← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١٠ - ومن السيول التى أفزعت الناس فى البلاد الحجازية سيلان وقع أحدهما وهو السيل العاشر بمكة سنة ٢٥٣ والثانى وهو الحادى عشر فى مكة فى سنة ٢٦٦. يعتبر السيل الذى وقع ٢٥٣ من الأحداث المهمة التى حدثت فى البلاد الحجازية، إذ دخل إلى المسجد الحرام وارتفعت المياه حتى وصلت إلى الحجر الأسود، وجلبت للمسجد خسائر عظيمة إلا أن السيل الذى حدث بعده بخمسة عشر عاما كان أكثر رعبا وفزعا. إن هذا السيل قد خرب المنازل والمدارس والحوانيت التى فى طريقه، وبخلاف هذا فقد جرف الرمال التى كانت تفرش ساحة الحرم الشريف، وقد بلغ شدة جريانه حدا أنه جرف معه كل ما يقع أمامه من الأجسام الثقيلة بدون قيد ولا احتراز، كما أنه اقتلع جميع الحجارة التى فى داخل ساحة المسجد الحرام. وبعد هذه الواقعة أى بعد سيل عام ٢٦٦ ظهرت سيول أخرى خلال ٣٤٤ سنة، إلا أنه لا يعرف التاريخ أوقات ظهورها، ولكن مما يروى أنه فى خلال تلك الفترة هبطت على مكة سيول من الجبال التى تحيط بها، وهى سبعة سيول أو ثمانية، وقيل إنها كانت مفزعة رهيبة، وقد جرف إلى ساحة الحرم الشريف الأتربة وعظام الحيوانات وغير ذلك، وتحول داخل المسجد الحرام إلى جبال مما سبب لأهل مكة التعب الشديد فى نقل المخلفات وترميم ما خربته السيول وتعميره. وقد نقل مؤلف «لطائف الأخبار» عن قاضى مكة برهان الدين بن ظهير فى ذلك الوقت «أن أشد السيول التى هبطت هو السيل الذى ظهر فى شدة مخيفة فى يوم الأربعاء الرابع عشر من ذى القعدة عام (٦٨٣) وكأنه شعبة من المحيط الهادى. إن السيل الذى يذكره القاضى برهان الدين قد ملأ ساحة المسجد الحرام ذات الفيوضات الباهرة، وهدم كثيرا من أساطينه وخربها، وأهلك فى داخل الحرم الشريف وخارجه وأغرق خمسائة وسبعين شخصا.

стр. 527

قد ظل هذا السيل فى داخل الحرم الشريف ما يقرب من أربعة أيام، من يوم الأربعاء إلى يوم السبت وظلت المياه تتزايد بغزارة فى تلك الأيام الأربعة؛ إلا أنها أخذت فى النقصان يوم السبت، وقد أصاب أهل مكة من شدة هيجان ذلك السيل فزع شديد». ويقول القاضى برهان الدين فى رسالة كتبها وأرسلها إلى مصر بعد أن تحدث عن وقت ظهور السيل ومدة بقائه فى الحرم الشريف «إن المسنين الذين عاصروا السيل يذكرون أن مثل هذا السيل لم ير له مثيل لا فى العصور الجاهلية ولا فى العهود الإسلامية. إن المياه التى تجمعت فى ساحة المسجد الحرام، ارتفعت مقدار سبعة أذرع وثلاثة أرباع ذراع» وفى خاتمة رسالته أومأ إلى أن أهل مكة كانوا على حق فيما أصابهم من شدة الفزع. ١١ - من السيول التى يعرف التاريخ ظهورها السيل العظيم الثانى عشر الذى حدث فى سنة ١٥٣٨ الهجرية. إن السيل المذكور قد ظهر فى ليلة الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة، واجتاح ساحة الحرم الشريف من البطحاء وارتفعت المياه قدر ذراع من فوق عتبة باب بيت الله، وأوقعت كثيرا من أبواب المسجد الحرام على الأرض. وكان عدد الغرقى والموتى لا حصر له، ولم يكن بين أهالى مكة من رأى مثل هذا السيل العظيم؛ فلو لم يكف هطول الأمطار بعناية الله لما كان هناك شك أن كثيرا من حوانيت مدينة مكة المكرمة كانت ستخرب. ١٢ - من السيول الشهيرة السيل الذى ظهر مثل البحر بعد السيل الثانى عشر بأربع وستين سنة. وقد ظهر هذا السيل ليلة الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمانمائة واثنتين. ودخل فى المسجد الحرام من جهة وادى إبراهيم واقتلع كثيرا من أبوابه وحطمها، وكانت كثرة الأمطار هى

стр. 528

التى تسببت فى ظهوره وقد اشتد هطول المطر حتى ظن الذى كان يراه كأنه ينسكب من أفواه القرب. وقد بلغ ارتفاع المياه التى تجمعت فى المسجد الحرام خمسة أذرع، وارتفعت بمقدار ذراع ونصف ذراع من عتبة باب الكعبة المعلى. والماء الذى دخل الحرم بلغ من قوة جريانه أن هدم عمودين كبيرين، وهوى السقف الذى يحمله العمودان فمات ستون شخصا ممن كانوا تحته. ١٣ - وحدث السيل الرابع عشر الذى ألحق بأهل مكة أبلغ الأضرار بعد السيل الثالث عشر بثمانية أعوام. وقد ظهر هذا السيل فى اليوم الثانى والعشرين من شهر ذى الحجة من عام ثمانمائة وعشرة للهجرة فى وقت الظهيرة، وهدم السدود التى صنعت لتمنع المياه الفائضة من القنوات ومجارى العيون فى وقت ظهور السيول، وأغرق داخل البلد بالمياه وهجمت المياه بشدة ودخلت فى ساحة الحرم الشريف بشكل مفزع، وسرعان ما ارتفعت إلى الدرج الخاص بجلوس الخطباء فى المنبر الشريف. وبلغ الخبر من قبل والى الإمارة إلى مقام السلطنة الذى عين مديرا من قبله لإجراء ما يقتضى إجراءه؛ وأرسله إلى مكة المعظمة، وبادر المدير فور وصوله بتعمير السدود الخربة وتشييدها كما عمق قنوات عين زبيدة ومجاريها وجددها. ١٤ - من السيول التى أرهقت أهل مكة والمتهم السيل الخامس عشر الذى وقع فى خلال عام ثمانمائة وثمانين، ولم ير مثيل له لا فى خلال أعوام الجاهلية ولا العصور الإسلامية. وبالنظر لما ينقله المرحوم الإمام السمهودى فإن السيل المذكور ظهر قبل وصول الحجاج إلى مكة، وغمر ما بين الجبلين وارتفع إلى أسطح المنازل الكائنة فى ناحية المعلى، ومن هناك اجتاح بقوة خارقة للعادة ساحة المسجد الحرام وألحق به خسائر جمة.

стр. 529

ولا يعلم إلا الله - تعالى - عدد ما انهار من البيوت وما حاقت بهم من الخسائر وما فاضت من الأرواح. وعندما سحبت مياه السيل من المسجد الحرام أخرجت من تحت أنقاض المسجد الحرام جثث مائة وثمانين رجلا، ولم ير الطاعنون فى السن من أهل مكة سيلا يشبه هذا السيل الخطير. ١٥ - من السيول التى جعلت أهل مكة ينتفضون مضطربين: السيل الذى حدث فى اليوم الرابع عشر من شهر ذى القعدة عام ٨٨٧ للهجرة. وكان سيلا عظيما يخلع القلوب رعبا، وكان وقوعه فجأة فى اليوم المذكور واتجه نحو المسجد الحرام وسرعان ما تسرب إلى بيت الله وارتفع بطول قامة إنسان داخل الكعبة المشرفة، أما ما ترتب عليه من خسارة فلا يقع تحت الحصر فانهارت الدكاكين فى أرجاء البلد والمدارس والمنازل، وانهارت بعض أساطين المسجد الحرام ولم تقم صلاة الجمعة فيه. وما كان فى الإمكان حصر عدد الهالكين تحت ما انهدم من أطراف المسجد الحرام وما بجانبه من الدكاكين والبيوت والمدارس، إلا أن سبعين جثة أخرجت من المسجد الحرام. وكتب قاضى مكة الذى كان يتولى منصب القضاء إلى حكام مصر قائلا: «إن هذا السيل الذى وقع هذه المرة كان سيلا مفزعا حقا، فقد ظلت جدران المسجد الشريف الأربعة مغمورة فى الماء، وارتفع الماء على امتداد مساحته فى جانبه الأيمن والأيسر إلى سبعة أذرع وربع. ١٦ - من السيول التى أحدثت خسائر عظيمة فى مكة المكرمة السيل السابع عشر من تلك السيول العظيمة. ولم نستطع أن نعرف فى أى يوم من أى شهر وقع، إلا أن المياه قد غمرت الصحارى والسهوب والجبال والأحجار وملأ المسجد الحرام بالطين والحجارة وخربت المياه كثيرا من الدكاكين والبيوت بما

стр. 530

فيها من أمتعة وبضائع. وما كان فى مقدرة أحد أن يخمن عدد المتضررين، أو ما ألحق بالناس من أضرار هذا السيل، وبعد انحسار المياه وجدت مائة جثة فأودعت الثرى. ولم يرد منذ عصر الجاهلية أخبار عن سيل من السيول أبشع وأكثر رعبا من هذا السيل. ١٧ - السيل الثامن عشر ظهر بعد عام من ظهور السيل السابع عشر من سيول مكة. ولا يعرف فى أى يوم من أى شهر ظهر هذا السيل، إلا أنه قد تسبب فى ضرر كبير وأدى إلى تلف كثير من ممتلكات أهل مكة. ١٨ - السيل التاسع عشر وقع بعد السيل الثامن عشر بمائة وخمسين سنة (١٠٣٩)، وهو من السيول العظيمة التى أخافت وأرعبت أهل مكة. وقد غرق فى خلال هذا السيل عدد لا يحصى من الناس وأصاب أهل مكة بخسائر وأضرار لا يستطيع الإنسان أن يخمنها، وكان سببا فى هدم وسقوط أبنية الكعبة المفخمة (١). ١٩ - من السيول التى أحصيت السيل العشرون الذى حدث فى سنة ألف وتسعين أما عدد الحجاج الذين ماتوا غرقا فى هذا السيل فيفوق الحصر وما أصاب سكان مكة من سوء وخسائر فلا يمكن معرفته بالتخمين. ٢٠ - وبعد مرور عام على سيل عام (١٠٩٠) ظهر سيل عظيم آخر هو السيل الحادى والعشرون الذى أورد أهل مكة مورد التهلكة وسبب لهم خسائر كبيرة. وبالنظر إل ما ذكره مؤرخو مكة فإن السيل المذكور وقع فى اليوم الثالث والعشرين من شهر ذى الحجة عام (١٠٩١) الهجرى. وقد وقع هذا السيل فى اليوم المذكور بعد صلاة الظهر بنصف ساعة على أثر هطول أمطار

стр. 531

خفيفة وجاء من الجبال المتسلسلة التى تحيط بمكة وكان المطر قد انقطع تماما فى أثناء ظهور السيل. وإن لاح فى بدء ظهوره سيلا خفيفا إلا أنه أخذ يتزايد بالتدريج، وتدفق تدفقا مرعبا ودام مدة طويلة حتى دخل المسجد الحرام، وجاوز ارتفاع المياه العتبة العليا لباب الكعبة السعيدة بذراع واحد، ودامت الحالة هكذا مدة أربع وعشرين ساعة، وأخذ جريان المياه يقل شيئا فشيئا حتى انقطعت المياه ووجد فى ساحة الحرم الشريف ما يقرب من خمس وعشرين جثة. وكان فى ناحية المعلى شجرة جوز تحتها مقاهى متعددة، وعندما بدأ السيل وظهرت المياه تسلقها ما يقرب من مائة وخمسين نفرا من رواد المقاهى خائفين على أرواحهم من هول المنظر. وحينما اكتسب جريان السيل شدة كان فى ظل الشجرة بضعة مقاهى؛ ولكن السيل المرعب قد اقتلع الدوحة العظيمة من جذورها وجرفها إلى أمام باب الصفا، والمساكين الذين لجأوا لأغصانها حماية لأرواحهم كان مصيرهم الغرق. كما هلك غير هؤلاء كل هؤلاء الذين تصادف وجود حوانيتهم ومنازلهم على حافة جريان السيل، إذ انهدم ما يقرب من مائة وخمسين من تلك المنازل والحوانيت وفى داخلها أصحابها ولا يحصى عددهم إلا الله. وقد امتلأت البركة اليمانية الكائنة فى الجهة الجنوبية لمكة المعظمة المقدسة بجثث الدواب النافقة وقد ثبت نفوق خمسة آلاف من الحيوانات التى تصادف وجودها فى طريق السيل. وبعد انقطاع السيل المفزع فتح طريق يسمح بالطواف حول البيت وذلك بهمة والى مكة المكرمة وشهامته، واستعين بهذا الطريق لتنظيف جميع أرجاء الحرم الشريف وتطهيرها؛ إلا أن النظافة لم تصل إلى الحد المطلوب كما أن مجارى

стр. 532

السيل وقنوات عين زبيدة قد خربت تماما ولم تصلح للاستخدام، لذا أبلغ الأمر إلى السدة السلطانية لاستئذانه بتصليح ما خرب؛ فأرسل السلطان مدير أصطبلاته سليمان أغا ليقوم بالإشراف على التعمير وقد بادر المذكور بتطهير ساحة الحرم الشريف على الوجه المطلوب، كما أصلح مجرى السيل وقنوات عين زبيدة وعمقها وذلك فى سنة ١٠٩٢ الهجرية. ٢١ - السيل الثانى والعشرين الذى أضر أهالى مكة حدث فى سنة (١٢٧٨) وفى خلال أوائل سلطنة السلطان (عبد العزيز جعل الله مثواه الجنة). وبناء على بعض المعلومات المستقاة من مسنى مكة أن ذلك السيل كان أشد فزعا وهو لا من سيل عام (١٠١٢). وظهر ذلك السيل بينما كان الناس نياما فى ليلة من الليالى واجتاح الحرم الشريف وأحاط بالكعبة المعظمة هائجا مثل البحر لمدة أسبوع، وظل يتموج ولا يعرف أحد عدد الغرقى من الغرباء الذين ماتوا فى فتحة باب السلام. قد وجد فى مجرى الماء الذى يبعد عن مكة المعظمة بساعتين أو ثلاث ساعات ظهرت جثث لفترة شهرين أو ثلاثة كما أنه قد غرق فى داخل المدارس والحوانيت خلق كثير. وقد غرق جميع المساكين الذين وجدوا على الساحة المفروشة بالرخام (١) بين بابى - باب السلام - الداخلى والخارجى، ولم يبق فرد يتنفس من الناس الذين كانوا يبيتون فى داخل دكاكينهم فى سوق المسعى الشريف، أما الأشخاص الذين كانوا يقضون ليلهم تحت قباب الحرم الشريف فقد غرق أكثرهم. إلا أن قلة منهم قد تعلقوا بما تدلى من حبال من القباب فصعدوا فوقها بعد ما لقوا فى ذلك تعبا شديدا ومشقة عظيمة حتى فازوا بالنجاة. وبعد مضى أسبوع أخذت المياه تنحسر شيئا فشيئا، أما الناس شريفهم

стр. 533

ووضيعهم فشمروا عن ساعد الجد فى حماسة دافقة، وأقدموا على تنظيف الحرم الشريف وتطهيره مما جرفه السيل من الحجارة والتراب وغيرهما، وبصعوبة شديدة استطاعوا أن يطهروه فى خلال ثلاثة أشهر. قد تكون فى داخل الحرم الشريف بما جلبه السيل من الكناسة والتراب أكوام كأنها تلال وجبال هنا وهناك. وتحول كل واحد من أهالى مكة الكرام إلى فرهاد حافر الجبل (١)، إذ أخذوا ينقبون تلك الجبال والتلال ويهدمونها ويفتتونها ثم يحملون الأحجار والأتربة إلى خارج البلد. ولا يعرف عدد من مات من الناس وما نفق من الحيوانات وما محى من أموال وأمتعة. ٢٣ - وفى عام (١٢١٣) ظهر السيل الثالث والعشرون من تلك السيول التى ألفت مكة أن تشاهدها. وهذا السيل كان سيلا هائلا، وما كان شبها للسيل الذى وقع قبله بخمسة عشر عاما إذ لم يتأذ الناس بأضرار كثيرة. إذا لم يعمق طريق المسعى الشريف - وهو مجرى السيل كما ينبغى فإن ظهور السيول وجريانها سيكون شيئا طبيعيا، وكلما لاحت فى السماء قطعة من السحاب أصبح من المجرب أن يظهر السيل بعد ساعتين، وإذا ما أتى السيل نهارا لا يسبب ضررا كبيرا للناس، ولكنه إذا وقع ليلا يتسبب فى خسائر عظيمة للناس فى أموالهم وحيواناتهم.

стр. 534

وعلى ذلك فإن ما يصيب أهل مكة من أضرار من مياه سيل يتدفق فى العام مرة أو مرتين أصبح أمرا مألوفا؛ إلا أن ما سبق ذكره من سيول مثل الذى وقع فى عهد (الفاروق الأكرم) المعروف بسيل (أم نهشل) والسيل الذى وقع بعده بتسعة وستين عاما والذى عرف ب (سيل حجاف) وما ذكر من سيول وقعت فى عام ثمانمائة وثمانية وثمانين وفى عام ألف وتسعة وثلاثين وعام ألف وتسعين أضرت بأهل مكة أبلغ الضرر. ولا سيما السيلان اللذان وقعا فى عامى ١٠٩٠ و ١٢٧٨ قد تسببا فى غرق وهلاك عدد لا حصر له من الحجيج وأهل مكة. ***

стр. 535

الصورة الثانية فى توسيع حرم المسجد الحرام للمرة الثانية بعد سيل «أم نهشل» الذى سبق التعريف به آنفا بخمسة عشر عاما وفى العام السابع والعشرين من هجرة النبى. ﷺ أراد سيدنا عثمان بن عفان (رضى الله عنه المنان) توسيع ساحة الحرم الشريف أكثر من قبل وأراد شراء بعض البيوت القريبة من الحرم، إلا أن أصحاب تلك البيوت جأروا بالشكوى وألحوا فى التمسك بعدم الرضوخ لرغبة الخليفة، وأطالوا ألسنتهم بكلام مستهجن لا يليق، فجمعهم الخليفة وقال لهم: «إنما أطمعكم فىّ ما أتصف به من حلم وحياء فأخذتم تصيحون وتطيلون ألسنتكم ولم تستطيعوا أن تخرجوا ألسنتكم بالسوء فى أيام سلفى» واستمر يوبخهم لفترة ما ثم أمر بأن يحبس ويؤدب كل الذين لا يريدون تسليم منازلهم لتوسيع ساحة المسجد الحرام فجمع كل المخالفين وقبض عليهم وحبسوا. إلا أن عبد الله بن خالد تقدم بالشفاعة لدى الخليفة ووفق فى تخليص جميع المخالفين، وأدخل الخليفة الأراضى التى استولى عليها من المخالفين المذكورين ضمن ساحة المسجد الحرام، فأصبح طول الحرم الشريف (٢٨٨) قدما و (٨) بوصات، وعرضه (٢١٢) قدما و (٦) بوصات، ورفع سور الجدار الذى بناه عمر بن الخطاب وأضاف إليه كثيرا من الأسقف، وبذلك اتسعت مساحة الحرم الشريف على النحو المرغوب، وبلغت عمارة الحرم الشريف غاية كمالها، وعندما استعد للعودة جاء وفد من أهل مكة ورجوه أن ينقل الميناء الكائن فى ساحة «الشعيبية» إلى جدة إلا أن صلاحية جدة لتكون مرفأ كان لا بد من التأكد منه برؤية العين لذا تفضل بتشريف جدة بذاته ليكشف صلاحية المكان ويعاينه.

стр. 536

وقد عرف الخليفة أن شاطئ جدة أقرب إلى مكة المفخمة وطريقه خال من الخطورة، وأن جعل جدة ميناء أكثر أمنا وصلاحية من جميع الوجوه، وبعد أن أجرى فى هذا الخصوص التدقيقات والبحوث الكاملة بأن يترك تشغيل ميناء «الشعيبية» ويتخذ جدة مرفأ للسفن، وبما أن الاستحمام فى البحر كان مفيدا للجسم أمر بأن يستحم من كان معه فى البحر كما أنه بالذات! استحم فى البحر ثم عاد فى النهاية من طريق (عسفان) إلى قصر الخلافة فى مهجر النبى ﷺ وبعد هذا التعمير بفترة (١) اشترى حضرة معاوية دار الندوة وضمها إلى ساحة الحرم الشريف، وفى سنة (٧٥) الهجرية قام عبد الملك بن مروان ببعض الإصلاحات فى الحرم الشريف، وكذلك فعل ابنه وليد بن عبد الملك فى سنة (٩١) الهجرية. وقد أرسل إلى والى مكة عبد الله القسرى كثيرا من الأعمدة الرخامية، وكتب له موصيا بأن يعمر الحرم الشريف بشكل يليق بمكانته وليس هناك قبل الوليد من أرسل أعمدة رخامية لتعمير الحرم المكى. ***

стр. 537

الصورة الثالثة فى توسيع حرم المسجد الحرام للمرة الثالثة بما أن حرم المسجد الحرام قد أهمل خلال إحدى وأربعين سنة ولم يلتفت إليه بعد عمارة وليد بن عبد الملك، لذا بنيت الأسقف التى أقامها عثمان بن عفان وكذلك الأماكن التى أقامها عبد الله بن الزبير، كما بنيت الحجارة الرخامية التى أرسلها وليد بن عبد الملك، وزاد عدد أهل الإيمان فاقتضى توسيع ساحة المسجد الحرام، وبلغ الأمر إلى أبى جعفر عبد الله المنصور البغدادى؛ فما كان منه إلا أن وسع الحرم الشريف من ناحية جداره الشامى، وبدأ من حذاء المقام الحنفى إلى دار الندوة، كما وسع من جهة باب العمرة وأوصل إلى باب العمرة فى سنة ١٣٩ الهجرية. أراد أبو جعفر أن يجدد الجهة الجنوبية من الجدار الذى يتصل بمسيل الوادى؛ ولكنه تركها على حالها حينما رأى أن تعميره غير قابل للإصلاح اشترى المنازل القريبة من الجدار الشرقى وهدمها، وألحق أرضها بالمسجد الحرام وبنى فى أماكنها مئذنة لا نظير لها. وزين أبو جعفر عقب ذلك جهات المسجد الحرام الأربعة بالذهب والفضة الخالصة والفسيفساء (١) النفيسة، وفرش داخل الحطيم الكريم بالرخام المجلى، وزينه وأتم التعمير فى خلال ثلاث سنوات ثم سجل كل ما تم صنعه فى زمانه على لوحة رخامية وعلقها على كمر فوق باب بنى جمح (٢) الكائن فى ناحية باب الصفا. فى نفس العام الذى تم فيه التعمير وبلغ غايته من الكمال سافر «أبو جعفر»

стр. 538

لأداء فريضة الحج وزيارة الحرمين، ورأى ما تم توسيعه وزيادته فى حرم المسجد الحرام فعبر عن ابتهاجه وسروره البالغ. وكان أبو جعفر يتصف بصفة البخل الدنيئة، فكان يضرب به المثل فى شدة البخل إلا أنه - لحكمة ما - فاق ما قدمه من البر والإحسان جميع الكرماء الذين ظهروا من قبله إذ أكرم سكان الحرمين ومجاورى المسجدين وأحسن إليهم إحسانا عظيما (١) ثم ذهب لزيارة القدس الشريف. وكان المنصور معروفا - بجانب بخله وتقطيره - بالظلم، ويروى أنه قتل فى أثناء حكمه الذى دام اثنتين وعشرين سنة ستمائة ألف من المسلمين وأيديهم مغلولة؛ كل ذلك ليقرب الناس منه وليحطم أصحاب الثروة والنفوذ فى الدولة وليخوفهم، وفى أواخر أيامه بيت سوء النية لقتل «سفيان الثورى» - رضى الله عنه - إلا أنه عندما خرج لأداء فريضة الحج للمرة الخامسة متجها إلى مكة المعظمة ووصل إلى المكان المعطر الذى دفنت فيه أمنا ميمونة - رضى الله عنها -، أمر والى مكة بإعداد مشنقة لشنق سفيان الثورى وفعلا قد تم إعداد المشنقة واتخذت جميع تدابير الشنق. وعندما شاع هذا الخبر فى مكة كان سفيان الثورى قد امتد متوجها إلى الكعبة واضعا رأسه فوق ركبتى الفضيل بن عياض ورجليه فوق ركبتى سفيان بن عيينة. قال أحد أولياء الله المحبين الصالحين: يا سفيان قد جاء المنصور قاصدا صلبك وإعدامك ووصل إلى بئر ميمونة وكتب إلى حكومة مكة حتى تعد مشنقة لصلبك، وقد أعدت فعلا مشنقة لذلك، وإذا ما استطاع هذا العدو الحاقد أن يضع يديه على جسمك الشريف إننا نتعرض لشماتة الأعداء، ونقع فريسة للمصائب والاضطرابات فقام سفيان من مكانه منتفضا، والتصق بستارة الكعبة المعظمة وقال بصوت مرتفع «لو وصل المنصور لهذا المكان فإننى لن أذكر الكعبة

стр. 539

طول عمرى» ثم امتد مرة أخرى واضعا رأسه على ركبتى فضيل ورجليه على ركبتى سفيان بن عيينة (١). وعقب ذلك وصل خبر هلاك المنصور وهو أنه كان يركب حصانا ووقع منه، وتناولت الأفواه الخبر فى أرجاء مكة. وبما أن دعاء سفيان قد استجيب فقد تحرك المنصور من بئر ميمونة ووصل إلى «الحجونين» الكائن بين جبلين حذاء مقبرة المعلى وسقط من فوق حصانه على عنقه ومات متأثرا بذلك. يقول مؤلف (لطائف الأخبار) عمر بن فهد: ولما كان المنصور متسلطا على الناس يضطهدهم؛ خاف رجال السلطة من انتقام الشعب من جثته وأمروا بحفر مئة قبر ودفنوه فى القبر المائة، وأخفوا عن الناس القبر الذى دفن فيه وكتموا أمره. وكان سبب رغبة المنصور فى إعدام حضرة سفيان واستثقاله ما وجهه إليه من النصائح والوصايا. اتفق ذات يوم أن التقى سفيان بالمنصور فى (منى) (٢) وقال له «يا منصور اتق الله رب الكائنات واذكر ما رفعك إليه من منزلة، لقد بلغت هذه المنزلة العالية بفضل سيوف المهاجرين والأنصار وأولادهم وأحفادهم وما بذلوه من جهد، والآن قد عصفت بهم صروف الدهر، وأما أنت فشحيح ممسك (٣) ولم يستطع عمر بن الخطاب أن ينفق أكثر من خمسة عشر دينارا فى أثناء حجه، ومثله مثل الحجاج قد قنع بالجلوس تحت ظل شجرة، وأنا أعرف أن الرجل الحق هو من إذا ما ازدانت ذاته بالعلم والعمل أصلح حال الأمة وهذا الرجل هو من أتجه إليه بالخطاب فرد عليه المنصور فى حدة وغضب «هل تريد أن تساوى نفسك بى» فأجابه الشيخ قائلا «لا، لا يجب أن تكون فى منزلة أقل مما أنت فيها وأنا فوق ما أنا عليها» فطرده المنصور من مجلسه.

стр. 540

سفيان الثورى: إنه سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الكوفى من قبيلة «ثور» بن عبد مناة بن أد بن طابخة، ويكنى بأبى عبد الله، ولد فى السنة الخامسة والتسعين الهجرية، واستجاب لدعوة ربه فى سنة مائة وستين، يروى أنه دفن فى البصرة إلا أن قبره فى النجف الأشرف، وبناء على هذا يقتضى وفاته فى النجف الأشرف رحمة الله عليه. (١) ***

стр. 541

الصورة الرابعة فى توسيع المسجد الحرام وتزيينه للمرة الرابعة قد وسع المسجد الحرام للمرة الرابعة «محمد المهدى العباسى وذلك حينما رأى فى أثناء حجه أن المسجد الحرام فى حاجة إلى التوسيع. وقد سافر بنية أداء الحج وزيارة الروضة النبوية المطهرة، واتجه إلى الحجاز الجالب للفيض الإلهى والمغمور بالغفران، وعندما وصل إلى مكة المكرمة أقام فى «دار الندوة» الخاصة بالخلفاء العباسيين، وهناك اطلع على أن الحرم الشريف فى حاجة للتوسيع والتعمير وظهرت لديه الرغبة فى إجراء ذلك. وفى أثناء ذلك شرف بالمثول بين يديه عبد الله بن عثمان بن إبراهيم من خدم الكعبة المعظمة. وقال له «يا مولاى: أريد أن أقدم لك هدية لم تقدم لأحد من الخلفاء قبلك، وقدم له حجر (مقام إبراهيم) المبارك لأجل زيارته. سر (المهدى) من صنع (عبد الله بن عثمان) فأمسك بالحجر الشريف ومسح به عينيه ووجهه ثم قبله. ثم أمر أن يملأ أثر القدم فوق الحجر بماء زمزم وشربه، ثم بعث بالحجر الشريف إلى قصر حريمه فتشرفن برؤيته والتبرك به، ثم أعاده إلى عبد الله بن عثمان ليعيده إلى مكانه. وعقب ذلك مثل بين يديه بعض الأشخاص من كبار خدمة البيت وقالوا له «مولاى! كثرت الكسا على كعبة الله، ومن المحتمل أن تنهار جدران الكعبة تحت ثقلها» وكأنهم كانوا يلوحون بأنه قد حان وقت تغيير الكسوة وتجديدها. فأمر الخليفة بإزاحة ما تراكم على الكعبة من أكسية، ثم أمر بتعطير الكعبة بدء من أسطحها وداخلها وخارجها بالمسك والعنبر والعطور الأخرى، ثم ألبسها بثلاث طبقات من كساء ذا بهاء، ثم أمر بأن تبدل سلاسل القناديل التى فى داخل

стр. 542

كعبة الله بالذهب، ثم قدم عطايا وفيرة ثم اشترى المنازل التى بين المسجد الحرام والمسعى الشريف، وأمر بأن تلحق بالحرم الشريف وعاد. وبناء على ما يرويه المؤرخون الذين اهتموا بما وزعه المهدى وأعطاه لأهل مكة من العطايا الملكية ونوعها ومقدارها فى ذلك العام إذ أنفق الخليفة فى تلك السنة ستمائة ألف ذهب جعفرى. وثلاثة ملايين درهم وخمسة عشر ألف ثوب من الثياب البغدادية الفاخرة وحمل خمسمائة جمل من الثلج والجليد، وهكذا حرر كل أهل مكة مما أثقلهم من الفاقة والخصاصة. إن الشخص الذى عين فى مديرية بناء الحرم الشريف للقيام بإنجاز الأمر الصادر من قبل المهدى، استدعى أصحاب البيوت التى يقتضى هذا الأمر شراؤها، بعد عودة الخليفة وأوصاهم بأن يدفع لهم مقدار ثمانية وخمسين ألف مثقال من ذهب، ثم هدم المنازل المشتراة وضم عرصاتها إلى الحرم الشريف، وهكذا وسع الجدار الغربى للحرم الشريف إلى باب العمرة والجدار الجنوبى إلى «قبة الشرابة» المعروفة بقبة العباس وذلك فى سنة (١٦١ هـ). وإن كان متولى أمر البناء يرغب فى توسيع الجهة الجنوبية من الحرم الشريف أكثر، إلا أن المكان الذى يلزم إلحاقه كان متصلا بمسيل الوادى ولما كان إرساء الأساس فى مجرى السيل من الصعوبة بمكان فلم يستطع توسيعه، ومع هذا قد اتسع ما بين كعبة الله المعظمة وجدار الحرم الشريف الجنوبى قدر (٦٣) قدما. بعد ما أتم متولى أمر البناء جلب كل ما ينقص الحرم الشريف من مصر جلب أربعمائة وثمانين عمودا حجريا، وركزها فى الأماكن الخاصة وصنع فوقها أربعمائة وثمان وتسعين قبة، وهكذا أحكم قبب الحرم الشريف التى تحيط به. ثم أنشأ بين المسعى اللطيف والحرم الشريف بقعة غاية فى الزينة التى تعرف «بدار القوارير» وفى ختام التعمير عرض الأمر على مقام الخلافة العالى.

стр. 543

وكان قد بقى ميدان صغير عقب التعمير بين المسجد الشريف والمسعى اللطيف، فأخذ جعفر بن يحيى البرمكى وزير «هارون الرشيد» عهدة هذا الميدان، وفيما بعد استقطع عدة بيوت ومساكن ثم ساحة (دار القوارير) وأقام فى المتسع دارا منقطعة النظير. وبعد مدة انهارت كل هذه المبانى ما عدا دار القوارير. واندرست أسسها وضاع أثرها وأقيمت فى مواضعها ربط حصينة، كما أن هذه الربط انهدمت على مر الزمان، ولكن السلطان (قايتباى) المصرى ابتاع هذه الربط بتمامها وهدم ما تبقى من آثارها، وبنى المدرسة والرباطان اللذان ينسبان لاسمه، وبنى بعض العقارات وأو وقف ريعها للإنفاق على ترميم المدرسة والرباط المذكورين وتعميرهما. والبيت الأنيق الذى بنى على أرض دار القوارير انتقل بمرور الزمان ليد جواد البربرى، وفرش جواد داخل ذلك البيت وزينه بالزجاج الملون، كما زين خارجه بالرخام المصقول المختلف الألوان، لكن ذلك البيت فقد قيمته بوفاة جواد، وانتقل المنزل من يد لأخرى ثم انهار وبنى مكانه الربط والمدارس. ولما أبلغ متولى أمر المبانى (المهدى) بإتمام تعمير المسجد الحرام؛ رغب الخليفة فى زيارة أبنية المسجد الحرام الجديدة، وتوجه إلى مكة المعظمة ورأى أن ناحية مسيل الوادى لم توسع، وأن هناك فاصلة كبيرة بين البقعة المقدسة لبيت الله وبين الجدار الجنوبى للحرم الشريف، ورأى أنه إذا ما وسعت هذه الجهة سيضيف هذا إلى المسجد رونقا وجمالا زائدا، وستتوسط الأبنية المربعة للبيت الأعظم مساحة مسجد الحرام، واستدعى الموكلين ببناء المسجد، وأطلعهم على ما يجول فى خاطره وأمرهم بأن يجددوا ذلك المكان وفق اقتراحه ورأيه؛ ولكن متعهدى البناء قالوا إذن يجب أن تهدم جميع البيوت التى على الضفة المقابلة لمسيل الوادى، ويحفر مجرى آخر ويضم المسيل القديم كلّه إلى الحرم الشريف، وهذا الأمر فى منتهى الصعوبة بل مستحيل. لأنه يلاحظ أن السيول التى سترد من وادى إبراهيم ستهدم جميع الأبنية

стр. 544

الجديدة التى ستبنى بعد تغيير المجرى من أساسه، وستدخل المسجد الحرام وتخرب جدرانه؛ لهذا يجب شراء منازل كثيرة أخرى وهدمها حتى ترسى أسس جدران مجرى السيل الجديد، وهذا يقتضى مصروفات باهظة ونفقات لا تعد ولا تحصى. وأرادوا أن يعلقوا رغبة المهدى إلى المستحيل بمثل هذه المغالطات الفكرية. إلا أن (المهدى) أصر على رأيه وأكده قائلا: «إن التفكير فى النفقات من شأنى أنا وعليكم أن تبادروا من الآن أن تقوموا بعمل ما بينت لكم فقوموا بتقدير مساحة الموضع ووفقا للخريطة التى سترسمونها» وقد رأى القائمون بالبناء أن الخليفة لا ينثنى عن رأيه، فوجدوا أنفسهم مضطرين للقيام بالقياس، فركزوا الأعمدة فى المواضع التى ينبغى تركيزها فيها ومدوا الحبال. وعينوا مقدار توسيع الحرم الشريف، ثم قدموا كل ما قيدوه فى مضابطهم مع الخريطة التى رسموها للموقع إلى الخليفة، ثم صعد الخليفة فوق جبل أبى قبيس ورأى أن أبنية الكعبة المعظمة قد توسطت الأعمدة التى ركزت وحددت بالحبال، أى أن الكعبة أصبحت فى وسط المسجد الحرام كما رأى عدد البيوت التى ستشترى وتهدم، ثم أمرهم بأن يبادروا فى تجديد الجدار بموجب خطه فى الخريطة، ثم عاد. وبناء على هذا جلب العدد الكافى من العمال وشرعوا فى شراء المنازل التى توجد فى الأماكن التى يلزم ضمها وإلحاقها بالمسجد الحرام، وهدمت تلك المنازل، وهكذا وسعوا المسجد الشريف من باب (هاشم) إلى باب (أم هانئ) وبهذا أصبحت الفاصلة بين الكعبة المعظمة والجدار الجنوبى لحرم المسجد الحرام (١٢٧) قدم وست بوصات. قد تمت هذه العمارة فى ظرف أربع سنوات كاملة، وكان فى ضمن البيوت التى اشتريت (دار أرزق) ودار (خيرة بنت سالم الخزاعى) وبيت (جبير بن

стр. 545

مطعم) ودار (شيبة بن عثمان) وقد ضمّت أراضيها إلى ساحة الحرم الشريف ذات الفيوضات، وهكذا وصلت الفسحة، ووسع الحرم الشريف بهذا القدر. إن بنيان وتعمير الخليفة المهدى وصل إلى غايته وانتهى قبل أن ينتهى تعمير أبنية المسجد الحرام؛ إلا أن ابنه حينما اعتلى كرسى الخلافة وهو (موسى الهادى) أمر بإتمام تعمير أبنية المسجد الحرام، واستعجل ذلك فتم البناء فى أواخر سنة (١٦٩) (١). ***

стр. 546

الصورة الخامسة فى شتى ضروب تعمير المسجد الحرام وتزيينه العرض والبيان الباب المعلا - خلعت عضادة باب كعبة الله المكفت بالذهب بمعرفة الحكومة، فى عهد الفتنة التى قامت عام ٢٥١ هجرية، وألواحه الذهبية كذلك فى عام ٢٦١ هجرية وصرفتها للإنفاق منها للقضاء على الفتن والاضطرابات، وقد حفر جب عميق فى الجاهلية لتحفظ فيه الأموال والهدايا الثمينة المرسلة من قبل أكاسرة الفرس وملوكهم تعظيما للكعبة وتفخيما لها بغية حمايتها من نهب الأشرار المغيرين ثم غطى الجب. وكما أن المجوهرات الثمينة المتنوعة المهداة منذ عصر إبراهيم (عليه الصلاة والتسليم) وضعت فى داخل هذا الجب إلا أن هذا الجب لم يكن (الأخسف) الذى حفره إبراهيم ﵇ بل كان حفرة أخرى، فى داخل كعبة الله. وقد عثر عليه قائد المجاهدين ﵊ فى عام الفتح وأمر بفتحه، وأخرج منه أشياء ثمينة من ذهب وغيره لا تعد ولا تحصى من هدايا الملوك والأمم. واستصوب أن تحفظ في خزينة بيت الله الأعظم وكان مقصد سلطان الأنبياء من هذا تعليم أمته أنه يجب ألا تمتد الأيدي على أموال كعبة الله. كما أنه هدم بيت الله وبناه من جديد ليؤلف قلوب قريش. قد استصوب حيدرة (١) الكرار ﵁ استخراج تلك الأموال وإنفاقها في أمور الجهاد، وكان ذلك في أول مرة في عصر النبوة السعيدة وفي المرة الثانية في عهد الصديق ﵁ واضطر أن يسكت إذ أخذ الرد بالنفي من كليهما.

стр. 547

وأراد الفاروق الأعظم في عهد خلافته أن يقسمها بين المسلمين وأن يوزعها عليهم إلا أن أبا شيبة بن عثمان ﵁ المنان - قال له: «يا عمر: كيف تتنكب أثر النبي الكريم والصديق المحترم؟ وقد نبتا في حياتهما على الاحتفاظ بتلك الأموال فى خزينة بيت الله «فصدق على قوله قائلا: «إنهما قدوة الأنام وإمامان واجبا الاحترام ويجب علينا أن نقتدي بآثارهما «وقرر على حفظ تلك الأموال فى خزينة كعبة الله. وفي الواقع لم تمتد يد إلى خزانة بيت الله فترة طويلة بناء على القرار السابق، ولكن وآ أسفاه أن الثائر «حسين الأفطس» (١) هجم على مكة المشرفة واستولى عليها بتحريض خبيث من بعض السفلة وأخذ الأموال المحفوظة في خزينة بيت الله منذ الفتح قائلا: ما جدوى هذه الأموال للكعبة؟ إننى سآخذها وأنفقها فى أمور الجهاد، ثم ابتدر في تبذيرها وتوزيعها كما يحلو له منذ ذلك الوقت انقطع إرسال الهدايا إلى خزينة بيت الله من قبل الملوك إذ غلبت عليهم فكرة ظهور غاصب آخر يستولى على الهدايا المرسلة لبيت الله المعظم. وبعد نهب حسين الأفطس الأموال التي كانت مدخرة في خزينة بيت الله المعظم وإنفاقها باثنين وخمسين سنة بعد هذا الحادث، ظهرت فتنة إسماعيل السفاك. قد رفع السفاك المذكور علم العصيان بغتة وهجم على مكة ففرّ واليها ثم اقتحم مقر الحكومة ونهب كل ما يخص من أموال الوالى وأتباعه وأشياعه وكسوة كعبة الله وخزينتها وجمع من الأهالى مائتى ألف قطعة ذهبية بالقوة واتجه إلى دار الهجرة وهو يقصد قتل حاكم المدينة المنورة إلا أن الحاكم قد عرف قدومه فاختفى عن الأعين فعاد السفاك يائسا آيسا إلى مكة حيث ضيق على أهلها وحاصرهم فكان سببا فى موت كثير من الأبرياء من العطش والجوع. وأغار فى فترة ما على جدة ونهب أموال التجار وتجرأ على أن يقطع طريق مكة وأن يعلن الحرب على الحجاج الذين ذهبوا إلى عرفات لأداء شعائر الحج وقتل منهم ألف

стр. 548

ومائة نفر فاستشهدوا وهم يلبسون ملابس الإحرام. ونهب أموال المسلمين الذين لجئوا إلى قمم الجبال فى هذه الاضطرابات والفتن فى سنة (٢٥١)، أما المسجد الحرام فقد أهملت العناية به بسبب هذه الاضطرابات إحدى وعشرين سنة، وبناء على هذا ظهر الخلل المفضى إلى الانهيار فى الجدار للمسجد الحرام، كما أن البيت الذى أقامته السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد قد تقادم وأوشك على الخراب، وكانت هذه الدار متصلة بالجدار الغربى للحرم الشريف وبدا فيها البلى جليا، مما أفضى إلى انهياره بغتة فتسبب بذلك فى هدم الجدار الغربى للحرم الشريف وخربه فمات تحت أنقاضه عشرة أشخاص. وقد بلغ الأمر لحكومة بغداد بالتفصيل، وحينئذ أمر الخليفة (الموفق بالله العباسى) بهدم الجدار من أساسه ليقام من جديد كما ينبغى أن يكون وذلك فى عام ٢٧٢. أما (دار الندوة) التى أقيمت لسكنى خلفاء بغداد فيها، فأصبحت ميدانا تراكم فيه القمامة بعد أن تهدمت وأصبحت أطلالا مستقبحة المنظر وكان السيل الذى يأتى بين الفينة والفينة تتجمع مياهه فى ذلك الميدان وتجرف معها الكناسات إلى ساحة المسجد الحرام فتملؤها وتفسدها، كما أن سقوف الحرم الشريف تقادمت وقد امتزج المطر فى أماكن مجرى السيل، وعلت فأصبحت مياه السيل تفيض وتدخل فى داخل الحرم الشريف وتزيل حصى جدران الكعبة الداخلية وفسد الرخام على سطحها حتى أصبحت إقامة الصلاة فى داخل المسجد الحرام فى حكم المستحيل. إن اللوحة الفضية المزخرفة التى ألصقت بدلا من اللوحات الذهبية لباب كعبة الله ذات الفيوضات التى كانت قد انتزعت من قبل واستخدم ثمنها لدفع الفتن والزخارف الثمينة قد محيت فى أثناء تضرعات الحجاج وتوسلاتهم فأصبح أعلى الباب فى لون وأسفله فى لون آخر، كما فسد رخام الحطيم وأرضية المطاف الرخامية كذلك داخل البيت الحرام وخارجه وجميع جهات ساحة المسجد الحرام قد تضررت.

стр. 549

قد أخبر الشريف عج ابن حج بالاتفاق مع (محمد بن عبد الله) شيخ مكة المعتمد بالله العباسى بجلية الأمر كما ابتدر بعض خدمة كعبة الله بالذهاب إلى بغداد وبينوا الوضع شفهيا للخليفة وأوضحوا له أن هذه الحالة تدمى قلوب أهل الإيمان، وأنه إذا ترك الحال كما هو فالمظنون أنه سيفتح بابا لمصروفات كبيرة فى الأيام القادمة. وكان لهذا القول أثر كبير فى نفس الخليفة، فأمر بتعمير الأماكن المتضررة من المسجد الحرام وكذلك البقعة المقدسة لكعبة الله وهدم دار الندوة وبناء مسجد مكانها كما أمر بحفر وتطهير مجرى السيل المتصل بالجدران الشرقية والجنوبية، حتى يصل إلى عمقه القديم وذلك لحماية الحرم الشريف من مياه السيول التى يتوقع حدوثها. وبعث مبالغ طائلة مع مندوب خاص له. وبمجرد ما وصل رجال الخليفة من بغداد إلى مكة ابتدءوا فى تعمير المسجد الحرام فى خلال سنة (٢٨١). وغطوا باب كعبة الله بصفائح ذهبية خالصة العيار كما كان من قبل. ثم أخذوا فى حفر الأماكن التى سبق شرحها. ثم حفروا سبعة أدراج من السلم المطل على مجرى السيل والتى كانت قد غاصت فى الطين إلى أن ظهر الدرج الأخير. ثم هدموا أبنية دار الندوة وبنوا فوق أرضها مسجدا منفصلا ثم قسموا الجدار الذى ظل بين هذا المسجد والمسجد الحرام وفتحوا ست بوابات كبيرة الارتفاع كل واحدة منها سبعة عشر قدما وعرضها سبعة أقدام وبوصة واحدة، كما فتحوا أبوابا صغيرة بين كل اثنين من البوابات ارتفاع كل واحد منها أحد عشر قدما وأربع لنيات وعرضه ثلاثة أقدام وثلاث لنيات. وفتحوا للخروج من مسجد الندوة بابين بابا من جانبه الشمالى وبابا واحدا من جانبه الغربى ثم غطوا فوق الأبواب بأسقف عالية وأروقة معينة ثم صنعوا له مئذنة. إن هذا التعمير قد اكتمل سنة (٢٨٤) وظل شكله كذلك اثنتين وعشرين سنة، ولكن رئى مؤخرا أنه يوضع بشكل أجمل وبناء على الأمر الذى صدر من دار الخلافة إلى والى

стр. 550

مكة المعظمة القاضى محمد بن موسى بتجديد مسجد دار الندوة فقام به، كما عمر وقوى كمر الأبواب التى فتحت فى جدار الحرم الشريف، وقد فعل ذلك بحيث يمكن لمن يقف فى داخل الأرض الزائدة عن دار الندوة يستطيع أن يرى الكعبة المعظمة بكل سهولة. ثم ركز أعمدة مستديرة مصنوعة من الحجارة السوداء المنحوتة، وربط ما بين الأعمدة بالأكمار القوية المستحكمة وصنع سقفا منقوشا من خشب الساج الملون بألوان مختلفة، وضم مسجد دار الندوة لساحة المسجد الحرام فى سنة (٣٠٦) وإن ظل الحرم الشريف إلى عهد المقتدر بالله على شكله الذى عرفناه دون زيادة أو نقصان ودون تغيير أو تبديل. إلا أن الخليفة المشار إليه اشترى الأرض الزائدة عند باب إبراهيم عند استعلائه العرش. وضمها للحرم الشريف ثم أنفق لسكان الحرمين المحترمين من الزوار (٣١٥٤٢٦) عددا من الذهب الفيلورى (١) ثم اتخذ لنفسه عادة إرسال ذلك القدر من الصرة كل عام سنة ٣١١ (٢). زيادة: إن باب إبراهيم منسوب إلى شخص اشتغل بالخياطة ويسمى «إبراهيم» كان لهذا الشخص بجانب الباب المذكور حانوت كبير نوعا ما وكانت شهرته فى صنعته ذائعة. وقبل أن تلحق الأرض الزائدة لباب إبراهيم كان هناك قرب (باب حزورة) باب (الخياطين) المتصل برواق الحرم الشريف، وكان بجانب هذا الباب بابان شهيران باسم (حجج) وكان خارج هذين البابين دار السيدة (زبيدة) زوجة هارون

стр. 551

الرشيد. ومع مرور الزمن قد مال ما بين منازل زبيدة وباب حجج للخراب، وقد تهدمت تلك الأماكن فى عهد الدولة العثمانية الباعثة للتعمير، واتخذت شكلا آخر ولم يبق الآن أثر لأى من دار السيدة زبيدة ولا من الميدان الواسع الذى سبق ذكره. انتهى. وظل الحرم الشريف بعد تعمير المقتدر بالله العباسى ما يقرب من خمسين عاما على نفس الحالة. وفى خلال هذه المدة لم تمتد يد التعمير إلى الأماكن التى تحتاج إلى الإصلاح، فتلف معظم رخام المطاف فاستحالت الصلاة عليه، كما لم يكن فى الإمكان السير عليه، لذا بدل معظم رخام المطاف الشريف فى عهد المستنصر بالله العباسى وعمر تعميرا جيدا ثم كتب فوق قطعة رخام هذه السطور: (بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمارة هذا المطاف الشريف، سيدنا ومولانا الإمام الأعظم مقتضى الطاعة على سائر الأمم أبو جعفر منصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، بلغه الله آماله وزين بالصالحات أعماله، وذلك فى شهور سنة إحدى وستين وثلاثمائة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). ثم علقت وألصقت على الجدار الشرقى الملاصق لحفرة مقام جبريل والكائن فى جهة مقام إبراهيم لكعبة الله. فى سنة ٣٦١. وبعد مرور ست سنوات على العمارة التى قام بها المستنصر بالله العباسى وفى عام ٣٦٧ هـ بنى فاعل خير يسمى الأمير شرف الدين على يمين الداخل من باب السلام مدرسة لا عيب فيها وألحق بها دار كتب وملأ أصونتها بكتب متنوعة لا حصر لها (١). وفى سنة ٥٤٢ أصلح المقتفى بالله العباسى السلم الذى يؤدى إلى سطح

стр. 552

الكعبة المشرفة. وبعد عشرة أعوام من تعمير الخليفة المقتفى بالله تقادم باب الكعبة وانكشفت أخشابه واستوجب الإصلاح. وفى خلال عام ٥٥٢ أمر الخليفة المقتفى بالله بتغليف الباب المذكور وتزيينه بصفائح الذهب والفضة وبسبب الزلزال الذى وقع بعد سبع سنوات تعرض الجدار اليمانى لبيت الله المعظم للسقوط والانهدام فبادر المستنجد بالله بن المقتفى بالله بإصلاحه وتعميره فى سنة ٥٥٩. وقوع حريق فى الحرم الشريف للبيت العتيق: فى ليلة السبت من أواخر شهر شوال عام (٨٥٢) هجرية اندلعت النار فجأة من غرف رباط رامشت المتصل بباب حزورة وباب زيادة إبراهيم، وامتدت النار إلى جهة الشمال والغرب للحرم الشريف، وأحرقت سقوفه مع (١٣٦) عمود من الأعمدة الرخامية، وانطفأت النار بجانب باب العجلة، لأن السيل الذى حدث قبل الحريق المذكور قد دخل فى المسجد الحرام وأوقع كمر عمودين صلبين عند الباب السالف الذكر وخربه فحدث فاصل كان سببا فى انطفاء الحريق، ولو لم يكن ذلك الفاصل موجودا كان من المحتمل أن يستمر الحريق ويمتد، وأبدى موظفو الحكومة وأهل البلاد همة عظيمة فى إخماد الحريق ولكن جميع الجهود ضاعت سدى ولم تنفع فى إخماد الحريق، ولم تعد الأماكن المحترقة صالحة لأداء الصلاة فامتنع المصلون عن الصلاة فى تلك الأماكن مدة طويلة. ويرى بعض المدققين أن ظهور السيل العظيم الذى هدم العمودين بالقرب من باب العجلة محدثا الفجوة التى سبق ذكرها كان مقدمة لهذا الحريق؛ لأن هذا السيل بدخوله الحرم الشريف ارتفع إلى محاذاة القناديل المعلقة بالأعمدة التى تحيط بالمطاف الشريف، ودخلت المياه فى داخل البيت الحرام من خلال مصراعى باب الكعبة وأسقط العمودين بكمرهما بالكائنين بجانب باب العجلة كما خرب كثيرا من البيوت الرصينة فى داخل المدينة، وقد سكت بعض المؤرخين عن تعيين سبب الحريق، وقال بعضهم إن أحد سكان رباط رامشت أوقد مصباحه وخرج خارج حجرته، وعقب ذلك ظهرت نار من تلك الحجرة، وأحاطت بالأطراف

стр. 553

وأحرقت الحرم الشريف، وإذا نظرنا لهذه الحالة فعلينا أن نفهم أن فأرا قد حمل فتيل ذلك المصباح المشتعل وتسلق سقف الحجرة وانتشرت النار من ذلك الفتيل إلى أطراف السقف وتسبب فى الحريق. تجديد المسجد الحرام: ذاع خبر الحريق فى جميع البلاد الإسلامية وتأثر الجميع من هذه الواقعة التى تنفطر لها الأفئدة، فلما سمع بذلك الملك الناصر أبو السعادات فرج بن برقوق وهو من ملوك الشراكسة فى مصر أراد تجديد الحرم الشريف وإصلاح أماكنه الأخرى؛ فعين الأمير ببسق الظاهرى أميرا للحج، وعهد إليه بوظيفة أمانة الأبنية المقدسة السامية وأرسله إلى مكة المكرمة فى سنة ٨٠٣. ووصل الأمير ببسق إلى مكة المكرمة وقام بتنفيذ ما عهد إليه فأمر بتطهير ساحة المسجد الحرام وتنظيفها وكذا الأماكن التى تعرضت للحريق وتعميق حفر الأسس، ثم بادر إلى جلب ما تمس الحاجة إليه من الأحجار والأخشاب، وأسرع بتجديد البناء وتحتم تجديد الجدران فى أواخر عام سنة ٨٠٤ هـ، وفى ظرف ثلاث أعوام أتم تجديد السقوف ثم أخذ يجدد السلاسل التى تعلق بها القناديل وفعلا علق القناديل التى أعدها من قبل، ثم أصلح وعدل مقامات الأئمة الأربعة (١) والمواقع التى تحتاج إلى التعمير على خير وجه، ثم عاد وكان قد جلب الأخشاب التى استخدمها لإصلاح السقوف الشريفة من قاهرة مصر فى سنة (٨٠٧). وكان الأمير ببسق المصرى قد ترك أرض «رباط رامشت» المحترق على حاله

стр. 554

وإن كان بقاء هذه الأرض المحترقة فى حالة خراب سيؤدى إلى أن تكون مقلبا لقمامة الحوانيت التى حولها، كما أنها ستحول دون النظام والنظافة المرجوان فى مكة المكرمة، فأراد الشريف حسن بن عجلان أن ينظم أزقة مكة المكرمة على قدر المستطاع. كما أنه جدد الرباط المذكور وطهر جوانبه ونظفه رغبة فى البر والخير ولإيواء المحتاجين والمجاورين، ثم جعله وقفا لسكنى الغرباء فى سنة (٨٠٧). كان السلطان غياث الدين المعظم أرسل النقود التى صرفها الشريف ابن عجلان مع رسول يسمى ياقوت وأمره بصرف جزء منها فى إنشاء مدرسة ورباط والتصدق بالجزء الآخر على الفقراء، وكان مع ياقوت هذا رسالة موجهة إلى الشريف حسن بن عجلان يبين فيها السلطان أن ياقوت قد ألحقه بمأمورية خاصة، كما أنه قد أذن له بإنفاق النقود التى أرسلها، ولما وصل ياقوت إلى مكة المعظمة أعطى الرسالة المذكورة إلى الشريف حسن بن عجلان، كما أنه ترك النقود التى رخص له بإنفاقها أمام الشريف الذى نحى ثلث النقود جانبا ووزع الباقى على الفقراء. وبنى ياقوت بالثلث الموقوف من النقود مدرسة ورباطا، وعين أربعة من علماء المذاهب الأربعة مدرسين على ستين طالبا من الذين اختارهم وهيأ لهم جميع ما يحتاجون إليه من المعونات. كما أنه أصلح طرق «عين بازان» والبركة الخربة فى المعلى وأجرى مياه العين المذكورة إلى هذه البركة؛ وذلك وفق تعليمات شهاب الدين الذى عينه الشريف حسن مساعدا له. ويروى أن الشريف حسن بن عجلان أخذ من ياقوت لبناء الرباط والمدرسة باسم السلطان غياث الدين سبعة آلاف مثقال من الذهب، كما أخذ لتعمير العيون خمسة آلاف مثقال من الذهب، كما أنه استولى على الصدقات التى أرسلت إلى أهالى المدينة المنورة.

стр. 555

وسبب ذلك إصرار محافظ المدينة ألا يكون تحت إمارة الشريف وفق الأصول الجارية فى ذلك العصر. ومن عادات زمن إمارة الشريف حسن بن عجلان أن يأخذ ربع الأموال والأمتعة التى يمكن إخراجها إلى البر من السفن التى ترسو على الشاطئ فى سواحل جدة والشعيبية ويقتسمها مع الأشراف. إن السفينة التى كانت تحمل الأموال التى بعثها الملك غياث الدين الأعظم قد تعرضت لحادث إلا أنه أمكن إنقاذ معظم حمولتها، وأخذ حسن بن عجلان ربع الأموال التى أنقذت وفقا لعادات ذلك الوقت، إلا أنه اغتصب جميع الأموال التى أرسلت إلى دار الهجرة، وهكذا ظلم أهالى المدينة المنورة وغدر بهم. إن تجرؤ الشريف حسن بن عجلان على التصرف بشكل يخالف عادات الأشراف كان سببا فى عصيان محافظ المدينة المنورة السيد حجاز وطغيانه، ولكن لشدة الأسف أن هذا العجلان قد كان سببا فى خذلان عامة أهل المدينة، وبعد مرور أربعة أعوام على تجديد هذا الرباط انهارات قنطرة المروة فأصلحها الناصر فرج الذى كان من ملوك الشراكسة فى مصر وفق طرازها القديم فى سنة (٨١١) هـ (١). ***

стр. 556

] في العام الذي انهار كمر المروة وسقط اشترى ملك البنغال الشاه غياث الدين بن إسكندر الأعظم منزلين متصلين بباب أم هانئ، وأسس أربعة مدارس مكية من أجل علماء المذاهب الأربعة، ورتب لها وقفا لشراء كثير من العقارات، وعين لكل مدرسة مدرسا من المذاهب الأربعة وخمسة عشر طالبا لكل مدرسة، وتكفل بإعاشتهم. وأصلح طرق عين عرفات وعين بازان وبركة المعلى ونظفها كما ينبغي فأجرى المياه إلى مكة المكرمة في سنة ٨١١. فائدة: إن بلاد البنغال الآن من مستعمرات إنجلترا الشرقية وتقع بين خطي عرض (١٦) و (٣١) شمالا وبين خطي طول (٤٧) و (٩٦) شرقا ومساحتها (٣٥٨٧٦٩) ميلا مربعا، وعدد سكانها (٩٧١٠٠٠) وهي ولاية كبيرة ومهمة، وتنقسم إلى ثلاث أقسام (العليا، الوسطى، السفلى)، وتشمل مدنا كثيرة مثل كلكتا، باتنة، مرشد اباد، دكاو، بناري، بريلي، عصم واراقان، وتحد البلاد المذكورة شمالا نابول والبوتان، وشرقا عصم وجنيخ، وجنوبا خليج البنغال وأجزاء من ممالك أوربا، وأراقان، كما تحدها من الغرب ولاية بهار التي تحيطها بأراضيها، كما أن نهر غنخ يفصل هذه البلاد من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. مدينة كلكتا وهي حاضرة بلاد البنغال ومقر حكومة الهند، وفي الجهة الشرقية من وادي حو تملي الفرع الغربي لنهر غنج، وتبعد عن شاطئ المحيط بما يقرب من مائة ميل، ويبلغ عدد سكانها (٧٠٠٠٠٠) نسمة وفق الإحصاء الذي أجري سنة

стр. 557

(١٨٤٢) الميلادية، ولذا سميت هذه المدينة الشهيرة قالكوتة لوجود كوتة معبد الهنود الشهير فيها والذي يضم في داخله الصنم المسمي ب «قالي» من الهة الهندوس القديمة، من هنا اقتضي إطلاق اسم قالكوتة على المدينة. انتهي. وبعد سقوط كمر باب المروة بثلاث سنوات أصلح سطح بيت الله وبعض المواضع من المسجد الحرام في عام ٨١٤، وذلك لأن سطح كعبة الله المقدسة وكذلك أماكن كثيرة من المسجد الحرام آلت إلى الخراب. ولما لم يعمر سطح بيت الله الحرام منذ (١٥٣) عاما لحق به الخراب إلى حد بعيد، وبهطول الأمطار أخذت المياه تنفذ داخل الكعبة من بعض مواضع السطح؛ لذا أصبح لزاما أن تمتد يد الإصلاح والتعمير إلى معظم مواضع الحرم الشريف، واقتضى الأمر إلى معاينة سطح الكعبة والمواضع التي ينبغي إصلاحها في المسجد الحرام فتم الترميم والإصلاح على الوجه المطلوب. وبعد مرور سنة على ذلك الترميم تعرضت المدينة المقدسة إلى القحط واكتوت بناره، وقد وصل ثمن حمل بعير متوسط من الغلة إلى عشرين قطعة ذهبية، وبيع البطيخ الواحدة بقطعة ذهبية وذلك في سنة (٨١٥). عجيبة: حدث في أواخر شهر ذي الحجة أن حمل أحد الجمالين الذي عرف بتحميل جمله حملا فوق طاقته والذي كان يلقب ب «القارونى» أراد الجمل أن يتخلص من ظلم صاحبه، وبطريقة ما دخل إلى المسجد الحرام وأخذ يدور ويطوف ببيت الله (١) وقد طاف حول كعبة الله المعظمة إحدى وعشرين مرة، ومسح وجهه

стр. 558

بالحجر الأسود ثم وقف أمام المقام الحنفي أي حذاء الميزاب الذهبي فترة ما، ثم برك على الأرض وأسلم روحه وهو يسكب دموعا مثل حبات الحمص. قد أثار الحدث عجب الناس وحدتهم، وشد انتباههم ثم رفعت جثة الجمل ودفن في مكان في شارع المروتين أي في محل وسط المسعى الشريف وذلك في سنة (٨١٥)، وبعد وقوع هذه العجيبة بعام واحد ابتاع الشريف حسن ابن عجلان ساحة المستشفى التي أقامها المستنصر بالله الكائن في جهة الشمال من جدار المسجد الحرام، ثم جدد المستشفى وأوقفه على علاج المرضى الفقراء، كما أصلح وجدد كمر بابين أوشكا على السقوط في الجهة الجنوبية من جدار الحرم الشريف في سنة (٨١٦)، كما أن الملك المؤيد زين ألواح مصراعي باب كعبة الله بأن طلاها بالذهب في خلال تلك السنة أى (٨١٦). زيادة: قد انهدمت المستشفى التي جددها الشريف عجلان بعد (١١٠) سنة، واشترى السلطان سليمان خان من سلاطين العثمانيين ساحة المستشفى المذكور وخرائب تكايا أحمد كجراوي من سلاطين الهند والشيخ طاهر وكذلك المنازل المتصلة بها، وبنى أربع مدارس كبيرة لعلماء المذاهب الأربعة وجعلها وقفا. إن هذه المدارس الأربعة مازالت قائمة إلى يومنا هذا وعامرة كما سيأتي ذكرها فيما بعد. قد اتخذ جلبي سلطان بن سلطان يلديرم بايزيد خان - عليهما الرحمة والرضوان - إرسال صرة (١) إلى أهالى الحرمين الشريفين من ريع أوقافه الخاصة، كما اقتفى نجله النجيب السلطان مراد خان آثار أبيه - جعل الله مثواه الجنة - فأرسل إلى أهالي الحرمين ما مقداره (٣،٥٠٠) من الذهب الفيلوري واتخذت هذه العادة حكم القانون في سنة ٨١٧، وترسل كل سنة، كما أرسل السلطان مراد الثاني في سنة (٨٥٥) لجميع أهالي الحرمين (٨٠١) كيس من النقود.

стр. 559

وقبل عامين من هذا كان الملك المؤيد قد طلا باب كعبة الله بالذهب وزخرفه، كما أرسل منبرا ثمينا وسلما جديدا، وضع السلم في داخل كعبة الله للصعود إلى سطح البيت، كما وضع المنبر في مكانه الخاص في سنة (٨١٨). وبعد أربعة أعوام من هذا انهارت مظلة (١) المذهب الشافعي، أي قبة زمزم فجأة وأصبحت قطعا وخرابا ولكنها جددت فأصبحت بناء محكما بديعا رائعا في عام ٨٢٢ هـ، وفي نفس العام طهرت ووسعت أحواض ماء زمزم وعين بازان التي خربت من السيل، كما نظفت وعمقت قنواتها ومجاريها التي امتلأت بالطين والتراب في سنة (٨٢٣). إن السطح الشريف لبيت الله الذي كان قد رمم وأصلح قبل أربعة عشر عاما قد جدد مرة أخرى، كما أصلحت الأماكن المحتاجة للإصلاح من المسجد الحرام، فبدلت قطع الرخام التي كانت مفروشة في داخل بيت الله بأخرى جديدة. وبدلت الصفائح التي كانت على طلاء جدران الكعبة الداخلية ثم أعيد كل شئ إلى مكانه بعد تغيير ما لزم تغييره وإصلاح ما أمكن إصلاحه. وأراد السلطان برسباي سلطان مصر تغيير زخارف الأعمدة الداخلية لكعبة الله، وعرض الأمر على والى مكة وبتوجيه من أمانة الأبنية المقدسة أرسل إلى الحجاز ذات المناقب السنية الأمير (مقبل) في سنة ٨٢٤ هـ. وصل الأمير مقبل في أوائل السنة المذكورة إلى مكة المكرمة، وابتدر في أداء مهمته بعون مادي ومعنوي من قبل والى مكة، فرمم وأصلح الأماكن المحتاجة للتعمير والترميم من الحرم ثم هم وأصلح سطح بيت الله على الوجه المطلوب، واقتلع قطع الرخام التي تغطي أرضية كعبة الله كما اقتلع الصفائح التي تغطي جدران كعبة الله، فبدل قديمها وأصلح ما يمكن إصلاحه ثم وضع كل شئ في مكانه، وهكذا جدد من هيئة بيت الله القديمة فأعاد له رونقه وجماله. وبعد أن زخرف الأمير مقبل الأعمدة التي في داخل كعبة الله وجدد قطع

стр. 560

الرخام التي في داخل الحطيم الكريم وخارجه أصلح وجدد كمر باب الجنائز وكان يطلق على باب الجنائز قديما (باب العباس) ولما أصبح إدخال توابيت الموتى من هذا الباب عادة أهل البلد أطلق عليه (باب الجنائز). إن أهالي الحرمين كانوا يدخلون جنازاتهم أولا في الحرم الشريف حيث يصلى عليها ثم يدفنونها في مقابرهم. إن التوابيت التي يستخدمها أهل مكة المشرفة لا تشبه التوابيت المستخدمة عندنا فإنها قطعة خشب مستطيلة مثل الطوق وهي عادة باقية من عهد الجاهلية بناء علي اعترافهم، وتغطي جثة الميت الذكر بقطعة قماش مستوية بينما تغطّى جنازة الأنثى بقطعة قماش مقوسة. وأخيرا جدد عدة عقد في الطرف الشمالى من المسجد الحرام، ثم جدد مداخل باب العباس وباب علي، كما جدد مدخل (باب الصفا) الأوسط ومواقع (باب العجلة) و (باب الندوة الزائد) وأضاف إلى (باب الزيادة) ثلاثة كمرات. ثم رفع الأعمدة التي تحمل هذه العقد، وأصلح ما يجب إصلاحه من الأبواب الأخري، وغير الستارة الحمراء التي في داخل الكعبة، ثم ألصق وعلق اللوحات الرخامية المزخرفة والتي أمر السلطان برسباي بتذهيبها وترتيبها على جدران كعبة الله الداخلية، وأنهى مهمته في صفر الخير من سنة ٨٢٥، وعاد إلى مصر وقد جدد السلطان برسباي بواسطة الأمير مقبل قطع الرخام التي في داخل بيت الله كما بدل وجدد طلاء جدران بيت الله الداخلية كما عمر باب الجنائز. كما أنه أنعم وأحسن إلى الحجاج الذين حجوا بالقافلة المصرية إحسانا جما، وكان يبعث من المحمل المصري مظلات يقيمها حيث يبيت الناس ليظلل عليهم، ويروى أن هذا الشخص كان يأمر بذبح كثير من الأغنام وتوزيع لحمها مع الخبز والبقسماط على الحجاج.

стр. 561

وبعد عودة الأمير مقبل بسنة بعث الملك المظفر من ملوك اليمن المنقرضة مبلغا من المال مع رسوله الخاص، ورجا أن يعمر ويصلح ما يقتضي الأمر إصلاحه من مواقع الحرم الشريف. واتصل الرسول بوالي مكة المعظمة واستصدر إذنا من الحكومة المصرية بواسطة الوالي للقيام بمهمته، ولما كان سطح كعبة الله في حاجة إلى التعمير والإصلاح؛ فعمر قطع رخام السطح وأصلحها ثم سجل ما قام به على لوحة رخامية وألصقها على الجدار الغربي للكعبة المعظمة في سنة ٨٢٦. وظلت كعبة الله والمسجد الحرام على حالهما بعد إصلاح الأمير مقبل ثمانية عشر عاما ولم يظهر فيهما ما يوجب إصلاحهما شرعا؛ إلا أن الحال لم يستمر طويلا بعد ذلك واحتاجت بعض أماكن البقعة المقدسة للتعمير بل وصل هذا إلى درجة الوجوب، فأرسل الملك جاقمق العلائي من ملوك الشراكسة في مصر الأمير سودون محمد من أمراء مصر لتعمير قطع الرخام التي فوق سطح كعبة الله وما يقتضي الأمر تعميره من الحرم الشريف وذلك في سنة (٨٤٣) ولما وصل (سودون محمد) إلى مكة المعظمة بدل رخام سطح الكعبة الشريف كما غير الألواح الخشبية التي لم تعد صالحة في السقف العالي لكعبة الله، ثم عمر وشيد المآذن التي آلت للسقوط، ثم خلع كسوة الكعبة الشريفة ووضعها في داخل البيت الحرام. ثم أصلح وسوى الجدران الخارجية لبيت الله بطريقة جيدة خلال يومين، وجدد قطع رخام الحطيم الكريم كما جدد باب المعلى لكعبة الله وجميع الأماكن المحتاجة للتعمير من الحرم الشريف السقوف والرفوف، ثم عمر قباب مقام إبراهيم والمقام الحنفي وباب زيادة إبراهيم وطهرها، وركب في المحل الكائن في شارع المسعى الشريف والملاصق لدار العباس وفي مقابل بازان ميلين أخضرين ومع هذين الميلين علق فوق كمري الصفا والمروة قنديلين، وبهذا أنار شارع المسعى الشريف وزينه ثم عمر ورمم جميع المساجد النبوية التي في طريق عرفات الذي يبدأ من مقبرة المعلا وينتهي عند جبل الرحمة، وطهر طريق عرفات بأن قطع الأشجار والأشواك التي في حذاء طريق المأزمين؛ وهكذا أنقذ الحجاج

стр. 562

المسلمين من هجمات أشقياء العربان وتسلطهم. كان المعتصم بالله البغدادى أمر بأن توقد مشاعل في قوافل عرفات لإنقاذ الحجاج من هجمات الأشقياء ولحمايتهم وذلك في سنة (٢١٩) وإلى ذلك الوقت كانت الوسيلة للإنارة هي إشعال شمعة على سنام الجمل. كما أمر سودون محمد بقطع الأشجار البرية والكلأ الشائك والنباتات البرية التى كانت كثيفة وعالية لدرجة أنها كانت تقطع أقمشة السرج التي صنعت لجلوس الحجاج فوق ظهر الجمال، كما كانت مكمنا للصوص الذين كانوا يختفون في داخل هذه الأشجار ويفرقون قوافل الحجاج، وقد أنقذ سودون محمد الحجاج من القلق والاضطراب إذ قطع تلك الأشجار وحطم الحجارة، ووسع طريق المأزمين، وبعد فترة نمت الأشجار التي قطعها الأمير سودون محمد وارتفعت حتى تحولت إلى غابة فاتخذها أشقياء القبائل البدوية مكان اجتماع واحتشاد، وأخذوا يمدون أيديهم لسرقة أبناء السبيل والحجاج كما كان يحدث في العهود السابقة؛ لذلك أمر محافظ جدة المعمورة بأن تقطع تلك الأشجار وتحطم الصخور التي قد يكمن خلفها اللصوص ووسع طريق المأزمين أكثر من ذي قبل، ولهذا لم يترك للصوص مأوى يختبئون فيه وتوفي في سنة (٩٥٠). التذييل إن شغدف - كما هو معلوم لدى أهل المعرفة - مخترع للجلوس في داخله وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: من الشغدف يطلق عليه هودج على وزن جوهر. ويطلق على النوع الثاني: منه (محفّة) على وزن معدّة. ويطلق على النوع الثالث: منه شغدف بضم الشين وسكون الغين، ولكن الأتراك حرفوا الكلمة فجعلوها شوطوف.

стр. 563

والصحيح أن يقال: الشغدف، وبما أن الهودج ذو قبة عالية ومغطى فهو خاص بالنساء، أما المحفة مثل الهودج إلا أنه مكشوف لذا فهو خاص بالرجال، أما الشغدف فهو مقعد خاص للرجال والنساء. يصنع الهودج والمحفة من الخشب، ولكن الشغدف يصنعه النجار من خشب سمكه ربع قدم وله رجلان والمقعد الذى سيجلس عليه ينسج من قشر سعف النخيل كأنه كرسى، ويغطى فى شكل نصف قبة يشبه عربة الثيران وله غطاء من قماش القلاع أو من جلد أو بساط أو حصير. إن الشغدف وإن كان يصنع على الشكل الذى بيناه إلا أنه لا يمكن استخدامه إلا إذا أحكم ربط اثنين منهما فوق الجمل، ويغطيان ببساط أو قماش آخر ويحمل فيهما حاجان، بعد حمل الشغدفان على الجمل كما بينا وبالتصاق قبتيهما يأخذ شكل قبة المحفة المستوية، ويصعد إليه حينما يكون الجمل واقفا بواسطة سلم له أربع أو خمس درجات ويجلس فيه، إن الشغدف يستخدم فى طريق الحرمين كما أن الهودج والمحفة يستخدمان فى طرق مصر والشام. انتهى. قد أسدى الملك جاقمق إلى الحرمين خدمات أخرى كثيرة وأصلح وأنشأ بركة المعلى التى مازالت قائمة فى خلال عام (٨٠٦) وقد خربت تلك البركة فيما بعد فأحيتها كريمة السلطان سليمان (مهر ماه) عندما أرسل سودون محمد إلى مكة المكرمة لترميم المسجد الحرام وتعميره. أرسلت كسوة مزينة من قبل شاه الفرس شاهرخ إلى القاهرة لتكسى كعبة الله، وأرسلت تلك الكسوة فى نفس العام بالقافلة المصرية إلى مكة المكرمة، وعلقت فى عيد الأضحى داخل كعبة الله وذلك لاتفاق تم بين الملك جاقمق وشاه الفرس الملك شاهرخ، إن الأمير جاقمق أمير اصطبل الملك الأشرف المصرى عندما اعتلى عرش سلطنة مصر بضربة حظ كان قد أرسل أحد أمراء الشراكسة يسمى (جيج كيوفا) إلى هراة لعقد اتفاق مع شاه الفرس فى سنة ٨٤٢، وقد سر (شاهرخ) من هذا الاتفاق الذى تم بين الحكومتين العربية والفارسية أعظم سرور فأرسل تلك الكسوة الشريفة لتعلق على الكعبة ليظهر شكره، كما استجلب الدعوات بإرسال الصرر لسكان الحرمين فى سنة (٨٤٣).

стр. 564

كانت قلة سبل الماء فى داخل مدينة مكة المكرمة تسبب كثيرا من الضيق والمشقة عندما كانت المدينة تزدحم بالحجاج فى موسم الحج، وكان أولو الأمر يتعرضون لكثير من المشاق والتعب لدفع ما يحدث من الشرور لقلة المياه. وأراد ناظر الحرم الشريف الشيخ بيرام إنقاذ الحجاج من العطش لقلة المياه، وفى نفس الوقت أراد أن يوفر المياه فى مكة المكرمة فأنشأ سبيلا فى حى المعلى وعدة أحواض متينة فى ساحة عرفات وملأها بالمياه، فروى عطاش المؤمنين فى سنة (٨٥٣) ومع مرور الوقت خرب السبيل والأحواض التى أنشأها الشيخ بيرام، وابتلى الناس مرة أخرى وقوافل الحجاج بالعطش فقامت (مهر وماه سلطان) زوجة فاتح اليمن رستم باشا بإنفاق أموال طائلة، وعمرت ذلك السبيل والأحواض المذكورة سنة (٩٦٧) كما أنشأت كثيرا من السبل فى داخل مكة المكرمة فأراحت سكان بلدة الله كما سبق ذكره فى صورة إحياء عين زبيدة بالتفصيل، وبعد سنتين من إتمام إنشاء الحوض المذكور أصلح الشيخ بيرام ورمم بعض الأماكن، فأصلح ونظف بعد ذلك بأربع سنوات بناء على الأمر الذى تلقاه من الحكومة المصرية الأحواض التى فى ساحة عرفات والتى امتلأت بالطين والتراب، كما طهر مجرى عين حنين وعمر مسجد (١) نمرة ومسجد الخيف المباركين، كما أصلح سلسلة عقود السبعة أروقة التى آلت للسقوط والكائنة فى الجهة الشمالية من المسجد الحرام وجدار المسجد الحرام وفى الجهة الشرقية مقابل تكية السلطان قايتباى، وجدد دور خلوة الشيخ عفيف الدين بن أسد اليافعى والشيخ جمال الدين محمد بن إبراهيم المرشد بعد أن بدل شبكاتها فى سنة (٨٥٦)، وقد أرسل الملك الظاهر بعد تسعة أعوام كسوة مزينة غالية، وقد صنعت أطرافها التى تقابل الجهة الشرقية والشمالية من بيت الله الحرام من الحرير الأبيض، وزخرفت كل جهاتها بالخيوط الذهبية وعلقت على الكعبة يوم وصولها فى سنة (٨٦٥).

стр. 565

وكان المشار إليه قد أرسل بعد ثلاث سنوات سلما ظريفا للصعود على سطح الكعبة الشريف، وما أن وصل السلم المذكور إلى مكة المعظمة حتى حضر أشراف البلاد والوجهاء وجميع موظفى الدولة ليكونوا فى شرف استقباله بكل تعظيم وتقدير، ووضع فى مكانه وذلك عام (٨٦٨). بعد مرور أربع سنوات خلع السلطان (قايتباى) سلطان مصر على أمير مكة (محمد بن بركات بن أحمد بن عجلان) وسائر الأشراف والأعيان خلعا فاخرة، كما بعث إليهم بمال كثير ليقتسموه فيما بينهم كما أرسل رسالة بمنع الظلم والعدوان، وأمر بكتابتها على الأعمدة المواجهة لباب السلام، وأصدر الأمر بتعمير وإصلاح مساجد النبى ﷺ ، وجميع الأماكن المقدسة وكذلك أمر بتطهير مجرى (عين عرفات) وذلك عام (٨٧٢). وبعد مرور عامين أصلح مسجد الخيف ومسجد نمرة والمسجد الحرام وجميع العيون والآبار وبرك عرفات وذلك فى عام (٨٧٤). وبعد خمسة أعوام أرسل إلى المسجد الحرام منبرا فى غاية الروعة مزينا بالذهب الخالص وذلك فى عام (٨٧٩). وبعد عامين أمر بإصلاح السقوف داخل باب السلام وحجر إسماعيل ورخام المسعى الشريف، وكذلك ما فى داخل بيت الله الشريف من الرخام كما أصلح مئذنة باب النبى ﷺ وعمرها وذلك فى سنة (٨٨١)، وأمر بكتابة بيان بذلك على لوحة من رخام وألصقها فى موضع داخل الحرم الشريف، كما أنه اشترى قطعة من الأرض المتصلة بالحرم الشريف وأنشأ عليها أربع مدارس وتكية وذلك فى سنة (٨٨٢). وقد استغرق إكمال ما ينقص تلك المبانى سنتين وبعد إتمامها أسكن فيها من يقتضى الأمر إسكانهم، بعد ما انتهى السلطان قايتباى من بناء تلك المدارس والرباط بعث إلى إمارة مكة المعظمة الجليلة يقول «رأيت حادثة فى رؤياى وجعلت العلماء يفسرونها، فقالوا: «يجب غسل داخل الكعبة وخارجها وعندما يصل رسولى يجب أن تنظفوا خارج البيت الحرام وداخله، وأن تطهروه» وذلك فى عام (٨٨٤). وتلا على شريف مكة وأشراف بلد الله وأعيانه مرسوم السلطان قايتباى وبادر
следующие страницы →