وقد قسمت اللجنة أعمال إنشاء عين زبيدة وتعميرها إلى قسمين القسم الداخلى والقسم الخارجى .
القسم الأول: المواقع التى يعمر خارجها:
وقد بدئ فى تعمير هذا القسم من جهة وادى النعمان حتى المجرى. إن مقدار خمسة عشر مترا من المجرى المذكور قد هبط واندرس وانمحى، وبدأت اللجنة أعمالها من هناك وفتحت مجرى جديدا يصل طوله لأربعمائة متر تقريبا، وأوسع من الأول ويسع داخله أن يمشى فيه إنسان ويتحرك، وبنى بشكل متين ورصين.
وبعد ما أنهت اللجنة أعمال المجرى على خير وجه أمر بفتح جميع أطراف المجرى ابتداء من وادى النعمان إلى قهوة عرفات. ومن هناك إلى جبل الرحمة ومن هنا إلى حومة وخاسرة وبازان الجديدة وقنطرة العابدية إلى المزدلفة، ومن المجرى أجزاء قد آلت إلى الخراب بحيث لا يمكن بقاء المياه فى داخلها فتركت هذه المجارى القديمة، وأمر بحفر مجارى جديدة كما أنها عاينت المواقع التى يمكن إصلاحها بعد أن أفرغتها من المياه وتفقدتها من الداخل ومن الخارج، «ثم أمرت بتعميرها واستخدمت الأسمنت فى تغطية جدران المجارى، وهكذا شيدته تشييدا رصينا.
ثم أمرت بتغطيتها بأغطية حجرية وفتحت فى بعض مواقع المجرى ما يشبه الأحواض حتى يستقى منها عربان البوادى، ويسقون دوابهم بعد أن أصلح المجرى حتى بئر زبيدة كما سبق شرحه.
فأخذت المياه تجرى فيه بغزارة حتى خربت بعض الأماكن الضيقة من المجرى، ورئى أن تفتح مثل هذه الأماكن وتوزع مياهها؛ ولأجل ذلك فتح بجانب مسجد المزدلفة وبين المزدلفة وعرفات حوضان عميقان للهبوط والصعود على جانبيهما، كما بنى منبع عظيم يهبط إليه ويصعد منه بالسلم وتركت الينابيع القديمة على حالها بعد تعميرها وتقويتها.
стр. 632
ونتيجة لإصلاح المجرى وتعميره بهذا الشكل أخذت تجرى إلى مكة فى كل دقيقة (٥٠٠٠) أوقية ماء وبما أن نصف هذه الكمية من المياه تكفى لإرواء كل أهالى مكة وسقيهم، فالمياه الباقية تجرى إلى بركة الأماجد حيث تكونت حولها بساتين شاسعة.
القسم الثانى: تعمير المواقع الداخلية:
أقيمت فى مكة تسعة صهاريج احتياطية وعدد من خزانات المياه ذات الصنابير، وشرع فى إنشاء الصهاريج الاحتياطية حيث أنشئ صهريج عظيم فى اتساع مائة وخمسون مترا مربعا، إن هذا الصهريج في حجم يكفى لاستيعاب (٤٤٧٠) أوقية من الماء بعد ما تم إنشاء هذا الصهريج، أنشئ صهريج آخر فى الحى المتصل بالموقع المسمى بالشيخ محمود يعنى فى حارة الباب، واتساعه أربعة وستون مترا مربعا، ويستوعب هذا الصهريج (٢٠٠٠) أوقية من ماء وبعد ذلك أنشئ الصهريج الذى فى حى جياد هذا الصهريج فى اتساع ٢٢٠ مترا مربعا ويستوعب (١٢٩٤٠٠٠) أوقية ماء وهو أكبر الصهاريج حجما، وبعد الانتهاء من صهريج جياد أنشئ عقب ذلك الصهريج الذى يسمى دكة الحارة المتصل بحى حارة الباب، وسطح هذا الصهريج فى اتساع ستة وثلاثين مترا مربعا ويستوعب (١٥٠٠٠٠) أوقية ماء ثم أنشئ الصهريج الذى فى حى الشامية باتساع (١٨٠) مترا مربعا ويستوعب صهريج الشامية (٢٦٠٠٠٠) أوقية ماء.
وبعد الانتهاء من بناء هذا الصهريج أقاموا صهريج شعب عامر، إن هذا الصهريج خلف مسكن السيد الشريف عون رفيق باشا وفى اتساع أربعة وثمانين مترا مربعا ويستوعب (٨٥٤) أوقية ماء.
وبعد إكمال صهريج شعب عامر أقيم خزان فى حى كشاشية على مساحة ثمانية وأربعين مترا وسعة هذا الخزان (٤٠٠٠٠٠) أوقية من الماء، وبعد ذلك أقيم خزان فى شعب بنى هاشم، وكان هذا فى حجم شعب عامر ويستوعب نفس الكمية من الماء، وبعد إقامة تلك الخزانات التسع المذكورة تهدمت خزانة
стр. 633
باب العمرة فأعيد تجديدها، وبعد ذلك أقيمت ثلاثة صهاريج كبيرة بجانب فرن أميرى الواقعة أسفل قلعة جياد، وسواء خزانة أميرى أو هذه الخزائن أنشئت علي طرفيها أحواض، وبنى تحت الأرض صهريج كبير ووضع في جهة المسعى خمسة عشر صنبورا متوسطا، ووضع فى جهة عمارة أربعة صنابير كبيرة ثم حفر وصنع حوضين ذوى فسقية واحدة بجانب مركز الشرطة الجديد وفى القسم السفلى منه والكائن فى باب الصفا.
وفى النهاية ركبوا فى جهة باب الصفا سبعة صنابير وفي جدران مكتبة شروانى محمد رشدى باشا الكائنة فى المدرسة التى تحت باب الصفا اثنين وعشرين صنبورا، وفى الجهة الخارجية من باب الوداع ستة وأربعين صنبورا، فى موقع قريب من باب العمرة عشرين صنبورا، وفى وسط المدرسة الداودية خمسة وعشرين صنبورا، كما أنشئوا ستة أبنية ذات صنابير حجرية دائمة الجريان.
ولما كانت مبانى هذه الصنابير فى غاية الرصانة والمتانة فأهل الإيمان وهم يتوضئون منها فى الأوقات الخمسة، يرطبون ألسنتهم بالدعاء بازدياد قوة الإسلام وشوكته وعزته، وبعد ما انتهت عمليات تركيب الصنابير أمدّ بالماء الخزان الكائن وسط العمارة المصرية التى وضعت أسسها فى مكان مواجه لباب الصفا، ومن هذا الخزان إلى الحوض ذو الفسقية بواسطة أنابيب رصاصية، أمدت مستشفى الغرباء بمقدار كاف من الماء بالأنابيب الحديدية من الخزان الذى أنشئ فوق سوق الليل، وركبت فى مطبخها وصيدليتها وحمامها ومغسل ملابسها صنابير كبيرة دائمة الجريان.
كما أنشئوا فى الحديقة التى يتنزه فيها المرضى حوضا، ومن هنا إلى عمارة السلطان الخاصة بالذين يعنون بالحدائق والبساتين، وحولوا تلك الأماكن إلى جنة وتحولت عين زبيدة الآن إلى نهر صغير فالمياه الجارية فى داخل مكة يضيع نصفها عبثا، وأوصلت اللجنة المجرى إلى حارة الباب المتصلة بالشيخ محمود، وأنشأت هناك صهريجا احتياطيا واستفاد أهل مكة من توصيل المياه إلى هذا المكان، وأخذوا
стр. 634
يبنون المنازل والدكاكين فى الأماكن الممتدة نحو ميدان الشيخ محمود، وقد تحولت تلك الضاحية من المدينة بعد وصول المياه إلى مدينة صغيرة مستقلة.
وبهذا قد أدركت اللجنة أن مكة الله ستتسع إلى تلك الأماكن ولذلك تقرر مد مجرى عين زبيدة إلى ميدان الشيخ محمود وشرع فورا فى تنفيذ ما هو لازم، وقد أنفقت (٧٥٠٠٠) قطعة ذهبية مصرية إلى أن وصلت عطيات الإنشاء إلى هذا المكان، إن تزيين تلك المدينة في جميع جهاتها على هذا النحو لم يكن بسعى من لجنة عين زبيدة فقط بل كذلك بفضل عثمان نورى باشا والى الحجاز والمهندس صادق بك.
المدارس الأربعة التي أقامها السلطان سليمان في مكة وكيفية إدارتها وتوجيهها
بعد ما فرغ السلطان - طاب ثراه - من تعمير عين زبيدة بنى أربعة مدارس ضخمة خاصة بعلماء المذاهب الأربعة وأودع في كل واحدة من تلك المدارس خمسة عشر طالبا ومدرسا، وجعل أجر المدرس سنويا خمسين قطعة ذهبية عثمانية، وللمعيدين أربع قطع، وللطلاب والفراشين قطعتين ذهبيتين.
وجعل الإشراف على إدارة المدرسة الخاصة بالمالكية (١) والبوابين للقاضي حسين بن أبى بكر بن الحسين الذى نصب ناظرا للحرم الشريف بضم خمسين قطعة ذهبية لأجر وظيفته الأصلية، وتعد المدرسة المالكية أكبر المدارس الأربع وجعل لإدارة مدرسة المذهب الحنفي الشيخ القطب المكي المفتي (٢) الحنفي المذهب ومن مؤرخى مكة المعظمة، ووجهت إدارة المدرسة
стр. 635
الشافعية إلى عبد العزيز الزمزمي من علماء المذهب الشافعي، واشترط أن يدرس في المدرسة الحنفية علم التفسير وعلم الطب وعلم أصول الفقه، وأن يدرس في المدرسة الشافعية الفقه الشافعي، وفي المدرسة الحنبلية (١) كتب الحديث الستة وذلك في سنة (٩٧٢).
إن إحدي هذه المدارس التي بناها السلطان سليمان جعلت لإقامة قضاة مكة كما ذكر آنفا، ولكن المدارس الأخري قد استولي عليها متسلطو الزمن، ولم يبق أي حكم لشروط واقفها، وبينما كان أحمد باشا ابن أخت محمد علي باشا والي مصر محافظ مكة استطاع تخليص تلك المدارس من أيدي مغتصبيها، واشتراها بصورة نهائية، وبني هناك عمارة عظيمة وجعلها وقفا لمجاوري الحرم من المسلمين وجعلها سكنا خاصا لإقامة المجاورين - رحمه الله تعالى - جزاء ما قدم.
وللمدرسة السليمانية ست وأربعون حجرة ولكل حجرة جراية قدرها ثلاثة أرادب حنطة، وللمدرسة الداودية سبع وأربعون حجرة ولكل حجرة جراية قدرها ثلاثة أرادب حنطة أيضا، ولمدرسة الشهيد محمد باشا ست عشرة حجرة ولها نفس المقدار من الجراية، ويقيم في بعض حجراتها طلبة العلم وفي الأخري، من لا مأوي لهم من الغرباء والفقراء يتعيشون من الرواتب الموقوفة للحجرات، وفي مكة المعظمة ثلاث تكايا إحداها للخالدية والأخرى للشاذلية والثالثة للنقشبندية، التكية الخالدية فوق جبل أبي قبيس، والنقشبندية كذلك فوق جبل أبي قبيس، والتكية الشاذلية في ناحية جياد.
***
стр. 636
الصورة السادسة تجديد حرم المسجد الحرام فى عصر السلطان سليم
بما أن أروقة الحرم الشريف وسقفه كانت كلها من الخشب ولم تعمر منذ زمن طويل أشرف كثير من مواضعها على الانهيار، وتخلخلت مجموعة من أخشاب أسقفها ومالت للانهيار فى ساحة الحرم الشريف، كما أن الأروقة التى فى الجدران الشرقية مالت نحو كعبة الله ومداخل أسقفها انفصلت عن الجدران وأوشكت على الانهيار.
وقد غرزت بعد المساند تحت السقوف المذكورة وفقا للمسوغ الشرعى، وأمكن الاحتفاظ بها على حالتها القديمة، إلا أن السقف آل للسقوط يوما بعد يوم حتى أصبحت الصلاة تحت هذا السقف غير ممكنة، وبما أن دوام هذه الحالة لن يخلو من الخطر فعرض الأمر من قبل إمارة مدينة مكة ونظارة الحرم الشريف والكعبة المعظمة على العتبة السلطانية، فصدر الأمر السلطانى من قبل السلطان سليم خان الثانى بن سليمان خان ببناء الحرم الشريف متينا رصينا، بعد هدم السقوف والأروقة المصنوعة من الخشب كلها وإقامة أعمدة الرخام مكانها وتذهيب أعلاها، وأبلغ الأمر السلطانى من قبل مقام الصدارة العظمى إلى أمير أمراء مصر سنان باشا طالبا منه أن يعين شخصا مناسبا لأمانة الأبنية المقدسة، وتدبير الأشياء اللازمة لذلك، وعهد بأمانة الأبنية المقدسة لأحمد بك من أمراء مصر ودبر كل ما يلزم لمهمات البناء، وأبلغ كل ذلك إلى مقام الصدارة وأرسل إلى الأمير المذكور بتوجيه من محافظة جدة الأمر العالى بإحالة أمانة البناء العظيمة إليه، وأخذ الأمير معه الأمر السلطانى وما تم تدبيره من لوازم البناء وتوجه إلى بندر السويس، وركب السفينة المجهزة ووصل إلى جدة المعمورة فى أواخر سنة (٩٧٩) ثم إلى مكة المكرمة حيث تلاقى مع من عين فى الفرمان للإشراف على
стр. 637
أمور البناء، وهو ناظر الحرم الشريف القاضى حسين بن أبى بكر الحسينى، وشرع فى الاستعداد لهدم البناء القديم، وبناء الجديد، وبناءا على رأى المهندس محمد أفندى من ضباط الباب العالى والذى أرسل للإشراف على العمارة وذلك فى أواسط شهر ربيع الأول سنة (٩٨٠)(١) هدم الجدار الشرقى للمسجد الحرام من باب على إلى باب السلام كاملا، ومهدت أرضه، وفى جمادى الأولى من نفس السنة وفى يوم الجمعة وضع حجر الأساس بعد أن دعا أمام جميع الأهالى بالتوفيق.
وبما أن الأزقة التى كانت تحيط بالجوانب الأربعة للحرم الشريف فى ذلك التاريخ كانت على نسق واحد، وهو السقوف الخشبية المرفوعة على الأعمدة الرخامية، وبناء على الأمر السلطانى كان المقرر أن تبنى فوق السقوف قبب لا تبدل ولكن الأساطين القديمة لم تكن تتحمل ثقل تلك القبب؛ حتى وإن كانت صغيرة فلن تصل رصانة البناء ومتانته إلى الحد المطلوب، فرأى محمد أفندى المذكور أن يهدم الأعمدة ويبنى قوائم من حجر شمليس أصفر اللون بعد كل ثلاثة أعمدة، وقرر أن يثبت سقف الحرم الشريف ويحكم بناءه فأنشأ قببا مزخرفة جميلة.
ووفق هذا القرار واصل عمله من باب على إلى باب السلام، ومن هنا إلى باب عمر الواقع فى آخر الجدار الشمالى وهكذا أتم عمله بالكمال بعد أن بنى الجهتين الشرقية والشمالية للمسجد الحرام وذلك فى سنة (٩٨٢) وفى أثناء ذلك آل بناء عمر السلطان سليم إلى نهايته، وخلفه على العرش السلطان مراد الثالث طاب ثراه، وتوقفت عمليات البناء مدة من الزمن ولكن أحمد بك تلقى أمر السلطان باستئناف المهمة وشرع فى العمل من جديد، وفى غضون عامين بلغ بالبناء حد الكمال، وزين باب الحرم الشريف وجدرانه وأحجاره باسم جناب السلطان، وحلى باب المعلى وما حوله من السقوف والأروقة بالنقوش الذهبية المتنوعة وكان ذلك فى سنة (٩٨٤).
стр. 638
وكانت التعليمات التى تلقاها أحمد بك من مقام الخلافة عندما جددت مهمته تشمل زخرفة الأماكن المناسبة من المسجد الحرام بالخطوط النفيسة المذهبة، وبناء على ذلك أمر بكتابة اسم الجلالة واسم الرسول وأسماء الخلفاء الراشدين على طلاء الجدار الشرقى من الداخل، بسمك أربعة أصابع بحروف جلية ونفيسة بعد إتمام عمليات المسجد الحرام، كما أمر بكتابة الآيات المناسبة على الجدران بين العلامتين الخضراوين، وهكذا زخرف داخل المسجد الحرام وخارجه كما أمر بكتابة الآيات الخاصة بأبواب المسجد فوق عقود الأبواب، واسم الله واسم نبى الله وأسماء الخلفاء الراشدين أعلى الأعمدة التى تقع فى الصف الأول من الساحة الرملية. وكتب تلك الكتابات بخط جميل نفيس وزخرفت بالذهب، وقد نظمت الكتابة بطريقة بديعة بحيث كتب أعلى كل عمود خامس اسم النبى ﷺ .
ولم يسع الذين شاهدوا تلك الزخارف إلا أن يعترفوا بأن المسجد الحرام لم يزين فى أية مرة عند تعميره وتجديده كما زين هذه المرة، وفى هذه المرة قد عمّرت رمّمت المآذن التى فى باب عمر وباب الوداع بشكل جميل، يسرّ الناظرين، وقد حفر أحمد بك خارج جدران المسجد الحرام الجنوبية بإنفاق مبالغ طائلة، وذلك قبل هدم جدران الحرم الشريف الجنوبية والغربية، وذلك لتوسيع مجرى السيل لأن مجرى السيل قد امتلأ مع مرور الزمن وارتفعت أرض المجرى إلى الدرج الثانى عشر للأبواب الجنوبية؛ لذا كان الدخول فى الحرم الشريف يتم عن ثلاثة أدراج.
وإن كان من المستحيل ألا يملأ السيل المجرى ويخربه إلا أنه كان يتم حفر المجرى وتعميقه كل عشر سنوات، ونقل ترابه إلى خارج المدينة وكان ذلك من
стр. 639
قاعدة العمل فى الأزمنة القديمة، ولكن ترك تطهير المجرى ما يقرب من ثلاثين سنة وامتلاء المجرى، واقتراب السيل من الدخول فى الحرم الشريف ملأ قلوب الناس بالقلق والاضطراب حتى إن السيل المخيف الذى ظهر فى ليلة الأربعاء فى اليوم الخامس أو العاشر من جمادى الأولى لسنة (٩٨٣) دخل داخل الحرم الشريف وحجبت المياه المتجمعة الحجر الأسود وباب الكعبة حتى قفلته، وظلت فى داخل الحرم يوما وليلة واحدة، ومنعت الناس من أداء الصلاة فى داخل الحرم يوما وليلة واحدة، ومنعت الناس من أداء الصلاة فى سبعة أوقات، وعندما زالت هجمات السيل المخيف وأمكن السير فى داخل المسجد الحرام طهر مجرى السيل والطريق القديم للسيل وأخرجت الأحجار والأوحال التى تراكمت هنا وهناك، وغسلت الأماكن الكثيرة الكائنة داخل الحرم وخارجه، وفرش داخل ساحة الحرمين بالرمال والحصى.
وقد ظهر السيل المذكور قبل تعميق المجرى فاستصوب رأى أحمد بك الذى سبق ذكره، وعمق حفرة المجرى بحيث لا تدخل مياه السيول فى داخل الحرم، وذلك بتدبير من شريف مكة وسادتها وأعيانها وأهاليها، واتخذوا تطهير المجرى وتنظيفه كل سنتين مرة قاعة لا يحيدون عنها.
وما كان القيام بهذا العمل ميسرا لكائن من كان سواء من سلاطين العثمانيين أو خلفاء بغداد أو ملوك مصر، ولذلك عد إنجاز هذا العمل من أعظم آثار هذين السلطانين العثمانيين وثمرة هذا المسعى. وتم هذا العمل بعد أربعة أعوام، وينقل عن أحمد بك نقلا موثوقا أن ما أنفق من الخزينة الخاصة للسلطان (١١٠٠٠) قطعة ذهبية لإتمام هذا العمل ما عدا ما أرسل إلى أحمد بك من جانب الإدارة المصرية من الآلات والمسامير الحديدية وأشياء أخرى خشبية والعلامات الذهبية التى وضعت فوق القباب، وكلها خارج الحساب وبعد أن تم ترميم الحرم الشريف وتطهير المجرى، أرسل بيان بكل ما تم عمله إلى استانبول، وسرت منه جماعات المسلمين سرورا عظيما ونظمت أبيات شعرية تؤرخ تمام هذا العمل العظيم بلغات مختلفة وقدمت إلى أعتاب السلطان.
стр. 640
ولما كان تعليق هذه التواريخ المنظومة كلها فوق أبواب المسجد الحرام يخالف الأصول المرعية، اختير أجمل ما كتب فى هذا الشأن وأرسل إلى إمارة مكة المكرمة من قبل السلطان السنى المناقب ليعلق أو يحك فى مكان مناسب من المسجد الحرام.
وقد أعجب علماء مكة بالتاريخ المنظوم المرسل من مقام الخلافة الجليلة وحفر على لوحة رخامية، وبعد تزيينها وتذهيبها علقوها على الجدار الشرقى للمسجد الحرام فى مكان بين باب على وباب عباس امتثالا للأمر السلطانى، وقد رأينا أنه من المناسب أن نكتب الثلاث أبيات الأخيرة من تاريخ سليس؛ لأنها أنشدت أمام السلطان وإن كانت مقدمته منثورا ولكنه يعتبر من الآثار الأدبية القيمة.
صورة تاريخ سليس
هذا التاريخ لا نظير له وعلق على الجدار الشرقى للمسجد الحرام نظم عندما تم تعمير المسجد الحرام فى عهد السلطان مراد خان الثالث.
الحمد لله الذى أسس بناء الدين المتين بنبى الرحمة والرشاد، وخصصه بمزيد الفضل والكرامة والإسعاد، وجعل حرم مكة مطافا لطواف الطائفين من أقاصى الممالك والبلاد، ﷺ وعلى أصحابه الأجلاء والأمجاد، ووفق عبده المعتدّ بأحكام الشريعة وتشييد أركانها على الوجه المراد، والمدخر ذخر المستزيد من زاد المعاد، ظله الممدود على مفارق العباد، السلطان ابن السلطان ابن السلطان مراد خان جعل الله الخلافة فيه وفى عقبه إلى يوم التناد، ولتجديد معالم المسجد الحرام الذى سواء العاكف فيه والباد، فى فاتحة سلطنته العظمى لازال للحرمين المحترمين خادما، ولأساس الجور والاعتساف هادما، وتجدد حرم بيت الله بأمر العزيز المبجل، وعمّر عامر جوده، ما تضعضع من أركانه، بعد ما انتقض على جدرانه، مجدد جدران حرم البيت العتيق وسوره بأكمل الزينة وأجمل صورة، بعدما أبلاها الجديدان وأكل عيدان سقفها الأرضة والديدان،
стр. 641
فرفع القباب موضع السطوح المبنية بالأخشاب، وابتهج بهذه الحسنة الكبرى كل شيخ وشاب، فأذعنوا له بالشرف الباهر، والمجد الفاخر تالين قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة: ١٨) داعين له بالثواب الجزيل والذخر الزاخر، قائلين أدام الله فى سرير الخلافة محروسا بحفظك من كل آفة وظافر اعلا مشيد المجالس والمدارس، مجدد كل منهدم ودارس، واجعل بابه للراجين حرما آمنا وجنابه للمحتاجين كفيلا ضامنا، يأتون إليه من كل فج عميق بحرمة البيت العتيق، تقبل الله معطى السؤال بجاه الرسول، هذا الدعاء الحرى بالقبول، فلما أسس بنيانه على التقوى من الله والرضوان جاء مشيد الأركان، محاكيا روضات الجنان، وصار هذا عنوان خلافته وبراعة استهلال النشور لسعادته وفى سنة أربع وثمانين وتسعمائة من الهجرة، وكان الابتداء بذلك التجديد، بأمر والد الماجد الدارج إلى مدارج المجد السلطان السعيد.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء:
٨٩:٨٨).
السلطان سليم ابن السلطان بايزيد بن السلطان محمد بن السلطان مراد بن السلطان جلبى سلطان محمد بن السلطان يلديرم بايزيد بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان، مكنهم الله تعالى سرور الجنان إلى انقراض الزمان، وكان الشروع فى الرابع عشر من ربيع الأول من شهور سنة ثمانين وتسعمائة.
فلما سلم السلطان سليم وديعته بأحسن التسليم، وارتحل من دار القصور إلى ما هيأ الله فى الجنة من القصور قبل تمام ما رام من تجديد المسجد الحرام، وأجلس على سرير الخلافة نجله النجيب أحسن إجلاس، وجعل حرمه (مثابة للناس)، يسر له إتمامه بلطفه إقبال وجوه الليالى والأيام وأنام الأنام فى مهد، عدله إلى قيام الساعة وساعة القيام ونظم راقم هذا الأرقام تاريخا يليق أن يكتب فى هذا المقام وهو هذا:
стр. 642
نظم
جدد السلطان مراد بن سليم ... مسجد البيت العتيق المحترم
سر منه المسلمون كلهم ... دام منصور اللواء والعلم
قال روح القدس فى تاريخه ... عمر السلطان مراد (هذا الحرم)
سنة ٩٨٤
وهذه صورة التاريخ اللطيف الذى كتبه مولانا سيد حسين بن أبى بكر الحسينى مفتى مكة المكرمة الشافعى، وكتبه منثورا وقد أعجب به أهل مكة المعظمة لبلاغته السلسة، وعلق على جدران المسجد الحرام الشرقية أيضا.
عربى
باسمه سبحانه: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٨) فى عمارة هذا المسجد الشريف وتجديده من اختار الله سبحانه من خلقه وعبيده المقدس المرحوم المغفور له الشهيد سلطان الإسلام والمسلمين، خاقان خواقين العالمين، العازم بفضل الله ظلال دار النعيم حضرة الملك الأعظم السلطان سليم نور الله تعالى ضريحه، وروح بروائح الجنات روحه، وأتم بناءه وأكمله ولقنه ونقشه وجمله، وارث الأفخم الإمام الأعظم وشقيقه الأكبر المعظم، والملك القاهر العرمرم، من ملكه الله تعالى شرق البلاد وغربها، وجعل طلوع يديه عجم الرعايا وعربها، وأطلعه سراجا منيرا فى المشارق والمغارب، وملكا مرفوع المقام على هرم الكواكب، ومشيد الإسلام حصنا حصينا محيطا، وجعل ظله يخيم على كافة الأنام بسيطا، وعدله الفريد فى جميع الوجود مبسوطا، وقمع سلطنته
стр. 643
الشريفة طوائف الكفر والغلاء، وجمع له بين اليائس والنداء، وصار ملكه الشريف بعون الله سبحانه مفردا خليفة الله على كافة العباد، ورحمته الشاملة بجميع البلاد، سلطان سلاطين الزمان، خلاصة خواقين آل عثمان السلطان ابن السلطان السلطان الخنكار الأعظم مراد خان لازال الوجود بدووام خلافته عامرا، وبدا برج الإيمان فى أيام سلطنته قويا ظاهرا، زاده الله قوة ونصرا، وشد بملائكته الكرام له إزرا، فتاريخ إتمامه قد جاء (أطال الله من أتمه عمرا) فى سنة ٩٨٤.
الذيل
وبعد مرور ستة وثلاثين عاما على عمارة السلطان مراد للمسجد الحرام أمر السلطان أحمد خان الأول بتعمير جهات المسجد الحرام لاقتضاء الحاجة إلى ترميمها وذلك فى سنة ١٠٢٠ (١).
وبعد قيام السلطان أحمد الأول بهذا التعمير بمدة وجيزة، لزم تعمير بعض المواضع فى أبنية الكعبة المعظمة والحرم الشريف، وعرض الأمر على السلطان مصطفى الثانى، فأصدر أمره بترميم ما يلزم ترميمه، وكانت خمسة مداخل فى السقف الشريف قد بليت فبدلت كلها، وجدد السلم الذى يفضى إلى سطح الكعبة بأن جعل سبع درجات من درجاته من الرخام، كما محا آثار البلى عن جوانب الحجر الأسود الأربعة، فهدمت وجددت وقد قدمت والدة السلطان كل ما أنفق لهذه العمليات.
وفى عصر السلطان عبد الحميد الأول بليت بعض أعمدة المسجد الحرام وبعض قبابه، فأمر السلطان بتغيير هذه الأعمدة وتعمير القباب، كما رممت مئذنة باب العمرة والمآذن الأخرى بعض الشئ، إلا أن معالم المسجد الحرام احتاجت إلى الإصلاح والتعمير والتسوية بعد فترة.
стр. 644
وفى السنة الميمونة التى وفق فيها السلطان مراد على تعمير بيت الله، وتم إصلاح وتعمير الأماكن التى احتاجت إلى التعمير والإصلاح وذلك فى سنة (١٠٤٥).
وبعد ما أجرى مراد الرابع من إصلاح - أى من عام (١٠٤٥) إلى عام (١٠٨٠) - عمرت الأماكن التى قد اقتضى الأمر تصليحها شرعا، ولم يترك فيها موضع للإصلاحات الكبيرة، وقد اهتم بكل شئ سواء أكانت مبانى المسجد الحرام، أو كانت المواقع الأخرى من مدينة مكة المعظمة وما فيها من المآثر اللطيفة.
أمر السلطان محمود والى مصر محمد على باشا بإجراء كل ما يلزم إصلاحه فى الأماكن المقدسة التى دعت إلى تعميرها الضرورة الشرعية توا بلا استئذان، وفى أواسط عام (١٢٣٥ هـ) عرف محمد على باشا أن الخلل طرأ على سقف الكعبة إذ تخلخلت بعض الألواح الرخامية، وأخذت المياه المجتمعة فوق سطح الكعبة طريقها إلى داخل بيت الله، وتبين وجوب ترميم وإصلاح كثير من المواضع خارج الحرم الشريف، وفرش سقف كعبة الله بالرخام المجلى الذى أرسل من إستانبول بناء على الطلب الذى قدم هناك، ودفنت الحجارة القديمة التى كانت تغطى سطح البيت فى حفرة حفرت بالقرب من بئر زمزم، وذلك بناء على رأى الشيخ عمر عبد الرسول وهو من الصلحاء المشهورين.
وبعد تعمير المسجد الحرام عمرت قبة مسجد الخيف الكائن فى منى ومئذنة مسجد المشعر الحرام (١) ومسجد نمرة (٢) الذى يطلق عليه اسم مسجد إبراهيم، ومسجد غار المرسلات (٣) ومسجد الإجابة (٤) ومسجد الجن (٥) ومسجد التنعيم (٦)
стр. 645
ومسجد الحديبية (١) ومسجد مولد النبى (٢) ومقبرة خديجة الكبرى (٣) ومقبرة آمنة (٤) ودار السيدة خديجة الكبرى مع أضرحتها وقبابها (٥) ودار خيزران (٦) وضريح ميمونة (٧) كل هذه المآثر قد جددت بإحكام، وفرشت من الداخل بطنافس غالية وزينت من الخارج بنقوش ملونة، وفى النهاية بدلت عدة أعمدة من أعمدة المسجد الحرام التى أوشكت على الخراب وذلك فى سنة (١٢٣٥).
وكان السلطان عبد المجيد خان ابن السلطان محمود خان العادل قد بدل الأحجار التى تخلخلت داخل كعبة الله وحول الحجر الأسود الأسعد. كما جدد بعض القباب والأعمدة التى تحمل هذه القباب وأنشأ الأرصفة (٨) التى تؤدى إلى باب على والمدرسة السليمانية والتى تمتد عبر الساحة القبلية للحرم الشريف، وبعد ذلك بسنة أرسل أربعة شمعدانات عالية على شكل النخلة لتوضع على الجهات الأربعة من الساحة القبلية للمسجد الحرام، وهكذا أنار الحرم الشريف وقبل إرسال هذه الشمعدانات كان الناس يؤدون صلواتهم فى الظلام ليلا، وبعدما أنار السلطان عبد المجيد أطراف الكعبة المعظمة كما ذكر، شيد بإحكام بعض أعمدة القباب التى آلت إلى الخراب وجدد الجدران التى حول مقبرة المعلى دائرا ما دار، كما أصلح الجدار الخارجى للحطيم.
وبما أن جدار الحطيم كان جديدا رأى الأهالى أنه لا مساغ شرعا لتجديده، إلا أن والى جدة عثمان باشا (وكان أمين البناء) فى ذات الوقت لم يهتم بما يقوله الأهالى، فجدد ذلك الجدار كما يحلو له، وبعد ما أتم عثمان باشا إصلاح جدار
стр. 646
الحطيم أتجه إلى مخزنين للمهمات (١) فى ساحة المسجد الحرام وعمرهما، وجعل أحدهما دارا للميقاتى والآخر مكتبة (٢) وجلب لها كتبا كثيرة من إستانبول، وهكذا زين تلك المبانى وفى النهاية جدد مبانى مسجد الخيف، ثم جدد المسجد الكائن فى الطائف، وضريح عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) كما جدد بإحكام مقبرتى (طاهر) بن الرسول ﷺ ومحمد حنفى (٣) بن على (رضى الله عنهم) وذلك فى عام (١٢٦٢).
بعد العصر المذكور بمدة صدر الأمر السلطانى بتجديد الدار التى شهدت مولد النبى ﷺ ، ومسقط رأس الصديق، وسقط رأس على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وكذلك الأضرحة ومقابر الشهداء التى فى طريق العمرة، وضريح السيدة ميمونة ﷺ ومسجد مذبح إسماعيل ﵇ (٤)، وعمر سبيل باب الصفا الذى كان قد اتخذ دار خلاء، فجعل دار أبى جهل وأبى اللهب فى باب النبى دارين للخلاء، وجدد غطاء مقبرة أم المؤمنين ميمونة (رضى الله عنها)، وبنى سبيلين أمام ضريحها، وألحق بعض الحجر بالدار التى ولد فيها أبو بكر رضى الله عنه، واختصها بالخدم، وجدد منازل الخدم التى تتصل بمسقط رأس حمزة (رضى الله عنه) وذلك فى سنة (١٢٦٢).
رؤيا عثمان باشا
بينما كان عثمان باشا ينهى عمليات ترميم دار مسقط رأس حمزة، رأى فى منامه أن حمزة - رضى الله عنه - قد شرف داره بالزيارة، وفسر الذين سئلوا عن تفسير الرؤيا ما رآه عثمان باشا فى منامه بأن حمزة - رضى الله عنه - قد سر وابتهج من تعمير مسقط رأسه، وعلى هذا قد ذبح الباشا المذكور كثيرا من القرابين على أنها من قبل السلطان، ووزع لحومها على الفقراء والمساكين، وبما
стр. 647
أن مذبح إسماعيل كان خاليا من الجدار فأحيا ذلك المكان ببناء الجدار، كما أنه هدم البيت الخاص ببنى شيبة، وأنشأه من جديد، وبهذا استجلب دعوات الأهالى والزوار بالخير للسلطان سنى المناقب وذلك فى سنة (١٢٦٢) وظلت مبانى المسجد الحرام بفضل هذه العمارة أربعة وثلاثين عاما بعيدة عن الخلل؛ إلا أن رخام المطاف وأماكن أخرى احتاجت إلى التعمير، وبناء على هذا جدد الرخام المذكور وكذلك الأحجار التى فرشت بها تحت القباب، وكذلك الأحجار التى فرشت بها أرضية بيت الله أو أصلحت إلا أن مبانى المسجد الحرام ظلت بعيدة عن المساس وذلك فى سنة (١٢٩٣) وفى تعمير أحجار داخل الكعبة وتجديدها نظم مفتى مكة الشافعى أحمد دحلان أفندى هذا التاريخ:
لسلطاننا عبد المجيد محاسن ... ومن ذا الذى بالحصر يقوى عدد
وقد حاز تعمير الباطن كعبة ... وتاريخه بيت مزيد يجدد
بناء بدا زهوا لداخل كعبة ... وسلطاننا عبد الحميد المجدد
ورأى مهندس البلدية الذى عهد إليه بالتعمير أن بعض الأماكن المقدسة أشرفت على الخراب، وعرض ذلك على المسئولين مع الخريطة التى رسمها للأماكن التى يلزم تعميرها.
ولكن الزمن لم يكن مساعدا لكل هذا العمل والتزم ألا يفتح الباب لنفقات باهظة لتعمير سطحى وتسوية قليلة. وفى الخريطة التى وضحت الأماكن التى تحتاج إلى التصليح فى المسجد الحرام رئى تجديد وترميم عدة أعمدة قائمة أمام محفل الشافعية والمدرسة الداودية وباب إبراهيم (الزيادة)، ليعنى إصلاح أربعة أعداد من الأعمدة الرخامية التى تحمل القبب الحجرية التى فى الساحة الرملية
стр. 648
من باب العمرة، وكذلك ثلاث قبب ملاصقة للمدرسة اليمانية التى تلاصق باب إبراهيم (الزيادة)، يعنى أن الأعمدة الثلاثة التى تعد كأرجل تحمل عقود القبب التى قد برزت عن مستواها وأوشكت على الانهيار بغتة، وكما بدا أن ترميم تلك الدعائم سوف يكلف (٧٥٠٠٠) قرش ولذلك صرف النظر عن إصلاح المظلة الشافعية، ورئى أن يدعم الأعمدة الثلاثة التى أمام المدرسة الداودية والثلاثة أعمدة الواقعة بجانب قصر نقيب السادات بدعامات وقتية ومساند؛ لأن إبقاءها على حالها كان خطرا، وفعلا اتخذ الإجراءات اللازمة لذلك وبهذا أعيد للناس ما سلب منهم من الشعور بالأمن وذلك فى سنة (١٢٩٦).
وقد أدرك بعد تنفيذ القرار السابق بعامين أن الأعمدة الستة ستنهار بغتة، وأن إبقاءها على تلك الحالة فى المسجد الحرام غير لائق، وسيثير قلق المسلمين ولا سيما أولئك الذين يعيشون تحت إدارة الدول الأجنبية من إخوان الدين.
لذا رأى عثمان نورى باشا والى الحجاز وقائد جيش الدولة العثمانية فى الحجاز أن يكشف وأن يعاين بدقيق الفحص تلك الأعمدة من قبل ضباط أركان الحرب من جديد، ثم بعث بنتيجة الفحص مع الخريطة السابقة التى رسمت من قبله إلى الباب السلطانى، واستأذنه فى تعمير تلك الأعمدة، ولما وصل الإذن السلطانى أمرا بهدم تلك الأماكن عين القائم مقام صادق بك كبير مهندسى عين زبيدة للقيام بالبناء.
وفى غرة رجب عام (١٢٩٩) شرع صادق بك فى إيفاء ما كلف به فهدم القباب المذكورة وبسهولة جر الأعمدة الرخامية التى ترفع العقود بواسطة آلات الجر وربطها فى أماكنها بأوتار حديدية ربطا محكما، ثم أقام عليها القباب طبق أصول الفن المعمارى، وبذلك رفع الخطر الذى كان يهدد الناس فى داخل الحرم الشريف وذلك فى سنة (١٣١١).
بينما كان صادق بك مشغولا بإقامة القباب المذكورة رأى أن الأعمدة التى تحمل القبتين اللتين أمام باب على ومتصلتين بالساحة الرملية تزحزحت
стр. 649
أعمدتهما، فأخبر بذلك عثمان باشا وتلقى منه الأمر بالإصلاح فهدمها وأقامها وفق الفن المعمارى والقاعدة الهندسية بصورة متينة رصينة وذلك فى سنة (١٣١٩).
وقبل الدخول إلى الحرم الشريف من باب إبراهيم كان هناك ثلاث درجات وفى وسط القبتين حجر فى طرفيه درجات الارتقاء والنزول، وقد جعلت بطريقة سيئة مما كان يسبب لجماعات المسلمين فى طلوعهم ودخولهم مشقة كبيرة، وعند إدخال الجنازات فى الحرم كان بعض المسنين الضعفاء يسقطون على الأرض تحت الأقدام ويضجون بالصراخ.
ولما أبلغ الأمر من الأهالى والمجاورين إلى عثمان باشا أمر بهدم ذلك المكان وتجديده وتوسيعه، فجدد كما ينبغى فسهل الصعود والنزول وذلك فى عام (١٢٩٩).
وكان فى الطرف الشرقى للكعبة وبالقرب من بئر زمزم فى جهة باب على قبتان يرجع عهدهما إلى زمن قدماء الملوك، وكانت مساحة كل قبة ستة أمتار مربعة فأمر السلطان عبد المجيد والد السلطان فى عام ١٢٦٢ بتحويل أحد القبتين إلى بيت للميقاتى والأخرى إلى مكتبة، ولكن وجود هاتين القبتين كان يضر بالحرم الشريف، ويحول دون رؤية المصلين الذين يصلون أمام باب على وباب عباس للكعبة الشريفة.
كما أن مياه السيول المتراكمة فى وادى إبراهيم عندما تهطل الأمطار كانت تدخل إلى داخل الحرم الشريف وتتلف كتب المكتبة القيمة، وبناء على ذلك وقبل سبعة عشر عاما أى فى عام (١٢٨٤) أفتى شيوخ المذاهب الأربعة بهدم هذه الأبنية ونقل ساعات الميقاتى وكتب المكتبة إلى أماكن مأمونة، وتخصيص ذلك المكان لأداء الصلاة فيه ورغم أن الفتوى كانت بإجماع الآراء وقد حازت موافقة السلطان؛ إلا أنها لم تنفذ إلى الآن لسبب مجهول، ولكن عثمان باشا أمر بنقل مكتبة المدرسة السليمانية ودار التوقيت إلى مكان مناسب فى ناحية باب النبى، وتسوية أرضيهما وفرشها بالرمال وذلك فى سنة (١٣١٩).
стр. 650
إن المكان الذى نقلت إليه المكتبة قبة كبيرة تقع فى الجهة اليمنى عند الدخول إلى المدرسة السليمانية، وكانت هذه القبة تعرف بدار الحديث، ولكنها تعرف الآن بدار أحمد باشا.
وبناءا على ذلك عمر ما يجب تعميره من دار الحديث، وجلب لها القدر الكافى من الدواليب والرفوف الزجاجية، ووسع بابها ووضعت اللوحة الرخامية التى عليها التاريخ والتى كانت موضوعة فوق باب المكتبة القديمة فوق باب المكتبة الجديدة، هكذا أصبحت المكتبة الجديدة مكتبة جميلة مزينة بالنسبة للمكتبة القديمة (١).
تاريخ المكتبة
إن الدعاء واجب ليل نهار على أهل الإسلام كافة وهم يشهدون آثار خير السلطان عبد المجيد خان إن ذلك الوزير المجتبى يسعى على الدوام مسعاه فيجلب دعاء الخير لأسرة آل عثمان إنه شريف باشا الأكرم الملقب بشيخ الحرم ففى كل أيام ينال الخير والإحسان يا لحسن دار الكتب تلك التى أحسن فيها توسيع المكان أذاع شوقى لها التاريخ جوهرا مخبرا بفتح المكتبة أهل العرفان فى عام ١٢٦٢.
стр. 651
فى تلك المكتبة (٣٥٥٣) كتابا أرسلت من قبل السلطان عبد المجيد، ويتولى أمانة هذه الدار الشيخ محمود أفندى من مدرسى الحرم الشريف يعاونه رفيقان من الموظفين.
وإن كان للصدر الأعظم الأسبق محمد رشدى باشا الشروانى (١٣٦٢) مجلدا من الكتب تحت حفظ أمين المكتبة محمد رشدى الداغستانى وسيد على، إلا أن هذه الكتب مودعة فى مدرسة خاصة فى مواجهة الحرم الشريف.
وتقع دار التوقيت فى اتصال السلم الذى فى داخل الحرم الشريف، ويدخل فيها من هذا السلم وقد بنيت مبانى دار التوقيت، فهى تحت الرواق وفوق دكة النساء وعلى بعد مترين من جدار الحرم الشريف، وقد أسس على شكل شبه منحرف وعلى هيئة غاية فى الجمال.
ولدار التوقيت ثلاث نوافذ ويبلغ عرض كل واحدة منها مترا وطولها مترين، وقد فتحت إحداها بثقب جدار الحرم الشريف، وترى منها مدرسة الخاصكية، وفتحت نافذتان منها، ينظر منها إلى كعبة الله من داخل الحرم الشريف، فالذين يمرون بالمسعى يضبطون ساعاتهم ناظرين من النافذة التى تواجه مدرسة الخاصكية، والذين فى داخل الحرم الشريف يضبطونها ناظرين من النافذتين اللتين فى ناحية كعبة الله.
إن حجر التاريخ القديم الخاص بدار التوقيت قد وضع فوق النافذة التى تطل على شارع المسعى، وقد جددت زخرفته وألوانه كما جددت زخرفة وألوان حجر التاريخ الذى وضع فوق باب المكتبة.
بما أن ألوان طلاء الرواق المطل على الساحة الرملية قد محيت وتعذرت قراءة خطوطه، وبذلك قبح منظره داخل الحرم، وذلك عند تعمير وإصلاح أعمدة القباب التى فى ناحية باب العمرة وباب إبراهيم زيادة وباب على، ولتغيير هذا المنظر جدد طلاء الرواق وأسماء الجلالة التى بين الرواقين مع الخطوط الكائنة فى
стр. 652
ناحية باب السلام وباب إبراهيم، وطليت أرضيتها بلون أخضر داكن وأسماء الجلالة مع الخطوط طليت بلون أصفر شبيه باللون الذهبى، ورمم وأصلح طلاء الجدران وذلك فى سنة (١٢٩٩).
وبعد ما وفق عثمان باشا فى ترميم هذه الأماكن جعل المقام الحنبلى الذى كان يواجه الحجر الأسود بين الحجر الأسود والركن اليمانى، أو مقابل المقام الحنفى، ورمم وأصلح الأماكن الأخرى من حرم المسجد الحرام على أحسن وجه، وطلا جميع جهات الحرم الشريف وذلك فى سنة (١٣٠٠).
إن الحرم الشريف الآن فى شكل مستطيل، وإن الكعبة المعظمة تقع فى وسط المسجد الحرام، وبئر زمزم فى الجهة الشرقية الجنوبية لباب كعبة الله، ومقام إبراهيم فى الجهة الشمالية من باب الكعبة، وحجر إسماعيل فى الجهة الشمالية للبقعة المفخمة، والمقام الحنفى مقابل ذلك، والمقام الشافعى خلف مقام إبراهيم، والمقام المالكى فى الجهة الغربية من البيت الشريف، والمقام الحنبلى فى الجهة الجنوبية من البيت المنير الشريف فى اتصال مقام إبراهيم من الجهة الغربية، وكان فى ناحية باب أجياد وفى اتصال العمارة المصرية المدرسة المجيدية غير تام الإنشاء، وقد حول عثمان باشا هذه المدرسة إلى دائرة حكومية لسكنى المواطنين، وحول القلعة الهندية إلى معسكر يسمى غيرتيه، وجدد المعسكر السلطانى للمدفعية وقسم الشرطة الكائن أمام باب على، وخصصهما كلهما لإقامة جنود السلطان الموعود بالنصر. إن معسكر غيريته فوق الهضبة التى تتصل بجبل الترك الواقع فى الجهة الغربية من مكة المكرمة، وقلعة جياد فوق هضبة واقعة فى الجهة الجنوبية من مكة المكرمة والعسكر السلطانى للمدفعية كأنه فى وادى المعسكر الواقع فى جياد مستشفى قلعة الفلفل فى الجهة الشرقية من جبل الترك، وقسم الشرطة الرئيسى فى الصفا، والمعسكر الحميدى السلطانى والدوائر الحكومية الضخمة الكائنة فى مكان قريب من باب أم هانئ.
***
стр. 653
الوجهة الرابعة تحتوى على أربع صور تعرف بالتفصيل بالهدايا والتزيينات وأصحاب المعلقات العتيقة والكساوى والقناديل والأشخاص الذين أهدوا لتلك البقعة المقدسة هدايا ثمينة والذين شرحوا مسائل جواز إهداء الكسوة ومما يتكون المحمل الشريف وماذا يعنى فى لسان العامة ؟
стр. 654
الصورة الأولى فى ذكر الذين قدموا الهدايا لكعبة الله وزينوها والذين رمموها وعمروها عند الضرورة
وكان باب كعبة الله قبل أن يهاجر النبى ﷺ ، إلى المدينة المنورة بأربعمائة عام تقريبا من غير مصراع، وقد ركب أبو كرب بن أسعد الحميرى من ملوك اليمن قبل الهجرة النبوية بسبعمائة عام على باب كعبة الله مصراعا فوقه قفل.
وكان الباب الذى ركبه أبو كرب قطعة واحدة ويشق استعماله، وأراد قصى بن كلاب أن يزيل الصعوبة ويسهل الفتح والغلق، فقسم ذلك الباب إلى جناحين، لكن الذين أتوا بعد قصى حولوه لقطعة واحدة.
ولما جدد عبد الله بن الزبير كعبة الله جعل باب الكعبة بمصراعين، وطلا باب كعبة الله والأعمدة الداخلية للكعبة وسطح الكعبة وسقفها بالذهب، وصنع مفتاحا من ذهب لقفل باب الكعبة فى سنة ٦٤ هجرية.
وغير الحجاج الظالم مصراعى باب كعبة الله اللذين صنعهما عبد الله بن الزبير، ورفع عتبة باب الكعبة عن الأرض ستة أقدام وأربع بوصات.
وجعل طول الباب تسعة أقدام وبوصتين وزخرفه (١)، وزخرف «عبد الملك بن مروان» من ملوك بنى أمية باب الكعبة المعلى للمرة الثالثة، كما أرسل ابنه الوليد إلى خالد بن عبد الله والى مكة ستة وثلاثين ألف دينارا ليجدد زخارف الميزاب اللطيف وأعمدة باب الكعبة الداخلية فى سنة ٨٩، كما أن محمد الأمين بن هارون الرشيد من الخلفاء العباسيين أرسل إلى واليه فى مكة سالم بن الجراح
стр. 655
ثمانية عشر ألف دينارا ذهبيا، ليجعل مسامير باب الكعبة وحلقاته من الذهب الخالص وذلك فى سنة ١٩٥، ثم اقتلع ذهب الأعمدة التى أمر وليد بن عبد الملك بتذهيبها وأعاد تذهيبها على شكل أفضل.
وإن كان سالم بن الجراح قد عمر وزين الأماكن التى سبق ذكرها بثمانى عشرة ألف قطعة ذهبية أرسلت من بغداد، إلا أنه أذاب الألواح الذهبية التى تغطى مصراعى باب الكعبة، واستعملها وقد صرف على الألواح التى ركبت ثلاثا وثلاثين ألف قطعة ذهبية، وغطى مصراعى الباب وقت اقتلاع الألواح بستارة من قماش أصفر، وإلى عهد المتوكل بالله العباسى (١)، كانت زاويتا الكعبة فى الداخل الزوايتين الفضيتين من ذهب أيضا، فاستجاب المتوكل بالله وأرسل إسحاق بن سلمة وهو صانع بارع فرصع زوايا كعبة الله الأربع على نسق واحد كان ذلك عام ٢٤٤، وزين الستارة الداخلية بحزام من فضة عرضه ثلاثة أذرع ثم أدخل إلى الحزام مقطعا من ذهب خالص، كما أنه أصلح عتبة باب الكعبة المصنوعة من خشب الساج وغلفها بألواح فضية.
وبناء على ما يروى من الصانع المذكور أنه قد أنفق على الزوايا الأربع والمنطق الذهبى ثمانين مثقالا ذهبا، وللحزام وألواح الباب ستين أوقية ونصف يعنى (١٤٢٠) درهما من الفضة.
وما أرسل إلى بيت الله من الهدايا وأدوات التزيين الغالية تعظيما له بعد المتوكل بالله، ما فى الأبواب والزوايا من ألواح ذهبية وفضية اقتلعها ولاة مكة وحولوها إلى ذهب ونقود، وأرادوا أن يخمدوا الثورة التى اندلعت فى سنة ٢٨١، وبهذه الطريقة تركوا كعبة الله فى مثل البناء العادى وقد جدد المعتضد بالله أول ما اقتلع، وصرف من تزيينات كعبة الله وأعادها إلى حالتها السابقة وذلك فى سنة ٢٨٣.
كما أن لؤلؤ غلام والدة الخليفة المقتدر بالله قد جدد وعمر داخل بيت الله وخارجه وأعمدته اللطيفة بإيعاز من سيدته وذلك فى عام ٣١٠.
стр. 656
كما أن جمال الدين جواد من وزراء الملوك المصريين أرسل خمسة آلاف قطعة ذهبية، فنظم وذهب الطلاء الداخلى لكعبة الله، وجدد أبواب المسجد الحرام كلها وذلك فى سنة ٥٤٩.
كما أن جمال الدين جواد قد جدد مصراعى باب الكعبة اللذين كانا ركبهما الحجاج بن يوسف الثقفى.
وبناء على الأمر الوارد التقى قاضى مكة مع ناظر الحرم الشريف وأرسل الباب القديم بناء على توصية أمير الحرمين قاسم ابن هاشم إلى حاكم مصر المقتفى بالله (١) ووهب الخليفة المشار إليه ما انتزع من فضة من فوق ذلك الباب إلى أمير مكة المعظم قاسم بن هاشم.
وقد وصى المقتفى بالله أن يصنع من ذلك الباب تابوتا ويدفن معه متبركا به وفعلا قد نفذت وصيته عند وفاته.
وفى عام ٩٥٦ ذهب وزخرف البقعة المباركة لكعبة الله حاكم اليمن الملك المظفر الغسانى، وبعده حفيد الملك المظفر الملك المجاهد.
وفى سنة ٧٣٥ أرسل ملك مصر ناصر بن محمد قلاوون الصالحى (٢) خمسة وثلاثين ألفا من ذهب مصرى، وفى سنة ٧٧٠ حفيد الملك ناصر أشرف صرف نقودا لا تحصى، وهكذا جدد كل واحد منهم عقب الآخر الطلاء الذهبى لكعبة الله وزخرفوها، وجدد ناصر بن محمد بن قلاوون الصالحى الباب الذى صنعه الملك المظفر، كما أن الملك المظفر الغسانى كان قد جدد الباب الذى صنعه جمال الدين ابن جواد.
стр. 657
وقد تحدث القطب المكى من مؤرخى مكة عن مصراعى باب الكعبة اللتين غلفهما الملك الأشرف بألواح فضية، وبعد أن وصف بالتفصيل متانة مصراعى الباب وجمال صناعتهما فى تاريخه القيم الذى ألفه، قال: «كان بعض اللصوص يتحينون فرصة ليسرقوا ألواح باب كعبة الله الفضية بعد قلعها، وقد سرقت عتبة بيت الله وأصبحت عارية، وقد قبض على اللصوص المتجاسرين مرات وأخذوا بالعقاب، إلا أن استمرار سرقة زينة بيت الله الخارجية وأيلولة سطح بيت الله إلى الخراب، وأصبحت قطرات المطر تنفذ من سقف البيت، جعل بعض أهل البصيرة الذين اطلعوا على حقيقة الأمور يرفعون أصواتهم جازعين هالعين.
ولذا أتى إلى مكة المكرمة شيخ القاهرة حمد الله أفندى (١) بنية الحج ورأى ما حل بالسطح الشريف من خراب، وذلك فى عام ٩٥٨ أو ٩٦١ هجرية، لقى قاضى مكة محمود جلبى أخا زوجه وتشاور معه ورأيا أن الأمر يجب أن يعرض على باب السعادة، وأوصيا إمارة مكة المكرمة وولاية الحجاز بذلك، وسعى مسئولو الإمارة والولاية بإبلاغ أمر وجوب التعمير إلى الباب السلطانى وما كان من السلطان سليمان بن السلطان سليم خان إلا أن استصدر فتوى تنطق بضرورة تعمير بيت الله من سلطان العلماء أبو السعود أفندى، وأرسل هذه الفتوى إلى أمير أمراء مصر، وأمره بأن يعمل على تعمير بيت الله سريعا بمجرد ورود الأمر السلطانى، وفتوى المشيخة السلطانية.
وبادر على باشا أمير الأمراء بإرسال الأمر السلطانى والفتوى الشرعية إلى قاضى مكة أحمد جلبى، وذلك فى سنة ٩٥٩، وتشاورا كثيرا بخصوص الموضوع ثم استدعيا وجمعا أعيان مكة وأكابرها وعلماء المذهب الحنفى والشافعى الفضلاء، وتليا الأمر السلطانى الوارد عليهم ثم أخذوا يتذاكرون كيفية تنفيذ الأمر السلطانى، ثم قرروا معاينة وكشف السطح الشريف عقب صلاة الجمعة ١٤ من شهر ربيع الأول سنة ٩٥٩، وقال أحد الموظفين الذى عين للكشف
стр. 658
بموافقة الجميع بعد المعاينة، قطعة من العمود الخشبى هبطت اثنى عشر خطا عن سائر الأرضيات، كما أن خشبة من طرف الباب تخلخلت عن مكانها وهبطت تسعة خطوط عن مكانها ولم تعد صالحة للاستعمال، وإذا لم تصلح وتعمر من الآن فمن الممكن أن يسقط السقف كاملا فجأة وصدق زميله الآخر على ما قاله، وبناء على ذلك شرعوا فى تعمير السطح الشريف يوم السبت الخامس عشر من ربيع الأول سنة ٩٥٩.
وخالف بعض علماء مكة موضوع التعمير قائلين يجب أن يترك البيت المعظم بدون تعمير وتصليح ما لم تسقط على الأقل جهة من جهاته توقيرا للبيت، وحثوا عامة الناس على النزاع وأرادوا أن يوفقوا بين مدّعاهم والأقوال الأخرى، وكادت أن تحدث فتنة عظيمة؛ إلا أن مولانا الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمى الشافعى ألف كتابا أسماه «المناهل العذبة فى إصلاح ما وهى من الكعبة» رد فيه على آراء المخالفين، وخرج مسائلهم ونقل فى كتابه المسائل التى تجيز التعمير فى كتاب «استقصاء البيان فى مسألة الشادروان» للمحب الطبرى والكتب الأخرى للسلف الصالح.
كما أضاف إلى كتابه ما روى عن أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - من الحديث الشريف الذى يجيز تعمير كعبة الله المعظمة، إلا أنه لم يستطع إسكات الذين يؤيدون العلماء المخالفين وإقناعهم، وعنذئذ أبلغوا الأمر إلى أمير الحجاز مولانا سيد شريف أحمد بن أبى نمى الذى كان فى البرية، فعاد من البرية واستدعى إليه مولانا الشيخ محمد ابن الشيخ أبى الحسن البكرى، وطلب منه أن يفسر الآية الجليلة ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (البقرة: ١٢٧) أمام كعبة الله.
وحضر هذا المجلس الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعى الذى سبق ذكره والشيخ نور الدين بن إبراهيم العسلى والقاضى الحسنى بن فايز بن ظهير ومفتى الحنفية قطب الدين بن علاء الدين.
وبناء على رجاء سيد شهاب الدين أحمد بن أبى نمى أخذ الشيخ أبو الحسن البكرى يفسر الآية التى سبق ذكرها بلسان فصيح، وبيان صحيح وختم التفسير
стр. 659
ببيان المسائل التى تجيز التعمير، ثم قام عقب ذلك ناظر الحرم الشريف وقدم إلى الأمير الأمر السلطانى والفتوى الشريفة للمشيخة السلطانية، وفتح الشيخ المشار إليه الأمر السلطانى والفتوى وقرأهما على ملأ من الناس، ثم تساءل قائلا من هم الذين يخالفون أحكام هذه الفتوى ويتجرءون على تشويش أذهان الجمهور وتخديشها، إن هذه الفتوى ما هى إلا تعزيز لصحة تعمير السقف الشريف واستصواب ذلك، إن حكم هذه الفتوى وما تحتوى عليه يوافق تماما أحكام الشرع الشريف ويجب أن يبادر بتنفيذ ما جاء فيها والبدء فى العمليات الإنشائية بدقة. وبناء على ذلك صعد العمال الذين اختيروا من قبل وعاينوا الأماكن التى أشير إليها فى ورقة الكشف، وعمروا (١) بعض مداخل الأعمدة الخشبية على السطح والأماكن التى هبطت عن مستواها، مما يؤدى إلى سقوط السقف كله، كما بين ذلك المهندسون الذين كشفوا ذلك، كما سووا قطع الرخام التى على أرض المطاف والتى كانت فى حاجة إلى التعمير والإصلاح، وغيروا الرمال ذات الحصى الموجودة حول المطاف وعرضوا الأمر على الباب العالى، وقد شرح مولانا قطبى أفندى لذلك فى مصراع بديع قائلا:
مجدد بيت الله مالك الدول سليمان (٢) ...
وبعد ما أرسل الباب العالى قدرا كافيا من الفضة لتعمير المحراب الشريف وباب الكعبة المعلى بالأمر السلطانى، جددت ألواح باب الكعبة الفضية بتلك الفضة، وسوى سطح الباب بمسامير فضية ثمينة، كما ركبت عليه أربع قطع من حلقات فضية، وغلف ميزاب الرحمة بالفضة وزخرفوا سطحه، وهكذا نفذوا الإرادة السنية للخلافة وذلك فى سنة ٩٥١، وفى سنة ٩٦٠ أرسلت قطعة فضية للميزاب وعند وصولها رفع الميزاب القديم، ووضعوا مكانه الميزاب الفضى الجديد وأرسل الميزاب القديم إلى باب السعادة للاحتفاظ به تبركا فى خزينة السلطان، كما سيبين فى الأمر السلطانى الذى سيأتى ذكره فيما بعد، وعرضوا الانتهاء من تعمير تلك البقعة المفخمة.
стр. 660
التاريخ اللطيف الذى نظمه غبارى أفندى الشهير عند تجديد الميزاب
قطعة
يا مولاى أنت فيض العالم ... بدا فى هذا الميزاب غيض
أرونى من ميزاب فيضك ... فقد أصبح تاريخ (ميزاب الفيض)
وعند وصول الميزاب الفضى بدأ تعمير رخام المطاف والحرم الشريف والمنزل الذى ولد فيه النبى ﷺ وأتموا ذلك فى ٩٦٢.
هذه هى صورة الخطاب السلطانى الذى أرسله السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان يتضمن إرساله قطعا من الفضة لتجديد ميزاب كعبة الله وقطعتين من الثياب الثمينة إلى أمير مكة المكرمة السيد الشريف شهاب الدين أحمد أبى نمى تكريما له، وأن تحققت للأمير رغبته فى إرسال الميزاب القديم للتبرك. « .... وإلى الآن من يخرجون إلى أداء فريضة الحج وزيارة الروضة المطهرة بعون الله المتعال من الحجاج المسلمين يرغبون فى نيل سعادة مسح وجوههم بتراب الحرم النبوى الطاهر، ويسعون لتحقيق الدعوة الكريمة» ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦).
بكل نقاء روحى ويصلون إلى الحرمين الشريفين والمقامين المتينين مهبط الروح الأمين ومنزل الوحى، قاطعين المسافات وطاوين المراحل، يصلون إلى أعظم بقعة حيث يمسحون وجوههم على ساحة المطاف المعظم، وهم يتضرعون فى عبودية تامة وخضوع شديد، ويشعر عندئذ كل واحد منهم كأنه سلطان الدنيا وملك العالم، وأنه علا فوق كل شئ ومع كل هذا يقف أمام المقام الإلهى بكل خضوع وذلة، متجردا من ملابسه التى يفتخر بها، ملتفا بملابس الإحرام داعيا متضرعا مستغيثا، والمسلمون فى تلك الحالة الروحية السابقة عليكم أن تعظوهم بالاستمرار فى الأدعية المستجابة لدوام دولتنا وعزنا وقوتنا، وعليكم أن تبذلوا
стр. 661
سعيكم فى وضع الميزاب الجديد ومستلزماته فى أماكنها، وذلك فى احتفال عظيم يحضره العلماء الصالحون والأشراف والأتقياء وأطفال المسلمين، وحسب العادة يتلون القرآن الكريم ويختمونه، ثم يتوجهون إلى الله ضارعين داعين لانتصار جيوشنا فى البر والبحر، وخذل أعدائنا اللئام وعندما يصل إلى مينائى جدة ينبع من مصر القاهرة ما أنعمنا به من الغلال والخيرات وما تقرر إرساله من جانبنا من صدقات ونذور، تحت وصاية أمير أمراء الحبشة المالى، وأميرنا الموثوق به عليكم أن تبذلوا كل الهمة لاستلامها، ونقلها على ظهور الجمال إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وحسن توزيعها على فقراء الحرمين حتى تنتظم معيشتهم ويستقرون وأرجو أن تبذلوا سعيكم لترميم بيت الله، وإتمامه على النحو الذى سبق توضيحه.
ولما أنكم نلتم رضانا أكثر من أجدادكم الكرام، ونالت أعمالكم استحساننا على ما أوفى إلينا رجالنا الموثوق بهم، فاستوجب كل هذا الثناء عليكم، وأملنا أن تظلوا راعين جانبنا خاضعين لنا كأجدادكم العظام، وأن تعملوا دائما على بذل الجهد لخير دولتنا، وإذ فاض كرمنا نحوكم رأينا أن نرسل لكم خلعتين فخمتين إحداهما من السمور، وهى خلعة فخمة عظيمة يحملها مع رسالتنا السلطانية قدوة الأماجد والأكارم مصطفى أغا من المسئولين عن مطابخنا دام مجده.
وعندما تصل هذه الأشياء عليكم أن تلقوها بكل عناية، وأن تلبسوا الخلعتين بكل فخر مظهرين خضوعكم وصداقتكم لدولتنا، وفق ما جبلتم عليه أبا عن جد، وأن تضعوا لوح الميزاب المبارك فى مكانه فى ساعة مباركة ميمونة، وأن ترسلوا إلينا بالميزاب القديم لنحتفظ به تبركا، وبناء على عاداتكم المرضية أن تداوموا مع الأشراف والعلماء وعامة الصلحاء بالدعاء لاستمرار دولتنا عزيزة قوية، وأن تعتنوا برعاية الحرمين الشريفين وصيانتهما بكل دقة وعناية حتى تنالوا رضانا التام، واحترامنا الموفور». انتهى.
وبعد تحويل الميزاب الشريف إلى الفضة بإحدى وستين سنة، بدله المرحوم السلطان أحمد خان من فضة مزخرفة بذهب خالص، وبعد ذلك باثنين وعشرين عاما زخرفه وزينه من جديد، وبعد مرور مائتين واثنين وستين عاما جدده
стр. 662
بالذهب والد السلطان الكثير المحامد المرحوم عبد المجيد خان فى سنة ١٢٧٣ وأمر بكتابة التاريخ الآتى:
التاريخ
جدد هذا الميزاب المنير لوجه الله الكريم الخبير سلطان البرين والبحرين المفتخر بخدمة الحرمين الشريفين، السلطان الغازى عبد المجيد خان ابن السلطان الغازى محمود خان ابن السلطان عبد الحميد خان، بعد ما وهن الميزاب الذى جدده جده السلطان الأعلى أحمد خان - عليه رحمة الله المنان - فى سنة ١٠٢١. اللهم رب أدم هذا البيت الحرام ببقاء دولة الإسلام، ما طاف ببيتك الأنام واحفظه من جميع الآلام، بجاه نبينا ﵊ وهذا التجديد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف (١٢٧٣).
وفى ختام هذا الإصلاح غطّى مصراعا باب البيت بألواح من الفضة ثم ركب عليه خشبة مزخرفة بنقوش ذهبية وأربع حلقات فضية وكتب على أحد مصراعى الباب عبارة:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (الإسراء: ٨٠).
كما كتب على الآخر هذه العبارة البليغة البديعة:
«أمر بتجديد هذا الباب العالى الجناب الفقير إلى الله تعالى الملك الوهاب، عبده الذى من عليه بسلطنة العرب والعجم وجعله خادما بهذا للحرم السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان فى سنة تسع وخمسين وتسعمائة ٩٥٩».
نظم أحد شعراء الزمان عند تجديد باب الكعبة المعلى هذا التاريخ السلس.
النظم
فاز مولانا سليمان الذى جدد ... باب بيت الله فض وصفحا
стр. 663
فى زمان قيل فى تاريخه ... قف فى باب الله علك تفلحا
فى سنة ٩٦٠
وقد كتبت فوق عتبة باب البيت العلوية بعد أن وفق السلطان سليمان فى تجديده بخط مثنى جلى الجملة المنجية (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وكان فى ذلك الوقت لباب بيت الله قفل حديدى ذو حجم كبير ومسدس الشكل طويل، وعمر السلطان سليمان هذا القفل بألواح فضية وأمر بكتابة الجملة الدعائية بخط مثنى (يا مفتح الأبواب أفتح لنا باب رحمتك ومغفرتك)، وعندما تم تعمير السقف الشريف والمطاف اللطيف كلف غبارى أفندى أحد شعراء العصر بنظم هذا التاريخ السلس باللغة العربية، وقيد فيما يأتى وحفر فوق لوحة رخامية وذهب ثم علق على مكان مناسب فى داخل الحرم الشريف.
صورة التاريخ
الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى:
﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧).
تقرب إلى الله تعالى بتعمر بيت الله الحرام، من اختاره الله تعالى لخدمة الحرمين الشريفين، سلطان البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين، ملك العرب والعجم والروم والعراقين، السلطان ابن السلطان ابن السلطان العاشر من سلاطين آل عثمان، الملك المظفر أبو الفتوحات السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد خان تقبل الله أعماله وبلغ فى الدارين آماله.
البيت
خان سليمان خادم الحرمين ...
стр. 664
عمر بالعطاء قبلته
وفى سنة ٩٦١
وقد جدد باب كعبة الله فى سنة (١٥٤٥) السلطان مراد خان الرابع بن السلطان أحمد خان الغازى، كما كتب فى الصورة الثالثة عشرة من الوجهة الثانية، لأن مصراعى باب البيت لم يجددا تجديدا كاملا بل عمرا وزينا على أحسن وجه وفى سنة (١٠٤٥)، وكان رضوان أغا قد كلف بتجديد مبانى بيت الله، وأمر أيضا بتجديد مصراعى باب بيت الله تعالى، ونحى جانبا بعض أشجار الصفصاف التى كان قد اشتراها من أهل مكة لتعمير سقف البيت الحرام، وفصل من هذه الأشجار مصراعى باب الكعبة، وعندما انتزع المصراعين القديمين علق على فتحة باب الكعبة ستارة مصنوعة من القطن.
وقد اقتلع من فوق مصراعى الباب المنتزعين (٣١،٨٠٠) فضة، فأذاب رضوان أغا هذه الفضة وصنع منها لوحين، وسمر أحد اللوحين، على واحد من المصراعين والآخر على المصراع الثانى، ثم صرف ألف قطعة ذهب وزخرفهما. وأنفق (٣٧٠٩٥) درهم فضة فى صنع عتبة وحلقتين لذلك الباب، وهكذا زين باب كعبة الله المفخمة على أحسن وجه.
وبناء على هذا الحساب يكون باب الكعبة قد جدد تسع مرات، وذهب بالذهب الخالص اثنتى عشرة مرة، أى أنه جدد ثمانى مرات قبل السلطان مراد الرابع، وذهب بعده ثلاث عشرة مرة.
وطول الباب الشريف ستة أذرع وعشرة أصابع، وعرضه ثلاثة أذرع وثمانى عشرة أصبعا.
سبب تسمية ميزاب الرحمة بالميزاب الذهبى
إن الذى ساعد على تجديد بيت الله للمرة العاشرة هو الوليد بن عبد الملك،
стр. 665
فعندما تولى عرش الحكم بعث إلى خالد بن عبد الله القسرىّ (١) ثلاثين ألف قطعة ذهبية، وأمره بأن يذيب هذه النقود الذهبية، ويصنع منها ألواحا يغطى بها مصراعى باب كعبة الله وميزاب الرحمة، خضع خالد بن عبد الله وبادر بإذابة قطع الذهب، وصنع كثيرا من الألواح الذهبية وغلف بها ميزاب الرحمة، أولا ثم مصراعى باب كعبة الله، وزين الأعمدة التى فى داخل كعبة الله وطلا الأركان الأربعة الداخلية للكعبة بما زاد من ذهب.
وبتغليف ميزاب الرحمة بالألواح الذهبية قد اكتسب منظرا لامعا مشعا، فأعجب الناس بهذا التذهيب الظاهرى وأخذوا يطلقون على ميزاب الرحمة الميزاب الذهبى، وظل ميزاب الرحمة يعرف بالميزاب الذهبى على ألسن الناس لفترة طويلة.
جدد المقتفى بالله العباسى تلك الألواح فى سنة (٥٤٢)، وفيما بعد حول الملك المؤيد الميزاب الشريف إلى خشب، وفى سنة (٨٤٣) جدد الأمير زين الدين الميزاب الخشبى إثر الملك المؤيد بخشب أيضا، إلا أنه زخرفه بطلاء ذهبى وزينه، وأصبح من عادة الملوك بعد ذلك تجديد الميزاب من حين لآخر، ولما زينه السلطان سليمان - طاب ثراه - بألواح فضية فى سنة (٩٦٠) أطلق عليه اسم الميزاب الفضى، إلا أن المرحوم السلطان أحمد (٢) انتزع الميزاب ذا الألواح الفضية فى سنة ١٠٢١، وصنع ميزابا غلف فوق الفضة بالذهب وفسيفساء بنفسجية اللون، وكان تحفة فنية رائعة، وعندما وضع ذلك الميزاب فى مكانه أصبح اسمه مرة أخرى الميزاب الذهبى.
ولما كان السلطان أحمد هو الذى قدم للكعبة الميزاب الجديد كان من إرادته السنية أن يرسل الميزاب القديم إلى باب السعادة للتبرك به، ولأجل ذلك أرسل مع أمير حج قافلة الشام التى جهزها بكل عناية، ووضع عليها الميزاب القديم،
стр. 666
وسترها بكسوة المحمل المذهبة، ونهض من مدينة مكة المكرمة وأمامه الكثير من جنود المسلمين، وفى اليوم الذى تحركت فيه قافلة الشام خرج وجهاء القوم فى مكة وعلماءها وسادتها كلهم وأهلها ومجاوروها قاطبة ليكونوا فى توديع الميزاب القديم، وساروا مع القافلة المذكورة، فارتفعت الروح المعنوية فى داخل المدينة وسادتها حالة عجيبة، حتى قال مؤلف «لطائف الأخبار» (١) الشيخ محمد بن إسحاق الذى جاء فى تلك السنة مع المحمل المصرى لأداء فريضة الحج «لا قدرة لى على وصف وتصوير ما شاهدته فى ذلك اليوم».
وأخرج السلطان مراد خان ذلك الميزاب الذهبى من مكانه فى سنة (١٠٤٣).
وزخرفه بالذهب وأعاده إلى مكانه ولما كان والد السلطان كثير المحامد السلطان عبد المجيد خان قد جدده بالذهب أيضا فى سنة (١٢٧٣)؛ ظل يطلق على ميزاب الرحمة إلى الآن «الميزاب الذهبى».
وبناء على بيان المؤرخين ورواياتهم فإن الذهب الذى أرسله وليد بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله لميزاب الرحمة قد أذيب من الأوانى الذهبية التى اغتنمت فى معركة «طليطلة» وهذه الأوانى هى المنضدة التى تنسب إلى سليمان ﵇ يعنى المائدة السليمانية، ويقول المؤرخون إن هذه المنضدة كانت مصنوعة من أنواع اليواقيت والزبرجد وكانت مرصعة وفى غاية الجمال.
وعلى رواية أنها من صنع سليمان بن داود ﵉، وقد حفظت فى خزينة المسجد الأقصى وعرضت هناك، ثم نقلت إلى خزائن ملوك بنى إسرائيل وعندما فتح بخت نصر القدس اغتنمت من قبل الملوك المتحالفين معه، لأن الأشرار من بنى إسرائيل تجرأوا على قتل زكريا ويحيى «﵉» فعاقبهم الله بأن سلط عليهم بخت نصر الذى تحالف مع الملوك المجاورين، وساق كتائبه وجحافله إلى بلاد بنى إسرائيل فخرب القدس الشريف، ونهب وقتل سكانه، وبما أن الملوك المتحالفين كانوا معه فوزع ما اغتنم من الأموال على الكل.
стр. 667
وفى هذا التقسيم كانت مائدة سليمان ﵇ النادرة من نصيب حاكم أسبانيا، وحلة آدم مع عصا موسى من نصيب ملك الروم، وعرش بلقيس من نصيب ملك إنطاكية، وياقوتة ذى القرنين من حصة ملك أرمنية.
وحسب أقوال بعض المؤرخين أن بخت نصر عندما اغتنم تلك المائدة أخذها معه إلى بابل، ولما تغلب كسرى على بابل وأنهى أسر اليهود؛ رد تلك المائدة مرة أخرى إلى بنى إسرائيل مجاملة منه، وبعدما فتح تيتوس - من قياصرة الروم، القدس خربها وطرد بنى إسرائيل إلى بلاد أخرى، ونقل مائدة سليمان إلى خزينة الروم، ثم وقعت فى يد القوط.
ويدعى أغلب المؤرخين أن هذه المنضدة وقعت فى يد الغاصب ليبن بواسطة الوندال الذين نهبوا روما؛ إلا أن هذا الحكم لا يمكن قبوله لضعف روايته.
ولهذا يلزم أن يكون كما قرر مراد بك مؤلف (التاريخ العام) إما أن يكون ملك القوط الغربيين الأربك اغتنم هذه المائدة عندما دخل روما ونهبها، وإما أن يكون «آنا لوف» الذى خلف الأربك وجدها ضمن جهاز أخت القيصر التى تزوجته، ووضعها فى خزينته، وعلى كل حال فموسى بن نصير (١) اغتنم مائدة سيدنا سليمان عندما فتح الأندلس، وبعثها إلى الشام، كما أن وليد بن عبد الملك بعثها إلى والى مكة المكرمة خالد بن عبد الله القسرى ليذهب بها ميزاب الرحمة.
وإذا صحت هذه الرواية فيكون وليد بن عبد الملك قد قام بخدمة حسنة جدا.
стр. 668
إفادة خاصة النقود الإسلامية
أردنا أن نبين وزن وقيمة العملات التى سبق ذكرها وعين عددها مثل الدينار والدرهم حسب المناسبة فى بعض وجهات المرآة، حتى يمكن تخمين قيمة النقود التى أنفقها السلاطين العظام من أجل تعمير أبنية الحرمين وتجديدها.
لأجل ذلك استصوبنا أن نعطى بعض المعلومات عن الأسباب القهرية التى أدت إلى قطع تلك العملات، وتواريخ ضربها.
يطلق اسم سكة (١) على النقش المخصوص الذى يضرب فوق النقود الرائجة من الذهب والفضة. وفى أوائل ظهور الإسلام أطلق على المسكوكات الذهبية اسم الدينار، وعلى المسكوكات الفضية اسم الدرهم، والمؤرخون متفقون على أن اليونانيين هم الذين صنعوا المسكوكات قبل هذا ب (٢٦٠٠ عام) وكانت على المسكوكات التى ضربت سواء أكانت فى أيام اليونانيين أو فى أيام ملوك الأمم (٢) الأخرى بعض صور الحكام، وعلى بعضها صورة حيوان أو صورة قلعة أو شكل آخر.
وعندما ظهرت المسكوكات الإسلامية ذات العيار الصحيح وكسدت دنانير سوق الكفر، وفسدت دراهم المشركين المنتشرة، وكانت طوائف العرب فى بداوتهم الذين تركوا اهتمامهم بالدنيا يتعاملون قبل البعثة المحمدية بنقود غير مسكوكة، وأخذوا يتداولون النقود المسكوكة من الذهب والفضة بالوزن، فكل النقود العربية غير مسكوكة، وجرى حكم هذا التعامل فترة غير قليلة، حتى إن النقود التى اغتنمت فى عصر سيدنا عمر من بلاد الفرس لم ينظر إلى قيمتها الرائجة بل كانت ترد إلى الوزن ويتعاطونها بهذا الشكل. ولكن النقود التى ضربت فى مضارب الملوك الأوائل تختلف فى الوزن والنوع، وكانت النقود التى يتداولها
стр. 669
العرب الذين يعيشون حول الحرمين المحترمين يطلق عليها البغلى والطبرى واليمنى، وكان وزن المسكوكة البغلية يساوى ثمانية دوانق والطبرية ست دوانق والمسكوكة اليمنية تساوى درهمين ولأجل ذلك يتعبون كثيرا عند تحويل النقود المسكوكة إلى الذهب والفضة.
وأراد عمر الفاروق أن يسهل الأمر على الناس فرد المسكوكات الرائجة بين أهالى الحرمين وهى الطبرية والبغلية إلى نصف وزنها وثقلها، وهو ست دوانق وفقا للمثل القائل «خير الأمور أوسطها» واعتبرها درهما واحدا، وقسم الدرهم الواحد إلى أربعة عشر جزءا، وضم ثلاثة أسباع حاصل التقسيم إلى ست الدوانق، ورفع الدرهم إلى مثقال، وأسقط ثلاثة أعشار المثقال، وأنزل المثقال إلى الدرهم، واستصوب أن يكون استخدام النقود الرائجة فى البلاد الإسلامية بهذا الوجه، والذى دفع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى اتخاذ القرار بجعل المسكوكات المتداولة على وزن معين معلوم هو عدم تطابق النقود المضروبة فى عهد الملوك السابقين للمعاملات الشرعية، لأن النقود التى كان يتعامل بها الناس فى عهود ملوك الفرس قد سكّ بعضها على وزن عشرين قيراطا، وبعضها على اثنى عشر قيراطا، وبعضها على وزن عشرة قراريط مع الاتحاد فى الثمن.
وبما أن إعطاء الزكاة فى النقود التى تتحد فى الثمن وتختلف فى الوزن وهى إما ذهبية أو فضية غير مشروع، لذا اعتبر عمر الفاروق كل قيراطين قيراطا، وأنزل الستة قراريط إلى ست دوانق، وحول وزن القيراط القديم المتعارف بين الناس لتقديم المثقال الواحد، وألحق ستة قراريط إلى أربعة عشر قيراطا التى تكون درهما واحدا. وهكذا أبلغ مجموع القراريط إلى عشرين قيراطا، واعتبر مجموعها مثقالا واحدا، ودام القرار الذى أخذه الفاروق الأعظم بشأن المسكوكات إلى سنة ٢٨ من الهجرة، وزادت الصعوبة فى تحويل المسكوكات الفضية والذهبية إلى الذهب الخالص غير المسكوكين بزيادة عدد المسلمين، وسلب هذا الأمر راحة الذين يبيعون ويشترون من أصحاب الحوانيت وأفراد
стр. 670
القبائل، مما دعا عثمان بن عفان (رضى الله عنه) إلى ضرب مسكوكات كافية من النقود وأزال من أذهان الناس قلقها بخصوص الأخذ والعطاء وكان ذلك فى مدينة هرتك (١). أن أول ما ضرب من مسكوكات فى العصر الإسلامى هى تلك النقود.
سكت فريق المؤرخين عن المسكوكات التى ضربت فى السنة المذكورة والسنوات الهجرية ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠ هـ وقالوا إن أول من سك العملة فى العصر الإسلامى هو عبد الله بن الزبير، إذ عين أخاه مصعب بن الزبير واليا من قبله على البلاد العراقية فى عام (٦٩) هجرى، وسمح له بسك النقود، وسك مقدارا كافيا من النقود وعرضها فى سوق التعامل، وكانت تلك العملة تحمل على أحد وجهيها كلمة «بركة» وعلى الآخر كلمة «الله»، وبعد سنة أبطل الحجاج بن يوسف الثقفى سك هذا النوع من العملة، وسك عملة على شكل آخر وجعل على أحد وجهها كلمة «بركة» وعلى الوجه الآخر «الحجاج بن يوسف الثقفى»، ويحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير أول من سك العملة وذهبوا إلى أن أول من سك النقود من الملوك المسلمين هو عبد الملك بن مروان.
وتزعم الفرقة الثانية أن عبد الملك بن مروان عندما اعتلى عرش الممالك الإسلامية كثر تداول العملات الخاصة بحكومات الروم والفرس والهند، وكثر الغش والفساد بين أنواعها المختلفة، واختل التعامل فأمر عبد الملك بسك عملة خاصة بالمسلمين خالية من (٢) الصور والأشكال التى على مسكوكات الأمم السابقة، وبذلك ألغى التعامل بالنقود الرومية والكسروية والهندية، وضربت دنانير ودراهم تزدان بنقوش إسلامية وكتب على وجه العملة كلمة «الله أحد» وعلى الوجه الآخر «الله الصمد»، ويستند الفريق الثانى فى قولهم هذا على قول