وسترها بكسوة المحمل المذهبة، ونهض من مدينة مكة المكرمة وأمامه الكثير من جنود المسلمين، وفى اليوم الذى تحركت فيه قافلة الشام خرج وجهاء القوم فى مكة وعلماءها وسادتها كلهم وأهلها ومجاوروها قاطبة ليكونوا فى توديع الميزاب القديم، وساروا مع القافلة المذكورة، فارتفعت الروح المعنوية فى داخل المدينة وسادتها حالة عجيبة، حتى قال مؤلف «لطائف الأخبار» (١) الشيخ محمد بن إسحاق الذى جاء فى تلك السنة مع المحمل المصرى لأداء فريضة الحج «لا قدرة لى على وصف وتصوير ما شاهدته فى ذلك اليوم».
وأخرج السلطان مراد خان ذلك الميزاب الذهبى من مكانه فى سنة (١٠٤٣).
وزخرفه بالذهب وأعاده إلى مكانه ولما كان والد السلطان كثير المحامد السلطان عبد المجيد خان قد جدده بالذهب أيضا فى سنة (١٢٧٣)؛ ظل يطلق على ميزاب الرحمة إلى الآن «الميزاب الذهبى».
وبناء على بيان المؤرخين ورواياتهم فإن الذهب الذى أرسله وليد بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله لميزاب الرحمة قد أذيب من الأوانى الذهبية التى اغتنمت فى معركة «طليطلة» وهذه الأوانى هى المنضدة التى تنسب إلى سليمان ﵇ يعنى المائدة السليمانية، ويقول المؤرخون إن هذه المنضدة كانت مصنوعة من أنواع اليواقيت والزبرجد وكانت مرصعة وفى غاية الجمال.
وعلى رواية أنها من صنع سليمان بن داود ﵉، وقد حفظت فى خزينة المسجد الأقصى وعرضت هناك، ثم نقلت إلى خزائن ملوك بنى إسرائيل وعندما فتح بخت نصر القدس اغتنمت من قبل الملوك المتحالفين معه، لأن الأشرار من بنى إسرائيل تجرأوا على قتل زكريا ويحيى «﵉» فعاقبهم الله بأن سلط عليهم بخت نصر الذى تحالف مع الملوك المجاورين، وساق كتائبه وجحافله إلى بلاد بنى إسرائيل فخرب القدس الشريف، ونهب وقتل سكانه، وبما أن الملوك المتحالفين كانوا معه فوزع ما اغتنم من الأموال على الكل.
стр. 667
وفى هذا التقسيم كانت مائدة سليمان ﵇ النادرة من نصيب حاكم أسبانيا، وحلة آدم مع عصا موسى من نصيب ملك الروم، وعرش بلقيس من نصيب ملك إنطاكية، وياقوتة ذى القرنين من حصة ملك أرمنية.
وحسب أقوال بعض المؤرخين أن بخت نصر عندما اغتنم تلك المائدة أخذها معه إلى بابل، ولما تغلب كسرى على بابل وأنهى أسر اليهود؛ رد تلك المائدة مرة أخرى إلى بنى إسرائيل مجاملة منه، وبعدما فتح تيتوس - من قياصرة الروم، القدس خربها وطرد بنى إسرائيل إلى بلاد أخرى، ونقل مائدة سليمان إلى خزينة الروم، ثم وقعت فى يد القوط.
ويدعى أغلب المؤرخين أن هذه المنضدة وقعت فى يد الغاصب ليبن بواسطة الوندال الذين نهبوا روما؛ إلا أن هذا الحكم لا يمكن قبوله لضعف روايته.
ولهذا يلزم أن يكون كما قرر مراد بك مؤلف (التاريخ العام) إما أن يكون ملك القوط الغربيين الأربك اغتنم هذه المائدة عندما دخل روما ونهبها، وإما أن يكون «آنا لوف» الذى خلف الأربك وجدها ضمن جهاز أخت القيصر التى تزوجته، ووضعها فى خزينته، وعلى كل حال فموسى بن نصير (١) اغتنم مائدة سيدنا سليمان عندما فتح الأندلس، وبعثها إلى الشام، كما أن وليد بن عبد الملك بعثها إلى والى مكة المكرمة خالد بن عبد الله القسرى ليذهب بها ميزاب الرحمة.
وإذا صحت هذه الرواية فيكون وليد بن عبد الملك قد قام بخدمة حسنة جدا.
стр. 668
إفادة خاصة النقود الإسلامية
أردنا أن نبين وزن وقيمة العملات التى سبق ذكرها وعين عددها مثل الدينار والدرهم حسب المناسبة فى بعض وجهات المرآة، حتى يمكن تخمين قيمة النقود التى أنفقها السلاطين العظام من أجل تعمير أبنية الحرمين وتجديدها.
لأجل ذلك استصوبنا أن نعطى بعض المعلومات عن الأسباب القهرية التى أدت إلى قطع تلك العملات، وتواريخ ضربها.
يطلق اسم سكة (١) على النقش المخصوص الذى يضرب فوق النقود الرائجة من الذهب والفضة. وفى أوائل ظهور الإسلام أطلق على المسكوكات الذهبية اسم الدينار، وعلى المسكوكات الفضية اسم الدرهم، والمؤرخون متفقون على أن اليونانيين هم الذين صنعوا المسكوكات قبل هذا ب (٢٦٠٠ عام) وكانت على المسكوكات التى ضربت سواء أكانت فى أيام اليونانيين أو فى أيام ملوك الأمم (٢) الأخرى بعض صور الحكام، وعلى بعضها صورة حيوان أو صورة قلعة أو شكل آخر.
وعندما ظهرت المسكوكات الإسلامية ذات العيار الصحيح وكسدت دنانير سوق الكفر، وفسدت دراهم المشركين المنتشرة، وكانت طوائف العرب فى بداوتهم الذين تركوا اهتمامهم بالدنيا يتعاملون قبل البعثة المحمدية بنقود غير مسكوكة، وأخذوا يتداولون النقود المسكوكة من الذهب والفضة بالوزن، فكل النقود العربية غير مسكوكة، وجرى حكم هذا التعامل فترة غير قليلة، حتى إن النقود التى اغتنمت فى عصر سيدنا عمر من بلاد الفرس لم ينظر إلى قيمتها الرائجة بل كانت ترد إلى الوزن ويتعاطونها بهذا الشكل. ولكن النقود التى ضربت فى مضارب الملوك الأوائل تختلف فى الوزن والنوع، وكانت النقود التى يتداولها
стр. 669
العرب الذين يعيشون حول الحرمين المحترمين يطلق عليها البغلى والطبرى واليمنى، وكان وزن المسكوكة البغلية يساوى ثمانية دوانق والطبرية ست دوانق والمسكوكة اليمنية تساوى درهمين ولأجل ذلك يتعبون كثيرا عند تحويل النقود المسكوكة إلى الذهب والفضة.
وأراد عمر الفاروق أن يسهل الأمر على الناس فرد المسكوكات الرائجة بين أهالى الحرمين وهى الطبرية والبغلية إلى نصف وزنها وثقلها، وهو ست دوانق وفقا للمثل القائل «خير الأمور أوسطها» واعتبرها درهما واحدا، وقسم الدرهم الواحد إلى أربعة عشر جزءا، وضم ثلاثة أسباع حاصل التقسيم إلى ست الدوانق، ورفع الدرهم إلى مثقال، وأسقط ثلاثة أعشار المثقال، وأنزل المثقال إلى الدرهم، واستصوب أن يكون استخدام النقود الرائجة فى البلاد الإسلامية بهذا الوجه، والذى دفع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى اتخاذ القرار بجعل المسكوكات المتداولة على وزن معين معلوم هو عدم تطابق النقود المضروبة فى عهد الملوك السابقين للمعاملات الشرعية، لأن النقود التى كان يتعامل بها الناس فى عهود ملوك الفرس قد سكّ بعضها على وزن عشرين قيراطا، وبعضها على اثنى عشر قيراطا، وبعضها على وزن عشرة قراريط مع الاتحاد فى الثمن.
وبما أن إعطاء الزكاة فى النقود التى تتحد فى الثمن وتختلف فى الوزن وهى إما ذهبية أو فضية غير مشروع، لذا اعتبر عمر الفاروق كل قيراطين قيراطا، وأنزل الستة قراريط إلى ست دوانق، وحول وزن القيراط القديم المتعارف بين الناس لتقديم المثقال الواحد، وألحق ستة قراريط إلى أربعة عشر قيراطا التى تكون درهما واحدا. وهكذا أبلغ مجموع القراريط إلى عشرين قيراطا، واعتبر مجموعها مثقالا واحدا، ودام القرار الذى أخذه الفاروق الأعظم بشأن المسكوكات إلى سنة ٢٨ من الهجرة، وزادت الصعوبة فى تحويل المسكوكات الفضية والذهبية إلى الذهب الخالص غير المسكوكين بزيادة عدد المسلمين، وسلب هذا الأمر راحة الذين يبيعون ويشترون من أصحاب الحوانيت وأفراد
стр. 670
القبائل، مما دعا عثمان بن عفان (رضى الله عنه) إلى ضرب مسكوكات كافية من النقود وأزال من أذهان الناس قلقها بخصوص الأخذ والعطاء وكان ذلك فى مدينة هرتك (١). أن أول ما ضرب من مسكوكات فى العصر الإسلامى هى تلك النقود.
سكت فريق المؤرخين عن المسكوكات التى ضربت فى السنة المذكورة والسنوات الهجرية ٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠ هـ وقالوا إن أول من سك العملة فى العصر الإسلامى هو عبد الله بن الزبير، إذ عين أخاه مصعب بن الزبير واليا من قبله على البلاد العراقية فى عام (٦٩) هجرى، وسمح له بسك النقود، وسك مقدارا كافيا من النقود وعرضها فى سوق التعامل، وكانت تلك العملة تحمل على أحد وجهيها كلمة «بركة» وعلى الآخر كلمة «الله»، وبعد سنة أبطل الحجاج بن يوسف الثقفى سك هذا النوع من العملة، وسك عملة على شكل آخر وجعل على أحد وجهها كلمة «بركة» وعلى الوجه الآخر «الحجاج بن يوسف الثقفى»، ويحتمل أن يكون عبد الله بن الزبير أول من سك العملة وذهبوا إلى أن أول من سك النقود من الملوك المسلمين هو عبد الملك بن مروان.
وتزعم الفرقة الثانية أن عبد الملك بن مروان عندما اعتلى عرش الممالك الإسلامية كثر تداول العملات الخاصة بحكومات الروم والفرس والهند، وكثر الغش والفساد بين أنواعها المختلفة، واختل التعامل فأمر عبد الملك بسك عملة خاصة بالمسلمين خالية من (٢) الصور والأشكال التى على مسكوكات الأمم السابقة، وبذلك ألغى التعامل بالنقود الرومية والكسروية والهندية، وضربت دنانير ودراهم تزدان بنقوش إسلامية وكتب على وجه العملة كلمة «الله أحد» وعلى الوجه الآخر «الله الصمد»، ويستند الفريق الثانى فى قولهم هذا على قول
стр. 671
صاحب مؤلف «محاضرة الأوائل»، إلا أن صاحب كتاب «وفية الأسلاف وتحية الأخلاف» يخرج ويرد ادعاءات الفريق الأول والفريق الثانى، ويقول: «إن أول من سك العملة هو عثمان بن عفان - رضى عنه الله المنان -»، وأثبت مدعاه ببعض الأدلة المقنعة.
وبناء على تدقيق وتحقيق مؤلف «محاضرة الأوائل» أن العملة التى سكت فى عصر عبد الملك بن مروان كان مكتوبا على أحد وجهيها جملة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وعلى وجهها الآخر كتب ونقش اسمه، وفيما بعد أضاف الحجاج الظالم بعد كلمة «محمد رسول الله» كلمة «أرسله بالهدى».
وبناء على ما يزعمه صاحب كتاب «تحية الأخلاف» أن أحدا من ملوك الأمويين لم يكتب اسمه على النقود التى سكها غير الحجاج، بل اكتفى ببيان مكان سكها وتاريخ ضربها سواء فى عصر عبد الملك بن مروان أو عصر عثمان أو على أو عبد الله بن الزبير «رضى الله عنهم».
كانت العملة التى ضربت وتعامل بها الناس من دنانير ودراهم وفق ما قرره عمر بن الخطاب لها من وزن وقيمة بفرض ستة دوانق وكل ستة دوانق درهما، وعدد درهم مع إضافة ثلاثة أسباع درهم له من حيث الوزن، وقسمت العشرة دراهم إلى سبعة أجزاء، وأضيف إلى كل حاصل الأجزاء ثلاثة أسباع درهم، فاعتبر مجموع ذلك مثقالا واحدا.
وبناء على هذا الحساب يزيد المثقال الواحد على الدرهم بمقدار ثلاثة أسباع درهم، ويقتضى أن يعادل كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم. وإن الأصول والقواعد التى أخذ بها فى ضرب النقود قد أرضت الناس، وتلقوها بقبول حسن، كما أنه قد عدل وأصلح شكل العملة وصورتها فى عصر عبد الملك، فأصبح ضرب العملة على هذا الوجه عصرا بعد عصر قانونا خاصا فى الأماكن التى تضرب فيها النقود فى البلاد الإسلامية.
إن الدينار والدرهم اللذين أصلح شكلهما كانا مستديرين، وعلى وجه كل واحد من النوعين دوائر صغيرة وكبيرة متداخلة ومتناسقة وعلى الدوائر جمل التهليل والتمجيد مع اسم عبد الملك وزمن ضربها وقطعها.
стр. 672
واستمر هذا القرار إلى أن اعتلى الموجودون عرش السلطنة، وعندما كان يضرب من جديد كان يغير اسم الخليفة وتاريخ سكها ومكانه.
وقد غير الملوك الموحدين شكل الدرهم فجعلوه مربعا وشكل الدينار جعلوه مستديرا، بتصويب مؤسس حكومتهم محمد بن تومرت، ورسموا فى وسط الدينار شكلا مربعا ثم كتبوا سواء كان فوق الدرهم أم الدينار جملا تتضمن التهليل والتمجيد، وعلى الوجه الآخر اسم ملك العصر وذيلوه باسم الخليفة وأبقوا وزن النقود ومقدارها كما كان من قبل.
ويدعى بعض المؤرخين أن العملة التى سكت فى عصر محمد المهدى كان مكتوبا على أحد وجهيها جملة «بلغت حجة الله» على الوجه الآخر جملة «تفرق أعداء الله» وإذا حسبت القطعة الذهبية العثمانية المجيدية مائة قرش يلزم أن تكون قيمة الدينار ثلاثة وثلاثين قرشا تقريبا، وكان ثقل الدينار ثمان وأربعين (١) شعيرة يعنى أنه كان يساوى حوالى اثنى عشر جزءا من ستة عشر جزءا من الدرهم. إلا أن العيار الحقيقى للدينار القديم غير معروف فتقدير ثمنه تقديرا صحيحا ليس فى الإمكان.
ويدعى بعض العلماء أن كلمة الدينار حرفت من كلمة «ديناروس» وكان يتداول فى وقت ما بقيمة (عشرة) آس في روما ثم بقيمة ستة عشر آس فى أوربا وكان مضروبا عليه رقم (خمسة عشر).
وبعد عهد شارلمان خلط بقليل من النحاس فقلت قيمته، وفيما بعد قلب نحاسا كاملا. يقال إن الفيلورى اسم آخر للدينار، ولكن فيلورى ليس اسم الدينار القديم بل اسم الذهب البندقى، والذى يعادل الذهب المزخرف والذى راج التعامل به فى جميع الجهات، وبما أن العملات قد تغيرت فيما بعد ففشا اسم
стр. 673
الفيلورى وكان الذهب البندقى الذى أطلق عليه فيلوريا كان يساوى عشرة قروش فى تلك الأوقات، ولعله يساوى الآن ما يقرب من خمسين قرشا. والدرهم معرب من دراخما اليونانية كما تنقله الكتب الفلسفية، وكان وزنه مرتب على أن يكون في ثمان وأربعين شعيرة، والفضة المجيدية كانت فى قيمة عشرين قرشا، ويلزم على هذا أن تكون قيمة الدرهم الواحد قرشين، وإن العملة الفضية التى أطلق عليها درهما كانت نقدا خالص العيار تداوله القدماء فى تعاملهم. وقال ابن فضل وهو يعرف التعامل المصرى إن المعاملات المصرية تتم بالدرهم والدرهم المتداول كان نصفه فضة ونصفه الآخر نحاسا، وكان وزن كل درهم يساوى ثمان عشرة حبة خروب وكانت كل خروبة تزن ثلاث قمحات وقيمته الشرائية تساوى خمسة وأربعين فلسا.
وعندما ضربت المسكوكات القديمة سواء أكانت دينارا أو درهما كانت الثمان وأربعين شعيرة تساوى درهما، والدرهم يساوى سبعة دوانق، والدانق يساوى قيراطين، والقيراط يساوى طسوجين، والطسوج يساوى حبتين، والحبة الواحدة كانت تعادل جزءا واحدا من ثمانية وأربعين جزءا من أجزاء الدرهم.
وعلى هذا الحساب يقتضى أن يكون الدينار نقدا مسكوكا فى وزن أربعة وعشرين حبة أو ستة دوانق، وتساوى أربعة وعشرين حبة، و ٢٨٨ خردلة، و ٢٨٨ خردلة تساوى ٣٤٥٦ فلسفا وهذه تساوى ٢٠٧٣٦ فتيلة و ٢٠٧٣٦ فتيلة تساوى ١٢٤٤١٦ نقيرة، و ١٢٤٤١٦ نقيرة تساوى ١٩٥٣٢٥ قطمير، و ١٩٥٣٢٥ قطمير يساوى ١٩٤٣٩٣٦ ذرة، والدينار الواحد يتساوى فى الوزن مع درهم واحد.
وخطوط وأشكال النقود القديمة كان يكتب فوق العملات التى سكت فى عام ٢٨ هجرى فى فترة خلافة عثمان بن عفان - رضى الله عنه - بالخط الكوفى جملة «بسم الله ربى»، وفوق العملات التى ضربت فى العام الثلاثين عبارة «ولى الله». وعلى وجه العملات التى ضربت فى سنة ٣٨، ٣٩ جملة «بسم الله
стр. 674
ربى»، وعلى الوجه الآخر جملة «ولى الله»، وفى وسط أحد وجهى العملات التى سكت فى العام الأربعين الهجرى سورة الإخلاص. وعلى أطرافها الدائرية جملة «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وفى وسط الوجه الآخر «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وحولها دائرا ما دار عبارة ضرب هذا الدرهم بالبصرة فى سنة ٤٥، وكل هذه العملات ضربت فى عهد خلافة على بن أبى طالب رضى الله عنه.
وكتب على أحد وجهى العملات التى ضربت عام ٧٠ هـ فى مدينة «جرد» وما ضربت فى عام ٧١ هـ فى مدينة «يزد» بالخط الكوفى «بسم الله»، وعلى الوجه الآخر بالخط الفارسى «عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين» وما ضرب من عملة عام ٧٩ هـ فى «هرمز» وما ضرب عام ٨٠ هـ فى مدينة الرى، ما ضرب عام ٩١ و ٩٥ هـ فى مدينة جود، وما ضرب عام ٩٧ و ٩٨ هـ فى مدينة أردشير وحرة، وما ضرب عام ٩٦ هـ فى مدينة «نمرة»، وما ضرب عام ٩٧ هـ فى مدينة «مرو»، وما ضرب عام ٩٨ هـ فى مدينة «جرد» وما ضرب عام ١٠٣ هـ فى مدينة «قرمان»، وكل هذه العملات المتنوعة نقش فى وسط وجه منها سورة الإخلاص، وعلى أطرافها «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وفى وسط الوجه الآخر «لا إله إلا الله لا شريك له» وحول هذه العبارة كتب تاريخ ضرب العملة ومكانه.
وفى عهد الخليفة العباسى «السفاح» عام ١٣٤ هـ ضرب نوع من الدراهم كتب حوله «بسم الله» ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائة، وفى وسطه «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وعلى أطراف الوجه الآخر فى ثلاثة أسطر «محمد رسول الله»، وكتب وسط هذه الدائرة «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون». وفى سنة ١٣٦ هـ ضرب فى الكوفة نوعين من الدراهم على نفس شكل الدراهم التى سبق ذكرها، وضرب منصور الدوانقى فى عام ١٤٤ هـ فى البصرة وعام ١٥١ هـ فى بغداد دراهم كتب فى وسطها «مما أمر به الأمير المهدى محمد بن أمير المؤمنين»،
стр. 675
وضرب الخليفة المهدى فى بغداد درهما فى وسطه عبارة «محمد رسول الله ﷺ » للخليفة المهدى سنة ستين ومائة.
وكتب فى وسط درهم «ضرب فى زمن الهادى بمدينة السلام (١) سنة سبعين ومائة محمد رسول الله ﷺ للخليفة الهادى»، وفى عهد هارون الرشيد نقش على بعض النقود. بالمحمدية سنة ست وسبعين ومائة «محمد رسول الله ﷺ »، للخليفة الرشيد بهلول، وعلى بعضها الآخر «بمدينة السلام سنة تسع وسبعين ومائة»، وفى الوسط على وجه هذه النقود «محمد رسول الله مما أمر به الأمير الأمين محمد بن أمير المؤمنين جعفر»، وعلى الوجه الآخر بالوسط» بالمحمدية سنة ست وسبعين ومائة»، وفى بعضها الآخر «بالمحمدية سنة ثمانين ومائة مما أمر به الأمير الأمين محمد بن أمير المؤمنين فى ولاية محمد بن يحيى جفر»، وفى بعضها بالمحمدية سنة تسعين ومائة، وفى وسط هذه الدراهم «محمد رسول الله»، وكتب على بعض ما ضرب فى زمان المأمون من نقود «ضرب بمدينة بلخ سنة خمس وسبعين ومائة محمد رسول الله مما أمر به أمير المؤمنين المأمون ولى عهد المسلمين عبد الله ابن أمير المؤمنين الفضل» وعلى بعضها كذلك «بمدينة بلخ سنة ست وثمانين ومائة محمد رسول الله ولى عهد المسلمين»، وكتب وسط العملات التى ضربت فى أثناء خلافة الأمين العباسى: «يا سيدى محمد رسول الله الأمين الخليفة محمد أمير المؤمنين» وفى أواسط أطرافها» ضرب بمدينة سمرقند سنة تسع وتسعين ومائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له «وعلى هامشه الآخر «الله محمد رسول الله» وقد كتب فى وسط نوع من العملة التى ضربت فى أثناء خلافة المأمون «لا إله إلا الله وحده لا شريك له بن إبراهيم» وعلى أطرافها «بسم الله ضرب هذا الدرهم بهرات سنة ست ومائتين»، كما كتب فى وسط الوجه الآخر «محمد رسول الله»، وعلى أطرافها «رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون». وعلى وسط وجه نوعين من العملة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وعلى أطرافها «بسم الله ضرب هذا الدرهم
стр. 676
بمرو سنة سبع عشرة ومائتين»، وخارج هذا الخط وفى داخل دائرة كتب «لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، وعلى وسط الوجه الآخر «محمد رسول الله»، وعلى أطرافها «محمد رسول الله أرسله بالهدى والدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، وعلى طرفها دائرا ما دار «ضرب سمرقند سنة تسع ومائتين»، وفى وسطها «لله محمد رسول، المأمون خليفة الله طلحة» لكنه لم يذكر اسم المأمون ولا طلحة على عملة ضربت فى دار السك فى سمرقند سنة ٢١٧ هـ.
وقد كتب فى دوائر نقود ضربت فى عهد الواثق بالله «بالمحمدية فى سنة عشرين ومائتين» فى وسطها «لله محمد رسول الله الواثق بالله» وكتب فى وسط الدنانير التى ضربت فى عهد القاهر بالله «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وعلى دوائرها الخارجية كتبت «لله الأمر من قبل ومن بعد يومئذ يفرح المؤمنون» وفى دوائرها الداخلية «بسم الله ضرب هذا الدينار بنيسابور سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة» وفى وسط الوجه الثانى «محمد رسول الله القاهر بالله نصر أحمد» وفى دائرتها «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون».
وكتبت على نوع من فلس «ضرب فى عهد المطيع بالله «بسم الله ضرب هذا الفلس ببخارى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة» وفى وسطها مكتوب «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، وعلى الوجه الآخر» محمد رسول الله منصور بن نوح».
وقد أخبر مؤلف «تحية الأخلاف» أن كل هذه المسكوكات قد كشفت فى قرية من قرى إقليم قزان فى سنة (١٢٨٠ هـ) والمسكوكات القديمة عبارة عن النقود التى سبق ذكرها.
وكلما تباعد عصر السعادة اختلفت النقود وتعددت نقوشها وشكلها حسب أمر وجه أهل العصر، ولا سيما فى عصر الدولة العلية - صانها الله تعالى من الآفاق والعاهات والبلية - قد كثرت أنواع النقود التى أخرجت لسوق التعامل شكلا ونوعا، مما يجذب الأنظار وظلت العملات التى راجت فى البلاد العثمانية إلى عهد السلطان «أورخان» الغازى مسكوكة بأسماء السلاطين السلجوقية، ولكن
стр. 677
وجوه الدراهم والدنانير زينت وأنيرت بأسماء سلاطين الدولة العثمانية فى خلال عام (٧٣٩) وعلى وجه من وجهى المسكوكات العثمانية نقشت طغراء السلطان الغراء، وتحتها رقم تاريخ سكها بالنسبة لتاريخ جلوس السلطان، وعلى الوجه الآخر كتبت عبارة «ضرب فى قسطنطينية أو فى بروسة أو فى أدرنة أو فى مصر عز نصره» وفى ذيل هذه العبارة تاريخ جلوس السلطان، والخطوط المذكورة كلها محاطة ومزينة برسم زهرة رقيقة دقيقة.
إن النقود العثمانية المتداولة التى عرفنا رسمها وشكلها من محاسن عصر والد السلطان الكثير المحامد، وضربت المسكوكات الذهبية على خمسة أنواع، والفضية على ستة أنواع ويطلق عليها كلها «المجيدية» وفى الجدول كتبت الأنواع الأحد عشر وأوزانها وقيمتها ومقاديرها.
المسكوكات العثمانية
الذهب \ وزنها
الذهب قيمتها\قيراط درهم
القرش العدد\العدد العدد
٥٠٠ ١\ ١١٤
٢٥٠ ١\ ٥١٠
١٠٠ ١\ ٢٤
٥٠ ١\ ١٢
٢٥ ١\ ٠٩
الفضة ٢٠ ١\ ٧٨
١٠ ١\ ٣١٢
٥ ١\ ١١٤
٢ ١\ ٠١٢
١ ١\ ٠٦
- ١\ ٠٣
.. ١١
٠٠ ٠٠
стр. 678
إن هناك مسكوكات أخرى لم تدرج فى هذا الجدول مثل الذهب العتيق للسلطان محمود ذهب السلطان مصطفى ذهب مصر باريون والجنيه المصرى والخيرية العتيقة والجديدة.
وغيرها من النقود العثمانية المتعارف عليها بأسماء أخرى، وبما أنها تختلف فى الوزن والعيار بعضها عن بعض فلا قيمة كبيرة لها ولا رواج فى الشراء والبيع مثل المسكوكات الجديدة، إن النقود المذكورة تتداول حسب عيارها الذى ذكر فى مجال التعريف، ولما كانت العملات القديمة التى ضربت فى دور ضرب المسكوكات فى القاهرة وبغداد لا يوافق عيارها الجدول الذى عرفت فيه قيمة العملات ولا يطابقها فيتم تداولها كأنها نقود غير مسكوكة.
إن المسكوكات الأجنبية التى تتداول بين الناس مختلفة بعضها عن بعض فى العيار والوزن والقيمة، لأجل ذلك فهى تستخدم وفق قائمة التعريف، وبما أن النقود الرائجة الأجنبية قد حولت إلى أثمان المسكوكات العثمانية الجديدة، فالناس لا يجدون صعوبة فى تداولها مثل المسكوكات المغشوشة.
الدرهم الشرعى
إن تسوية المعاملات النقدية الشرعية أصبحت رهنا للتعامل بالمسكوكات، ولما كانت النقود القديمة المتداولة ليست على نسق واحد من حيث الوزن والعيار فى كل عصر ومصر، كما فصل فيما سبق، فاختلف تداولها باختلاف العصر والمكان، ولما لزم أن يوافى وزن الدينار والدرهم ومقدارهما وجودتهما وعيارهما لمعيار الدين القويم عشرة أمثال من النقود مساويا وموازنا إذا كان صحيح العيار إلى سبعة مثاقيل ذهب أو فضة، واعتبر ذلك درهما شرعيا واحدا وإن قيمة الذهب والفضة التى توزن بهذا الدرهم غير متساوية ولكنهم جعلوهما متساويين باعتبار الوزن والمقدار.
وأقروا ذلك بإجماع الأمة واتفاقها، ثم سموا ٤٠ درهما شرعيا أوقية وعلى
стр. 679
هذا التقدير يقتضى أن يكون الدرهم الشرعى سبعة أعشار المثقال الشرعي، والمثقال الواحد يساوى درهما وسبعة أرباع الدرهم، أى أن وزن المثقال يساوى ثقل سبع شعيرات متوسطة، واعتبر سبعة أعشار المثقال درهما واحدا، ويترتب على ذلك اعتبار الدرهم الواحد ثقل خمس حبات شعير وخمسين من حبة واحدة.
وقد قرر فى عصر السلطان أورخان الغازى وعهده اعتبار ربع الدرهم العرفى درهما شرعيا واحدا، واعتبار الدرهم ونصف العرفى واحدا ٢٦٦ مثقالا، واعتبار ٤٠٠ درهم عرفى أوقية واحدة.
ومن فروع ذلك القرار اعتبار الذرتين قطميرا، والقطميرين نقيرا، والنقيرين فتيلا، و ٤ فتائل حبة حنطة، و ٤ حبات حنطة تساوى قيراطا، و ٤ قراريط تساوى درهما، وبناء على هذا التقدير إن مائة الودرة تساوى قنطارا، و ٤ قناطير تساوى جكّيا واحدا وأن الجكى الواحد يساوى مائة وستا وستين أوقية عتيقة.
***
стр. 680
الصورة الثانية تعرف من قدم إلى الكعبة المعظمة المعلقات والستائر القيمة
إن ملوك العجم كانوا يوقرون الكعبة المعظمة ويعظمونها بتقديم الهدايا وما يعلق عليها، وإن كان أول من قدم الهدايا إلى كعبة الله توقيرا لها وتعظيما لشأنها مجهولا فى نظر التاريخ، إلا أنه من المحقق أن من أرسل ما يطلق عليه العرب «غزالتى الكعبة» هو اسفنديار أو على قول ساسان بن بابك من ملوك الفرس، وكانتا من ذهب خالص.
حتى إن العرب يعتقدون اعتقادا جازما أن أول ما قدم من هدايا إلى الكعبة المعظمة هما هاتان الغزالتان، كما أن العرب يروون أن بابك أهدى إلى الكعبة المعظمة غير الغزالتين الذهبيتين أنواعا من الهدايا الذهبية والجواهر.
كما أنهم يروون بالأدلة أن أول من أهدى من العرب إلى الكعبة المعظمة من الهدايا هو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة من قبيلة قريش إذ علق على الكعبة سيفين مذهبين.
وقد دعا كلاب بن مرة قبل جميع سكان الجزيرة العربية وأعيانها إلى إحراز شرف تقديم الهدية إلى الكعبة. إن أبا زوجه قدم له سيفا ذا قيمة مذهبا ومشهورا لدى العرب. وكان «أسد بن سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر بن الحارث بن عمليق بن خشعمة بن يشكر بن بشير بن صعب بن دهمان بن نضر بن الأزد» الذى اشتهر بترصيع السيوف، واختراع هذا النوع من السيوف المذهبة، قد صنع هذين السيفين وأهدى أحدهما إلى ابنته فاطمة، والآخر لزوج ابنته كلاب بن مرة وهما أهديا هذين السيفين إلى الكعبة المفخمة ليحفظا فى خزينة بيت الله.
стр. 681
إن هذين السيفين المخترعين لم يكن للعرب عهد بصنعهما، لذا زادت فى عيون شجعان العرب الذين يفتخرون بعمل أجمل الأسلحة.
وعد إهداؤهما إلى الكعبة تضحية عظيمة من قبل كلاب بن مرة، ومن أجل ذلك علت مكانته فوق صناديد العرب والأشراف. وإن لم يقدم بعد كلاب بن مرة إلى عصر عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هدية إلى الكعبة، إلا أن عبد المطلب بن هاشم حينما أخرج من بئر زمزم الغزالتين الذهبيتين وسيفا ثمينا مرصعا وكثيرا من الذهب أهداها كلها إلى الكعبة المعظمة محبة لها، وكانت الغزالتان هما اللتان أهداهما ساسان بن إسفنديار إلى الكعبة كما سبق ذكره.
وأول من زين بيت الله فى الدولة الإسلامية هو عمر الفاروق، وبعده عبد الله بن الزبير وقد علق عمر الفاروق ما اغتنمه فى أثناء فتح المدائن من هلالين ذهبيين في داخل كعبة الله، كما كسا عبد الله بن الزبير أساطين الكعبة بصفائح من ذهب، وجعل مفتاح الكعبة من الذهب الخالص.
وقد أهدت مارية بنت أرقم من بنات ملوك بنى حنيفة زوجا من القرط الغالى النفيس، وكان هذا القرط من در نادر من حجم بيضة الحمامة، ويساويان أربعين ألف دينار تقريبا، وبما أن أحدهما كان لا نظير له سميت صاحبته بذات القرطين.
وقد انتقل هذان القرطان فيما بعد إلى أيدى الملوك، حتى انتهى الأمر إلى عبد الملك بن مروان الأموى وعندما زوج ابنته فاطمة من عمر بن عبد العزيز أعطاها هذين القرطين. وأخذ عمر بن عبد العزيز فى عهد خلافته هذين القرطين ووضعهما فى خزينة الدولة.
ولما توفى عمر بن عبد العزيز وتولى السلطة يزيد بن عبد الملك، أخذ القرط ورده إلى أخته فاطمة، إلا أنها لم تقبله، وعندئذ أهدى يزيد القرط إلى زوجته ولا يعرف بعد ذلك إلى أين انتقل ذلك القرط ومن الذى امتلكه.
وقد بين «الإمام تقى الدين» من مؤرخى الكعبة الأوائل كيف زين كلاب بن مرة الكعبة معلقا سيفا محلى. ثم ذكر ناقلا من تاريخ الإمام الأزرقى أسماء الذين قدموا أشياء ثمينة متنوعة لتلك البقعة المقدسة واحدا تلو الآخر.
стр. 682
ومن ضمن ما ذكره الهلالان الذهبيان من غنائم بلاد كسرى، وكأسا مزينة بالزبرجد (١) غالى الثمن أهداها «سفاح بن زائد» من خلفاء بنى العباس.
كما أن هارون الرشيد علق في سقف كعبة الله فى سنة ١٨٦ هـ قطعة حجة منمقة كتب عليها تجديد عهد وميثاق لابنيه محمد الأمين، وعبد الله المأمون بعد توقيعها من رجال دولته وذلك فى أثناء حجه.
الاستطراد
حينما علقت تلك الحجة فى المكان الذى رآه هارون الرشيد مناسبا وسقطت على الأرض بطريقة ما وشاع الأمر بين الناس، قالوا «إن ما تحتويه الحجة المذكورة لا يوافق حكم القدر». وفعلا هذا ما حدث إذ محا محمد الأمين عقب وفاة ولده، وبرأى «فضل بن الربيب» وتدبيره مسح اسم المأمون من تلك الحجة، ووضع مكانه اسم ابنه الصغير «موسى»، أو على قول آخر مزق التعهد القديم ووضع مكانه التعهد الجديد.
وأرسل «محمد الأمين» بن هارون الرشيد بعد وفاة والده (١٨٠٠) قطعة من ذهب لتزيين الكعبة وذلك فى سنة ١١٥ هـ وعند وصول هذا المال إلى مكة الله أخذ أهل مكة صفائح الفضة التى كانت على باب الكعبة، وزينوا مصراعى الباب وجعلوا حلقاته من الذهب الخالص. أما المأمون العباسى فعلق على باب الكعبة ياقوتة ثمينة فى سلاسل من ذهب، كما أن المتوكل علق على واجهة الكعبة حلية تشبه الشمس مرصعة بأنواع الياقوت والزبرجد، وكان (٢) إرسال ذلك فى موسم الحج سنة ٢٤٤ هـ.
وزين الخليفة المتوكل بالله بناء على طلب صاحب مفتاح البيت زوايا كعبة الله بالذهب، وعلق فوق الستارة الداخلية للكعبة حزاما من الفضة طوله ثلاثة أذرع، وكان لهذا الحزام كمر من الذهب.
стр. 683
وغلفت بعد ذلك عتبة باب بيت الله بلوح فضى، وبلغ ثمن الشريط السابق الذكر واللوح الفضى ثمانية عشر مثقالا من الذهب.
وأمر المعتصم بالله العباسى بصنع قفل ثمين بألف مثقال من الذهب، وأرسله إلى واليه في مكة المكرمة «صالح بن عباس» طالبا منه أن يضع القفل فى مكانه القديم، وأن يرسل القفل العتيق إليه ليتبرك به وذلك عام ٢٦٧ هـ إلا أن خدم البيت بعد التشاور بينهم لم يستصوبوا إرسال القفل العتيق إلى الخليفة، وأخبروا بذلك صالح بن عباس والى مكة المكرمة ليبلغه بدوره إلى الخليفة الذى رضى برأى الخدم، وسمح أن يبقى القفل العتيق فى مكانه وأهدى القفل الجديد إلى الخدم.
وأرسل حاكم إقليم «السند» منطقا جميلا ليعلق على كعبة الله، وكان ذلك المنطق مرصعا بالزمرد والياقوت وكان أثرا لامعا مشعا (١) فعلق على وجه بيت الله اللطيف سنة ٢٥٩ هـ.
استطراد
يطلق السند على إقليم كبير فى الهند ويحده من الغرب إيران، ومن الجهة الشمالية «قندهار»، ومن الجهة الشرقية الشمالية الصحراء الكائنة فى الجهة الشرقية من إقليم سيق، وتحاط من الجهة الجنوبية بمواقع قج ويقع بين الدرجة العرضية ٢٥ و ٢٦ شمالا وإن طول هذا الإقليم (١٦٠) ميلا، ويمر من وسط أشهر بلاده نهر السند، وبما أنه يحاذى مجرى هذا النهر العظيم ويمتد إلى موقع «مولتان» البعيد عن منبعه مسافة (٣٠٠) ميل عرف باسم السند.
إن نهر السند الكبير الذى يمتاز بعذوبة مياهه ونفعه العميم يعرف أيضا باسم نهر «هندوس»، وينبع هذا النهر من مكان يسمى تبد (٢) الذى يقع بين خطى عرض (٣٨، ٣١) شمالا.
стр. 684
وفى سلسله جبال «بولور» (١) التى تفصل تاتارستان عن البلاد الصينية، ثم يجرى نحو الغرب الجنوبى ويفيض عند وصوله إلى الأراضى الهندية في خط عرض (٣٥) شمالا، ويعد بمثابة الخط الدفاعى عندما تتعرض البلاد الهندية للاعتداء من الجهة الغربية. ويفيض فى مدينة «كابل» البعيدة عن منبعه بستين ميلا بدرجة لا تسمح بالمرور، وعندما يصل إلى الإقليم الذى يتفرع فيه إلى فرعين والذى يسمى باسمه والفرع الأكبر الذى يقع فى الناحية الغربية، ويتفرع إلى شعب وفروع، ويشكل عند مصبه شكل مثلث الشكل مثل نهرى «النيل والبنج» (٢) إن علماء طبقات الأرض يطلقون على ذلك الشكل اسم الدلتا والعرب يسمونه دالية (٣).
إن مجارى فروعه التى سبق ذكرها غير عميقة، ولا تسمح بسير المراكب والسفن ويمكن للقوارب الصغيرة السير فيها.
إن المسافة بين منبع نهر السند ومصبه تصل إلى (١٣٥٠) ميلا، وأكثر أجزاء هذا النهر عميقة تسمح بسير سفن كبيرة حمولتها مائتى طن، ولما كان سكان شاطئيه جهلة فى فن تجارة الأنهار قلت تجارتهم عبر النهر «انتهى».
وعقب وصول الحزام الذى أرسله حاكم السند إلى مكة المعظمة، صنع المعتمد بالله العباسى صندوقا صغيرا فضيا جميل الشكل، ووضع فى داخل هذا الصندوق حجة ولاية عهد الخلافة بعده لابنه جعفر أولا ولأخيه «الموفق» بعده من وراء الخلافة وأرسله إلى كعبة الله مع «فضل بن عباس» وذلك فى سنة ٢٦١ هـ وكان ذلك الصندوق على شكل مقلمة داخل وعاء فضى، علق داخل كعبة الله بثلاث سلاسل فضية مزخرفة بآلة لا مثيل لها.
وإن كان المؤرخون يخبروننا عن أشياء كثيرة نفيسة قيمة أهديت إلى كعبة الله، إلا أن ذكر هذه الأشياء على حدة سيجلب الملل والسأم للقراء لذا اكتفى بذكر أشهرها.
стр. 685
ولكن لشدة الأسف أن ما ذكر من الهدايا القيمة أو ما لم يذكر قد أنفقت واستهلكت من قبل ولاة الحرمين لإطفاء نار الفتن والشغب التى شبت فى الحرمين، وهكذا خلت خزينة بيت الله مدة طويلة من هدايا الملوك والسلاطين.
وكان السلطان مراد خان الثالث ابن السلطان سليم الثانى قد أرسل ثلاث قطع من القناديل (١) لا مثيل لها فى النفاسة وجمال الشكل. واستقبل أهالى مكة المكرمة «محمد جاوش» حامل القناديل المذكورة بكل حفاوة وأوصلوه إلى حرم المسجد الحرام، حيث قرئ الأمر السلطانى السنى فوق كرسى خاص لذلك، وكسى خلعا فاخرة لبعض الناس الذين اعتيد حضورهم قراءة الأمر السلطانى، وبهذا غمرهم الفرح والسرور وذلك فى سنة ٩٨٥ هـ كان محمد جاوش (٢) كاتبا للأبنية المقدسة فى عمارة السلطان سليم، ثم أصبح بعد ذلك مربيا للسلطان مراد خان الثالث، ولما أريد مكافأته لخدماته الكثيرة كلف بحمل القناديل المذكورة وتوصيلها إلى مكة المكرمة، ومعها الخلع الفاخرة التى أنعم بها السلطان على الشريف «أبو نمى بن بركات» والقاضى «حسين بن أبى بكر الحسينى» وشيخ مكة «لطفى بك زاده» وأمين المبانى «أحمد» بك ووصل إلى مكة فى خلال سنة ٩٨٤ هـ (٣).
الذيل
وقد أصبح استقبال الهدايا السلطانية المرسلة إلى كعبة الله بكل توقير وحفاوة عظيمة في حكم العادة لدى أهالى مكة المكرمة، وكذلك قراءة الأمر السلطانى على كرسى فخم سلطانى، وكانت مراسم تبادل الولاة تتم على نفس الصورة.
وقد حضرت أنا جامع حروف هذا المؤلف فى سنة ١٢٨٩ مراسم قراءة الأمر السلطانى السنى الذى يتضمن تعيين محمد باشا واليا على الحجاز.
стр. 686
وقد اجتمع أهل مكة كلهم أمام المقام الحنبلى الكائن بين ركن «الحجر الأسود» وبئر زمزم، وانتظروا قدوم شريفا مكة المكرمة. وعندما قدم المشار إليهما محاطين برجال الشرطة ومعهما كثيرون من ضباط الجيش، ومر الجميع بكل عظمة واحتشام ونظام من أمام باب السلام، وقفوا أمام الجماعات المجتمعة، واعتلى موظف مكلف بقراءة الأمر السلطانى كرسيا وضع من قبل بين البيت المعظم وبئر «زمزم»، قرأه أولا باللغة العربية ثم باللغة التركية، وبينما كان يقرأ الأمر السلطانى ألبس مفتيّو المذاهب الأربعة والعلماء الذين حضروا الحفل خلعا فاخرة.
وعقب الانتهاء من قراءة الأمر السلطانى اعتلى واحد من أعلم العلماء وأصلح الصلحاء الكرسى، وبينما كان حامل مفتاح الكعبة فى داخل بيت الله أخذوا يدعون الله بطول عمر السلطان، وللوالى الجديد بالتوفيق فى عمله، وسواء أكان أثناء قراءة الأمر السلطانى أو الدعاء بطول عمر السلطان ودوام ملكه كان باب كعبة الله مفتوحا.
وكان القارئ والداعى يتجهان نحو مقام إبراهيم العالى، لذا كان بيت الله الأعظم فى يسارهما وكان بئر زمزم فى يمينهما، وفى ختام الدعاء طاف جميع المشاهدين ورجال الحكومة بالبيت المعظم، وكان الشريف عبد الله باشا والوالى المشار إليه من ضمن الطائفين انتهى.
وبعد انتهاء مراسم استقبال القناديل التى قدمها السلطان مراد خان الثالث إلى الكعبة طاف بالكعبة الشريفة الشريف «حسن بن أبى نمى»، وعليه الخلعة السلطانية كما طاف رئيس المؤذنين ودعوا الله بطول دولة السلطان.
وبعد طواف الشريف بالكعبة دخل مع الأشراف والعلماء الكعبة، واعتلى السلم الذى كان قد جهز من قبل، وعلق القنديلين واقفا في المكان الذى صلى فيه الرسول ﷺ يوم فتح مكة، أى المكان الأول الذى تقع عليه عين الداخل فى الكعبة، ودعا بالأدعية المناسبة بدوام بقاء الدولة العثمانية.
стр. 687
وبعد ذلك سلم الموظف المذكور قنديلا آخر ليعلق فى الحجرة النبوية المعطرة حسب التعليمات، وأرسل إلى المدينة المنورة وفى رفقته كثير من الموظفين لتبليغ محافظ المدينة المنورة، بالأمر والإسراع فى اتخاذ ما يلزم إجراؤه.
والسلطان مراد خان الثالث أول من نال من السلاطين العثمانيين شرف تعليق القناديل فى الحرمين الشريفين. وبعد ما أرسل ذلك السلطان المغفور له ثلاث قناديل أرسل مع دفتردار مصر إبراهيم بك قنديلا عجيب الشكل مصنوعا من الذهب الخالص.
وكان فى داخل هذا القنديل عرضحال مسطور بيد السلطان وملفوف بمنديل مزركش بالذهب، ووصل القنديل المذكور إلى مكة المعظمة فى سنة ٩٩٨ فى أوائل شهر المحرم وعلق فى داخل بيت الله.
وأرسل السلطان «أحمد خان» الأول فى سنة ١٠٣٤ قطعتين من الماس (١)، على أن تعلقا فى داخل الكعبة المعظمة.
وأرسلت والدة السلطان عبد العزيز خان بن السلطان محمود الغازى كثيرا من الشمعدانات على أن تعلق بعضها أمام المقامات الأربعة وبعضها فى الساحة الرملية للحرم الشريف، وأحال داخل المسجد الحرام إلى سماء ذات نجوم زاهرة وذلك فى سنة ١٢٨٩ هـ.
وقد أرسلت إلى بيت الله أشياء أخرى نفيسة وغالية غير ما ذكر ولكن مع مرور الوقت نسى واقفوها ومهدوها وأسماؤها ولهذا لم يكن فى الإمكان التحقق من شخصياتهم.
قد أفتى علماء السلف بخصوص تزيين الكعبة بالمعلقات المصنوعة من الذهب أو الفضة على وجهين أحدهما بالتحريم والآخر بالجواز. وعلى هذا التقدير فإن تزيين بيت الله والحجرة النبوية المعطرة بناء على ذلك جائز.
стр. 688
الصورة الثالثة تذكر وتفصل كيف علقت الكسوة على كعبة الله ومن الذين نالوا شرف كسوتها مؤخرا وما هو نوع القماش الذي كسيت به وكيف تم الحصول عليه وكيف تجرى الاحتفالات فيى مختلف المناسبات ؟
إن أول من كسا البيت الملك اليمنى من ملوك التبابعة «كرب بن أسعد بن عمر» سؤال ذى الأزعار بن أبرهة ذى المنارين الرايش بن عدى بن حيفى بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد الجمهور بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطنى غريب بن زهير بن هميسع بن العرفج حمير بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وكان حاكم اسمه «فيطون» سببا فى كساء كرب بن أسعد الكعبة المعظمة، وبناء على ما نقله أحد المؤرخين يروى أن أوسا وأخاه «الخزرج» بن الحارث بن ثعلبة العتيق هاجرا إلى المدينة المنورة قبل هجرة النبى (عليه أفضل التحية) بسبعمائة سنة. وقد كثر أولاد وأحفاد الأوس والخزرج وهما من آباء أجداد الأنصار الكرام، وشكل كل واحد منهما قبيلة وكان حاكم المدينة فى ذلك الوقت رجل اسمه «فيطون».
وكان فيطون الدنئ هذا يهوديا من أشرار اليهود، ولم يكن يسمح لأية واحدة من فتيات اليهود بالزواج إلا إذا أزال بكارتها بنفسه، ثم حاول أن يطبق عادته المستكرهة هذه على فتيات الأوس والخزرج، إلا أن هذا الأمر قد اشتد على بواسل رجال قبائل الأوس والخزرج، وأخذوا يفكرون في طريقة للتخلص من فيطون هذا، وحدث فى ذلك الوقت أن حان وقت زواج أخت «مالك بن عجلان من حفيدات الخزرج، وبناء على هذا اقتضى الأمر أن ترسل الأخت إلى بيت فيطون المنكوب.
وفكر مالك في أن يجد طريقة للتخلص بها من فيطون فلبس زى النساء،
стр. 689
وذهب إلى دار فيطون وهناك استطاع أن يقضى عليه فى مكان ضيق من البيت، إلا أنه تأكد بعد ذلك أنه لا حياة له فى يثرب، فارتحل إلى اليمن وعرض الأمر على ملك اليمن فى ذلك الوقت وهو «تبع أسعد بن أسعد».
وكان تبع أسعد رجلا سديد الرأى عادلا فاستاء كثيرا مما أخبره به ابن عجلان من أخبار مثيرة منفرة، وعقد العزم على أن يزيل ريح يهود يثرب ويسوى دورهم بالأرض هدما، فأعد العدة للرحيل وساق جيشه إلى حدود يثرب والبطحاء، وعندما بلغ تلك المدينة أعمل السيف فى ثلاثمائة من وجهاء القوم.
وبذلك ألقى الرعب فى قلوب من تبقى من اليهود، واستأذن يهودى يسمى شامول بلغ من العمر مائتين وخمسين عاما فى الدخول إلى مجلس الملك، وعندما أذن له بالدخول قال أيها الملك: قد جاء فى الكتب المقدسة أن هذا البلد سيكون مهجرا لنبى آخر الزمان، وإن اسمه الشريف «أحمد»، وهو من مكة المكرمة ومن صلب إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وسيبطل جميع الأديان الأخرى وسيشتهر بلقب «خاتم الأنبياء».
وبناء على ذلك فنيّتك الملكية في تدمير البلد وتخريبه تخالف تقدير الله، لذا يجب عليك أن تتخلى عن فكرتك هذه، وأن تظهر الندامة وهذا أولى بك وأجدر.
وهكذا نطق اليهودى بما أوجب القدر النطق به، وبما أن نطق شامول الذى خاطب به الملك قد أثر فيه، وأضاء نور المحبة المصطفوية جنبات فؤاده، ترك حرب اليهود وأكرم أهل المدينة المنورة ببذل العطايا لهم، وأظهر المحبة التى فى قلبه نحو حبيب الله، ثم اصطحب ذلك اليهودى - أو على رواية أخرى - اصطحب ثلاثة من أحبار اليهود الزهاد، وسار نحو الكعبة المعظمة لابسا ملابس الإحرام، وبعد الزيارة توجه نحو بلاد اليمن عائدا مصطحبا معه ابن يامين بن عميرى من أحبار قبيلة بنى نضير وعلى ما سبق ذكره، وأخذ معه «شامول» أو «سحيت وبامين».
стр. 690
ويلزم بناء على هذه الرواية أن يكون مقدم طائفة اليهود إلى المدينة المنورة منذ زمن بعيد وقال: «بينما كانت المدينة المنورة واديا خاليا من آثار العمارة قدم إليها (تبع) من ملوك اليمن.
وكان ملكا ذا شأن، قدم إليها مع حاشيته وجنوده وطلب منه العلماء اليهود الذين كانوا معه أن يسمح لهم بالإقامة فى هذا المكان، واستغرب تبع من طلب اليهود الذين يتسمون بالفطنة فى رغبتهم فى الإقامة فى هذا المكان الموحش، واستوضح منهم غرضهم من هذه الإقامة، فقالوا له: قد استنبطنا من آيات التوراة أن هذا المكان سيكون مهجرا لنبى عالى المنزلة، هو نبى آخر الزمان، ومن الواضح والمؤكد أننا لن ندرك زمن ظهور هذا النبى، إلا أننا أردنا أن نوصى أحفادنا الذين سيدركون هذا النبى باعتناق ذلك الدين الحنيف، وأن يفدوا بأرواحهم فى سبيل الدفاع عن هذا الدين».
وقد تأثر الملك من هذا الرد العجيب، وعرف صفات باعث إيجاد الماء والطين «عليه سلام الله المعين» بالسؤال والبحث، فسمح لأربعمائة من العلماء بالبقاء فى هذا المكان، وبما بزغ فى قلبه من حب النبى ﷺ أمر ببناء منزل فخم يعادل «الخورنق» لكل واحد منهم كما أمر بإعطاء جارية لا مثيل لها لكل واحد منهم.
وأنشد تبع الأبيات الآتية وسلمها لأفضل هؤلاء العلماء اليهود وأكثرهم تبحرا فى العلم، والذى كان مع الملك المشار إليه ورغب فى البقاء فى أرض يثرب من شدة إخلاصه لسلطان الأنبياء «عليه أذكى التحايا».
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النسم
فلو مد عمرى إلى عمره ... لكنت له وزيرا وابن عم
وأودع هذه الأبيات بعد أن كتبها فى لوحة مزينة إلى ذلك الفاضل السالف الذكر، وألقى خطبة يبين فيها إيمانه بما جاء به ﷺ قبل بعثة بسبعمائة سنة.
صورة خطبة الملك تبع
«يا أيها الفاضل فريد عصره إن هذه الدار العظيمة التى هيأتها لمحمد ﷺ ذات
стр. 691
صفات عالية، فلتسكن أنت وأولادك وأحفادك فى هذه الدار، وأى واحد من نسلك يدرك البعثة النبوية ليقدم هذه اللوحة التى تركتها أمانة فى يدك إلى النبى اللامع النور، وليعرض عليه إخلاصى وصدق إيمانى به راجيا منه أن يقبلنى أنا - أضعف العباد - ضمن أمته».
وبناء على رواية ابن إسحاق فإن اللوحة المذكورة وصلت إلى يد خالد بن زيد «رضى الله عنه»، من نسل المشار إليه وقدمها إلى النبى ﷺ ، وبهذا حصل على شرف ضيافة الرسول ﷺ فى داره، إلا أن مؤلف «خلاصة الوفا» الإمام السمهودى يرد هذا القول، ويقول كما ورد فى بعض فصول «مرآة المدينة»: لا يصدق كثيرا أن خالد بن زيد من نسل ذلك الفاضل؛ لأن أجداد الأنصار الكرام كلهم من أبناء العرب، وجملة فروعهم أنسابهم صحيحة، فإن ما ذهب إليه ابن إسحاق غير صحيح، وقوله أن أجداد الأنصار قد اختلطوا باليهود سهو صريح، لأن أبا خالد هو زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك ابن النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج، وأمه «هند بنت سيد وأباها عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن كعب ابن الخزرج، وهذا يدل على أن خالد ليس من نسل علماء اليهود.
ومع كل هذا قد رد على القارى فى كتابه المسمى ب «الدرر المضيئة» كل الأقوال السابقة، وروى أن سليمان «على نبينا وعليه سلام الله المستعان» بينما كان يمر من صحراء المدينة المنورة قال: «إن نبى آخر الزمان سيدفن هنا، وترك هناك أربعمائة من أحبار بنى إسرائيل العلماء؛ ليكونوا فى انتظار البعثة النبوية، ولكن للأسف عندما هاجر سلطان رسل الأمصار «عليه أعظم التحية» إلى المدينة أنكره أحفاد علماء بنى إسرائيل، وأظهروا له وجوه المخالفة.
إن أئمة الأسلاف اختلفوا كثيرا فى مسألة إيمان الملك تبع. إلا أن وهب (١) بن منبه (٢) ادعى إيمان المشار إليه. وقال إنه آمن بإبراهيم عليه سلام الله الرحيم.
стр. 692
وروى الإمام السهيلى الحديث الشريف الذى يقول «لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا» (حديث شريف) وبهذا حكم على إيمانه بالنبى ﷺ !! وذهب بعض المؤرخين إلى أن الملك الذى آمن قبل البعثة هو «تبع أبو كرب بن أسعد الحميرى» الذى علق الكسوة على الكعبة ووالده هو أبو كرب بن أسعد الحميرى ووفق قسم من المؤرخين بين الأقوال المختلفة قائلين «إن المنزل الذى وضع أساسه تبع واللوحة المذكورة انتقلتا إلى خالد بن زيد الأنصارى بطريقة ما، وقدم خالد منزله واللوحة إلى النبى ﷺ ولهذا نال شرف ضيافة النبى ﵇. ومهما كان من الأمر فحقيقة الأمر يعرفها عالم السر والخفايا، وأن غرضنا من حكاية كل هذه الأقوال كان التحقق من تزيين تبع الحميرى للكعبة المعظمة بتعليق الكسوة عليها.
إن الملك تبع الذى اختلف المؤرخون فى اسمه وإيمانه وتجادلوا فيما بينهم كثيرا بخصوص هذين الموضوعين كما سبق ذكره فيما سلف ووصل إلى مكة المكرمة عند عودته من المدينة، وفى نفس اليوم طاف بالبيت وذبح أضحية وحلق شعره وأقام بمكة ستة أيام، وعلى قول آخر عشرة أيام، ودعا جميع أهل مكة إلى وليمة، وأسرع بعد الطعام بإلباس الخلع الغالية لبعضهم، وفى أثناء إقامته بمكة أمر فى رؤياه بكساء الكعبة المعظمة، وفى صباح تلك الليلة ألبس الكعبة كسوة مصنوعة من قماش يطلق عليه حصيف، ولكنه رأى فى رؤياه فى الليلة التالية أن يغير كسوة الكعبة بقماش أغلى من «الحصيف». وفى اليوم الثانى كسا الكعبة بقماش يقال له «مغافر» بعد أن أنزل الكسوة المصنوعة من الحصيف، ولكنه مع هذا رأى فى منامه فى الليلة التالية أن يغير كسوة الكعبة المصنوعة بقماش غالى الثمن ذى هدب وأغلق باب بيت الله بقفل وأنشأ يقول:
عربى
وكسوت البيت الذى حرم الله ... ملاء مغافرا وبرودا
أقمنا من الشهر عشرا ... وجعلنا إليه إكليلا
وخرجنا منه توأما سهيلا ... قد رفعنا لواءنا منصورا
стр. 693
ثم سافر متوجها نحو بلاده ..
وإن كان الإمام الواقدى قد نقل عن أبى هريرة أن أول من علق الكسوة على الكعبة ذلك الملك السعيد إلا أن عبد الرزّاق قال ناقلا عن ابن جريج، أن الذى علق الكسوة على الكعبة قبل جميع الناس هو إسماعيل ﵇.
وادعى «زبير بن بكار» بناء على أخبار بعض أئمة الرواة أن أول من كسا الكعبة المعظمة هو «عدنان» أو رجل آخر عاش فى عصره «انتهى».
وبعد عودة الملك تبع شرع فى إرسال الكساء إلى البيت المكرم من جميع أقطار العالم. وكانت بعض الكسا تعلق على الكعبة وبعضها تحفظ فى خزانة الكعبة وكانت، تجدد من حين لآخر. وكانت الكسا تعلق بعضها فوق بعض، ولم يكن تعليق الكسا خاصا بالرجال بل هناك نساء كسين الكعبة.
إن والدة عباس بن عبد المطلب «نتيلة» أو «نتلة» كانت أولى النساء اللاتى كسين الكعبة. ولم تنل هذا الشرف من نساء قدماء العرب غيرها، وكان سبب نيلها هذا الشرف نذرها لابنها وهى نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر، وكان ابنها عباس ضاع منها فى صغره، فنذرت قائلة إن وجدت ابنى سأقدم كسوة إلى الكعبة ولما وجدت ابنها أوفت بنذرها بأن كست الكعبة بالديباج وأنواع أخرى من الأقمشة الغالية.
وقرر القرشيون كساء الكعبة عن طريق المناوبة، وذلك بفرض الضريبة على القبائل، والنقود التى تجمع منها تنفق فى كساء الكعبة، وقد راعوا هذا القرار ابتداء من عهد قصى «بن كلاب بن مرة إلى عصر أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله ابن مخزوم، ولكن «أبا ربيعة» أقنع أفراد القبيلة بأن تكون كسوة الكعبة سنة بين جميع أفراد القبائل، وسنة تكون على حسابه، كما ذكرنا سابقا ولذا كان القرشيون كلهم يكسون الكعبة سنة ويكسوها «أبو ربيعة» بمفرده سنة، واستمرت هذه الحالة إلى أن توفى أبو ربيعة.
وكانت الكسا التى تعلق على الكعبة من أقمشة مختلفة وكانت تصنع فى زمن تبع الحميرى من أقمشة مثل الحصيف والمغافر والحصايل والعصب والمسوح
стр. 694
والسراء والتطابح. وفى عهد جاهلية العرب من المنسوجات مثل «الخطارف والخزن والخضر والصفر والكرار والنمارق العراقية والحبرات اليمانية وفيما بعد أطلق على الجزء السفلى من الكسوة والذي يلى أرضية المطاف «الإزار» كما سيرد فيما بعد.
والكسا التى تعلق فى أيامنا ليست قطعتين كما كانت من قبل بل قطعة واحدة، والكسوة البيضاء التى نرتديها وقت الإحرام تتكون من قطعتين لأن البيت الأعظم يكسى بالإحرام، بينما يخرج الحجاج إلى عرفات أى تعلق على الكعبة قبل حلول عيد الأضحى بأيام كسوة بيضاء، واسم هذه الكسوة البيضاء بناء على تعبير عرف البلد إحرام، وهى بدل الكسوة التى كان يطلق عليها قديما «الإزار» وغيرت الكسوة فى عهد نبينا السعيد، مجدد بنيان الشريعة (عليه أقوى التحية) بالأقمشة اليمانية، وفى أيام الخلفاء الراشدين غيرت بالديباج المزركش، وأخذت تغير مرتين فى السنة فى يوم «التروية» ويوم «عاشوراء» وهذا التجديد أصبح عادة متبعة.
روى أبو عروبة أن النبى ﷺ علق على الكعبة كسوة مصنوعة من قماش يسمى القباط كما يروى بعضهم أن عمر وعثمان - رضى الله عنهما - علقا كسوة على الكعبة.
وروى الإمام «الباقر» أن الذى حول ستارة الكعبة إلى الديباج هو يزيد بن معاوية.
وينقل أن الذى غير كسوة الكعبة إلى الديباج هو عبد الله ابن الزبير (١) ويقول الإمام الفاكهى «إن أول من علق الديباج الأبيض على الكعبة هو هارون الرشيد.
وكان صنع الكسوة من الديباج الأبيض من القواعد الجارية إلى عهد محمود سبكتكين». وبدل محمود سبكتكين الكسوة إلى الديباج ذا اللون الأصفر، كما بدلها ناصر العباسى بقماش أخضر، وفيما بعد بدلها بالقماش الأسود كما سنبين فيما يأتى.
يطلق يوم التروية على اليوم الذى قبل يوم عرفة، وكان قديما يعلق على سطح
стр. 695
بيت الله أنواع من الديباج الغالى الثمن، ولم يكن يحاك كالكسوة حتى لا تخسر من ملامسة الأيادى، ولم يكن الأزرار يدرج فيها، وفى يوم عاشوراء كانت الأقمشة التى علقت يوم التروية تحاك بعضها ببعض، وتأخذ شكل الكسوة وتظل على هذا الشكل إلى اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان، وتعلق فوق هذه الكسوة كسوة أخرى من قماش القباطى السميك.
وقد قرر فى عهد المأمون العباسى تغيير الكسوة الشريفة ثلاث مرات فى السنة، فكانت تعلق فى يوم التروية كسوة مصنوعة من قماش أحمر، وفى غرة رجب كسوة مصنوعة من القباطي السميك، وفى أول أيام عيد الفطر المبارك تعلق كسوة من ديباج أبيض، وأخيرا اتخذ تغيير الملاصق للديباج الأحمر فى يوم عاشوراء عادة متبعة، إلا أن هذا الإزار كان مصنوعا من قماش رقيق ولا يتحمل سنة واحدة؛ ولذا رئى تغييره فى يوم عيد الفطر المبارك مع تجديد الديباج الأبيض.
وفى عهد المتوكل بالله تمزق الإزار المذكور إربا من أيدى المتوسلين ولم يتحمل إلى شهر رجب.
فأرسل من بغداد عاصمة دار الخلافة إزارين، وتقرر أن يصل الديباج الأحمر الذى يطلقون عليه «القميص» إلى الأرض ويلامسها وأن يجدد الإزار مرة كل شهرين.
وسبب تجديد الإزار مرة كل شهرين كون القميص غاية فى القصر لأن قطعة الستارة التى يطلق عليها القميص كان قد صنع قصيرا جدا بحيث لا تصل إليه الأيادى، وذلك فى عصر المتوكل بالله وكان الناس مضطرين أن يتوسلوا بالإزار، لذا كان الإزار يتمزق سريعا ويصير قطعا صغيرة.
وكانت ستارة الكعبة فى العصور الإسلامية ولا سيما في عصر المتوكل بالله تصنع من قطعتين: «القميص» و «الإزار» وكان الجزء العلوى من هذه القطع يطلق عليه قميص والجزء الأسفل إزار تشبيها لهما بالقميص والإزار.
стр. 696
لازمة
إن ما يستر النصف الأسفل من الجسم يسمى بالإزار بكسر الهمزة، أما الثوب الذى يستر ما فوق الخصر فيسمى الرداء. ولما كان لبس الرداء والإزار من القواعد المرعية فى الجزيرة العربية، كان الرسول ﷺ يلبسهما أيضا، حتى إن الرسول ﷺ عند ما ودعنا لعالم الغيب كان يلبس رداءا مرقعا وإزارا منسوجا من خيوط غليظة، وكان الإزار الذى يكتسيه الرسول ﷺ يصل إلى نصف ساقه (١) ويرى أن استعمال إزار أطول من هذا مكروها.
وأشار النبى ﷺ وهو يشرح يوما لحذيفة بن اليمان ما يجب أن يكون عليه طول الإزار لساق المشار إليه أو لساقه ﵇: «هاهنا موضع الإزار» حديث شريف. إذا أردت أن تعمل بالأفضل يمكن أن يكون طول الإزار ما بعد نصف الساق وفوق الكعب وإذا أردت أن تنزل الإزار إلى الكعبين فإن هذا غير جائز لأن الإزار لا حق له فى الكعبين.
واختلف العلماء فى تعيين مدى طول إزار النبى ﷺ بالأذرع، فقال ابن الجوزى: «إن طول الإزار الذى كان يرتديه الرسول ﷺ كان أربعة أذرع وذراعين ونصف فى العرض «أما ابن القيم فقال «إن طوله كان أربعة أذرع وشبرا وعرضه ذراعين»، وقال الواقدى «إن طوله كان ستة أذرع وثلاثة أذرع وشبرا فى العرض».
إن ما قيل فى طول الإزار وما يجب أن يكون عليه خاص بالرجال، وأما إزار النساء فيلزم أن يكون أطول من إزار الرجال شبرا أو ذراعا ويسرى هذا الحكم على القميص وسائر الملابس. وبما أن الإزار والرداء معروف لدى الحجاج فإن قطعة القماش التى يلفون بها خصورهم يطلق عليها الإزار، وما غطوا به ظهورهم يطلق عليه الرداء.
وكانت الكسا التى تعلق على الكعبة من عهد المأمون العباسى إلى عهد الناصر لدين الله أى فترة ٣٧٠ عاما تصنع من ديباج أبيض. وفى عصر الناصر لدين الله
стр. 697
قرر اتخاذ الكسا من نسيج مصنوع من قماش أسود، والآن تصنع من قماش أسود.
نكتة
حينما بدل لون الكسوة الشريفة إلى الأسود سر الكل من هذا التغيير وفق ما فهمه، وكان سببا فى كثير من القيل والقال وحمل الفاضل القسطلانى هذا التغيير إلى نكتة وقال «إن البيت المعظم حينما رأى قلة زواره لبس ملابس الحزن» انتهى.
وفعلا إن نكتة الفاضل القسطلانى تطابق الواقع. إلا أن غرض الناصر لدين الله العباسى لم يكن الإيماء إلى تلك النكتة، بل كان يريد أن يعلم الناس شعار العباسيين القديم. لأنه عندما أفل نجم الدولة الأموية وتلألأ بدر الدولة العباسية أعلن العباسيون شروق شمس دولتهم بالرايات السوداء، حتى أنهم اتخذوا استعمال جبة سوداء وعمامة سوداء أيضا عادة لهم.
وسبب هذا عندما مات إبراهيم بن محمد فى سجن مروان لبس المحزونون عليه ملابس المأتم السوداء، لأنه عندما ثار أبو مسلم الخراسانى بكل عنف طالبا من الناس البيعة لإبراهيم بن محمد، قبض مروان على «إبراهيم وسجنه، وعندما علم الخراسانى أنه لا خلاص لإبراهيم من بئر مروان، أخذ يدعو الناس ليبايعوا السفاح بن محمد، وفى ذاك الوقت خنق مروان الحمار محمد بن إبراهيم ورمى جثته، وعندئذ لبس المبايعون للسفاح ومحبو العباس بن عبد المطلب الملابس السوداء إظهارا لحزنهم، وأخذوا يدعون الناس لأخذ الثأر رافعين الرايات السوداء.
وبناء على ما سبق ذكره أصبح لبس الجبة السوداء والعمامة السوداء من شعار الخلفاء العباسيين إلى عهد المأمون بن هارون. لأن المأمون أراد أن يظهر حبه لآل الرسول فبايع الإمام على الرضا، وزوجه ابنته، واتخذه وليا للعهد، وخلع الملابس السوداء شعار العباسيين، ولبس جبة خضراء، وأعلن بذلك أنه يجب
стр. 698
على الأشراف والسادة وعظماء العباسيين والجعافرة وسائر فرق المسلمين لبس الملابس الخضراء؛ إذا أرادوا أن يمتازوا على الآخرين.
عندما اختص المأمون السادات الكرام بلبس جبة خضراء وعمامة خضراء أيضا كان المسلمون مختلفين فى حرمة لبس العباسيين الملابس السوداء وسائر المسلمين الملابس البيضاء، واليهود الملابس الصفراء كما يخبرنا به «ابن حجر» فى كتابه الصواعق .. ، ولذلك اختار المأمون من أجل السادة الكرام اللون الأخضر، ولما بقيت الخلافة فى بنى العباس استمر أشراف العلويين فى لبس ملابس خضراء.
إن اعتمام الأشراف منهم بعمامة خضراء عادة بقيت من أيام المأمون، وللأسف الشديد توفى الإمام بعد فترة قصيرة فلبس المأمون جبة سوداء حزنا عليه.
ويتفق أكثر الرواة على أن المأمون حينما لبس الجبة الخضراء كان فى خراسان، عندما مات الإمام رجع إلى بغداد مرتديا الملابس الخضراء التى اختارها، ولكنه لبس الملابس السوداء بعد عودته إلى بغداد بثمانية أيام وذلك بعد إلحاح عليه من بعض وزرائه.
ويذهب ابن خلكان إلى أن المأمون قد أمر المسلمين بعدم ارتداء الملابس السوداء، وشاع فى هذه الفترة أنه ينفر من لبس الملابس السوداء شعار العباسيين.
ولكنه فى النهاية لبس الملابس السوداء نتيجة وفاة أحد أقاربه وأصدقائه وذلك فى سنة ٢٠٤ هـ.
وادعى فريق من المؤرخين أن اعتمام المأمون بالعمامة الخضراء لم يكن ناشئا من حبه لآل وأبناء الرسول، بل نشأ من حرصه على ألا يقع زمام السلطنة فى أيدى العلويين، وأيدوا ادعاءهم قائلين: «قام العلويون فى عهد المأمون يطلبون الخلافة متفقين، فأراد المأمون أن يصلح ما بين العباسيين والعلويين، وأراد بذلك أن يتنازل العلويون عن مطالبهم، وبعث بأخى والدته رجاء بن الضحاك إلى المدينة المنورة لدعوة الإمام على الرضا بن موسى الكاظم إلى بغداد وعندما وصل إلى بغداد جمع جميع العباسيين والعلويين فى مجلسه، وخاطبهم قائلا: «يا أيها المسلمون: لأننى لم أجد بين آل عباس وآل الإمام على من هو أولى بولاية العهد من الإمام على ولذلك عينته وليا للعهد، ثم كتب حجة فى صحيفة وقدمها إلى
стр. 699
الإمام على، ثم زوج ابنته أم الفضل من محمد تقى ابن الإمام، وخلع الجبة السوداء الخاصة بالعباسيين ولبس جبة خضراء جاعلا لبسها خاصّا بالسادة الكرام، ثم ألبس الإمام عليا جبة خضراء وأمر جميع السادات بلبس ملابس خضراء.
وهذا ما وقع موقع الرضا والقبول من أهل الإيمان فلهج بمدحه والثناء عليه كل لسان، ولكن فرقة «ذيلة» من رؤساء القبائل التابعة للعباسيين، أرادوا أن يسقطوا المأمون من عرش الخلافة، وأطمعوا عمه إبراهيم فى الخلافة؛ وهذا الخبر المفزع أقلق المأمون الذى كان فى ذلك الوقت فى خراسان، فعاد إلى بغداد بينما سافر الإمام علي إلى طوس.
حينما دخل المأمون بغداد كان يرتدى جبة خضراء، وإن كان الناس جددوا البيعة له إلا أنهم لم يعجبوا بعمامته وجبته، فخلع جبته وعمامته الخضراوين بإيعاز من أهله وأصدقائه، ولبس الملابس السوداء وأعلن أن يستمر العلويون فى ارتداء الملابس الخضراء.
ومما لم يغب عن أذهان أهل الدقة والفكر أن ما ذهب إليه ذلك الفريق من المؤرخين مخطئون فى ادعاءاتهم؛ لأن محبة المأمون لأهل البيت ثابتة بأقوال هؤلاء المؤرخين أنفسهم. وبما أن المأمون قد وضع نظام ارتداء العلويين العمامة الخضراء، فقد اعتاد العلويون أن يعتموا بالعمائم الخضراء. وقد تركت تلك العادة فيما بعد، وهكذا أصبح أبناء الرسول لا يتميزون عن الآخرين.
إلا أن الملك الأشرف «شعبان» بن حسن من الملوك الشراكسة فى مصر أظهر حبه وحرمته لآل البيت إذ جدد عادة الاعتمام بالعمامة الخضراء ولبس الجبة الخضراء القديمة (١) وذلك فى ستة ٧٧٢ هـ.
عندما قرر اعتمام أولاد النبى بعمائم خضراء أنشد أبو عبد الله الأندلسى (٢) من شعراء الزمان العظماء القطعة الآتية:
стр. 700
جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة فى كريم (١) ... وجوههم
يغنى الشريف عن الطراز الأخضر
وأيد شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقى من أدباء دمشق صواب رأى الملك بإنشاد القطعة الآتية.
القطعة
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهم بها ... شرفا ليفرقهم من الأطراف
استصواب رأى:
يجب على الناس جميعا استصواب ما ذهب إليه الملك الأشرف المصرى، لأنه لا شك فى أن السادات الكرام يجب احترامهم. حتى إن حضرة مولانا قتادة قدس الله سره كان يقول: إذا ما رأيت فى مجلس شخصا من آل الرسول تحيرت فى كيفية إكرامه وتوقيره. وقد أطنب ابن حجر فى رسالته التى تسمى «الصواعق» فى ذكر ما يجب على الإنسان من توقير آل الرسول واحترامهم، ولكنه أشار أيضا أنه يجب عليهم أن يبتعدوا عن ارتكاب المعاصى. والأبيات التالية من آثار صاحب كتاب «كمنجيه راز» أى خزانة الأسرار ونوردها فى هذا المقام لأنها تناسبه.
الأبيات:
لتكن لهذا الرب على الدوام الصلوات ... فمنها الظهور للحسنات
ومن الآل رمز وتنبيه ... إلى أن الولد سر أبيه
стр. 701
ومن الحق بعيد من كذب على الآل ... ومن غصين لا يثمر حتى الثمر محال
إن الضال بخداعه لا يفلح ... والحجر الأسود ياقوتا لا يصبح
«عن فرح الروح» إن لبس الملابس والاعتمام بسود العمائم كان قبل عهد الخلافة بزمن طويل ويقول المؤرخون إن على بن أبى طالب والحسن - رضى الله عنهما - وكثير من وجهاء القوم كانوا يكتسون سود الثياب، كما أن عثمان بن عفان كان يكتسى ثيابا سودا يوم استشهاده، كما يروى أن على بن أبى طالب قد ألقى خطبة بليغة وهو لابس ملابس سوداء ومعتم بعمامة سوداء.
وكان عبد الله بن الزبير يقيم العمامة سوداء حينما كان يخطب، كما أن أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر «رضى الله عنهم» كانوا يلبسون جببا وعمائم ومناديل الرأس السوداء.
كما أن ابن المسيب كان يرتدى فى أيام الأعياد ملابس سوداء، ويعتم بعمامة سوداء أيضا، كما أن عبد الله بن عباس كان يلبس ملابس سوداء ويعتم بعمامة سوداء أيضا حينما يجلس فى ملجس تلقى العلوم.
ورد فى الخبر أن جبريل ﵇ أتى يوما أمام النبى ﷺ بملابس وعمة سوداء. وقد أظهر النبى ﷺ عجبه له قائلا: ما هذه الصورة؟ فإنى إلى الآن لم أكن قد رأيتك من قبل بهذه الملابس السوداء! فقال له إن هذه الهيئة هى زى أولاد ابن عمك عباس الذين سيعتلون كرسى الحكم فسأله ثانية هل هم على حق؟ فرد عليه قائلا: نعم. فدعا لهم قائلا «اللهم اغفر للعباس».
وكان هذا الأمر سبب آخر لارتداء العباسيين الملابس السوداء إذ قال النبى ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب وزوجته أم الفضل «يبدو أن أولادكم
стр. 702
وأحفادكم سيعتلون منبر الخلافة المنير» وبهذا أبلغهما ما أخبره به جبريل ﵇ وقد دفعهما هذا الخبر إلى انتظار ذلك الوقت «انتهى».
كان تعليق الكساء إلى سنة ٥٣٣ خاصا وحصرا للملوك والسلاطين إلا أنهم فى تلك السنة شغلوا بدفع الأعداء وتهيئة ما يلزم من القوت للجيوش؛ ولذا لم يستطيعوا أداء خدمة تعليق الكسوة على الكعبة؛ لذا رتب كساء الكعبة من طرف التجار بطريقة اشتراك كل واحد منهم بدفع حصته اللازمة.
إن الرياح التى أخذت تهب فى أواخر سنة ٦٤٣ هـ بشدة قد مزقت كسوة الكعبة وجعلتها قطعا فى يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٤ هـ وبعد هذا ظلت الكعبة بدون كسوة ما يقرب من واحد وعشرين يوما.
هناك مقترحات وأسباب كثيرة لسقوط الدولة العباسية وانقراضها إلا أن الناس عدوا تمزيق الكسوة بهذا الشكل مقدمة لزوال اللون الأسود شعار العباسيين وانقراض دولتهم، وفعلا قد سقطت الدولة العباسية بعد ذلك بفترة يسيرة.
وبعد ذلك الحادث بثمانية أعوام ظهرت نار فى «عدن» من سلسلة جبال مكة، وكانت هذه النار تسرى نحو البحر وتخرج ليلا دخانا أسود، وقد خاف الناس من ظهور هذه النار وقلقوا واضطربوا وأخذوا يديمون الدخول إلى الحرم الشريف للتوبة وللاستغفار، وتركوا الظلم والفسق والفساد وأخذوا يؤدون زكاتهم وصدقاتهم متجهين لعمل الخير. «حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة».
محاصيل القرى السبع الموقوفة للكسوة الشريفة
حينما أخذت شمس خلافة آل عباس تتوارى بين سحب الانقراض والزوال، انتقل تجديد كسوة الكعبة إلى السلاطين المجاورة من ملوك اليمن وغيرهم.
فكانت كسوة الكعبة الشريفة لملوك اليمن حينا ولغيرهم من السلاطين حينا آخر.
وفى خلال عام ٧٥٠ أوقف الملك الصالح إسماعيل، ابن الناصر محمد
стр. 703
المصرى، ربع أراضي القليوبية الخاصة بقرى سندس، وأبو الغيث، ويبنون على صنع الكسوة الشريفة، وعلى هذا أمر سلاطين مصر أهالى تلك القرى بصنع كسوة سوداء فى كل عام، ويرسلونها إلى مكة المعظمة، وعندما يتبدل السلاطين كانوا يضيفون إلى الستارة السوداء ستارة أخرى حمراء لتعلق على جدران الكعبة الداخلية.
وكان من العادة أن ينسج على الستارة الحمراء عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» الكلمة المنجية، ولكن أحيانا كانت تكتب آيات قرآنية جليلة وأسماء أصحاب المعالى، وفى عيد جلوس السلاطين المصريين ترسل إلى الروضة المطهرة للنبى ﷺ قطعا من أقمشة خضراء، وحينما خلص السلطان سليم بن بايزيد خان «عليهما الرحمة والغفران» مصر من أيدى ملوك الشراكسة وجبت خدمته للحرمين الشريفين.
فكسا الحجرة النبوية المعطرة بأشكال ذات ألوان، وكسا الكعبة بكسوة سوداء على نحو ما كان عليه الحال فى السابق.
لأن السلطان سليم أزال الخلافة العباسية التي فى مصر ونصب الملوك العثمانيين خلفاء العالم الإسلامى واستولى على البلاد الحجازية المقدسة فجعل البلاد العثمانية قبلة المسلمين واستصوب أن يسير على آثار الملوك الشراكسة ورأى أن يصنع كسوة الكعبة أهالى القرى التى وقفها الملك الصالح لذلك، ورجح السلطان سليمان - جعل الله مثواه الجنة - أن يظل صنع الكسوة الشريفة فى يد أهالى القرى التى سبق ذكرها ولكن القرى التى أمر الملك الصالح أهلها بصنع الكسوة أشرفت على الخراب وقلت مواردها فقرر أن تكمل نفقات الكسوة من خزينة الدولة المصرية ثم أمر أن توقف قرى أخرى حتى تصل الواردات إلى نصابها لصنع الكسوة وأملى أن ترسل الكسوة الشريفة مصنوعة من وقف الملك الصالح.
القرى التى ضمها السلطان سليمان إلى وقف الملك الصالح كانت سبع قرى
стр. 704
ونحن استطعنا أن نحصل على صورة لحجة الوقفية التى أرسلت فى ذلك الوقت إلى والى مصر والتى تبين موارد تلك القرى فى ذلك العصر وقيمتها وكيفية إنفاقها وإدارتها بعد أن قيدت في سجلات مصلحة الأوقاف وقد رأينا إدراجها هنا تبركا بها.
صورة وقف الكسوة الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى رفع القبة الخضراء ووضع بساط الخير وسمك فى سمائه الأفلاك، ملك فى أرضه الأملاك، ففتح مناهج الملك والدولة الغراء بيمن وقاية السلاطين وحسن رعاية الأمراء، وجعل الكعبة البيت الحرام لشعائر الدين الزهراء ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة:
١٥٨) واستعد بحجة يوم الجمرات ثم الصلاة والسلام على سيد الأنبياء محمد أعلم الرسل الأعلام والأبناء وعلى آله الكرام الأتقياء وأصحابه العظام الأصفياء.
نمقه العبد المحتاج إلى عفو ربه محمد بن قطب الدين محمد القاضى بالعساكر المظفرة المنصورة فى ولاية الأناضول.
أما بعد فهذه وثيقة أنيقة بديعة المعانى والبيان، بليغة المبانى والتبيان، توارى عبارتها راحا رحيقا، بل هى أصفى، وتجارى استعاراتها مسكا سحيقا بل هى أزكى، يشعر عما هو الحق القاطع، ما حواه فحواها، ويجير عما هو الصدق الساطع، ما أداه مؤداها، وهو أنه قد بان لكل ذى عقل سديد أن الدّنيا الدنية قنطرة العابرين ورباط المسافرين، يحل هذا ويرحل ذاك، ولا يدرى أحد إلا ويمتطى صهوتى أدهم الليل وأشهب النهار، ويسير مع السائرين إلى منتهى الآجال والأعمار، وهى موعظة ما قال سيد الكائنات عليه أفضل الصلوات «اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت، فلا ريب أن العاقل من اعتبر من الرواحل واتخذ فيها لرحيله ذخيرة وزاد، وادخر لمقامه الباقى عدة وعتاد بالصدقات التى ينال بها النجاة، ويتوسل بها إلى الجنات على ما نطق به القرآن وحديث رسول الرحمن، حيث قال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف ٨٨) وقال عليه الصلوات التامات: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية» (حديث
стр. 705
شريف) ألا وهى الوقف فلما تذكر فى جميع ذلك السلطان الأعظم، والخاقان الأكمل الأكرم، ظل الله فى أرضه وخليفة على خليفة فى رفعه وخفضه؛ علوى العلا من آل عثمان عثمانى المحيا، من سلاطين الزمان سلطان البحرين والبرين، والعرض القائم بالسنة والفرض، عاشر المجددين لدين الإسلام بأحسن المعاشر، وعاشر السلاطين كالعقد العاشر السلطان ابن السلطان ابن السلطان سليمان شاه بن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان لا زالت حديقة حقيقة العالمين منضرة بماء حياته، ونماء ذاته وحدقة العالمين منورة بضياء صفاته، وبضياء سناء حسناته، وبلغ أرواح آبائه وأجداده الرحمة، وسقاهم بالكوثر وأسبغ عليهم نعم غفرانه، وأنذر منها ورأى فى نفسه النفيسة نعم الله تعالى جزيلة لا يسع شكرها على ذاته الكريمة منه منة جميلة ليس من طوقه ذكرها أراد استقرارها بالأوقات القارة واستمرارها بالإرادة الدارة متفكرا فى قول الملك الخلاق، ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ (النحل: ٩٦) ونظر فى قول (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (حديث شريف) دعا لما بان تعظيم الكعبة المستورة بالأستار العالية وتشريفها فى الحج يوجب الجنة، ويصل الهدف الساتر من العذاب والجنة، وسيما في قلبه من قول الرسول «من زارنى وجبت له شفاعتى» (حديث شريف) أن يستشفع منه بتكريم قبره بالأستار بل بتشريف مراقد الاتباع وستر مراصد الأشباع، أيضا بالإزار تنزيلا أية منزلة الزيارة الدائمة، والخدمة القائمة على مر الدهور فإن تلك المواضع وإن كانت جرت العادة بسترها لكنها كانت بالأموال المتطرقة المتفرقة، فأحب أن يكون ما يصرف إلى هذه الآثار الشرييفة، من الأموال المتميزة المنيفة، فعين لهذه أجمل أملاكه وأسبابه، وأجمل أكسابه، فلذلك قد قال لدى المولى الفاضل، النحرير الكامل، مصباح رموز الدقائق، مفتاح كنوز الحقائق، كشاف المشكلات، حلال المعضلات، الموقع أعلى هذا الكتاب، يسر الله له حسن المآب بقوله الشريف ولطفه اللطيف، العارى عن الاعتساف، الحاوى على الإقرار والإعتراف، الذى يجوزه الشرع لاحتوائه على ما يغير الأصل والفرع، وحكى بأنه قد أوقف سبلها، وحبس أملاكها، وكملها