← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عامة المؤمنين وهذا ما دعا إلى تجديد بنائه وتعميره وفق طرز بنائه القديم وقد أفتى العلماء والفقهاء ذوى الاحترام متفقين بجواز تجديد بنائه. ومن هنا أصبح بناء البيت من جديد حسب طرز بنائه القديم واجبا فرضا على ذمتى وعلى همتى العظيمة. إن آبائى الكرام - جعل الله الفردوس مرقدهم - وأجدادى العظام - أسكنهم الله فسيح جناته - قد أشاع كل واحد منهم الخير وأنفقوا كلهم الأموال فى الأعمال الخيرية وبذلوا الأموال فى إنشاء الجوامع والمساجد وبناء الصوامع والمعابد وتشييد الحصون والعمائر وتجديد الجسور والقناطر فهذا معلوم لدى الصغير والكبير عند الشباب والعجائز ولكن الله لم ييسر لأى واحد منهم شرف القيام ببناء الكعبة وتجديدها، الكعبة التى تتجه نحوها جميع مساجد المسلمين وتتخذها أمة سيد الأنام قبلة لها، بل شرفنى بأن يكون هذا العمل من نصيبى؛ لذا فشكرى لا حد له تجاه الملك المنان ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل: ٤٠) ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥) وقد عرفت أن هذا فضل عظيم خصنى الله به، لذا اخترت من طرفى - قرين العز والشرف - رجلا مستقيما دينا تقيا وعينته أمينا لتجديد أبنية الكعبة الشريفة وأوصيته ببذل السعى والجهد لإتمام البناء وكان هذا الرجل رضوان أغا بما يتصف به من الأمانة والتدين والصدق والاستقامة التى ترشحه بالأحقية فى القيام بهذه الخدمة العظيمة ولياقته لهذا الأمر. وعرضت الأمر على وزيرى محمود باشا الذى كان واليا على مصر فى ذلك الوقت والذى نال الآن شرف العمل بين وزارتى فنفذ رغبتى بأن عين المشار إليه أمينا على بناء الكعبة الشريفة بمرتب سنوى قدره مائة ألف أقجة فى خمس مرات وهكذا نال اهتمامى إذ أحيلت إليه كل خدمات تجديد بيت الله وترك لعهدته وهمته. فما كان من رضوان أغا إلا أن شمر عن ساعد الجد لإتمام الأمور واستعجل فى إنهاء أعمال البناء بعد أن أخذ من العلماء الكرام والفقهاء العظام جواز تجديد بيت الله شرعا وهكذا جدد أبنية كعبة الله من أساسها ثم بدأ فى تعمير الجدران التى تحتاج للترميم فى الحرم الشريف مع القبب ومجارى السيول والبرك، وخاصة قلعة جدة بندر الحجاج والزوار ومعبر المسافرين والتجار، وكثيرا

стр. 492

من المواضع المباركة والمقامات المتبركة، طهرها ونظفها، كما أنه أنفق نقودا من جيبه الخاص ثم أحضر لنا بذاته كسوة الكعبة الشريفة القديمة لتحفظ فى خزانتى العامرة، ونال بذلك شرف المثول بين يدى، وقد كان قرينا لحسن التفانى فى عمله وعرض على ما قام به من السعى وما بذله من الجهد فى تجديد كعبة الله بالتفصيل. وقد كتب لى أيضا وزيرى خليل باشا والى مصر الحالى وأشراف بلد الله الحرام وأعيانه بما أنجزه رضوان أغا من أعمال بكل صدق وإخلاص، وبكل هذا نال رضاى واستحق شكرى ورعايتى السنية وبما أنه قد خدم السلطنة منذ بلوغه سن التمييز والرشد فى داخل القصر وخارجه وكلف بأداء الخدمات السلطانية فى الأطراف والجوانب حتى أصاب أعضاءه وجوارحه الضعف بعد القوة. ففضل التنازل عن اعتلاء المراتب العالية واثر فراغ البال والحياة فى السكينة والهدوء منزويا فى ركن العزلة؛ ليتفرغ للدعاء بطول عمر الدولة ودوام عزتها. وبما أنه قدم خدمات جليلة بالإخلاص والعبودية الفائقة فهو يستحق أن ينال مثل أمراء مصر مرتبا سنويا وريع ولاية. وإنى رأيت أن أحسن إليه - وقد اشتعلت شمس كرمى تموج ببحر امتنانى - ابتداء من اليوم العاشر من شهر شوال سنة إحدى وأربعين بعد الألف، بمنحه ريع اللواء الذى كان تحت تصرفه على سبيل التقاعد. وبناء على أمرى السلطانى يجب أن يعفى من جميع الخدمات حتى يتفرغ فى بقية عمره للدعاء بدوام قوة الدولة وشوكتها، وقد أصدرت هذه البراءة لتلقى العناية التامة والعمل بها وأمرت بأن يعطى المشار إليه رضوان أغا دام عزه مائة ألف أقجة فى خمس مرات إحسانا له مقابل خدماته العظيمة ومعه إيرادات اللواء الذى تحت تصرفه ومعه الجراية والمعلف والفدان من الخزينة الخاصة حتى يعيش حياة مترفة بفضل عنايتى ويعفى من جميع الخدمات التى يكلف بها أمراء مصر من خدمة المحافظة وإيفاده إلى اليمن والحبشة ونقل خزنته العامرة فيعيش مدة حياته صافى القلب صحيح القالب ويتفرغ للدعاء ليلا ونهارا بطول أيام السلطنة العادلة والثناء على دولة الخلافة.

стр. 493

وفى هذا الخصوص لا يقف أحد مانعا دون تتفيذ أمرى هذا ولا يتدخل فى هذا الموضوع ولا يجوز لأحد أن يبدل أو يغير من نص هذا الأمر، وعلى الكل أن يثق فى أمرى هذا ويعتمد على صحة علامتى وشاراتى الخاصة من ثمرة أغصان شجرة خلافتى وأفنان جسمى الظليلة من الأولاد العظام والأحفاد وأركان دولتى القاهرة وأعيان سلطنتى الباهرة من الوزراء والولاة والحكام من محافظى مصر والأمراء الآخرين ومحاسبى الأموال ومباشرى الأعمال. تحريرا فى أوائل شهر شوال المكرم سنة إحدى وأربعين وألف من هجرة من له العز والشرف سنة ١٠٤١. صورة الفتوى التى أصدرها علماء مكة الأعلام عقب احتدام الخلاف بينهم وبين العلماء المعترضين وإصرارهم على مخالفتهم . صورة السؤال الذى أورده رضوان أغا وهو يستفتى العلماء: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. سؤال: ماذا يقول السادة العلماء أئمة الدين - نفع الله بعلومهم المسلمين وأحيا بوجودهم شعائر الإسلام وثبت بهم قواعد الإيمان وشيد مشاعر الإحلال والإحرام بجاه محمد ﵊ فى عمارة البيت الشريف - زاده الله تعالى تشريفا وتعظيما - إذا كانت الحجارة التى سقطت منه تحتاج إلى إصلاح ومساواة، بحسب ما تحتاجه الصنعة وإلى زيادة أحجار عليها، بموجب تكسر شئ من بعضها ولا يمكن إعادة البيت الشريف - شرفه الله تعالى - إلى حالته التى كان عليها، وجعلها على حكمها إلا بزيادة بعض أحجار من جنس الأولى فى المساواة والنحت والإحكام وما أشبه ذلك، فهل يجوز فعل ذلك وإصلاح الحجارة والزيادة عليها بما ذكر أم لا؟ وإذا قلتم بجواز فعل ذلك أو بوجوبه. وكان ذلك يحتاج إلى مدة طويلة

стр. 494

بموجب قلة المعلمين العارفين بذلك فى مكة المشرفة وجدة المعمورة والمدينة المنورة، بل وفى مصر المحروسة، وكان فى مكة - شرفها الله تعالى - من جانب السلطنة - أيد الله بها الدين - من هو متعين للنظر فى المصالح العامة للمسلمين، من إصلاح المسجد الحرام والشوارع وغيرها وفيما يحتاج إليه الحال فى أوائل عمارة البيت الشريف من تهيئة المؤن وجمعها وضبط ما يرد لعمارة البيت الشريف من جانب السلطنة - أيدها الله - فهل يجوز له أن يشرع فى إصلاح الحجارة الأولى وفى تهيئة الحجارة التى يحتاج الحال إلى زيادتها وفى عمل نحو نورة وجبس وما أشبه حتى إذا وصل من يريد مباشرة العمارة يجد ذلك حاضرا مجموعا ومهيئا لتكون العمارة فى مدة يسيرة بدلا من تطويل المدة بعمل ذلك إذا ورد من يريد مباشرة، أم لا؟ أفتونا مأجورين - أثابكم الله الجنة - وبينوا ذلك بيانا شافيا لازلتم عمدة المسلمين ومرجعا فى إحياء مشاعر الدين وتقبل الله منكم صالح الأعمال بجاه محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله ربّ العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. صورة الفتوى الشريفة التى كتبها الشيخ عبد العزيز محمد الزمزمى ردا على السؤال الذى طرحه عليه رضوان أغا: الجواب - الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، نعم يجوز إصلاح ومساواة ما سقط من حجارة البيت الشريف - زاده الله تشريفا وتعظيما - إذا كان لمصلحة ضرورية أو لحاجة ما يحتاج إليه من الحجارة حيث توقف إعادته على أسلوبه السابق عليه أو كان فيه تحسينا للبناء وقد صرح جدى خاتمة المحققين وشيخ الإسلام والمسلمين أحمد شهاب الدين بن حجر - تغمده الله برحمته، وأعاد علينا من بركته - بما يقتضى ذلك أخذا له من كلام أئمة المذاهب وبين ذلك فى محله بأحسن بيان واستدل على ما ذكره بقول بعض العلماء الذين يقتدى بهم: لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمة لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك قد فعل بها ذلك. إلا الحجر الأسود فلا يغير ومن أعظم الدلائل على جواز تغيير

стр. 495

حجارة البيت الشريف إذا احتيج لذلك فعلا سنّة عبد الله بن الزبير - رضى الله عنه - فإنه لما هدم البيت الشريف وأراد إعادته عزل من حجارته ما يصلح أن يعاد فيه ونقل إليه من الحجارة ما يحتاجه من الجبل الذى أخذت قريش حجارة البيت منه عند عمارتهم إياه وقد أقر العلماء - رضى الله عنهم - والملوك ونحوهم على تغيير باب البيت العظيم وعتبته وميزابه المرة بعد المرة مع صلاحية ذلك وعدم الاحتياج إلى التغيير لإظهار أبهته وأنه لا يليق لجلالته بقاء ما خلق أو عتق فيه فلذلك أقدموا على تغيير تلك الأشياء ولم يقع عليهم إنكار من العلماء الذين كانوا فى زمانهم فإذا جوز العلماء - رضى الله عنهم - ذلك التغيير من غير احتياج إليه فمن باب أولى جواز تغييره من حجارته الساقطة وإصلاحها ومساواتها لتكون على أكمل الوجوه اللائقة بحرمة البيت الشريف ولإظهار أبهته وجلالته ولا مراء أن بناءه بالأحجار المكسرة مع إمكان إصلاح ما يمكن إصلاحه منها وعدم تغيير مالا يمكن إصلاحه فيه إسقاط لهيبته من قلوب كثيرة؛ لأنهم يرون البيوت المنسوبة إلى أهل الدنيا فى غاية الحسن الصورى وبيت الله بخلاف ذلك؛ فيؤديهم ذلك إلى غاية الاستحقار بحقه وعدم الاعتناء بشأنه وهذا خرق عظيم يؤدى إلى غاية الوهن فى الدين؛ فيجب التخلص مما يؤدى إلى ذلك لفعل ما فيه تعظيم بيت الله - زاده الله تعظيما وتكريما - ومنه السعى فى إصلاح حجارته ومساواتها وتغيير ما لا يصلح بخير منها وفعل كل ما كان فيه تعظيم له وإبقاء لحرمته وأبهته وجلالته ومن قصد لشئ من ذلك وفعله كان مثابا عليه الثواب الجزيل ومقابلا من الله بمزيد التعظيم والتبجيل لما فى ذلك من الاعتناء التام والقيام بإظهار عظمة شعائر الله على أكمل نظام ويجوز للشخص المذكور الشروع فى إصلاح الحجارة وتهيئة المونة المحتاج إليها لعمارة البيت المكرم، إذا كان المصرف من مال طيب ليس فيه شبهة قوية لوجوب التحرز عن بنائه بحرام أو نحوه وما يفعل الساعى فى الخير كفاعله لا سيما إذا غلب على ظنه عدم ضرر يلحقه أو يلحق بسبب ذلك لما فى فعله من الإشعار بمزيد الاهتمام فى تعظيم بيت

стр. 496

الله وبذل الجهد فى القيام بحقه وفى ذلك من قوة الإيمان ما لا يحتاج معه إلى برهان جعلنا الله أجمعين ممن يقوم بحقوقه فى كل زمن وأن ينور قلوبنا بالإيمان ويثبتها على طاعته فى السر والإعلان وأن يزيد هذا البيت الشريف تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما وأسبغ نعمه وأفضاله والله أعلم. نمقه الفقير الحقير عبد العزيز محمد الزمزمى الشافعى. صورة الفتوى الشريفة المعطاة من قبل الشيخ خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله وهو من كبار علماء المالكية ردا على سؤال رضوان أغا: الجواب الحمد لله، حاصل ما سأل عنه السائل. ثلاثة أمور: الأول: إن ما احتيج إليه بالضرورة وما احتيج إليه من حجارة البيت وما تكسر منها هل تؤخذ لها حجارة وهل تصلح الحجارة المكسورة وتعاد فيها أم لا؟ الثانى: هل يجوز للناظر المذكور الشروع فى إصلاح ما تكسر من حجارتها وأخذ ما احتيج إلى بنائه أم لا؟ الثالث: لم يصرح السائل فى سؤاله بالمال الذى يصرف على ما احتيج إليه من مقدمات البناء وهو ضرورى لا بد من السؤال عنه. أما الأول فما احتيج إليه من حجارة البيت الكاملة لا بد من أخذه وأخذه ضرورى والكلام فى المحل الذى تؤخذ منه الحجارة ومحصل كلام العلماء وفاقا وخلافا أنها أخذت حجارتها من اثنى عشر جبلا وهى حراء وثبير وأبو قبيس وأحد ولبنان وطور سينا وطور زيتا والجبل الأحمر والجودى والقدس ورقان ورضوى. ثم الكلام على تخصيص الأخذ من هذه الجبال يطول إلا أنا نتكلم على ما يمكن الأخذ منه منها (حراء وأخذت منه حجارتها لأن النبى ﷺ أنزلت

стр. 497

عليه الرسالة وهو فيه يتحدث وتردد عليه جبريل ﵊ فيه وأما أبو قبيس فأخذت منه لأنه أقرب جبال الحرم إلى البيت وأما ثبير - واختلف فيه فقيل هو الجبل الذى على يسار الذاهب من منى إلى عرفة وهو قول المحدثين وقال الفقهاء إنه الجبل الذى عن يمين الذاهب من منى إلى عرفة ووجه ما قاله الفقهاء أن النبى ﵌ أنزلت عليه «والمرسلات» وهو فى غار فى سفحه وهو معروف، وأما أحد فوجه الأخذ منه قوله «اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» (١) وبقية توجيهاتها يطول تتبعه ولا يهمنا لعدم الحاجة إليه الآن لبعده وللاستغناء عنه بغيره. وقول الشيخ العلامة الرحالة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمى إنها تؤخذ من المحل الذى أخذت منه قريش حجارة البيت كما فعل ابن الزبير غير ظاهر إذ لم يبين ما أخذت منه قريش فهو إما أن يكون أحد الجبال الاثنى عشر أو غيرها فإن كان أحدهما فنسبته إلى الخليل ﷺ أولى من نسبته لقريش، وإن كان من موضع غير الإثنى عشر ففيه مجال للنظر يعلم بالتأمل، ومعاذ الله أن ابن الزبير يتبع قريشا ويترك الخليل ﷺ . وأما الثانى فيتضمن ما قلناه قبل بيان الحكم فيه وهو أنه يجوز للناظر المذكور الشروع فى أخذ حجارتها وقد بينا ما يؤخذ منه وأما إصلاح ما انكسر منها ورده فيها فى الظاهر أنه غير جائز لأن البيت إن رد المنكسر الناقص إليه لا يتكيف بالكيفية التى كانت بل يتكيف بكيفية ردئية يمجها أرباب الصنعة وهذا غير لائق بقبلة الإسلام، ثم إن اضطر إلى ذلك رد لكن لا ضرورة تدعو إليه. وأما الثالث وهو ما يصرف على تلك المقدمات فيجب أن يكون حلالا متيقن الحلية، ولا يجوز أن يكون مظنونها وهو ما توهم فيه عدم الحلية، فإن لم يوجد

стр. 498

صرف عليه مظنون الحلية وبقية السؤال قد تكفل المفتى الشافعى بالجواب عنه والله سبحانه أعلم. نمقه الحقير خالد بن أحمد ابن محمد بن عبد المالكى. صورة الفتوى الشريفة المعطاة من قبل الشيخ أحمد بن شمس الدين الصديقى السهروردى أفندى وهو من علماء الحنفية: ردا على السؤال الذى وجهه رضوان أغا . الجواب: الحمد لله سبحانه .. «ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا .. وانصرنا على القوم الكافرين». ما ذكر فى السؤال عما سقط من أحجار البيت الشريف إذا كانت تحتاج إلى الإصلاح والمساواة بحسب ما تحتاجه الصنعة وإلى زيادة عليها بموجب تكسر البعض وتلف البعض وجعلها على حكمها فى المساواة والبحث والإحكام أيجوز أم لا؟ وعلى القول بالجواز إذا كان محتاجا إلى مدة طويلة بموجب ما شرع فى السؤال وكان بمكة المشرفة من هو متعين للنظر فى المصالح العامة المتعلقة بهذه البلدة الشريفة من جانب السلطنة المنيفة - دامت ظلال عدالتها الوديعة - من إصلاح المسجد وغيره من الشوارع وتنظيفها هل يجوز له الشروع فى إصلاح الحجارة الأولى وتهيئة ما يحتاج إلى زيادتها وفى عمل نحو نورة وجبس وما شابه ذلك ليكون مهيئا عند وصول من سيعيّن من الأبواب الشريفة السلطانية لأداء هذه الخدمة السنية خشية طول المدة؟ فالجواب: عن ذلك - والله الموفق للصواب - جواز إصلاح الساقط ومساواته والمبادرة إليه وتغيير ما تكسر وعدم الانتفاع به وزيادة ما احتيج إليه من الحجارة مما سهل إحضاره من بعض الجبال التى بنى منها البيت العتيق كما ساقها الشيخ

стр. 499

المحقق مولانا الشيخ خالد الجعفرى المالكى - نفع الله به - والدليل على جواز التغيير عدم إنكار العلماء من المذاهب الأربعة فى كل عصر على الملوك فى تغيير باب البيت وعتبته سوى إرادة زيادة إظهار أبهته وإعظامه وإجلاله وقد تكرر من ساداتنا سلاطين آل عثمان - خلد الله دولتهم إلى انقراض الدوران - إرسال الأقفال الجديدة إلى البيت وطلب العتيق ليوضع فى خزانتهم العامرة تبركا به كما وقع فى موسم هذا الحج من غير إنكار عليهم، فالمباشرة لتهيئة مؤن عمارة البيت من أهم المهمات وألزم اللوازم فلقد طال الانتظار لمن يعين ليتعاطى خدمة تعمير البيت من قبل الأبواب العالية واستمرار البيت العتيق مهدوما هذه المدة كلها غير لائق وقد شكرت مساعى مولانا السيد الشريف الأعظم مسعود بن إدريس نصره الله تعالى فى بذل الهمة فى خدمة البيت وتدعيمه بالأخشاب من الجهة الساقطة وستره بكسوة إلى أن جاءت كسوته المعتاد وصولها كل عام من قبل السلطنة الشريفة فى صحبة أمير الركب الشريف المصرى وقد نور الله باطن هذا الرجل الذى له من اسمه نصيب حيث رغب فى فعل الخير وتصدى لسؤال العلماء عن ذلك مع ما سبق له من الاهتمام بتنظيف المسجد والشوارع والبيت الحرام وإصلاح برك الحجاج. وتعمير عين خليص فله بذلك وبما نواه جزيل الأجر والثواب من الملك الكريم الوهاب، فمقتضى قواعد المذهب جواز شروعه فى إصلاح الأحجار وتهيئة المؤن لكن يتعين أن يكون المال المنصرف على ذلك متيقن حليته. فإن تعذر فلا يكون من مال توهم حليته، إذ يجب كل التحرز عن الصرف على ذلك من مال حرام نحوه. وفقه الله ودفع به وعنه كل ضير وأعان من أعانه ووالى عليه فضله وإحسانه وزاد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة ورفعة وتكريما وزاد من شرّفه وعظّمه جلالا وكرامة وأسبغ عليه جوده وإنعامه، والله أعلم. حرره الفقير أحمد بن محمد بن آق شمس الدين الصديقى السهروردى الحنفى.

стр. 500

صورة الفتوى الشريفة المعطاة لرضوان أغا من قبل الشيخ عبد الله بن أبى بكر بن ظهيرة القرشى أفندى من علماء الحنابلة الجواب: المسئول عنه فى السؤال: هل يجوز إصلاح ما تكسر بالسقوط من أحجار البيت الشريف - زاده الله تشريفا وتعظيما - وزيادة عليها من جنس الحجارة الأولى وتهيئة ذلك ومساواته ونحته وتحسين صنعته وإحكامه أم لا يجوز؟ وإذا قيل بالجواز وكان عمل ذلك يحتاج إلى مدة، كما ذكر فى السؤال، وكان فى مكة المشرفة من جانب السلطان - أيده الله تعالى - من ذكر السؤال هل يجوز له الشروع فى ذلك وتهيئته إلى آخر ما فى السؤال؟ فالجواب عما ذكر وتحرير الحكم الشرعى فيما سطر والله المسئول أن يوفقنا إلى طريق الحق المستقيم، وأن يلهمنا الصواب على النهج القويم، هو أن نقول نعم! يجوز إصلاح ما تكسر من الأحجار وتعيين ما يحتاج إليه من المال فى تكملة البناء وإعادته كما كان من الأحجار المناسبة لذلك ويؤخذ ما يسهل أخذه من الجبال التى عمرت الكعبة المشرفة منها (١) كما نقله العلامة المحقق شيخ الإسلام والمسلمين مولانا الشيخ خالد المفتى المالكى دام الله النفع به ولا ريب فى ذلك فقد ألف شيخ الإسلام والمسلمين خاتمة الأئمة والمحققين الشيخ «شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمى المكى الشافعى» قدس الله سره وجعل الفردوس مقره، مؤلفا فى خصوص هذه المسألة سماه «المناهل العذبة فى إصلاح ما وهى وانشعث من الكعبة» وبسط الكلام فيه ونقل فيه كلام العلماء من المذاهب الأربعة مصرحا بجواز ذلك وأشفى الغليل فيه وأوضح المسألة وفصلها أحسن تفصيل ومما نقل عن أئمتنا علماء الحنابلة - رضى الله عنهم - قول صاحب الفنون: صح لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمة لأن كل عصر احتاجت فيه لذلك قد فعل بها ذلك ولم يظهر نكير على من فعله، «نعم الحجر الأسود» لا يجوز نقله من

стр. 501

مكانه ولا تغييره إلا بنص من النبى ﵌ فهو كبعض آيات القرآن لا يجوز نقلها من موضعها إلى مكان آخر. انتهى. وما أفتى به العلامة والمحقق الفهامة مولانا الشيخ عبد العزيز المفتى الشافعى أدام الله النفع بوجوده خلاصة ذلك التأليف (١) وزبدة ما فيه، وليس فى قواعدنا ما ينافيه ويكون المعوّل عليه ويرجع فى هذه الحادثة إليه، وحيث كان إصلاح الحجارة المنكسرة وعمل الحجارة التى يحتاج الحال إلى زيادتها .. وما أشبه ذلك تحتاج إلى زمن طويل كما جاء فى السؤال فإنه يجوز لمن هو فى البلد من جانب السلطنة المذكورة - أيدها الله تعالى - مقام فى نحو ذلك كما ذكر فى السؤال أن يشرع فى عمل ذلك إذا لم يخف على نفسه أو على غيره ضررا وينبغى له بذل الهمة فى ذلك كما ظهر منه فى تنظيف المسجد الحرام وإصلاح الشوارع والبرك التى للحجاج، وكما فعل فى إصلاح عين مكة المعظمة وفى إجراء عين خليص وبذل همته فى ذلك، وتعاطى ذلك بنفسه مع مزيد الاعتناء بسببه والقيام عليه أجزل الله له الثواب وقابله بالإحسان فى يوم الحساب، فقد حصل بذلك الرفق العظيم للزوار والحجاج ولكل من سلك فى تلك الفجاج، لا شك أنه منور البصيرة، صافى القلب والسريرة، إذ وفقه الله تعالى للسؤال عن ذلك والاهتمام فى سلك هذه المسالك، والاعتناء بشأن الكعبة المعظمة التى هى فى الأولية والإسلام محترمة، زادها الله تشريفا وتكريما ومهابة، فإذا شرع فى المؤن والأحجار وما يحتاج إليه يجب أن يكون الصرف على ذلك من مال حلال لا تعلم فيه شبه قوية ويتحرز فى ذلك غاية التحرز مهما أمكن، تقبل الله منه السعى الجميل وقابله عليه بالثواب الجزيل، وخلد دولة هذه السلطنة العثمانية، ولا زالت مدى الأيام والليالى محروسة محمية، وزاد هذا البيت الشريف تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وزاد من شرفه وكرمه تشريفا وجلالة وتكريما، وألهمنا الصواب فى القول والعمل ووقانا أجمعين من الخطأ والزلل، بمحمد وآله آمين، والله أعلم.

стр. 502

نمقه الفقير عبد الله بن أبى بكر بن ظهيرة القرشى الحنبلى الخطيب والإمام والمفتى بالمسجد الحرام صورة الفتوى الشريفة المعطاة من قبل الشيخ محمد عبد العظيم المكى من علماء الحنفية بخصوص تنظيف الحرم الشريف السؤال: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين نفع الله بعلومهم المسلمين فيما إذا أدخل السيل إلى المسجد ترابا وأوساخا بكثرة واحتاج الحال إلى حملها ولزم من ذلك دخول جمال وحمير إلى المسجد وربما يقع منها روث بول فهل يجوز دخول الحمير والجمال للحاجة لذلك أم لا يجوز شئ من ذلك؟ والحال أن الوقت ضاق بموجب قرب الموسم والضرورة اقتضت ذلك أفتونا مأجورين. الجواب: إن تحققت يجوز إدخالها لضرورة وخصوصا لمصلحة المسجد وإذا وقع منها بول أو روث يسارع إلى تنظيفه وإن اندفعت الضرورة بإدخال الجمال فقط، فيقتصر عليها للخفة التى فى بولها وللخلاف فى روثها. والله تعالى أعلم. حرره محمد عبد العظيم المكى الحنفى. صورة الفتوى الشريفة التى أصدرها الشيخ خالد بن أحمد بن عبد الله الجعفرى وهو من علماء المالكية بخصوص تنظيف الحرم الشريف: الجواب: أما الإبل فبولها وبعرها طاهران عندنا. لأن النبى ﷺ طاف على بعيره ولأن إدخال البعير إلى المسجد مع عدم الأمن والسلامة عما يخرج دليل على طهارة ما يخرج منه وقال الإمام أبو حنيفة والشافعى بأن ما يخرج من الإبل نجس وأما الحمير فأبوالها وأرواثها نجسة.

стр. 503

وطريق العمل فى ذلك أنه إذا اضطر إلى ذلك وأمكن الاكتفاء بالإبل اكتفى بها لكى يطهر المسجد مما يخرج منها عند الكل وأما الحمير فإن اضطر إليها أدخلت وطهر المسجد مما يصيبه منها وحيث طهر المسجد فيبادر إلى التطهير، والله أعلم. نمقه الفقير خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. المالكى الجعفرى. صورة الفتاوى الشريفة التى أعطيت بخصوص تغطية الكعبة الشريفة بالستائر عند الإزماع للبدء فى بناء بيت الله . السؤال الذى أورده رضوان أغا: ما قولكم - رضى الله عنكم ونفع بعلومكم المسلمين - فى بناء البيت الشريف زاده الله شرفا وكرما هل يجب ستره عن أعين الناس لأجل البناء والفعال حفاظا للحرمة ورعاية لزيادة الأدب وإن ضاق الحال بالطائفين على وجه أفضل أم يجوز بناؤه مكشوفا من غير حائل وستر لأن ذلك فيه كمال الرفق بالمعلمين والبنائين من حيث التمكن من البناء على الوجه المطلوب وهل الستر من حيث هو واجب أم مندوب مستحب أم كيف الحال بينوا لنا ذلك. الفتاوى الشريفة التى أعطيت ردا على أسئلة رضوان باشا الجواب: الحمد لله ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا، لا ريب فى كون ستر البيت الشريف - زاده الله شرفا وتعظيما - حال بنائه مندوبا إليه، وذلك غير مانع من حصول كمال فضيلة الطواف ولا يمنع أيضا من المشاهدة، وأما بناؤه مكشوفا من غير ستر فغير لائق بوجه من الوجوه وليس من الأدب، والله أعلم، وهو المسئول أن يستر عيوبنا ويغفر ذنوبنا. حرره الفقير أحمد بن محمد آق شمس الدين المدرس الصديقى الحنفى.

стр. 504

الجواب: الحمد لله: ستر البيت عن أعين الناظرين، حال بنائه مندوب ندبا متأكدا لا واجب (١)، والطواف وراء الستر ليس مفضولا، بل الستر قام مقام البيت فلا يمنع من كمال فضيلة الطواف، بل ولا يمنع من المشاهدة، لان كسوة البيت جعلت لمنع أعين الناظرين إليها، وهذا الستر كذلك بل هذا آكد، لأن النظر إلى البيت حال بنائه أفظع من النظر إليه مستورا، والله أعلم. نمقه الفقير إلى الله خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المالكى الجعفرى. الجواب: الحمد لله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ستر البيت الشريف أثناء الشروع فى بنائه، بل وعند الشروع فى مقدمات ذلك كهدم ما يحتاج إلى هدمه منه مندوب إليه ومما ينبغى وليس بواجب وذلك اقتداء بفعل سيدنا عبد الله بن الزبير - رضى الله عنهما - ومن كان فى عصره من أجلاء الصحابة - رضى الله عنهم - فإنه لما عمر الكعبة الشريفة وضع عليها ساترا بإشارة عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما - وقد نقل ذلك العلامة الأزرقى فى عدة مواضع من تاريخه، فقال فى (باب ما جاء فى بناء الزبير للكعبة) ما نصه أنهم قاموا أعانهم الناس فما ترحلت الشمس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعها فبدأ فى هدمها يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين، ولم يقرب ابن عباس مكة يوم هدمت الكعبة وحتى فرغ منها أرسل إلى ابن الزبير لا تدع الناس بغير قبلة وانصب من حول الكعبة أخشابا واجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلوا إليها ففعل ذلك ابن الزبير. انتهى. وقال فى موضع آخر ما نصه: ونصب الخشب حولها حيث تم سترها وبنوا من وراء الستر. انتهى.

стр. 505

هذه النصوص كلها صريحة فى أن الساتر المذكور مندوب إليه وليس فيها دلالة على وجوبه عند الشروع فى البناء، بل يحتمل أنه جعل عند الشروع فى مقدمات ذلك كالهدم وهو الظاهر اللائق بحرمة البيت الشريف التى أمرنا بها، ولا شك أنه لو هدم وبنى من غير وجود ساتر بينه وبين الأعين لسقطت هيبته من قلوب كثير من الناس ممن لا ينظرون إلا إلى الصور ويترتب عليه هتك حرمته، وقد أجمع العلماء على استحباب كسوة الكعبة واستمرارها عليها والقصد من ذلك سترها عن الأعين لما يلزم من عدمه من المحذور المذكور فليكن هذا الساتر، بل أولى، لأن رؤية الكعبة المشرفة متهدمة أفضح من رؤيتها مجردة من أثوابها، ومن زعم أن الساتر المذكور، مما ينبغى فعله فقد حاد عن طريق الصواب وأخطأ من وجوه عديدة، ولا يسعها هذا الجواب، والله أعلم. حرره الفقير زين العابدين بن عبد القادر الحسين الطبرى الشافعى إمام المقام الشريف. صورة الفتاوى الشريفة الصادرة على أثر الخلاف الذى وقع بشأن هدم الجدار الكائن بين الحجر الأسود والركن اليمانى السؤال الذى طرحه رضوان أغا: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين ومرجع الخاص والعام من المسلمين وقطع بوجودهم دابر المفسدين وعمر بهداهم شعائر الإسلام للمهتدين، فى الجدار اليمانى من البيت الشريف زاده الله تعالى تشريفا وتعظيما، الذى يظهر فى بادئ النظر للعوام أنه مستقيم والحال أنه مائل دخل أعلاه وبارز أسفله من رأس الركن الذى على الحجر الأسود إلى «المدماك» الذى تحت الحجر الأسود نصف ذراع ومن نحو نصف الجدار المذكور ذراع كامل ومن محل وصول الميزاب فى المدماك المذكور إلى أرض المكان قدر الميل ثلث أيضا فيكون الميل من رأس الركن إلى

стр. 506

أرض المطاف نصف ذراع وثلث ذراع ومن قرب الحجر الأسود المحل الثانى فى الوزن ذراع كامل ومن المحل الثالث فى الوزن الذى بالقرب من وسط الجدار ذراع وثلث كل ذلك بذراع القماش الحديد وقد ظهر كل ما ذكر أعلاه من الميل فى الأماكن الموزونة بالمشاهدة لكل من حضر من العلماء المهندسين والمعلمين وغيرهم ومهد أرباب الخبرة من المهندسين والمعلمين والعارفين ببناء عقارات الجدار المذكور وما كان مثله خصوصا من المنحوت إذا مال نحو سدس ذراع يجب هدمه ولا يجوز بقاؤه سواء كان ذلك فى محل مملوك أو محل موقوف أو مال يتيم وأنهم يوجبون ذلك، وذكروا أن هدم الجدار اليمانى من البيت من أوجب الواجبات لما فى هدمه من المصالح الواجبة فى تعظيم البيت الشريف - زاده الله شرفا - ولما فى بقائه من خلاف ذلك - نعوذ بالله منه - فهل يجوز لمن له ولاية العمارة من جانب السلطنة العثمانية - خلد الله دولتها وأيد صولتها - أن يهدم هذا الجدار اليمانى المذكور ليقيمه ويقيم بناء البيت الشريف جميعه على الوجه الذى يليق به من اتفاق العمارة وتحسينها الواجب ذلك فى حق البيت الشريف - زاده الله مهابة وتكريما وزاد من عظمته وإكرامه تشريفا وتعظيما - أم لا يجوز ذلك والحال ما ذكر؟ أم كيف الحال؟ بينوا ذلك تبيانا شافيا؟ أثابكم الله الجنة بمنه وجزاكم عن الإسلام والمسلمين خيرا. صورة الأجوبة الشريفة المعطاة ردا على السؤال المذكور: الجواب: حيث كان الحائط المذكور بالصفة المذكورة عن العدول المذكورين فى السؤال وأرباب الخبرة من أهل الصناعة وغيرهم فهدمه وتجديده أولى، بل متعين لأنه أحق من الهدم الصادر من سيدنا عبد الله بن الزبير لأن قضية ابن الزبير كانت محتاجة إلى الترميم فقط، كما أشار إليه هو - رضى الله عنه - وهذه محتاجة إلى الهدم والبناء لا سيما مع الانهدام والهدم الكائنين فى الثلاثة الأرباع، إذا كان ابن

стр. 507

الزبير - رضى الله عنه - ومن خالفه فى القضية يقولون بالهدم فيكون ذلك فى قضيتنا أولى، والله أعلم. نمقه الفقير خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المالكى الجعفرى. الجواب: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، حيث كان الجدار المذكور من البيت الشريف - زاده الله تشريفا وتعظيما - بالجملة المشروحة فى السؤال المشاهدة لأهل العلم من الرجال وشهد بخرابه أرباب الخبرة الموثوق بهم فى كل حال الذين يغلب على الظن فيهم عدم التهمة فى هدم ما كان خاليا من البقاء ولا غرض لهم فى تخريب أدنى جزء منه خوفا من الله يوم اللقاء، فهدمه بعد تحقق ما ذكر جائز بل واجب على من فوضه السلطان الأعظم - خلد الله سعادته وأيد سيادته وأقام به شعائر الدين وقطع بسيفه رقاب المعتدين - عمارة بيت الله العظيم وإعادته على الأسلوب القديم وبناء جدرانه على ما كانت عليه وإحكامها بكل وجه يمكن التوصل إليه فذلك من أعظم شعائر الإسلام وبقاء ما كان خرابا منه على حاله مع إمكان إزالته من موجبات شرور الفجرة الطغاة، وقد صرح علماؤنا - رضى الله عنهم - بجواز هدم ما تحقق خرابه من البيت الحرام وما نصوا عليه لا يجوز مخالفته ومن خالف أقوال العلماء كان مكروها عند الله وخلقه أعاذنا الله من ذلك وسلك بنا أحسن المسالك، والله أعلم. حرره الفقير عبد العزيز بن محمد الزمزمى الشافعى. الجواب: الحمد لله ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا، لا ريب فى أن الواجب على كل مسلم تعظيم هذا البيت الشريف زاده الله من التعظيم والتكريم والتبجيل والتشريف، وقد شاهدنا نحن والجم الغفير من العلماء والولاة حقيقة ما ذكر فى

стр. 508

السؤال من الجواب ولم يزل يبلغنا كل يوم من الثقاة السالكين منهم الصواب أنه تداعى إلى السقوط ما لم يتدارك أمره مع شهادة المعلمين الموثوق بهم بخرابه وبقاؤه من بنائه إلى حال سقوطه ألف عام إلا خمسة وعشرين عاما أوفى معجزة، ولما أراد الله خرابه خرب، وإذا ما تحقق ما ذكر ومعلوم أن إبقاء شئ منه على حاله محال وجب هدمه بغاية الإجلال والاعظام ومزيد التوقير والاحترام وشكرت مساعى من فوضت إليه هذه الخدمة الجليلة المقدار من قبل من فوض له ذلك مولانا السلطان العظيم الفخار دامت سلطنته العظمى مادام الفلك الدوار، وثواب على عمارته وإعادته على الأسلوب الحسن بناء جدرانه على ما كانت عليه مهما أمكن وغير لائق البقاء ما كان خرابا على حاله مع إمكان إزالته، ولقد نص العلماء على جواز هدم ما تحقق خرابه من البيت الشريف إذا لم يمكن بقاؤه، نسأل الله أن يوفقنا ومن تشرف بهذه الخدمة إلى ما يحبه ويرضاه ويكون عونا لكل منا فى أولاه وأخراه وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويوفقنا لاجتنابه والله أعلم. نمقه الفير أحمد بن محمد بن آق شمس الدين المدرس الصديقى الحنفى السهروردى. الجواب: الحمد لله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ونعم جوابى كذلك سلك الله بالقائم بخدمة هذا البيت الشريف أحسن المسالك. الفقير الحقير عبد الله بن أبى بكر بن ظهيرة القرشى الحنبلى. صورة السؤال الذى طرحه رضوان أغا: السؤال: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - نفع الله بعلومهم المسلمين - فى ما إذا احتاج الحال فى عمارة البيت الشريف - زاده الله تعالى تشريفا وتعظيما - إلى إقامة حائل وأخشاب بالطواف وجعل ألواح عليها وستارة ليمنع ذلك من دخول

стр. 509

نحو كلاب ودواب غيرها تنجس البنيان وتوسخه ويمنع من دخول من لا فائدة فى دخوله بل ربما من دخوله ضرر وإقامة ذلك من ضروريات العمارة اللازمة والمعتادة بحيث إنه لا يبنى البناء على الوجه المطلوب إلا بذلك مع بقاء جانب من الطواف أكثر مما يحجب بهذه الستارة للطائفين والمصلين يؤدى فيه ذلك فهل يجوز فعل ذلك أم لا يجوز والحال ما ذكر، أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة. الأجوبة الشريفة المعطاة ردا على سؤال رضوان أغا: الجواب: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله: الذى يؤخذ من كلام علمائنا - رضى الله عنهم - حيث قالوا يحرم الجلوس خلف المقام وبسط السجادة وإن لم تجلس عليها لما فى ذلك من منع فضيلة سنة الطواف فى ذلك المحل للطائفين وحيث قالوا أن ما يفعل بالمسجد من بناء نحو منارة أو ضرب لبن فيه إن فعل لمصلحة المسجد ولم يضق جاز إلا أنه إن ترتب على وضع الأخشاب الموضوع عليها الستائر منع فضيلة مشاهدة البيت الشريف أو منع فضيلة القرب منه للطائف حالة الطواف أو كان فيه تضييق على المصلين لم يجز وضع ما ذكر إلا إن تحقق دخول شئ من الكلاب وملامستها شئ من أجزاء البيت الشريف مع رطوبة فى أحدهما أو وصول شئ من النجاسات غير ما ذكر ولم يكن حفظها عن تطرق ذلك إليها إلا بوضع الأخشاب الساترة فيجوز حينئذ وضعها بل يجب إذا لم تصن إلا بفعل ذلك صيانة لأجزاء البيت المعظم عن تلطخه بما ذكروا أما السقائل التى تتوقف مباشرة البنيان - واتباعهم للبناء - على وضعها ورفع الأحجار إلى محلها على إقامتها فيجوز لما فى ذلك من المصلحة المتوقف البناء عليها والحاجة الأكيدة إليها ألهمنا الله سلوك طرق الصواب وكشف عن قلوبنا ظلمة الحجاب، والله أعلم. حرره الفقير إلى الله عبد العزيز بن محمد الزمزمى الشافعى حامدا الله ومصليا على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 510

صورة الفتوى الشريفة الصادرة والمتعلقة بعدم جواز تدريس صحيح البخارى داخل بيت الله الحرام . السؤال: ما تقول السادة العلماء أساتذة الدين - قمع الله تعالى بهم المفسدين وقطع بسيوف أنظارهم الشريفة دوائر المبتدعة والملحدين - فى الجرأة على بيت الله الحرام - زاده الله تعالى تشريفا واحتراما ومهابة وإجلالا إلى يوم القيامة - وهتك حرمته بإدخال أطباق اللوز والزبيب فى جوفه وتدريس كتاب البخارى فى المدارس وغيرها ما حكم هذا التدريس المذكور على هذا الأسلوب المذكور فى جوف هذا البيت العتيق المحترم مهبط الرحمة والنور أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة. الجواب الذى أعطى ردا على السؤال المذكور: الحمد لله لا شك أن النبى ﷺ بعث بلسان الشرع وقد أمره الله بتبليغ الشرع قال عز من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧). أو رسالاته أى وإن لم تبلغ بعض ما أمرت به فحكمك حكم من لم يبلغ شيئا والمبلّغ الكتاب العزيز والسنة الشريفة التى هى أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته وعزمه وهمته، فكل من الكتاب والسنة مأمور بتبليغه: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) والبيان بالسنة وهى وحى قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (النجم: ٣، ٤) وقد بلغ ﷺ جميع الموحى إليه من الكتاب والسنة وقد شهد له المولى ﷻ بتمام التبليغ فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) ودخل ﷺ البيت الحرام وفاقا وخلافا خمس مرات إلا أن بعضها

стр. 511

متفق على دخوله فيها وبعضها مختلف (١) فيه، والصحيح أنه لم يدخل وثبت أنه ﷺ جلس مجلسا فى البيت صلى فى بعضها ولم يوجد له معارض واختلف فى بعضها هل صلى أو دعا فقط وهذا الخلاف فى الصحيح وثبت أنه ﷺ كان لا يرفع طرفه إلى البيت ولم يثبت أنه ﷺ كان لا يرفع طرفه إلى البيت ولم يثبت أنه ﷺ جلس مجلسا فى البيت للتعليم ولو أقل جلوس إذ لو ثبت لنقل لتوفير دواعى النقل إليه وكذا لم يثبت عن الخلفاء الأربعة ولا عن أحد من أعلام الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وهم القدوة قال ﷺ : «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢) بل لم يثبت عن أحد من أعلام هذه الأمة كالإمام أبى حنيفة النعمان بن ثابت وأصحابه وكالإمام أحمد وأصحابه من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا فتبين أن دخول البيت الحرام لدرس التفسير والحديث أو غيرهما بدعة شنيعة وخصلة ذميمة منكرة محرمة ويدل على تحريمها ما ثبت بطريق العرف بحيث لا ينكر وقوع التبخير عقب الدرس والشموع وماء الورد وغيره وإنشاد المنشدين وقد يؤتى بأشياء غير متوقعة كأن يحضر العوام الجهلة الدروس فيبادرون إلى أكل ما ذكر ورمى نواه فى البيت ولا شك أن هذا مهين للبيت الحرام الذى هو قبلة الإسلام وقد هدمها ابن الزبير ومن تبعه من الصحابة والتابعين - رضى الله تعالى عنهم - لا لسبب اقتضاه هدمها سوى ما يقتضيه ترميمها من أنها دون بيوت الأماثل، وبرد هذه الخصال الذميمة، سادت الكعبة الشريفة على بيوت الأراذل، فضلا عن الأكابر فيكون الدخول المؤدى إلى ذلك محرم ولا شك فى جرّ أول دخلة لهذا المقصد للدخلات المقتضية لما تقدم والدخلات تبين أنها محرمة فكان الدخول الأول الجار إليها محرما، ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾، (آل عمران: ٨) ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا﴾

стр. 512

﴿وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (آخر البقرة)، ونسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. نمقه الفقير خالد بن أحمد بن محمد بن عبد الله المالكى الجعفرى. السؤال الذى طرحه رضوان أغا: السؤال: ما يقول السادة العلماء، أساتذة الملة والدين، وقمع الله تعالى بوجودهم المفسدين وقطع بسيوف أنظارهم السديدة دابر كل مبتدع وكل ملحد مهين، فى التجنى على بيت الله الحرام - زاده الله تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما - وهتك حرمته بإدخال اللوز والزّبيب ونحوها وأكلها فى جوفه وكذلك إدخال الفرش والبسط مع جماعة وفرش تلك البسط للجماعة فيه وإدخال مجامر البخور وإدارتها بين الجماعة فيه كل ذلك لتدريس كتاب البخارى وإلقائه على الجماعة المذكورين على هيئة تدريسه الكائن فى المدارس وغيرها كل ذلك فى جوف البيت العتيق والكعبة الشريفة المعظمة لا زالت مبجلة محترمة. ما حكم هذا التدريس المذكور بهذا الأسلوب المسطور فى جوف هذا البيت العتيق مهبط الرحمة والنور؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه. الجواب الذى أعطى ردا على السؤال المذكور: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله: غير خاف على ذوى العقول السليمة والأفهام المستقيمة أن السعادة العظمى والكمال الأسنى الأسمى، فى الاتباع لما فعله النبى ﷺ والاقتداء بما سلكه الأصحاب الكرام أو من جاء بعدهم من التابعين والعلماء الأعلام، ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أحد ممن جاء بعده إلى هذا الزمن، أنه درس شيئا من العلوم وأبدى شيئا من المواعظ وعقد مجلسا لذكر الله فى وسط الكعبة الشريفة مع احتياج الناس إذ ذاك إلى التعلم، والالتفات إلى أفعاله ﷺ والاقتداء، بها ولو كان فعل شئ من ذلك فى

стр. 513

وسط الكعبة مطلوبا ما تركه ﵊، بل المنقول عنه ﷺ وعن من بعده إنما هو مزيد التواضع والخشية والافتقار والصلاة والدعاء والاستغفار عند دخوله فيها، ولذلك حذر علماءنا - رضى الله عنهم - من الزيادة على صلاة ركعتين فيها إذا كان خشوعا وخضوعا متوفرا، وإلا فالأولى أسرع الخروج منها. وقالوا ليس من الأدب أن يرفع الداخل بصره إلى سقفها لقول عائشة - رضى الله عنها - كما رواه البيهقى: «عجبا لمن دخل الكعبة كيف يفعل - أى يرفع بصره - ليدعه إجلالا لله وإعظاما، دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها» (١). وقال الإمام أبو على الزعفرانى من أعظم أئمتنا: من أحب دخوله إلى البيت فليدخل بصدق إخلاص محبته لله تعالى وتعظيما له بالخشوع والاستكانة والخضوع خائفا راغبا راهبا ذاكرا مستغفرا داعيا متضرّعا إذا علمت ذلك وأن المعروف من حال النبى ﷺ وأحوال من بعده عند الدخول فيها ما ذكر، ونظرت فى قول النبى ﷺ «من أحدث - أى ابتدع أىّ شئ واخترعه من قبل نفسه - فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو (٢) رد» أى مردود على فاعله لبطلانه وعدم الاعتداد به. وقوله ﵊: «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من المهتدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والمحدثات فإن كل محدثة بدعة» (٣)، وقول إمامنا الشافعى - رضى الله عنه -: من أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة المذمومة، وفعل هذا الشخص المذكور لما ذكر على الوجه المذكور بدعة قبيحة شنيعة وتجرؤ منه على بيت الله - تعالى - لما فيه من هتك حرمته

стр. 514

وإساءة الأدب مع الله - تعالى - والإخلال بتعظيمه وإجلاله. إذ المراد من تعظيم الكعبة تعظيم من هى منسوبة إليه والإخلال بحرمتها إخلال بحق الله وهذا من أقبح الأفعال ويستحق فاعل ما ذكر التأديب وعظيم النكال اللائق به وبما ارتكبه من إدخال ما ذكر بيت الله وجلوسه فيه مجلس تدريس غير مطلوب، ولا نقل عن أحد ممن سبقه وإنما الحامل له عليه مجرد الشهوة والإرادة والإشاعة. وقد صرح علماؤنا بأن المراد بالمحدث الذى هو بدعة وضلالة ما ليس له أصل فى الشرع وإنما الحامل عليه مجرد التشهى والإرادة، وبيت الله تعالى يجب تنزيهه عن أن يفعل فيه شئ مما ذكر لما فيه من الإشعار بالاستحقار بحقه وعدم الاعتناء بشأنه والقيام بحرمته. وهذا خرق عظيم ووبال على فاعله وخيم ويترتب على السكوت على هذه الداهية العظمى - إن لم يزجر فاعلها - امتداد رقاب غيره إلى فعل ما فعله ليكون له شهرة بذلك فيصير بيت الله - الذى عظمه النبى ﷺ بدخوله فيه بغاية التواضع ملعبة إن مكّن طالب ذلك منه. وإضافة لذلك فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح - على تقدير وجودها - فكيف وهذا الفعل على الوجه المذكور ليس إلا هتكا لحرمة بيت الله الذى إجلاله من إجلاله. ومما دل على ما ذكرناه من كون فعل هذا الشخص بدعة شنيعة، إنكار ابن مسعود - رضى الله عنه - على الجماعة الذين اجتمعوا فى المسجد يدعون اجتماعهم على هذه الهيئة المخصوصة التى لم يفعلها النبى ﷺ والإنكار من هذا الصحابى العظيم على من ذكر لاجتماعهم على هذه الهيئة، إشارة بأنهم مفتحو باب الضلالة فلا مراء أن من فعل هذا فهو من أشنع البدع وأكرهها وأقبحها والإنكار عليه من الأمر اللازم لينزجر هو وأمثاله عن العود إلى مثل هذا الفعل الغير اللائق بحرمة بيت الله تعالى، وحديث الرسول ﷺ لا يشك من له أدنى مكنة فى العلم أنه أفضل ما يقرأ لكن لما كان المقصود من دخول الكعبة الشريفة الصلاة والدعاء والاستغفار كما فعل ذلك رسول الله ﷺ كان المنع

стр. 515

من القراءة فيها من اللازم لإحداث أمر لم يكن مطلوبا فيها، ولم يترتب على ذلك ما ذكرناه وقد صرح العلماء بأن كل عبادة خصت بمحل لا يفعل غيرها بذلك المحل، ولذلك قالوا: إن قراءة القرآن بالطواف خلاف الأولى لاختصاص الطواف بأذكار تقال فيه فمنعهم من اشتغال الطائفة بقراءة القرآن الذى هو أعظم من غيره يدل على منع المشتغل بقراءة الحديث فى جوف الكعبة لاختصاصها لما ذكرناه، فكيف بقراءته على الوجه المذكور المشعر بغاية الاستحقار والإخلال لعظمتها وحرمتها، أعاذنا الله من ارتكاب ما لا يليق بجلالة بيت الله وحرمته ومن تعدى حدوده وانتهاك حرمته ووفقنا لما يحبه ويرضاه بمنه وكرمه. حرره الفقير عبد العزيز بن محمد الزمزمى الشافعى. ***

стр. 516

الوجهة الثالثة هذه الوجهة تشمل صورا ستة: تبين عدد المرات التى وسع فيها المسجد الحرام السعيد. ومن قام بتوسيعه وترتيبه وكيفية ذلك ومتى بدأ الأهالى الكرام بإرسال الصرر إلى الحرمين الشريفين؟ ومتى أخذت ذلك عادة؟ وما الأسباب التى أدت إلى زيادتها وما مقدار تلك الصرر التى ترسل؟ ومن الذين ترسل لهم؟ ومن الذين ينالون الهدايا؟ وما مقدار الوقود - وسائر ما تمس الحاجة إليه فى المسجد الحرام؟ وكذلك القناديل وشتى أنواع الشموع مع بيان مقدارها ونوعها، وتبين كذلك أول من أنشأ عين زبيدة ذاكرة مجاريها وقنواتها والذين جددوها وعمروها وأصلحوها وعدد ذلك.

стр. 517

الصورة الأولى فى توسيع وتعديل الحرم الشريف لأول مرة أول من تفضل بتوسيع الحرم الشريف للمرة الأولى هو عمر بن الخطاب رضى عنه الله الوهاب. كان ما يحيط بالمسجد الحرام إلى عصر الخليفة سيدنا «عمر الفاروق» المبارك وزمانه المقرون بالعدل والقسطاس ساحة رملية شبيهة بالصحراء، ولم يكن هناك ما نراه اليوم من مبان، بل كان مساكن فقراء الغرباء المصنوعة من القش والحصير، وكانت هناك طرق ملتوية بين الأكواخ للوصول إلى حرم الكعبة المعظمة. أما المسجد الحرام وهو توأم حرم الجنة فكان فى تلك الآونة ممتدا إلى ما وراء مقام إبراهيم والمنبر الشريف، فأما الذى مازال موجودا إلى اليوم أمام الكمر الذى يسمى اليوم ب «باب السلام العتيق» قد وضع علامة مميزة لحدود الحرم الشريف القديم. ولم يغير وضع الحرم الشريف القديم فى عهد أبى بكر الصديق لقلة المؤمنين وأبقى كما هو. لم توسع ساحة الحرم الشريف فى ذلك العهد لاستيعابها مسلمى تلك الآونة. إلا أن عدد المسلمين قد زاد فى عصر عمر الفاروق المتميز بالعبادة بحيث ضاقت كل الساحة ذات الفيوضات الإلهية لبيت الله بجموع المسلمين ولم تستوعبهم، وأصبح توسيع مساحة بيت الله وتفسحها يتجاوز درجة الوجوب، وهكذا اشترى عمر بن الخطاب (رضى عنه الله الوهاب) الأكواخ والدويرات الملتصقة بالمطاف وضمها إلى المسجد الحرام، ولكن ذلك التوسيع لم يف بالغرض مما اقتضى ضمّ البيوت الأخرى الكائنة حول الحرم إلى ساحة الحرم، وهذا ما دعا الخليفة إلى شراء بعض المنازل التى ستساعد على التوسيع.

стр. 518

وفى هذه المحاولة الثانية للتوسيع لم يرض أصحاب المنازل بالتنازل عن دورهم، بل سعوا لإحداث فتنة بنشر أقوال مغرضة. حينئذ استدعى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - المعترضين على إعطاء بيوتهم وقال لهم: «لم يبن بيت الله فى وسط بيوتكم، بل أنتم الذين بنيتم بيوتكم حوله، وضيقتم الساحة المقدسة لكعبة الله» ثم دبر المبالغ اللازمة لشراء تلك الدور كما قدر ثمنها أهل الخبرة، ووضعها فى خزانة كعبة الله ثم هدم تلك البيوت وألحق أرضها بالمسجد الحرام، وهكذا وسع حرم المسجد الحرام على الوجه المطلوب. ثم أحاط الحرم الشريف بسور يزيد ارتفاعه على قدمين قليلا من جهاته الأربعة لتوضع عليه القناديل والشموع، ثم أمر بفتح بوابات مقابل الطرق التى تركها قصى» بن كلاب للدخول فى المطاف السعيد. وفى ختام هدم المنازل جاء أصحابها إلى حضرة الفاروق عارضين ندمهم وأسفهم، ورجوه أن يعطيهم نقودا كافية لشراء سكن فأعطاهم المبالغ التى وضعها فى خزانة بيت الله من قبل، وهكذا أرضاهم وأسكتهم وكان ذلك فى سنة ١٧ الهجرية (١). ***

стр. 519

التذييل قد تم التوسيع المذكور للمسجد الحرام بعد سيل (أم نهشل) (١) بخمس سنوات. حكمة: يظهر فى مكة المعظمة كل عشر سنوات أو اثنى عشرة سنة سيول مرعبة مفزعة - لحكمة ما - وتعقب السيل بركة عظيمة ورواج وتقل الأسعار وتعم النعمة الإلهية والكرم اللامتناهى الجبال والبوادى. انتهى. قد نكبت مكة المكرمة بكثير من السيول كالسيل الذى مر ذكره، وغدت البلدة العظيمة المقدسة خربة وسكانها حيارى متعبين وهم يبحثون عن حل لنكبتهم. يقول الإمام الفاسى وهو يتحدث عن صواعق مكة المكرمة وأخطارها، ناقلا عن الإمام الأزرقى عن محمد بن يحيى وابن يحيى عن عبد العزيز. ١ - من السيول الشهيرة التى شهدتها مكة المكرمة «سيل القارة» قد اجتاح هذا السيل المفزع مكة فى الجاهلية فى زمن سيادة بنى خزاعة وأثناء حكومتهم، قد ظهر سيل القارة بشكل مفزع سريع ودخل فى المسجد الحرام واقتلع دوحة عظيمة فى طريقه وجرفها إلى أقصى حدود مكة المكرمة، ويروى أن رجلا وامرأة غرقا فى هذا السيل. ولم يعثروا على جثة الرجل ولكنهم وجدوا جثة المرأة، وكان اسمها «قارة» وكانت من كريمات نساء قبيلة بنى بكر المشهورة لذا أطلق على هذا السيل «سيل القارة». قد نظف صناديد بنى خزاعة الحرم الشريف بعد انقطاع المياه التى تأتى من الأطراف، وبنوا حول بيت الله وحجر إسماعيل (٢) حائطا منخفضا تفاديا لما قد يظهر من السيول فيما بعد، وظل هذا الحائط إلى عهد حكم قريش.

стр. 520

٢ - من سيول مكة الشهيرة - نوعا ما - السيل العظيم الذى وقع عقب «سيل القارة». قال الإمام الأزرقى وهو يعرف هذا السيل نقلا عن سعيد بن المسيب: قد وقع فى الجاهلية سيل آخر مخيف وكان السيل المذكور أشد قوّة من سيل القارة» وبلغ درجة متناهية فى الشدة إذ غمرت المياه ما بين الجبلين وغابت المنازل عن الأنظار. ٣ - من السيول التى اجتاحت مكة المعظمة «سيل أم نهشل» الثالث من تلك السيول. وحدث هذا السيل فى السنة الحادية عشرة الهجرية وفى عهد الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضى الله عنه)، وبدأ ظهوره على نحو مرعب من ناحية بيت (أبى سفيان بن حرب) أى من ناحية طريق مكة المعظمة الذى ينتهى إلى المعلى، فتدفق بشكل مخيف داخل الحرم الشريف وانتزع المقام الشريف من مكانه وجرفه حتى الوادى. وجرف أم نهشل بنت عبيدة بن سعيد بن العاصى بن أمية من بنات «عبد شمس بن عبد مناف» أمامه وأغرقها. لذا عرف ذلك السيل باسم «سيل أم نهشل». وبعد ما توقف السيل المخيف وانتهت صولته وجولته وانسحبت المياه الراكدة التى فى داخل المدينة، وجرت إلى بطن الوادى، اتحد سكان مكة المعظمة وطهروا مدينتهم ونظفوها وهم يد واحدة، وعثروا على المأثر اللطيف للمقام الشريف فى أسفل الوادى وحملوه إلى الحرم الشريف، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يعينوا مكان الجوهر الثمين لحجر المقام، ومن هنا أبلغوا الأمر إلى الخلافة الإسلامية السنية وعرضوا عليها الوضع.

стр. 521

وحينما أطلع الخليفة الفاروق الأعظم على الأمر اضطرب اضطرابا شديدا، وأسرع بالسفر إلى مكة المفخمة ناويا العمرة، وبمجرد وصوله إلى مكة المكرمة أخذ يبحث عن رجل قدير على تعيين موضع المقام الشريف. ووجد ضالته فى «مطلب» (١) بن أبى وداعة السهمى «الذى يستطيع أن يعين موضع المقام الشريف فاستدعاه واستفسر منه الكيفية. وإذا بمطلب بن أبى وداعة كان قد قاس المسافة بين الباب المعلى للكعبة الشريفة وبين المقام الشريف، وكذلك المسافة بين جدران بئر زمزم والمقام المنيف بحبل متوقعا أن يحدث مثل هذا الحادث، واحتفظ بالحبل فى مكان أمين فى منزله. واستدعى حضرة الفاروق مطلب بن أبى وداعة، وأجلسه أمامه وطلب منه أن يحضر الحبل المذكور. وبعد مسح المكان وتعيين موضع المقام الشريف، وضع أساس البناء العالى الذى يطلق عليه إلى يومنا هذا «المقام الشريف». إن الحجر الشريف الذى وضع فى داخل البناء الذى بناه عمر بن الخطاب هو الحجر الذى كان يضع عليه حضرة إبراهيم (على نبينا وعليه التعظيم) قدميه فى أثناء رفع قواعد البيت. وقد فصل فى بحث الأثر الشريف كل ما يتعلق بهذا الحجر الميمون المبارك، وأين وجد؟ وكيف حفظ إلى الآن؟ وأين حفظ؟ كما فصل فى باب قدوم النبى الجليل إلى مكة المكرمة وكيفية سفره وشكل الحجر الميمون وهيئته المرئية ومبانيه فى هذا المكان الذى يرجى قبول الدعاء فيه. بعد ما أنهى ابن الخطاب (رضى الله عنه) العمليات الخاصة بمبانى المقام الشريف أصلح وعمر الأماكن الأخرى لحرم المسجد الحرام، كما أصلح ما خرب

стр. 522

من السد الذى يطلق عليه «ردم بنى جمح». إن السيل الذى ظهر بعد تعمير سد «بنى جمح» قد فاض من جهة السد المذكور، وأخذ يصب إلى المياه الرمادية التى تراكمت فى سهل وادى إبراهيم؛ لذا أطلق على السيل الذى أتى من هذا الطريق اسم «سيل وادى إبراهيم». إن المياه التى تتكون من الأمطار التى تنزل عل جبال مكة فى ذلك الوقت تشكل سيلين عظيمين وتدخل فى داخل المدينة وأحيانا تدخل حتى حرم الله وتخرب الأماكن المقدسة بالحرم. إن السيل الذى قلنا عنه وادى إبراهيم أحد هذين السيلين العظيمين، وكان يظهر من جهة سد بنى جمح ويمر بوادى إبراهيم المذكور ويجرى نحو شمال الوادى. هو أحد السيلين السالف ذكرهما وهو سيل مخيف مرعب. وكان هذا السيلى يهبط من جبال مكة الجنوبية ويدخل إلى المدينة سالكا طريق محلات جياد، ويبلغ البركة اليمانية ويرتد من هناك ويجرى صوب أسفل البلاد. وكان سد ردم بنى جمح الذى وقع بين المحلات المسماة فى زماننا «المدعى» فى أوائل ظهور الإسلام كان بيت الله بجانب السد المذكور الذى كان موجودا انذاك، كان يبرز جمال هيئته لعشاق بيت الله وزواره. ولما كان الدعاء مقرونا بالاستجابة حال رؤية بيت الله؛ فإن الحجاج الذين يطئون هذا الموضع كانوا يجتهدون فى الدعاء. وفيما بعد حجبت المنازل والبيوت التى أقيمت فى هذا الموضع رؤية البيت الأعظم؛ وعلى الرغم من ذلك ظل الدعاء على حاله كما كان فى الماضى إذ إنه من الثابت أن الرسول ﷺ قد وقف للدعاء فى هذا المكان. حتى إنه يشاهد على جانبى الطريق لافتة خاصة مكتوب عليها: (هنا محل دعاء).

стр. 523

رواية: قال حافظ الدين فى كتابه «النافع» نقلا عن صاحب الهداية: «كنت قد نويت الذهاب إلى مكة المعظمة لأداء مناسك الحج، وعندما استأذنت من شيخى وطلبت منه الوصية قال لى: إن ثمة مكان مبارك فى مكة يقال له «سوق الكراع»، ومن هذا الموقع الشريف تبرز كعبة الله المتعال فى جمال لا مثيل له، وعندما تصل إلى هذا المكان وتنال شرف مشاهدة جمال بيت الله، فعليك أن تدعو قائلا: «اللهم اجعلنى من عبادك الذين تستجاب دعواتهم» لأن الدعاء عند رؤية بيت الله رهين الاستجابة. انتهى. بناء على ما ذكره أهل العلم والدراية من سكان مكة المكرمة أن سيل جياد يحدث مرة كل عشرة أعوام، ويطغى بشدة منقطعة النظير ويفوق سيل «وادى إبراهيم» إلى حد جد بعيد، ويملأ المسجد الحرام بالطين والحصى، ولقد بذل أشراف البلد وأعيانهم من السلف الصالح كل جهدهم وصرفوا كل همتهم إلى حفر كثير من القنوات تحت الأرض لاستيعاب جريان مياه «سيل جياد»، ولكن القنوات امتلأت بالمياه على مر الزمان ولم تخطر بذلك دواوين الخلافة، فاستمر تدفق السيل فى مجراه القديم تدفقا شديدا - حين حدوثه - وما زال يهدم البيوت ويخرب الكثير من المنازل. ٤ - سيل الحجاف: هو السيل الرابع الذى أفزع أهالى مكة المفخمة، ولقد ظهر هذا السيل فى عهد عبد الملك بن مروان، وفى خلال العام الثمانين من الهجرة النبوية. وقد ظهر ذلك السيل فى وقت صلاة الصبح وكان الحجّاج ذوى الابتهاج فى وادى مكة، وبدأ جريان المياه من قبل صلاة الصبح، ثم ازدادت شيئا فشيا فجرف السيل الحجاج القائمين فى محل الوقفة كما جرف أثقالهم وأمتعتهم إلى المسجد الحرام.

стр. 524

وأحاط بالبيت المعظم وهدم المنازل والحوانيت الكائنة فى ناحية الوادى وخربها، وأغرق كثيرا من الناس وأهلكم. وبما أن الناس قد لجئوا إلى الجبال لإنقاذ أرواحهم تاركين أمتعتهم وأموالهم أطلق عل ذلك السيل اسم «سيل الحجاف». وحينما أبلغ هذا الخبر المخيف لعبد الملك؛ أرسل إلى مكة المعظمة الموظفين المختصين من قبله لبناء ما تهدم من البيوت، ولحفر مجارى السيل وتعميقها، وبناء جدران من الحجارة الكبيرة والمتينة حيث يستدعى البناء، وقدم للأهالى أموالا طائلة وأشياء لا تحصى وهكذا عجل بإظهار جوده وسماحته. ٥ - السيل الخامس من سيول مكة «سيل عمر بن عبد العزيز» حدث هذا السيل فى السنة السابعة والتسعين أو الثامنة والتسعين من الهجرة، وكان سبب ظهور هذا السيل دعاء عمر بن عبد العزيز، لأن عمر بن عبد العزيز كان قد غادر الشام بنية الحج متجها إلى الأراضى الحجازية الجالية للغفران. فاستقبله أشراف مكة وأعيانها وتحدثوا عن الجفاف قائلين: «يا سيدنا إن الحجاز ومكة معرضة للجفاف فى هذه الأيام، ويخشى من نقص الماء وإن أهل الحرمين فى أشد الاضطراب من هذا الأمر وفى شدة الحزن مما سيصيب الحجاج الكرام من العطش فى موسم الحج هذا العام. وهكذا أجبروا عمر بن عبد العزيز على دعاء الاستسقاء. وفى الحال هم الخليفة بدعاء الاستسقاء بكل ما أوتى من عقيدة قوية وإيمان صادق بناء على الاتفاق الذى تم بينه وبين الوفد المكى، واشترك فى الدعاء قافلة الحجاج التى صاحبته وكذلك الوفد المكى الذى جاء لاستقباله. ولحكمة ما انهمرت الأمطار بطريقة لم يسبق لأهالى البلاد الحجازية أن رأوا مثلها من قبل. وجاءت السيول من جميع الجهات وأحاطت مكة المعظمة من

стр. 525

جهاتها الأربع، وعمر الحجاز بالخيرات وعم الخصب ورخصت الأسعار؛ وذلك ببركة دعاء عمر بن عبد العزيز. ٦ - السادس من سيول الحجاز سيل أبو شاكر: وقد ظهر هذا السيل فى السنة السادسة والعشرين بعد المائة الهجرية وفى عهد هشام بن عبد الملك. وكان «أبو شاكر» من أجلاء رجال الدولة، وكان ضمن قافلة من قوافل الحجاج وقد اضطرب اضطرابا شديدا من شدة صولة السيل، وأظهر قلقا لذا ذكر ذلك السيل العظيم بعد فترة ما «بسيل أبى شاكر». ٧ - من السيول التى خربت مكة المعظمة سيل مخيل: وقع سيل مخيل سنة مائة وثمانين واجتاح المسجد الحرام بقوة وسبب ضررا غير قليل. ولا يمكن حصر البيوت التى انهارت والأرواح التى أزهقت. ٨ - السيل الثامن من سيول مكة «سيل حنظلة» ظهر هذا السيل فى سنة مائتين واثنتين وفى عهد الخليفة المأمون. وبما أن هذا السيل قد ظهر بقوة شديدة نقل مقام إبراهيم الهمام إلى مكان مرتفع خيفة انتزاع السيل له. وقد خرب هذا السيل المسجد الحرام، وهدم كثيرا من المنازل وأهلك بالغرق كثيرا من النفوس. ولما كان والى مكة فى تاريخ ظهور السيل يسمى «حنظلة» فسمى السيل «سيل حنظلة». ٩ - قد ظهر سيل آخر بعد سيل حنظلة بست سنوات سنة (٢٠٨)، وقد اقتلع هذا السيل العظيم أركانا كثيرة من المسجد الحرام، وهدمها كما سبب غير قليل من الخسائر والمضرات لأهل مكة، كما جلب فى ساحة المسجد الحرام السعيد كثيرا من الطين والرمل مما دعا إلى إشراك النساء فى خدمة تطهير المسجد الحرام. قد ظهر هذا السيل فى عهد الخليفة المأمون، وفى خلال السيل العظيم وسيل حنظلة تعرض الناس لمرض شديد ومات ما لا يحصى من الناس.

стр. 526

١٠ - ومن السيول التى أفزعت الناس فى البلاد الحجازية سيلان وقع أحدهما وهو السيل العاشر بمكة سنة ٢٥٣ والثانى وهو الحادى عشر فى مكة فى سنة ٢٦٦. يعتبر السيل الذى وقع ٢٥٣ من الأحداث المهمة التى حدثت فى البلاد الحجازية، إذ دخل إلى المسجد الحرام وارتفعت المياه حتى وصلت إلى الحجر الأسود، وجلبت للمسجد خسائر عظيمة إلا أن السيل الذى حدث بعده بخمسة عشر عاما كان أكثر رعبا وفزعا. إن هذا السيل قد خرب المنازل والمدارس والحوانيت التى فى طريقه، وبخلاف هذا فقد جرف الرمال التى كانت تفرش ساحة الحرم الشريف، وقد بلغ شدة جريانه حدا أنه جرف معه كل ما يقع أمامه من الأجسام الثقيلة بدون قيد ولا احتراز، كما أنه اقتلع جميع الحجارة التى فى داخل ساحة المسجد الحرام. وبعد هذه الواقعة أى بعد سيل عام ٢٦٦ ظهرت سيول أخرى خلال ٣٤٤ سنة، إلا أنه لا يعرف التاريخ أوقات ظهورها، ولكن مما يروى أنه فى خلال تلك الفترة هبطت على مكة سيول من الجبال التى تحيط بها، وهى سبعة سيول أو ثمانية، وقيل إنها كانت مفزعة رهيبة، وقد جرف إلى ساحة الحرم الشريف الأتربة وعظام الحيوانات وغير ذلك، وتحول داخل المسجد الحرام إلى جبال مما سبب لأهل مكة التعب الشديد فى نقل المخلفات وترميم ما خربته السيول وتعميره. وقد نقل مؤلف «لطائف الأخبار» عن قاضى مكة برهان الدين بن ظهير فى ذلك الوقت «أن أشد السيول التى هبطت هو السيل الذى ظهر فى شدة مخيفة فى يوم الأربعاء الرابع عشر من ذى القعدة عام (٦٨٣) وكأنه شعبة من المحيط الهادى. إن السيل الذى يذكره القاضى برهان الدين قد ملأ ساحة المسجد الحرام ذات الفيوضات الباهرة، وهدم كثيرا من أساطينه وخربها، وأهلك فى داخل الحرم الشريف وخارجه وأغرق خمسائة وسبعين شخصا.

стр. 527

قد ظل هذا السيل فى داخل الحرم الشريف ما يقرب من أربعة أيام، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت وظلت المياه تتزايد بغزارة فى تلك الأيام الأربعة؛ إلا أنها أخذت فى النقصان يوم السبت، وقد أصاب أهل مكة من شدة هيجان ذلك السيل فزع شديد». ويقول القاضى برهان الدين فى رسالة كتبها وأرسلها إلى مصر بعد أن تحدث عن وقت ظهور السيل ومدة بقائه فى الحرم الشريف «إن المسنين الذين عاصروا السيل يذكرون أن مثل هذا السيل لم ير له مثيل لا فى العصور الجاهلية ولا فى العهود الإسلامية. إن المياه التى تجمعت فى ساحة المسجد الحرام، ارتفعت مقدار سبعة أذرع وثلاثة أرباع ذراع» وفى خاتمة رسالته أومأ إلى أن أهل مكة كانوا على حق فيما أصابهم من شدة الفزع. ١١ - من السيول التى يعرف التاريخ ظهورها السيل العظيم الثانى عشر الذى حدث فى سنة ١٥٣٨ الهجرية. إن السيل المذكور قد ظهر فى ليلة الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، واجتاح ساحة الحرم الشريف من البطحاء وارتفعت المياه قدر ذراع من فوق عتبة باب بيت الله، وأوقعت كثيرا من أبواب المسجد الحرام على الأرض. وكان عدد الغرقى والموتى لا حصر له، ولم يكن بين أهالى مكة من رأى مثل هذا السيل العظيم؛ فلو لم يكف هطول الأمطار بعناية الله لما كان هناك شك أن كثيرا من حوانيت مدينة مكة المكرمة كانت ستخرب. ١٢ - من السيول الشهيرة السيل الذى ظهر مثل البحر بعد السيل الثانى عشر بأربع وستين سنة. وقد ظهر هذا السيل ليلة الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمانمائة واثنتين. ودخل فى المسجد الحرام من جهة وادى إبراهيم واقتلع كثيرا من أبوابه وحطمها، وكانت كثرة الأمطار هى

стр. 528

التى تسببت فى ظهوره وقد اشتد هطول المطر حتى ظن الذى كان يراه كأنه ينسكب من أفواه القرب. وقد بلغ ارتفاع المياه التى تجمعت فى المسجد الحرام خمسة أذرع، وارتفعت بمقدار ذراع ونصف ذراع من عتبة باب الكعبة المعلى. والماء الذى دخل الحرم بلغ من قوة جريانه أن هدم عمودين كبيرين، وهوى السقف الذى يحمله العمودان فمات ستون شخصا ممن كانوا تحته. ١٣ - وحدث السيل الرابع عشر الذى ألحق بأهل مكة أبلغ الأضرار بعد السيل الثالث عشر بثمانية أعوام. وقد ظهر هذا السيل فى اليوم الثانى والعشرين من شهر ذى الحجة من عام ثمانمائة وعشرة للهجرة فى وقت الظهيرة، وهدم السدود التى صنعت لتمنع المياه الفائضة من القنوات ومجارى العيون فى وقت ظهور السيول، وأغرق داخل البلد بالمياه وهجمت المياه بشدة ودخلت فى ساحة الحرم الشريف بشكل مفزع، وسرعان ما ارتفعت إلى الدرج الخاص بجلوس الخطباء فى المنبر الشريف. وبلغ الخبر من قبل والى الإمارة إلى مقام السلطنة الذى عين مديرا من قبله لإجراء ما يقتضى إجراءه؛ وأرسله إلى مكة المعظمة، وبادر المدير فور وصوله بتعمير السدود الخربة وتشييدها كما عمق قنوات عين زبيدة ومجاريها وجددها. ١٤ - من السيول التى أرهقت أهل مكة والمتهم السيل الخامس عشر الذى وقع فى خلال عام ثمانمائة وثمانين، ولم ير مثيل له لا فى خلال أعوام الجاهلية ولا العصور الإسلامية. وبالنظر لما ينقله المرحوم الإمام السمهودى فإن السيل المذكور ظهر قبل وصول الحجاج إلى مكة، وغمر ما بين الجبلين وارتفع إلى أسطح المنازل الكائنة فى ناحية المعلى، ومن هناك اجتاح بقوة خارقة للعادة ساحة المسجد الحرام وألحق به خسائر جمة.

стр. 529

ولا يعلم إلا الله - تعالى - عدد ما انهار من البيوت وما حاقت بهم من الخسائر وما فاضت من الأرواح. وعندما سحبت مياه السيل من المسجد الحرام أخرجت من تحت أنقاض المسجد الحرام جثث مائة وثمانين رجلا، ولم ير الطاعنون فى السن من أهل مكة سيلا يشبه هذا السيل الخطير. ١٥ - من السيول التى جعلت أهل مكة ينتفضون مضطربين: السيل الذى حدث فى اليوم الرابع عشر من شهر ذى القعدة عام ٨٨٧ للهجرة. وكان سيلا عظيما يخلع القلوب رعبا، وكان وقوعه فجأة فى اليوم المذكور واتجه نحو المسجد الحرام وسرعان ما تسرب إلى بيت الله وارتفع بطول قامة إنسان داخل الكعبة المشرفة، أما ما ترتب عليه من خسارة فلا يقع تحت الحصر فانهارت الدكاكين فى أرجاء البلد والمدارس والمنازل، وانهارت بعض أساطين المسجد الحرام ولم تقم صلاة الجمعة فيه. وما كان فى الإمكان حصر عدد الهالكين تحت ما انهدم من أطراف المسجد الحرام وما بجانبه من الدكاكين والبيوت والمدارس، إلا أن سبعين جثة أخرجت من المسجد الحرام. وكتب قاضى مكة الذى كان يتولى منصب القضاء إلى حكام مصر قائلا: «إن هذا السيل الذى وقع هذه المرة كان سيلا مفزعا حقا، فقد ظلت جدران المسجد الشريف الأربعة مغمورة فى الماء، وارتفع الماء على امتداد مساحته فى جانبه الأيمن والأيسر إلى سبعة أذرع وربع. ١٦ - من السيول التى أحدثت خسائر عظيمة فى مكة المكرمة السيل السابع عشر من تلك السيول العظيمة. ولم نستطع أن نعرف فى أى يوم من أى شهر وقع، إلا أن المياه قد غمرت الصحارى والسهوب والجبال والأحجار وملأ المسجد الحرام بالطين والحجارة وخربت المياه كثيرا من الدكاكين والبيوت بما

стр. 530

فيها من أمتعة وبضائع. وما كان فى مقدرة أحد أن يخمن عدد المتضررين، أو ما ألحق بالناس من أضرار هذا السيل، وبعد انحسار المياه وجدت مائة جثة فأودعت الثرى. ولم يرد منذ عصر الجاهلية أخبار عن سيل من السيول أبشع وأكثر رعبا من هذا السيل. ١٧ - السيل الثامن عشر ظهر بعد عام من ظهور السيل السابع عشر من سيول مكة. ولا يعرف فى أى يوم من أى شهر ظهر هذا السيل، إلا أنه قد تسبب فى ضرر كبير وأدى إلى تلف كثير من ممتلكات أهل مكة. ١٨ - السيل التاسع عشر وقع بعد السيل الثامن عشر بمائة وخمسين سنة (١٠٣٩)، وهو من السيول العظيمة التى أخافت وأرعبت أهل مكة. وقد غرق فى خلال هذا السيل عدد لا يحصى من الناس وأصاب أهل مكة بخسائر وأضرار لا يستطيع الإنسان أن يخمنها، وكان سببا فى هدم وسقوط أبنية الكعبة المفخمة (١). ١٩ - من السيول التى أحصيت السيل العشرون الذى حدث فى سنة ألف وتسعين أما عدد الحجاج الذين ماتوا غرقا فى هذا السيل فيفوق الحصر وما أصاب سكان مكة من سوء وخسائر فلا يمكن معرفته بالتخمين. ٢٠ - وبعد مرور عام على سيل عام (١٠٩٠) ظهر سيل عظيم آخر هو السيل الحادى والعشرون الذى أورد أهل مكة مورد التهلكة وسبب لهم خسائر كبيرة. وبالنظر إل ما ذكره مؤرخو مكة فإن السيل المذكور وقع فى اليوم الثالث والعشرين من شهر ذى الحجة عام (١٠٩١) الهجرى. وقد وقع هذا السيل فى اليوم المذكور بعد صلاة الظهر بنصف ساعة على أثر هطول أمطار
следующие страницы →