون هذا العمل من نصيبى؛ لذا فشكرى لا حد له تجاه الملك المنان ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل: ٤٠) ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥) وقد عرفت أن هذا فضل عظيم خصنى الله به، لذا اخترت من طرفى - قرين العز والشرف - رجلا مستقيما دينا تقيا وعينته أمينا لتجديد أبنية الكعبة الشريفة وأوصيته ببذل السعى والجهد لإتمام البناء وكان هذا الرجل رضوان أغا بما يتصف به من الأمانة والتدين والصدق والاستقامة التى ترشحه بالأحقية فى القيام بهذه الخدمة العظيمة ولياقته لهذا الأمر. وعرضت الأمر على وزيرى محمود باشا الذى كان واليا على مصر فى ذلك الوقت والذى نال الآن شرف العمل بين وزارتى فنفذ رغبتى بأن عين المشار إليه أمينا على بناء الكعبة الشريفة بمرتب سنوى قدره مائة ألف أقجة فى خمس مرات وهكذا نال اهتمامى إذ أحيلت إليه كل خدمات تجديد بيت الله وترك لعهدته وهمته. فما كان من رضوان أغا إلا أن شمر عن ساعد الجد لإتمام الأمور واستعجل فى إنهاء أعمال البناء بعد أن أخذ من العلماء الكرام والفقهاء العظام جواز تجديد بيت الله شرعا وهكذا جدد أبنية كعبة الله من أساسها ثم بدأ فى تعمير الجدران التى تحتاج للترميم فى الحرم الشريف مع القبب ومجارى السيول والبرك، وخاصة قلعة جدة بندر الحجاج والزوار ومعبر المسافرين والتجار، وكثيرا

стр. 492

من المواضع المباركة والمقامات المتبركة، طهرها ونظفها، كما أنه أنفق نقودا من جيبه الخاص ثم أحضر لنا بذاته كسوة الكعبة الشريفة القديمة لتحفظ فى خزانتى العامرة، ونال بذلك شرف المثول بين يدى، وقد كان قرينا لحسن التفانى فى عمله وعرض على ما قام به من السعى وما بذله من الجهد فى تجديد كعبة الله بالتفصيل. وقد كتب لى أيضا وزيرى خليل باشا والى مصر الحالى وأشراف بلد الله الحرام وأعيانه بما أنجزه رضوان أغا من أعمال بكل صدق وإخلاص، وبكل هذا نال رضاى واستحق شكرى ورعايتى السنية وبما أنه قد خدم السلطنة منذ بلوغه سن التمييز والرشد فى داخل القصر وخارجه وكلف بأداء الخدمات السلطانية فى الأطراف والجوانب حتى أصاب أعضاءه وجوارحه الضعف بعد القوة. ففضل التنازل عن اعتلاء المراتب العالية واثر فراغ البال والحياة فى السكينة والهدوء منزويا فى ركن العزلة؛ ليتفرغ للدعاء بطول عمر الدولة ودوام عزتها. وبما أنه قدم خدمات جليلة بالإخلاص والعبودية الفائقة فهو يستحق أن ينال مثل أمراء مصر مرتبا سنويا وريع ولاية. وإنى رأيت أن أحسن إليه - وقد اشتعلت شمس كرمى تموج ببحر امتنانى - ابتداء من اليوم العاشر من شهر شوال سنة إحدى وأربعين بعد الألف، بمنحه ريع اللواء الذى كان تحت تصرفه على سبيل التقاعد. وبناء على أمرى السلطانى يجب أن يعفى من جميع الخدمات حتى يتفرغ فى بقية عمره للدعاء بدوام قوة الدولة وشوكتها، وقد أصدرت هذه البراءة لتلقى العناية التامة والعمل بها وأمرت بأن يعطى المشار إليه رضوان أغا دام عزه مائة ألف أقجة فى خمس مرات إحسانا له مقابل خدماته العظيمة ومعه إيرادات اللواء الذى تحت تصرفه ومعه الجراية والمعلف والفدان من الخزينة الخاصة حتى يعيش حياة مترفة بفضل عنايتى ويعفى من جميع الخدمات التى يكلف بها أمراء مصر من خدمة المحافظة وإيفاده إلى اليمن والحبشة ونقل خزنته العامرة فيعيش مدة حياته صافى القلب صحيح القالب ويتفرغ للدعاء ليلا ونهارا بطول أيام السلطنة العادلة والثناء على دولة الخلافة.

стр. 493

وفى هذا الخصوص لا يقف أحد مانعا دون تتفيذ أمرى هذا ولا يتدخل فى هذا الموضوع ولا يجوز لأحد أن يبدل أو يغير من نص هذا الأمر، وعلى الكل أن يثق فى أمرى هذا ويعتمد على صحة علامتى وشاراتى الخاصة من ثمرة أغصان شجرة خلافتى وأفنان جسمى الظليلة من الأولاد العظام والأحفاد وأركان دولتى القاهرة وأعيان سلطنتى الباهرة من الوزراء والولاة والحكام من محافظى مصر والأمراء الآخرين ومحاسبى الأموال ومباشرى الأعمال. تحريرا فى أوائل شهر شوال المكرم سنة إحدى وأربعين وألف من هجرة من له العز والشرف سنة ١٠٤١. صورة الفتوى التى أصدرها علماء مكة الأعلام عقب احتدام الخلاف بينهم وبين العلماء المعترضين وإصرارهم على مخالفتهم . صورة السؤال الذى أورده رضوان أغا وهو يستفتى العلماء: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. سؤال: ماذا يقول السادة العلماء أئمة الدين - نفع الله بعلومهم المسلمين وأحيا بوجودهم شعائر الإسلام وثبت بهم قواعد الإيمان وشيد مشاعر الإحلال والإحرام بجاه محمد ﵊ فى عمارة البيت الشريف - زاده الله تعالى تشريفا وتعظيما - إذا كانت الحجارة التى سقطت منه تحتاج إلى إصلاح ومساواة، بحسب ما تحتاجه الصنعة وإلى زيادة أحجار عليها، بموجب تكسر شئ من بعضها ولا يمكن إعادة البيت الشريف - شرفه الله تعالى - إلى حالته التى كان عليها، وجعلها على حكمها إلا بزيادة بعض أحجار من جنس الأولى فى المساواة والنحت والإحكام وما أشبه ذلك، فهل يجوز فعل ذلك وإصلاح الحجارة والزيادة عليها بما ذكر أم لا؟ وإذا قلتم بجواز فعل ذلك أو بوجوبه. وكان ذلك يحتاج إلى مدة طويلة

стр. 494

بموجب قلة المعلمين العارفين بذلك فى مكة المشرفة وجدة المعمورة والمدينة المنورة، بل وفى مصر المحروسة، وكان فى مكة - شرفها الله تعالى - من جانب السلطنة - أيد الله بها الدين - من هو متعين للنظر فى المصالح العامة للمسلمين، من إصلاح المسجد الحرام والشوارع وغيرها وفيما يحتاج إليه الحال فى أوائل عمارة البيت الشريف من تهيئة المؤن وجمعها وضبط ما يرد لعمارة البيت الشريف من جانب السلطنة - أيدها الله - فهل يجوز له أن يشرع فى إصلاح الحجارة الأولى وفى تهيئة الحجارة التى يحتاج الحال إلى زيادتها وفى عمل نحو نورة وجبس وما أشبه حتى إذا وصل من يريد مباشرة العمارة يجد ذلك حاضرا مجموعا ومهيئا لتكون العمارة فى مدة يسيرة بدلا من تطويل المدة بعمل ذلك إذا ورد من يريد مباشرة، أم لا؟ أفتونا مأجورين - أثابكم الله الجنة - وبينوا ذلك بيانا شافيا لازلتم عمدة المسلمين ومرجعا فى إحياء مشاعر الدين وتقبل الله منكم صالح الأعمال بجاه محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله ربّ العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. صورة الفتوى الشريفة التى كتبها الشيخ عبد العزيز محمد الزمزمى ردا على السؤال الذى طرحه عليه رضوان أغا: الجواب - الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، نعم يجوز إصلاح ومساواة ما سقط من حجارة البيت الشريف - زاده الله تشريفا وتعظيما - إذا كان لمصلحة ضرورية أو لحاجة ما يحتاج إليه من الحجارة حيث توقف إعادته على أسلوبه السابق عليه أو كان فيه تحسينا للبناء وقد صرح جدى خاتمة المحققين وشيخ الإسلام والمسلمين أحمد شهاب الدين بن حجر - تغمده الله برحمته، وأعاد علينا من بركته - بما يقتضى ذلك أخذا له من كلام أئمة المذاهب وبين ذلك فى محله بأحسن بيان واستدل على ما ذكره بقول بعض العلماء الذين يقتدى بهم: لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمة لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك قد فعل بها ذلك. إلا الحجر الأسود فلا يغير ومن أعظم الدلائل على جواز تغيير

стр. 495

حجارة البيت الشريف إذا احتيج لذلك فعلا سنّة عبد الله بن الزبير - رضى الله عنه - فإنه لما هدم البيت الشريف وأراد إعادته عزل من حجارته ما يصلح أن يعاد فيه ونقل إليه من الحجارة ما يحتاجه من الجبل الذى أخذت قريش حجارة البيت منه عند عمارتهم إياه وقد أقر العلماء - رضى الله عنهم - والملوك ونحوهم على تغيير باب البيت العظيم وعتبته وميزابه المرة بعد المرة مع صلاحية ذلك وعدم الاحتياج إلى التغيير لإظهار أبهته وأنه لا يليق لجلالته بقاء ما خلق أو عتق فيه فلذلك أقدموا على تغيير تلك الأشياء ولم يقع عليهم إنكار من العلماء الذين كانوا فى زمانهم فإذا جوز العلماء - رضى الله عنهم - ذلك التغيير من غير احتياج إليه فمن باب أولى جواز تغييره من حجارته الساقطة وإصلاحها ومساواتها لتكون على أكمل الوجوه اللائقة بحرمة البيت الشريف ولإظهار أبهته وجلالته ولا مراء أن بناءه بالأحجار المكسرة مع إمكان إصلاح ما يمكن إصلاحه منها وعدم تغيير مالا يمكن إصلاحه فيه إسقاط لهيبته من قلوب كثيرة؛ لأنهم يرون البيوت المنسوبة إلى أهل الدنيا فى غاية الحسن الصورى وبيت الله بخلاف ذلك؛ فيؤديهم ذلك إلى غاية الاستحقار بحقه وعدم الاعتناء بشأنه وهذا خرق عظيم يؤدى إلى غاية الوهن فى الدين؛ فيجب التخلص مما يؤدى إلى ذلك لفعل ما فيه تعظيم بيت الله - زاده الله تعظيما وتكريما - ومنه السعى فى إصلاح حجارته ومساواتها وتغيير ما لا يصلح بخير منها وفعل كل ما كان فيه تعظيم له وإبقاء لحرمته وأبهته وجلالته ومن قصد لشئ من ذلك وفعله كان مثابا عليه الثواب الجزيل ومقابلا من الله بمزيد التعظيم والتبجيل لما فى ذلك من الاعتناء التام والقيام بإظهار عظمة شعائر الله على أكمل نظام ويجوز للشخص المذكور الشروع فى إصلاح الحجارة وتهيئة المونة المحتاج إليها لعمارة البيت المكرم، إذا كان المصرف من مال طيب ليس فيه شبهة قوية لوجوب التحرز عن بنائه بحرام أو نحوه وما يفعل الساعى فى الخير كفاعله لا سيما إذا غلب على ظنه عدم ضرر يلحقه أو يلحق بسبب ذلك لما فى فعله من الإشعار بمزيد الاهتمام فى تعظيم بيت
следующие страницы →