← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(١٣٣١٢) قرش كعطايا. ومهمة هذا الموظف الذهاب إلى مكة المكرمة مع الصرة السلطانية وفى أثناء العودة يحيد عن الطريق ويذهب إلى الشام مع الرسول الخاص، ويعطى للولاية السورية الرسائل التى وجهت من الإمارة ثم العودة إلى دار السعادة، بما أن الرسول الخاص كان يمكنه أن يتم بالبرق كل ما يحدث الآن من تبليغ الرسائل من الولاية إلى باب السعادة فلا ضرورة لبقاء هذه الوظيفة. وبإلغاء الوظيفة المذكورة ترسل الرسائل المذكورة إلى والى سوريا برسول خاص. وإلى باب السعادة بالبرق، بناء على هذا فمبلغ (٤٩،٨٥٦) قرش أجر الموظف المذكور يظل فى خزينة المالية. ويشار فى جدول الصرة السلطانية إلى مبلغ (٢٢،٧٥) قرش. إن (١٥٠٠٠) ألف من هذا المبلغ لنفقات الطريق، (٧٥٥٧) قرش منه يعطى كمنحة معتادة لأحد الموظفين. إن مهمة هذا الموظف كانت مصاحبة الخلع التى كانت تصنع من جانب الخلافة كل سنة وما ترسله وزارة الأوقاف، بإعطائه نفقات الطريق وقدرها (٣٠٠٠) قرش سالكا طريق البحر ويسلم ما معه إلى الجهات المختصة والآن تحت ظل التسهيلات التى حدثت فى العهد السلطانى لم تعد هناك حاجة لهذه الوظيفة. والموظف سالف الذكر الذى كان يتقاضى مبلغا قدره (٢٢٧٥٠) قرش يناله من إمارة مكة المعظمة عطية خاصة، كما كان يأخذ من خزينة مصر منحة قدرها (٢٥٠٠٠). وكانت من عادة وزارة الأوقاف السلطانية قديما أن ترسل زيوتا بواسطة موظف خاص تدفع أجره خزانة الأوقاف، وإذ أرسلت بعد الآن أيضا بواسطة موظف خاص وأرسلت الخلع بواسطة أمناء الصرة فيمكن إدخار المبالغ المذكورة وكل ما كان يدفع له من العطايا من قبل الإمارة وما يدفع له من خزانة مصر وهو مبلغ قدره (٢٥٠٠٠). إن مبلغ (٣٥،٠٢٣) قرشا الذى أشير إليه فى جدول الصرة السلطانية كرواتب إمارة مكة الجليلة لا لزوم له، ويجب أن يصرف النظر عنه حتى يدخر ذلك المبلغ.

стр. 597

وكان إرسال هذه الرواتب من موجبات عادة قديمة ولكننا الآن يلزمنا ألا نراعى تلك العادة: لأن مبلغ (٥٢٠٠) قرش منه كان بدل الخيل، ومبلغ (١٥٣٧١) قرشا كان خاصا بسرجين فضيين للخيل، ومبلغ (٤،٠٢٢) بدل اثنى عشر من الجوخ، ومبلغ (٢٤٧) قروش ثمنا للفواكه، ومبلغ (٢،٠٢٣) قرشا بدل الحلوى، ومبلغ (٥٠٠٠) منه هبات يجب ألا يرسل أى قرش منه وخاصة ما يرسل منه لبعض الموظفين كمخصصات وهى مبلغ (١٨،٠٦١) ونصف قرش لم يعد له أى مبرر. إن مبلغ (٣،٦١٣) قرش من هذه النقود نفقات ترسل من باب السعادة إلى ولاية الحجاز كل سنة، ومبلغ (٨٥٧٧٠) قرش لموظفى أمانة الصرة وللمبشرين والآخرين ونفقات صنع الجبب والمعاطف من الفراء، ومبلغ (٢١٤،٥) قرش بدل الفواكه التى أرسلتها أمانة الصرة السلطانية للموظفين، ومبلغ (١٩١٩،٥) قرش بدل ضيافة الشريف وموظفى الإحرام الذين استقبلوا موكب الحج، (٨١٤) قرشا بدل طعام الشريف الذى كلف بتوديع موكب الحج، و (٢٩٢٦،٥) قرش ثمن ما أرسل من مكة المكرمة لأمناء الصرة السلطانية من الشيلان ولإجراءات ونفقات سفر الموظفين الذين أحضروا هذه الأشياء، إذا كان إرسال هذه المبالغ من العادات القديمة وإذا ما صرف النظر عن إرساله بعد الآن يمكن إدخار تلك المبالغ. هناك فى دفتر الصرة السلطانية مبلغ (٢٤،٨٧٥،٥) قرش بدل ما أرسل من البخور وغيره ويمكن أن يدخر من هذا المبلغ ما قدره (٧٨٧٥،٥) قرش، لأن مبلغ (٢٤،٠٠٠) والكسور يشمل على (٢٠٠٠) منه ثمن البخور (٥٢٥٠) قرش منه ثمن ما اشترى من مخمل لصنع أكياس الخزينة، و (١٨٧٥،٥) قرش لتعمير الصناديق وثمن الأقفال ونفقات نثرية (١٢٠٠) قرش منه ثمن ما يرسل إلى مكة المكرمة من أربعمائة مثقال من دهن الورد، و (٣٧٥) قرشا منه ثمن العود والعنبر الذى يرسل إلى حامل مفتاح البيت المعظم شيبة أفندى. وإن كان إرسال دهن الورد والعود والعنبر من الأشياء اللازمة لكن لا حاجة لنفقات تعمير الصناديق وشراء الأقفال وغيرها من النفقات، كل هذه المبالغ ومبلغ

стр. 598

(١٢٥٠) قرش ثمن المخمل الذى سيشترى لأكياس الخزينة وفيه كفاية؛ لذا يمكن أن يوفر منه مبلغ (٤٠٠٠) قرش ويقتضى ألا يرسل مبلغ (٢٠٠٠) قرش بدل البخور بالمرة. وإذا ما خفض من مبلغ (٢٤٠٠٠) قرش والكسور السالفة الذكر والمقدار الذى سبق ذكره يمكن أن يوفر مبلغ (٧٨٧٥) قرش ونصف قرش. وإن كان إرسال البخور إلى الحرمين فى درجة الوجوب إلا أن ما يرسل من مقادير كثيرة من البخور كل سنة من خزينة الأوقاف السلطانية إلى الحرمين وهو محقق يغنى عن إرسال بدل البخور. كما أن نفقات الصناديق ضمن النفقات التى تدخل تحت نفقات الأشياء العينية، وبما أن تلك الأشياء قد تحولت إلى البدلات فلا حاجة إلى هذا النوع من النفقات، قد أشير فى جدول الصرة السلطانية إلى مبلغ قدره (٢٦٧٤١) قرش وهو ما تدفعه الخزانة المالية كنفقات الطريق وأجور الجمال للذين تعينهم لاستقبال المحمل الشريف من المدينة المنورة. وقد خصص مبلغ (٦٣٩١) قرش أجورا للجمال والباقى وهو (١٠،١٧٥) قرش نفقات الذهاب و (١٠،١٧٥) قرش نفقات العودة، وبما أن إعطاء نفقات الذهاب والعودة لموظف وفوقها أجور الجمال ينافى أصول خزينة الصرف إذن يجب خفض أجور الجمال وتحويل الباقى من النفقات إلى خزينة الحجاز رعاية للتصرفات السابقة واتخاذ ذلك قاعدة، يمكن عندئذ توفير مبلغ (٢٦،٧٤١) قرش الذي سبق ذكره. إذا ما ضمت أمانة الصرة إلى أمانة تموين الحج فسيستغنى عن نفقات إقامة الخيم وبهذا سيوفر سنويا ما يعطى لأمناء الصرة كنفقات لتعمير الخيم وقدره (١٨،١٠٠) قرش، ويباع كذلك الخيم الموجودة ويخفض من مبلغ (١٤٧٠٠) قرش التى تعطى لإصلاح الزكائب الكبيرة الموجودة فى الخزينة لأجل حفظ أكياس الفراشة والزورق إلى (١٠٠٠) قرش فقط يمكن أن يوفر

стр. 599

من هذا مقدار (٤٧٠) قرش وبهذا يظل فى الخزينة الجليلة مبلغ (١٨٥٧٥) قرش ويمكن تخفيض مبلغ (١١٠٢١٥) قرش وهى مخصصات تموين الحج وجند الأعراب الخاص لحراسة موكب الحج. وتبين لنا عند اطلاعنا على سجلات تموين الحج أنه يعطى لنفر من كتبة الخزينة مبلغ (٣٤،٠٣٠) قرش، ولكاتب التموين (٩٩٩) قرش راتبا ولكاتب نفقات الطريق وتموين الحج مبلغ (٣٠٣٢٤) قرش لرفيقه (٢٨٥) قرش معاشا و (١٩٠٠٠) قرش مصروفات طريق الحج و (١٢٨١) قرش ثمن الأوراق و (٦٧٥) قرش لرئيس جمالى المحمل الشريف وأفراد الجمالين كنفقات الطريق و (١٢٦٠٠٠) قرش أجر الجمال لنقل الشعير من مزريب إلى مداين صالح و (٩٠٠٠) قرش نفقات الطريق لكاتب الكتيبة البدوية السلطانية (٤٥٠٠) قرش نظير مكان لتموين الحج الشريف ويتولى كاتب الخزينة مسك دفاتر النفقات فى طريق الحج. ومدة وظيفته أربعة أشهر أو خمسة، فمخصصاته لا تتناسب مع نفقاته لذا يجب خفض راتبه إلى (١٠٠٠) قرش، ونفقات سفره إلى (١٣٠٠٠) قرش، وإذا ما أجريت هذه التخفيضات فإنه يتوفر منها مبلغ (١٢،٣٠٠) قرش، ولعدم وجود حاجة ملحة لاستخدام كاتب المؤن فينخفض راتبه إلى (٢٥٠) قرشا ونفقات طريقه إلى (٣٥٠٠) يمكن توفير مبلغ (٣٩٩٠) قرش فى حالة استخدامه. بما أن كاتب تموين الحج معين على ألا يذهب إلى الحجاز فتبدأ مهمته اعتبارا من تحرك الصرة من الشام بكتابة التقارير عند اللزوم ويقدم الحساب مرة واحدة فى السنة إلى إدارة محاسبة الولاية، ويضم بعض الأشياء لمخصصات هذه الوظيفة يمكن تحميلها إلى كاتب الخزينة، فيعطى لكاتب الخزينة (٦٣٢٤) قرش ويوفر الباقى وهو (٢٤٠٠٠) قرش وبما أن كاتب التموين يقوم بعمل رفيقه يجب أن يحمل كل هذه الأعمال كلها لكتاب الخزينة فيصرف النظر عن اسخدامه ويجب توفير معاشه وهو مبلغ (٢٨٥٥) قرشا.

стр. 600

وما يمكن توفيره من نفقات طريق الحج وهو مبلغ (٩٠٥٠) قرش من ثمن القرطاسية (٧٧١) قرش ومن نفقات طريق رئيس الجمالين وأفراده (٦٧٥٥) قرشا ما يعطى لنقل الشعير من المزاريب إلى مداين صالح فى صورة قانونية وهو مبلغ (١٢٦٠٠٥) قرش ومن أجور الجمال (٦٣٠٠٠) قرش، والمبلغ الذى سيوفر بإلغاء وظيفة كاتب جنود البدو السنية وقدره (٩٠٠٠) وبقطع مبلغ (٤٥٠) قرش وذلك بتخصيص محل لحفظ مؤنة تموين الحج فى دائرة حكومية أو داخل القلعة. وبهذه الصورة سيوفر مبلغ قدره (٨٨،٠٢٨) قرش ينفق كل عام مبلغ (٩٣٤٩٥) قرشا وذلك ثمن مصنعية قطعتين من الجبب اللتين ترسلان من باب السعادة إلى أمير الحجاز وإحدى هاتين الجبتين مزركشة وثقيلة نوعا ما ويكلف صنعها (٣٣٢٥) قرش والأخرى ليوم الجمعة (١٦١٢) قرش. وإذا ما صرف النظر عن إرسالهما بعد الآن سيتوفر المبلغ المذكور فى خزينة المالية للدولة. ويرى فى جدول الصرة السلطانية التى سبق ذكرها فى خانة مخصوصة مبلغ (٣،١١٤،٦٤) قرش خاصة بخلع أهالى الحرمين ومن فى طريق الحرمين وأهالى الشام وبدلات وعطايا ونقود ذهبية على أنها وظائف متنقلة وقتية، إن (١٠٠٣٥١) قرش من المبالغ المذكورة خصصت للوظائف المتنقلة الوقتية الخاصة بأهالى مكة المكرمة والمدينة المنورة (٧٣٥٥) قرش لسكان مكة المكرمة (٢٣٦٣٥) قرش لسكان المدينة المنورة من طرف رئاسة الوزارة بدل هبة الربعية وهى نقود ذهبية. ينفق مبلغ (١٧٣٨٢٠) قرش ونصف قرش إلى المدينة المنورة و (٨٠٤٩٧) قرش إلى مكة المكرمة، و (٦٦٣٥٧) قرش ونصف قرش لأمور خاصة فى الشام. تعطى نفقات الوظائف التى عرضناها مرتبة من خزينة المالية كما هو مبين فى سجلات وزارة الأوقاف وديوان التشريفات؛ إلا أن تلك الخزينة ليس لها أدنى علم عن الأشخاص الذين يعطى لهم، ومقدار ما يأخذون (٧٥٠) وقد تحقق

стр. 601

إعطاء (٧٥٠) قرشا من هذه النقود إلى المبشر الذى ألغيت وظيفته و (٢٥٠) قرش للأشخاص الذين يرسلهم شيخ الحرم النبوى لأمناء الصرة على أنه ثمن الفواكه و (٢٠٠) قرش لرؤساء جمالى الصرة السلطانية. وبما أنه لا يجوز تكرار صرف النقود لأشياء لا لزوم لها، فيجب أن تخصم المبالغ التى ذكرت وقيدت فى ثلاثة أشهر فى الجدول من مبلغ (٥٦٤٦٤٠) قرش، وبعد الخصم يجب إجراء تحقيقات كاملة والعمل وفق ما أسفر عنه التحقيق والتدقيق. وقد وصل إلى سمعنا من بعض الذين يؤمن على صحة أقوالهم أن بعض أهل باب السعادة يشاركون فى هذه النقود أصحابها، كما أن الهبات التى جرت العادة بإعطائها للعربات تصرف لهم ناقصة، والخصم الباقى يجد سبيله إلى جيوب المنتفعين وإذا ما استمر إجراء التحقيقات بخصوص هذه النقود ووضعت الخزينة ما التزمت به فى قضية تصرفات بعض الموظفين المهمة تحت المراقبة؛ يؤمل توفير مبلغ (٥٠٠٠٠٠) قرش. وننقل الكلام إلى مبلغ (٦٠٠،٠٠٠) قرش المخصص لتموين الحج جند العربان يعطى مبلغ (١٣٣،٥٩٩) قرشا من هذه النقود لشيخ قبيلة حسنة و (٢٣٥،٠٩٠) قرشا لشيخ قبيلة ولد على وعنزة و (١٣٣٧) قرشا لشيوخ قبائل بنى صخر و (١٩٣٥٧٥) قرش لمشايخ العربان الذين يسكنون الخيم بعد قلعة مزاريب. ورواتب هؤلاء القديمة تبلغ (٢٧،٧٠٠) قرش الذى تعود أن يأخذه شيخ قبيلة رولة: طعلال الشعلان. وقد ثبت بما قاله سعيد باشا محافظ تموين الحجاج أن هذه الرواتب أكثر من نصابها، ويمكن أن يكتفى بإعطاء قبيلة حسنة (٨٠٠٠) ولقبيلة ولد على مع قبيلة عنزه (١٤٠٠٠)، ولقبيلة بنى صخر (٨٠٠٠٠) وللعربان سكان الخيم ولشيخ رولة (٢٠٠٠٠) قرش وإذا ما قرر إعطاء المبالغ السابقة يمكن توفير (٢٨٣٧١) قرش من هذه الأقسام الخمس. ويصل التوفير الكلى إلى (١٢٥٤،٥) قرش، وإذا ما فتح لهذا الموضوع أهمية عظمى فإن مقدار المتوفرات يزيد ويربو على هذا. «انتهى».

стр. 602

وكان من القواعد القديمة المقررة إرسال رسالة سلطانية مع قافلة الشام تخاطب أمير إمارة مكة المعظمة، وقد حصلنا على صورة من الرسالة التى دبجها والد السلطان كثير المحامد جعل الله مسواه الجنة السلطان عبد المجيد خان قبل خمسة وثلاثين عاما إلى سنى المناقب الشريف محمد بن عون (١). لذا رأينا أن نسطر تلك الرسالة المفعمة باللفتة السلطانية الكريمة وندرجها فى هذا المكان. صورة الرسالة السلطانية إلى صاحب الإمارة مكتسب السعادة المنتسب للسيادة ذى النسب الطاهر والحسب الظاهر، مستجمع جميع المعالى والمفاخر كابرا عن كابر، جمال السلالة الهاشمية فرع الشجرة الزكية النبوية، طراز العصابة العلوية، المصطفوية زبدة آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول، المحفوف بصنوف عواطف خالق الكون الشريف (محمد بن على) دام سعده. إذا ما وصلت رسالتنا السلطانية إليكم ليكن معلوما لديكم، بما لكم من نقاء جوهركم العدنانى، وصفاء طوية الفطرة القحطانية، منذ أن كان لكم فى مقام السيادة قعود، وإلى إمارة مكة صعود بذلتم الجهد فى خدمة الحرمين الشريفين وسعيتم فى رخاء أهلهما والمجاورين لهما، وحققتم لهم كلهم فراغ البال وجعلتم بها الأمر الأهم وأقمتم فى بلاد الحجاز دعائم النظام ووطدتم الأمن لقوافل الحجاج القادمين من كل فج عميق، وحققتم الطمأنينة للتجارة وأبناء السبيل، ومهدتم لهم مهاد الراحة وسعيتم فى رعايتهم فى ذهابهم وعودتهم، بإلهام من وفدنا السلطانى، والمأمول أن تستمروا فى بذل الهمة وفى إنجاز جميع المهام وحسب رغبتنا السلطانية ولكل هذا جعلتم شمس مقامنا تشرق من جديد، وبذلك زركشتم ثياب مناقبكم وزينتموها، فأهدينا إليكم قباء أخضر يشد على عروتيه زران محليان بالماس، وهذه الرسالة السلطانية تحيطكم علما بذلك، وقد أرسلت مع رئيس كتاب ديواننا السلطانى حافظ أحمد، فعليكم أن تلبسوا هذه

стр. 603

الخلعة فى حفل رسمى بعد تلقيها معلنين ولاءكم وإخلاصكم لنا وداوموا على ما أنتم عليه بفضل نجابتكم وأصالتكم فيما يختص بإمارتكم. والآن يخرج إلى الحج والى الشام وأمير الحج وأميرنا عثمان نورى باشا، فعليكم حماية الزوار والتجار من عدوان العرب، وتأمين طرق الحرمين الشريفين والعمل على راحة ورخاء سكان ومجاورى المقامين الشريفين، وأن ترغبوا جميع أهل التقوى والصلاح فى تلك الأماكن المقدسة فى الدعاء بالخير لنا، وأن ترعوا مصالح المسلمين قاطبة، أن تحموا قوافل الحجاج ابتداء من مدائن صالح بأن تكونوا فى استقبالهم عند القدوم وعند الرجوع، حتى تمنعوا عنهم أذى العربان والطوائف الأخرى المضرة بما عرف عنكم من الشجاعة والحماسة والفروسية، وذلك طبقا لرغبتنا ومساعينا السلطانية، ووفقا لشهامتكم الهاشمية وعليكم أن تتجهوا مع الواقفين عند زمزم والمقام، والمعتكفين فى بيت الله الحرام بالدعاء لنا بدوام دولتنا وعزتها وطول بقائها، وهذا ما سيطيب خاطرنا. تحريرا فى أوائل شهر جمادى الآخرة لسنة ١٢٦٥ هـ بمقام دار السلطنة العلية بالقسطنطينية المحروسة ١٢٦٥. مقدار الوقود واللوازم الأخرى للحرم الشريف ما يرسل إلى الكعبة المعظمة كل سنة من باب السعادة والشام وقاهرة مصر من الزيوت والشموع لإنارتها مبين بمفرداته فيما يأتى: الدرهم الأوقية عدد صندوق - ١٣٤٣٢ - زيت زيتون من باب السعادة - ٤٤٥٩ - زيت زيتون من مصر - ١٤٥ ٤٤٦ شمع كافورى ١٢٠ ٥٨٠ - شمع أبيض من دهن الحوت ٣٠٠ - - دهن الورد - ٢٥٠٠ ١ قرص معطر - ٢٥٠٠ ٦ بخور (١)

стр. 604

الدرهم الأوقية عدد صندوق - ١٠ ٤٠ شمع أبيض - ١٥٠ ١١٠ قنديل ذو قدح على هيئة كروية مثل البطيخ (١) ١٢ - ٢٠٠ شمع أبيض (٢) - ٣١٠ - شمع أبيض صغير (٣) - ١٦ - زيت زيتون خاص بأيام عادية (٤) - ٢٧١ - خاص بليلتى الجمعة والاثنين والشهور الثلاثة * مقادير وكميات ما يرسل من قبل باب السعادة والشام والخديوية المصرية من زيت الزيتون وغيره من الأشياء الأخرى التى ترسل إلى الحرم الشريف والمساجد الأخرى شهرا بشهر. ما يرسل من باب السعادة الدرهم الأوقية عدد صندوق ١٠٠ ٤٤٣١ - زيت زيتون - ٤٦٨٠ ٦٠ الشمع الأبيض * الشموع الكافورية المطروحة للمساجد التى كتبت أسماؤها فيما يأتى بناء على شرط الواقف على أن يكون كل شمعة أوقية ونصف أوقية وعلى أن يعطى كل ثلاثة أشهر. الدرهم الأوقية عدد صندوق - - ٩ بخور - ٥٧ - ورق معطر ١٨٠ - - دهن الورد - ٧١٤ - شمع

стр. 605

الدرهم الأوقية عدد صندوق - ٢ - شمع المحاريب - ٣٨٠ - مكانس - ١٧٧ - اسفنج - ٢٥٠٠ - بخور ١١٢ - - دهن الورد ٣٠٠ ١٤٠٠ - ورق معطر ما يرسل من جانب الإدارة الخديوية الدرهم الأوقية عدد صندوق - ٣٤٤ ٨ شمع (١) - ٤١ - شمع (٢) ٢٠ - - شمع (٣) - ٢ - شمع (٤) - ٤٠٠ - حصير - ٤٧٢٢ ١٢ زيت زيتون - - - قناديل بللورية - ٣٠ - شمع العسل (٥) ما هو مقرر أن يرسل من الشام الشريف الدرهم الأوقية عدد صندوق - ٤٩٤١ - زيت الزيتون - - ٨ الشمع الأبيض (٦)

стр. 606

مقدار الزيت المقرر للحجرة المعطرة وداخل الحرم الشريف وسائر المساجد فى كل شهر زيت زيتون أوقية (١) ٦٩٨ للحرم الشريف والحجرة المعطرة ٢٢٣ للمساجد ١٧ للفقراء المحتاجين ٩٥٦ المجموع زيت زيتون أوقية (٢) ٩٨٩ للحرم السعيد ١١١٦ لمآذن الحرم السعيدة ٢٠٤ مآذن المساجد الأخرى ١٨ لساحة الحرم السعيدة ٢٥٦٧ المجموع * الشموع الكافورية الممنوحة للمساجد التى كتبت أسماؤها فيما يأتى بناء على شرط الواقف على أن تكون كل شمعة أوقية ونصف أوقية وعلى أن يعطى كل ثلاثة أشهر. عدد الشموع ٢ للمسجد النبوى ٢ لمسجد سيدنا أبى بكر الصديق ٢ لمسجد سيدنا عمر الفاروق ٢ لمسجد سيدنا عثمان بن عفان ٢ لمسجد سيدنا على المرتضى ٢ لمسجد سيدنا عباس ٢ لمسجد قباء ٢ لمسجد بلال الحبشى ٢ لمسجد الشيخ السيواسى ٢ لمسجد الشيخ الباخورى ٢٠ المجموع

стр. 607

٤ شمعات صغيرة تقدم ثلاث مرات فى كل شهر إلى كل واحد من المحراب النبوى والمحراب السليمانى. شمعتان كبيرتان لمحراب النبى يقدم كل سنة مرة واحدة. ما يبخر فى الحجرة السعيدة والحرم الشريف عنبر شجرة العود ورق معطر بخور ٨ درهم ٣٠٠ درهم عدد ٤ ٢١ دستة لشيخ الحرم (١) ومن يقومون بالتبخير .. ٢٥٧ درهم .. .. ٨ ٥٥٧ ٤ ٢١ المجموع توقد القناديل المعلقة فى الحجرة السعيدة من المساء إلى الصباح ويصرف لكل قنديل خمسة وعشرين درهما من زيت الزيتون، وتوقد فى داخل الحرم الشريف القناديل المعلقة من المساء إلى الثلث الأخير من الليل ومن الثلث الأخير من الليل حتى وقت صلاة الصبح، ويصرف لكل قنديل عشرين درهما من زيت الزيتون، وقد خصص لكل واحد من هذه القناديل ثمانية عشر درهما من زيت الزيتون، كما قيد فى الخزانة النبوية؛ ولكن استخدام مقياس لا يعرف له المقدار يظن أن مقدار هذا الزيت عشرون درهما، وتصرف ثلاثمائة وثلاث عشرة شمعة لتوقد فى الثريات والشمعدانات المعلقة فى داخل الحرم السعيد كل يوم بعد يوم، كما يوزع على بعض الأشخاص فى رمضان كل سنة عدد (١٠٤١) شمعة. * وقد قرر إعطاء الأشياء الآتية عند غسل الحجرة النبوية المعطرة: دهن الورد عنبر الورق المعطر بخور شجرة العود درهم درهم عدد دستة درهم ١٧٠ ٢ ٧ ١ ٩٠ * مقدار ما فى الحجرة المعطرة والروضة المطهرة للنبى ﵊

стр. 608

وفى داخل الحرم الشريف من الشمعدان ات والثريات البلورية والقناديل البلورية على شكل كروى، والقناديل الزجاجية المعلقة فى المآذن. ما يوقد بشمع العسل الشمعدان عدد ٢ شمعدان مرصع بالجواهر ومصنع فى غاية الجمال فى الحجرة المعطرة. ٢ كذلك مصنع من الذهب الخالص وكبير نوعا ما (فى الحجرة المعطرة). ١ كذلك مصنوع من الذهب وكبير نوعا ما (١) (فى الحجرة المعطرة). ٥ المجموع كل هذه الشمعدانات ذات شمعة واحدة وتوقد صباحا ومساء فى داخل الحجرة المعطرة أمام سيد البشر فائض النور. وإن كان فى الحجرة السعيدة عشرة أعداد من الشمعدانات الفضية إلا أنها توقد فى ليالى رمضان. المشعدان عدد ٢ خاص بالشمعدانات الكبيرة لمحراب النبى. ٢ خاص بالشمعدانات الصغيرة لمحراب النبى (٢). ٢ خاص بالشمعدانات الكبيرة للمحراب السليمانى. ٢ خاص بالشمعدانات الصغيرة للمحراب السليمانى. ٨ المجموع هذه الشمعدانات الثمانية ذات شمعة واحدة وتوقد كل الليالى.

стр. 609

الشمعدان المصبوب ذو الفانوس عدد ٨ هذه الشمعدانات ذات شمعة واحدة وتوقد كل ليلة فى داخل الروضة المطهرة. الشمعدان البلورى عدد ١ فى الروضة المطهرة النبوية وهو ذو ثمان وعشرين شمعة. ٢ كذلك فى الروضة المقدسة النبوية ذو ثمانى وعشرين شمعة أيضا. ١ أمام المحراب السليمانى وهو ذو إحدى وثلاثين شمعة. ١ موضوع فوق كرسى ذى أرجل ثلاث وثمانى شمعات وأهداه الغازى الهندى متبركا. ٥ المجموع توقد هذه الشمعدانات بالشمعات البيضاء. الثريات البلورية عدد ١ معلقة فى الحرم الشريف وذات حجم كبير يوقد فيها أربع وسبعون شمعة. ١ معلقة فى جهة القدم الشريفة وكبيرة ذات أربعة وعشرين شمعة (١). ٢ معلقة أمام المحراب السليمانى وذات ست عشرة شمعة. ٢ معلقة أمام المحراب السليمانى وذات ست عشرة شمعة كذلك (٢). ١ معلقة فى الروضة المطهرة ذات شمعة واحدة (٣). ١ معلقة أمام باب الوفود وذات شمعة واحدة (٤). ٨ المجموع كل هذه الثريات توقد بالشمع الأبيض كل الليالى.

стр. 610

الثريات الفضية عدد ٢ معلقة أمام الحجرة المطهرة وفى داخل الحرم الشريف (١). ١ معلقة أمام الحجرة المطهرة وفى داخل الحرم الشريف (٢). ١ معلقة أمام الحجرة المطهرة وفى داخل الحرم الشريف (٣). ٤ المجموع توقد هذه الثريات الأربعة كل الليالى. الثريات البلورية عدد ٣ هذه الثريات من هبات والي مصر الأسبق عباس باشا تبركا (٤). ١٥ قدمت من بعض أصحاب الخير (٥). ١٦ قدمت من بعض أصحاب الخير (٦). ٣٤ المجموع كل هذه الثريات الأربعة وثلاثين توقد بالشمع الأبيض. الثريات الفضية عدد ١ معلقة أمام المحراب العثمانى ومهديها مجهول. ١ معلقة أمام القبة العثمانية وذات ست وثلاثين شمعة مهداة من السلطان محمود. ١ معلقة أمام الحجرة المطهرة وذات ست وثلاثين شمعة مهداة من السلطان محمود. ٢ معلقة أمام الحجرة المطهرة وذات شموع مهداة من السلطان محمود. ١ معلقة أمام الحجرة المطهرة وذات شمعتين ومهداة من السلطان محمود. ٦ المجموع توقد الثريات الستة كلها بالشمع الأبيض ليلا.

стр. 611

الثريات البلورية عدد ١ ذات اثنين وثلاثين شمعة وهبها المرحوم رضا باشا للتبرك. ٢ ذات أربعين شمعة حمراء اللون واقفهما مجهول. ١ ثريا ذات طراز هندى ولا يعرف واقفها. ٤ المجموع وإن كانت هذه الثريات معلقة فى داخل الحرم الشريف إلا أنها لا توقد لعدم إرسال الشموع. * مقدار القناديل التى تسرج وهى على شكل كروى ومن الزجاج. عدد القناديل ٧٠ البلور ذات السلسلة الذهبية كروى الشكل. ٢ الزجاج ذات سلسلة ذهبية. ١٠ شمعدان من الزجاج فى الشجرة الفضية. ٨٤ المجموع إن هذه القناديل فى داخل الحجرة المعطرة وتوقد كل ليلة وسلاسلها كلها من هبة الخاقان محمود عدلى رحمه الله تعالى. * القناديل الزجاجية لمآذن المسجد السعيد عدد ٢٢٧ فى المئذنة الرئيسية ٣١٢ فى المئذنة العزيزية ٢٢٨ فى المئذنة المجيدية ١٨٦ فى مئذنة باب الرحمة ٢١٦ فى مئذنة باب السلام ١١٦٩ مجموع عدد القناديل

стр. 612

* القناديل المعلقة بالحرم وخارجه ٤٥٢ كروى الشكل له سلاسل فضية صفراء ١٦ كروى الشكل له سلاسل عادية ومعلق فى باب الحرم الشريف (١) ٨٤ زجاجى فى الثريات على شكل الشجرة ومعلقة فى داخل الحرم الشريف ٢١ زجاجى فى داخل الحرم السعيد وفى اللوحات المزينة ٢٤ زجاجى معلقة على الأطراف الأربعة الخارجية للحرم الشريف ١١ زجاجى معلق فى أماكن أخرى ٦٠٨ مجموع عدد القناديل. عدد الشمعدانات والثريات والقناديل من حيث المجموع: عدد ٣٥ الشمعدان ٦٠ الثريات البلورية مع الشجرة الفضية ١٨٦١ قناديل زجاجية على شكل كروى. ٢٤٣١ مجموع القناديل والشموع كلها. عين زبيدة من مآثر السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد خان (عليهم الرحمة والغفران) ومن خيراته العظيمة تعمير مجرى عين زبيدة وإحيائها. وإن كان فى مدينة مكة المكرمة بعض السبل للماء الذى جلبته عين السيدة «زبيدة» من جبل المشلّل وكذلك بعض الآبار يمكن شرب مائها إلا أن أهل مكة. كانوا يعانون من قلة تلك السبل والآبار ذات المياه العذبة، إلى أن أجرى السلطان سليمان مياه عين زبيدة فى داخل مكة المعظمة.

стр. 613

عين زبيدة: هى الماء الزلال الذى أجرته - كما سيذكر فيما بعد - السيدة أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوج هارون الرشيد، بإنفاق مبالغ طائلة من واد يبعد ثلاثة أيام إلى مدينة مكة الله الشهيرة، إلا أنها أهملت بعد تطهيرها فى سنة (٩٢٦) بإهمال طرقها، ومجاريها آلت إلى الخراب وضاع ذلك الماء الذى تقوم عليه الحياة. وكان ذلك الماء المذكور فى غاية الغزارة والعذوبة وكان يشبه ماء تقسيم (١) فى إستانبول، وإن كان اسمه عين عرفات؛ إلا أنه أطلق عليها عين زبيدة اعترافا لما بذلته السيدة زبيدة من همة عظيمة لجلبها. كانت السيدة زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر الذى يقال له جعفر الأكبر وحفيدة أبى جعفر المنصور ثانى الخلفاء العباسية وبنت عم زوجها هارون الرشيد وكانت شهرتها القديمة «أمة العزيز»، وكانت اعتادت فى صغر سنها أن تؤنس جدها بالرقص أمامه، وسماها المنصور بهذا الاسم قال لها يا ابنتى إنك زبيدة فعرفت بهذا الاسم. إن السيدة زبيدة الممدوحة كانت امرأة ذات مناقب جليلة ومآثر ممدوحة وصاحبة بر وإحسان، وقد جلبت عين حنين وأوصلتها إلى مكة المفخمة بعد أن أنفقت أموالا طائلة وخزائن وفيرة وذلك فى سنة ٢١٣ الهجرية، إن مدينة مكة المكرمة المفخمة تقع بين سلسلة جبال سوداء جرداء خالية من المياه الجارية وفى واد غير ذى زرع غير صالح للزراعة، لذا كان سكان حرم الله يديرون أمورهم بمياه الأمطار، ويعانون غالبا من مشكلة قلة المياه وذلك قبل إحياء عين حنين. ويقول المؤرخون إن السيدة زبيدة قد أنفقت (١٧٠٠٠٠٠) مثقال ذهبا (٢) وأمرت بنقب جبال حنين الراسيات وجمعت المياه فى سفح الجبل الواقع فى ساحة (منى) أرض الحل، وهكذا أروت حرم الله وأزالت منه العطش. حكاية بعد أن أجريت المياه إلى مكة ومهدت طرقها وصارت رصينة منيعة، وتم عمل

стр. 614

كل شئ على أحسن ما يرام، أراد أحد الموظفين الذين كانوا يعملون فى هذا العمل الخيرى أن يعرض كل ما أنفق فى هذا العمل مقيدا الحسابات فى دفتر، وقدمه للسيدة زبيدة راجيا أن تلقى نظرة لتسوية الحساب وهى فى قصرها المبنى على نهر دجلة، فأخذت الدفتر وألقته بين المياه، واستدعت الموظف المذكور وقالت له تركت تسوية حساب هذا العمل إلى يوم الحساب، إذا كان هناك فى ذمتك بعض المبالغ فإننى تنازلت عنها كهدية، أما إذا كان لك طلب فقله شفويا حتى أؤديه لك، ثم ألبست الموظف ومن معه حلة فاخرة وطيبت خاطره «انتهى». قد اتفق جميع المؤرخين على أن تلك السيدة العظيمة صاحبة العصمة قد أجرت المياه إلى مدينة مكة المكرمة من مسافة تبعد ثلاثة أيام منها؛ إلا أنه من الثابت أن السيدة زبيدة قد غادرت أرض الفناء، واتجهت إلى حجرتها المفروشة بالإستبرق (١) وذلك فى سنة (٢١٢) وظل ذلك العمل ناقصا إلى عهد السلطان سليمان بن السلطان سليم. ولما آل الأمر إلى السلطان المشار إليه بذلت كريمة السلطان السعيد الحظ مهرماه بعون والدها كل جهدها لإتمام ذلك العمل، وأوصلت المياه إلى مكة المكرمة. وبنت عدة عيون فى المسعى الشريف وبهذا أحيت أهالى مكة المكرمة بلد الله الأمين كما سيوضح فيما يأتى. وبناء على هذا فإن قصة تقديم دفتر المحاسبة إلى السيدة زبيدة لا أصل لها فهى مختلقة. إن منبع ماء حنين الذى أجرته السيدة زبيدة إلى مكة فى سفح جبل «ثنية» إلى جبل «طاد» العاليان أشد العلو والواقعان فى طريق الطائف. ويفيض هذا الماء من منبعه نحو حقول قرى حنين، وبعد ما يروى نخيل القرى الواقعة على طرفيه يستمر فى جريانه إلى أن يصل إلى حائط حنين (٢). إن السيدة زبيدة اشترت كل

стр. 615

حقول تلك القرى ومنعت زراعة تلك البساتين، وأقامت على الأماكن المناسبة من الجبال التى حولها سدودا متينة وحفرت مجارى لانتقال مياه الأمطار من سد إلى سد، وتمتلئ تلك السدود بمياه الأمطار وتتحول إلى نهيرات صغيرة مثل عين حنين، وتجرى بواسطة المجارى والقنوات حتى تصب فى أنهار مشاش، ميمونة، غفران، برود، طارقى، ثقبه، وخزيان، وكلها تتجمع فى مجرى وادى حنين الواسع، ومن هنا إلى خزان «بئر زبيدة» التى حفرت فى صحراء منى. وبعد ما أجرت السيدة زبيدة عين حنين إلى منى أوصلت ماء وادى النعمان إلى عرفات، ثم جمعت مياه حنين ومياه وادى نعمان وأجرتها إلى البئر العميق الكبير عن طريق جبل ضاب (١) الكائن خلف المأزمين بطريق المزدلفة وعاد والمرسلات من خلف جبل من جبال صحراء منى، وهذا الماء يجرى من جبل كرا (يقال له جبل قرى أيضا) إلى ساحة عرفات بواسطة المجرى الكبير الواسع المصنوع، ويملأ أحواض جبل الرحمة ثم يملأ خزان بئر زبيدة الذى سبق ذكره. قد اتخذت بئر زبيدة خزانا ومقسما لمياه عرفات وحنين؛ لأجل ذلك غطيت بصخور عظيمة ليس فى قدرة الإنسان نقلها أو تقليبها من جهة إلى أخرى، وذلك لتفادى أذى عربان البادية وتأمينها من أضرارهم. إن الماء الذى جلب من وادى النعمان ينبع من سفوح الجبل الذى عرف بين الأهالى (بجبل قرا) أو (كدا) أو (كرا) إن هذا الجبل قائم فوق جبلين فى ارتفاع جبل الرحمة "لذا فهو بالغ الارتفاع والمساحة من قمة هذا الجبل إلى الطائف نصف يوم. إن الذين يصعدون على هذا الجبل أو يهبطون منه مرة يبلغ بهم التعب حتى لا يقدرون الصعود إليه أو الهبوط منه فى نفس اليوم. والماء المعروف بعين عرفات يجرى من صحراء النعمان ولذلك تجد الأماكن التى تجرى فيها تتأثر برطوبتها وتنبت أنواع الأشجار. وأقسام النباتات والأزهار فيما حولها وتتحول إلى رياض منتظمة.

стр. 616

وبناء على ما ذكره المؤرخون الأعلام فإن طول المجرى الذى حفرته السيدة زبيدة يبلغ (١٤٣٠٣٨) قدما وأربع بوصات وقد صرف فى حفرها وتسويتها مليونا وسبعمائة مثقال ذهب كاملا كما سبق ذكره. لطيفة قد رأى أحد الصلحاء فى رؤياه السيدة (١) زبييدة فى رياض الجنة وقال لها «هل غفر لك لتوصيلك المياه إلى مكة المكرمة» فأجابت قائلة: «إن ما أنفقته من المبالغ لأجل الماء كانت من حقوق العباد وما حدث منها من الأجر والثواب وزع على أصحاب الحقوق، ولكننى كنت يوما فى مجلس الأنس والشراب فسمعت الأذان المحمدى، فتركت الشرب واستشهدت من خلف المؤذن، إن عملى هذا قد حاز رضا ربى الرحيم وقال مخاطبا الملائكة: «إذا لم يكن توحيد ألوهيتى راسخا فى قلب زبيدة لما أسرعت فى الاعتراف بوحدانيتى بترك مجلس الهناء والسرور فاشهدوا أننى رضيت عنها وغفرت لها «وبصدور هذا الخطاب الإلهى الجليل وصلت لما أنا عليه من مرتبة عالية وإننى الآن فى أحسن حال». هذا كان ردها للشيخ الصالح. انتهى «روح البيان». وقد أنقذت السيدة زبيدة أهل مكة من ضائقة الماء، إذ أوصلت هذه المياه إليها وكذلك خدمت الحجاج الكرام خدمة عظيمة بهذا العمل الجليل. إلا أن السيول التى تنهمر من الجبال قد خربت قنوات هذه المياه ومجاريها مع مرور الأيام، كما أن تقلبات الزمن وقلة الأمطار قد محت وخربت جميع الطرق وقضت عليها، وأجبرت سكان المدينة الشهيرة مكة المكرمة على أن يجلبوا الماء من أماكن بعيدة، كما أن مياه الآبار أخذت تنضب فى سنة ٢٤١ فأجهد الظمأ الناس أيما إجهاد، وفى أثناء ذلك أوصل الخليفة العباسى المتوكل المياه التى جلبتها السيدة زبيدة إلى عرفات إلى مكة المكرمة حافرا مجرى آخر، وبهذا نال الأجر والثواب وكأنه أحيا جيران كعبة الله من جديد (٢) إلا أن المجرى الذى حفره فسد

стр. 617

وخرب بعد مائتين وخمسين عاما، وهكذا ابتلى سكان بلدة الله مرة أخرى بالظمأ. قد أصلح وعمر قنوات هذه المياه ومجاريها كل من الملك المظفر بن كوكبورى بن على فى عام (٥١٤) وصاحب أردبيل مظفر الدين فى سنة (٦٠٥) والمستنصر بالله العباسى عام (٦١٥) وفى سنة (٧٢٦) ملك العراق أبو سعيد خدابنده الأمير جوبان (١) وفى سنة (٨١١) الشريف حسن بن عجلان أمير مكة المعظمة وفى سنة (٨٢١) أبو النصر الشيخ محمود من ملوك الشراكسة وفى سنة (٧٧٥) السلطان قايتباى المصرى، وفى سنة (٩١٧) عمقها الغورى وطهرها كما أصلح مواضعها الخربة ونظفها وأنقذ أهالى مكة المعظمة الكرام من شح الماء إلى حد ما. وبعد فترة تقلبت أحوال الزمان وتخربت مجارى المياه بأكملها وتوارى ماء حنين وعرفات الذى يشبه ماء الحياة فى ظلمات التراب؛ وكابد أهل مكة شح المياه إلى حد أنهم اضطروا فى أيام عرفات إلى جلب الماء من الوديان القاصية. وهذا واقع صحيح.

стр. 618

وإن كان جلب الماء من الوديان البعيدة التى تحيط بها المهالك والمعاطب اقتصر على السّراة من أصحاب الثروات الطائلة فقد انصرفت طائفة الفقراء والمستضعفين عن طلب كسرة الخبز ولم يعد لهم من مطلب سوى الماء. فضلا على استحواذ المحتكرين من الأثرياء على الماء الذى يجلبه السقاءون، وكانوا يبيعونه بباهظ الأثمان فأفعموا جعبة حرصهم وبخلهم. وفى أواخر عام ٩٣٠ جرى قضاء الله بأن تنقطع كذلك مياه الأودية البعيدة ولذا بيعت القربة الصغيرة من الماء التى يمكن حملها بإصبع بدينار من ذهب، ووقف الموحدون فى ساحة السعادة فى جبل الرحمة وقد نال منهم الظمأ حد أنهم كانوا على استعداد للتضحية بأرواحم فى سبيل الحصول على الماء. ولما بلغ شح الماء ذلك الحد لزم الحجاج - الذين أحرقت أكبادهم من نار الظمأ - والسكون يغمرهم الاستغفار وما كان إلا أن انتظروا نزول رحمة الرحمن الرحيم، وبدءوا يبسطون أكف الضراعة بدعاء الاستسقاء، ووقع دعاء الحجاج موقع القبول والاستجابة لدى ربهم، فانهمر المطر مدرارا كما لم ينهمر من قبل وبصورة لم يسمع عنها الشيوخ من قبل، وجرى السيل تحت أرجلهم، وأخمدوا نار ظمئهم، وبعد أن ملأوا قربهم وسقوا حيواناتهم ودوابهم انخرطوا فى شديد البكاء. وعندما نما إلى علم السلطان سليمان خان سلطان الزمان معاناة المؤمنين شح المياه واضطرابهم فى ساحة عرفات وتخرب مجارى المياه على النحو الذى أسلفناه أصدر أوامره بتطهير طرق عين عرفات وعين حنين وتسويتهما. وأسند هذه المهمة لمن يسمى مصلح الدين أفندى وهو من مجاورى بلدة الله، ثم أخطرت إمارة مكة المكرمة من قبل الباب العالى وأحضرت علامات الإمارة إلى مصلح الدين أفندى، وعهد إليه بالمهمة المذكورة بتفويض من السلطان عالى المقام. وفى عام ٩٣١ بدأ مصلح الدين أفندى يعد العدة لتلك المهمة فطهر مجارى مكة وعمرها على خير وجه، ثم أصلح البرك والأحواض فى عرفات مكة

стр. 619

المكرمة وروى بالأجر سكان الحرم من عين حنين واشترى مصلح الدين أفندى طائفة من العبيد السود (١)، وركب سفينة من ميناء السويس وكانت قد أعدت ليمضى بها إلى الآستانة ليعرض على الباب العالى كيفية توظيف هذه الطائفة فى مهمة تطهير مجرى القنوات، ومات - رحمة الله عليه - غرقا فى عباب بحر القلزم. بينما كان مصلح الدين أفندى يقوم بإصلاح مجارى عينى حنين وعرفات عين مهندسا وكاتبا يرأسهما ناظر، وذلك من أجل سرعة إصلاح أى جزء يلحق به الخراب من المجارى والقنوات، وبعد ذلك بنى قبة حجرية فوق موضع تفرع المجرى، ووضع ميزابا من خمسة وأربعين لوحا حتى إذا ما فنيت مياه أى لوح أو نقصت يعرف أن ثمة خراب قد لحق بمجرى تلك الناحية فيتم إصلاحه في الحال. وبفضل الترتيب المذكور لم يتعرض أهل مكة لشح الماء لفترة وعلى الرغم من ذلك فإنه بعد وفاة مصلح الدين أفندى بما يقرب من ثلاثين عاما طغى سيل من جرائه تخربت أغلبية مواضع المجارى المائية، ومن ثم بدأت مياه الينابيع فى مكة فى النقصان، وبدأ سكانها الكرام يلقون التعب والمشقة بسبب شح الماء، وعندما رفعت الإمارة الجليلة لمكة الأمر إلى الباب العالى وتلقت الإمارة المذكورة الرد وأخطرت بالمواضع الواجب إصلاحها وتعميرها، وبعد الكشف والمعاينة استدعى شريف مكة أشرافها وأعيانها للتشاور، وقرأ عليهم الأمر الوارد من الباب العالى. وعلى أثر ذلك اجتمع قاضى مكة عبد الباقى بن على المغربى أفندى ومتصرف جدة خير الدين بك وطائفة مثلهم من أرباب الدراية والمعرفة. وعقدوا مجلسا للتشاور وتبادلوا الآراء والمشورة بشأن طرق المياه مكة المكرمة، ومن بعد اتفقوا رأيا على أن عيون عرفات أبرك من باقى العيون، ومجاريها معلومة. وإذا ما

стр. 620

نظرنا إلى ما أفاد به الخبراء فإن هذا الماء على الرغم من أنه ينبع من موضع يسمى «أوجر» يمر من منى عن طريق وادى النعمان وعرفات، ويحضر إلى بئر زبيدة. وإذا ما طهرت مجاريها وطرقها على الوجه الأقوم فإنه سيتكلف (٣٠،٠٠٠) دينار من ذهب، وقالوا إنهم سوف يقومون بتسوية وإصلاح وتنظيم ما يقرب من (٤٥،٠٠٠) ذراع معمارى فى وادى مكة وقد وقع هذا الرأى موقع القبول لدى هيئة الشورى، وعرضوا ما توصلوا إليه من قرارات على الإمارة المشار إليها مرفقة بتقرير. ومن ثم عرض شريف مكة المذكور الصورة الأخيرة لما سيكون عليه المجرى بعد الإصلاح والقرار المذكور على الباب العالى وذلك على الوجه المفصل. ولقد ورد التزام من كريمة السلطان صاحبة الخيرات، إكليلة المخدرات، تاج المحصنات بتعمير المواضع الخربة، وإجراء الماء داخل مكة، وإنشاء العيون فى المواضع القريبة من حرم الكعبة؛ وذلك لإحياء أهالى بلدة الله، ولأن ذلك عادة من المبرات السلطانية فقد صرف (٥٠،٠٠٠) دينار لإبراهيم بك دفتر دار (وزير مالية) مصر القاهرة الأسبق، وأرسل إلى مكة المكرمة، وفى يوم الجمعة الثانى والعشرين من ذى القعدة عام (٩٦٤) أو (٩٦٧) وقبل عام (٩٧٠) قدم إبراهيم بك إلى جدة، وفى اليوم التالى وصل إلى حضرة سيد حسن بن نمى شريف مكة فى وادى مر الظهران، ومضى فى معية المشار إليه إلى مكة وبعد الطواف نزل فى دار أعدت له خصيصا. وفى غضون خمسة وعشرة أيام وبفضل كثير من العمال بذل الجهد فى تطهير وتعميق الآبار التى غاض ماؤها ومجرى عين عرفات، وبعد الحج نصبت الخيام فى وادى عرفات من أجل تعمير طريق جبل الرحمة، واستخدم ما يقرب من أربعمائة عامل فى أعمال تنظيف المجرى، واستقدم إبراهيم بك مهندسين أكفاء وكثرة من البنائين وزاد من عدد العمال يوما بعد يوم، وأصلح المجارى حتى بئر عين زبيدة، ولكنه لم يستطع أن يعثر على المجرى القديم الذى يمتد بعد بئر عين زبيدة.

стр. 621

وكان العمال الذين استخدمهم (إبراهيم بك) عددهم أربعمائة نفر من جنس العبيد وكانوا يصلحون لعمليات الحفر فعمقوا وطهروا مجارى العيون من (أوجر) إلى حدود (المزدلفة ولما كانت عمليات الحفر بعد (المزدلفة) أشق طلبوا مزيدا من العمال وأبلغ إبراهيم بك عدد العمال إلى ألف وبذل جهودا جبارة وأظهر مروءة عظيمة، وأنفق أكثر من ألف قطعة ذهبية، إلا أن العمل أخذ يتأخر يوما بعد يوم ويتباطأ، ولما رأى أن حفر وتعميق المجرى الكائن بين المزدلفة ومكة المكرمة فى حكم المستحيل، عرض الأمر إلى الجهات العالية، واستقدم من صعيد مصر والشام وحلب واليمن وباب السعادة إستانبول عمالا متخصصين فى حفر الآبار ومجارى المياه والحدادة والبناء ووزع لكل واحد منهم عمله لإجراء التعميق، إلا أنه فهم أن مجرى الماء ينتهى عند بئر زبيدة وراح فى تفكير عميق فى الندامة والحيرة؛ لأن السيدة زبيدة لم تستطع أن تحفر مسافة ألف ذراع معمارى بعد البئر الذى ينسب لها فتركته وأجرت مياه عرفات إلى مجرى حنين ووحدت بين الجدولين، واستطاعت أن تدبر مقدارا من المياه يكفى لأهل مكة ولم توحد بين عين عرفات ومجرى عين حنين بتغيير مجراهما؛ كان عليها أن تنشغل بنقب وثقب قطعة واحدة من الصخرة التى يبلغ طولها ألف ذراع معمارى وعرضها مع عمقها خمسين ذراعا. وكان فى هذا إنفاق للمال عبثا، وأكد فكرة أن إنجاز هذا العمل خارج طاقة الإنسان ولأجل ذلك تركت ذلك المكان، وقررت أن توجد بين مجرى عرفات ومجرى مياه حنين وتوصلت إلى هدفها عن طريق أوفق لغايتها. وأراد إبراهيم بك من شدة حيرته واضطرابه أن يقوم بعمل لم تستطع أن تقوم به السيدة زبيدة، وتخيل أنه يستطيع أن يثقب ذلك الطريق الحجرى بطريقة أو بأخرى فحفر أولا وعمق مكانا ليبلغ طوله سبعة أذرع وعرضه خمسة أذرع وأمر برفع ما عليه من التراب، ثم جلب من جبل جزل حمل مائة بعير من الحطب وأراد أن يعمق بحرق الحطب فى داخل ما تم حفره ما مقداره خمسين ذراعا إلا أنه لم يستطع أن يحفر فى ليلة كاملة إلا مقدار إصبعين كسره بأدوات حديدية،

стр. 622

وأدرك أن تعميق مكان طوله ألف ذراع مقدار خمسين ذراعا يحتاج إلى عمر نوح ومال قارون، إلا أنه أنفق أموالا لا تحصى بفكرة إنقاذ الشرف السلطانى الساذجة، ولم يبخل من بذل أقصى الجهود لحفر المجرى إلا أنه لم يستطع أن يتجاوز أكثر من عشرين ذراعا، وفى النهاية أنهى جميع نقوده وأرسل إلى باب السعادة رسلا لعرض الأمر وليستأذنه فى كيفية التصرف بعد هذا الفشل، ولكن الرسل الذين بعثهم إلى إستانبول غرقت سفينتهم فى البحر الأحمر، وفى هذه الفترة مات ثلاثة من أبنائه واحدا تلو الآخر، كما مات وكيل أعماله وكثير من عبيده وعقب ذلك ارتحل أيضا إلى قصور الجنة سنة (٩٧٤) ليلة الاثنين الثانى من رجب ودفن فى قبره الذى كان قد هيّأه قبل وفاته (١). وبعد وفاة (إبراهيم بك) عهد إلى قاسم بك حاكم جدة بمهمة تطهير المجرى ولحكمة ما توفى هو أيضا بعد مرور سنتين من تعيينه، فأحيلت تلك المهمة المقدسة لمفتى مكة المكرمة الشافعى القاضى حسين أبى بكر الحسينى. وقد قام الشيخ حسين بمهمته أحسن قيام واستطاع أن ينهى عمله في ظرف خمسة أشهر على أحسن وجه وأنجز ما لم يستطع أن يقوم به من سبقوه فى اثنى عشر عاما. واستطاع أن ينهى العمل الذى بذل فيه الجهود الحميدة منذ عهد السلطان سليمان خان الغيور على دينه، أى العمل الذى استغرق سبعة عشر عاما فى الحفر والتعميق وأوصل عين عرفات إلى مكة المكرمة وبإمرارها من نفس الطريق الذى أراده المرحوم إبراهيم بك وذلك فى سنة (٩٧٦) على قول أو سنة (٩٧٩) على قول آخر، أو فى الأيام العشرة الأخيرة من ذى القعدة سنة (٩٨١) وفقا للرواية الثالثة. وأنشأ فى داخل المدينة أحواضا كبيرة وصهاريج عظيمة وملأها بالماء، وأحيا العالم الإسلامى، إن العمل الذى بدأ لإنشاء مجارى المياه وقنواتها فى عهد

стр. 623

السلطان سليمان انتهى فى عهد السلطان سليم، وغبطت بلدة الله بكثرة مياهها، ودخل ماء عرفات فى داخل المدينة، وروى الحجاج العطاش وأخذ أهالى مكة المكرمة والمجاورون ذوى الاحترام يحتفلون، ويحث بعضهم البعض على الدعاء بالخير للسلطانين المشار إليهما ويقولون: إن الأعمال الخيرة الجميلة التي لم يقدر على القيام بها أى واحد من السلاطين السابقين والخلفاء المعتمدين، قد قدرت ويسرت لهذين السلطانين العظيمين. وفى اليوم الذى وصل فيه الماء إلى المدينة المقدسة مكة الله أقام المفتى السابق الذكر حسين بن أبى بكر الحسينى فى رياض الأبطح لجميع الأهالى وليمة عظيمة، وذكر جهود السلطان وفتح صنابير جميع الينابيع وملأ مستودعات مياه الينابيع بحلو الشراب وسقى الأهالى، واستجلب الدعوات لطول بقاء الدولة العثمانية. ومما يروى عن ثقة أن الأطعمة التى قدمت فى هذه الوليمة كانت عظيمة وافرة إذ نحر مائة جمل ومثلها من الأغنام، وأقيمت الخيام لجلوس القوم كل حسب مكانه وشرفه ودعا إليها أعيان القوم وأشرافهم وعلماءهم وصلحاءهم، وقدم لهم الطعام وبعد الطعام ألبس المهندسين ومهرة العمال الخلع، ووزع على الآخرين العطايا السنية وأبلغ بكل ما تم عمله لجلب قلوب الناس إلى السلطان الموصوف بمكارم الأخلاق، فما كان من السلطان إلا أن أرسل الخلع الفاخرة وعطايا كثيرة من إستانبول لتوزيعها على الذين خدموا فى توصيل العين المذكورة بجد وصدق من الأهالى. أما المفتى الشافعى القاضى حسين بن أبى بكر الحسينى المشهود له عند الجميع بجهوده العظيمة وعظيم بلائه فقد كرم أعظم تكريم مما ملأ قلبه بالعظمة والسرور، وفى حقيقة الأمر إن أهل مكة كانت حاجتهم شديدة إلى ماء جار مثل عرفات؛ لو لم توصل كريمة السلطان مهرماه عين زبيدة إلى مكة المكرمة لما بقى لأهل مكة إلا واحدا من الحلين الاثنين: إما أن ينتقل أهل مكة إلى بلاد أخرى يهاجروا إليها، وإما أن يتحدوا جميعا ويصرفوا كل ما فى جهدهم ليطهروا مجرى عين زبيدة والعمل على جلبها من جبل الرحمة.

стр. 624

ولما كان الحل الثانى غير قابل للتنفيذ بل مستحيلا كان عليهم أن يبتلوا بالفراق عن الوطن وأن يتفرقوا فى بلاد شتى وأن يحترقوا بنار فراق كعبة الله ثم يفنوا. وجلب ماء عرفات إلى الحرم الشريف رد الحياة لأهل مكة وذريتهم فبقوا فى موطنهم القديم، والآن ما من أحد فى مكة إلا وقلبه يمتلئ غبطة ومسرّة ولسانه يلهج داعيا بالبقاء للدولة العثمانية. فيما يلى من كلامنا وصف لماء عرفات من حيث صفائه وعذوبته ومدى حاجة أهل مكة لهذا الماء، وهذا ما جعل هذا الأمر موضع بر الأميرة مهرماه وإحسانها بين المحسنين. مقال إن ماء عرفات ماء جار كأنه ماء الكوثر وعين الحياة وماء تسنيم، ويجرى بالقرب من موقف عرفات ويبحث عن حرم مكة العطشانة ليمسح وجهها ويطفى ظمأ أهل مكة المشتاقين بمائه الزلال. أبيات إن رغبة أهل هذا البلد إلى الماء الجارى لأمر عجب ما أن يشاهده الظمآن منهم إلا وجرى ريقه. فأجرت الأميرة (مهرماه). بنت سلطان العالم السلطان سليمان خان .. صاحبة الخيرات هذه العين إلى داخل المدينة .. منفقة الأموال الطائلة. وهكذا سقت المسلمين العطشى. والحق أن ما قامت به من همة عظيمة. ليغار عليها خلفاء سكان المغرب ودار السلام. وحكام اليمن وسلاطين مصر والشام

стр. 625

وفى نار الحيرة يحترقون .. ولقد أسدت خدمة عظيمة. تجعل ملوك الربع المسكون .. من العالم وملوك سوالف القرون .. من رغبتهم فى لجة يغرقون واستهل العمل فى سنة ٩٧٠ (١). ومع الاستعانة بالمهندسين المعامرين الذين يتمتعون بذهن ثاقب وذكاء خارق الذين حطموا الصخور الصماء بهمة كأنها فأس فرهاد. وأنهوا العمل فى تسعة أعوام (٢) وأنفقوا النقود كالماء السائل حتى ظهر ذلك الجدول الجميل وكأنه فضة مذابة. شكر الله سعى مجريها. انتهى «ذيل الشقائق النعمانية». وبما أن عين زبيدة احتاجت للتعمير والتطهير مرة أخرى فى عهد السلطان مصطفى بن السلطان أحمد سنة (١١٨١) بإشعار من إمارة مكة المكرمة فأرسل من قبل السلطنة السنية موظف يسمى فيض الله أفندى الذى طهر العين كما ينبغى، عمر وسوى الأماكن التى تحتاج للتعمير، وأنفق فى سبيل ذلك (٨٨٦،٠٠٠) قرش وأتم العمل فى ظرف ثلاث سنوات فى سنة (١١٨٤).

стр. 626

إلا أنه فى تلك المدة لم يكلف بإصلاح مجرى عين زبيدة فقط بل شمل التعمير والإصلاح مجارى عين عرفات والعيون الأخرى، كما أصلحت مجارى جميع العيون الواقعة بين عين حنين وعرفات، وهكذا زادت المياه فى جميع المجارى. ودام هذا التعمير أربعا وخمسين سنة، وفى خلال هذه المدة لم يكابد أهل مكة من نقص المياه، ولكن فى عام (١٢٣٥) مست الحاجة إلى تعمير بعض العيون لما كان السلطان محمود خان أصدر الأمر إلى والى مصر محمد باشا بأن يبادر بإصلاح أى مكان فى الحرم الشريف دون استئذان منه، فأصلح الباشا المذكور مجارى المياه التى تحتاج إلى إصلاح وأحيا عين زبيدة من جديد، وأبلغ الأمر إلى باب السعادة سنة (١٢٣٥). وبعد تعمير محمد على باشا قد انضمت إلى مجرى عين زبيدة مياه عين أخرى يقال لها زعفران، ولهذا زادت مياه عين زبيدة وكان ذلك بهمة زائر هندى كريم من أصحاب البر والإحسان يقال له «الماس أغا» وشرع هذا الرجل فى حفر بئر بالقرب من مجرى عين زبيدة، وعمق البئر حتى يزيد من مياهه بينما هو يعمق هذا البئر ظهر مجرى ماء تحت التراب، فسماه عين الزعفران وأجراها إلى مجرى عين زبيدة، فوحد بين الماء وبين ذلك البئر سنة (١٢٦٣). وأهمل ما رممه وجدده محمد على باشا والى مصر تحت رعاية السلطان محمود خان، وفى غضون خمسة وثلاثين عاما وتهدمت عدة مواقع مما جدد ورمم، وظهرت مشكلة ندرة المياه فى مواسم الحج، ولم يبلغ (١) الأمر إلى السلطان ومقام الخلافة الإسلامية، فبدأ أهالى الحرمين يتوجسون خيفة من انقطاع ماء عين زبيدة كلية؛ إلا أن أحد الزوار الهنود من قبيلة ميمن وهو «الشيخ عبد الرحمن سراج» طهر وعمر ذلك المجرى مستخدما مائتى نفر يوميا فى ظرف شهرين، وهكذا نفث عن الناس كربتهم وذلك عام (١٢٩٥).

стр. 627

وبما أن الشيخ عبد الرحمن سراج كان محبا للخير لم يقتنع بتعمير وتطهير مجرى عين زبيدة؛ بل امتد عمله إلى إجراء زمزم الشريف الذى كان يستعمل فى داخل الحرم الشريف إلى محل بعيد عن الحرم، لأن المجرى الكبير المديد الذى أنشئ فى صدر الإسلام أصابه التلف والخراب مع مرور العصور، فرممه على أحسن وجه وعمره، ثم عمر وسوى الأماكن التى فى حاجة لذلك فى خارج الحرم وداخله وبهذا خدم الجماعة الإسلامية أعظم خدمة. وكان الشيخ عبد الرحمن سراج كما يروى يشرف بنفسه على العمال، وكان يرجوهم أن يقوموا بأعمالهم على أحسن وجه حتى يتم العمل فى متانة ورصانة ويوصيهم بذلك، واستطاع أن ينتهى سواء من مجرى زمزم أو المواقع الأخرى فى ظرف ثلاثة أشهر أو أربعة مستخدما يوميا ما بين مائتى عامل أو ثلاثمائة منهم .. ألا فليرض الله عنه وليوفقه فى القيام بأعمال خير أخرى. وبعد سنتين من إصلاح الشيخ عبد الرحمن سراج الهندى للمجرى المذكور قدم غنى أفندى من حكام الولايات فى الهند مبلغا قدره (٤٠٠٠) ليرة عثمانية وذلك من أجل إتمام تعمير وتعميق المجرى المذكور، وقد حفظ هذا المبلغ فى خزينة المديرية للإنفاق منه حينما تستدعى الحاجة وذلك فى عام ١٢٩٧. آخر تعمير لعين زبيدة وقد رمم مجرى عين زبيدة فى عهد والى مصر محمد باشا كما سبق ذكره آنفا، إلا أن هذا التعمير كان جزئيا يشبه إصلاح الطرق هنا وهناك. قد تهدمت مجارى الماء بسبب السيول التى تتعاقب بكثرة فى البلاد الحجازية نتيجة لخصائص جو هذه البلاد، واحتاجت إلى تعمير شامل ولكن انشغال أولياء أمور الدولة بهمومها المتوالية حال دون الاهتمام بمصالح أمور الحجاز لذا لم يعمر مجرى عين زبيدة فترة طويلة، وبقاء المجارى دون تعمير بعد تهدمها تدريجيا وترك العقود والدعائم دون ترميم أدى إلى نقص المياه يوما بعد يوم، وهى قوام حياة الأهالى.

стр. 628

ودب الخراب فى المجرى وتصدع فضاع الماء الذى تسرب من بين الصدوع والشقوق، ولو بقيت القنوات على تلك الحال فترة أطول سوف يؤدى ذلك فى المستقبل إلى ابتلاء أهل مكة بضيق شديد من قلة المياه، ولما أدرك الكل ما ينتظرهم عرضوا الأمر على مقام الخلافة، فجاء الأمر السلطانى بتكوين لجنة من أعيان مكة وجدة تعنى بتعمير مجرى عين زبيدة وتسويتها وترميمها، وعين لرياسة تلك اللجنة الشيخ عبد الرحمن سراج أفندى الذى كان عمر وأحيا عين زعفران بإنفاق مئات من الليرات الفرنسية وذلك فى المحرم سنة (١٢٩٦). وكان من أهم ما كلفت اللجنة به تعمير ذلك المجرى بطريقة متينة ورصينة، وأخذ نفقات التعمير من خزينة الدولة ودون إحداث خلل عند الإنفاق، وبما أن الخزينة المالية للدولة تمر بأزمة حادة رأت تلك اللجنة ألا تكون حملا على خزينة الدولة وأن تدبر أمورها على هذا الأساس، وكان الممولون المسلمون يتمنون من فترة أن يشتركوا فى تعمير عين زبيدة، وعلى هذا جمعت كثير من المعونات المالية من أهالى جدة ومكة بحثّ اللجنة وسعيها الحثيث. وأعطى الرئيس المذكور الشيخ عبد الرحمن سراج بمفرده خمسمائة روبية (٥٠٠٠ قرش) كما أن أصحاب الخيرات من الممالك الإسلامية أرسلوا معونات مناسبة لثرواتهم: فأرسل على خان (١) من ولاة الهند وحاكم (رانبور) (١٠٠٠٠٠) روبية وملكة (بهوبال) «السيدة جيهان بيكم» (٢٠٠٠٠) روبية والشيخ «عبد الغنى بهادر» من مشاهير أصحاب الخيرات وابنه «محمد أحسن الله» خان بهادر كل واحد منهما (٢٠٠٠٠) روبية وسيد عبد الواحد المقيم فى (كلكتا) ألفين وخمسمائة روبية (٢) وأرسلوا كل هذه المبالغ مع «الحاج نور محمد زكريا» وكيل صحيفة الجوائب فى الهند. وهذه الإعانات من قبل حكام الهند الكرام غمرت نفوس أهل مكة بالبهجة والسرور، ولما وصلت الإعانة الهندية إلى جدة وكان مقدارها (١٦٣٥٠٠٠)

стр. 629

قرش وقد ذكر أعضاء اللجنة وجمع غفير من الأهالى المحسنين بالحسنى ودعوا لهم بكل خير أن اللجنة الخاصة التى تشكلت فى مكة للإشراف على إصلاح وتعمير مجرى عين زبيدة كما سبق ذكره أعلنت بمهمتها الجهات الأربعة من أقطار الممالك الإسلامية، وفى ذلك الوقت تشكلت فى مصر المعروفة برجالها المحسنين لجنة من وزارة المعارف المصرية، دبروا لها فروعا فى مديريات البلاد المصرية كما فعل مسلمو الهند، واستطاعت أن تجمع فى فترة قصيرة (١٥١٦٧) قطعة ذهبية مصرية وكسورا وأرسلتها إلى مكة المكرمة. وهذه المبالغ هى مبلغ (٤٢٠٠) ليرة من مديرية الغربية و (١٦٠٠) ليرة من المنوفية و (١٢٢٦) ليرة من القليوبية و (٦٠٠) ليرة من قنا و (٧٨) ليرة من الجيزة والباقى من موظفى الدوائر الخديوية وأرباب الحمية من رجال القاهرة. وبناء على الأخبار التى أعلنتها الصحافة المصرية أنه يؤمل أن تصل إعانة مديرية الغريبة إلى (٥٠٠٠) ليرة كما أن المديريات الأخرى التى لم ترسل المعونات بعد ينتظر أن تصل منها معونات كثيرة. وبناء على أخبار التحقيقات التى نشرتها صحيفة وقت فى نسختها الصادرة فى ٢٦ ذى الحجة سنة ٩٧ أن أهالى الهند المسلمين قد جمعوا إلى الآن مبلغ (٦٠٠٠٠٠) روبية ومازالوا يجمعون. وقد نشرت صحيفة حوادث مستقية أخبارها من صحيفة الوطن المصرية وبناء على الفقرات التى أدرجتها فى نسختى ٤٤٨٩ و ٤٥٠٣ أن المعونة الهندية وصلت إلى (٦١٠٠٠) قطعة ذهبية مصرية وأن رئيس الجمعية الهندية للمعونات عبد اللطيف خان بعث ابنه إلى السويس لعقد مقاولة مع الجمعية المصرية للمعونات، كما أوفدت جمعية الإعانة المصرية أحمد ناشد بك إلى مكة المعظمة لتقديم النفقات اللازمة لتعمير عين زبيدة، وبناء على الرسالة التى بعثها أحمد ناشد بك الذي أرسل من إمارة مصر للتحقيق فى تعميرات عين زبيدة ونشرتها صحيفة الجوائب، أن المسافة من جبل عرفات الذى

стр. 630

فيه عين زبيدة إلى مكة المكرمة تبلغ ستة آلاف ذراع تقريبا، وقد عهد بإصلاح مجارى عين زبيدة فى هذه المسافة للمهندس (١) الذى عينته الجمعية. أما المواضع التى أصلحت علاوة على ذلك فهى المسافة الممتدة من عرفات حتى وادى النعمان وقدرها (٣٣٥٠) ذراعا كما تم الاتفاق مع المهندس المذكور على أن تكون تكاليف كل ذراع ١٦ ريالا وثلاثة أرباع الريال، وقد أنجز تلك المهمة على الوجه الأكمل وكان ذلك فى ٢٩ رجب سنة ١٣٠٠ هـ. قد بلغ ما جمع من حجاج الهند وأهالى مكة وغيرهم من المعونات إلى هذا التاريخ مبلغ (٨٢١٦٨) قطعة ذهبية وأرسل (٦٧٠٠) قطعة ذهبية منها من صندوق بومباى. وقد أنفق مبلغ (٥٥،٢٨٧) قرشا لإصلاح وتعمير مجرى عين زعفران التى ضمت لعين زبيدة وذلك بشرط أن يحسب الريال بثمانية وعشرين قرشا ولليرة خمسة عشر قرشا والباقى من المبلغ صرف لطرق عين زبيدة وإصلاح مجاريها. والسبب فى اضطرار اللجنة إلى إنفاق هذه المبالغ الطائلة من الدنانير الذهبية هو انسداد وانغلاق المنبع البالى لعين زبيدة، يعنى انسداد مجمع مياه وادى حنين ووادى النعمان وانغلاق ذلك المجرى الواسع وأيلولته للخراب. إن ذلك المجرى يأتى إلى قهوة عرفات من تحت الأرض وعن طريق وادى النعمان، وبعد ذلك يجرى على وجه الأرض أحيانا ومن داخل الأرض حتى يصل إلى مجرى مغطى يسمى فقير الدبيلو «خومة وخاسرة» حتى يصل إلى قناة صناعية تسمى «بازان الجديد» وهنا يخرج على سطح الأرض ويمر بقناتين صناعيتين قنطرة العابدية والمزدلفة، ويصل إلى رقم الوبره ومنه إلى مفجرة وبعده بازان الجنة الواقعة فى منى وعقب ذلك إلى القناة الصناعية «بازان القاضى». وبعد ذلك يهبط بحذاء دار الشريف عبد المطلب ويصل إلى مكة المعظمة، وإذا ما قيست هذه المسافة فهى تصل إلا ثلاثين كيلومترا.

стр. 631

وقد قسمت اللجنة أعمال إنشاء عين زبيدة وتعميرها إلى قسمين القسم الداخلى والقسم الخارجى . القسم الأول: المواقع التى يعمر خارجها: وقد بدئ فى تعمير هذا القسم من جهة وادى النعمان حتى المجرى. إن مقدار خمسة عشر مترا من المجرى المذكور قد هبط واندرس وانمحى، وبدأت اللجنة أعمالها من هناك وفتحت مجرى جديدا يصل طوله لأربعمائة متر تقريبا، وأوسع من الأول ويسع داخله أن يمشى فيه إنسان ويتحرك، وبنى بشكل متين ورصين. وبعد ما أنهت اللجنة أعمال المجرى على خير وجه أمر بفتح جميع أطراف المجرى ابتداء من وادى النعمان إلى قهوة عرفات. ومن هناك إلى جبل الرحمة ومن هنا إلى حومة وخاسرة وبازان الجديدة وقنطرة العابدية إلى المزدلفة، ومن المجرى أجزاء قد آلت إلى الخراب بحيث لا يمكن بقاء المياه فى داخلها فتركت هذه المجارى القديمة، وأمر بحفر مجارى جديدة كما أنها عاينت المواقع التى يمكن إصلاحها بعد أن أفرغتها من المياه وتفقدتها من الداخل ومن الخارج، «ثم أمرت بتعميرها واستخدمت الأسمنت فى تغطية جدران المجارى، وهكذا شيدته تشييدا رصينا. ثم أمرت بتغطيتها بأغطية حجرية وفتحت فى بعض مواقع المجرى ما يشبه الأحواض حتى يستقى منها عربان البوادى، ويسقون دوابهم بعد أن أصلح المجرى حتى بئر زبيدة كما سبق شرحه. فأخذت المياه تجرى فيه بغزارة حتى خربت بعض الأماكن الضيقة من المجرى، ورئى أن تفتح مثل هذه الأماكن وتوزع مياهها؛ ولأجل ذلك فتح بجانب مسجد المزدلفة وبين المزدلفة وعرفات حوضان عميقان للهبوط والصعود على جانبيهما، كما بنى منبع عظيم يهبط إليه ويصعد منه بالسلم وتركت الينابيع القديمة على حالها بعد تعميرها وتقويتها.

стр. 632

ونتيجة لإصلاح المجرى وتعميره بهذا الشكل أخذت تجرى إلى مكة فى كل دقيقة (٥٠٠٠) أوقية ماء وبما أن نصف هذه الكمية من المياه تكفى لإرواء كل أهالى مكة وسقيهم، فالمياه الباقية تجرى إلى بركة الأماجد حيث تكونت حولها بساتين شاسعة. القسم الثانى: تعمير المواقع الداخلية: أقيمت فى مكة تسعة صهاريج احتياطية وعدد من خزانات المياه ذات الصنابير، وشرع فى إنشاء الصهاريج الاحتياطية حيث أنشئ صهريج عظيم فى اتساع مائة وخمسون مترا مربعا، إن هذا الصهريج في حجم يكفى لاستيعاب (٤٤٧٠) أوقية من الماء بعد ما تم إنشاء هذا الصهريج، أنشئ صهريج آخر فى الحى المتصل بالموقع المسمى بالشيخ محمود يعنى فى حارة الباب، واتساعه أربعة وستون مترا مربعا، ويستوعب هذا الصهريج (٢٠٠٠) أوقية من ماء وبعد ذلك أنشئ الصهريج الذى فى حى جياد هذا الصهريج فى اتساع ٢٢٠ مترا مربعا ويستوعب (١٢٩٤٠٠٠) أوقية ماء وهو أكبر الصهاريج حجما، وبعد الانتهاء من صهريج جياد أنشئ عقب ذلك الصهريج الذى يسمى دكة الحارة المتصل بحى حارة الباب، وسطح هذا الصهريج فى اتساع ستة وثلاثين مترا مربعا ويستوعب (١٥٠٠٠٠) أوقية ماء ثم أنشئ الصهريج الذى فى حى الشامية باتساع (١٨٠) مترا مربعا ويستوعب صهريج الشامية (٢٦٠٠٠٠) أوقية ماء. وبعد الانتهاء من بناء هذا الصهريج أقاموا صهريج شعب عامر، إن هذا الصهريج خلف مسكن السيد الشريف عون رفيق باشا وفى اتساع أربعة وثمانين مترا مربعا ويستوعب (٨٥٤) أوقية ماء. وبعد إكمال صهريج شعب عامر أقيم خزان فى حى كشاشية على مساحة ثمانية وأربعين مترا وسعة هذا الخزان (٤٠٠٠٠٠) أوقية من الماء، وبعد ذلك أقيم خزان فى شعب بنى هاشم، وكان هذا فى حجم شعب عامر ويستوعب نفس الكمية من الماء، وبعد إقامة تلك الخزانات التسع المذكورة تهدمت خزانة

стр. 633

باب العمرة فأعيد تجديدها، وبعد ذلك أقيمت ثلاثة صهاريج كبيرة بجانب فرن أميرى الواقعة أسفل قلعة جياد، وسواء خزانة أميرى أو هذه الخزائن أنشئت علي طرفيها أحواض، وبنى تحت الأرض صهريج كبير ووضع في جهة المسعى خمسة عشر صنبورا متوسطا، ووضع فى جهة عمارة أربعة صنابير كبيرة ثم حفر وصنع حوضين ذوى فسقية واحدة بجانب مركز الشرطة الجديد وفى القسم السفلى منه والكائن فى باب الصفا. وفى النهاية ركبوا فى جهة باب الصفا سبعة صنابير وفي جدران مكتبة شروانى محمد رشدى باشا الكائنة فى المدرسة التى تحت باب الصفا اثنين وعشرين صنبورا، وفى الجهة الخارجية من باب الوداع ستة وأربعين صنبورا، فى موقع قريب من باب العمرة عشرين صنبورا، وفى وسط المدرسة الداودية خمسة وعشرين صنبورا، كما أنشئوا ستة أبنية ذات صنابير حجرية دائمة الجريان. ولما كانت مبانى هذه الصنابير فى غاية الرصانة والمتانة فأهل الإيمان وهم يتوضئون منها فى الأوقات الخمسة، يرطبون ألسنتهم بالدعاء بازدياد قوة الإسلام وشوكته وعزته، وبعد ما انتهت عمليات تركيب الصنابير أمدّ بالماء الخزان الكائن وسط العمارة المصرية التى وضعت أسسها فى مكان مواجه لباب الصفا، ومن هذا الخزان إلى الحوض ذو الفسقية بواسطة أنابيب رصاصية، أمدت مستشفى الغرباء بمقدار كاف من الماء بالأنابيب الحديدية من الخزان الذى أنشئ فوق سوق الليل، وركبت فى مطبخها وصيدليتها وحمامها ومغسل ملابسها صنابير كبيرة دائمة الجريان. كما أنشئوا فى الحديقة التى يتنزه فيها المرضى حوضا، ومن هنا إلى عمارة السلطان الخاصة بالذين يعنون بالحدائق والبساتين، وحولوا تلك الأماكن إلى جنة وتحولت عين زبيدة الآن إلى نهر صغير فالمياه الجارية فى داخل مكة يضيع نصفها عبثا، وأوصلت اللجنة المجرى إلى حارة الباب المتصلة بالشيخ محمود، وأنشأت هناك صهريجا احتياطيا واستفاد أهل مكة من توصيل المياه إلى هذا المكان، وأخذوا

стр. 634

يبنون المنازل والدكاكين فى الأماكن الممتدة نحو ميدان الشيخ محمود، وقد تحولت تلك الضاحية من المدينة بعد وصول المياه إلى مدينة صغيرة مستقلة. وبهذا قد أدركت اللجنة أن مكة الله ستتسع إلى تلك الأماكن ولذلك تقرر مد مجرى عين زبيدة إلى ميدان الشيخ محمود وشرع فورا فى تنفيذ ما هو لازم، وقد أنفقت (٧٥٠٠٠) قطعة ذهبية مصرية إلى أن وصلت عطيات الإنشاء إلى هذا المكان، إن تزيين تلك المدينة في جميع جهاتها على هذا النحو لم يكن بسعى من لجنة عين زبيدة فقط بل كذلك بفضل عثمان نورى باشا والى الحجاز والمهندس صادق بك. المدارس الأربعة التي أقامها السلطان سليمان في مكة وكيفية إدارتها وتوجيهها بعد ما فرغ السلطان - طاب ثراه - من تعمير عين زبيدة بنى أربعة مدارس ضخمة خاصة بعلماء المذاهب الأربعة وأودع في كل واحدة من تلك المدارس خمسة عشر طالبا ومدرسا، وجعل أجر المدرس سنويا خمسين قطعة ذهبية عثمانية، وللمعيدين أربع قطع، وللطلاب والفراشين قطعتين ذهبيتين. وجعل الإشراف على إدارة المدرسة الخاصة بالمالكية (١) والبوابين للقاضي حسين بن أبى بكر بن الحسين الذى نصب ناظرا للحرم الشريف بضم خمسين قطعة ذهبية لأجر وظيفته الأصلية، وتعد المدرسة المالكية أكبر المدارس الأربع وجعل لإدارة مدرسة المذهب الحنفي الشيخ القطب المكي المفتي (٢) الحنفي المذهب ومن مؤرخى مكة المعظمة، ووجهت إدارة المدرسة

стр. 635

الشافعية إلى عبد العزيز الزمزمي من علماء المذهب الشافعي، واشترط أن يدرس في المدرسة الحنفية علم التفسير وعلم الطب وعلم أصول الفقه، وأن يدرس في المدرسة الشافعية الفقه الشافعي، وفي المدرسة الحنبلية (١) كتب الحديث الستة وذلك في سنة (٩٧٢). إن إحدي هذه المدارس التي بناها السلطان سليمان جعلت لإقامة قضاة مكة كما ذكر آنفا، ولكن المدارس الأخري قد استولي عليها متسلطو الزمن، ولم يبق أي حكم لشروط واقفها، وبينما كان أحمد باشا ابن أخت محمد علي باشا والي مصر محافظ مكة استطاع تخليص تلك المدارس من أيدي مغتصبيها، واشتراها بصورة نهائية، وبني هناك عمارة عظيمة وجعلها وقفا لمجاوري الحرم من المسلمين وجعلها سكنا خاصا لإقامة المجاورين - رحمه الله تعالى - جزاء ما قدم. وللمدرسة السليمانية ست وأربعون حجرة ولكل حجرة جراية قدرها ثلاثة أرادب حنطة، وللمدرسة الداودية سبع وأربعون حجرة ولكل حجرة جراية قدرها ثلاثة أرادب حنطة أيضا، ولمدرسة الشهيد محمد باشا ست عشرة حجرة ولها نفس المقدار من الجراية، ويقيم في بعض حجراتها طلبة العلم وفي الأخري، من لا مأوي لهم من الغرباء والفقراء يتعيشون من الرواتب الموقوفة للحجرات، وفي مكة المعظمة ثلاث تكايا إحداها للخالدية والأخرى للشاذلية والثالثة للنقشبندية، التكية الخالدية فوق جبل أبي قبيس، والنقشبندية كذلك فوق جبل أبي قبيس، والتكية الشاذلية في ناحية جياد. ***
следующие страницы →